Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
باب ٥ / ح ٢٢٩٨
كتاب الكفالة
بعد ذلك: ((من ترك ضَياعاً)) الحديث، وهو ضعيف، وقال الحازمي بعد أن أخرجه (١): لا
بأسَ به في المتابعات. وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرّاً، وإنما فيه أنه طَرأ بعد
ذلك، وأنه السَّبَبُ في قوله ◌َّ: «من ترك دَيناً فعَلَيَّ)».
وفي صلاته وَِّ على مَن عليه دَينٌ بعدَ أن فتح الله عليه الفُتوحَ إشعارٌ بأنه كان يَقْضِيه
من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضِيه من خالص نفسِه، وهل كان القضاءُ واجباً عليه،
أم لا؟ وجهان.
وقال ابن بطَّال: قوله: ((من ترك دَيناً فَعَلَيَّ)» ناسخٌ لتركِ الصلاة على مَن فات وعليه
دَينٌ، وقوله: ((فَعَلَيَّ قضاؤُه)) أي: مما يُفيُ الله عليه من الغنائم والصَّدَقات، قال: وهكذا
يَلزَمُ المتولِّ لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دَينٌّ، فإن لم يفعَل فالإثمُ عليه إن كان
حَقُّ المَيِّتِ في بيت المال يَفِي بقَدرِ ما عليه من الدَّين، وإلا فيقسطِهِ.
خاتمة: اشتَمَلَ كتابُ الحوالة وما معه من الكفالة على اثنَي عشرَ حديثاً، المعلَّقُ منها
طريقان، والبقيَّةُ موصولةٌ، المكرَّرُ منه فيه وفيما مضى ستّةُ أحاديث، والسّةُ الأُخرى
خالصةٌ. وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى حديثٍ سَلَمة بن الأكوع في الصلاة على مَن عليه
دَینٌ، وحديثِ ابن عبّاس في الميراث.
وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدَهم ثمانيةُ آثارٍ، والله المستعان.
(١) في ((الاعتبار)) ص١٢٨، وعبارته فيه: هذا الحديث بهذا السياق غير محفوظ، وهو جيد في باب المتابعات.
٣٨٣
باب ١ / ح ٢٢٩٩ - ٢٣٠٠
كتاب الوكالة
٤٧٩/٤
كتاب الوكالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١- وَكَالة الشّرِيكِ الشّريكَ في القسمة وغيرها
وقد أشرَكَ النبيُّ ◌َّهِ عليّاً في هَذْنِهِ، ثمَّ أمُرَه بقِسمَتِها.
٢٢٩٩ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بنِ
أبي ليلَى، عن عليٍّ ﴾، قال: أمُرَني رسولُ اللهِ وَّهِ أن أتصَدَّقَ بچِلال البُدنِ الَّتِي نُحِرَت
وبجلودِها.
٢٣٠٠ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ، عن أبي الخيرِ، عن عُقبةَ بنِ عامٍ
◌َهُ: أَنَّ النبيَّي ◌َّهِ أعطاه غنماً يَقسِمُها على صحابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَه للنبيِّ وَِّ، فقال:
((ضَحِّ به أنتَ)).
[أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥]
قوله: ((كتاب الوكالة. بسم الله الرحمن الرحيم. وكالة الشَّريك الشَّريكَ في القِسمة وغيرها»
كذا لأبي ذرِّ، وقَدَّمَ غيرُه البسملة وزادوا، فللنَّسَفي(١): ووكالة الشَّريك، ولغيره: باب،
بدل الواو. والوَكَالة بفتح الواو وقد تُكسَر: التفويض والحِفظ، تقول: وَكَّلتُ فلاناً: إذا
استَحفَظتَه، ووَكَلتُ الأمر إليه - بالتخفيف -: إذا فَوَّضتَه إليه. وهي في الشَّرع: إقامة
الشَّخص غيرَه مقامَ نفسِه مُطلَقاً أو مُقِيَّداً.
قوله: ((وقد أشرَكَ النبيُّ ◌َ ﴿ِ عليّاً في هَدْيه ثمَّ أمُرَه بقِسمَتها)» هذا الكلام مُلفَّق من حديثين
عند المصنّف:
(١) تحرفت العبارة في (ع) إلى: وزادوا والنسفي، وفي (س) إلى: وزاد واواً وللنسفي، والمثبت على الصواب
من (أ).
٣٨٤
باب ١ / ح ٢٢٩٩ - ٢٣٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
أحدهما: حديث جابر: أنَّ النبي ◌َِّ أَمَرَ عليّاً أن يُقيم على إحرامه، وأشرَكَه في الهَدي،
وسيأتي موصولاً في الشَّرِكة (٢٥٠٥)، ووَهِمَ من زَعَمَ من الشُّرّاح أنَّه مضى في الحج(١).
ثانيهما: حديث عليّ: أنَّ النبي ◌َّ أَمَرَه أن يقوم على بُدْنه، وأن يَقسِم بُدْنَه كلّها. وقد
تقدَّم موصولاً في الحج (١٧١٧) من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى عنه، وقد ذكر هنا طرفاً
من الحديث موصولاً في الأمر بالتصدُّق بحِلَال البُدْن(٢)، وقد تقدَّم في الحج (١٧٠٧) بهذا
السَّنَد والمتن مع الكلام عليه، ومقصوده منه هنا ظاهر فيما ترجمَ له في القِسْمة.
وأمَّا قوله في الترجمة: وغيرها، أي: وفي غير القسمة، فَيُؤْخَذ بطريق الإلحاق. والجِلَال:
بكسر الجيم، وقد تقدَّم شرحها (١٧٠٧).
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث عَقَبة بن عامر: أنَّ النبيِ وَّ أعطاه غنماً يَقسِمُها، الحديث،
وسيأتي شرحه في كتاب الأضاحيّ (٥٥٤٧)، وشاهد الترجمة منه: قوله: ((ضَحِّ به أنتَ))،
فإنَّه عُلِمَ به أنَّه كان من ◌ُملة من كان له حَظّ في تلك القِسمة، فكأنَّه كان شَريكاً لهم، وهو
الذي توَلّى القِسمة بينهم.
وأَبدى ابن المنيِّرِ احتمالاً أن يكون بَّهِ وَهَبَ لكلِّ واحد من المقسوم فيهم ما صار
إليه، فلا تَتَّجِه الشَّرِكة. وأجاب بأنَّه ساق الحديث في الأضاحيّ (٥٥٤٧) من طريق أُخرى
بلفظ: أنَّه قَسَمَ بينهم ضحايا، قال: فدَلَّ على أنَّه عيَّن تلك الغنم للضَّحايا، فوَهَبَ لهم
◌ُلتَها، ثمَّ أمَرَ عُقْبة بقسمتها، فيصِحّ الاستدلال به لما ترجم له.
قال ابن بطَّال: وكالة الشَّريك جائزة كما تجوز شَرِكة الوكيل، لا أعلم فيه خلافاً.
واستَدَلَّ الدَّاوودي بحديث عليٍّ على جواز تَفويض الأمر إلى رأي الشَّريك، وتعقّبه
ابن التِّین باحتمال أن یکون عيَّن له مَن يُعطیه، کما عيَّن له ما يُعطیه، فلا یکون فیه تفويض.
(١) بل تقدم في الحج برقم (١٥٥٧).
(٢) تقدم هذا الحديث أيضاً بأطول مما هنا في الحج، في ((باب ما يتصدق بجِلال البُدْن)) (١٧١٨).
٣٨٥
باب ٢ / ح ٢٣٠١
كتاب الوكالة
قوله: ((عَتُود)) بفتح المهمَلة وضمّ المثنَّاة وسكون الواو: الصغير من المَعْزِ إذا قَوِيَ،
وقيل: إذا أتى عليه حَوْلٌ، وقيل: إذا قَدَرَ على السِّفاد (١).
٤٨٠/٤
٢- باب إذا وكّل المسلمُ حربيّاً في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز
٢٣٠١ - حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبد الله، قال: حدَّثني يوسفُ بنُ الماجِشُونِ، عن صالحِ بنِ
إبراهيمَ بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ ﴾، قال: كاتَبتُ
أُمِيَّةَ بنَ خَلَفٍ كتاباً بأن يَحِفَظَني في صاغِيَتَي بِمَكّةَ، وأحفَظَه في صاغِّه بالمدينةِ، فلمَّا ذَكَرتُ:
((الرحمنَ)) قال: لا أعرِفُ الرحمنَ، كاتِبْني باسمِكَ الَّذي كان في الجاهليَّةِ، فكاتَبتُه: ((عبدُ
عَمٍو))، فلمَّا كان يومُ بَدرٍ، خَرَجتُ إلى جَبَلٍ لأُحرِزَهِ حِينَ نامَ النّاسُ، فأبصَرَه بلالٌ، فخَرَجَ
حَتَّى وقَفَ على مَجلِسِ الأنصار، فقال: أُميَّةَ بنَ خَلَفٍ، لا نَجَوتُ إن نَجا أُميَّةُ، فخَرَجَ معه
فِرِيقٌ مِن الأنصار في آثارنا، فلمَّا خَشِيتُ أن يَلحَقونا خَلَّفْتُ لهم ابنَه، لِنَشْغَلَهم، فقَتَلوه، ثمَّ
أبَوْا حتَّى يَتَبَعونا - وكان رجلاً ثَقيلاً .- فلمَّا أدرَ كونا، قلتُ له: ابْرُكَ فَبَرَكَ، فألقَيتُ عليه نَفسي
لأَمنَعَه، فَتَجَلَّلوه بالسُّيوفِ من تَحتي حتَّى قَتَلوه، وأصابَ أحدُهم رِجلي بسيفه.
وكان عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ يُرِينا ذلك الأثَرَ في ظَهرٍ قَدَمِه.
قال أبو عبدِ الله: سمعَ يوسفُ صالحاً، وإبراهيمُ أباه.
[طرفه في: ٣٩٧١]
قوله: ((باب إذا وكَّلَ المسلم حَربيّاً في دار الحرب أو في دار الإسلام جازَ)). أي: إذا كان
الحَرْبي في دار الإسلام بأمانٍ.
قوله: ((عن صالح بن إبراهيم)) يأتي تصريحه بالسَّماع منه آخرَ الباب.
قوله: ((كاتَبتُ أُميَّة بن خَلَف)) أي: كَتَبت بيني وبينه كتاباً، وفي رواية الإسماعيلي:
عاهَدتُ أُميَّة بن خَلَف، وكاتبتُه.
قوله: ((بأن يَحْفَظَني في صاغِيَتَي)) الصاغِية، بصادٍ مُهمَلة وغَين مُعجَمة: خاصّة الرجل،
(١) السِّفاد: نَزْوُ الذَّكر على الأنثى.
٣٨٦
باب ٢ / ح ٢٣٠١
فتح الباري بشرح البخاري
مأخوذ من صَغى إليه: إذا مال. قال الأصمعي: صاغِيةُ الرجل: كلّ من يَمِيل إليه، ويُطلَق
على الأهل والمال. وقال ابن الِّين: رواه الدَّاوودي: ظاعِنَتَي، بالظّاءِ المشالة المعجَمة،
والعين المهمَلة بعدها نون، ثمَّ فسَّرَه: بأنَّه الشيء الذي يُسفَرُ إليه، قال: ولم أرَ هذا لغيره.
قوله: ((لا أعرِف الرحمن)) أي: لا أعتَرِف بتوحيدِه، وزاد ابن إسحاق في حديثه: أنَّ أُميَّة
ابن خَلَف كان يُسَمّيه عبدَ الإله(١).
قوله: ((حينَ نامَ الناس)) أي: رَقَدوا، وأراد بذلك اغتِنام غَفْلَتهم ليصونَ دَمَه.
قوله: ((فقال: أُمِيَّةَ بنَ خَلَف)) بالنَّصبِ على الإغراء، أي عليكُمْ أُميَّةَ، وفي رواية أبي ذرِّ
بالرفع على أنَّه خبر مُبتَدَأْ مُضمَرٍ، أي: هذا أُميَّة.
قوله: ((خَلَّتُ لهم ابنَه)) هو عليّ بن أُميَّة، سَّه ابن إسحاق في روايته في هذه القصّة من
وجه آخر (٢)، وسيأتي مزيد بسط لهذه القصَّة في شرح غزوة بدر (٣٩٧١)، ونذكر تسمية
من باشَرَ قتل أُميَّة، ومن باشَرَ قتل ابنه عليّ بن أُميَّة ومن أصابَ رِجلَ عبد الرحمن
بالسَّيفِ، إن شاء الله تعالی.
ووجه أخذ الترجمة من هذا الحديث: أنَّ عبد الرحمن بن عَوْف وهو مسلم في دار
الإسلام فوَّضَ إلى أُميَّةَ بنِ خَلَف وهو كافر في دار الحرب ما يَتعلَّق بأُموره، والظّاهر
اطّلاع النبيِ وَّه عليه، ولم يُنكِرِهِ، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حَربيّاً مُستأمَناً، وتوكيل
الحَرْبي المستأمَن مسلماً لا خلاف في جوازه.
قوله: ((وكان رجلاً ثَقيلاً)) أي: ضخمَ الجُّة.
قوله: ((فَتَجَلَّلوه بالسُّيوفِ)) بالجيمِ، أي: غَشُوه، كذا للأَصِيلي وأبي ذرٍّ، ولغيرهما: بالخاءِ
٤٨١/٤ المعجَمة، أي: أدخَلوا أسيافهم/ خلاله حتَّى وصَلوا إليه، وطَعَنوه بها من تحتي، مِن قولهم:
(١) هو في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٦٣١/١ -٦٣٢ من طرق أحدها حَسَنٌ.
(٢) هو في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٦٣١ من طريقين أحدهما مرسل والآخر منقطع، لكن أخرجه
الحاكم ٢/ ١١٧ من طريق آخر عن محمد بن إسحاق حَسَنٍ.
٣٨٧
باب ٣ / ح ٢٣٠٢ - ٢٣٠٣
كتاب الوكالة
خَلَّلْتُه بالرُّمح، واختَلَلتُه: إذا طَعنْتَه به، وهذا أشبه بسياق الخبر، ووقع في رواية المُستَمْلي:
((فَتَخَلَّه)) بلامٍ واحدة ثقيلة.
قوله: ((سمع يوسف صالحاً وإبراهيمُ أباه)» كذا ثبت لأبي ذرٍّ عن المُستَمْلي، وقد وقع في
آخر القصَّة ما يدلّ على سماع إبراهيم من أبيه، حيثُ قال في آخر الحديث: فكان عبد
الرحمن بن عَوْف يُرينا ذلك الأثر في ظَهر قَدَمه.
٣- باب الوكالة في الصّرف والميزان
وَقد وكَّلَ عمرُ وابنُ عمَرَ فِي الصَّرْف.
٢٣٠٢، ٢٣٠٣ - حدَّثْنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبد المجيد بنِ سُهَيلِ بنِ
عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، عن سعيد بنِ المسيّبِ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ وأبي هريرةَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ استَعمَلَ رجلاً على خيبرَ، فجاءهم بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال: «أكلَّ تمرٍ
خيبرَ هكذا؟)) فقال: إنّا لَنأْخُذُ الصاعَ من هذا بالصاعَينِ، والصاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال: ((لا تَفْعَلْ،
بعِ الجَمْعَ بِالدَّراهمِ، ثُمَّ ابتَع بالدَّراهمِ جَنِيباً». وقال في الميزان مِثلَ ذلك.
قوله: ((باب الوكالة في الصَّرف والميزان)) قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ الوكالة في
الصَّرف جائزة، حتَّى لو وَكَّلَ رجلاً يَصرِف له دراهم، ووَكَّلَ آخرَ يَصرِف له دنانير،
فتَلافَيا وتصارفا صَرْفاً مُعتبَراً بشرطِه جازَ ذلك.
قوله: «وقد و گَّلَ عمر وابن عمر في الصَّرف» أمّا أثر عمر، فوَصَله سعید بن منصور من
طريق موسى بن أنس عن أبيه: أنَّ عمر أعطاه آنيةً ثُموَّهةً بالذَّهبِ، فقال له: اذهب فِعْها
فباعها من يهودي بضعفٍ وزنه، فقال له عمر: اردُده، فقال له اليهودي: أزيدك، فقال له
عمر: لا إلَّا بوزنِه.
وأمَّا أثر ابن عمر فوَصَله سعيد بن منصور أيضاً من طريق الحسن بن سعد، قال:
كانت لي عند ابن عمر دراهم، فأصَبت عنده دنانير، فأرسَلَ معي رسولاً إلى السوق، فقال:
٣٨٨
باب ٤ / ح ٢٣٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
إذا قامتْ على ◌ِعِرٍ فاعرضها عليه، فإن أخذها وإلَّ فاشتر له حَقّه، ثمَّ اقضِه إياه، وإسناد
كلّ منهما صحيح.
قوله: ((عن عبد المجيد بن سُهَيل)) كذا للأكثر: بتقديم الميم على الجيم، وهو الصواب،
وحكى ابن عبد البَرِّ: أنَّه وقع في رواية عبد الله بن يوسف: عبد الحميد، بحاءِ مُهمَلة
قبل الميم. ولم أرَ ذلك في شيءٍ من نُسَخ البخاري عن عبد الله بن يوسف، فلعلَّه وقع
كذلك في رواية غير البخاري. قال: وكذلك وقع ليحيى بن يحيى الليثي عن مالك (٢/
٦٢٣)، وهو خطأ.
قوله: ((استَعمَلَ رجلاً على خيبر)) تقدَّم في البيوع (٢٢٠١) أنَّه أنصاري، وأنَّ اسمه سَوَاد
ابن غَزِيَّةَ، وتقدَّم الكلام عليه هناك.
وقوله في آخره: ((وقال في الميزان مِثل ذلك)) أي: والموزون مثل ذلك، لا يُباع رِطْل
برِطلَين، وقال الدَّاوودي، أي: لا يجوز التمر بالتمر، إلَّا كَيلاً بكَيلٍ، أو وزناً بوزنٍ، وتعقّبه
ابن التِّين: بأنَّ التمر لا يوزَن. وهو عَجيب، فلعلَّه الثَّمَر بالمثلَّثة وفتح الميم.
ومُناسَبة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، لتَفويضِهِ وَّهِ أَمرَ ما يُكال ويوزَن إلى غيره، فهو في
معنى الوكيل عنه، ويلتحِق به الصَّرفُ.
قال ابن بطَّل: بيع الطَّعام يداً بيدٍ مثل الصَّرف سواء، أي: في اشتراط ذلك. قال:
ووجه أخذ الوكالة منه قوله {َِّ لعامل خيبر: ((بع الجَمْعَ بالدَّراهم))، بعد أن كان باع على
غير السُّنّة، فنَهاه عن بيع الرِّبا، وأذِنَ له في البيع بطريق السُّنّة.
٤ - باب إذا أبصر الرّاعي أو الوكيلُ شاةً تموت أو شيئاً يَفسُد
ذبح، أو أصلح ما يخاف الفساد
٢٣٠٤ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ المعتَمِرَ، أنبأنا مُبيد الله، عن نافعٍ، أنَّه سمعَ
ابنَ كعبٍ بنِ مالكٍ يُحدِّثُ عن أبيه: أنَّه كانت لهم غَنَمٌ تَرعَى بسَلْع، فأبصَرَت جاريةٌ لنا بشاةٍ
٤٨٢/٤
٣٨٩
باب ٤ / ح ٢٣٠٤
كتاب الوكالة
من غَنَمِنا موتاً، فكَسَرَت حجراً فَذَبَحَتْها به، فقال لهم: لا تأكُلُوا حَتَّى أسألَ النبيَّ ◌َّ - أو
أُرسِلَ إلى النبيِّوََّ مَن يَسألُهُ - وَأَنَّه سألَ النبيَّ ◌ََّ عن ذاكَ - أو أرسَلَ - فأمَرَه بأكلِها.
قال عُبيد الله: فيُعجِبُني أنَّهَا أَمَةٌ، وأنَّهَا ذَبَحَت.
تابَعَه عَبْدةُ عن عُبيدِ الله.
[أطرافه في: ٥٥٠١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٤]
قوله: ((باب إذا أبصَرَ الراعي أو الوكيل شاةً تموت، أو شيئاً يَفسُد، ذَبَحَ، أو أصلَحَ ما
يخاف الفساد)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفي، وعليه جرى الإسماعيليّ، ولابن شَبّويه: فأصلَحَ،
بَدَل: أو أصلَحَ، وجواب الشَّرط محذوف، أي: جازَ، ونحو ذلك، وفي شرح ابن النِّين
بحذف: ((أو)) فصار الجواب: أصلَحَ ما يخاف الفساد، وأمَّ الأَصِيلي فعنده: أو شيئاً يَفسُد،
ذَبَحَ وأصلَحَ.
وقد أورَدَ فيه حديث ابن كعب بن مالك عن أبيه: أنَّه كانت له غَنَم تَرعى بسَلْعٍ،
الحديث، قال ابن المنيِر: ليس غرض البخاري بحديث الباب الكلامَ في تَحليل الذَّبيحة أو
تحريمها، وإنَّما غرضُه إسقاط الضَّمان عن الراعي وكذا الوكيل.
وقد اعتَرَضَ ابن التِّين: بأنَّ التي ذُبِحَت كانت مِلكاً لصاحبِ الشاةِ، وليس في الخبر أنَّه
أراد تَضمينها. والذي يَظهَر أنَّه أراد رفع الحَرَجَ عَمَّن فعَلَ ذلك، وهو أعَمّ من التضمين.
قوله: ((أنَّه سمع ابنَ كعبٍ بن مالك)) جَزَمَ المِّي في ((الأطراف)): بأنَّه عبد الله، لكن
روى ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن
أبيه طرفاً من هذا الحديث(١)، فالظّاهر أنَّه عبد الرحمن.
قوله: ((قال عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد
المذکور إليه.
(١) أخرجه من طريق ابن وهبِ الطبرانيُّ في ((الكبير)) ١٩/ (١٤٤)، وإسناده حسن.
٣٩٠
باب ٥ / ح ٢٣٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تابَعَه عَبْدة)) أي: ابن سليمان ((عن عُبيد الله)) هو العُمَري المذكور بالإسناد
المذكور، وسيأتي موصولاً في كتاب الذَّبائح (٥٥٠٤)، ويأتي الكلام عليه هناك، ونذكر
الاختلاف فیه علی نافع، وعلى غيره.
واستُدِلَّ به على تصديق المؤتَمَن على ما اؤتُمِنَ عليه، ما لم يَظهَر دليل الخيانةِ، وعلى أنَّ
الوكيلَ إذا أنْزَى على إناث الماشية فحْلاً بغير إذن المالك حيثُ يحتاج إلى ذلك، فهَلَكَت أنَّه
لا ضمان علیه.
٥ - بابٌ وكالةُ الشّاهد والغائب جائزة
وَكَتَبَ عبدُ الله بنُ عَمرِو إلى قَهْرَمانه، وهو غائبٌ عنه: أن يُزَكِّيَ عن أهلِهِ، الصَّغِيرِ
والگپیر.
٢٣٠٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيل، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي
هريرةَ ظُ، قال: كان لرجلٍ على النبيِّ نَِّ مِنٌّ مِن الإبلِ، فجاءه يَتَقاضاه، فقال: ((أَعطُوه))،
فِطَلَبوا سِنَّه، فلم يَجِدوا له إلا سِنّاً فوقَها، فقال: «أَعطُوه)»، فقال: أوفَيَتَنِي أوفَى اللهُ بكَ، قال
النبيُّ ◌َّ: ((إنَّ خِيارَكُمْ أحسنُكُمْ قَضاءً».
[أطرافه في: ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢، ٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩]
٤٨٣/٤
قوله: ((بابٌ)) بالتنوين («وكالةُ الشاهد)) أي: الحاضر ((والغائب جائزة)) قال ابن بطَّال:
أخذَ الجمهور بجواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عُذْرٍ، ومَنَعَه أبو حنيفة إلَّا بعُذرٍ، مَرَضٍ أو
سَفَر، أو بِرِضا الخَصْم، واستثنى مالك مَن بينه وبين الخصم عَداوة.
وقد بالَغَ الطَّحاوي في نُصْرة قول الجمهور، واعتمَدَ في الجواز حديث الباب، قال:
وقد اتَّفَقَ الصحابة على جواز توكيل الحاضر بغير شرطٍ، قال: ووكالة الغائب مُفْتَقِرة إلى
قَبُول الوكيل الوَكَالَة باتِّفاقٍ، وإذا كانت مُفتَقِرةً إلى قَبُولٍ فحُكم الغائب والحاضر سواء.
قوله: ((وكَتَبَ عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص ((إِلى قَهرَمانِهِ)) أي: خازنه القَيِّم بأمره،
وهو الوكيل، واللَّفظة فارسية.
٣٩١
باب ٦-٧ / ح ٢٣٠٦ - ٢٣٠٨
كتاب الوكالة
قوله: ((أن يُزَكّي عن أهله)) أي: زكاة الفِطْر، ولم أقِف على اسم هذا القَهْرَمان.
وقد أورَدَ فيه حديث أبي هريرة: كان لرجلٍ على النبي ◌َّه ◌ِنٌّ من الإبل، فجاءه
يَتَقاضاه، فقال: أعطُوه)) الحديث، وسيأتي شرحه في كتاب القَرض (٢٣٩٠)، وموضع
الترجمة منه لوكالة الحاضر واضح، وأمَّا الغائب فيُستَفاد منه بطريق الأَولى، لأنَّ الحاضر إذا
جازَ له التوكيل مع اقتداره على المباشرة بنفسِه، فجوازه للغائب عنه أَولی لاحتياجه إليه.
وقال الكِرْماني: لفظ: ((أعطوه)) يتناول وُكَلاءَ رسول الله وَّهِ، حضوراً وغُيَّباً.
٦ - باب الو کالة في قضاء الدّیون
٢٣٠٦- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، سمعتُ أبا سَلَمَةَ
ابنَ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ عْ﴾: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّ يَتَقاضاه، فأغلَظَ، فَهَمَّ به أصحابُه،
فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((دَعُوه، فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً)) ثمَّ قال: ((أعطوه سِنّاً مِثلَ سِنِّ)) قالوا:
يا رسولَ الله، إلَّا أمثَلَ من ◌ِسِنِّه، فقال: «أعطوه، فإنَّ خيرَكُم أحسنُكُم قَضاءً».
قوله: ((باب الوكالة في قضاء الدُّيون)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبلَه
من وجه آخر، وهو ظاهرٌ فیما تَرجمَ به.
وقوله: ((قال أعطوه سِنّاً مثل سِنّه، قالوا: يا رسول الله، إلَّا أمثَلَ من سِنّه)) كذا لجميعِ
الرّواة، وفيه حذف يَظهَر من سياق الذي قبله، والتقدير فقالوا: لم نَجِد إلَّا أمثَل ... إلى آخره.
قال ابن المنيِر: فقه هذه الترجمة: أنَّه ربَّما تَوهَّمَ مُتوهّم أنَّ قضاء الدَّين لمَّا كان واجباً
على الفَوْر، امتَنَعَتِ الوكالة فيه، لأنها تأخير من الموكِّل إلى الوكيل، فبيَّن أنَّ ذلك جائز،
ولا يُعَدّ ذلك مَطْلاً.
٧ - بابٌ إذا وهب شيئاً لوكيلٍ أو شفيعٍ قومٍ جاز
لِقولِ النبيِّ ◌َِّ لوَفد هوازنَ حِينَ سألوه المغانمَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((نَصِيبي لكم)).
٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ
شِهابٍ، قال: وزَعَمَ عُرْوةُ أنَّ مَروانَ بنَ الحكمِ والمِسوَرَ بنَ تَخَرَمَةَ أخبَرَاه: أنَّ رسولَ الله وَّه قامَ
٣٩٢
باب ٧ / ح ٢٣٠٧ - ٢٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
حِينَ جاءه وفدُ هوازنَ مُسلِمِينَ، فسألُوه أن يَرُدَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهم، فقال لهم رسولُ الله
وَّ: «أحَبُّ الحديثِ إليَّ أصدَقُه، فاختاروا إحدَى الطّائِفَتَينِ: إمّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ، فقد كنتُ
استأنَيتُ بهم))، وقد كان رسولُ الله ◌َّ انْتَظَرَهم بضعَ عشرةَ ليلةً، حِينَ قَفَلَ مِن الطّائفِ.
٤٨٤/٤
فلمَّا تَبيَّنَ لهم أنَّ رسولَ اللهَوَّه غيرُ رادِّ إليهم إلا إحدَى الطّائفتَينِ قالوا: فإنّا نَخْتارُ سَبْيَنا،
فقامَ رسولُ الله وَّل في المسلمينَ، فأَثْنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ إخوانَكُم
هُؤُلاءِ قد جاؤونا تائبِينَ، وإنّ قد رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمَن أحَبَّ منكم أن يُطيِّبَ
بذلك فليَفعَل، ومَن أحَبَّ منكُم أن يكونَ على حَظِّه حتَّى نُعطِيَه إيّاه من أوَّل ما يُفِيءُ اللهُ
علينا، فليَفعَل))، فقال النّاسُ: قد طَّنا ذلك يا رسُولَ الله لهُم، فقال رسولُ الله وَهُ: ((إنّا لا
نَدري مَن أذِنَ منكُم في ذلك ممَّن لم يأذن، فارجِعوا حتَّى يَرِفَعوا إلينا عُرَفَاؤُكُم أمرَكُمْ)) فَرَجَعَ
النّاسُ، فَكَلَّمَهم ◌ُرَفاؤُهم، ثمَّ رَجَعوا إلى رسولِ الله ◌َّه فأخبَرَوه أنَّهم قد طَيِّبُوا وأَذِنُوا.
[ح ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]
[ح ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٦٠٨، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧]
قوله: ((بابٌ إذا وَهَبَ شيئاً لوكيلٍ أو شَفيعٍ قومٍ، جازَ)) يجوز في ((وكيل)) التنوين، ويجوز
تركه على حَدّ قوله: بين ذِراعي وجَبهة الأسد، ووقع عند الإسماعيلي: لِوكيل قومٍ، أو
شَفیع قومٍ.
قوله: ((لقول النبي ثّ لوَفد هوازِنَ حين سألوه المغانم، فقال النبي ◌ِّر: نصيبي لكم))
وهو طرف من حديث أخرجه ابن إسحاق في ((المغازي))(١) من حديث عبد الله بن عَمْرو
ابن العاص، وسيأتي بيانه في كتاب الخُمُس (٣١٣١) إن شاء الله تعالى.
وقد أورَدَ المصنِّف هنا حديث المِسوَر بن ◌َخَرَمةَ ومروان بن الحكم في قصَّة وفد هوازن
أيضاً، وسيأتي شرحه في غزوة حُنَينٍ (٤٣١٨) من كتاب المغازي.
وشاهد الترجمة منه: قوله فيه: ((وإنّ قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم)) الحديث، قال ابن
(١) هو في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٤٨٩/٢ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولفظه: ((أمّا ما
كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)).
٣٩٣
باب ٨ / ح ٢٣٠٩
كتاب الوكالة
بطَّل: كان الوفد رُسُلاً من هوازن، وكانوا وُكَلاء وشُفَعاء في رَدّ سَبْيهم، فشَفَّعَهم النبيَِ
فيهم، فإذا طلب الوكيل أو الشَّفيع لنفسه ولغيره، فأُعطي ذلك فحُكمه ◌ُكمُهم.
وقال الخطَّابي: فيه أنَّ إقرار الوكيل على موكِّله مقبول، لأنَّ العُرَفاء بمَنزِلة الوُكَلاء فيما
أُقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقَيَّدَه أبو حنيفة ومحمد بالحاكم.
وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: لا يَصِحّ إقرار الوكيل على الموكّل، وليس في
الحديث حُجّة للجواز، لأنَّ العُرَفاء ليسوا وُكَلَاءَ، وإنَّما هم كالأُمَراءِ عليهم، فقَبُول قولهم
في حَقّهم بمَنِزِلة قَبُول قول الحاكم في حَقّ من هو حاكمٌ عليه، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على القَرْض إلى أجَلِ مجهول، لقوله: ((حتَّى نُعطيه إياه من أوَّل ما يَفيُ الله
علینا»، وسيأتي البحث فيه في بابه(١).
وقال ابن المنيِّر: قوله وَّ للوَفْد وهم الذين جاؤوا شُفَعاء في قومهم: ((نصيبي لكم)) قد
يوهم أنَّ الموهبة وَقَعَت للوسائط، وليس كذلك، بل المقصودهم وجميع من تكلَّموا بسببِهِ،
فيُستَفاد منه أنَّ الأُمور تُنَزَّلُ على المقاصد لا على الصّوَر، وأنَّ من شَفَعَ لغيره في هبةٍ، فقال
المشفوع عنده للشَّفيع: قد وهَبتُك ذلك فليس للشَّفيع أن يَتعلَّق بظاهر اللَّفظ، ويَخْصّ
بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له، ويَلتَحِق به من وَكَّلَ على شِراء شيءٍ بِعَينِهِ، فاشتراه
الو کیل ثمَّ اذَّعی أنَّ إِنَّما نوی نفسه، فإنَّه لا يُقبل منه، ویکون المبيع للموگِّل، انتهى.
وهذا قاله على مُقتَضی مذهبه، وفي المسألة خلاف مشهور.
٨- بابٌ إذا وكّل رجل رجلاً أن يعطي شيئاً ولم يبيّن كم يعطي
فأعطى على ما يتعارفه النّاس
٢٣٠٩ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحِ وغيرِهِ - یزیدُ
٤٨٥/٤
(١) سيأتي الكلام على القرض إلى أجل في باب (١٧): إذا أقرضه إلى أجل مسمَّى أو أَجَّله في البيع، من كتاب
الاستقراض، لكنه لم يتكلم عن القرض إلى أجل مجهول في ذلك الباب، ولا في أي موضع من مواضع
الحدیث، فالله أعلم.
٣٩٤
باب ٨ / ح ٢٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
بعضُهم على بعضٍ، ولم يُبْلِغْه ◌ُلَّهُ رجلٌ منهم - عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما، قال:
كنتُ معَ النبيِّلَّه فِي سَفَرٍ، فكنتُ على جملٍ ثَقَالٍ، إنَّما هو في آخرِ القومِ، فَمَرَّ بِي النبيُّ ◌َالـ
فقال: ((مَن هذا؟)) قلتُ: جابرُ بنُ عبد الله، قال: ((ما لكَ؟)) قلتُ: إنّي على جملٍ ثَفَالٍ، قال:
((أمعكَ قَضِيبٌ؟)) قلتُ: نعم قال: ((أعطِنِه)) فأعطَيْتُه، فضَرَبَه فَزَجَرَه، فكان من ذلك المكانِ
من أوَّل القوم، قال: (بِعنِه))، فقلتُ: بل هو لكَ يا رسولَ الله، قال: («بَلْ بعينيه، قد أخذتُه
بأربعةِ دنانيرَ، ولَكَ ظَهرُه إلى المدينةِ)) فلمَّا دَنَونا مِن المدينةِ أخذتُ أرَحِلُ، قال: «أينَ تُرِيد؟))
قلتُ: تَزَوَّجتُ امرأةً قد خَلا منها (١)، قال: ((فَهَلّا جاريةً تُلاعبُها وتُلاعبُكَ؟)) قلتُ: إنَّ أبي
تُوفِّيَ وتَرَكَ بَناتٍ، فأَرَدتُ أن أَنكِحَ امرأةً قد جَرَّبَت، خَلَا منها، قال: ((فذلك)) فلمَّا قَدِمْنا
المدينةَ، قال: ((يا بلالُ، اقضِه وزِده)» فأعطاه أربَعةَ دنانيرَ، وزادَه قِيراطاً، قال جابرٌ: لا تُفارِقُني
زِيادةُ رسولِ الله ◌ََّ، فلم يكنِ القِيراطُ يُفارِقُ قِرَابَ جابرِ بنِ عبدِ الله.
قوله: ((باب إذا وَكَّلَ رجلٌ رجلاً أن يُعطي شيئاً، ولم يُبيِّ كَم يُعطي، فأعطى على ما يَتَعارفهُ
الناس)) أي: فهو جائز، فيه حديث جابر في قصَّة بيعِه الجملَ، وسيأتي شرحه في كتاب
الشُّروط (٢٧١٨).
وشاهد الترجمة منه: قوله فيه: ((يا بلال، اقضِه وزِده، فأعطاه أربعة دنانير، وزاده
قيراطاً)) فإنَّه لم يَذكُر قَدْر ما يُعطيه عند أمره بإعطاءِ الزّيادة، فاعتمَدَ بلال على العُرْف في
ذلك، فزاده قيراطاً.
قوله: ((عن عطاء بن أبي رَباحِ وغيرِه - يزيد بعضُهم على بعض، ولم يُبْلِغْهُ كلَّه رجلٌ منهم))
كذا للأكثر (٢)، وكذا وقع عند الإسماعيلي، أي: ليس جميع الحديث عند واحد منهم بعَينِهِ،
وإنَّما عند بعضهم منه ما ليس عند الآخر، ووقع لبعضِهم: لم يُبلِغه كلُّهم رجلٌ واحدٌ
(١) قوله: قد خلا منها، يعني: كبرت ومَضَى معظم عمرها، قاله ابن الأثير في ((النهاية)) في مادة (خلا)،
وفسَّرها العيني بقوله: أي: مات عنها زوجها.
(٢) ونقل العيني ١٣٩/١٢ عن علاء الدين مغلطاي في ((شرحه)) على البخاري، خلاف ما قاله الحافظ هنا
من نسبة ما قاله للأكثر، فذكر أن الأكثر جاء عندهم: ولم يبلغه كلهم رجل واحد منهم! وهذا يوافق ما
جاء في اليونينية، حيث تُبِّت هذا الذي عزاه مغلطاي للأكثر، دون الإشارة إلى غيره.
٣٩٥
باب ٨ / ح ٢٣٠٩
كتاب الوكالة
منهم، وعليه شَرَحَ ابن التِّين، وزَعَمَ أنَّ معناه: أنَّ بين بعضهم وبين جابر فيه واسطةً. وعند
أبي نُعيم في ((المستخرَج)): لم يُبْلِغِه كلَّه إلَّا رجل واحد عن جابر، ومثله للحُميدي في
((جمعه)) (١٥٤٦)، وبخَطِّ الدِّمْياطي في نُسخَته من البخاري: لم يُبلِّغْهُ، بالتشديد.
وقال الكِرْماني: قوله: ((يزيد بعضُهم)) الضَّمير فيه يَرجِع إلى الغير، وفي ((لم يُبلِّغْه)) إلى
الحديث، أو الرّسول، و((رجل)) بدلٌ من ((كُلّ))(١). قلت: الضَّمير للحديث جَزْماً لا
للرَّسول، لأنَّ السَّنَدَ مُتَّصِل.
ثمَّ قال الكِرْماني: وفي أكثر الروايات لفظة: ((وغيرِه)) بالجرّ، وأمَّا رفعُه فعلى الابتِداء
و((يزيد)) خبره، ويحتمل أن يكون ((رجل)) فاعلَ فعلٍ مُقدَّر ليُبلِّغه، وعلى التقادير لا يخفى
ما في هذا الترکیب من التعَجْرُف.
قلت: إنَّما جاء التعَجْرُف من عَدَم فهم المراد، وإلَّا فمعنى الكلام: أنَّ ابن جُرَيج روی
هذا الحديث عن عطاءٍ وعن غیرِ عطاء، کلهم عن جابر، لكنَّه عنده عنهم بالتوزيع، روی
عن كلّ واحد قطعة من الحديث، وقوله: لم يُبلِّغه كلَّه رجل، أي: لم يَسُقْه بتمامه، فهو بيان
منه لصورة تحمُّله، وهو كقول الزُّهْري في حديث الإفك (٤١٤١): وكلَّ حدَّثني طائفةً من
حديثها لكنَّه زاد عليه، نَفَى أن يكون كلّ واحد منهم ساقه بتمامه، فأيّ تَعجرُفٍ في هذا؟
والعَجَب من شارحِ تَرَكَ الرِّوايةَ المشهورة التي لا قَلَقَ في تركيبها، وتَشاغَلَ بتجويزِ شيءٍ لم
يَتْبُت في الرواية، ثمَّ يُطلِقُ على الجميع التعجرُفَ، أفهذا شارح، أو جارح؟(٢)
ووَقَفتُ مِن تسمية من روى ابنُ جُرَيج عنه هذا الحديث عن جابر على أبي الزُّبَير (٣)، ٤٨٦/٤
وقد تقدَّم في الحج (٤) شيء من ذلك.
(١) يعني على رواية من قال: ((كلُّهم))، على أنها فاعل ((يبلغ)).
(٢) جاء بعد هذا في (ع) زيادة ذكر رواية الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين))، ولا داعي لذكرها، لأن
الحافظ أشار إليها آنفاً.
(٣) الجار والمجرور متعلقان بقوله: وقفتُ.
(٤) بل في الشروط: باب (٤): إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مُسمّى جاز. حيث أورد البخاريُّ باثر
الحديث (٢٧١٨) قوله: وقال أبو الزبير، عن جابر: ((أفقرناك ظهره إلى المدينة))، لكن لم يذكر الحافظ أنه =
٣٩٦
باب ٩ / ح ٢٣١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((على جمل ثَفَال)) بفتح المثلَّثة بعدها فاءَ خفيفة: هو البعير البَطيء السَّير، يقال:
ثَفال وثَفيلٌ، وأمَّ الثَّقال - بكسر أوَّله -: فهو ما يوضع تَحت الرَّحى، لينزِل عليه الدَّقيق،
وقال ابن التِّين: من ضَبَطَ ((الثَّفَال)) الذي هو البعير، بكسر أوَّله، فقد أخطأ.
وقوله: ((أربعة دنانير)) كذا للجميع، وذكره الدَّاوودي الشارح بلفظ: ((أربع الدَّنانير))،
وقال: سَقَطَت الهاء لمَّا دَخَلَت الألف واللَّام، وذلك جائز فيما دون العشرة. وتعقّبه ابن
التِّين بأنَّه قول مُخْتَرَع لم يقلْه أحدٌ غيرُه.
وقوله: ((فلم يكن القيراط يُفارق قِراب جابر)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفي: بقافٍ، قال
الدَّاوودي الشارح: يعني خَرِيطَته. وتعقَّبه ابن التِّين: بأنَّ المراد قِرابُ سيفه، وأنَّ الخريطة
لا یقال لها قراب، انتھی.
وقد وقع في رواية الأكثر: ((جِراب)) فهو الذي حَمَلَ الدَّاوودي على تأويله المذكور، وقد
زاد مسلم (١١١/١٥٩٩) في آخر هذا الحديث من وجه آخر: فأخذَه أهل الشام يوم الحَرّة.
قال ابن بطَّال: فيه الاعتماد على العُرف، لأنَّ النبي ◌َّهِ لم يُعيِّن قَدر الزّيادة في قوله:
((وزِده)) فاعتمَدَ بلال على العُرف، فاقتَصَرَ على قيراط، فلو زاد مثلاً ديناراً لتناولَه مُطلَق
الزّيادة، لكن العُرف یأباه.
كذا قال، وقد يُنازع في ذلك باحتمال أن يكون هذا القَدرُ كان النبيِ نَّ أَذِنَ في زيادته
ذلك(١) القدر الذي زید علیه، کأن یکون أمره أن یزید من یأمر له بالزيادة علی کلّ دینار
رُبعَ قِیراطٍ، فیکون عمله في ذلك بالنصِّ، لا بالعُرف.
٩- باب وكالة المرأة الإمامَ في النّكاح
٢٣١٠- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ،
قال: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله ◌َّهِ فقالت: يا رسولَ الله، إنّ قد وَهَبتُ لكَ من نَفْسي، فقال
= ممن رواه عن أبي الزبير ابنُ جريج. وقد وقفنا على روايته عنه في ((صحيح مسلم)) (١٥٩٩) (١١٧).
(١) في (س): وذلك، بزيادة الواو، وهو خطأ.
٣٩٧
باب ١٠ / ح ٢٣١١
كتاب الوكالة
رجلٌ: زَوِّجِنِيها، قال: ((قد زَوَّ جناكَها بما معكَ مِن القُرآنِ)».
[أطرافه في: ٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١،
٧٤١٧]
قوله: ((باب وكالة المرأة الإمامَ في النكاح)) أي: توكيل المرأة، والإمام بالنَّصبِ على
المفعولية.
وأورَدَ فيه حديث سهل بن سعد في قصَّة الواهِبَة نفسَها، وسيأتي الكلام عليه مُستوفّى
في كتاب النكاح (٥٠٨٧).
وقد تعقَّبه الدَّاوودي بأنَّه ليس فيه أنَّه وَيهِ استأذَتَها، ولا أنَّهَا وَّلَته، وإِنَّمَا زَوَّجَها
الرجلَ بقول الله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. انتهى.
وكأنَّ المصنِّف أخذَ ذلك من قولها: قد وهَبتُ لك نفسي، ففَوَّضَت أمرها إليه، وقال
الذي خَطَبَها: زَوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فلم تُنكِرْ هي ذلك بل استَمَرَّت على
الرّضا، فكأنَّهَا فَوَّضَتْ أمَرَها إليه ليتَزَوَّجها، أو يُزوِّجها لمن رأى.
ووقع في هذه الرواية: إنّي وهَبت لك من نفسي، وخَلَتْ أكثر الروايات عن لفظ:
((من))، فقال النَّووي: قول الفقهاء: وهَبْتُ من فلان كذا، ممّا يُنكَر عليهم. وتُعُقِّبَ بأنَّ
الإنكار مردود لاحتمال أن تكون زائدةً على مذهب من يرى زيادتها في الإثبات من النُّحاة،
ويحتمل أن تكون ابتدائيةً، وهناك حذف تقديره: طيِّةً، مثلاً.
١٠ - باب إذا وكّل رجلاً فترك الوكيل شيئاً، فأجازه الموكّل
فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجلٍ مسمّی جاز
٢٣١١ - وقال عثمانُ بنُ الهَيْثَم أبو عَمرِو: حدَّثنا عَوْفٌ، عن محمَّد بنِ سِيرِينَ، عن أبي ٤٨٧/٤
هريرةَ عُه، قال: وَكَّلَني رسولُ الله ◌ِّهِ بِحِفظِ زكاةِ رمضانَ، فأتاني آتٍ فجعلَ تَحْثُو مِن الطَّعام،
فأخذتُه، وقلتُ: والله لأرفَعَنَّكَ إلى رسولِ الله وَّهَ، قال: إنّي مُحتاجٌ، وعليَّ عِيالٌ، ولي حاجةٌ
شديدةٌ، قال: فخَلَّيتُ عنه فأصبحتُ، فقال النبيُّ وََّ: ((يا أبا هريرةَ، ما فَعَلَ أَسِيرُكَ البارِحةَ؟»
٣٩٨
باب ١٠ / ح ٢٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
قال: قلتُ: يا رسولَ الله، شَكَا حاجةً شديدةً وعِيالاً، فرَحِتُهُ فخَلَّيتُ سَبِيلَه، قال: ((أمَا إِنَّه قد
كَذَبَكَ، وسيعودُ))، فعَرَفتُ أَنَّه سيعودُ، لقولِ رسولِ الله وَّ: ((إنَّه سيعودُ»، فَرَصَدتُه، فجعل
يَثُو مِن الطَّعام، فأخذتُه، فقلتُ: لأرفَعَنَّكَ إلى رسولِ الله وََّ. قال: دَعْني، فإنّي ◌ُحتاجٌ، وعليَّ
عِيالٌ، لا أعودُ، فَرَحِمتُه، فخَلَّيْتُ سَبِيلَه، فأصبحتُ، فقال لي رسولُ الله وَّةِ: ((يا أبا هريرةَ، ما
فَعَلَ أسِيرُكَ؟))، قلتُ: يا رسولَ الله، شَكَا حاجةً شديدةً وعِيالاً، فَرَحِتُه فخَلَّيْتُ سَبِيلَه، قال:
((أما إِنَّه قد كَذَبَكَ وسيعودُ، فَرَصَدْتُه الثالثةَ، فجعل يَحْثُو مِن الطَّعام، فأخذتُه، فقلتُ: لأرفَعَنَّكَ
إلى رسولِ الله، وهذا آخرُ ثلاثِ مَرّاتٍ، أنكَ تَزْعُمُ لا تَعودُ ثمَّ تَعودُ قال: دَعْني، أُعلِّمْكَ كَلِماتٍ
يَنفَعْكَ الله بها، قلتُ: ما هنَّ؟ قال: إذا أُوَيتَ إلى فراشكَ فاقرَأْ آيَةَ الكُرسِيِّ: ﴿ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ
اُلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فإنَّكَ لن يزالَ عليكَ مِن الله حافظٌ، ولا يَقْربُك
شيطانٌ حتَّى تُصبِحَ، فخَلَّيْتُ سَبِيلَه، فأصبحتُ، فقال لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما فعَلَ أَسِيرُكَ
البارحةَ؟)) قلتُ: يا رسولَ الله، زَعَمَ أنَّه يُعلِّمُني كلماتٍ يَنفَعُني الله بها، فخَلَّيْتُ سَبِيلَه، قال: ((ما
هِيَ؟)) قلت: قال لي: إذا أوَيتَ إلى فِراشِكَ، فاقرَأْ آيَةَ الكُرسِيٍّ من أوَّلهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآية: ﴿ اَللَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ﴾ وقال لي: لن يزالَ عليكَ مِن الله حافظٌ، ولا يَقرَبُكَ الشيطانُ حتَّى
تُصبِحَ - وكانوا أحرَصَ شيءٍ على الخيرِ - فقال النبيُّ ◌َِّ: ((أما إنَّه قد صَدَقَكَ، وهو كَذوبٌ،
تَعلَمُ مَن تُخاطبُ مُذْ ثلاثِ لَيَالٍ يا أبا هريرةَ؟)) قال: لا، قال: ((ذاكَ شيطانٌ)).
[طرفاه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠]
قوله: ((باب إذا وكَّلَ رجلاً، فتَرَكَ الوكيل شيئاً، فأجازَه الموكِّل فهو جائز، وإن أقرَضَه إلى
أجَل مُسَمِّی جازَ)).
أوردَ فیه حديث أبي هريرة في حفظه زکاةً رمضان.
قال المهلَّب: مفهوم الترجمة أنَّ الموكِّل إذا لم يُحِزْ ما فعله الوكيل ممَّا لم يأذن له فيه، فهو
غير جائز، قال: وأمَّا قوله: وإن أقرَضَه إلى أجَل مُسَمَّى جاز، أي: إن أجازَه الموكِّل أيضاً،
قال: ولا أعلم خلافاً أنَّ المؤثَمَن إذا أقرَضَ شيئاً من مال الوديعة وغيرها لم يَجُز له ذلك،
وكان رَبُّ المال بالخيار. قال: وأُخِذَ ذلك من حديث الباب بطريق أنَّ الطَّعام كان مجموعاً
٣٩٩
باب ١٠ / ح ٢٣١١
كتاب الوكالة
للصَّدَقة، وكانوا يجمعونَه قبل إخراجه، وإخراجه كان ليلة الفِطْر، فلمَّا شَكا السارق لأبي
هريرة الحاجة تَرَكَه، فكأنَّه أسلَفَه له إلى أجَل، وهو وقت الإخراج.
وقال الكِرْماني: تُؤْخَذ المناسَبة من حيثُ إنَّه أمهَلَه إلى أن رَفَعَه إلى النبي ◌ِّهِ. كذا قال.
قوله: ((وقال عثمان بن الهَيْثَم)) هكذا أورَدَ البخاري هذا الحديث هنا،/ ولم يُصرِّح فيه ٤٨٨/٤
بالتحديث، وزَعَمَ ابن العربي أنَّه مُنقَطِعٍ. وأعاده كذلك في ((صفة إبليس)) (٣٢٧٥)، وفي
فضائل القرآن (٥٠١٠) لكن باختصار، وقد وَصَله النَّسائي (ك١٠٧٢٩)، والإسماعيلي
وأبو نُعيم من طرق إلى عثمان المذكور(١)، وذكرتُه في ((تغليق التَّعليق)) (٢٩٥/٣ -٢٩٦) من
طريق عبد العزيز بن مُنيب وعبد العزيز بن سلام وإبراهيم بن يعقوب الجُوزَ جاني وهلال
ابن بشر الصَّاف(٢) ومحمد بن غالب الذي يقال له: تَتَام، وأقربهم أن يكون البخاري
أخذَه عنه - إن كان ما سمعه من ابن الهَثَم - هلالُ بنُ بشر، فإنَّه من شيوخه أخرج عنه في
((جزء القراءة خلف الإمام))، وله طريق أُخرى عند النَّسائي (ك ٧٩٦٣) أخرجها من رواية
أبي المتوكّل الناجي عن أبي هريرة، ووقع مثل ذلك لمعاذِ بن جَبَل أخرجه الطبراني (٨٩/٢٠)
وأبو بكر الزُّویاني(٣).
قوله: «و گَّلَني رسول الله ێۇ بحِفظِ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل تجثو)) بإسكان الحاء
المهمَلة بعدها مُثلَّثة، يقال: حَثَا يَحِثُو، وحَثَى يَحِثِي، وفي رواية أبي المتوكّل عن أبي هريرة: أنَّه
كان على تمر الصَّدَقة، فَوَجَدَ أثر كَفِّ كأنَّه قد أخذَ منه. ولابن الضُّرَيسِ(٤) من هذا الوجه:
فإذا التمر قد أُخِذَ منه مِلُ كَفِّ.
(١) ووصله أيضاً ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٤٢٤)، وقال: حدثنا هلال بن بشر بخبر غريب غريب،
حدثنا عثمان ... فذكره.
(٢) قول الحافظ هنا في نسبته: ((الصواف)) وهمٌّ، منشؤه أن هناك راوياً في طبقته اسمه بشر بن هلال، وهو
الصواف، فذهب وهمُ الحافظ إلیه، وأما هذا فهو هلال بن بشر الأحدب إمام مسجد يونس بن عبيد.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسند الروياني))، والحديث أيضاً عند ابن أبي الدنيا في ((الهواتف)) (١٧٥)،
وفي «مكايد الشيطان)) (١٤)، والحاكم ١/ ٥٦٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٠٩/٧ -١١٠.
(٤) في ((فضائل القرآن)) له (١٩٦).
٤٠٠
باب ١٠ / ح ٢٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأخذته)) زاد في رواية أبي المتوكّل: أنَّ أبا هريرة شكى ذلك إلى النبيِ مَّهِ أَوَّلاً،
فقال له: ((إن أردت أن تأخذه فقُل: سبحان من سَخَّرَك لمحمدٍ)) قال: فقلتُها، فإذا أنا به
قائم بین یديّ، فأخذته.
قوله: (لَأَرفَعَنَّكَ)) أي: لَأَذهَبَنَّ بك أشكوك، يقال: رَفَعَه إلى الحاكم إذا أحضَرَه للشَّكوى.
قوله: ((إنّ ◌ُحتاج وعليَّ عِيال)) أي: نَفَقة عيال، أو ((عليَّ) بمعنى: لي، وفي رواية أبي
المتوكّل: فقال: إنَّما أخذته لأهل بيتٍ فُقَراءَ من الجِنّ، وفي رواية الإسماعيلي: ولا أعود.
قوله: «ولي حاجة» في رواية الگُشْمِیهني: «وبي حاجة)).
قوله: ((فَرَصَدْتُه)) أي: رَقَبْته.
قوله: ((فجعلَ)) في رواية الكُشْمِيهني والمُستَمْلي: فجاء، في الموضعَين.
قوله: ((قال: دَعني أُعَلِّمْك)) في رواية أبي المتوكِّل: خَلّ عَنّي.
قوله: ((يَنفَعْك الله بها)) في رواية أبي المتوكّل: إذا قلتَهنَّ لم يَقربْك ذكر ولا أُنثى من الجِنّ،
وفي رواية ابن الضُّرَيسِ من هذا الوجه: لا يَقربُك من الجنّ ذكرٌ ولا أُنثى، صغيرٌ ولا كبير.
قوله: ((قلت: ما هنَّ؟)) في رواية الكُشْمِيهني: ما هو؟، أي: الكلام، وفي رواية أبي
المتوكّل: قلت: وما هؤلاءِ الكَلِمات؟
قوله: «إذا أويت إلى فراشك» في رواية أبي المتوگِّل: عند كلّ صباح ومساء.
قوله: («آية الكرسي: ﴿ اَللَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ حتَّى تَخْتِم الآية))، في رواية
النَّسائي والإسماعيلي: ﴿اَللَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ من أوَّلها حتَّى تَخِتِمها (١)، وفي
رواية ابن الضُّرَيسِ من طريق أبي المتوكّل: ﴿ اَللَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ ﴾، وفي حديث
معاذ بن جبل من الزّيادة: وخاتمة سورة البقرة: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخرها، وقال في أوَّل
الحديث: ضمَّ إليَّ رسول الله وَ ◌ّهتَمَرَ الصَّدَقة، فكنت أجِدُ فيه كلَّ يوم نُقصاناً، فشَكَوتُ
ذلك إلى رسول الله وَله، فقال لي: ((هو عمل الشَّيطان فارصُده)) فرَصَدْته فأقبَلَ في صورةٍ
(١) يعني في الموضع الثاني عندما أخبر أبو هريرة النبيَّ وَّه بالقصة.