Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ١٤ / ح ٢٣٧٦
كتاب الشرب
الشكَّ فيه من حمَّد، فسيأتي للمصنِّف في الجزية (٣١٦٣) من طريق زهير عن يحيى، بلفظ:
دَعا الأنصار ليكتُب لهم بالبَحْرَينِ، وله في مناقب الأنصار (٣٧٩٤) من رواية سفيان عن
يحيى: إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرَينِ. وظاهره أنَّه أراد أن يجعلها لهم إقطاعاً.
واختُلِفَ في المراد بذلك، فقال الخطَّبي: يُحْتَمَلُ أنَّه أراد المواتَ منها ليتَمَلَّكوه
بالإحياء، ويُحْتَمَلُ أن يكون أراد العامر منها لكن في حقِّه من الخُمُسِ، لأنَّه كان تَرَكَ
أرضها فلم يَقسِمْها.
وتُعُقِّبَ بأنَّهَا فُتِحَت صُلْحاً كما سيأتي في كتاب الجِزية، فيُحتَمَلُ أن يكون المراد أنَّه أراد
أن يَخْصَّهم بتناول حِزْيَتِها، وبه جَزَمَ إسماعيل القاضي وابن قُرقُولٍ، ووَجَّهَه ابن بطَّال بأنَّ
أرض الصُّلح لا تُقْسَمُ فلا تُلَك.
وقال ابن الِّينِ: إِنَّما يُسمَّى إقطاعاً إذا كان من أرض أو عَقار، وإنَّما يُقطَعُ من الفَيءِ،
ولا يُقطَعُ من حقِّ مسلم ولا مُعاهَد. قال: وقد يكون الإقطاع تَمَليكاً وغيرَ تَليك، وعلى
الثاني يُحِمَلُ إقطاعُهُ وَّهِ الدّورَ بالمدينة، كأنَّه يشيرُ إلى ما أخرجه الشافعي (٤٦/٤ ٥١)
مُرسلاً ووَصَلَه الطبراني (١٠٥٣٤): أنَّ النبي ◌َِّ لمَّا قَدِمَ المدينةَ أَقْطَعَ الدّور (١). يعني:
أَنزَلَ المهاجرينَ في دورِ الأنصار برضاهم. انتَھی.
وسيأتي في أواخِرِ الْخُمُسِ (٣١٥١) حديثُ أسماء بنت أبي بكر: أنَّ النبي ◌َّ أَقْطَعَ
الُّبَير أرضاً من أموال بني النَّضير. يعني: بعدَ أن أجلاهم. والظَّاهرُ أنَّه مَلَّكَه إياها،
وأطلق عليها إقطاعاً على سبيل المجازِ، والله أعلم.
والذي ظَهَرَ لي أنَّ النبي ◌َِّ أراد أن يُخُصَّ الأنصارَ بما يَحَصُلُ من البحرين، أمَّا الناجز
يومَ عَرَضَ ذلك عليهم فهو الجِزِيةُ، لأنَّهم كانوا صالحوا عليها، وأمَّا بعدَ ذلك إذا وقعت
الفُتوح فخَراج الأرضِ أيضاً، وقد وقع منه وّر ذلك في عِدَّة أراضٍ بعدَ فتحِها وقبلَ
فتحِها، منها إقطاعُه تميماً الدّاري بيت إبراهيمَ، فلمَّا فُتِحَت في عهدٍ عمرَ نَجَزَ ذلك لتميم،
(١) من رواية يحيى بن جعدة بن هبيرة عن ابن مسعود. وقَوَّى الحافظُ إسنادَه في ((التلخيص)) ٦٣/٣.

٥٠٢
باب ١٥ / ح ٢٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
واستَمَرَّ في أيدي ذُرّيتِه من ابنَّتِّهِ رُقَيَّة، وبيدِهم كتاب من النبي ◌ََّ بذلك، وقِصَّته
مشهورة ذكرها ابن سعد(١) وأبو عُبيد في ((كتاب الأموال)) (٦٨٢) وغيرُهما.
قوله: «مِثْلَ الذي تُقْطِعُ لنا) زاد في رواية البيهقي: فلم يكن ذلك عنده (٢). يعني: سبب
قِلَّة الفُتوح يومئذٍ كما في رواية اللَّيث التي في الباب الذي يَلي هذا، وأغرَبَ ابن بطَّالٍ فقال:
معناه: أنَّه لم يُرِدِ فعل ذلك، لأَنَّه كان أقطَعَ المهاجرينَ أرض بني النَّضير.
قوله: (سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً)) بفتح الهمزة والمثَلَّثة على المشهورِ، وأشار و ليه بذلك إلى ما
وقع من استئثار الملوكِ من قُرَيش عن الأنصار بالأموال والتَّفضيل في العطاءِ وغير ذلك،
فهو من أعلام نُبَوَّته وَّهِ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في مناقب الأنصار(٣) إن شاء الله تعالى.
١٥ - باب كتابة القطائع
٢٣٧٧ - وقال اللَّيث: عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن أنسٍ﴾: دَعَا النبيُّ ◌َِّ الأنصارَ ليُقْطِعَ
لهم بالبحرَينِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إن فعَلتَ فاكتُب لإخواننا من قُرَيشِ بمِثلِها، فلم يكن
ذلك عندَ النبيِّ وََّ، فقال: ((إِنَّكُمُ ستَرَون بعدي أثرةً، فاصبِروا حتَّى تَلقَوني)).
٤٩/٥
قوله: ((باب كتابة القَطائع)) أي: لتكون تَوثقةً بيد الْمُقْطَع دفعاً للنِّراعِ عنه.
قوله: ((وقال اللَّيث)) لم أرَه موصولاً من طريقه. قال الإسماعيلي وغيره: أورَدَه عن
اللَّيثِ غير موصول، زاد أبو نُعيم: وكأنَّه أخذَه عن عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث عنه.
واعتُرِضَ على المصنّفِ بأنَّ رواية اللَّيث لا ذكرَ للكتابة فيها، وأُجيبَ بأنَّهَا مذكورة في الشِّقِّ
الثاني، وبأنَّه جرى على عادتِه في الإشارة إلى ما يَرِدُ في بعضِ الطّرقِ، وقد تقدَّم أنَّه عنده في
الجزية (٣١٦٣) من رواية زهير، وهو عند أحمد (١٢٧٠٦) عن أبي معاوية عن يحيى بن
سعيد، والله أعلم.
(١) في القسم المفرد الذي حققه الدكتور عبد العزيز السَّلومي من ((الطبقات)) (٣٣٠).
(٢) لم نقف على هذا الحرف في شيء من كتب البيهقي المطبوعة.
(٣) انظر شرح الحديث (٤٣٣١)، وهو حديث آخر عن أنس فيه: ((ستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى
تلقَوا اللهَ ورسولَه، فإني على الحوض)) قال أنس: فلم يصبروا.

٥٠٣
باب ١٦ / ح ٢٣٧٨
كتاب الشرب
وفي الحديثِ فضيلةٌ ظاهرةٌ للأنصار لتَوَقَّفِهم عن الاستئثار بشيءٍ من الدنيا دون
المهاجرينَ، وقد وصَفَهم الله تعالى بأنَّهم كانوا: ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[الحشر: ٩] فحَصَلوا في الفضل على ثلاثِ مراتبَ: إيثارُهم على أنفُسِهم، ومواساتُهم
لغيرهم، والاستئثارُ عليهم. وسيأتي الكلام على ما يَتَعَلَّقُ بالبحرين في كتاب الجِزية(١) إن
شاء الله تعالى.
١٦ - باب حَلَب الإبل على الماء
٢٣٧٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، حدَّثنا محمدُ بنُ فُلَيح، قال: حدَّثني أبي، عن هلال بنِ
عليٌّ، عن عبد الرحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مِن حقِّ الإبلِ أن
تُحَلَبَ على الماءِ)).
قوله: ((باب حَلَب الإبل على الماءِ)) أي: عند الماء، والحَلَب، بفتح اللَّام الاسم والمصدَر
سواء. قاله ابن فارس، تقولُ: حَلَبتُها أحلُبُها حَلَباً، بفتح اللَّام.
قوله: ((أن تُحْلَبَ)) بضمّ أوَّله على البناءِ للمجهول، وهو بالحاء المهمَلة في جميعٍ
الرِّوايات، وأشار الدَّاوُودي إلى أنَّه روي بالجيمِ، وقال: أراد أنَّها تُساقُ إلى موضعِ سقِها.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان كذلك لَقال: أن تُحلَبَ إلى الماءِ، لا على الماء، وإنَّما المرادُ حَلبها هناك
النفعِ مَن يَحَضُرُ من المساكينِ، ولأنَّ ذلك يَنفَعُ الإبل أيضاً، وهو نحو النَّهي عن الجِداد
باللَّيل (٢)، أراد أن تُجدَّ نهاراً لِيَحْضُرَ المساكين.
قوله: ((على الماءِ)) زاد أبو نُعيم في ((المستخرَجِ)) والبَرقاني في (المصافحة)) من طريق المعافَى
ابن سليمان عن فُلَيح: ((يوم وُرودها))(٣)، وساق البَرْقاني بهذا الإسناد ثلاثة أحاديثَ أُخَرَ فِي
(١) الباب رقم (٤)، وشرح الحديث (٣١٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (١٢٧-١٢٩)، والدارقطني في العلل)) ١٠٥/٣، والبيهقي ١٣٣/٤،
والخطيب في ((تاريخه)) ١٢/ ٣٧٢ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن جده علي بن
الحسين مُرسَلاً. وذكر الدارقطني أن بعضهم وصله بذكر علي بن أبي طالب، وصَوَّب المُرسَل.
(٣) فات الحافظَ رحمه الله أن يعزو هذه الزيادة إلى «مسند أحمد)) (٨٧٢٥) و(١٠٢٥٢) من طريقين عن فليح.

٥٠٤
باب ١٧ / ح ٢٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
نَسَق، وقد تقدَّم معنى حديث الباب في الزكاة (١٤٠٢) من طريق الأعرج عن أبي هريرة
مُطوَّلاً، وفيه: ((ومن حقِّها أن تُحلَبَ على الماءِ)) وتقدَّم شرحُه هناك.
١٧ - باب الرجل يكون له ممّ أو شِرب في حائطٍ أو في نخل
وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن باعَ نَخْلاً بعدَ أن تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُها لِلْبائع))، وللْبائع الممَرُّ والسَّقْيُ حتَّى
يَرْفَعَ، وكذلك رَبُّ العَرِيَّةِ.
٥٠/٥ قوله: ((باب الرجل يكون له مَمَرٍّ أو شِرْب في حائطٍ أو نَخْل)) هو من اللَّفِّ والنَّشر، أي:
له حَقّ المرورِ في الحائطِ، أو نصيب في النَّخل.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: مَن باع نَخْلاً بعدَ أن تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُها للبائع)» تقدَّم موصولاً في ((باب
مَن باع نخلاً قد أُبِرَت)) (٢٢٠٤) من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، ووَصَلَه بمعناه
في هذا الباب.
قوله: ((وللبائعِ الممَرُّ والسَّقْيُ حتَّى يَرْفَعَ)) أي: ثَمَرَتَه ((وكذلك رَبّ العَرِیّة)» وهذا کلّه من
كلام المصنَّفِ اسْتَنَبَطَه من الأحاديثِ المذكورة في الباب، وتَوَهَّمَ بعضُ الشُّرَاحِ أنَّه بقيةُ
الحديثِ المرفوعِ، فوَهَمَ في ذلك وهماً فاحشاً.
وقال ابن المنيِّر: وجه دخول هذه التَّرجمة في الفقه، التَّنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في
العين الواحدة، هذا له المِلك وهذا له الانتفاع، وهو مأخوذٌ من استحقاق البائع الثَّمَرة
دون الأصلِ، فيكون له حَقّ الاستطراق لاقتطافها في أرضٍ مملوكةٍ لغيره، وكذلك
صاحبُ العَربيّة. قال: وعندنا خِلافٌ فيمَن يَسقي العَريَّة، هل هو على الواهبِ أو الموهوبة
له؟ وكذلك سقيُ الثَّمَرة المستثناة في البيعِ، قيل: على البائعِ، وقيل: على المشتري، فلا تَغتَرَّ
بنَقل ابن بطَّالٍ الإجماع في ذلك.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ في ذلك خمسةَ أحاديثَ:
٢٣٧٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا اللَّيثُ، حدَّثني ابنُ شِهَابٍ، عن سالمِ بنِ
عبدِ الله، عن أبيه ◌َّه، قال: سمعتُ رسولَ اللهَوَ لَه يقول: ((مَنِ ابْتاعَ نَخْلاً بعدَ أن تُؤَيَّرَ، فَثَمَرَتُها

٥٠٥
باب ١٧ / ح ٢٣٧٩
كتاب الشرب
للْبائعِ، إلا أن يَشْتَرِطَ المبْتَاعُ، ومَنِ ابْتَاعَ عَبْداً وله مالٌّ فمالُه للَّذِي باعَه، إلا أن يَشْتَرِطَ المبْتَاعُ)).
وعن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ في العَبْدِ.
الأوَّلُ: حديث ابن عمر: ((مَن ابتاع نخلاً)) تقدَّم الكلامُ على شرحه، وعلى بيان شيء من
اختلاف الرُّواة فيه في ((باب مَن باع نخلاً قد أُبِرَت)) من كتاب البيوع (٢٢٠٣ و٢٢٠٤).
قوله: ((ومَن ابْتاع عبداً وله مالٌ ... )) إلى آخره، إلخ، قال ابن دقيق العيد: استَدَلَّ به
المالكية على أنَّ العبدَ يَملِكُ، لإضافة المِلكِ إليه باللَام، وهي ظاهرةٌ في المِلك.
قال غيره: يُؤخَذُ منه أنَّ العبدَ إذا مَلَّكَه سيِّدُه مالاً فإنَّه يَملِكُه، وبه قال مالك وكذا
الشافعي في القَديمِ، لكِنَّه إذا باعه بعدَ ذلك رَجَعَ المالُ لسَيِّدِه، إلَّا أن يشترِطَه
المبتاع. / وقال أبو حنيفة وكذا الشافعي في الجديد: لا يَملِكُ العبد شيئاً أصلاً، والإضافة ٥١/٥
للاختصاص أو الانتفاع، كما يقال: السَّرْجُ للفَرَس، ويُؤخَذُ من مفهومِه أنَّ مَن باع عبداً
ومعه مال وشَرَطَه المبتاعُ أنَّ البيعَ يَصِحّ، لكن بشرطِ أن لا يكون المالُ رِبَويّاً، فلا يجوزُ بِعُ
العبدِ ومعه دراهم بدراهمَ، قاله الشافعي، وعن مالكٍ: لا يُمنَعُ، لإطلاق الحديث، وكأنَّ
العقدَ إنَّما وقع على العبدِ خاصَّة، والمال الذي معه لا مَدخَلَ له في العقد.
واختُلِفَ فيما إذا كان المال ثياباً، والأصَحّ أنَّ لها حُكمَ المال، وقيل: تَدخُلُ عملاً
بالعُرف، وقيل: يَدخُلُ ساترُ العَوْرة فقط. وقال الباجيُّ: إن شَرَطَه المشتري للعبدِ صَحَّ
مُطلَقاً، وإن شَرَطَ بعضه له(١) أو لنفسِه فروایتان.
وقال المازَرِي: إن زالَ مِلك السَّيِّدِ عن عبدِه بَعْد بيع أو مُعاوَضةٍ، فالمال للسَّيِّدِ إلَّا أن
يشترِطَه المبتاع، وعن بعضِ التابعينَ كالحسنِ: يَتَبَعُ العبد، والحديث حُجَّة على قائل هذا.
وإن زالَ بالعِتق ونحوه، فالمال للعبدِ إلَّا أن يشترِطَه السَّيِّد، وإن زالَ بالهبة ونحوها
فروايتان، قال القُرطُبي: أرجَحُهما إلحاقها بالبيعِ وكذا إن سلَّمَه في الجِناية.
وفي الحديثِ جواز الشَّرط الذي لا يُنافي مُقتَضى العقد.
(١) لفظة ((له)) سقطت من (س).

٥٠٦
باب ١٧ / ح ٢٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
قال الكِرماني: قوله: ((وله مال)) إضافة المال إلى العبدِ مَجَاز، كإضافة الثَّمَرة إلى النَّخلة.
قوله: ((وعن مالكٍ)) هو معطوفٌ على قوله: حدَّثنا اللَّيث، فهو موصول، والتَّقدير:
حدَّثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك. وزَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّه مُعلَّق، وليس كذلك.
وتَرَدَّدَ الكِرماني. وقد وصَلَه أبو داود (٣٤٣٤) من حديث مالكِ عن نافعٍ عن ابن عمر،
في النَّخل مرفوعاً، وعن نافع عن ابن عمر عن عمر في العبدِ مَوقوفاً (١)، وكذا هو في
((الموطَّ)). ولفظه(٢): عن ابن عمر عن عمر بقِصَّة العبدِ، وعن نافعٍ عن ابن عمر، عن النبي
وَ بَقِصَّة النَّخل، ثمَّ ساقه (٣٤٣٥) من طريق سَلَمَةَ بن كُهَيل، حدَّثَني مَن سمِعَ جابراً
عن النبي وَله.
وقال الكِرِماني: قوله: ((في العبدِ)) أي: في شَأن العبد، أو التَّقدير: عن عمر، أنَّه قال في
العبدِ: بأنَّ مالَه لبائعِه، أو زاد لفظَ العبد بعدَ قوله: ((إلَّا أن يشترِطَ المبتاع)) أي: والعبد
كذلك. قلت: وأرجَحُها الأوَّل، وقد عُبِّرَ عنه عند أبي داود بنحوِ ذلك كما ذكرتُه.
وأخرجه النَّسائي (ك٤٩٦٧) من طريق يحيى القَطّان عن عُبيد الله العُمري عن نافعِ
عن ابن عمر عن عمر، بقِصَّة العبد، ومن رواية محمد بن إسحاق (ك ٤٩٧٠) عن نافع عن
ابن عمر، مرفوعاً بالقِصَّتَينِ، قال النَّسائي: إنَّه خطأ، والصَّواب ما رواه يحيى القَطّان،
وكذلك رواه اللَّيث وأيوبُ (ك٤٩٦٦ و٤٩٦٨) عن نافع في العبدِ مَوقوفاً.
وقوله: ((ومَن ابتاع عبداً وله مالٌّ فماله للَّذي باعه، إلَّا أن يشترِطَ المبتاع)) هكذا ثبتت قِصَّةُ
العبدِ في هذا الحديثِ في جميعٍ نُسَخ البخاري، وصَنيعُ صاحبٍ ((العُمدة)) يقتضي أنَّها من
أفراد مسلمٍ(٣)، فإنَّه أورَدَه في ((باب العَرايا)) فقال: عن عبد الله بن عمر، فذكر: ((مَن باع
(١) وقع في النسخ المطبوعة من ((السنن)): ((عن عمر عن رسول الله وَ ليل في قصة العبد))، وهو خطأ، وجاء على
الصواب في طبعتنا المحققة على عدة أصول خطية، ومنها نسخة الحافظ، وجاء على الصواب كذلك في
طبعة الشيخ محمد عوامة.
(٢) يعني عند أبي داود، وإلا فالمرفوع والموقوف قد جاءا في ((الموطأ)) مفرّقَين ٢/ ٦١١ و٦١٧.
(٣) الحديث عند مسلم (١٥٤٣) (٨٠)، وهو من رواية سالم عن أبيه.

٥٠٧
باب ١٧ / ح ٢٣٧٩
كتاب الشرب
نخلاً ... ))، ثمَّ قال: ولمسلم: «مَن ابتاع عبداً فماله للَّذي باعه إلَّا أن يشترِطَ المبتاع)). وكأنَّه
لمَّا نظرَ كتاب البيوع من البخاري فلم يَجِدِه فيه، تَوَهَّمَ أنَّها من أفراد مسلم. واعتَذَرَ
الشّارحُ ابن العَطّر عن صاحبٍ («العُمدة)»، فقال: هذه الزّيادةُ أخرجها الشَّيخان من رواية
سالمٍ عن أبيه عن عُمر، قال: فالمصنِّفُ لمَّا نَسَبَ الحديث لابن عمر احتاجَ أن يَنْسُبَ
الزِّيادة لمسلمٍ وحدَه. انتَهى مُلخَّصاً.
وبالَغَ شيخُنا ابن الملقِّن في الردِّ عليه، لأنَّ الشَّيخَين لم يَذكُرا في طريق سالم عمر، بل هو
عندهما جميعاً عن ابن عمر، عن النبي وَّ بغير واسطة عُمر، لكنْ مسلم والبخاري ذَكَراه
في البيوعِ والشّربِ، فَتَعَّنَ أنَّ سبب وهمِ المقدِسي ما ذكرتُه.
وقال الثَّوَوي في ((شرح مسلم)): لم تَفَع هذه الزِّيادةُ في حديثٍ نافعٍ عن ابن عمر،
وذلك لا يَضُرُّ فإنَّ سالماً ثقة، بل هو أجَلّ من نافع فزيادته مقبولة، وقد أشار النَّسائي
والدّارَ قُطني إلى ترجيحِ رواية نافعٍ وهي إشارةٌ مردودٌ. انتَهى. قلت: أمَّا نفي تَخريجها
فمردود، فإنَّها ثابتة عند البخاري (٢٢٠٣) هنا من رواية ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيكة عن
نافعٍ، لكن باختصار،/ وأمَّا الاختلافُ بين سالم ونافع فإنَّما هو في رفعها ووقفها، لا في ٥٢/٥
إثباتها ونفيها، فسالم رَفَعَ الحديثين جميعاً، ونافع رَفَعَ حديث النَّخل عن ابن عمر عن النبي
وَ لَهُ، وَوَقَفَ حديث العبدِ على ابن عمر عن عمرَ، وقد رَجَّحَ مسلم ما رَجَّحَه النَّسائي.
وقال أبو داود وتَبِعَه ابن عبد البَرِّ: وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي اختلفَ فيها
سالم ونافع، قال أبو عمر: اتَّفقا على رفع حديث النَّخل، وأمَّا قِصَّةُ العبدِ فَرَفَعَها سالم
ووَقَفَها نافع على عُمر، ورَجَّحَ البخاري رواية سالمٍ في رفعِ الحديثين. ونَقَلَ ابن التِّين عن
الدَّاوُودي: هو وهم من نافع، والصحيح ما رواه سالم مرفوعاً في العبدِ والثَّمَرة، قال ابن
النِّينِ: لا أدري من أينَ أَدخل الوهم علی نافع مع إمکان أن یکون عمرُ قال ذلك - يعني
على جِهَة الفتوى - مُستَنِداً إلى ما قاله النبي ◌ِِّ، فَتَصِحَّ الرِّوايتان.

٥٠٨
باب ١٧ / ح ٢٣٨٠ - ٢٣٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: قد نَقَلَ التِّرمِذي في ((الجامعِ)) عن البخاري تصحيح الرِّوايَتَين، ونَقَلَ عنه في
((العِلَلِ)) ترجيح قول سالمٍ، وقد تقدَّم بيان ذلك كلِّه واضحاً في كتاب البيوع (٢٢٠٣) (١).
٢٣٨٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، عن زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنهم، قال: رَخَّصَ النبيُّ نَّهِ أَن تُباعَ العَرايا بِخَرْصِها تَمْراً.
٢٣٨١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا ابنُ عُيَينةً، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، سمعَ جابَرَ
بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما: نهى النبيُّ وَّرَ عن المخابَرةِ، والمحاقَلةِ، وعن المزابَنةِ، وعن بيعِ
الثَّمَرِ حتَّى يَبْدِوَ صَلَاحُه، وأن لا تُباعَ إلا بالدينار والدِّرْهَمِ، إلا العَرايا.
٢٣٨٢- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حَدَّثنا مالكٌ، عن داود بنِ حُصَينٍ، عن أبي سفيانَ مولى
ابنِ أبي أحمدَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: رَخَّصَ النبيُّ وَله في بيعِ العَرايا بخَرْصِها مِن الثَّمْرِ، فيما
دونَ خمسةٍ أوسُقٍ، أو في خمسةِ أوسُقٍ. شَكَّ داودُ في ذلك.
٢٣٨٣، ٢٣٨٤ - حدَّثْنا زكريّا بنُ يحيى، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: أخبرني الوليدُ بنُ كثيرٍ،
قال: أخبرني بُشَيرُ بنُ يَسَارٍ مولى بني حارثةَ، أنَّ رافعَ بنَ خَدِيجٍ وسهلَ بنَ أبي حَثْمَةَ حَدَّثَاهِ: أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ونهى عن المزابنة: بيع الثَّمَرِ بالثَّمْرِ، إلا أصحابَ العَرايا، فإِنَّه أذِنَ لهم.
قال: وقال ابنُ إسحاقَ: حَّثني بُشَيرٌ ... مِثلَه.
ثانيها: حديث زيد بن ثابت في العرایا، وقد تقدَّم مشروحاً في بابه (٢١٩٢).
ثالثها: حديثُ جابر في النَّهي عن المخابرة والمحاقَلة والمزابَنة، وبيع الثَّمَرِ حَتَّى يَبدوَ
صلاحُه، وبيعُه بغير الدينار والدِّرهَمِ إلَّ العَرايا.
فأمَّا المخابرة فتقدَّم الكلامُ عليها في المزارَعة(٢)، وأمَّا المحاقَلةُ فتقدَّم الكلام عليها في
حديثٍ أنس في ((باب بيع المخاضَرة)) (٢٢٠٧)، وأمَّا المزابنةُ فتقدَّم الكلام عليها في حديثٍ
(١) كان هنا نص من شرح أثر نافع المتقدم برقم (٢٢٠٣)، نقلناه إلى موضعه اللائق به هناك.
(٢) في باب المزارعة بالشطر ونحوه، عند قوله في الأثر عن عمر: وعامل عمر الناس ... إلخ، بين يدي
الحديث رقم (٢٣٢٨).

٥٠٩
باب ١٧ / ح ٢٣٨٠ - ٢٣٨٤
كتاب الشرب
ابن عمر وابن عبَّاس وغيرهما في ((باب المزابنة)) (٢١٨٣ -٢١٨٨)، وأمَّا بَقيتُه فتقدَّم في
(باب بيع الثَّمَرِ على رؤوسِ النَّخلِ» من حديث جابر (٢١٨٩).
رابعها: حديث أبي هريرة في بيعِ العَرايا، وقد تقدَّم أيضاً مشروحاً في بابه (٢١٩٠ و٢١٩٢).
خامسها: حديث رافع بن خَدِيج وسهل بن أبي حَثْمة في النَّهي عن المزابنة إلّا أصحاب
العَرايا، وقد تقدَّم حديث سهل في ((باب بيع الثَّمَرِ على رؤوسِ النَّخلِ)) (٢١٩١)، وقد تقدَّم
شرح جميع هذه الأحاديث.
وقوله هنا: ((قال: وقال ابن إسحاق: حدَّثني بُشير - يعني: ابن یَسَار - مِثْلَه)) كذا لأبي ذرِّ
وأبي الوقت، ووقع للأَصِيلي وكَرِيمة وغيرهما: قال أبو عبد الله: قال ابن إسحاق. فعلى
هذا فهو مُعلَّق، ولم أرَه موصولاً من طريقه إلى هذه الغاية، والله المستعان.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الشِّرب على ستّة وثلاثينَ حديثاً، المعَلَّق منها خمسة والبقية
موصولة، والمكرَّر منها فيه وفيما مضى سبعةَ عشرَ حديثاً، والخالص تِسعةَ عشرَ، وافقَه
مسلم على تَّخريجِها سوى حديث عثمان في بئر رُومة، وحديث ابن عبّاس في قِصَّة هاجَرَ،
وحديث الصَّعْب في الحِمى، وحديث الزُّهْري المرسَل في حمى النَّقيع، وحديث أنس في
القَطَائع.
وفيه من الآثار اثنان عن عمر . والله تعالى أعلم.

٥١١
باب ١ / ح ٢٣٨٥ - ٢٣٨٦
كتاب الاستقراض
٥٣/٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب في الاستقراض
وأداء الدُّيون والحَجْر والتّفليس
قوله: ((كتاب في الاستقْراض وأداء الدُّيونِ والحَجْرِ والتَّفْليس)) كذا لأبي ذرِّ، وزاد غيره
في أوَّله البسملة. وللنَّسَفي: باب، بدلَ: كتاب، وعَطَفَ التَرجمة التي تَليهِ عليه بغير باب.
وَمَعَ المصنّف بين هذه الأُمورِ الثلاثة لقِلَّة الأحاديث الواردة فيها، ولِتَعلَّق بعضِها ببعض.
١ - باب من اشتری بالدّین ولیس عنده ثمنه، أو ليس بحضرته
٢٣٨٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن المغيرةِ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: غَزَوْتُ معَ النبيِّ وَّهِ، فقال: ((كيفَ تَرَى بعيرَكَ؟ أَتَبيعُهُ؟» قلتُ:
نعم، فِعْتُه إيّاه، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ غَدَوْتُ إليه بالبعيرِ، فأعطاني ثمنَه.
٢٣٨٦- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: تَذاكَرْنا عندَ
إبراهيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ، فقال: حدَّثني الأسوَدُ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َِّـ
اشترَى طعاماً من يهوديٍّ إلى أجَلٍ، ورَهَنَه دِرْعاً من حَدیدٍ.
قوله: ((باب مَن اشترى بالدَّينِ وليس عنده ثمنه أو ليس بحَضْرَتِهِ)) أي: فهو جائز، وكأنَّه
يشيرُ إلى ضَعف ما جاء عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((لا أشتَري ما ليس عندي ثمنه))، وهو
حديث أخرجه أبو داود (٣٣٤٤) والحاكمُ (٢/ ٢٤) من طريق سِماك عن عِكرمةَ عنه، في
أثناءِ حديثٍ تفرَّد به شَريك عن سِماك، واختُلِفَ في وصلِه وإرساله.
ثُمَّ أورَدَ فيه حديثَ جابر في شِراءِ النبيِّهِ منه جَمَلَه في السَّفَرِ، وقَضائه ثمنه في المدينة،
وهو مطابقٌ للزُّكن الثاني من التَّرجمة. وحديثَ عائشة في شرائه ◌َِّ من اليهودي الطَّعامَ إلى
أجَل، وهو مطابقٌ للرُّكن الأوَّل.

٥١٢
باب ٢ / ح ٢٣٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن المنيِر: وجه الدّلالة منه أنَّه وَ﴿ لو حَضَرَه الثَّمَن ما أخّرَه، وكذا ثمن الطَّعام
لو حَضَرَه لم يُرتِّب في ذِمَّتِهِ دَيناً، لمَا عُرِفَ من عادتِه الشَّريفة من المبادرة إلى إخراج ما
يَلَزَمُه إخراجُه.
قلت: وحديث جابر يأتي الكلام عليه في الشُّروطِ (٢٧١٨)، وحديث عائشة يأتي
الكلام عليه في الرَّهن (٢٥٠٩).
قوله في أوَّل حديث جابر: «حدّثنا محمد بن یوسف» هو الپیکندي. کذا ثبت لأبي ذرِّ،
وأُهِلَ عند الأكثرِ، وجَزَمَ أبو عليّ الجَيَّاني بأنَّه ابن سَلَامٍ، وحكى ذلك عن رواية ابن
السَّکن، ثمّ وجدته في رواية أبي عليّ بن شبویه عن الفربري کذلك. و جَرِيرٌ شیخه: هو ابن
عبد الحميد، ومغيرة: هو ابن مِقسَم.
٢- باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها
٢٣٨٧ - حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأُوَيسيُّ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ،
عن أبي الفَيثِ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: «مَن أخذَ أموالَ النّاس يريدُ أداءَها
أدَّى اللهُ عنه، ومَن أخذَ يريدُ إِثْلَافَها أَتْلَفَه الله)).
٥٤/٥
قوله: ((باب مَن أخذَ أموال النّاس يريدُ أداءَها أو إثْلافَها)» حَذَفَ الجواب اغتِناءً بما وقع
في الحديث. قال ابن المنيِر: هذه التَّرجمةُ تُشعِرُ بأنَّ التي قبلها مُقيَّدة بالعلمِ بالقُدرة على
الوَفاء، قال: لأَنَّه إذا عَلِمَ من نفسِه العجز، فقد أخذَ لا يريدُ الوَفاءَ إلَّا بطريق التَّمَنّي،
والتَّمَنّي خِلافُ الإرادة.
قلت: وفيه نظرٌ، لأنَّه إذا نَوى الوَفاء ممَّا سيَفتَحُه الله عليه، فقد نَطَقَ الحديثُ بأنَّ الله
يُؤَدّي عنه، إِمَّا بأن يَفْتَحَ عليه في الدنيا، وإمَّا بأن يَتَكَفَّلَ عنه في الآخرة، فلم يَتَعَيَّن التَّقييد
بالقُدرة في الحديث. ولو سُلِّمَ ما قال، فهناك مَرتَبةٌ ثالثةٌ: وهو أن لا يعلمَ هل يَقدِرُ أو يَعجِزُ.
قوله: ((عن ثَوْر بن زيد)) بفتح الزّايٍ، وهو الدِّيلي، وللإسماعيلي من طريق ابن وَهْب
عن سلیمان: حدَّثني ثَور.

٥١٣
باب ٢ / ح ٢٣٨٧
كتاب الاستقراض
قوله: ((عن أبي الغَيْثِ)) بالمعجَمة والمثَلَّثة، زاد ابن ماجَهْ (٢٤١١): مَولى ابن مُطيع.
قلت: واسمُه سالم، والإسناد كلّه مدنُّونَ.
قوله: «أدّی الله عنه)) في روایة الگُشمِیهني: ((أداها الله عنه))، ولابن ماجة (٢٤٠٨) وابن
حِبَّان (٥٠٤١) والحاكم (٢/ ٢٣) من حديث ميمونة: ((ما من مسلمٍ يَدّانُ دَيناً يعلمُ الله أنَّه
يريدُ أداءَه، إلّا أدّاه الله عنه في الدنيا))، وظاهره يُحِيلُ المسألةَ المشهورةَ فيمَن ماتَ قبلَ الوَفاءِ
بغير تَقصير منه، كأن يُعسِرَ مثلاً، أو يَفجأه الموت وله مالٌ تَخَبوءٌ، وكانَ نيته وفاءَ دَينه، ولم
يَوَفَّ عنه في الدنيا. ويُمكِنُ حَمل حديث ميمونة على الغالب، والظَّاهر أنَّه لا تَبِعةَ عليه والحالة
هذه في الآخرة بحيثُ يُؤخَذُ من حسناته لصاحبِ الدَّين، بل يَتَكَفَّلُ الله عنه لصاحبِ الدَّينِ،
كما دَلَّ عليه حديث الباب، وخالف(١) في ذلك ابنُ عبد السلام، والله أعلم.
قوله: ((أَتْلَفَه الله)) ظاهره أنَّ الإتلافَ يقعُ له في الدنيا، وذلك في مَعاشه أو في نفسِه.
وهو عَلَمٌ من أعلام النُّوَّة لمَا ذَراه بالمشاهَدة مَمَّن يَتَعاطى شيئاً من الأمرَين، وقيل: المراد
بالإتلاف عذاب الآخرة.
قال ابن بطَّال: فيه الحضّ على ترك استئكال أموال الناس، والتَّرغيب في حُسن التَّأدية
إليهم عند المداينة، وأنَّ الجزاءَ قد يكون من جِنسِ العمل.
وقال الدَّاوُودي: فيه أنَّ مَن عليه دين لا يُعتِقُ ولا يَتَصَدَّقُ، وإن فعَلَ رُدَّ. انتهى. وفي
أخذِ هذا من هذا بُعدٌ كَبیر.
وفيه التَّرغيبُ في تحسين النّية، والتَّرهيبُ من ضِدِّ ذلك، وأنَّ مَدارَ الأعمال عليها. وفيه
التَّرغیبُ في الدَّین لمن ینوي الوفاء، وقد أخذَ بذلك عبد الله بن جعفر فیما رواه ابن ماجَهْ
(٢٤٠٩) والحاكمُ (٢٣/٢) من رواية محمد بن عليّ عنه: أنَّه كان يَستَدين، فسُئِلَ فقال:
سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يقول: ((إنَّ الله مع الدائن حتَّی یقضی دینه)) إسناده حسن، لكن
اختُلِفَ فيه على محمد بن عليّ، فرواه الحاكمُ (٢/ ٢٢) أيضاً من طريق القاسم بن الفضل
(١) في (س): وإن خالف.

٥١٤
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
عنه عن عائشة بلفظ: ((ما من عبدٍ كانت له نيّة في وفاءِ دَينِه إلَّا كان له من الله عَوْن)» قالت:
فأنا ألتَمِسُ ذلك العَوْن. وساق له شاهداً من وجهٍ آخرَ عن القاسمِ عن عائشة(١). وفيه أنَّ
مَن اشترى شيئاً بدَين وتَصَرَّفَ فيه وأظهَرَ أنَّه قادرٌ على الوَفاءِ، ثمَّ تَبيَّنَ الأمر بخِلافه: أنَّ
البيعَ لا يُرَدُّ، بل يُنتَظَرُ به حُلولُ الأجَلِ، لاقتصاره وَِّ على الدُّعاءِ عليه ولم يُلزِمه برَدِّ
البیعِ، قاله ابن المنیِر.
٣- باب أداء الذَّین
٥٥/٥
وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآيةَ [النساء: ٥٨].
قوله: ((باب أداء الدَّينِ)) في رواية أبي ذرِّ (٢): الدُّون، بالجمع «وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَىَ أَهْلِهَا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساق الأَصِيلي وغيره الآية.
قال ابن المنيِِّ: أَدخلَ الدَّينَ في الأمانة لثبوتِ الأمر بأدائه، إذ المرادُ بالأمانة في الآية هو
المرادُ بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وفُسِّرَت
هناك بالأوامرِ والنَّواهي، فيَدخُلُ فيها جميعُ ما يَتَعَلَّقُ بالذِّقَّة وما لا يَتَعَلَّقُ. انتهى. ويُحْتَمَلُ
أن تكون الأمانة على ظاهرها، وإذا أمَرَ الله بأدائها ومَدَحَ فاعِله وهي لا تَتَعَلَّقُ بالذِّمَّة،
فحالُ ما في الذِّمَّة أولى.
وأكثرُ المفسّرِينَ على أنَّ الآيةَ نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وعن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [عن أبيه](٣): نزلت في الوُلاة، وعن ابن عبّاس: هي عامَّةٌ في
(١) لكن في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن مجبّ، وهو متروك الحديث. ورواية القاسم بن الفضل أصح
إسناداً.
(٢) كذا قال الحافظ، وكذلك العيني في ((عُمدة القاري)) ٢٢٧/١٢، مع أن الذي في اليونينية والقسطلّاني أن
رواية أبي ذرِّ بالإفراد، ورواية غيره بالجمع!
(٣) قوله: ((عن أبيه)) سقط من الأصلين و(س)، وقد ذكره الحافظ على الصواب في ((العجاب)) ٨٩٤/٢،
فقال: أسند الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قال أبي: هم الوُلاة. فلعل قوله:
(قال أبي)) سقط وهماً هنا من الحافظ، أو من النسّاخ. وهو عند الطبري ١٤٥/٥.

٥١٥
باب ٣ / ح ٢٣٨٨ -٢٣٨٩
كتاب الاستقراض
جميع الأمانات(١). وروى ابن أبي شَيْبة (٦ / ٢٤٨) من طريق طَلْق بن معاوية قال: كان لي
على رجلٍ دين فخاصَمتُه إلى شُرَيح، فقال له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
وأمَرَ بحَبسِه.
٢٣٨٨ - حدَّثني أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا أبو شِهَابٍ، عن الأعمَشِ، عن زيد بنِ وَهْب،
عن أبي ذرٍّ عَلُه، قال: كنتُ معَ النبيِّ وَّةِ، فلمَّا أبصَرَ - يَعْني - أُحُداً قال: «ما أُحِبُّ أَنَّه تَحَوَّلَ لي
ذَهَباً، يَمْكُث عندي منه دينارٌ فوقَ ثلاثٍ، إلا دينارٌ أُرصِدُه لِدَينٍ)) ثمَّ قال: ((إنَّ الأكثرينَ هم
الأقلُّونَ، إلا مَن قال بالمال هكذا وهكذا - وأشار أبو شِهَابِ بین یَدیه، وعن یمینه، وعن شماله-
وقليلٌ ما هُمْ)) وقال: ((مكانَكَ))، وتقدَّم غيرَ بَعيدٍ فسمعتُ صَوْتاً فأرَدْتُ أن آتيَه، ثمَّ ذَكَرْتُ
قولَه: (مكانَكَ حتَّى آتْيَكَ)) فلمَّا جاء قلتُ: يا رسولَ الله، الذي سمعتُ - أو قال: الصَّوْتُ
الذي سمعتُ _؟ قال: ((وهل سمعتَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((أتاني جِبْريلُ عليه السلام، فقال:
مَن ماتَ من أُمَّتِكَ لا يُشِرِكُ بالله شيئاً دَخَلَ الجنَّةَ)) قلتُ: ومَن فَعَلَ كذا وكذا؟ قال: ((نعم)).
٢٣٨٩ - حذَّثني أحمدُ بنُ شَبيبٍ بنِ سعيدٍ، حدَّثنا أبي، عن يونسَ، قال ابنُ شِهَابٍ:
حذَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، قال: قال أبو هريرةَ ﴾: قال رسولُ الله ◌َّ: (لو كان لي
مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً ما يَسُّني أن لا يَمُرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ، إلا شيءٌ أَرصِدُهُ لِدَينٍ)).
رواه صالحٌ وعُقَيلٌ، عن الزُّهْريِّ.
[طرفاه في: ٧٢٢٨،٦٤٤٥]
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ فيه حديث أبي ذرٍّ: كنت مع النبيِ وَ لَّ فلمَّا أبصَرَ أُحُداً، قال: ((ما
أُحِبُّ أنَّه تَحوَّل لِي ذَهَباً يَمكُثُ عندي منه دينار فوقَ ثلاث، إلَّا دينارٌ أُرصِدُه لدَينٍ))
الحديث، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٤). وغَرَضُه هنا هذا القَدْر
المذكور.
(١) أخرج ابنُ أبي شيبة ١٢/ ٢٢٢، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٩٨٥/٣، وابن المنذر في ((تفسيره)) (١٩١٨)
عن ابن عباس قال: هي مُبهَمة للبَرِّ والفاجر، وإسناده ضعيف.

٥١٦
باب ٣ / ح ٢٣٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بطَّال: فيه إشارة إلى عَدَم الاستغراق في كثير الدَّين والاقتصار على اليسير منه،
أخذاً من اقتصاره على ذكرِ الدينار الواحدِ، ولو كان عليه مئةُ دينارٍ مثلاً لم يُرْصِد لأدائها
ديناراً واحداً. انتهى، ولا يخفى ما فيه.
وفيه الاهتمامُ بأمر وفاء الدَّين، وما كان عليه ◌َّل﴾ من الزَّهادة في الدنيا.
قوله: ((ما أُحِبُّ أَنَّه تَحَوَّلَ لِي ذَهَباً)) كذا لأبي ذرّ: ((تَحوَّلَ)) بفتح المثنَّة، ولِغيره بضمّ
التَّحتانية.
قال ابن مالك: فيه ((حَوَّلَ)) بمعنى صَيَّرَ، وقد خَفي على كثيرٍ من النُّحاة، وعابَ
بعضُهم استعمالَه على الحَريري. قال: وقد جاء هنا على ما لم يُسمَّ فاعِلُه جارياً(١) مجرى
((صارَ)) في رفع ما كان مُبْتَدَأ، ونصب ما كان خبراً، وكذلك حُكمُ ما صِيغَ مِن حَوَّلَ، مِثل:
تَحوَّلَ فإنَّه بزيادة المثنَّة تَجَدَّدَ له حذف ما كان فاعِلاً، وجَعْل أوَّل المفعولَين فاعِلاً، وثانيهما
خبراً منصوباً.
٥٦/٥ قوله: (أُرصِدُه)) ثبت في روايتنا بضمّ أوَّله من الرُّباعي، وحكى ابن التِّين عن بعضِ
الرِّوايات بفتح الهمزة من رَصَدَ، والأوَّل أوجَه، تقولُ: أرصَدتُه، أي: هَيَّته وأعدَدته،
ورَصَدتُه، أي: رَقَبتُه.
وقوله: ((الأكثرونَ)) أي: مالاً و((الأقلُّونَ)) أي: ثواباً إلَّا مَن ذَكَره.
وقوله: ((وقليلٌ ماهم)) ((ما)) زائدة أو صِفة.
وقوله: ((مكانَك)) بالنَّصبِ محذوف العاملِ، أي: الزَمْ مكانَك.
وقوله: «قلت: يا رسول الله، الذي سمعت؟)) خبره محذوف تقدیرُه: ما هو.
وقوله: ((ومَن فَعَلَ كذا وكذا)» فُسِّرَ في الرِّواية الآتية في الرِّقاق: ((وإن زَنى وإن سَرَقَ))،
ووقع في رواية المُستَمْلي هنا: ((وإن)) بدل ((ومَن)).
(١) كذا في (س) بالنصب على الحال، وفي الأصلين: جارٍ به، خبر مبتدأ محذوف، وكلاهما صحيح.

٥١٧
باب ٤ / ح ٢٣٩٠
كتاب الاستقراض
قوله عقب حديث أبي هريرة في معنى حديث أبي ذر: ((رواه صالح وعقيل، عن الزهري))
يعني: عن عُبيد الله عن أبي هريرة، وطريقهما موصول في ((الزهريات)) لمحمد بن يحيى
الذُّهْلِ.
قوله: ((لو كان لي مِثْلُ أَحُدٍ ذَهَباً)) قال ابن مالك: فيه وقوع التَّمييزِ بعدَ ((مِثل))، وهو
قليل، ونَظِيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
قوله: ((ما يَسُرُّني أن لا يَمُرَّ)) قال ابن مالك: فيه وقوع جواب (لو)) مُضارعاً مَنفياً بها،
والأصلُ أن يكون ماضياً مُثبَتّاً، وكأنَّه أوقَعَ المضارع مَوقِع الماضي، أو يكون الأصل: ما
كان يَسُرُّني، فحَذَفَ ((كان)) وهو جواب ((لو))، وفيه ضميرٌ هو الاسمُ، و((يَسُرُّني)) الخبر،
وحذفُ کان مع اسمها وبقاء خبرها کثیر، وهذا أُولى، انتهى.
ووقع في حديث أبي ذرٍّ: ((ما يَسُرُّني أن يَمكُثَ عندي))، وفي حديث أبي هريرة: (يَسُُّني
أن لا يَمكُثَ))(١)، ومفهوم كلٌّ منهما مطابق لمنطوق الآخر، ووقع للأَصِيلي وكَرِيمة في رواية
أبي هريرة: «ما يَسُرُّني أن لا يَمكُثَ)) وعلى هذا فـ((لا)) زائدةٌ، والله أعلم.
٤ - باب استقراض الإبل
٢٣٩٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا سَلَمةُ بنُ كُهَيلِ، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ
بمنىَّ يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ ﴾: أنَّ رجلاً تَقاضَى رسولَ الله ◌َّةِ، فَأغلَظَ له، فَهَمَّ به أصحابُه،
فقال: ((دَعُوه، فإنَّ لِصاحبِ الحقِّ مقالاً، واشتروا له بعيراً فأعطوه إيّاه)) قالوا: لا نَجِدُ إلا
أفضلَ من سِنِّه، قال: ((اشتروه فأعطوه إيّاه، فإنَّ خيرَكُم أحسنُكُم قَضاءً)».
قوله: ((باب استقْراض الإبل)) أي: جوازه ليُرُدَّ المقتَرِض نَظِيرَه أو خيراً منه.
قوله: ((أنَّ رجلاً تَقاضَى رسولَ الله وَ لّ) وفي رواية ابن المبارك عن شُعبة الآتية في الهبة
(٢٦٠٩): أنَّ النبيِ وَّ أَخذَ سِنّاً فجاء صاحبُهُ يَتَقاضاه، أي: يَطلُبُ منه قَضاء الدَّين، وفي
أوَّل حديث سفيان عن سَلَمةَ كما سيأتي بعدَ بابين (٢٣٩٣): كان لرجلٍ على النبي ◌ِّ ◌ِنٌّ
(١) هذا في غير رواية الأصيلي وكريمة التي اعتمدها الحافظ في هذا الحديث.

٥١٨
باب ٤ / ح ٢٣٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
من الإبلِ، فجاءه يَتَقاضاه، ولأحمد (٨٨٩٧) عن عبد الرَّزّاق عن سفيان: جاء أعرابي
يَتَّقاضى النبيَّ وَل بعيراً، وله (١٠٦٠٩) عن يزيد بن هارون عن سفيان: استَقَرَضَ النبي
وَلَه من رجل بعيراً، وللِّرمِذي (١٣١٦) من طريق عليّ بن صالح عن سَلَمةَ: اسْتَقْرَضَ
النبيِ وَلّ ◌ِنّاً(١).
قوله: ((فأغلَظَ له)) يحتملُ أن يكون الإغلاظ بالتَّشديد في المطالَبة من غيرِ قَدْرٍ زائدٍ،
ویحتملُ أن یکون بغير ذلك، ویکون صاحب الدَّین کافراً، فقد قيل: إنَّه كان يهودياً،
والأوَّل أظهَرُ لمَا تقدَّم من رواية عبد الرَّزّاق أنَّه كان أعرابياً، فكأنه جرى على عادتِه من
جَفاءِ المخاطَبة.
ووقع في ترجمة بكر بن سهل من ((مُعجَمِ الطبراني الأوسَط)) (٣٢٥٥) عن العِرباض بن
سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائي (٤٦١٩) والحاكم (٣٠/٢) الحديث المذكور،
وفيه ما يقتضي أنَّه غيرُه، وأنَّ القِصَّةَ وقعت لأعرابي، ووقع للعِرباض نحوُها.
قوله: ((فَهَمَّ به أصحابُه)) أي: أراد أصحابُ النبي ◌َِّ أَن يُؤذوه بالقول أو الفعلِ، لكن
لم يَفْعَلوا أدَباً مع النبي ◌ِلّ.
٥٧/٥
قوله: ((فإنَّ لِصاحبِ الحقِّ مقالاً))،/ أي: صَولَة الطَّلَب وقوَّة الحُجَّة، لكن مع مراعاة
الأدَبِ المشروع.
قوله: ((واشتروا له بعيراً) في رواية عبد الرَّزاق: «التَمِسوا له مِثْلَ سِنِّ بعيره)».
قوله: ((قالوا: لا نَجِدُ)) في رواية سفيان الآتية (٢٣٩٣): فقال: ((أعطوه)) فطلبوا سِنَّه فلم
يَجِدُوا إلَّا فوقَها، وفي رواية عبد الرَّزاق: فالتَمَسوا له، فلم يَجِدوا إلَّا فوقَ سِنِّ بعيره.
والمخاطَب بذلك هو أبو رافع مَولى النبي ◌َِّ، كما أخرجه مسلم (١٦٠٠) من حديثه قال:
اسْتَسلَفَ رسولُ اللهِ وَّهِ من رجل بَكْراً، فقَدِمَت عليه إبلٌ من إبل الصَّدَقة، ولابن خُزَيمة
(١) وقع بعد هذا في الأصلين عبارة نصّها: قوله: ((سنٍّ)) أي: جملٌ له سنٌّ معيّن. ومحلها عند شرح الحديث
الآتي برقم (٢٣٩٤)، وكذلك جاءت في (س)، فلذلك نقلناها إلى هناك.

٥١٩
باب ٤ / ح ٢٣٩٠
كتاب الاستقراض
(٢٣٣٢): استَلَفَ من رجلٍ بَكْراً، فقال: ((إذا جاءت إبل الصَّدَقة قَضَيناك)) فلمَّا جاءت
إبل الصَّدَقة أمَرَ أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فَرَجَعَ إليه أبو رافع، فقال: لم أجِد فيها إلَّا
خِياراً رَبَاعياً، فقال: ((أعطِهِ إياه))، ويُجمَعُ بينه وبين الرِّواية التي في الباب حيثُ قال فيها:
(اشتروا له)) بأنَّه أمَرَ بالشِّراءِ أَوَّلاً، ثمَّ قَدِمَت إبلُ الصَّدَقة فأعطاه منها، أو أنَّه أمَرَ بالشِّراءِ
من إبل الصَّدَقة مَمَّن استَحقَّ منها شيئاً، ويُؤَيِّدُه رواية ابن خُزيمة المذكورة: ((إذا جاءت
الصَّدَقة قَضَیناك». انتهى.
والبَكْرُ بفتح - الموحّدة وسكون الكاف ــ: الصغيرُ من الإبل، والخِيارُ الجِيِّدُ، يُطلَقُ على
الواحدِ والجمع، والرَّبَاعي - بتخفيف الموحَّدة -: مَن ألقى رَباعِیَتَه.
قوله ((فإنَّ خيرَكُمْ أحْسَنُكُم قَضاء» في رواية عثمان بن جَبَلة عن شُعبة الآتية في الهبة
(٢٦٠٦): ((فإنَّ من خيرِكُم - أو خيرَكُم )) كذا على الشكّ، وفي رواية ابن المبارك (٢٦٠٩):
((أفضلُكُم أحسنُكُمْ قَضاء)) وفي رواية سفيان الآتية (٢٣٩٣): ((خياركُم)، فيُحتَمَلُ أن يريدَ
المفرَد بمعنى المختار، أو الجمع، والمراد أنَّه خيرُهم في المعاملة، أو تكون ((مِن)) مُقدَّرةً، ويدلُّ
عليها الرِّواية المذكورة(١).
وقوله: ((أحسنكُم)) لمَّا أُضيفَ أَفعَلُ والمقصود به الزِّيادة، جازَ فيه الإفراد، وقد وقع
في رواية سفيان بعدَ باب (٢٣٩٢): «من خیارکُم))(٢).
وفي الحديثِ جوازُ المطالَبة بالدَّين إذا حَلَّ أجَلُه. وفيه حُسنُ خُلُق النبيِ وَِّ وعِظَمُ
حِلْمِهِ وتَواضُعُه وإنصافُه، وأنَّ مَن عليه دَين لا ينبغي له مجافاةُ صاحبِ الحقّ، وأنَّ مَن
أساءَ الأدَب على الإمام كان عليه التَّعزيرُ بما يقتضيه الحالُ إلَّا أن يَعفوَ صاحبُ الحقّ.
وفيه ما تَرجَمَ له: وهو استقراض الإبل ويَلتَحِقُ بها جميع الحيوانات، وهو قولُ أكثرِ
أهل العلم، ومَنَعَ من ذلك الثَّوري والحنفية، واحتَجّوا بحديث النَّهي عن بيعِ الحيوان
(١) يعني رواية عثمان بن جَبَلة عن شعبة. وكذلك رواية سليمان بن حرب عن شعبة الآتية عند البخاري
برقم (٢٣٠٦).
(٢) إنما لفظه: ((من خيار الناس)).

٥٢٠
باب ٤ / ح ٢٣٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
بالحيوان نَسيئةً، وهو حديث قد رُوي عن ابن عبّاس مرفوعاً أخرجه ابن حِبَّان (٥٠٢٨)
والدّارَ قُطني (٣٠٥٨) وغيرهما، ورجال إسناده ثِقات، إلّا أنَّ الحُفّاظَ رَجَّحوا إرساله.
وأخرجه التِّرمِذي (١٢٣٧) من حديثِ الحسن عن سمُرة، وفي سماع الحسن من سمُرة
اختلاف. وفي الجملة هو حديث صالحٌ للحُجَّة.
واذَّعى الطَّحاوي أنَّه ناسخٌ لحديثِ الباب. وتُعُقِّبَ بأنَّ النَّسَخَ لا يَثْبُتُّ بالاحتمال،
والجمعُ بين الحديثين مُمكِن، فقد جَمَعَ بينهما الشافعي وجماعة بحَمْلِ النَّهي على ما إذا كان
نَسيئةً من الجانبين، ويَتَعيَّنُ المصير إلى ذلك، لأنَّ الجمعَ بين الحديثين أولى من إلغاءِ أحدِهما
باتِّفاق، وإذا كان ذلك المرادَ من الحديثِ بقيت الدّلالةُ على جواز استقراض الحيوان
والسَّلم فيه. واعتَلَّ مَن مَنَعَ بأنَّ الحيوان يختلفُ اختلافاً مُتبايناً حتَّى لا يُوقَفَ على حقيقة
المِثِليّة فيه. وأُجيبَ بأنَّه لا مانعَ من الإحاطة به بالوَصفِ بما يَدِفَعُ التَّغايُر، وقد جَوَّزَ الحنفية
التَّزويجَ والكتابةَ على الرَّقيق الموصوفِ في الذِّمَّة.
وفيه جواز وفاءِ ما هو أفضلُ من المثل المقتَرَضِ إذا لم تَقَع شرطيّة ذلك في العقدِ،
فيَحرُمُ حينئذٍ اتِّفاقاً، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزِّيادة: إن كانت بالعَدَدِ
مُنِعَت، وإن كانت بالوَصفِ جازَت. وفيه أنَّ الاقتراضَ في البِرِّ والطاعة وكذا الأُمور
المباحة لا يُعاب، وأنَّ للإمام أن يَقتَرِضَ على بيت المال لحاجة بعضِ المحتاجينَ، ليُوفي ذلك
من مال الصَّدَقات.
واستَدَلَّ به الشافعيُّ على جواز تعجيل الزكاة. هكذا حَكاه ابن عبد البَرِّ، ولم يَظهَر لي
توجيهُه إلَّا أن يكون المراد ما قيل في سببٍ اقتراضه وََّ، وأنَّه كان اقتَرَضَه لبعضٍ
٥٨/٥ المحتاجينَ من أهل الصَّدَقة، / فلمَّا جاءت الصَّدَقة أوفى صاحبه منها، ولا يُعكِّرُ عليه أنَّه
أو فاه أزيَدَ من حقِّه من مال الصَّدَقة، لاحتمال أن يكون المستقرَضُ منه كان أيضاً من أهل
الصَّدَقة، إمَّا من جِهَة الفقرِ أو التَّالَّفِ أو غير ذلك، فأعطاهُ(١) بجِهَتَينِ: جِهَة الوَفاءِ في
الأصلِ، وجِهَة الاستحقاق في الزّائد، وقيل: كان اقتَرَضَه في ذِمَّتِهِ، فلمَّا حَلَّ الأجَلُ ولم
(١) قوله: ((فأعطاه)) سقط من (س).