Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠
كتاب الشرب
أمسِك الماء، لقال بعد ذلك: أرسِل الماء إلى جارك. قلت: قد قالها في هذا الباب، وكما
ستأتي في رواية مَعمَر في التَّسير (٤٥٨٥) حيثُ قال: ((ثُمَّ أرسِل الماء إلى جارك)). وصَرَّحَ
في رواية شعيب أيضاً (٢٧٠٨) بقوله: ((احبِس الماء)). والحاصل أنَّ أمْره بإرسال الماء كان
قبل اعتراض الأنصاري، وأمْرَه بحَبْسِه کان بعد ذلك.
قوله: ((فقال الزُّبَير: والله إنّ لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾)) زاد في رواية شعيب: إلى قوله: ﴿َسْلِيمًا ﴾(١)، ووقع
في رواية ابن جُرَيج الآتية (٢٣٦٢): فقال الزُّبَير: والله إنَّ هذه الآية أُنزِلَت في ذلك، وفي
رواية عبد الرحمن بن إسحاق: ونزلت ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ﴾ الآية. والرَّاجح رواية الأكثر، وأنَّ
الزُّبَيرِ كان لا يَجِزِم بذلك، لكن وقع في رواية أُمّ سَلَمَةَ عند الطَّبَري (١٥٩/٥) والطبراني
(٦٥٢/٢٣) الجَزم بذلك، وأنَّها نزلت في قِصَّة الزُّبَير وخَصْمه، وكذا في مُرسَل سعيد بن
المسيّب الذي تقدَّمت الإشارة إليه.
وجَزَمَ مجاهد والشَّعْبي بأنَّ الآية إنَّما نزلت فيمَن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ
أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فروى إسحاق بن راهويه في ((تفسيره)(٢)
بإسنادٍ صحيح عن الشَّعْبي، قال: كان بين رجلٍ من اليهود ورجلٍ من المنافقينَ خصومة،
فَدَعا اليهوديُّ المنافقَ إلى النبيِِّ، لأنَّه عَلِمَ أنَّه لا يقبل الرِّشوَة، ودَعَا المنافقُ اليهوديَّ إلى
حُكّامهم، لأنَّه عَلِمَ أنَهم يأخذونَها، فأَنزَلَ الله هذه الآيات إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾
[النساء: ٦٥]، وأخرجه ابن أبي حاتم(٣) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد نحوه، وروى
(١) هذه الزيادة ليست في رواية شعيب الآتية عند المصنف برقم (٢٧٠٨)، ولكنها في رواية شعيب عند أحمد
(١٤١٩) وغيره، وهي أيضاً في رواية الليث عند ابن ماجه (١٥) وغيره.
(٢) وأخرجه أيضاً الطبري في ((تفسيره)) ٥/ ١٥٢، وفي (تهذيب الآثار)) في القسم المفرد بتحقيق علي رضا
(٧٧٠) و(٧٧١)، وابنُ المنذر في «تفسيره)) (١٩٤٢).
(٣) في ((تفسيره)) ٩٩٣/٣، وهو أيضاً في ((تفسير الطبري)) ١٥٧/٥، و(تهذيب الآثار)) (٧٧٣)، و((تفسير ابن
المنذر)) (١٩٤٣) و(١٩٥٩).

٤٨٢
باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
الطبراني(١) (١٢٠٤٥) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس: أنَّ حاكِمَ اليهود يومئذٍ كان أبا
بَرْزة(٢) الأسلَمي قبل أن يُسلِمِ ويَصحَب. وروي بإسنادٍ آخر صحيح إلى مجاهد: أنَّه
کعب بن الأشرف.
وقد روى الكلبي في ((تفسيره)) عن أبي صالح(٣)، عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه
الآية في رجل من المنافقينَ كان بينه وبين يهوديٍّ خصومة، فقال اليهودي: انطَلِقْ بنا إلى
٣٨/٥ محمد، وقال المنافق: بل نأتي/ كعب بن الأشرَف، فذكر القِصَّة، وفيه أنَّ عمر قَتَلَ المنافق،
وأنَّ ذلك سبب نزول هذه الآيات، وتسمية عمرَ الفاروقَ. وهذا الإسناد وإن كان ضعيفاً،
لكن يَقْوى بطريق مجاهد، ولا يَضُرّه الاختلاف لإمكان التَّعَدُّد.
وأفاد الواحدي(٤) بإسنادٍ صحيح عن سعيد عن قَتَادةَ: أنَّ اسم الأنصاري المذكور
قيس، ورَجَّحَ الطَّبَري في ((تفسيره)) وعَزَاه إلى أهل التَّأويل في ((تهذيبه)): أنَّ سبب نزولها هذه
القِصَّة ليتَّسِقِ نِظامُ الآيات كلّها في سبب واحد، قال: ولم يَعِرِض بينها ما يقتضي خلافَ
ذلك، ثمّ قال: ولا مانع أن تكون قِصَّة الزُّبَير وخَصِه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عمومُ
الآية، والله أعلم.
قوله: «قال محمد بن العبّاس: قال أبو عبد الله: ليس أحد يَذْكُر عُرْوَة عن عبد الله إلَّا
اللَّيث فقطْ)) هكذا وقع في رواية أبي ذرِّ عن الحَمّويّ وحده عن الفِرَبري، وهو القائل: قال
محمد بن العبَّاس. ومحمد بن العبَّاس: هو السُّلَمي الأصبهاني، وهو من أقران البخاري
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: الطبري.
(٢) أورد الحافظ هذا الأثر عن ابن عباس في ((العُجاب في بيان الأسباب)) أيضاً ٢/ ٩٠٢، وقال: كذا وقع في
هذه الرواية: أبو برزة، براء ثم زاي منقوطة، ووقع في غيرها: أبو ◌ُردة، بدال بدل الزاي وضم أوله، وهو
أَولى، فما أظنُّ أبا برزةَ الأسلمي الصحابي المشهور إلا غير هذا الكاهن.
(٣) أبو صالح هذا هو باذام مولى أم هانئ، وهو ضعيف، وتلميذه الكلبي - وهو محمد بن السائب - متروك
الرواية، وقد روي نحو هذا الخبر عند ابن دحيم الحافظ في ((تفسيره)) - كما في ((تفسير ابن كثير)) - عن
ضمرة بن حبيب مرسَلاً، وعند ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٣/ ٩٩٤ عن يتيم عروة مرسلاً أيضاً.
(٤) في ((أسباب النزول)) ص ١٠٧.

٤٨٣
باب ٧ / ح ٢٣٦١
كتاب الشرب
وتأخّرَ بعده، ماتَ سنة ستّ وستّينَ، وأبو عبد الله: هو البخاري المصنِّف.
وهو مُصرِّح بتَفُرُّدِ اللَّث بذكرِ عبد الله بن الزُّبَير في إسناده، فإن أراد مُطلَقاً رَدَّ عليه ما
أخرجه النَّسائي (٥٤٠٣) وغيره من طريق ابن وَهْب عن اللَّيث ويونس جميعاً عن
الزُّهْري، وإن أراد بقَيدِ أنَّه لم يقل فيه: عن أبيه، بل جعلَه من مسند عبد الله بن الزُّبَيرِ،
فمُسَلَّم، فإنَّ رواية ابن وَهْب فيها: عن عبد الله عن أبيه، كما تقدَّم بيانه في أوَّل الباب، وقد
نَقَلَ التِّرمِذي عن البخاري أنَّ ابن وَهْب روى عن اللَّيث ويونس نحو رواية قُتَية عن
اللَّيث(١)، والله سبحانه أعلم.
٧- باب شُرب الأعلى قبل الأسفل
٢٣٦١ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، قال: خاصَمَ
الزُّبَيرُ رَجُلاً مِن الأنصار، فقال النبيُّ نَّهَ: ((يا زُبَيرُ اسْقِ ثمَّ أرسِلْ)) فقال الأنصاريُّ: أنَّه ابنُ
عَمَّتِكَ؟! فقال عليه السلام: ((اسقِ يا زُبَيرُ، حتَّى يَبْلُغُ الجَدْرَ، ثمَّ أمسِْ)) قال الزُّبَيرُ: فأحسبُ
هذه الآيةَ نزلت في ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قوله: ((باب شُرْب الأعْلى قَبْل الأسفَل» في رواية الحُمُّويّ والكُشمِيهني: قبل السُّفلى،
والأوَّل أولى، وكأنَّه يشير إلى ما وقع في مُرسَل سعيد بن المسيّب في هذه القِصَّة: فقَضى
رسول الله وَل﴿ أَن يَسقيَ الأعلى ثمَّ الأسفَل)). قال العلماء: الشُّرْب من نَهر أو مَسيل غير
مملوك يُقدَّم الأعلى فالأعلى، ولا حَقّ للأسفَل حتَّى يَستَغني الأعلى، وحَدّه أن يُغَطِّيَ الماءُ
الأرضَ حتَّى لا تَشرَبَه ويَرجِعَ إلى الجِدار، ثمَّ يُطلِقه.
قوله: ((ثُمَّ أرسِلْ)) كذا للأكثر، وللكُشمِيهَني: ((ثُمَّ أُرسِل الماء)».
قوله: (اسقِ يا زُبَير حتَّى يَبْلُغ)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلي: «اسق يا زُبَير ثمَّ يَبلُغ الماء
الجَدْر)»، وسَقَطَ من رواية أبي ذرِّ ذكرُ الماء، زاد في التَّفسير (٤٥٨٥) من وجه آخر عن
(١) رواية قتيبة عن الليث عند مسلم (٢٣٥٧)، والترمذي (١٣٦٣)، والنسائي (٥٤١٦)، وهي كرواية
عبد الله بن یوسف عن الليث.

٤٨٤
باب ٨ / ح ٢٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
مَعمَر: ((ثُمَّ أرسِل الماء إلى جارك)) واستَوعى للزُّبَيرِ حَقّه في صريح الحكم حين أحفَظَه
الأنصاري، وفي رواية شعيب في الصُّلح (٢٧٠٨): فاستَوعى للزُّبَير حينئذٍ حَقّه، وكان قبل
ذلك أشار على الزُّبَير برأي فيه سعة له وللأنصاري. فقوله: استَوعى، أي: استَوفى خَّقه،
وهو من الوعاء، کأنَّه جمعه له في وِعائه.
وقوله: ((أحفَظَه))(١) بالمهمَلة والظَّاء المشالة، أي: أغضَبَه.
قال الخطّابي: هذه الزِّيادة يُشبِه أن تكون من كلام الزُّهْري، وكانت عادته أن يَصِل
بالحديثِ من كلامه ما يَظهَر له من معنى الشَّرح والبيان. قلت: لكن الأصل في الحديث أن
یکون حُكمه كلّه واحداً حتی یرِد ما يُبِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال.
٣٩/٥
قال الخطّابي وغيره: / وإنَّما حَكِمَ وَ ◌َّ على الأنصاري في حال غَضَبه مع تَهيه أن يَجِكُم
الحاكم وهو غَضبان(٢) لأنَّ النَّهي مُعلَّل بما يُخاف على الحاكم من الخطأ والغَلَط، والنبي ◌ِّ
مأمون لعِصمَتِه من ذلك في حال السُّخْط والرضا(٣).
٨- باب شرب الأعلى إلى الكعبين
٢٣٦٢ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا مَخَلَدُ بن يزيدَ الحرّانيُّ، قال: أخبرني ابنُ جُرَیج، قال: حدَّثني
ابنُ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، أنَّه حدَّثْه: أنَّ رجلاً مِن الأنصار خاصَمَ الزُّبَيرَ في شِراج مِن
الحَرّةِ لِيَسْقي بها النَّخْلَ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اسْقِ يا زُبَيرُ - فأمَرَه بالمعروفِ - ثمَّ أرسِلْ إلى
جاركَ)) فقال الأنصاريُّ: أن كان ابنَ عَمَّتِكَ؟! فتَلَوَّنَ وجه رسولِ اللهِوَّهِ، ثمَّ قال: ((اسِقِ، ثمَّ
احِبِس حَتّى يَرجِعَ الماءُ إلى الجَدْرِ)) واستَوْعَى له حَقَّه، فقال الزُّبَيرُ: والله إنَّ هذه الآيةَ أَنْزِلَت في
ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ﴾ [النساء: ٦٥].
(١) هذه اللفظة ليست في هذه الرواية، وإنما هي في رواية معمر الآتية عند المصنف برقم (٤٥٨٥).
(٢) في قوله وَّر: ((لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان)) وسيأتي عند المصنف برقم (٧١٥٨).
(٣) لما صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأله أيكتب عنه في الرضا والغضب، فقال وكلية
((نعم، إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً)) أخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) ص ٣٦٦، والحاكم
في («المستدرك)» ١ / ١٠٥ من طرق عن عبد الله بن عمرو.

٤٨٥
باب ٨ / ح ٢٣٦٢
كتاب الشرب
فقال لي ابنُ شِهَابٍ: فقَدَّرَتِ الأنصارُ والنّاسُ قولَ النبيِّ وَّ: ((اسِقِ ثمَّ احِس حتَّى يَرجِعَ
إلى الجَدْرِ)) الجَدْر: هو الأصل وكان ذلك إلى الگَعْبینِ.
قوله: ((باب شِرْب الأعْلى إلى الكَعْبينِ)) يشير إلى ما حكاه الزُّهْري من تقدير ذلك كما
سيأتي في آخر الباب.
قوله: ((حدَّثنا محمد)) زاد في رواية أبي الوقت: هو ابن سلَامٍ.
قوله: ((فأمَرَه بالمعروفِ)) كذا ضبطناه في جميع الرِّوايات على أنَّه فعل ماضٍ من الأمر،
وهي ◌ُملة مُعتَرِضة من كلام الراوي، وحكى الكِرماني أنَّه بلفظ فعل الأمر من الإمرار،
وقد تقدَّم ما فيه(١).
وقد قال الخطّابي: معناه أمَرَه بالعادة المعروفة التي جَرَت بينهم في مِقدار الشُّرب.
انتهى. ويحتمل أن يكون المراد أمَرَه بالقصدِ والأمر الوَسَط مُراعاةً للجِوَار، ويدلّ عليه
رواية شعيب المذكورة (٢٧٠٨)، ومِثلها لِمَعْمَرِ في الَّفسير (٤٥٨٥)، وهو ظاهر في أنَّه
أمَرَه أوَّلاً أن يُسامِح ببعضٍ حَقّه على سبيل الصُّلح، وبهذا تَرجَمَ البخاري في الصُّلح: إذا
أشار الإمام بالمصلحة، فلمَّا لم يَرْضَ الأنصاري بذلك استَقصى الحكم وحَكَمَ به.
وحكى الخطَّابي أنَّ فيه دليلاً على جواز فسخ الحاكم حُكمَه، قال: لأنَّه كان له في
الأصل أن يَحَكُم بأيِّ الأمرَين شاءَ، فقَدَّمَ الأسهل إيثاراً لحُسن الجوار، فلمَّا جَهِلَ الخَصمُ
موضع حَقّه رَجَعَ عن حُكمه الأوَّل، وحَكمَ بالثاني ليكون ذلك أبلَغَ في زَجْرِه. وتُعُقِّبَ
بأنَّه لم يُثبِت الحكمَ أوَّلاً كما تقدَّم بيانه، قال: وقيل: بل الحكم كان ما أمَرَ به أوَّلاً، فلمَّا لم
يقبلِ الخَصمُ ذلك عاقَبَه بما حَكَمَ عليه به ثانياً على ما بَدَرَ منه، وكان ذلك لمَّا كانت
العقوبة بالأموال. انتهى. وقد وافقَ ابنُ الصَّبَّاغ من الشافعية على هذا الأخير، وفيه نظر،
وسیاق طرق الحدیث یأبى ذلك كما ترى، لا سيما قوله: واستَوعى للزُّبَير حَقَّه في صَرِيح
الحكم، وهي رواية شعيب في الصُلح (٢٧٠٨)، ومَعمَر في النَّفسير (٤٥٨٥)، فمجموع
الطُّرِق دالٌّ على أنَّه أمَرَ الزُّبَيرِ أوّلاً أن يَترُك بعض حَقّه، وثانياً أن يَستَوفيَ جمیع حَقّه.
(١) في شرحه للحديث (٢٣٥٩)، ولم يزد على ما هنا.

٤٨٦
باب ٨ / ح ٢٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقال لي ابن شِهَابٍ)) القائل: هو ابن جُرَيجِ راوي الحديث.
قوله: ((فقَدَّرَتِ الأنصارُ والنّاسُ)) هو من عطف العامّ على الخاصّ.
قوله: ((وكان ذلك إلى الكَعْبينِ)) يعني: أنَّهم لمَّ رأوا أنَّ الجَدْر يختلف بالطّول والقِصَر
قاسوا ما وقعت فيه القِصَّة، فَوَجَدوه يَبلُغ الكعبينِ، فجعلوا ذلك مِعياراً لاستحقاق الأوَّل
فالأوَّل. والمراد بالأوَّل هنا مَن يكون مَبدَأُ الماء من ناحيته، وقال بعض المتأخِّرينَ من
٤٠/٥ الشافعية: المراد به/ مَن لم يَتقدَّمه أحد في الغِراس بطريق الإحياء، والذي يَليه مَن أحيا بعده،
وهلُمَّ جَرّاً. قال: وظاهر الخبر أنَّ الأوَّل مَن يكون أقرب إلى مجرى الماء، وليس هو المراد.
وقال ابن التِّين: الجمهور على أنَّ الحكم أن يُمسِك إلى الكعبين، وخَصَّه ابن كِنانة
بالنَّخل والشجر، قال: وأمَّا الزُّروع فإلى الشِّراك. وقال الطََّري: الأراضي مُخْتَلِفة، فيُمسَك
لكُلِّ أرض ما يَكفيها، لأنَّ الذي في قِصَّة الزُّبَير بن العوّام واقعةُ عَينٍ. واختلفَ أصحاب
مالك: هل يُرسِل الأوَّلُ بعد استيفائه جميعَ الماء، أو يُرسِل منه ما زاد على الكعبينِ؟ والأوَّل
أظهَر، ومَحَلّه إذا لم يَبقَ له به حاجة، والله أعلم.
وقد وقع في مُرسَل عبد الله بن أبي بكر في ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٤٤): أنَّ رسول الله ◌َّ قَضى
في سَيْل(١) مَهْزُورٍ ومُذَينِب أن يُمسَك حتَّى يَبلُغ الكعبين، ثمَّ يُرسِل الأعلى على الأسفَل.
ومَهزور، بفتح أوَّله وسكون الهاء وضَمّ الزّاي وسكون الواو بعدها راء، ومُذَينِب، بذالٍ
مُعجَمة ونون بالتَّصغير: واديان معروفان بالمدينة. وله إسناد موصول في ((غَرائب مالك))
للدّارَقُطني من حديث عائشة وصَخَّحَه الحاكم (٦٢/٢). وأخرجه أبو داود (٣٦٣٩)
وابن ماجَهْ (٢٤٨٢) والطََّري(٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وإسناد
كلٌّ منهما حسن، وأخرج عبد الرَّزّاق هذا الحديث المرسَل بإسنادٍ آخرَ موصول(٣)، ثمَّ
(١) تحرف في (س) إلى: مَسيل.
(٢) في ((تهذيب الآثار)) في القسم المفرد الذي حققه علي رضا (٧٧٦).
(٣) ضعفه ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٥/ ٩٣ بجهالة شيخ عبد الرزاق فيه وأبيه وجده. وقد رواه
ابنُ ماجه (٢٤٨١) من طريق زكريا بن منظور بن ثعلبة بن أبي مالك، عن محمد بن عقبة بن أبي مالك،
عن عمه ثعلبة بن أبي مالك القرظي، وزكريا ومحمد بن عقبة مجهولان.

٤٨٧
باب ٨ / ح ٢٣٦٢
كتاب الشرب
روى عن مَعمَر عن الزّهْري، قال: نظرنا في قوله: ((احبِس الماءَ حتَّى يَبلُغ الجَدْرَ)) فكان
ذلك إلى الكعبينِ. انتهى، وقد روى البيهقي (١٥٣/٢-١٥٤) من رواية ابن المبارك عن
مَعمَر، قال: سمعت غير الزُّهْري يقول: نظروا في قوله: ((حتَّى يَرجِع إلى الجَدْر)) فكان
ذلك إلى الكعبين. وكأنَّ مَعمَراً سمِعَ ذلك من ابن جُرَيج فأرسَلَه في رواية عبد الرَّزّاق،
وقد بيَّن ابن جُرَيجِ أنَّه سمِعَه من الُّهْري.
ووقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق(١): ((احبس الماء إلى الجَدْر أو إلى الكعبينِ))، وهو
شكٌّ منه، والصَّواب ما رواه ابن ◌ُرَیچِ.
وذكر الشّاشي من الشافعية أنَّ معنى قوله: ((إلى الجَدْر)) أي: إلى الكعبين، وكأنَّه أشار
إلى هذا التَّقدير، وإلَّا فليس الجدرُ مُرادفاً للكعب.
قوله: ((الجَدْر هو الأصل)) كذا هنا في رواية المُستَمْلي وحده.
وفي هذا الحديث غير ما تقدَّم أنَّ مَن سبَقَ إلى شيء من مياه الأودية والسُّيول التي لا
تُملَك فهو أحقّ به، لكن ليس له إذا استَغنى أن يَحِبِس الماء عن الذي يَليه. وفيه أنَّ للحاكم
أن يشيرَ بالصُّلح بين الخَصمَين ويأمُرَ به ويُرشِدَ إليه، ولا يُلزِمُه به إلَّا إذا رَضي، وأنَّ
الحاكم يَستَوفي لصاحبِ الحقّ حَقّه إذا لم يَتَرَاضَيا، وأن يَحِكُم بالحقِّ لمن تَوَجَّهَ له ولو لم
يَسأله صاحبُ الحقّ. وفيه الاكتفاء من المخاصِم بما يُفهَم عنه مقصوده من غير مُبالَغَة في
التَّنصيص على الدَّعوى ولا تحديد المدَّعى ولا حصره بجمیعِ صِفاته.
وفيه توبيخ مَن جَفَى على الحاكم ومُعاقَبتُه، ويُمكِن أن يُستَدَلّ به على أنَّ للإمام أن
يعفوَ عن التَّعزير المتعَلِّق به، لكن مَحَلُّ ذلك ما لم يُؤَدِّ إلى هَتْك حُرمة الشَّرع، وإنّما لم
يُعاقبِ النبيِِّ صاحبَ القِصَّة لما كان عليه من تأليف الناس، كما قال في حَقّ كثير من
المنافقينَ: ((لا يَتَحَدَّثُ الناس أن محمداً يَقتُل أصحابه))(٢)، قال القُرطُبي: فلو صَدَرَ مِثل هذا
(١) عند الطبري في ((تفسيره)) ١٥٩/٥.
(٢) أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٤٨٨
باب ٩ / ح ٢٣٦٣ - ٢٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
من أحد في حَقّ النبي ◌َّ أو في حَقّ شَرِيعَته لَقُتِلَ قِتلة زِنديق. ونَقَلَ النَّوَوي نحوه عن
العلماء، والله أعلم.
٩- باب فضل سقي الماء
٢٣٦٣ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي
هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ وََّ قال: ((بينا رجلٌ يَمْشي فاشتَّ عليه العَطَشُر، فنزلَ بْراً فَشَرِبَ
منها، ثمَّ خَرَجَ فإذا هو بكلبٍ يَلْهَثُ يأكلُ الثَّرَى مِن العَطَشرِ، فقال: لقد بَلَغَ هذا مِثْلَ الذي
٤١/٥ بَلَغَ بِي، فَتَزَلَ بِثْراً فمَلأ خُفَّه ثمَّ أمسَكَه بفيه، / ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكلبَ، فَشَكَرَ الله له فغَفَرَ له))
قالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البَهائمِ أجْراً؟ قال: «في كلِّ كَبِدِ رَطْبةٍ أجْرٌ)».
تابَعَه حَمَادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسلِمٍ، عن محمَّدِ بنِ زيادٍ.
٢٣٦٤- حدّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدّثنا نافعُ بنُ عمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن أسماء بنت أبي
بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّه صَلَى صَلاةَ الكُسوفِ، فقال: «دَنَت منّي النّارُ حتَّى قلتُ: أي
رَبِّ وأنا معهم؟ فإذا امرأةٌ - حَسِبتُ أنَّه قال : - تَخِدِشُها هِرّةٌ، قال: ما شَأْنُ هذه؟ قالوا:
حَبَسَتْها حتَّى ماتَت جوعاً)).
٢٣٦٥- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((عُذِّبَتِ امرأةٌ فِي هِرّةٍ حَبَسَتْها حتَّى ماتَت جوعاً، فدَخَلَت فيها
النّارَ، قال: فقالوا - والله أعلمُ : لا أنتِ أطْعَمْتِها ولا سَقَيتِها حينَ حَبَسْتيها، ولا أنتِ أرسَلْتِها
فأكَلَت من خَشَاش الأرضِ».
[طرفاه في: ٣٤٨٢،٢٣١٨]
قوله: ((باب فضل سَقْي الماء)) أي: لكُلِّ مَن احتاج إلى ذلك.
قوله: ((عن سُميٍّ)) بالمهمَلة مُصغَّراً، زاد في المظالم (٢٤٦٦): مَولى أبي بكر، أي: ابن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام.
قوله: ((عن أبي صالح)) زاد في المظالم: السَّان. والإسناد مدنيُّون إلّا شيخ البخاري.

٤٨٩
باب ٩ / ح ٢٣٦٣ -٢٣٦٥
كتاب الشرب
قوله: ((بينا رجل)) لم أقف على اسمه.
قوله: ((يَمْشي)) قال في المظالم: ((بينما رجل بطريقٍ))، وللدّارَقُطني في ((الموطَّآت)) من طريق
رَوح عن مالك: ((يمشي بفَلاةٍ))، وله من طريق ابن وَهْب عن مالك: ((يمشي بطريق مكَّة)).
قوله: ((فاشتَّ عليه)) وقعت الفاء هنا موضع ((إذا))، كما وقعت ((إذا)) موضعها في قوله
تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وسَقَطَت هذه الفاء من رواية مسلم (٢٢٤٤)، وكذا
من الرِّواية الآتية في المظالم للأكثر.
قوله: ((فاشتَدَّ عليه العَطَش)) كذا للأكثر، وكذا هو في (الموطَّأ)) (٩٢٩/٢ -٩٣٠) ووقع في
رواية المُستَمْلي: ((العُطاش))، قال ابن التِّين: العُطاش: داء يُصيب الغنم تَشْرَب فلا تَرْوى،
وهو غير مُناسب هنا، قال: وقيل: يَصِحّ على تقدير أنَّ العَطَش يَحدُث منه هذا الدّاء
كالزّكام. قلت: وسياق الحديث يأباه، وظاهره أنَّ الرجل سَقى الكلب حتَّى رَوِيَ، ولذلك
جوزي بالمغفِرة(١).
قوله: ((يَلْهَث)) بفتح الهاء، اللَّهَث بفتح الهاء: هو ارتفاع النَّفَس من الإعياء، وقال ابن
التِّين: لهَثَ الكلب: أخرج لسانه من العَطَش، وكذلك الطائرُ، ولَثَ الرجل: إذا أعيا،
ويقال: إذا بَحَثَ بيديه ورجليه.
قوله: ((يأكل الثَّرى)) أي: يَكِدِم بفَمِه الأرض النَّديّة، وهي إمَّا صِفة وإمَّا حال، وليس
بمفعول ثانٍ لرأی.
قوله: (بَلَغَ هذا مِثْل)) بالفتحِ، أي: بَلَغَ مَبلَغَاً مِثْلَ الذي بَلَغَ بِي، وَضَبَطَه الدِّمياطي بخَطِّه
بضمِّ ((مِثل))، ولا يخفى توجيهه(٢)، وزاد ابن حِبَّان (٥٤٣) من وجه آخر عن أبي صالح:
((فرَحِمَه)).
قوله: ((فَمَلَأْ خُفَّه)) في رواية ابن حِبَّان: ((فَنَزَعَ أحد خُفَيْهِ)).
(١) هذا الكلام برُمَّته محلُّه عند قوله في الحديث: ((يأكل الثرى من العطش)) يعني الكلب، فإيراد الحافظ له هنا،
وكذلك العيني في «العمدة)) ٢٠٦/١٢ سهوٌ منهما، نبه عليه القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٢٠٢/٤.
(٢) قال العيني ١٢/ ٢٠٧: توجيهه أن يكون لفظ ((هذا)) مفعول ((بلغ))، وقوله: ((مثل الذي بلغ بي)) فاعله.

٤٩٠
باب ٩ / ح ٢٣٦٣ - ٢٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثمَّ أمسَكَه)) أي: أحد خُفَّيه الذي فيه الماء، وإنَّما احتاجَ إلى ذلك لأنَّه كان يُعالِج
بيدَيه ليصعَد من البِئر، وهو مُشعرٌ بأنَّ الصُّعود منها كان عَسِراً.
قوله: ((ثمَّ رَقي)) بفتح الراء وكسر القاف كَصَعِدَ وزناً ومعنَى، وذكره ابن الِّين بفتح
القاف بوزن مضى، وأنكرَه، وقال عياض في ((المشارق)): هي لُغَة طَيِّي، يَفتَحون العين فيما
كان من الأفعال مُعتَّ اللَّام، والأوَّل أفصح وأشھَر.
قوله: ((فسَقى الكلبَ)) زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح: ((حتَّى أرواه)) أي: جعلَه
ريّانَ، وقد مضى في الطَّهارة (١٧٣).
قوله: ((فشكَرَ الله له)) أي: أثنى عليه أو قَبِلَ عمله أو جازاه بفعْلِه، وعلى الأخير فالفاء
٤٢/٥ في قوله: ((فغَفَرَ له)) تفسيريَّة، أو من عطف الخاصّ على العامّ. / وقال القُرطُبي: معنى قوله:
«فشكر الله له» أي: أظهَرَ ما جازاه به عند ملائگته. ووقع في رواية عبد الله بن دينار بدل
((فَغَفَرَ له)): ((فأدخَلَه الجنَّة))، وكذا في رواية ابن حِبَّان (٥٤٣).
قوله: ((قالوا)) سُمّ من هؤلاءِ السَّائلينَ سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، رواه أحمد (١٧٥٨١)
وابن ماجَهْ (٣٦٨٦) وابن حِبَّان (٥٤٢).
قوله: ((وإنَّ لنا)) هو معطوف على شيء محذوف، تقديره: الأمر كما ذكرت وإنَّ لنا «في
البَهائم)) أي: في سقي البهائم أو الإحسان إلى البهائم (أجراً)).
قوله: ((في كلّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أجرٌ)) أي: كلّ كَبِدٍ حَيَّة، والمراد رُطوبة الحَياة، أو لأنَّ الرُّطوبة
لازمة للحياة فهو كِناية، ومعنى الظَّرفية هنا أن يُقدَّر محذوف، أي: الأجر ثابت في إرواء
كلّ كَبِدٍ حَيَّة، والكَبِدِ يُذكَّر ويُؤنَّث، ويحتمل أن تكون ((في)) سَبيَّة كقولِك: في النَّفْس
الدّية، قال الدَّاوُودي: المعنى: في كبِد كلِّ حَيّ أجر، وهو عامّ في جميع الحيوان.
وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأمَّا الإسلام فقد أمَرَ بقتل
الكلاب، وأمَّا قوله: ((في كلّ كَبِد)» فمخصوص ببعضِ البَهائم ممّا لا ضَرَر فيه، لأنَّ المأمور

٤٩١
باب ٩ / ح ٢٣٦٣ - ٢٣٦٥
كتاب الشرب
بقتله كالخنزير لا يجوز أن يُقوَّى ليزداد ضَرَره، وكذا قال النَّوَوي: إنَّ عُمومہ مخصوص
بالحيوان المحتَرَم، وهو ما لم يُؤمَر بقتلِهِ، فَيَحصُل الثَّواب بسَقِه، ويَلتَحِق به إطعامه وغیر
ذلك من ◌ُ جوه الإحسان إليه.
وقال ابن التِّين: لا يَمْتَنِعِ إجراؤُه على عُمومه، يعني: فيُسقى ثمَّ يُقتَل، لأنّا أُمِرنا بأن
نُحسِن القتلة(١) وتُهينا عن المثلة (٢).
واستُدِلَّ به على طهارة سُؤر الكلب، وقد تقدَّم البحث في ذلك في كتاب الطَّهارة
(١٧٣). ومَّاً قيل في الردّ على مَن استَدَلَّ به: إنَّه فعل بعض الناس ولا يُدرى هل هو كان
مَّن يُقتدى به أم لا، والجواب: أنّا لم نَحتَجّ بمُجرَّدِ الفعل المذكور، بل إذا فرَّعنا على أنَّ
شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، فإنّا لا نأخُذ بكُلِّ ما وَرَدَ عنهم، بل إذا ساقه إمامُ شرعِنا مَساق
المدح إن عُلِمَ ولم يُقَيِّده بقَيدِ، صَحَّ الاستدلال به.
وفي الحديث جواز السَّفَر مُنفَرِداً وبغير زاد، ومَحَلّ ذلك في شرعنا ما إذا لم يَخَفْ على
نفسه الهلاك. وفيه الحثّ على الإحسان إلى الناس، لأنَّه إذا حَصَلَت المغِفِرة بسببٍ سَقْي
الكلب، فسَقْي المسلم أعظمُ أجراً.
واستُدِلَّ به على جواز صدقة التطَوُّع للمُشرِكينَ، وينبغي أن يكون مَحَلّه ما إذا لم
يُوجَد هناك مسلم، فالمسلم أحقّ، وكذا إذا دارَ الأمر بين البهيمة والآدميِّ المحتَرَم واستَوَيا
في الحاجة، فالآدمي أحقّ، والله أعلم.
ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَي أسماء بنت أبي بكر وابن عمر في قِصَّة المرأة التي
رَبَطَت الهِرَّة حتَّى ماتَت فدَخَلَتِ النار، وسيأتي الكلام عليه في بدء الخلق (٣٣١٨)، وتقدَّم
حديث أسماء بأتمَّ من هذا في أوائل صِفة الصلاة (٧٤٥).
(١) لقوله _* فيما رواه عنه شداد بن أوس عند مسلم (١٩٥٥) وغيره: ((إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة)).
(٢) ثبت ذلك عن غير واحدٍ من الصحابة منهم بريدة الأسلمي عند مسلم (١٧٣١) وغيره، ومنهم عبد الله
ابن يزيد الأنصاري كما سيأتي عند البخاري (٢٤٧٤).

٤٩٢
باب ١٠ / ح ٢٣٦٦ - ٢٣٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حديث ابن عمر فذَكَر الدّارَقُطني أنَّ مَعنَ بن عيسى(١) تفرَّد بذكره في ((الموطَأ))، قال:
ورواه في غير ((الموطَّأ)) ابن وَهْب والقَعْنبي وابن أبي أُوَيس ومُطرِّف، ثمَّ ساقه من طرقهم.
وأخرجه الإسماعيلي من طريق مَعن وابن وَهْب، وأخرجه أبو نُعيم من طريق القَعْنبي.
ومُناسَبة حديث الهِرَّة للترجمة من جِهَة أنَّ المرأة عوقِبَت على كونها لم تَسِقِها، فمُقْتَضاه
أنَّها لو سقَتها لم تُعَذَّب.
قال ابن المنيِرِ: دَلَّ الحديث على تحريم قتل مَن لم يُؤْمَر بقتلِه عَطَشاً ولو كان هِرَّةً، ولیس
فیه ثواب السَّقي، ولکن کفی بالسلامة فضلاً.
١٠ - باب من رأی أن صاحب الحوض والقربة أحقُّ بمائه
٢٣٦٦ - حدّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبي حازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ﴾ قال: أُتيَ
رسولُ اللهَوَّ بِقَدَحِ، فَشَرِبَ وعن يمينه غُلامٌ، وهو أحدَثُ القومِ، والأشْياغُ عن يَسارِهِ، قال:
((يا غُلامُ، أتأذَنُ لي أن أَعْطِيَ الأَشْياخَ؟» فقال: ما كنتُ لأوثِرَ بنصيبي مِنْكَ أحداً يا رسولَ الله،
فأعطاه إيّاه.
٤٣/٥
٢٣٦٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ زيادٍ، سمعتُ أبا
هريرةَ ﴾، عن النبيِّ بََّ، قال: ((والذي نفسي بيده، لَأُذُودَنَّ رجالاً عن حَوْضي، كما تُذادُ
الغريبةُ مِن الإبلِ عن الحوضِ».
٢٣٦٨- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن أيوبَ و کثیرِ
ابن كثيرٍ - يزيدُ أحدُهما على الآخَرِ - عن سعيد بنِ جُبير، قال: قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما:
قال النبيُّ ◌َّهِ: ((يَرْحَمُ الله أَمَّ إسماعيلَ لو تَرَكَت زَمْزَمَ - أو قال: لو لم تَغْرِف مِن الماءِ - لكانت
عَيناً مَعيناً، وأقبَلَ جُرْهُمُ، فقالوا: أتأذَنينَ أن نَنْزِلَ عندَكِ؟ قالت: نعم، ولا حَقَّ لكم في الماءِ،
قالوا: نعم)).
[أطرافه في: ٣٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥]
(١) ورواه مسلم (٢٢٤٢) من طريق معن بن عيسى.

٤٩٣
باب ١٠ / ح ٢٣٦٦ - ٢٣٦٩
كتاب الشرب
٢٣٦٩ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، عن أبي صالح السَّان، عن
أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ وٍَّ قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يومَ القيامةِ ولا يَنظُرُ إليهم: رجلٌ
حَلَفَ على سِلْعِةِ لقد أُعطِيَ بها أكْثَرَ ممّ أعطَى وهو كاذبٌ، ورجلٌ حَلَفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ
العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ رجلٍ مُسلِمٍ، ورجلٌ مَنَعَ فضلَ مَائِه، فيقول الله: اليومَ أَمنَعُكَ فضلي كما
مَنَعْتَ فضلَ ما لم تَعْمَل يَداكَ)).
قال عليٌّ: حدّثنا سفيانُ غيرَ مَّةٍ، عن عَمْرٍو: سمعَ أبا صالحِ يَبْلُغُ به النبيَّ ◌َلِ﴾.
قوله: ((باب مَن رأى أنَّ صاحب الحوْض أو القِرْبة أحقّ بمائهِ)) ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث سهل بن سعد، وقد تقدَّم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب (٢٣٥١)،
ومُناسَبَتَه للترجمة ظاهرة إلحاقاً للحَوضِ والقِربة بالقَدَح، فكان صاحب القَدَح أحقّ
بالتَّصَرُّفِ فيه شُرباً وسَقياً. وقد خَفي هذا على المهلَّب، فقال: ليس في الحديث إلّا أنَّ الأيمَن
أحقُّ من غيره بالقَدَح. وأجاب ابن المنيِّر بأنَّ مُراد البخاري أنَّه إذا استَحقَّ الأيمَنُ ما في
القَدَحِ بِمُجرَّدٍ جلوسه واختَصَّ به، فكيف لا يختصّ به صاحب اليد والمتسَبِّب في تحصيله؟
ثانيها: حديث أبي هريرة في ذکر حوض النبي ێ، وسيأتي الكلام عليه في ذكر الحوض
النَّبوي من كتاب الرِّقاق (٦٥٧٥-٦٥٩٣).
وقوله: (لَأُذُودَنَّ) بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة، أي: لَأطرُدَنَّ، ومُناسَبَتْه للترجمة من ذِكره
أنَّ صاحب الحوض يَطْرُد إبل غيره عن حَوضه ولم يُنكِرِ ذلك، فيدلّ على الجواز، وقد
خَفي على المهلَّب أيضاً، فقال: إنَّ المناسَبة من جِهَة إضافة الحوض إلى النبيِ وَّة، وكان
أحقّ به. وتَعَقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّ أحكام التكاليف لا تُنَزَّل على وقائع الآخرة، وإنَّما استَدَلَّ
بقوله: ((كما تُداد الغريبة من الإبل)) فما جازَ لصاحبِ الحوض طَردُ إِبل غيره عن حَوضه إلَّا
وهو أحقّ بحَوضِه.
ثالثها: حديث ابن عبَّاس في قِصَّة هاجَرَ وزَمَزَم، أورَدَه مختصراً جدّاً، وسيأتي مُطوَّلاً في
أول أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤). ومُناسَبَته للترجمة من جِهَة قولها للَّذينَ نزلوا عليها: ((ولا
حَقّ لكم في الماء، قالوا: نعم))، وقَرَّرَ النبي ◌َّ على ذلك.

٤٩٤
باب ١١ / ح ٢٣٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال الخطّابي: فيه أنَّ مَن أنبَطَ ماءً في فلاةٍ من الأرض مَلَكَه، ولا يُشاركه فيه غيره إلَّا
برضاه، إلّا أنَّه لا يَمنَع فضله إذا استَغنى عنه، وإِنَّمَا شَرَطَت هاجَرَ عليهم أن لا يَتَمَلَّكوه.
٤٤/٥
رابعها: حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم من وجه آخر قبل أربعة أبواب (٢٣٥٨) وفيه:
((ورجل له فضل ماء بالطَّريق فمَنَعَه من ابن السَّبيل)) وقال في هذه الطَّريق: ((ورجل مَنَعَ
فضل مائه فيقول الله: اليوم أمنَعك فضلي كما مَنَعت فضل ما لم تَعمَل يَداك)). ومُناسَبَتَه
للترجمة من جِهَة أنَّ المعاقَبة وقعت على مَنْعه الفضلَ، فدَلَّ على أنَّه أحقّ بالأصل، ويُؤخَذ
أيضاً من قوله: ((ما لم تَعمَل يَداك))، فإنَّ مفهومه أنَّه لو عالَجَه لكان أحقّ به من غيره.
وحكى ابن التِّين عن أبي عبد الملك أنَّه قال: هذا يخفى معناه، ولَعَلَّه يريد أنَّ البئر
ليست من حَفْره، وإنَّما هو في مَنْعه غاصبٌ ظالمٌ وهذا لا يَرِد فيما حازَه وعَمِلَه. قال:
ويحتمل أن يكون هو حَفَرَها ومَنَعَها من صاحب الشَّفة، أي: العطشان، ویکون معنی: «ما
لم تَعمَل يَداك)) أي: لم تُنبِع الماءَ ولا أخرَجتَه، قال: وهذا - أي الأخير - ليس من الباب في
شيء، والله أعلم.
قوله: ((قال عليّ: حدَّثنا سُفْيان غير مَرَّة ... )) إلى آخره، يشير إلى أنَّ سفيان كان يُرسِل
هذا الحديث كثيراً، ولكنَّه صَحَّحَ الموصول لكون الذي وَصَلَه من الحُفّاظ، وقد تابَعَه
سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وعبد الرحمن بن يونس ومحمد بن أبي الوزير ومحمد بن
يونس فوَصَلوه، قاله الإسماعيلي، قال: وأرسَلَه غيرهم. قلت: وقد وَصَلَه أيضاً عَمرو
الناقد أخرجه مسلم عنه (١٧٤/١٠٨)، وصفوان بن صالح أخرجه ابن حِبَّان (٤٩٠٨)
من طريقه، ويأتي الكلام على ما وقع من الاختلاف في سياق المتن في كتاب الأحكام
(٧٢١٢) إن شاء الله تعالى.
١١ - بابٌ: لا حمى إلا لله ولرسوله وَل
٢٣٧٠ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ
عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ قال: إنَّ رسولَ الله ◌ِه
قال: ((لا حِى إلَّا لله ولِرسولِهِ)).

٤٩٥
باب ١١ / ح ٢٣٧٠
كتاب الشرب
وقال: بَلَغَنا أنَّ النبيَّبِّهَخَى النَّقِيعَ، وأنَّ عمرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَدَةَ.
[طرفه في ٣٠١٣]
قوله: ((بابٌ: لا حِى إِلَّ لله ولِرسولِهِ)) تَرجَمَ بلفظ الحديث من غير مَزيد، قال الشافعي:
يَحَتمِلُ معنى الحديث شيئَينِ: أحدهما: ليس لأحدٍ أن يحمي للمسلمينَ إلَّا ما حَماه النبي
وَ له، والآخر معناه: إلَّا على مِثل ما حَمَاه عليه النبيِ وََّ، فعلى الأوَّل ليس لأحدٍ من الوُلاة
بعده أن يَجِمي، وعلى الثاني يختصّ الحِمى بمَن قام مقام رسول الله وَ ◌ّه وهو الخليفة خاصَّةً.
وأخذَ أصحاب الشافعي من هذا أنَّ له في المسألتَين قولَين، والرَّاجح عندهم الثاني،
والأوَّل أقرَب إلى ظاهر اللَّفظ، لكن رَجَّحوا الأوَّل بما سيأتي: أنَّ عمر خَمى بعدَ النبي
والمراد بالحِمى: مَنْع الرَّعْي في أرض مخصوصَةٍ من المباحات، فيجعلها الإمام مخصوصَةً
بَرَغْيٍ بَهائم الصَّدَقة مثلاً.
قوله: ((عن يونس)) هو ابن يزيد الأيلي، ورواية اللَّيث عنه من الأقران، لأنَّه قد سمِعَ
من شيخه ابن شهاب، وفي الإسناد تابعیان وصحابیان.
قوله: ((لا حِى)) أصل الحِمى عند العرب أنَّ الرّئيس منهم كان إذا نزلَ مَنزِلاً مُصِباً
استَعَوَى كلباً على مكان عالٍ، فإلى حيثُ انتَهى صوته حَمَاه من كلّ جانبٍ، فلا يَرعى فيه
غيرُه ويَرعى هو مع غيره فيما سواه، والحِمى: هو المكان المحمي وهو خِلاف المباح،
ومعناه: أن يُمنَع من الإحياءِ من ذلك الموات ليتَوفَّر (١) فيه الكَلَأَ فتَرعاه مَواشٍ مخصوصَة،
ويُمنَعُ غيرها.
والأرجَح عند الشافعية أنَّ الحِمى يختصّ بالخليفة، ومنهم مَن ألحقَ به وُلاة الأقاليم،
ومَحَلّ الجواز مُطلَقاً أن لا يَضُرّ بكافَّة المسلمين. واستَدَلَّ به الطَّحاوي لمذهبِه في اشتراط إذن
الإمام في إحياء الموات. وتُعقّبَ بالفرق بينهما، بأنَّ الحِمى أخَصّ من الإحياء، والله أعلم.
قال الجُوري من الشافعية: ليس بين الحديثين مُعارضة، فالحِمى المنهيُّ ما يُحمى من ٤٥/٥
الموات الكثير العُشب لنفسِه خاصَّةً كَفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمينَ
(١) المثبت من (ع) و(س)، وفي (أ): ليتولَّى، وكلاهما صحيح في المعنى.

٤٩٦
باب ١١ / ح ٢٣٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
فيه شاملة فافتَرَقا، وإنَّما تُعَدّ أرضُ الحِمى مَواتاً لكونها لم يَتقدَّم فيها مِلك لأحدٍ، لكِنَّها
تُشبِه العامر لما فيها من المنفَعة العامَّة.
قوله: ((وقال: بَلَغَنَا أنَّ النبيِّهِ حمى النَّقَيع)) كذا لجميعِ الرُّواة إلَّا لأبي ذرٍّ، والقائل: هو
ابن شِهَاب، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه، وهو مُرسَل أو مُعضَل، وهكذا أخرجه
أبو داود (٣٠٨٣) من طريق ابن وَهْب عن يونس عن ابن شِهَاب، فذكر الموصول والمرسَل
جميعاً، ووقع عند أبي ذرٍّ: وقال أبو عبد الله: بَلَغَنا ... إلى آخره، فظنَّ بعض الشُّرّاح أنَّه من
كلام البخاري المصنِّف، وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أحمد بن إبراهيم
ابن مِلحان، عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاري فيه، فذكر الموصول والمرسَل جميعاً على
الصّواب، کما أخرجه أبو داود.
ووقع لأبي نُعيم في ((مُستَخرَجه)) فيه تَخبيطٌ، فإنَّه أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه
الإسماعيليُّ، فاقتَصَرَ في الإسناد الموصول على المتن المرسَل، وهو قوله: ((خَى النَّقيع))،
وليس هذا من حديث ابن عبّاس عن الصَّعْب، وإنَّما هو بَلاغٌ للزُّهري كما تقدَّم.
وقد أخرجه سعيد بن منصور من رواية عبد الرحمن بن الحارث عن الزُّهْري جامعاً
بين الحديثين، وأخرجه البيهقي (٦/ ١٤٦) من طريق سعيد، ونَقَلَ عن البخاري أنَّه وهمٌّ،
قال البيهقي: لأنَّ قوله: حَمَى النَّقَيع، من قول الزُّهْري، يعني: من بَلاغه، ثمَّ روى من
حديث ابن عمر (٦/ ١٤٦): أنَّ النبي ◌َِّ حَى النَّقيع لخيل المسلمين تَرعى فيه. وفي إسناده
العمري، وهو ضعيف، وكذا أخرجه أحمد (٥٦٥٥) من طريقه.
قوله: ((النَّقيع)) بالنّون المفتوحة، وحكى الخطَّابي أنَّ بعضهم صحَّف فقاله بالموخَّدة.
وهو على عشرينَ فرسَخاً من المدينة، وقَدره ميل في ثمانية أميال، ذكر ذلك ابن وَهْبٍ في
((موطَّتِه)، وأصل النَّقيع: كلّ موضع يَستَنِقِع فيه الماء، وفي الحديث ذكرٌ لِنَقيع الخَضِمات:
وهو الموضع الذي تَمَّع فيه أسعد بن زرارةَ بالمدينة، والمشهور أنَّه غير النَّقيع الذي فيه
الحِمى، وحكى ابن الجَوْزي أنَّ بعضهم قال: إنَّهما واحد، قال: والأوَّل أصَحّ.

٤٩٧
باب ١٢ / ح ٢٣٧١ - ٣٢٧٢
كتاب الشرب
قوله: ((وأنَّ عُمر حمى الشَّرَف والرَّبَذَةَ)) هو معطوف على الأوَّل، وهو من بَلاغ الزُّهْري
أيضاً، وقد ثبت وقوع الحِمى من عمر، كما سيأتي في أواخر الجهاد (٣٠٥٩) من طريق
أسلم: أنَّ عمر استعمل مَولَى له على الحِمى، الحديث.
والشَّرَف: بفتح المعجَمة والراء بعدها فاء في المشهور، وذكر عياض أنَّه عند البخاري
بفتح المهمَلة وكسر الراء، قال: وفي ((موطَّأْ ابن وَهْب)) بفتح المعجَمة والراء، قال: وكذا
رواه بعض رواة البخاري أو أصلَحَه، وهو الصَّواب، وأمَّا سَرِفُ: فهو موضع بقُربٍ مگَّة،
ولا تَدخُله الألف واللَّام.
والرَّبَذَةُ: بفتح الراء والموخَّدة بعدها ذال مُعجَمة، موضع معروف بين مكَّة والمدينة،
تقدَّم ضَبْطُه، وقد روى ابن أبي شَيْبة (٦/٥) بإسنادٍ صحيح، عن نافع عن ابن عمر: أنَّ
عمر حَى الرَّبَذَةَ لِنَعَمِ الصَّدَقةِ.
١٢ - باب شُرب الناس وسقي الدوابّ من الأنهار
٢٣٧١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن أبي
صالحِ السَّان، عن أبي هريرةَ عَُّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّةٍ قال: ((الَخَيلُ لِرجلٍ أجْرٌ، ولِرجلٍ سِتْرٌّ،
وعلى رجلٍ وِزْرٌ: فأمَّ الذي له أجْرٌ: فرجلٌ رَبَطَها في سبيلِ الله، فأطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضةٍ،
فما أصابَت في طِيَلِها ذلك مِن المرْج أو الرَّوْضَةِ كانَ لها حسنات، ولو أنَّه انقَطَعَ طِيَّلُها فاستَنَّت
شَرَفاً أو شَرَفَينٍ، كانت آثارُها وأرواتُها حسناتٍ له، ولو أنَّهَا مَرَّت بنَهَرِ فشَرِبَت منه، ولم يُرِد
أن يَسْقيَ كان ذلك حسناتٍ له، فهيَ لذلك أجْرٌ، ورجلٌ / رَبَطَها تَغَنّياً وتَعَقُّفاً، ثمَّ لم يَنْسَ حَقَّ ٤٦/٥
الله في رِقابها ولا ظهورِها، فهيَ لذلك سِتْرٌ، ورجلٌ رَبَطَها فخْراً ورياءً ونِواءً لأهلِ الإسلام
فھيَ على ذلك وِزْرٌ».
وسُئِلَ رسولُ اللهِوَِّ عن الحُمُرِ، فقال: ((ما أُنْزِلَ عليَّ فيها شيءٌ، إلا هذه الآيةُ الجامِعةُ
الفاذّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨])).
[أطرافه في: ٢٨٦٠، ٣٦٤٦، ٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٧٣٥٦]

٤٩٨
باب ١٣ / ح ٢٣٧٣ -٣٢٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣٧٢ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن رَبيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، عن يزيدَ مولى
المُنبَعِث، عن زيد بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ﴾، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ◌َِّ، فسألَه عن اللُّقَطِةِ
فقال: ((اعرِف ◌ِفاصَها ووِكاءَها، ثمَّ عَرِّفْها سَنةً، فإن جاء صاحبُها وإلا فشَأْنَكَ بها)) قال:
فضالةُ الغنمِ؟ قال: ((هيَ لكَ، أو لأخيكَ، أو للذِّئْبِ)) قال: فضالَةُ الإبِلِ؟ قال: «ما لكَ ولها؟
معها سِقاؤُها، وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاهَا رَبُّها)».
قوله: ((باب شُرْب النّاس وسَقْي الدَّواب من الأنهار)) أراد بهذه التَّرجمة أنَّ الأنهار الكائنة
في الطُّرق لا يختصّ بالشُّربِ منها أحد دون أحد، ثمَّ أورَدَ فیه حدیثین:
أحدهما: عن أبي هريرة في ذكر الخيل، وسيأتي الكلام عليه مُفصلاً في الجهاد (٢٨٦٠)،
والمقصود منه قوله فيه: ((ولو أنَّهَا مَرَّت بنَهَرٍ فشَرِبَت منه ولم يُرِد أن يَسقي)) فإنَّه يُشعِر بأنَّ
من شَأن البهائم طلبَ الماء ولو لم يُرِد ذلك صاحبها، فإذا أُجِرَ على ذلك من غير قصد،
فيُؤْجَر بقصدِه من باب الأولى، فثبت المقصود من الإباحة المطلّقة.
ثانيهما: حديث زيد بن خالد في اللَّقَطة، وسيأتي فيها مشروحاً (٢٤٢٧ و٢٤٢٩ و٢٤٣٦
و٢٤٣٨)، والمقصود منه قوله فيه: ((معها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِد الماء وتأكُل الشجر)).
١٣ - باب بيع الحطب والكلأ
٢٣٧٣- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن هشام، عن أبيه، عن الزُّبَيِرِ بنِ العَوّامِ
◌َّ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((لأن يأخُذَ أحدُكُم أحبُلاً، فيأخُذَ حُزْمةً من خَطَبِ، فیبیعَ فِيَكُفَّ الله
بها عن وجهِه، خيرٌ من أن يَسْأَلَ النّاسَ أُعْطِيَ أم مُنِعَ)).
٢٣٧٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن أبي عُبَيْدٍ
مولى عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ﴾ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (لأن يَخْتَطِبَ
أحدُكُمْ حُزْمةً على ظَهْرِه، خيرٌ من أن يَسْأَلَ أحداً فيُعْطِيَه أو يَمْنَعَه).
٢٣٧٥ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ: أنَّ ابنَ مُرَيجِ أخبَرهم، قال: أخبرني
ابنُ شِهَابٍ، عن عليٍّ بنِ حسينٍ، عن أبيه حسينِ بنِ عليٍّ، عن عليٌّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهم،

٤٩٩
باب ١٣ / ح ٢٣٧٣ -٣٢٧٥
كتاب الشرب
أنَّه قال: أصَبتُ شارفاً معَ رسولِ اللهِ وََّ في مَغْنَمِ يومَ بَدْرٍ، قال: وأعطاني رسولُ الله وَة / ٤٧/٥
شارفاً أُخرَى، فأنَخْتُهما يوماً عندَ باب رجلٍ مِن الأنصار، وأنا أُريدُ أن أحْمِلَ عليهما إذْخِراً
لأبيعَه، ومَعي صائغٌ من بني قَيتُقَاعَ، فأستَعينَ به على وَليمةِ فاطمةَ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ
يَشْرَبُ في ذلك البيت معه قَيْنَةٌ، فقالت:
ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النِّواءِ
فَثَارَ إليهما حمزةُ بالسَّيفِ، فجَبَّ أسنِمَتَهما، وبقرَ خَواصِرَ هما، ثمَّ أخذَ من أكْبادِهِما - قلتُ لابنِ
شِهَابٍ: ومنَ السَّنام؟! قال: قد جَبَّ أستِمَتَهما، فَذَهَبَ بها - قال ابنُ شِهَابٍ: قال عليٌّ ﴾:
فَظَرْتُ إلى مَنْظَرٍ أَفْظَعَني، فأتيتُ نبِيَّ الله وَّهِ وعندَه زيدُ بنُ حارثةَ، فأخبَرَّتُه الَخَرَ، فخَرَجَ
ومعه زيدٌ، فانطَلَقْتُ معه فدَخَلَ على حمزةَ فَتَغَيَّظَ عليهِ، فَرَفَعَ حمزةٌ بَصَرَه، وقال: هل أنتُم إلا
عَبِيدٌ لآبائي! فَرَجَعَ رسولُ الله ◌ِّ يُقَهْقِرُ حتَّى خَرَجَ عنهم، وذلك قَبْلَ تَّحْرِيمِ الخمرِ.
قوله: ((باب بيع الخَطَب والكلأ)) بفتح الكاف واللَّام بعده همزة بغير مَدّ: وهو العُشب
رَطْبُه ويابسُه. ومَوقِع هذه التَّرجمة من كتاب الشّرب اشتراك الماء والخَطَب والمرعى في
جواز انتفاع الناس بالمباحات منها من غير تخصيص، قال ابن بطَّال: إباحة الاحتطاب في
المباحات والاختِلاءِ من نَبات الأرض مُتَّفَق عليه حتَّى يقع ذلك في أرض مملوكة فتَرتَفِع
الإباحة، ووجهه أنَّه إذا مَلَكَ بالاحتطاب والاحتشاش، فلَأن يَملِك بالإحياءِ له أولى.
ثُمَّ أورد فيه المصنّف ثلاثة أحاديث:
أوَّلها وثانيها: حديث الزُّبَير بن العوّام وأبي هريرة بمعناه في التَّرغيب في الاكتساب
بالاحتطاب، وقد تقدَّم الكلام عليهما في كتاب الزكاة (١٤٧٠ و١٤٧١).
ثالثها: حديث عليّ في قِصَّة شارِفَيهِ مع حمزة بن عبد المطَّلِب، والشّاهد منه قوله: ((وأنا
أُرِيدَ أن أحْمِلَ عليهما إذخِراً لأبيعَه)) فإنَّه دالٌ على ما تَرجَمَ به من جواز الاحتطاب
والاحتشاش، وسيأتي الكلام على شرحه مُستَوفَّى في آخر كتاب الجهاد في فرض الخُمُس
(٣٠٩١) إن شاء الله تعالى.

٥٠٠
باب ١٤ / ح ٢٣٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٤ - باب القطائع
قوله: ((باب القَطائع)) هو جمعُ قَطِيعةٍ، تقولُ: أَقْطَعتُه(١) أرضاً، جعلتها له قطيعة، والمراد
به ما يَخْصُّ به الإمامُ بعضَ الرَّعية من الأرضِ الموات، فيختصُّ به، ويصيرُ أولی بإحيائه
ممَّن لم يَسِبِقِ إلى إحيائه. واختصاص الإقطاع بالموات مُتَّفَق عليه في كلام الشافعية.
وحكى عياض أنَّ الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يَراه أهلاً لذلك، قال:
وأكثرُ ما يُستَعمَلُ في الأرض، وهو أن يُخْرجَ منها لمن يَراه ما يَجوزُه إمَّا بأن يُمَلِّكَه إياه
فَيَعْمُرَه، وإمَّا بأن يجعلَ له غَلَّتَه مُدَّةً. انتَهى.
قال السُّبكي: والثاني هو الذي يُسمَّى في زماننا هذا إقطاعاً، ولم أرَ أحداً من أصحابنا
٤٨/٥ ذكره،/ وتَّخريجُه على طريقٍ فقهي مُشكِّلٌ. قال: والذي يَظهَرُ أنَّه يَصُلُ للمُقْطَعِ بذلك
اختصاص كاختصاص المتحَجِّر، ولكِنَّه لا يَملِكُ الرَّقَبة بذلك. انتَهى، وبهذا جَزَمَ المحِبُّ
الطََّري.
واذَّعى الأذْرَعي نفيَ الخِلاف في جواز تخصيص الإمام بعضَ الْجُندِ بغَلَّة أرضٍ إذا كان
مُستَحِقّاً لذلك، والله أعلم.
٢٣٧٦- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا حَّاهُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ
أنساً ﴾ قال: أرادَ رسولُ اللهِ وَ﴿ أَن يُقْطِعَ مِن البَحْرَينِ، فقالتِ الأنصارُ: حتَّى تُقْطِعَ لإخْواننا
مِن المهاجرينَ مِثْلَ الذي تُقْطِعُ لنا، قال: ((ستَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً فاصْبِرِوا حتَّى تَلْقَوْني)».
[أطرافه في: ٢٣٧٧، ٣١٦٣، ٣٧٩٤]
قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، ووقع للبيهقي (١٤٣/٦- ١٤٤) من وجهٍ
آخر عن سلیمان بن حرب شيخ البخاري فیه التصریح بالتحدیث حمَّد من یحیی.
قوله: ((أراد النبي ◌َّ﴿ أَن يُقْطِعَ من البَحْرَينِ)) يعني: للأنصار، وفي رواية البيهقي: دَعَا
الأنصار ليُقْطِعَ لهم البحرَينِ، وللإسماعيلي: ليُقْطِعَ لهم البحرَين أو طائفةً منها، وكأنَّ
(١) في (س): قطعتُه.