Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ٢٠ / ح ٢٣٤٨ كتاب المزارعة قوله: ((عن هلال بن علي)) هو المعروف بابن أسامة، والإسناد العالي كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاري، وقد ساقه على لفظ الإسناد الثاني، وساقه في كتاب التَّوحيد (٧٥١٩) على لفظ محمد بن سِنَان. قوله: ((وعنده رجل من أهل البادية)) لم أقف على اسمه. قوله: ((استأذَنَ رَبّه في الزَّرْع)) أي: في أن يُباشر الزِّراعة. قوله: «فقال له: أَسْتَ فیما شِئْت؟)) في رواية محمد بن سِنَان: (أوَلَست» بزيادة واو. قوله: ((فَذَرَ)) أي: ألقى البَذْر فنَبَتَ في الحال، وفي السّياق حذفٌ تقديره: فَأَذِنَ له فبَذَرَ ((فبادرَ)) في رواية محمد بن سِنَان: ((فأسرَعَ فتَبادرَ)). قوله: ((الطَّرْف)) بفتح الطاء وسكون الراء: امتداد لَحْظ الإنسان إلى أقصى ما يَراه، ويُطلَق أيضاً على حَرَكة جَفْن العين، وكأنَّه المراد هنا. قوله: ((واستحصاده)) زاد في التَّوحيد: ((وتكويرُه)) أي: جمعه، وأصل الكور: الجماعة الكثيرة من الإبل، والمراد: أنَّه لمَّا بَذَرَ لم يكن بين ذلك وبين استواء الَّرع ونجاز أمره كلّه من القَلع والحَصد والتَّذرية والجمع والتَّكويم إلَّا قَدر لَمحة البَصَر. وقوله: ((دونَك)) بالنَّصبِ على الإغراء، أي: خُذه. قوله: ((لا يُشْبِعُك شيءٌ)) في رواية محمد بن سِنَان: ((لا يَسعُك)) بفتح أوَّله والمهمَلة وضَمّ العين، وهو متّجه (١) المعنى. قوله: ((فقال الأَعْرابي)) بفتح الهمزة، أي: ذلك الرجل الذي من أهل البادية. وفي هذا الحديث من الفوائد أنَّ كلّ ما اشتُهي في الجنَّة من أُمور الدنيا مُمكِنٌ فيها، قاله المهلَّب. وفيه وصفُ الناس بغالبٍ عاداتهم، قاله ابن بطَّال. وفيه أنَّ النُّفوس جُبِلَت على الاستكثار من الدنيا. وفيه إشارة إلى فضل القَناعة وذَمّ الشَّرَه. وفيه الإخبار عن الأمر المحقّق الآتي بلفظ الماضي. (١) في (س): متحد. ٤٦٢ باب ٢١ / ح ٢٣٤٩ - ٢٣٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢١ - باب ما جاء في الغرس ٢٣٤٩- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عَبدِ الرحمنِ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلٍ ابنِ سعدٍ ﴾، أنَّه قال: إنْ كَّ لَنَفْرَحُ بيومِ الجُمُعةِ، كانت لنا عَجوزٌ تَأْخُذُ من أُصولِ سِلْقٍ لنا ٢٨/٥ كنَّا نَفْرِسُه في أربِعائنا، فَتَجْعَلُه في قِدْرِ لها،/ فَتَجْعَلُ فيه حَبّاتٍ من شعيرٍ - لا أعلمُ إلا أنَّه قال: ليسَ فيه شَحْمٌ ولا وَدَكٌ - فإذا صَلَّيِنا الجُمُعَةَ زُرْناها، فقَرَّبَتْه إلينا، فكنّا نَفْرَحُ بيومِ الجُمُعةِ من أْلٍ ذلك، وما كنَّا نَتَغَدَّى ولا نَقيلُ إِلَّ بعدَ الجُمُعةِ. ٢٣٥٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: يقولونَ: إنَّ أبا هريرةَ يُكثِرُ! والله المَوْعِدُ، ويقولونَ: ما للْمُهاجرينَ والأنصار لا يُحدِّثُونَ مِثْلَ أحاديثِه؟! وإنَّ إخْوَتِي مِن المهاجرينَ كان يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإنَّ إخْوَني مِن الأنصار كان يَشْغَلُهم عملُ أموالهم، وكنتُ امرَأَ مِسْكيناً ألزَمُ رسولَ الله وَِّ على مِلْءٍ بَطْنِي، فأحضُرُ حينَ يَغِيبونَ، وأعِي حينَ يَنْسَوْنَ، وقال النبيُّ ◌َله يوماً: ((لن يَبسُطَ أحدٌ منكُم ثوبَه حتَّى أقضيَ مقالتي هذه، ثمَّ يجمعَه إلى صَدْرِهِ، فيَنْسَى من مَقَالتي شيئاً أبداً)) فبَسَطْتُ نَمِرةً ليسَ عليَّ ثوبٌ غيرُها حتَّى قَضَى النبيُّ ◌ِلّهِ مِقالَتَه، ثمَّ ◌َعْتُها إلى صَدْري، فوالذي بَعَثَه بالحقِّ ما نَسيتُ من مقالِهِ تلكَ إلى يومي هذا، والله لَوْلا آيتان في كتاب الله ما حَدَّثْتُكُم شيئاً أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ﴾ إلى ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. قوله: ((باب ما جاء في الغَرْس)) ذكر فيه حديث سهل بن سعد: إن كنّا لنَفْرَح بيومٍ الجمعة، الحديث، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الجمعة (٩٣٨)، وغَرَضه منه هنا قوله: كنَّا نَغرِسه في أربِعائنا، وقد تقدَّم تفسير الأربعاء. والسِّلقُ بكسر السّين. وقوله: ((لا أَعلم إلَّا أَنَّه قال: ليس فيه شَحْم ولا وَدَك)) الوَدَك بفتحتَينِ: دَسَم اللَّحم، وهو من قول يعقوب. وحديث أبي هريرة ((يقولون: إنَّ أبا هريرة يُكثِر)) أي: رواية الحديث. ٤٦٣ باب ٢١ / ح ٢٣٤٩ - ٢٣٥٠ كتاب المزارعة قوله: ((والله المَوْعِد)) بفتح الميم، وفيه حذفٌ تقديره: وعندَ الله الموعد، لأنَّ الموعِد إمَّا مصدر، وإمَّا ظرف زمان أو ظرف مكان، وكُلّ ذلك لا يُخْبَرَ به عن الله تعالى، ومُراده: أنَّ الله تعالى يُحاسبني إن تَعَمَّدت كذباً، ويُحاسب مَن ظنَّ بي ظنَّ السّوء، وقد تقدَّم الكلام على بقية الحديث مُستَوفَّى في كتاب العلم (١١٨)، ويأتي منه شيء في كتاب الاعتصام (٧٣٥٤) إن شاء الله تعالى. وغَرَضه منه هنا قوله: ((وإنَّ إخْوَتي من الأنصار كان يَشْغَلهم عملُ أموالهم)). فإنَّ المراد بالعمل الشُّغل في الأراضي بالزِّراعة والغَرس، والله أعلم. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب المزارَعة وما أُضيفَ إليه من إحياء الموات وغيره من الأحاديث المرفوعة على أربعينَ حديثاً، المعَلَّق منها تسعة والبقية موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون حديثاً، والخالص ثمانية عشرَ حديثاً، وافقَه مسلم على جميعها سوى حديث أبي أُمامةَ في آلة الحَرْث، وحديث أبي هريرة في سُؤال الأنصار القِسمة، وحديث عمر: لولا آخرُ المسلمين. وحديث عَمرو بن عَوْف وجابر وعائشة في إحياء الموات، وحديث أبي هريرة: ((أنَّ رجلاً من أهل الجنَّة استأذَنَ رَبّه في الَّرع)). وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعينَ تسعة وثلاثون أثراً. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ٤٦٥ كتاب الشرب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فى الشّرْب وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقوله: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ (٣٥) ◌َأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْعُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. ﴿فَجَّاجًا﴾: مُنصَّاً ﴿الْمُزْنِ﴾: السَّحَاب، والأَجَاجُ: المُرُّ، ﴿قُرآنًا﴾: عَذْباً. قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم(١). في الشِّرْب. وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿ أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾)) كذا لأبي ذرِّ، وزاد غيره في أوَّله: ((كتاب المساقاة)) ولا وجه له، فإنَّ التَّراجم التي فيه غالبها تَتَعَلَّقْ بإحياء الموات. ووقع في شرح ابن بطَّال ((كتاب المياه)) وأثبَتَ النَّسَفي ((باب)) خاصَّة، وساق غیر(٢) أبي ذرِّ الآيتين. والشّرب بكسر المعجَمة، والمراد به الحكم في قسمة الماء، قاله عياض، وقال: ضَبَطَه الأَصِيلي بالضمِّ، والأوَّل أَولى، وقال ابن المنيِر: مَن ضَبَطَه بالضمِّ أراد المصدَر. وقال غيره: المصدَر مُثَلَّث، وقُرِئَ: ﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ الْهِمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] مُثَلَّئاً. والشّرب في الأصل بالكسر: النَّصيب والحظّ من الماء، تقول: كم شِربُ أرضِكُم؟ وفي المثَل: آخرُها شُرباً أقلُّها شِرباً. (١) أُلحق في هامش (أ) بعد البسملة: كتاب المساقاة، ثم جاء في أصلها: باب في الشرب، بزيادة: باب، وكذلك جاء في (س)، والمثبت على الصواب من (ع)، لأنه يوافق شرح الحافظ، إذ أثبت رواية أبي ذرِّ العريّة عن ذكر الكتاب ولفظ ((باب)). (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عن. ٤٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بطَّل: معنى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ ﴾ أراد الحيوان الذي يعيش بالماء، وقيل: أراد بالماءِ النُّطفة، ومَن قرأ: ((وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حياً))(١) دَخَلَ فيه الجماد أيضاً، لأنَّ حَياتها هو خُضرَتها، وهي لا تكون إلَّا بالماء. قلت: وهذا المعنى أيضاً يُخرج من القراءَة المشهورة، ويُخرج من تفسير قَتَادةَ حيثُ قال: كُلّ شيءٍ حَيّ فمِن الماء خُلِقَ. أخرجه الطََّري (١٧/ ٢٠) عنه. وروى ابن أبي حاتم (٢)، عن أبي العالية: أنَّ المراد بالماءِ النُّطفة، وروى أحمد (٧٩٣٢) من طريق أبي ميمونة، عن أبي هريرة: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن كلّ شيءٍ، قال: ((كلّ شيء خُلِقَ من الماء)» إسناده صحيح. قوله: ((﴿تَجَّاجًا﴾: مُنصبًاً)) هو في رواية المُستَمْلي وحده، وهو تفسير ابن عبّاس ومجاهد وقَتَادةُ، أخرجه الطَّبَري عنهم (٦/٣٠). قوله: (﴿اُلْمُزْنِ﴾: السَّحاب)) هو تفسير مجاهد وقَتَادةُ، أخرجه الطَّبَري عنهما (٢٧/ ٢٠٠)، وقال غيرهما: المزن: السَّحاب الأبيض، واحده: مُزْنة. قوله: ((والأُجَاج: المُرّ)) هو تفسير أبي عبيدة في ((معاني القرآن))، وأخرجه ابن أبي حاتم(٣) عن قَتَادةَ مِثله، وقيل: هو الشَّديد الملوحة أو المرارة، وقيل: المالح، وقيل: الحارّ، حَكاه ابن فارس. قوله: ((﴿فُرَاتًا﴾: عَذْباً)) هو في رواية المُستَمْلي وحده، وهو مُنتَزَع من قوله تعالى في السّورة الأُخرى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [فاطر: ١٢]، وروى ابن أبي حاتم عن السُّدّي قال: العَذْبِ الفُرات: الحُلْو. (١) هذه قراءة معاذ القارئ وابن أبي عَبْلة وحميد بن قيس، وقرأها الباقون بجر ﴿حَيّ﴾. انظر ((زاد المسير)) ٣٤٨/٥. (٢) وهو أيضاً في ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (٨٢٦). (٣) وهو أيضاً في ((تفسير عبد الرزاق)) ٢/ ٧٠، وفي ((تفسير الطبري)) ٢٥/١٩. ٤٦٧ باب ١ / ح ٢٣٥١ - ٢٣٥٢ كتاب الشرب ٣٠/٥ ١ - باب من رأی صدقة الماء وهبته ووصيته جائزةً، مقسوماً كان أو غير مقسوم وقال عُثْمَانُ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن يَشْتَري بئرَ رُومَةَ فيكون دَلْوُه فيها كدِلَاءِ المسلمينَ؟)) فاشتراها عثمانُ ﴾ ٢٣٥١- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمِ، عن سَهْلٍ ابن سعدٍ ، قال: أَتِيَ النبيُّ وَّ بِقَدَح، فَشَرِبَ، منه وعن يمينه غُلامٌ أصغَرُ القومِ، والأشْياُ عن يَساره، فقال: ((يا غُلامُ، أَتأذَنُ لي أن أُعْطِيَه الأشْياخَ؟)) قال: ما كنتُ لأوثِرَ بفَضْلي مِنْكَ أحداً يا رسولَ الله، فأعطاه إياه. [أطرافه في: ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠] ٢٣٥٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ ﴾: أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرسولِ الله ◌ِ ◌ّر شاةٌ داجنٌّ، وهُو في دار أنسِ بنِ مالكٍ، وشيبَ لبنُها بماءٍ مِن البِثْرِ الَّتِي في دار أنسٍ، فأعطَى رسولَ الله وَِّ القَدَحَ فَشَرِبَ منه حتَّى إذا نَزَعَ القَدَحَ من فيه وعلى يَساره أبو بكرٍ، وعن يمينه أعرابٌّ، فقال عمرُ - وخافَ أن يُعْطيَه الأعرابيَّ -: أعطِ أبا بكرِ یا رسولَ الله عندَكَ، فأعطاه الأعرابيَّ الذي عن يمينه، ثمَّ قال: «الأيمَنَ فالأيمَنَ)». [أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩] قوله: ((باب مَن رأى صدقة الماءِ وهِبَتَه ووَصيّته جائزةً، مَفْسوماً كان أو غيرِ مَقْسوم)) كذا لأبي ذرٍّ، وللنَّسَفي: ومَن رأى ... ، إلى آخره، جعلَه من الباب الذي قبله، ولِغيرهما: باب في الشّرب ومَن رأى. وأراد المصنّف بالتَّرجمة الردّ على مَن قال: إنَّ الماء لا يُملَك. قوله: ((وقال عُثْمان)) أي: ابن عَفّان ((قال النبي ◌َّ: مَن يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كَدِلاءِ المسلمينَ)) سقَطَ هذا التَّعليق من رواية النَّسَفي، وقد وَصَلَه التِّرمِذي (٣٧٠٣) والنَّسائي (٣٦٠٨) وابن خُزيمة (٢٤٩٢) من طريق ثُمامة بن حَزْن - بفتح المهمَلة وسكون الزّاي - القُشَيري، قال: شَهِدت الدّار حيثُ أشرَفَ عليهم عثمان، فقال: أنشدكُم بالله ٤٦٨ باب ١ / ح ٢٣٥١ - ٢٣٥٢ فتح الباري بشرح البخاري والإسلام، هل تَعلَمون أنَّ رسول الله وَ لَ قَدِمَ المدينة وليس بها ماءٌ يُستَعَذَبُ غير بئر رُومة، فقال: ((مَن يشتري بئر رُومَة يجعل دلوَه فيها كدِلاءِ المسلمين بخيرٍ له منها في الجنَّة؟» فاشتريتُها من صُلب مالي؟ قالوا: اللهمَّ نعم، الحديث بطولِه، وقد أخرجه المصنّف في كتاب الوقف (٢٧٧٨) بغير هذا السّياق، وليس فيه ذكر الدَّلو، والذي ذكره هنا مطابق للترجمة، ويأتي الكلام على شرحه هناك إن شاء الله تعالى. قال ابن بطَّال: في حديث عثمان أنَّه يجوز للواقفِ أن يَنتَفِع بوقِه إذا شَرَطَ ذلك، قال: فلو حَبَسَ بئراً على مَن يَشَرَب منها، فلَه أن يَشَرَب منها وإن لم يشترط ذلك، لأنَّه داخِل في ◌ُملة مَن يَشرَب. ثمَّ فَرَّقَ بفَرقِ غير قوي. وسيأتي البحث في هذه المسألة في ((باب هل يَنتَفِع الواقف بوقفِه)) في كتاب الوقف (٢٧٥٤) إن شاء الله تعالى. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَي سهل وأنس في شُرب النبي ◌ِّهِ وتقديمه الأيمَن فالأيمَن، وسيأتي الكلام عليهما في كتاب الأشربة (٥٦١٩و٥٦٢٠)، ومُنَاسَبَتَهما لمَا تَرجَمَ له من جِهَة مشروعية قِسمة الماء، لأنَّ اختصاص الذي على اليمين بالبداءَة به دالّ على ذلك. وقال ابن المنيِّرِ: مُراده أنَّ الماء يُملَك، ولهذا استأذَنَ النبيُّ نَّهِ بعض الشُّرَكاء فيه، ورتّبَ قِسمته يمنة ويسرة، ولو کان باقیاً على إباحته لم يَدخُله مِلك، لکن حديث سهل ليس فيه بيان أنَّ القَدَح كان فيه ماء، بل جاء مُفسَّراً في كتاب الأشربة بأنَّه كان لبناً، والجواب: أنَّه أورَدَه ليبيِّن أنَّ الأمر جرى في قِسمة الماء الذي شِيبَ به اللَّبَن كما جاء في حديث أنس، مَجَرى اللََّن الخالص الذي في حديث سهل، فدَلَّ على أنَّه لا فرق في ذلك بين اللََّن والماء، فيَحصُل به الردّ على مَن قال: إنَّ الماء لا يُملَك. وقوله في حديث سهل: / ((حدَّثنا أبو غسّان)) هو محمد بن مُطرِّف المدني، والإسناد ٣١/٥ مِصريّون إلَّا شيخه(١). (١) كذا في الأصلين و(س)، وهو - إن ثبت هكذا في أصل الحافظ - سبقُ قلم منه رحمه الله، فإن الإسناد مدنیون إلا شيخه سعید بن أبي مريم، فإنه مصري. ٤٦٩ باب ١ / ح ٢٣٥١ - ٢٣٥٢ كتاب الشرب وقوله: ((وعن يمينه غُلام)) هو الفضل بن عبّاس، حكاه ابن بطَّال، وقيل: أخوه عبد الله، حكاه ابن التِّین، وهو الصَّواب کما سيأتي. وقوله في حديث أنس: ((وعن يمينه أعرابي)) قيل: إنَّ الأعرابي خالد بن الوليد حكاه ابن التِّين. وتُعقّبَ بأنَّ مِثله لا يقال له: أعرابي، وكأنَّ الحامل له على ذلك أنَّه رأى في حديث ابن عبَّاس الذي أخرجه التِّرمِذي (٣٤٥٥) قال: دَخَلت أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناءٍ من لبن، فَشَرِبَ رسول الله وَّه وأنا على يمينه وخالد على شِماله، فقال لي: ((الشَّربة لك، فإن شئت آثرتَ بها خالداً؟)) فقلت: ما كنت أوثِرُ على سُؤرك أحداً. فظنَّ أنَّ القِصَّة واحدة، وليس كذلك، فإنَّ هذه القِصَّة في بيت ميمونة، وقِصَّة أنس في دارَ أنس، فافتَرَقا. نعم يَصلُح أن يُعَدّ خالد من الأشياخ المذكورينَ في حديث سهل بن سعد، والغُلام هو ابن عبّاس، ويُقوِّيه قوله في حديث سهل أيضاً: ما كنت أوثِرُ بفضلي منك أحداً. ولم يقع ذلك في حديث أنس، وليس في حديث ابن عبّاس ما يَمنَعُ أن يكون مع خالد بن الوليد في بیت میمونة غیره، بل قد روی ابن أبي حازم عن أبيه في حدیث سهل بن سعد ذکر أبي بکر الصِّدّيقِ فِيمَن كان على يَسَارَهِّهِ، ذكره ابن عبد البَرِّ (١٢١/٢١) وخَطَّاه. قال ابن الجَوْزي: إنَّما استأذَنَ الغُلامَ ولم يَستأذِن الأعرابيّ، لأنَّ الأعرابيَّ لم يكن له عِلم بالشَّريعة فاستألَفَه بتركِ استئذانه بخِلاف الغُلام. قوله في حديث أنس: ((فقال عمر: أعطِ أبا بكر)) كذا لجميع أصحاب الزُّهْري، وشَذَّ مَعمَر فيما رواه وُهَيب عنه، فقال: عبد الرحمن بن عَوْف، بدل عمر، أخرجه الإسماعيلي، والأوَّل هو الصحيح، ومَعمَر لمَّا حدَّث بالبصرة حدَّث من حِفظه فوَهِمَ في أشياء، فكأن هذا منها (١)، ويحتمل أن يكون محفوظاً بأن يكون كلّ من عمر وعبد الرحمن قال ذلك لتوفُّر دَوَاعي الصحابة على تعظيم أبي بكر. (١) وقد رواه وهيب أيضاً عن النعمان بن راشد عن الزهري عن أنس عند أبي عوانة (٨٢٢٣)، فقال فيه: عن يمينه رجل أعرابي، وعن يساره عبد الرحمن بن عوف، فشرب منه، ثم أعطى الأعرابي، وقال: (الأيمن فالأيمن))، فجعل الذي عن يسار النبي وَّ عبد الرحمن بن عوف، فالظاهر أن هذا الاختلاف من وهیب لا من معمر، والله أعلم. ٤٧٠ باب ٢ / ح ٢٣٥٣ - ٢٣٥٤ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: ألْحَقَ بعضُهم بتقديم الأيمَن في المشروب تقديمَه في المأكول، ونُسِبَ لمالك، وقال ابن عبد البرِّ: لا يَصِحّ عنه. ٢ - باب من قال: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حتى يَرْوَى لقول النبيّ وَّ: ((لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ)). ٢٣٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ لِيُمْنَعَ به الكَلُ». [طرفاه في ٢٣٥٤، ٦٩٦٢] ٢٣٥٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن ابنِ المسیّبِ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ﴾، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ، قال: ((لا تَمْنَعوا فضلَ الماءِ لِتَمْنَعوا به فضلَ الكلا». قوله: ((باب مَن قال: إنَّ صاحب الماء أحقُّ بالماءِ حتَّى يَرْوَى)) قال ابن بطَّال: لا خِلاف بين العلماء أنَّ صاحب الماء أحقُّ بمائه حتَّى يَرْوى، قلت: وما نَفاه من الخِلاف هو على القول بأنَّ الماء يُملَك، وكأنَّ الذينَ ذَهَبوا إلى أنَّه يُملَك - وهم الجمهور - هم الذينَ لا خِلاف عندهم في ذلك. قوله: ((لا يُمنَعُ)) بضمٌّ أوَّله على البناء للمجهولِ، وبالرفع على أنَّه خبر، والمراد به مع ذلك النَّهي. وذكر عياض أنَّه في رواية أبي ذرِّ بالجَزم بلفظ النَّهي. وكأنَّ السّرّ في إيراد/ ٣٢/٥ البخاري الطَّريقَ الثانية كَونُها وَرَدَت بصريح النَّهي، وهو: ((لا تَنَعوا))، والمراد بالفضلِ: ما زاد على الحاجة. ولأحمد (١٠٥٧١) من طريق عُبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة: ((لا يُمنَع فضل ماء بعد أن يُستَغنى عنه)) وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصدِ التَّمَلُّك، والصحيح عند الشافعية ونَصَّ عليه في القَديم وحَرمَلة: أنَّ الحافر يَملِك ماءَها، وأمَّا البئر المحفورة في الموات لقصدِ الارتفاق لا التَّمَلُّك ٤٧١ باب ٢ / ح ٢٣٥٣ -٢٣٥٤ كتاب الشرب فإِنَّ الحافر لا يَملِك ماءَها، بل يكون أحقَّ به إلى أن یر تَحِل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يَفضُل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، وخصَّ المالكية هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي في المِلك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأمَّا الماء المُحرَز في الإناء، فلا يجب بذل فضله لغير المضطَرّ على الصحيح. قوله: ((فضل الماء)) فيه جواز بيع الماء، لأنَّ المنهيَّ عنه منعُ الفضل لا منع الأصل، وفيه أنَّ مَحَلّ النَّهي ما إذا لم يَجِد المأمور بالبَذل له ماءً غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية من الماء، ولم يقل أحد: إنَّه يجب على صاحب الماء مُباشَرة سقي ماشية غيره مع قُدرة المالك. قوله: ((ليُمْنَع به الكَلَا)) بفتح الكاف واللَّام بعدها همزة مقصور: هو النَّبات رَطْبه ويابسه، والمعنى: أن يكون حول البِئر كَلَأ ليس عنده ماء غيره، ولا يُمكِن أصحابَ المواشي رَعيُهُ إلَّا إذا تمكَّنوا من سقي بَهائمهم من تلكَ البِثر، لئلا يَتَضَرَّروا بالعَطَشِ بعد الرَّعي، فَيَستَلِزِم منعُهم من الماء منعَهم من الرَّعي، وإلى هذا التَّفسير ذَهَبَ الجمهور، وعلى هذا يختصّ البَذلُ بمَن له ماشية، ويَلتَحِقِ به الرُّعاة إذا احتاجوا إلى الشُّرب، لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتَنَعوا من الرَّعي هناك. ويحتمل أن يقال: يُمكِنِهم حَل الماء لأنفُسِهم لِلَّة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم، والصحيح الأوَّل، ويَلتَحِق بذلك الَّرع عند مالك، والصحيحُ عند الشافعية، وبه قال الحنفية: الاختصاصُ بالماشية، وفَرَّقَ الشافعي فيما حَكَاه المُزَني عنه بين المواشي والَّرع بأنَّ الماشية ذاتُ أرواح يُخشى من عَطَشها موتُها بخِلاف الزَّرع، وبهذا أجاب النَّوَوي وغيره، واستُدِلَّ لمالك بحديثٍ جابر عند مسلم (١٥٦٥): نهى عن بيع فضل الماء. لكِنَّه مُطلَق فيُحمَل على المقَيَّد في حديث أبي هريرة، وعلى هذا لو لم يكن هناك كَلَأَ يُرعى، فلا مانع من المنع لانتفاءِ العِلَّة. قال الخطابي: والنّهي عند الجمهور للتّنزیه، فیحتاج إلی دلیل أو جَبَ صرفه عن ظاهره، وظاهرُ الحديث أيضاً وُجوب بَذْله مجَّاناً، وبه قال الجمهور، وقيل: لصاحبِه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في إطعام المضطَرّ، وتُعقِّبَ بأنَّه يَلزَم منه جواز المنع حالة امتناع المحتاج ٤٧٢ باب ٣ / ح ٢٣٥٥ فتح الباري بشرح البخاري من بَذل القيمة، ورُدَّ بمنع الملازَمة، فيجوز أن يقال: يجب عليه البَذل، وتَتَرتَّب له القيمة في ذِمَّة المبذول له حتَّى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكنَ ذلك، نعم في رواية لمسلمٍ (٣٨/١٥٦٦) من طريق هلال بن أبي ميمونة عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة: «لا يُباع فضل الماء)) فلو وجَبَ له العِوَض ◌َجَازَ له البيع، والله أعلم. واستَدَلَّ ابن حَبيب من المالكية على أنَّ البئر إذا كانت بين مالكَين فيها ماء، فاستَغنى أحدهما في نَوبَته، كان للآخرِ أن يستسقي منها، لأنَّه ماء فضَلَ عن حاجة صاحبه، وعُموم الحديث يَشهَد له وإن خالَفَه الجمهور، واستَدَلَّ به بعض المالكية للقول بسَدِّ الذَّرائع، لأنَّه نهى عن منع الماء لئلّا يُتَذَّع به إلى منع الكَلَا، لكن وَرَدَ التصريح في بعض طرق حديث الباب بالنَّهي عن منع الكَلَا، صَخَّحَه ابن حِبَّان (٤٩٥٦) من رواية أبي سعيد مولى بني غِفار، عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تَنَعوا فضل الماء، ولا تَنَعوا الكَلَأَ فيَهزُلَ المالُ وتجوع العيال))، والمراد بالكَلَأِ هنا النابت في الموات، فإنَّ الناس فيه سواء. وروى ابن ماجَهْ (٢٤٧٣) من طريق سفيان عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((ثلاثة لا يُمنَعنَ: الماء والكَلَأ والنار))، وإسناده صحيح، قال الخطّابي: معناه: ٣٣/٥ الكَلَأَ يَنْبُت في مَوات الأرض،/ والماء الذي يجري في المواضع التي لا تَخْتَصّ بأحدٍ، قيل: والمراد بالنار الحِجارة التي تُورِي النارَ. وقال غيره: المراد النار حقيقة، والمعنى: لا يُمنَع مَن يَستَصبح منها مِصباحاً، أو يُدني منها ما يُشعِله منها، وقيل: المراد ما إذا أضرَمَ ناراً في خَطَبٍ مُباح بالصَّحراءِ، فليس له منعُ مَن يَنتَفِع بها، بخِلاف ما إذا أضرَمَ في حَطَب يَملِكه ناراً، فله المنع. ٣- باب من حفر بئراً في ملكه لم يضمن ٢٣٥٥ - حدَّثني مَحمودٌ، أخبرني عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((المعدِنُ جُبَارٌ، والبِتْرُ جُبارٌ، والعَجْمَاءُ جُبارٌ، وفي الرِّکازِ الخُمُس». ٤٧٣ باب ٤ / ح ٢٣٥٦ -٢٣٥٧ كتاب الشرب قوله: ((باب مَن حَفَرَ بثْراً في مِلْكه لم يَضْمَن)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((البِئر جُبار)) بضمِّ الجيم وتخفيف الموحّدة، أي: هَدْر، قال ابن المنيِر: الحديث مُطلَق، والتَّرجمة مُقيّدة بالمِلكِ، وهي إحدى صور المطلَق وأقعَدُها بسقوط(١) الضَّمان، لأنَّه إذا لم يَضمَن إذا حَفَرَ في غیر مِلکه، فالذي يحفر في ملكه أحری بعَدَمِ الضَّمان. انتهى. وإلى التَّرِقة بين الحفر في مِلكه وغيره ذَهَبَ الجمهور، وخالَفَ الكوفيونَ، وسيأتي تفصيل ذلك مع بقية شرح الحديث في كتاب الدّيات (٦٩١٢ و٦٩١٣) إن شاء الله تعالى. ومحمود شيخه في هذا الحديث: هو ابن غَيلان، وعُبيد الله شيخ محمود: هو ابن موسى، وهو من شيوخ البخاري، وربَّما أخرج عنه بواسطةٍ كهذا. ٤- باب الخصومة في البئر والقضاء فيها ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ الله ◌ِظُه، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرِئٍ، هو عليها فاجرٌ لَفيَ الله وهو عليه غَضْبانُ))، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّقَلِيلًا ﴾ الآيةَ [آل عمران: ٧٧] فجاء الأشْعَثُ، فقال: ما يُحَدِّئُكُم أبو عبدِ الرحمن؟ فيَّ أُنْزِلَت هذه الآيةُ، كانت لي بترٌّ في أرضِ ابنِ عَمِّ لي، فقال لي: ((شُهودَكَ أو يمينَه)) قلتُ: مالي شُهودٌ، قال: ((فيمينُه)) قلتُ: يا رسولَ الله إذاً يَخْلِفَ، فَذَكَرَ النبيُّ ◌َِّ هذا الحديثَ، فأنْزَلَ الله ذلك تَصْديقاً له. [ح ٢٣٥٦ - أطرافه في: ٢٤١٦، ٢٥٥٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٩، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥] [ح ٢٣٥٧ - أطرافه في: ٢٤١٧، ٢٥١٦، ٢٦٦٧، ٢٦٧٠، ٢٦٧٧، ٤٥٥٠، ٦٦٦٠، ٦٦٧٧، ٧١٨٤] قوله: «باب الخصومة في البثْر والقضاء فيها» ذکر فیه حديث الأشعث: کانت لي بئر في أرض ابن عَمِّ لي. يعني: فتَخاصَمنا إلى النبي ◌ََّ، أورَدَه مختصراً، وسيأتي بتمامه في التَّفسير (٤٥٥٠) وفي الأيمان والنُّذور (٦٦٧٧) وغير موضع، واسم ابن عَمّه مَعْدان بن الأسوَد بن (١) تحرف في (س) إلى: سقوط. ٤٧٤ باب ٥ / ح ٢٣٥٨ فتح الباري بشرح البخاري مَعدي كَرِبَ الكِنْدِي، وَلَقَبه الجَفْشِيشُ بوزن فَعليل مفتوح الأوَّل، واختُلِفَ في ضبط هذا الأوَّل على ثلاثة أقوال: أشهرها بالجيمِ والشّين مُعجَمة في الموضعَين. وقوله في الحديث: ((كانت لي بئر في أرض)) زَعَمَ الإسماعيلي أنَّ أبا حمزة تفرَّد بذكرِ البِثر ٣٤/٥ عن الأعمش، قال: ولا أعلم فيمَن رواه عن الأعمَش إلَّا قال: في أرض. / قال: والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة. انتهى، وذكرُ البِئر ثابت عند البخاري في غير رواية أبي حمزة كما سيأتي مع بقية الكلام على الحديث في كتاب الأيمان والنُّذور، ونذكر في التَّفسير الخِلافَ في سبب نزول الآية المذكورة إن شاء الله تعالى. وقوله: ((شُهودَك أو يمينَه)) بالنَّصبِ فيهما، أي: أحضِرْ شهودَك أو اطلُبْ يمينَه. وقوله: ((إذاً يَحِلِفَ)) بالنَّصبِ، قال السُّهَيلي: لا غير، وحكى ابن خَرُوف جواز الرفع في مِثل هذا. ٥- باب إثم من منع ابن السبيل من الماء ٢٣٥٨- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ أبا صالح يقول: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال رسولُ اللهِلَّهِ: ((ثلاثةٌ لا يَنظُرُّ الله إليهم يومَ القيامةِ، ولا يُزَكّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ كان له فضلُ ماءٍ بالطَّريقِ فمَنَعَه مِنِ ابنِ السَّبيلِ، ورجلٌ بايَعَ إمامَهُ لا يُبَابِعُه إلا لِدُنْيا، فإن أعطاه منها رَضيَ، وإن لم يُعْطِه منها سَخِطَ، ورجلٌ أقام سِلْعَتَه بعدَ العَصْرِ، فقال: والله الذي لا إلهَ غيرُه لقد أعطِيتُ بها كذا وكذا، فصَدَّقَه رجلٌ)) ثمَّ قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَقَلِيلًا ﴾ [آل عمران: ٧٧]. [أطرافه في: ٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٧٢١٢، ٧٤٤٦] قوله: ((باب إِثْم مَن مَنَعَ ابنَ السَّبيل من الماء)) أي: الفاضل عن حاجته، ويدلّ عليه قوله في حديث الباب: ((رجل كان له فضل ماء بالطَّريق فمَنَعَه من ابن السَّبيل)) قال ابن بطَّال: فيه دلالة على أنَّ صاحب البئر أولى من ابن السَّبيل عند الحاجة، فإذا أخذَ حاجته لم يَجُز له ٤٧٥ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ كتاب الشرب منعُ ابن السَّبيل. انتهى. وقد تَرجَمَ المصنِّف بذلك بعد أربعة أبواب: ((مَن رأى أنَّ صاحب الحوض أحقُّ بمائه))، ويأتي الكلام على شرح هذا الحديث في كتاب الأحكام (٧٢١٢) إن شاء الله تعالى. وقوله في هذه الرِّواية: ((ورجل بايَعَ إمامه)) في رواية الكُشمِيهني: ((إماماً)). ٦- باب سَکْر الأنهار ٢٣٥٩، ٢٣٦٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُّ يوسفَ، حدّثنا اللَّثُ، قال: حدَّثني ابنُ شِهَابٍ، عن عُرْوةَ، عن عبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما، أنَّه حدَّثه: أنَّ رجلاً مِن الأنْصار خاصَمَ الزُّبَيرَ عندَ النبيِّ وَّةٍ فِي شِراج الحَرّةِ الَّتِي يَسْقونَ بها النَّخْلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّح الماءَ يَمُرُّ، فَأَبَّى عليه، فاختَصَما عندَ النبيِّ وَّةِ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ للزُّبَيرِ: ((اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثمَّ أرسِلِ الماءَ إلى جاركَ)) فَغَضِبَ الأنصاريُّ، فقال: أن كان ابنَ عَمَّتِكَ! فَتَلَوَّنَ وجه رسولِ الله ◌ِِّ، ثُمَّ قال: (اسْقِ يا زُبَيرُ ثمَّ احبِسِ الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدْرِ)) فقال الزُّبَيرُ: والله إنّي لأحسبُ هذه الآيةَ نزلت في ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. قال محمدُ بن العبَّاس: قال أبو عبدِ الله: ليسَ أحَدٌ يذكُرُ عُرْوَ عن عبدِ الله إلا اللَّيْثُ فقط. [أطرافه في: ٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥] قوله: ((باب سَكْر الأنهار)) السَّكر، بفتح المهمَلة وسكون الكاف: السَّدّ والغَلْق، مصدر ٣٥/٥ سكَرتُ النَّهَر: إذا سدَدتَه. وقال ابن دُرَيدٍ: أصله من سكَرَت الرّيحُ: إذا سكّنَ هُبوبها. قوله: ((عن عُرْوة)) سيأتي بعد باب (٢٣٦٢) من رواية ابن جُرَيج، عن ابن شِهَاب: عن عُروَة أَنَّه حدَّثه. قوله: ((عن عبد الله بن الزُّبَير أنَّه حدَّثه: أنَّ رجلاً من الأنصار خاصَمَ الزُّبَيرِ)) هذا هو المشهور من رواية اللَّيث بن سعد عن ابن شِهَاب. وقد رواه ابن وَهْب عن اللَّیث ويونس، جميعاً عن ابن شِهَاب، أنَّ عُروَة حدَّثه عن أخيه عبد الله بن الزُّبَير عن الزُّبَير بن العوامّ. ٤٧٦ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ فتح الباري بشرح البخاري أخرجه النَّسائي (٥٤٠٧) وابن الجارود (١٠٢١) والإسماعيلي، وكأنَّ ابن وَهْب حَمَلَ رواية اللَّيث على رواية يونس، وإلَّ فرواية اللَّيث ليس فيها ذكر الزُّبَير، والله أعلم. وأخرجه المصنّف في الصُّلح (٢٧٠٨) من طريق شعيب عن ابن شِهَاب عن عُرُوَة بن الُّبَير عن الزُّبَير، بغير ذكر عبد الله، وقد أخرجه المصنِّف في الباب الذي يَليه (٢٣٦١) من طريق مَعمَر عن ابن شِهَاب عن عُروَةٍ، مُرسلاً، وأعاده في التَّفسير (٤٥٨٥) من وجه آخر عن مَعمَر، وكذا أخرجه الطَّبري (١٥٩/٥) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق حدّثنا ابن شِهَاب، وأخرجه المصنّف بعد باب (٢٣٦٢) من رواية ابن جُرَيج كذلك بالإرسال، لكن أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن ابن جُرَيجٍ كرواية شعيب التي ليس فيها: عن عبد الله. وذكر الدّارَقُطني في ((العِلَل)) أنَّ ابن أبي عَتيق وعُمر بن سعيد (١) وافقا شعيباً وابن جُرَيجٍ على قولهما: عُرُوَة عن الزُّبَير. قال: وكذلك قال أحمد بن صالح وحَرمَلة عن ابن وَهْب، قال: وكذلك قال شَبيب بن سعيد عن يونس، قال: وهو المحفوظ. قلت: وإنَّما صَخَّحَه البخاري مع هذا الاختلاف اعتماداً على صِحَّة سماع عُروَة من أبيه، وعلى صِحَّة سماع عبد الله بن الزُّبَير من النبي ◌ََّ، فكيفما دارَ فهو على ثقة. ثمَّ الحديث وَرَدَ في شيءٍ يَتَعَلَّق بالزُّبَيرِ، فداعِيَهُ ولده مُتوَفِّرة على ضبطه، وقد وافقَه مسلم (٢٣٥٧) على تصحيح طريق اللَّيث التي ليس فيها ذكر الزُّبَير، وزَعَمَ الحُميدي في ((جمعه)) أنَّ الشَّيخَين أخرجاه من طريق عُروَة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وليس كما قال، فإنَّه بهذا السّياق في رواية يونس المذكورة، ولم يُخرِّجها من أصحاب الكتب السِّتَّة إلَّا النَّسائي، وأشار إليها التِّرمِذي (١٣٦٣) خاصَّة. وقد جاءت هذه القِصَّة من وجه آخر أخرجها الطَّبَري (١٥٩/٥) والطبراني (٦٥٢/٢٣) من حديث أُمّ سَلَمة، وهي عند الزّهْري أيضاً من مُرسَل سعيد بن المسيّب كما سيأتي بيانه. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: عمر بن سعد، وجاء على الصواب في (العلل)) (٥٣٦). وعمر بن سعيد المذكور هو ابن سَرْحة التَّنُوخي، له رواية عن الزهري، قال ابن عدي: أحاديثه عن الزهري ليست مستقيمة. ٤٧٧ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ كتاب الشرب قوله: ((أنَّ رجلاً من الأنصار)) زاد في رواية شعيب: قد شَهِدَ بَدراً، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهْري عند الطَّبَري في هذا الحديث أنَّه من بني أُميَّة بن زيد، وهم بطن من الأوس، ووقع في رواية يزيد بن خالد عن اللَّيث عن الزُّهْري عند ابن المقرئ في ((مُعجَمه)(١) في هذا الحديث أنَّ اسمه ◌ُميدٌ، قال أبو موسى المديني في ((ذَيل الصحابة)): لهذا الحديث طرق لا أعلم في شيء منها ذكر حُميدٍ إلَّا في هذه الطَّريق. انتهى، وليس في البدريِّينَ من الأنصار مَن اسمه حُميدٌ، وحكى ابن بَشْكُوالٍ في ((مُبهَمَاتِه)) عن شيخه أبي الحسن بن مُغيث أنَّه ثابت بن قيس بن شَّاس، قال: ولم يأتِ على ذلك بشاهدٍ. قلت: وليس ثابت بَدرياً. وحكى الواحدي أنَّ ثَعْلبة بن حاطب الأنصاري الذي نزلَ فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] ولم يَذكُر مُستَنَده، وليس بَدرياً أيضاً، نعم ذكر ابن إسحاق في البَدريينَ ثَعلبة بن حاطب، وهو من بني أُمَيَّة بن زيد، وهو عندي غير الذي قبله، لأنَّ هذا ذكر ابن الكلبي أنَّه استُشهِدَ بأُحُدٍ، وذاكَ عاشَ إلى خلافة عثمان. وحكى الواحدي أيضاً وشيخه الثَّعلَبي والمهدَوي أنَّه حاطب بن أبي بَلتَعَةَ. وتُعُقِّبَ بأنَّ حاطباً وإن كان بَدرياً لكِنَّه من المهاجرينَ، لكن مُستَنَد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية قال: نزلت في الزُّبَير بن العَوّام وحاطب بن أبي بَلتَعةَ اختَصَما في ماء، الحديث، وإسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيّب سمعَه من الزُّبَير فيكون موصولاً،/ وعلى هذا فُؤَوَّل قوله: من ٣٦/٥ الأنصار، على إرادة المعنى الأعمّ، كما وقع ذلك في حَقّ غير واحد كعبدِ الله بن حذافة، وأمَّا قول الكرماني بأنَّ حاطباً كان حَليفاً للأنصار ففيه نظر، وأمَّا قوله: من بني أُميَّة بن زيد، فلَعَلَّه كان مَسكَنه هناك كعُمَر كما تقدَّم في العلم. وذكر الثَّعلَبي بغير سنَدٍ: أنَّ الزُّبَير (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((معجم ابن المقرئ)). (٢) في (تفسيره)) (٥٥٥٩). ٤٧٨ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ فتح الباري بشرح البخاري وحاطباً لمَّا خَرَجا مَرّا بالمقداد قال: لمن كان القَضاء؟ فقال حاطب: قضى لابن عمَّته، ولَوَى شِدْقَه، ففَطِنَ له يهودي فقال: قاتَلَ الله هؤلاءِ، يَشْهَدون أنَّه رسول الله ويَتَّهمونَه، وفي صِحَّة هذا نظرٌ(١). ويَتَرَشَح بأنَّ حاطباً كان حَليفاً لآل الزُّبَير بن العوام من بني أسد، وكأنَّه كان مُجَاوِراً الزُّبَير، والله أعلم. وأمَّا قول الذَّاوُودي وأبي إسحاق الزَّجّاج وغيرهما: أنَّ خَصْم الزُّبَير كان مُنافقاً، فقد وجَّهَه القُرطُبي بأنَّ قول مَن قال: إنَّه كان من الأنصار، يعني: نَسَباً لا ديناً، قال: وهذا هو الظَّاهر من حاله، ويحتمل أنَّه لم يكن مُنافقاً، ولكن أصدَرَ ذلك منه بادرةُ النَّفس، كما وقع لغيره مَّن صَحَّت تَوبَته، وقَوّى هذا شارح ((المصابيح)) التُّورِبِشتي، ووَهّى ما عَداه، وقال: لم تَجِرِ عادة السَّلَف بوَصفِ المنافقينَ بصِفة النُّصرة التي هي صفة مَدْحٍ، ولو شاركَهم في النَّسَب، قال: بل هي زَلَّة من الشَّيطان تمكَّنَ به منها عند الغَضَب، وليس ذلك بمُستَنگر من غير المعصوم في تلك الحالة، انتھی. وقد قال الدَّاوُودي بعد جَزمه بأنَّه كان مُنافقاً: وقيل: كان بَدرياً، فإِن صَحَّ فقد وقع ذلك منه قبل شُهودها، لانتفاءِ النِّفاق عَمَّن شَهِدَها. انتهى. وقد عَرَفتَ أنَّه لا مُلازَمة بين صُدور هذه القصة منه وبين النِّفاق، وقال ابن التِّين: إن كان بَدرياً، فمعنى قوله: لا يُؤمِنونَ، لا يَستكمِلون الإيمان، والله أعلم. قوله: ((خاصَمَ الزُّبَير)) في رواية مَعمَر (٢٣٦١): خاصَمَ الزُّبَير رجلاً. والمخاصَمة مُفاعلة من الجانبينِ، فَكُلّ منهما مُخَاصِم للآخر. قوله: ((في شِراج الحَرَّة)) بكسر المعجَمة وبالجيمِ: جمع شَرْج، بفتح أوَّله وسكون الراء، مِثل بَحر وبحار، ويُجمَع على شروج أيضاً، وحكى ابن دُرَيدٍ: شَرَج بفتح الراء، وحكى القُرطُبي: شَرْجَة، والمراد بها هنا مَسِيل الماء، وإنَّما أُضيفَت إلى الحَرَّة لكونها فيها، والحَرَّة: (١) بل هو باطل، ولا يستأهل النقل أصلاً. ٤٧٩ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ كتاب الشرب موضع معروف بالمدينة تقدَّم ذِكرها (٢٣٣)، وهي في خمسة مواضع، المشهور منها اثنتان: حَرَّة واقِم، وحَرَّة لیلی. وقال الدَّاوُودي: هو نهر عند الحَرَّة بالمدينة، فأغرَبَ، وليس بالمدينة نَهر، قال أبو عبيد: كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر، فيَتَنافَس الناس فيه، فقَضَى رسول الله وَّ للأعلى فالأعلى. قوله: ((الَّتِي يَسْقونَ بها النَّخْل)) في رواية شعيب (٢٧٠٨): كانا يَسِقِيان بها كلاهما. قوله: ((فقال الأنصاري)) يعني: للزُّبَيرِ ((سَرِّح)) فعل أمر من التَّسريح، أي: أطلِقه. وإنَّما قال له ذلك لأنَّ الماء كان يَمُرّ بأرضِ الزُّبَير قبل أرض الأنصاري، فيَحبِسه لإكمال سقي أرضه ثمَّ يُرسِله إلى أرض جاره، فالتَمَسَ منه الأنصاري تعجيل ذلك فامتَنَعَ. قوله: ((اسْقِ يا زُبَير)) بهمزة وصل من الثُّلاثي، وحكى ابن التِّين أنَّه بهمزة قطع من الرُّباعي، تقول: سَقَى وأَسقى، زاد ابن جُرَيج في روايته كما سيأتي بعد باب: فأمَرَه بالمعروفِ. وهي ◌ُملة مُعتَرِضة من كلام الراوي، وقد أوضَحَها شعيب في روايته حيثُ قال في آخره: وكان قد أشار على الزُّبَير برأيٍ فيه سَعة له وللأنصاري. وضَبَطَه الكِرِماني: ((فأمِّرَّه)) هنا بكسر الميم وتشديد الراء على أنَّه فعل أمر من الإمرار، وهو مُتَمَل. قوله: ((أن كان ابنَ عَمَّتك)) بفتح همزة ((أن)) وهي للتَّعليل، كأنَّه قال: حَكمت له بالتَّقديمِ لأجل أنَّه ابن عَمَّتك، وكانت أُمّ الزُّبَيرِ صَفيَّةَ بنت عبد المطَّلِّب. وقال البيضاوي: يُحِذَف حرف الجرّ من ((أن)) كثيراً تخفيفاً، والتَّقدير: لأن كان، أو بأن كان، ونحوه: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم:١٤] أي: لا تُطِعه لأجل ذلك، وحكى القُرطُبي تَبَعاً لعياضٍ أنَّ همزة ((أن)) ممدودة، قال: لأنَّه استفهام على جِهَة إنكار. قلت: ولم يقع لنا في الرِّواية مَدّ (١)، لكن يجوز حذف همزة الاستفهام. وحكى الكرماني: ((إن كان)) بكسر الهمزة على أنَّها شرطية، والجواب محذوف، ولا أعرِف (١) جاء في اليونينية بالمد. ٤٨٠ باب ٦ / ح ٢٣٥٩ - ٢٣٦٠ فتح الباري بشرح البخاري هذه الرِّواية. نعم وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق: فقال: اعدِل يا رسول الله، وإن كان ابنَ عَمَّتك. والظَّاهر أنَّ هذه بالكسر، و((ابن)) بالنَّصبِ على الخبرية. ٣٧/٥ ووقع في رواية مَعمَر في الباب الذي يَليه: أنَّ ابن عَمَّتك. قال ابن مالك: يجوز في ((أنَّه)) فتح الهمزة وكسرها، لأنَّها وقعت بعد كلام تامٌّ مُعلَّل بمضمون ما صُدِّر بها، فإذا كُسِرَت قُدِّرَ ما قبلها بالفاء، وإذا فُتِحَت قُدِّرَ ما قبلها باللَّام، وبعضهم يُقدِّر بعد الكلام المصَدَّر بالمكسورة مِثْل ما قبلها مَقروناً بالفاءِ، فيقول في قوله مثلاً: اضرِبه أنَّه مُسيء: اضِرِبه إنَّه مُسيء فاضرِبه، ومن شَواهده: ﴿ وَلَ نَقْرَبُواْ الزِنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ﴾ [الإسراء: ٣٢] ولم يُقرأ هنا إلَّا بالكسر، وإن جازَ الفتح في العربية. وقد ثبت الوجهان في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوّةٌ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] قرأ نافع والكِسائي ((أنّ)» بالفتحِ والباقون بالکسر. قوله: ((فَتَلَوَّنَ)) أي: تَغَیَّرَ، وهو كناية عن الغضب، زاد عبد الرحمن بن إسحاق في روايته: حتّى عرفنا أن قد ساءَه ما قال. قوله: ((حتَّى يَرجِع إلى الجَدْر)) أي: يصير إليه، والجَدْر - بفتح الجيم وسكون الدّال المهمَلة - هو المُسَنَّاة: وهو ما وُضِعَ بين شَرَبات النَّخل كالجِدار، وقيل: المراد الحواجز التي تَحِبِس الماء، وجَزَمَ به السُّهَيلي، ويُروى الجُدُر بضمِّ الدّال، حكاه أبو موسى، وهو جمع جِدار، وقال ابن التِّين: ضُبِطَ في أكثر الرِّوايات بفتح الدّال، وفي بعضها بالسُّكونِ، وهو الذي في اللُّغَة، وهو أصل الحائط. وقال القُرطُبي: لم يقع في الرِّواية إلَّا بالسُّكون، والمعنى: أن يَصِل الماء إلى أُصول النَّخل، قال: ويُروى بكسر الجيم، وهو الجِدار، والمراد به جُدران الشَّرَبات التي في أُصول النَّخل، فإنَّها تُرفَع حتَّى تصير تُشبِه الجِدار، والشَّرَبات، بمُعجَمةٍ وفَتَحات: هي الحُفَرِ التي تُحفَر في أُصول النَّخل، وحكى الخطَّابي ((الجَذْر)) بسكون الذّال المعجَمة، وهو جَذر الحِساب، والمعنى: حتَّى يَبلُغ تَمَام الشُّرب. قال الكرماني: المراد بقوله ((أمسِك(١))) أي: أمسِك نفسك عن السَّقي، ولو كان المراد (١) هذه اللفظة في رواية معمر عن الزهري الآتية عند المصنف في الباب الذي بعده.