Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
باب ٧٦ / ح ٢١٧٤
كتاب البيوع
أخبَرَه: أنَّه التَمَسَ صَرْفاً بمئةِ دِينارٍ، فدَعاني طلحةُ بنُ عُبيد الله، فتَرَاوَضْنا حتَّى اصطَرفَ منّي،
فأخذَ الذَّهبَ يُقلِّبُها في يدِهِ، ثمَّ قال: حتَّى يأتيَ خازني مِن الغابةِ، وعمرُ يَسمَعُ ذلك، فقال:
والله لا تُقارِقُه حتَّى تأخُذَ منه، قال رسولُ الله ◌َّهِ: «الذهبُ بالوَرِقِ رِباً إلا هاءَ وهاءَ، والبُّ
بالبُرِّ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالَّمرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ)).
٣٧٨/٤
قوله: ((باب بيعِ الشَّعير بالشَّعيرِ)) أي: ما حُكمُه؟
قوله: ((أَنَّه التَمَسَ صَرْفاً) بفتح الصاد المهمَلة، أي: من الدَّراهمِ بذهبٍ كان معه، وبيَّن
ذلك الليث في روايته عن ابن شهاب، ولفظه: عن مالك بن أوسٍ بن الحَدَثان، قال:
أقبَلتُ أقولُ: من يَصطَرِفُ الدَّراهم؟(١)
قوله: ((فتَراوَضْنا» بِضادٍ مُعجَمةٍ، أي: تَجَارَينا الكلام في قَدْرِ العِوَض بالزيادة والنَّقْصِ،
كأنَّ كلَّا منهما كان يُروِّضُ صاحبَه ويُسهِّلُ خُلُقَه، وقيل: المراوَضة هنا: المواصَفة بالسِّلعة،
وهو أن يَصِفَ كلٌّ منهما سلعته لرفيقه.
قوله: ((فأخذَ الذَّهب يُقلِّبُها)) أي: الذَّهبة، والذَّهبُ يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، فيقال: ذهبٌ، وذهبٌ، أو
يُحِمَلُ على أنَّه ضمَّنَ الذَّهبَ معنى العَدَد المذكور، وهو المئة فَأَنَّثه لذلك، وفي رواية الليث: فقال
طلحة: إذا جاء خادِمُنا نُعطِكَ ورِفَك))، ولم أقِفْ على تسمية الخازن الذي أشار إليه طلحة.
قوله: ((من الغابةِ)) بالغين المعجَمة، وبعد الألفِ موخَّدةٌ، يأتي شرحُ أمرها في أواخر
الجهاد (٣١٢٩) في قصَّة تَرِكة الزُّبَير بن العَوّام، وكأنَّ طلحة كان له بها مالٌ من نخلِ وغيره،
وأشار إلى ذلك ابن عبد البَرِّ.
قوله: ((حتَّى تأخُذَ منه)) أي: عِوَض الذَّهب، في رواية الليث: والله لَتُعطيَنَّه وَرِقَه، أو
لتَرُ دَّنَّ إليه ذهبه، فإنَّ رسولَ الله وَل﴾ قال، فذكره.
قوله: ((الذَّهب بالوَرِقِ رباً)) قال ابن عبد البَرِّ: لم يُخْتَلَف على مالك فيه (٢)، وحَمَله عنه
(١) أخرجها مسلم (١٥٨٦)، وابن ماجه (٢٢٦٠)، والترمذي (١٢٤٣).
(٢) بل قد وقع الخلاف فيه على مالك، فقد وقع في جميع روايات البخاري هنا عدا روايةٍ لأبي ذر الهروي : =

١٨٢
باب ٧٦ / ح ٢١٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
الحُفّاظ، حتَّى رواه يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي عن مالك، وتابعه مَعمَر والليث(١)
وغيرهما، وكذلك رواه الحُفّاظُ عن ابن عُبَينة. وشَذَّ أبو نُعيم (٢) عنه، فقال: ((الذَّهب بالذَّهب)»،
وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزُّهْرِيُّ(٣).
ويجوزُ في قوله: ((الذَّهب بالوَرِق)) الرفعُ، أي: بيع الذَّهبِ بالوَرِقِ، فحَذَفَ المضاف
للعلمِ به، أو المعنى: الذَّهب يُباعُ بالذَّهب، ويجوزُ النَّصبُ، أي: بيعوا الذَّهب. والذَّهبُ
يُطلَقُ على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والوَرِقِ: الفِضّة، وهو بفتح الواو وكسر الراءِ،
وبإسكانها على المشهور، ويجوزُ فتحُهما، وقيل: بكسر الواو: المضروبةُ، ويفتحها: المال،
والمرادُ هنا جميع أنواع الفِضّة مَضروبةً وغيرَ مَضروبةٍ.
قوله: ((إلَّ هاءَ وهاء)) بالمدِّ فيهما وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسُّكون، وحُكي
القَصر بغير همز، وخَطَّأْها الخطّبي، ورَدَّ عليه النَّووي، وقال: هي صحيحةٌ، لكن قليلة،
والمعنى: خُذ وهات، وحُكي ((هاك)) بزيادة كاف مَكسورة، ويقال: ((هاء)) بكسر الهمزة،
بمعنی: هات، وبفتحها، بمعنی: خُذْ، بغیر تنوین.
وقال ابن الأثيرِ: هاءَ وهاءَ: هو أن يقول كلُّ واحد من البيِّعَينِ: هاءَ، فيُعطيه ما في يدِه،
= عن عبد الله بن يوسف عن مالك: ((الذهب بالذهب))، وكذلك رواه عن مالك عبدُ الله بن وهب عند أبي
عوانة (٥٣٨٣).
(١) رواية معمر أخرجها عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٥٤١)، وعنه أحمد (٢٣٨)، ورواية الليث أخرجها
مسلم (١٥٨٦)، وابن ماجه (٢٢٦٠)، والترمذي (١٢٤٣).
(٢) لم يشذَّ أبو نعيم عن ابن عيينة بهذا الحرف، فقد جاء في رواية البخاري السالفة برقم (٢١٣٤) عند جميع
رواه البخاري غير أبي ذر وأبي الوقت: عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة، بلفظ: ((الذهب
بالذهب»، وكذلك رواه عن ابن عيينة: يونس بن عبد الأعلى عند الطبري في (تهذيب الآثار)) قسم مسند
عمر بن الخطاب ٧٢٧/٢، وأحمد بن شيبان الرملي عند أبي عوانة (٥٣٨٠)، وأحمد بن حماد الدولابي
وسفیان بن و کیع عند الطبري ٢/ ٧٢٧، وأحمد بن أبان عند البزار في («مسنده)) (٢٥٤). لکن رواه عن
ابن عيينة الأكثرون فقالوا: ((الذهب بالورق)) كما سلف عند ابن ماجه (٢٢٥٣) و(٢٢٥٩)، وانظر تمام
تخريجه فيه بتحقیقنا.
(٣) رواية ابن إسحاق أخرجها الدارمي (٢٥٧٨).

١٨٣
باب ٧٦ / ح ٢١٧٤
كتاب البيوع
كالحديث الآخر: ((إلَّا يداً بيدٍ)) يعني: مُقابَضةً في المجلس. وقيل: معناه: خُذْ وأعطِ، قال:
وغيرُ الخطّابي يجيزُ فيها السُّكونَ على حذف العِوَض، وتتنَزَّلُ مَنزِلة ((ها)» التي للتَّنبيه.
وقال ابن مالك: ((ها)) اسم فعلٍ بمعنى: خُذْ، وإن وَقَعَت بعد ((إلَّا))، فيجبُ تقدیرُ قولٍ
قبله يكون به مَحَكيّاً، فكأنَّه قيل: ولا الذَّهب بالذَّهبِ إِلَّ مَقُولاً عنده من المتبابِعَين: ها وها.
وقال الخليل: كلمةٌ تُستَعمَلُ عند المناولة، والمقصود من قوله: ((هاءَ وهاءَ» أن يقول كلَّ
واحدٍ من المتعاقدَين لصاحبِهِ: هاءَ، فَيَتَقَابَضان في المجلسِ.
قال ابن مالك: حَقُّها أن لا تَقَعَ بعد ((إلَّا)) كما لا يقعُ بعدَها (خُذ))، قال: فالتقديرُ: لا
تبيعوا الذَّهبَ بالوَرِق إِلَّ مَقُولاً بين المتعاقدَين: هاء وهاء.
واستُدِلَّ به على اشتراط التقابُضِ في الصَّرفِ في المجلسِ، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي،
وعن مالكٍ: لا يجوزُ الصَّرفُ إلَّا عند الإيجاب بالكلام، ولو انتَقَلا من ذلك الموضعِ إلى آخرَ
لم يَصِحَّ تَقابُضهما، ومذهبه أنَّه لا يجوزُ عنده تَراخي القبض في الصَّرفِ سواء كانا في المجلسِ
أو تَفرَّقا، وحَمَلَ قولَ عمر: ((لا تُفارِقه)) على الفَوْر، حتَّى لو أَخَّرَ الصَّيْرِفيُّ القبضَ حتَّى يقومَ
إلى قَعْرِ دُكّانه ثمَّ يَفْتَحَ صُندوقَه لمَا جازَ.
قوله: ((البُرُّ بالبُرِّ)) بضمِّ الموخَّدة ثمَّ راء: من أسماء الحنطة، والشَّعير بفتح أوَّله: معروف، ٣٧٩/٤
وحکي جوازُ كسره.
واستُدِلَّ به على أنَّ البُرَّ والشَّعيرَ صِنفان، وهو قولُ الجمهور، وخالَفَ في ذلك مالك
واللیث والأوزاعي، فقالوا: هما صنف واحد.
قال ابن عبد البَرِّ: في هذا الحديث أنَّ الكبيرَ يَلِي البيع والشِّراء لنفسِه، وإن كان له
وُكَلاء وأعوان يَكفُونَه. وفيه المماكَسةُ في البيع والمراوَضة، وتقليبُ السِّلعةِ، وفائدته الأمن
من الغَبْنِ، وأنَّ من العلمِ ما يخفى على الرجل الكبير القَدْرِ حتَّى يُذكِّرَه غيرُه، وأنَّ الإمامَ
إذا سمع أو رأى شيئاً لا يجوزُ، ينهى عنه، ويُرشِدُ إلى الحقِّ، وأنَّ من أفتى بحُكمٍ حَسُنَ أن
يَذْكُرَ دليله، وأن يَتَفَقَّدَ أحوالَ رَعِيَّته، ويَهْتَمَّ بمصالحهم.

١٨٤
باب ٧٧ -٧٨ / ح ٢١٧٥ - ٢١٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه اليمينُ لتأكيد الخبر، وفيه الحُجّةُ بخبر الواحد، وأنَّ الحُجّةَ على من خالَفَ في حُكمٍ
من الأحكام التي في كتاب الله أو حديث رسوله. وفيه أنَّ النَّسيئةَ لا تجوزُ في بيع الذَّهبِ
بالوَرِقِ، وإذا لم يَجُزْ فيهما مع تَفاضُلِهِما بالنَّسيئة، فأحرى أن لا يجوزَ في الذَّهبِ بالذَّهبِ، وهو
جِنسٌ واحدٌ، وكذا الوَرِق بالوَرِق، يعني: إذا لم تكن رواية ابن إسحاق ومَن تابعه محفوظةً
فيُؤْخَذُ الحكمُ من دليل الخِطاب، وقد نقل ابن عبد البَرِّ وغيره الإجماعَ على هذا الحكم، أي:
التسوية في المنعِ بين الذَّهبِ بالذَّهبِ وبين الذَّهبِ بالوَرِقِ، فيُستَغنى حينئذٍ بذلك عن القياس.
٧٧- باب بيع الذّهب بالذّهب
٢١٧٥ - حدَّثنا صدقةُ بنُ الفضلِ، أخبرنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّةَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي
إسحاقَ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرةَ، قال: قال أبو بكرةَ ﴾: قال رسولُ الله ◌ِصَلّ: ((لا
تَبِيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلا سَواءً بسَواءٍ، والفِضّةَ بالفِضّةِ إلا سَواءً بسَواءٍ، وبِيعُوا الذَّهبَ
بالفِضّةِ، والفِضّةَ بالذَّهبِ كيفَ شئتُم)».
[طرفه في: ٢١٨٢]
قوله: ((باب بيع الذَّهبِ بالذَّهبِ)) تقدَّم حكمُه في الباب الذي قبله، وذكر المصنِّفُ فيه
حديثَ أبي بكرة، ثمَّ أورَدَه بعد ثلاثة أبوابٍ (٢١٨٢) من وجهٍ آخرَ عن يحيى بن أبي
إسحاق، ورجال الإسنادين بصريُّون كلُّهم.
وأُخِذَ حُكم بيع الذَّهبِ بالوَرِق من قوله: ((وبيعوا الذَّهبَ بالفِضّة والفِضّةَ بالذَّهبِ
كيف شئتُم))، وفي الرواية الأُخرى (٢١٨٢): وأمَرَنا أن نَبتاع الذَّهبَ بالفِضّة كيف شِئنا،
الحديث، وسيأتي الكلامُ عليه.
٧٨- باب بيع الفضّة بالفضّة
٢١٧٦- حدَّثني عُبيد الله بنُ سعدٍ، حدَّثنا عَمّي، حدَّثنا ابنُ أخي الزُّهْريِّ، عن عَمِّه،
قال: حدَّثني سالمُ بنُ عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ أبا سعيدِ الخُدْريَّ
حدَّثه مِثلَ ذلك حديثاً عن رسولِ الله وَّةِ، فَلَقِيَه عبدُ الله بنُ عمَرَ، فقال: يا أبا سعيدٍ، ما هذا

١٨٥
باب ٧٨ / ح ٢١٧٦ -٢١٧٧
كتاب البيوع
الَّذِي تُحدِّثُ عن رسولِ الله وَّهَ؟ فقال أبو سعيدٍ في الصَّرفِ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ ل يقول:
(الذَّهبُ بالذَّهبِ مِثْلٌ بمثلٍ، والوَرِقُ بالوَرِقِ مِثْلٌ بِمِثلٍ».
[طرفاه في: ٢١٧٧، ٢١٧٨]
٢١٧٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ
أنَّ رسولَ الله وَ قال: ((لا تَبِيعوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلا مِثلاً بمثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على ٣٨٠/٤
بعضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلا مِثْلاً بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تَبِيعوا منها
غائباً بناچِزٍ)).
قوله: ((باب بيعِ الفِضَّة بالفِضَّة)) تقدَّم حكمه أيضاً.
قوله: ((حدَّثني عُبيد الله بن سعد)) زاد في رواية المُستَمْلي: وهو ابن إبراهيم بن سعد
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وابن أخي الزُّهْري: هو محمد بن عبد الله بن مسلم.
قوله: ((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ أبا سعيد الخدري حدَّثَه مِثلَ ذلك حديثاً عن
رسولِ الله وَّةٍ، فَلَقِيَه عبدُ الله بن عمر، فقال: يا أبا سعيد، ما هذا الذي تُحدِّثُ عن رسولِ الله
وَالَه؟ فقال أبو سعيد في الصَّرفِ: سمعت رسولَ الله ◌َ ل( يقول)) فذكر الحديث، هكذا ساقه،
وفيه اختصار وتقديم وتأخير، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجهَين عن يعقوب بن إبراهيم
شيخ شيخ البخاري فيه بلفظ: أنَّ أبا سعيد حدَّثَه حديثاً مثلَ حديث عمرَ عن رسول الله وَيّ
في الضَّرْفِ فقال أبو سعيد، فذكره، فظَهَرَ بهذه الرواية معنى قوله: مثل ذلك، أي: مثل
حديثِ عمر، أي: حديث عمرَ الماضي (٢١٧٤) قريباً في قصَّة طلحة بن عبيد الله.
وتكلَّفَ الکرماني هنا، فقال: قوله: مثل ذلك، أي: مثل حديث أبي بكرة في وجوب
المساواة، ولو وَقَفَ على رواية الإسماعيلي لمَا عَدَلَ عنها.
وقوله (فَلَقيَه عبد الله) أي: بعد أن كان سمع منهم الحديث، فأراد أن يَستَثبِتَه فيه. وقد
وقع لأبي سعید مع ابن عمر في هذا الحديث قصَّة، وهي هذه، ووَقَعَت له فيه مع ابن عبّاس
قصَّةٌ أُخرى كما في الباب الذي بعده، فأمَّا قِصَّتُه مع ابن عمر، فانفَرَدَ بها البخاري من طريق

١٨٦
باب ٧٨ / ح ٢١٧٦ -٢١٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
سالمٍ(١)، وأخرجها مسلم (١٥٨٤/ ٧٦) من طريق الليث عن نافع ولفظه: أنَّ ابن عمر قال له
رجل من بني ليثٍ: إنَّ أبا سعيد الخُدْري يأتُرُ هذا عن رسول الله وَّ، قال نافع: فذهب
عبد الله وأنا معه والليثيُّ حتَّى دَخَلَ على أبي سعيد الخُدْري، فقال: إنَّ هذا أخبرني أنَّك تُخْبِرُ
أنَّ رسولَ اللهِوَ له نهى عن بيعِ الوَرِق بالوَرِق إلَّا مِثلاً بمِثلٍ، الحديث، فأشار أبو سعيد
بإصبَعَيه إلى عَيْنَيَه وأُذُنيه فقال: أَبَصَرَت عَينايَ، وسمعتْ أُذُنَايَ رسولَ الله وَلَّ يقول: ((لا
تبيعوا الوَرِقَ بالوَرِق إلَّا مِثْلاً بِمثلٍ)) الحديث. ولمسلمٍ (١٥٩٤ / ١٠٠) من طريق أبي نَضرة في
هذه القصَّة لابن عمر مع أبي سعيد: أنَّ ابن عمر نهى عن ذلك بعد أن كان أفتى به لمَّا حدَّثَه
أبو سعيد بنَهي النبي ◌َّةِ، وأمَّا قصَّة أبي سعيد مع ابن عبّاس فسأذكرها في الباب الذي يليه.
قوله في الرواية الأولى: ((الذَّهب بالذَّهبِ)) يجوزُ في «الذَّهبِ)) الرفعُ والنَّصب، وقد تَقَدَّم
توجیهه، ويدخُلُ في الذَّهبِ جميع أصنافه من مضروبٍ ومنقوشٍ وجِّدٍ ورديءٍ، وصحیحٍ
ومُكَسٍَّ، وحُلِيٍّ وتِبْر وخالص ومغشوش، ونقل النَّووي تَبَعاً لغيره في ذلك الإجماعَ.
قوله: (مِثْلٌ بمِثلٍ)) كذا في رواية أبي ذرِّ بالرفع، ولغير أبي ذرٍّ: ((مثلاً بمثل))، وهو مصدرٌ
في موضعِ الحال، أي: الذَّهبُ يُباعُ بالذَّهبِ موزوناً بموزون، أو مصدر مُؤَكِّد، أي: يوزَنُ
وزناً بوزن، وزاد مسلم (١٥٨٤/ ٧٧) في رواية سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه: ((إلَّا وزناً
بوزنٍ، مِثلاً بمِثلِ، سواءً بسواءٍ)).
قوله: ((ولا تُشِفّوا) بضمّ أوَّله وكسر الشّين المعجمة وتشديد الفاء، أي: تُفضِلُوا، وهو
رُباعيٍّ من: أشَفَّ، والشِّفُّ، بالكسر: الزّيادة، وتُطلَق على النَّقْص.
قوله: (ولا تبيعوا منها غائباً بناجزٍ)) بِنون وجيم وزاي، أي: مُؤْجَّلاً بحالٍّ، أي: والمراد
بالغائبِ أعمُّ من المؤجَّلِ، كالغائبِ عن المجلسِ مُطلَقاً مُؤجَّلاً كان أو حالًّا، والناجز: الحاضر.
قال ابن بطَّل: فيه حُجّةٌ للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهمٌ، ولآخرَ عليه
دنانيرُ لم يَجُز أن يُقَاصَّ أحدُهما الآخرَ بما له، لأنه يَدخُلُ في معنى بيع الذَّهبِ بالوَرِقِ دَيناً،
-
(١) بل هي عند أحمد أيضاً برقم (١١٧٧٢).

١٨٧
باب ٧٩ / ح ٢١٧٨ -٢١٧٩
كتاب البيوع
لأنه إذا لم يَجُز غائب بناجز، فأَحَرَى أن لا يجوزَ غائبٌ بغائبٍ، وأمَّا الحديثُ الذي أخرجه
أصحابُ السُّننِ(١) عن ابن عمر، قال: كنت أبيعُ الإبلَ بالبَقِيع، أبيعُ بالدَّنانير، وآخُذُ
الدَّراهمَ، وأَبيعُ بالدَّراهمِ، وآخُذُ الدَّنانيرَ، / فسألت رسولَ الله وَلَ عن ذلك، فقال: ((لا ٣٨١/٤
بأسَ به إذا كان بسِعْر يومِه ولم تَفتَرِقا وبينكُما شيء)» فلا يَدخُلُ في بيع الذَّهبِ بِالوَرِقِ دَيناً،
لأنَّ البَيِّعَ بقبض الدَّراهمِ عن الدَّنانير لم يَقصِدْ إلى التأخير في الصَّرفِ. قاله ابن بطَّالٍ.
واستدِلَّ بقوله ((مثلاً بمثلٍ)) على بُطْلان البيعِ بقاعدة مُدّ عَجوَة، وهو أن يبيعَ مُّ عَجوةٍ
وديناراً بدينارين مثلاً، وأصرَحُ من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فَضَالة بن عُبيد عند
مسلم في رَدِّ البيعِ في القِلادة التي فيها خَرَز وذهب حتَّى تُفْصَلَ، أخرجه مسلم (١٥٩١)،
وفي رواية أبي داود (٣٣٥١): فقلت: إنَّما أرَدت الحِجارة، فقال: لا حتَّى تُميِّزَ بينهما.
٧٩ - باب بيع الدينار بالدينار نساءً
٢١٧٨، ٢١٧٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا الضَّحّاكُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال:
أخبرني عَمْرو بنُ دِينارٍ، أنَّ أبا صالح الزَّاتَ أخبَرَه، أنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُدْريَّ ته يقول:
الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهَمُ بالدِّرهَمِ، فقلتُ له: فإنَّ ابنَ عبَّاسِ لا يقولُه، فقال أبو سعيدٍ: سألتُه،
فقلتُ: سمعتَه مِن النبيِّ وَّهِ، أو وجدتَه في كتاب الله، فقال: كلَّ ذلك لا أقولُ، وأنتُم أعلمُ
برسولِ اله ◌َّهِ مِنّي، ولكنْ أخبَرني أُسامةُ أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ)).
قوله: ((باب بيعِ الدينار بالدينار نَساءً)) بفتح النّون وبالمهملة، والمدِّ والتنوين منصوباً(٢)،
أي مُؤجَّلاً مُؤخّراً، يقال: أنسأه نَساءً ونَسيئةً.
قوله: ((الضَّحّاك بن ◌َخَلَدٍ)) هو أبو عاصم شيخ البخاري، وقد حدَّثَ في مواضعَ عنه
بواسطةٍ كهذا الموضع.
قوله: ((سمع أبا سعيد الخُدْري يقول: الدينارُ بالدينار، والدِّرهَم بالدِّرهَم)» كذا وقع في
(١) أبو داود (٣٣٥٤)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٨٢).
(٢) وضُبطت في أصل اليونينية: نَسْأَ، بسكون السين، مُصحَّحاً عليها.

١٨٨
باب ٧٩ / ح ٢١٧٨ -٢١٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
هذه الطَّريق، وقد أخرجه مسلم (١٥٩٦ / ١٠١) من طريق ابن عُيَينة عن عَمْرو بن دينار،
فزاد فيه: (مِثْلاً بمثلٍ، من زاد أو ازدادَ فقد أَرْبَى)).
قوله: ((إنَّ ابن عبّاس لا يقوله)) في رواية مسلم: يقول غير هذا.
قوله: ((فقال أبو سعيد: سألته)) في رواية مسلم: لقد لقيتُ ابن عبّاس فقلت له.
قوله: ((فقال: كلَّ ذلك لا أقول)) بِنصبٍ ((كلّ)) على أنَّه مفعولٌ مُقدَّمٌ، وهو في المعنى نظير
قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ذي اليدَينِ: ((كلَّ ذلك لم يكنْ))(١) فالمنفي هو المجموع،
وفي رواية مسلم: فقال: لم أسمعه من رسول الله وَّه، ولا وجدتُه في كتاب الله عزَّ وجلَّ،
ولمسلم (١٠٤/١٥٩٦) من طريق عطاء: أنَّ أبا سعيد لقيَ ابن عبّاس، فذكر نحوه، وفيه:
فقال: كلّ ذلك لا أقول، أمَّا رسولُ الله فأنتُم أعلمُ به، وأمَّا كتابُ الله فلا أعلمُه، أي: لا
أعلمُ هذا الحكم فيه، وإنَّما قال لأبي سعيد: أنتُم أعلمُ برسول اللهَوَّل مِنِّي، لكون أبي سعيد
وأنظاره كانوا أسَنَّ منه وأكثرَ مُلازَمة لرسول الله وَّ.
وفي السِّياق دليل على أنَّ أبا سعيد وابن عبَّاس مُتَّفِقان على أنَّ الأحكامَ الشَّرعيةَ لا
تُطلَبُ إلَّا من الكتاب أو السُّنّة.
قوله: ((لا ربا إلَّا في النَّسيئةِ)) في رواية مسلم: ((الرِّبا في النَّسيئة))، وله (١٠٢/١٥٩٦) من
طريق عُبيد الله بن أبي يزيد وعطاءٍ، جميعاً عن ابن عبّاس: ((إنَّما الرِّبا في النَّسيئة))، زاد في
رواية عطاء: ((ألا إنَّما الرِّبا))، وزاد في رواية طاووس (١٠٣/١٥٩٦) عن ابن عبّاس: ((لا
ربا فيما كان يداً بيد))، وروى مسلم (٩٩/١٥٩٤) من طريق أبي نَضرة، قال: سألت ابن
عبَّاس عن الصَّرفِ، فقال: أيداً بيدٍ؟ قلت: نعم، قال: فلا بأسَ. فأخبرت أبا سعيد، فقال:
أَوَقال ذلك؟ إنّا سَنكتُبُ إليه، فلا يُفتيكُموه، وله (١٥٩٤/ ١٠٠) من وجهٍ آخرَ عن أبي
نَضْرة: سألت ابن عمر وابن عبَّاس عن الصَّرفِ، فلم يَرَيا به بأساً، فإنّي لَقاعدٌ عند
٣٨٢/٤ أبي سعيد،/ فسألتُه عن الصَّرفِ، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما. فذكر
(١) أخرجه مسلم (٥٧٣)، والنسائي (١٢٢٦)، وغيرهم من حديث أبي هريرة.

١٨٩
باب ٧٩ / ح ٢١٧٨ -٢١٧٩
كتاب البيوع
الحديث قال: فحدَّثني أبو الصَّهْباءِ: أنَّه سأل ابن عبَّاس عنه بمكّةً فگرِهَه.
والصَّرْفُ بفتح المهمَلة: دفعُ ذهبٍ وأخذ فِضّةٍ وعكسُه، وله شرطان: منعُ النَّسيئة مع
اتّفاق النَّوعِ واختلافه، وهو المُجمَعُ عليه، ومنعُ التفاضُل في النَّوعِ الواحد منهما، وهو قولُ
الجمهور، وخالَفَ فيه ابنُ عمر، ثمَّ رَجَع، وابنُ عبَّاس واختُلِفَ في رُجوعه، وقد روى الحاكمُ
(٢/ ٤٢-٤٣) من طريق حيَّنَ العَدَوي - وهو بالمهمَلة والتحتانية -: سألت أبا مِجْلَزٍ عن
الصَّرفِ فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأساً زماناً من عُمره، ما كان منه عَيناً بعَينٍ يداً بيدٍ،
وكان يقول: إنَّما الرِّبا في النَّسِيئة، فلقيه أبو سعيد، فذكر القصَّة والحديث، وفيه: ((التمرُ بالتمر،
والحِنطةُ بالخِنطة، والشَّعيرُ بالشَّعير، والذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضّةُ بالفِضّة، يداً بيدٍ، مِثْلاَ بِمثلٍ،
فمن زاد فهو رِباً) فقال ابن عبّاس: أسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليه، فكان ينهى عنه أشدَّ النَّهي.
واتَّفَقَ العلماءُ على صِحّة حديث أُسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد،
فقيل: منسوخ، لكنَّ النَّسْخَ لا يَثبُتُ بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا)»: الرِّبا
الأغلَظ الشَّديد التحريم، المتوَعَّد عليه بالعِقاب الشَّديد، كما تقولُ العرب: لا عالمَ في البلد
إلَّا زيدٌ، مع أنَّ فيها علماءَ غيرَه، وإنَّما القصدُ نفيُ الأكمَل لا نفيُ الأصل، وأيضاً فنفيُ
تحريم ربا الفضل من حديث أُسامةَ إنَّما هو بالمفهوم، فيُقدَّمُ عليه حديث أبي سعيد، لأنَّ
دلالته بالمنطوق، ويُحُمَلُ حديث أُسامةَ على الرِّبا الأكبَر كما تقدَّم، والله أعلم.
وقال الطَّبري: معنى حديث أُسامة: ((لا ربا إلَّا في النَّسيئة)) إذا اختلفَت أنواع البيعِ
والفضل فیه یداً بید رباً، جمعاً بينه وبين حديث أبي سعيد.
تنبيه: وقع في نُسخة الصَّغاني هنا: قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: سمعتُ سليمان
ابن حَرْب يقول: ((لا ربا إلَّا في النَّسيئة))، هذا عندنا في الذَّهبِ بالوَرِق والحِنطة بالشَّعير
مُتفاضِلاً، ولا بأسَ به يداً بيد، ولا خير فيه نَسِيئة. قلت: وهذا مُوافِق(١).
(١) كذا وقع في الأصلين: ((وهذا موافق)) دون بيان، وجاء في هامش (س) أنه وقع في الأصل الذي قوبلت
عليه بياض، ولعله أن يكون تقدير الكلام أن قول سليمان بن حرب هذا موافق لكلام الطبري الذي قبله
من حيث إن اعتبار النَّسيئة عند اختلاف الأنواع، والله أعلم.

١٩٠
باب ٨٠ / ح ٢١٨٠ -٢١٨١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي قصَّة أبي سعيد مع ابن عمر ومع ابن عبّاس أنَّ العالم يُناظِرُ العالم ويُوقِفُه على معنى
قوله، ويَرُدُّه من الاختلاف إلى الاجتماع، ويَحَتَجُّ عليه بالأدلّة، وفيه إقرارُ الصغير للكبير
بفضل التقدُّم.
٨٠ - باب بيع الوَرِق بالذهب نَسِيئَةً
٢١٨٠، ٢١٨١ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ،
قال: سمعتُ أبا المِنْهالِ قال: سألتُ البَرَاءَ بنَ عازبٍ وزيدَ بنَ أرقَمَ رضي الله عنهم عن
الصَّرفِ، فكلُّ واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ منّي، فكِلاهما يقول: نهى رسولُ الله وَّر عن بيعِ
الذَّهبِ بِالوَرِقِ دَيناً.
قوله: ((باب بيعِ الوَرِقِ بالذَّهبِ نَسيئةً)) البيع كلُّه: إمَّا بالنَّقد أو بالعَرْضِ، حالًّا أو
مُؤْجَّلاً، فهي أربعةُ أقسام: فبيع النَّقد: إمَّا بمثلِه وهو المراطَلة، أو بنَقدٍ غيرِه وهو الصَّرف.
وبيع العَرْض بنَقدٍ، يُسمَّى النَّقَد ثمناً، والعَرض عِوَضاً، وبيع العَرْض بالعَرْضِ يُسمَّى
مُقَايَضَةً (١). والحُلولُ في جميع ذلك جائز، وأمَّا التأجيلُ، فإن كان النَّقْد بالنَّقْدُ مُؤخّراً فلا
يجوز، وإن كان العَرْض جاز، وإن كان العَرْض مُؤخّراً، فهو السَّلَم، وإن كانا مُؤْخَّرَينٍ،
فهو بيعُ الدَّينِ بالدَّين، وليس بجائزٍ إلَّا في الحوالة عند من يقول: إنَّها بيع، والله أعلم.
٣٨٣/٤
قوله: ((عن الصَّرفِ)) أي: بيع الدَّراهمِ بالذَّهبِ أو عكسِه، / وسُمّي به لصَرْفِه عن
مُقتَضى البِياعات من جواز التفاضُل فيه، وقيل: من الصَّريفِ، وهو تصويتُهما في الميزان،
وسيأتي في أوائل الهجرة (٣٩٣٩) من طريق سفيان عن عَمْرو بن دينار عن أبي المِنْهال،
قال: باع شَريكٌ لي دراهمَ - أي: بذهب - في السوق نَسيئة، فقلت: سُبحانَ الله أيصلُحُ
هذا؟ فقال: لقد بعتها في السوقِ، فما عابَه عليَّ أحد، فسألت البراء بن عازب، فذكره.
قوله: ((هذا خير منِّ)) في رواية سفيان المذكورة: قال: فالْقَ زيد بن أرقَم فاسألْه، فإنَّه
(١) تصحفت في (س) إلى: مقابضة، بالباء الموحدة.

١٩١
باب ٨١ / ح ٢١٨٢
كتاب البيوع
كان أعظَمَنا تجارة، فسألتُه، فذكره. وفي رواية الحميدي في «مُسنَده)) (٧٢٧) من هذا الوجه
عن سفيان: فقال: صَدَقَ البَرَاءُ، وقد تقدَّم (٢٠٦٠) في ((باب التِّجارة في البَزِّ)) من وجهٍ
آخرَ عن أبي المِنْهال بلفظ: إن كان يداً بيدٍ فلا بأس، وإن كان نَسيئاً فلا يَصلُح(١)».
وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضُع، وإنصاف بعضِهم بعضاً، ومعرفة
أحدهم حَقَّ الآخر، واستظهار العالم في الفُتيا بنظيره في العلم، وسيأتي بعدُ الكلامُ على هذا
الحديث في الشَّرِكة (٢٤٩٧) إن شاء الله تعالى.
٨١- باب بیع الذّهب بالورق يداً بيدٍ
٢١٨٢- حدَّثنا عِمرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا عبَّادُ بنُ العَوّامِ، أخبرنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ،
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرةَ، عن أبيه ◌ُه، قال: نهى النبيُّ وَّرِ عن الفِضّةِ بِالفِضّةِ،
والذَّهبِ بالذَّهبِ، إلا سَواءً بسَواءٍ، وأمَرَنا أن نَبتاعَ الذَّهبَ بالفِضّةِ كيفَ شِئنا، والفِضّةَ
بالذَّهبِ کیفَ شِئْنا.
قوله: ((باب بيع الذَّهبِ بالوَرِق يداً بيدٍ)) ذكر فيه حديث أبي بَكْرة الماضي قبلُ بثلاثة
أبواب (٢١٧٥)، وليس فيه التقييد بالحُلول، وكأنَّه أشار بذلك إلى ما وقع في بعضٍ طرقِه،
فقد أخرجه مسلم (١٥٩٠) عن أبي الرَّبيع عن عبَّاد الذي أخرجه البخاري من طريقه،
وفيه: فسأله رجلٌ فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا سمعت، وأخرجه مسلم (١٥٩٠) من
طريق يحيى بن أبي كثير عن يحيى بن أبي إسحاق، فلم يَسُق لفظَه، فساقه أبو عَوَانةَ في
((مُستَخرَجِه)) (٥٤٠٤)، فقال في آخره: ((والفِضّة بالذَّهبِ كيف شئتُم يداً بيدٍ)). واشتراط
القبضِ في الصَّرفِ مُتَّفَق عليه، وإنَّما وقع الاختلافُ في التفاضُل بين الجِنْسِ الواحد.
واستُدِلَّ به على بيع الرِّبَويَّات بعضها ببعضٍ إذا كان يداً بيدٍ، وأصرَُ منه حدیث
عُبادة بن الصامت عند مسلم (١٥٨٧/ ٨١) بلفظ: ((فإذا اختلفت الأصنافُ، فبيعوا كيف
شئتُم)).
(١) في (أ) و(ع): يصح، والمثبت على الصواب من (س)، موافقاً لروايات البخاري دون خلاف.

١٩٢
باب ٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
٨٢ - باب بيع المُزَابنة
وهي بيع التَّمْر بالثَّمَر وبيع الزَّبيب بالكَرْم وبيع العَرَايا
قال أنسُ: نهى النبيُّ وَلَه عن المزابنةِ والمحاقَلة.
٣٨٤/٤
قوله: (باب بيع المزابنة)) بالزاي والموحّدة والنّون، مُفاعلة من الزَّبْن - بفتح الزاي
وسكون الموحّدة -: وهو الدَّفعُ الشَّديد، ومنه سُمّيت الحربُ الزَّبونَ، لِشِدّة الدَّفع فيها،
وقيل للبيعِ المخصوصِ: المزابَنة، لأنَّ كلَّ واحد من المتبايِعَين يَدفَعُ صاحبه عن حقِّه، أو
لأَنَّ أحدَهما إذا وَقَفَ على ما فيه من الغَبْن أراد دفع البيع بفسخِه، وأراد الآخر دفعَه عن
هذه الإرادة بإمضاءِ البيع.
قوله: ((وهي بيعُ التَّمر)) بالمثنَّاة والسُّكون ((بالثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم، والمراد به: الرُّطَب
خاصّة.
وقوله: ((وبيع الزَّبيب بالكَرْمِ)) أي: بالعِنَبِ وهذا أصل المزابنة، وألحَقَ الشافعي بذلك
كلّ بيع مجهولٍ بمجهولٍ، أو بمعلومٍ من جِنْسٍ يجري الرِّبا في نَقْدِه، قال: وأمَّا من قال:
أضمَنُ لك صُبْرَكَ هذه بعشرين صاعاً مثلاً، فما زادَ فلي، وما نَقَصَ فعليَّ، فهو من القِمار،
وليس من المزابنة.
قلت: لكن تقدَّم في ((باب بيع الزَّبِيبِ بالَّبيب)) (٢١٧٢) من طريق أيوبَ عن نافعٍ عن
ابن عمر: والمزابنة: أن يبيعَ الثَّمَرَ بكَيلٍ، إن زاد فلي، وإن نَقَصَ فعليَّ، فثبت أنَّ من صور
المزابنة أيضاً هذه الصُّورة من القِمار، ولا يَلزَمُ من كونها قماراً أن لا تُسمَّى مُزابَنة.
ومِن صور المزابنة أيضاً: بيع الَّرع بالخِنطة كيلاً، وقد رواه مسلم (١٥٤٢/ ٧٣) من
طريق عُبيد الله بن عمر عن نافعٍ بلفظ: والمزابنة: بيع ثَمَر النَّخل بالتمر كَيلاً، وبيع العِنَبِ
بالَّبيبِ كَيلاً، وبيع الزَّرع بالخِنطة كيلاً، وستأتي هذه الزّيادة للمصنِّف (٢٢٠٥) من طريق
الليث عن نافعٍ بعد أبواب.
وقال مالك: المزابَنَةُ: كلّ شيءٍ من الجُزاف لا يُعلَمُ كَيله ولا وزنه ولا عَدَده إذا بِيعَ
بشيءٍ مُسَمَّی من الکیل وغيره، سواء کان من چِنسٍ يجري الرِّبا في نَقدِه أم لا.

١٩٣
باب ٨٢ / ح ٢١٨٣ -٢١٨٥
كتاب البيوع
وسببُ النَّهي عنه ما يَدخُلُه من القِمار والغَرَر، قال ابن عبد البَرِّ: نظرَ مالكٌ إلى معنى
المزابنة لغة - وهي المدافعةُ - ويَدخُلُ فيها القِمارُ والمخاطَرَةِ، وفسَّر بعضهم المزابنة: بأنَّها بيعُ
الثَّمَر قبلَ بُدوّ صلاحه، وهو خطأٌ، فالمغايرة بينهما ظاهرة من أوَّل حديث في هذا الباب.
وقيل: هي المزارعةٌ على الجزءِ، وقيل: غير ذلك، والذي تدلُّ عليه الأحاديثُ في تفسيرها أَولِى.
قوله: ((قال أنس ... )) إلى آخره، يأتي موصولاً (٢٢٠٧) في ((باب بيع المخاضَرة))، وفيه
تفسير المُحاقلة.
٢١٨٣- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني سالمُ بنُ
عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((لا تَبِيعوا الثَّمَرَ حتَّى يَبْدُوَ
صَلاحُه، ولا تَبِعوا الثَّمَرَ بالثَّعْرِ)).
٢١٨٤ - قال سالمٌ؛ وأخبرني عبدُ الله، عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رسولَ الله وَلَ رَخَّصَ بعدَ
ذلك في بيعِ العَرَايا بالرُّطَبِ، أو بالتَّمرِ، ولم يُرَخِّص في غيرِه.
٢١٨٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله وَّ نهى عن المزابنة.
والمزابَنُ: بيعُ الشَّمَرِ بالتَّمِرِ کَیلاً، وبيئُ الكَرْمِ بالزَّبِیبِ کَیلاً.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديث ابن عمر من رواية سالم،/ ومن رواية نافعٍ، كلاهما عنه، ثمَّ ٣٨٥/٤
حديث أبي سعيد في ذلك، وفي طريق نافع تفسير المزابنة، وظاهرُه أنَّها من المرفوع، ومثلُه في
حديث أبي سعيد في الباب، وأخرجه مسلم (٨٢/١٥٣٦) من حديث جابر كذلك، ويُؤْيِّدُ
كونه مرفوعاً رواية سالم وإن لم يتعرَّض فيها لذكر المزابنة، وعلى تقدير أن يكونَ التفسيرُ من
هؤلاءِ الصحابة، فهم أعرَفُ بتفسيره من غيرهم.
وقال ابن عبد البَرِّ: لا مُخُالفَ لهم في أنَّ مثلَ هذا مُزابَنة، وإنَّما اختلفوا هل يَلْتَحِقُ بذلك
كلّ ما لا يجوزُ إلَّا مِثلاً بمثلٍ فلا يجوزُ فيه كَيل بجُزافٍ ولا جُزَافٌ بجُزاف؟ فالجمهورُ على
الإلحاق، وقيل: يختصُّ ذلك بالنَّخل والكرم، والله أعلم.

١٩٤
باب ٨٢ / ح ٢١٨٣ -٢١٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «قال سالم» هو موصولٌ بالإسناد المذکور، وقد أُفرِدَ حدیثُ زید بن ثابت في آخر
الباب من طريق نافع عن ابن عمر، عنه، وقد تقدَّم قبلَ أبواب (٢١٧٢ و ٢١٧٣) من وجهٍ
آخرَ عن نافع مضموماً في سياقٍ واحدٍ، وأخرجه التِّرمِذي (١٣٠٠) من طريق محمد بن
إسحاق عن نافعٍ عن ابن عمر عن زيد بن ثابت، ولم يفصِل حديث ابن عمر من حديث
زيد بن ثابت، وأشار التِّرمِذي إلى أنَّه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ التِّرمِذي: عن
زيد بن ثابت: أنَّ النبي ◌َّ نهى عن المحاقَلة والمزابنة، إلَّا أنَّه قد أَذِنَ لأهل العَرايا أن
يبيعوها بمثل خَرْصِها، ومُراد التِّرمِذي: أنَّ التصريحَ بالنَّهي عن المزابنة لم يَرِدْ في حديث
زيد بن ثابت، وإنَّما رواه ابن عمر بغير واسطة، وروى ابن عمر استثناءَ العَرَايا بواسطة زيد
ابن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظةً، احتَمَلَ أن يكونَ ابنُ عمر حَلَ الحديث
كلّه عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضُه بغير واسطة.
واستُدِلَّ بأحاديث الباب على تحريمٍ بيعِ الرُّطَبِ باليابسِ منه ولو تَساوَيا في الكَيل
والوزنٍ، لأنَّ الاعتبار بالتساوي إنَّما يَصِحُّ حالةَ الكمال، والرُّطَب قد يَنقُصُ إذا جَفَّ عن
اليابسِ نقصاً لا يَتَقَدَّرُ، وهو قولُ الجمهور، وعن أبي حنيفة الاكتفاءُ بالمساواة حالةَ الرُّطوبة،
وخالَفَه صاحباه في ذلك لصِحّة الأحاديث الواردة في النَّهي عن ذلك، وأصرَحُ من ذلك
حديث سعد بن أبي وقّاصٍ: أنَّ النبي ◌َِّ سُئِلَ عن بيع الرُّطَبِ بالتمر، فقال: ((أينقُصُ
الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟)) قالوا: نعم، قال: فلا إذا)) أخرجه مالك (٢/ ٦٢٤) وأصحاب السُّننِ(١)،
وصَخَّحَه التِّرمِذي (١٢٢٥) وابن خُزيمة وابن حِبَّان (٤٩٩٧) والحاكم (٣٨/٢).
قوله: ((رَخَّصَ بعد ذلك)) أي: بعد النَّهي عن بيعِ التمر بالثَّمَر ((في بيعِ العَرايا)) وهذا من
أصرَحِ ما وَرَدَ في الردِّ على من حَمَلَ من الحنفيَّة النَّهيَ عن بيع الثَّمَر بالتمر على عمومه،
ومَنَعَ أن يكونَ بيعُ العَرايا مُستَئنّى منه، وزَعَمَ أنَّهَمَا حُكْمان مُخْتَلِفَان وَرَدَا في سياقٍ واحدٍ،
وكذلك من زَعَمَ منهم كما حكاه ابن المنذِر عنهم: أنَّ بيعَ العَرايا منسوخ بالنَّهي عن بيعِ
الثَّمَر بالتَّمْر، لأنَّ المنسوخَ لا يكون بعد الناسخ.
(١) أبو داود (٣٣٥٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، والنسائي (٤٥٤٥).

١٩٥
باب ٨٢ / ح ٢١٨٣ -٢١٨٥
كتاب البيوع
قوله: ((بالرُّطَبِ أو بالتَّمرِ)) كذا عند البخاري ومسلم (٥٩/١٥٣٩) من رواية عُقيل عن
الزّهْري بلفظ: ((أو))، وهي مُحتمِلةٌ أن تكون للتَّخيير، وأن تكون للشكّ، وأخرجه النَّسائي
(٤٥٤٠) والطبراني (٤٧٦٢) من طريق صالح بن كَيْسانَ، والبيهقي (٣١١/٥) من طريق
الأوزاعي، كلاهما عن الزُّهْري بلفظ: بالرُّطَبِ وبالتمر، ولم يُرخّص في غير ذلك. هكذا
ذكره بالواو، وهذا يُؤيِّدُ كون ((أو)) بمعنى التخيير لا الشكِّ، بخلاف ما جَزَمَ به النَّووي.
وكذلك أخرجه أبو داود (٣٣٦٢) من طريق الزُّهْري أيضاً عن خارجة بن زيد بن
ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح، وليس هو اختلافاً على الزُّهْري، فإنَّ ابن وهبٍ رواه عن
يونسَ، عن الزُّهْري بالإسنادين أخرجهما النَّسائي وفَّقَهما(١)، وإذا ثبتت هذه الروايةٌ
كانت فيها حُجّة للوجه الصائر إلى جواز بيع الرُّطَب المخروص على رؤوس النَّخل
بالرُّطَبِ المخروص أيضاً على الأرضِ، وهو رأيُ ابن خَيْرانَ من الشافعية، وقيل: لا يجوزُ،
وهو رأيُ الإصطَخري، وصَحَّحَه جماعة، وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لم يَجُز إذ لا حاجةَ
إليه، وإن كان نوعَين جازَ، وهو رأيُ أبي إسحاق، وصَحَّحَه ابن أبي عَصْرون، وهذا كلّه
فيما إذا كان أحدهما على النَّخل والآخرُ على الأرض، وقيل: ومثلُه ما إذا كانا معاً على
النَّخل،/ وقيل: إنَّ مَحَلَّه فيما إذا كانا نوعَين، وفي ذلك فروعٌ أُخَرُ يطولُ ذكرُها، وصَرَّحَ ٣٨٦/٤
الماوَرْدي بإلحاق البُسْر في ذلك بالرُّطَب.
قوله: ((بيع (٢) الثَّمَرِ)) بالمثلَّثة وتحريك الميم، وفي رواية مسلم (٧٣/١٥٤٢): ثَمَر النَّخل،
وهو المرادُ هنا، وليس المراد الثَّمرَ(٣) من غير النَّخلِ، فإنَّه يجوزُ بيعُه بالتمر - بالمثنَّاة
والسُّكون - وإنَّما وقع النَّهيُ عن الرُّطَبِ بالتمر لكونِهِ مُتَفاضلاً من جِنسِه.
(١) أخرجه النسائي من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن خارجة برقم (٤٥٣٧)، ولم نقف
عليه عنده من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم. لكن أخرج أبو عوانة (٥٠٢٧)،
والطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٧٣٥) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن
أبيه مثل حديث عُقيل عن ابن شهاب عن سالم الذي أخرجه البخاري دون ذكر العرايا.
(٢) كذا قال الحافظ، مع أنه لم يُذكَر في اليونينية ولا في القسطلاني أيُّ اختلاف في أن الرواية هنا: اشتراء الثمر!
(٣) تصحفت في (س) إلى: التمر.

١٩٦
باب ٨٢ / ح ٢١٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((کَیلاً)) یأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده.
قوله: ((وبيع الكَرْمِ بالزَّبِيبِ كَيلاً)) في رواية مسلم: وبيع العِنَبِ بالَّبيبِ کَیلاً، والكرم
بفتح الكاف وسكون الراءِ: هو شجر العِنَبِ، والمراد منه هنا: نفس العِنَبِ كما أوضحَتْه
روايةٌ مسلم، وفيه جواز تسمية العِنَبِ كَرماً، وقد وَرَدَ النَّھيُ عنه كما سيأتي الكلام عليه في
الأدَبِ (٦١٨٢)، ويُجمَعُ بينهما بحَمْلِ النَّهي على التنزيه، ويكون ذِكْره هنا لبيان الجواز،
وهذا كلُّه بناءً على أنَّ تفسير المزابنة من كلام النبي ◌ِِّ، وعلى تقدير كونِه موقوفاً، فلا
حُجّةَ على الجواز، فيُحمَلُ النَّهي على حقيقته.
واختلفَ السَّلَفُ: هل يُلحَقُّ العنبُ أو غيرُه بالرُّطَبِ في العَرايا؟ فقيل: لا، وهو قولُ
أهل الظّاهر، واختاره بعض الشافعية منهم المحِبّ الطَّبري، وقيل: يُلحَقُّ العنب خاصّةً،
وهو مشهورُ مذهبِ الشافعي، وقيل: يُلحَقُ كلُّ ما يُدَّخَرُ، وهو قولُ المالكية، وقيل: يُلحَقُ
كلُّ ثَمَرةٍ، وهو منقولٌ عن الشافعي أيضاً.
٢١٨٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن داود بنِ الحُصَينِ، عن أبي سفيانَ
مولى ابنِ أبي أحمدَ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ صَلّهِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّ نهى عن المزابنةِ والمحاقَلةِ.
والمزابَنَةُ: اشتِراءُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ في رؤوسِ النَّخل.
قوله: ((عن داود بن الحصين)) هو المدني، وكلهم مدنيُّون إلّا شيخ البخاري، وليس لداود
ولا لشيخِه في البخاري سوى هذا الحديث، وآخرَ (٢١٩٠) في الباب الذي یلیه، وشیخه:
هو أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، ووقع في رواية مسلم (١٥٤٦): أنَّ أبا سفيان أخبره أنَّه
سمع أبا سعيد، وأبو سفيان مشهور بكُنيته حتَّى قال النَّوي تَبَعاً لغيره: لا يُعرَفُ اسمُه،
وسَبَقَهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكمُ في ((الكُنى))، لكن حكى أبو داود في ((السُّنْنِ)) (٣٣٦٤) في
روايته لهذا الحديث عن القَعْنبي شيخه فيه: أنَّ اسمَه قَزْمان(١)، وابن أبي أحمد: هو عبد الله
(١) وذكر الحافظ في مقدمة شرحه هذا في فصل تببين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها: أنه قيل في اسمه
أيضاً: وهب. قلنا: كذلك سماه الدار قطني، كما في (تهذيب الكمال)) في ترجمة أبي سفيان ٣٦٤/٣٣.

١٩٧
باب ٨٢ / ح ٢١٨٧ -٢١٨٨
كتاب البيوع
ابن أبي أحمد بن جَحْش الأسدي ابنُ أخي زينب بنت جَحْش أمِّ المؤمنين، وحكى الواقدي:
أنَّ أبا سفيان كان مولّى لبني عبد الأشهل، وكان يجالسُ عبدَ الله بن أبي أحمد، فنُسِبَ إليه.
قوله: ((والمزابنة: اشتراء الثَّمَر بالتَّمْر على رؤوسِ النَّخلِ)» زاد ابن مَهْدي عن مالكِ عند
الإسماعيلي: كَيلاً، وهو موافقٌ لحديث ابن عمر الذي قبله، وذكر الكَيل ليس بقَيدٍ في هذه
الصورة، بل لأنه صورةُ المبايعة التي وَقَعَت إذ ذاكَ، فلا مفهومَ له لخروجِه على سببٍ، أو
له مفهومٌ، لكنَّه مفهومُ الموافقة، لأنَّ المسكوت عنه أَولى بالمنع من المنطوق، ويُستَفادُ منه:
أنَّ مِعيار التمر والنَّبيبِ الكَيل، وزاد مسلم (١٥٤٦) في آخر حديث أبي سعيد: والمحاقَلة:
كِراءُ الأرض، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (٦٢٥/٢).
٢١٨٧ - حدَّثنا مُستَّدٌ، حدَّثنا أبو معاويةً، عن الشَّيبانيِّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي
الله عنهما، قال: نهى النبيُّ وَّةٍ عن المحاقَلةِ والمزابنة.
٢١٨٨ - حدَّثْنا عبدُ الله بنُ مَسَلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زيد بنِ
ثابتٍ رضي الله عنهم: أنَّ رسولَ الله وَّهِ أَرخَصَ لصاحبِ العَرِيَّةِ أن يَبِيعَها بِخَرْصِها.
قوله: ((عن الشَّيباني)) هو أبو إسحاق، ووقع في رواية الإسماعيلي من وجهٍ آخرَ عن أبي
معاوية: ((حدَّثنا الشَّيباني))، وسيأتي الكلام عن المحاقَلة في ((باب بيع المُخاضَرة))(١)، ووقع
في رواية محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي سعيد عَقِبَ هذا الحديث مثله: والمزابنة في
النَّخلِ، والمحاقَلة في الَّرعِ(٢).
قوله: ((أرخَصَ لصاحبِ العَرِيَّة)) بفتح المهمَلة وكسر الراءِ وتشديد التحتانية، جمعُه: عَرایا،
وقد ذكرنا تفسيرها لغة.
قوله: ((أن يبيعَها بخَرصِها)) زاد الطبراني (٤٧٦٧) عن عليّ بن عبد العزيز عن القَعْنبي
شيخ البخاري فيه: كَيلاً، ومثلُه للمصنّف من رواية موسى بن عُقْبة عن نافع، وسيأتي بعد
(١) باب رقم (٩٣).
(٢) رواية محمد بن عمرو هذه أخرجها ابن أبي شيبة ٧/ ١٣٠، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢٦٩٥)
وغيرهما، وهي في ((مسند أحمد)) برقم (١١٦٣٨) دون هذه الزيادة.

١٩٨
باب ٨٣ / ح ٢١٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
باب (٢١٩٢). ورواه مسلم (٦٠/١٥٣٩) عن يحيى بن يحيى عن مالكٍ، فقال: بخَرْصِها
من الثَّمر، ونحوه للمصنّف من رواية يحيى بن سعيد عن نافع في كتاب الشرب (٢٣٨٠)،
ولمسلم (١٥٣٩) من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد بلفظ: رَخَّصَ في العَريّة
يأخُذُها أهلُ البيت بخَرْصها تمراً يأكلونَها رُطَباً، ومِن طريق الليث عن يحيى بن سعيد
بلفظ: رَخَّصَ في بيع العَرِيَّة بخَرْصها تمراً، قال يحيى: العَربيةُ: أن يشتري الرجلُ ثمرَ
النَّخَلات لطعام أهله رُطَباً بخَرْصها تمراً، وهذه الرواية تُبيِّنُ أنَّ في رواية سليمانَ إدراجاً،
٣٨٧/٤ وأخرجه/ الطبراني (٤٧٧٠) من طريق حمّاد بن سَلَمة، عن أيوب وعُبيد الله بن عمر، عن
نافعٍ بلفظ: رَخَّصَ في العَرَايا، النَّخلةُ والنَّخَانِ يُوهَبان للرجل فيبيعُهما بخَرصِهما تمراً، زاد
فیه یُوهَبان للرجل، ولیس بقیدٍ عند الجمهور، كما سيأتي شرحه بعد باب.
٨٣- باب بيع الثّمَر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضّة
٢١٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ وأبي
الزُّبَيرِ، عن جابرٍ ﴾، قال: نهى النبيُّ وَّهِ عن بيعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، ولا يُباعُ شيءٌ منه إلا
بالدِّينار والدِّرهَمِ، إلا العَرايا.
قوله: ((باب بيعِ الثَّمَرِ)) بِفتح المثلَّثة والميم ((على رؤوسِ النَّخلِ)) أي: بعد أن يَطِيبَ.
وقوله: ((بالذَّهبِ أو الفِضّة)) اتَّبَعَ فيه ظاهر الحديث، وسيأتي البحث فيه.
قوله: ((عن عطاء)) هو ابن أبي رباح ((وأبي الزبير)) هو محمد بن مسلم، كذا جمع بينهما
ابن وَهْبٍ، وتابعه أبو عاصم عند مسلم (٨١/١٥٤٣)، ويحيى بن أيوب عند الطَّحاوي
(٢٩/٤)، كلاهما عن ابن جُرَيج، ورواه ابن عُيَينة عند مسلم عن ابن جُرَيج عن عطاءٍ
وحدَه، ووقع في روايته عن ابن جُرَيج: أخبرني عطاء(١).
قوله: ((عن جابر)) في رواية أبي عاصم المذكورة: أنَّهما سمعا جابر بن عبد الله.
(١) الذي في المطبوع من ((صحيح مسلم)) من رواية سفيان عن ابن جريج: عن عطاء، لكن رواه بإثر (١٥٤٣)
(٨٢) من طريق مخلد بن يزيد الجزري، حدثنا ابن جريج، أخبرني عطاء.

١٩٩
باب ٨٣ / ح ٢١٩٠
كتاب البيوع
قوله: ((عن بيع الثَّمَرِ)) بِفتح المثلَّثة، أي: الرُّطَب.
قوله: (حتَّى يَطِیبَ)) في رواية ابن عُيَینة: حتَّى يَبدُوَ صلاحُه، وسيأتي تفسيره بعد باب.
قوله: (ولا يُباعُ شيءٌ منه إلَّا بالدينار والدِّرهَم)) قال ابن بطَّل: إنَّما اقتَصَرَ على الذَّهبِ
والفِضّة لأنهما جُلُّ ما يتعاملُ به الناس، وإلا فلا خلافَ بين الأئمة(١) في جواز بيعِه
بالعُروضِ، يعني: بشرطِه.
قوله: «إلا العرای)) زاد یحیی بن أیوب في روايته: فإنَّ رسولَ الله ێ رخّصَ فیھا، أي: ٣٨٨/٤
فيجوز بيعُ الرُّطَبِ فيها بعد أن يُخْرَصَ ويُعرَفَ قَدْرُه بقَدْرٍ ذلك من التَّمر، كما سيأتي
البحث فيه.
قال ابن المنذر: ادَّعى الكوفيون أنَّ بيعَ العَرايا منسوخ بنَهِيه ◌ِوَ له عن بيع الثَّمَر بالتَّمر،
وهذا مردود، لأنَّ الذي روى النَّهي عن بيع الثَّمَر بالتَّمر هو الذي روى الرُّخصة في
العَرايا، فأثبَتَ النَّهيَ والرُّخصة معاً.
قلت: وروايةُ سالم الماضية (٢١٨٣ و٢١٨٤) في الباب الذي قبله تدلُّ على أنَّ الرُّخصةَ
في بيعِ العَرايا، وقع بعد النَّهي عن بيع الثَّمَر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر مرفوعاً: (ولا
تبيعوا الثَّمَرَ بالتمر)) قال: وعن زيد بن ثابت: أنَّه ◌ِّ رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العَرية. وهذا
هو الذي يقتضيه لفظُ الرُّخصة، فإنَها تكونُ بعد منع، وكذلك بقية الأحاديث التي وقع فيها
استثناءُ العَرايا بعد ذكر بيع الثَّمَر بالتَّمر، وقد قدَّمتُ إيضاح ذلك.
٢١٩٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبد الوهّاب، قال: سمعتُ مالكاً، وسألَه عُبيدُ الله بنُ الرَّبيعِ:
أحدَّثَكَ داودُ، عن أبي سفيانَ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ رَخَّصَ في بيعِ العَرَايا في خمسةِ
أوسُقٍ - أو دونَ خمسةٍ أوسُقٍ -؟ قال: نعم.
[طرفه في: ٢٣٨٢]
(١) في (س): الأمة.

٢٠٠
باب ٨٣ / ح ٢١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب)) هو الحَجَبي، بفتح المهمَلة والجيم، ثمَّ موحّدة،
بصري مشهور.
قوله: ((سمعتُ مالكاً ... )) إلى آخره، فيه إطلاق السَّماع على ما قُرِئَ على الشيخ فأقرَّ به،
وقد استقرَّ الاصطِلاحُ على أنَّ السَّماعِ مخصوصٌ بما حدَّثَ به الشيخ لفظاً.
قوله: ((وسأله عُبيدُ الله)) هو بالتصغير، والرَّبيع أبوه: هو حاجب المنصور، وهو والد
الفضل وزير الرَّشید.
قوله: («رَخَّصَ)) كذا للأكثر بالتشديد، وللكُشْمِيَھَني: ((أرخَصَ».
قوله: ((في بيعِ العَرايا)) أي: في بيعِ ثَمَر العَرايا، لأنَّ العَريَّةَ هي النَّخْلةُ والعَرايا جمع
عَريَّةٍ كما تقدَّم، فحَذَفَ المضاف، وأقامَ المضاف إليه مقامه.
قوله: ((في خمسة أوسُقٍ - أو دونَ خمسة أوسُق -)) شَكٌّ من الراوي، بیَّن مسلم (١٥٤١) في
روايته أنَّ الشكَّ فيه من داود بن الحُصَين، وللمصنِّف في آخر الشّربِ (٢٣٨٢) من وجهِ
آخرَ عن مالك مثله، وذكر ابن التِّن تَبَعاً لغيره: أنَّ داود تفرَّد بهذا الإسناد، قال: وما رواه
عنه إلَّا مالك بن أنس. والوَسْقُ: ستّونَ صاعاً، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الزكاة (١٤٤٧)،
وقد اعتبَرَ من قال بجواز بيع العَرايا بمفهومِ هذا العَدَد، ومَنَعوا ما زاد عليه، واختلفوا في
جواز الخمسة لأجل الشكِّ المذكور، والخلافُ عند المالكية والشافعية، والراجحُ عند
المالكية: الجواز في الخمسةِ فما دونها، وعند الشافعية: الجوازُ فيما دونَ الخمسة، ولا يجوزُ في
الخمسة، وهو قولُ الحنابلة وأهل الظاهر، فمأْخَذُ المنعِ: أنَّ الأصلَ التحريمُ، وبيع العَرايا
رُخصة، فيُؤْخَذُ منه بما يتحقَّقُ منه الجواز، ويُلغَى ما وقع فيه الشكّ.
وسببُ الخلاف أنَّ النَّهيَ عن بيع المزابنة، هل وَرَدَ مُتقدِّماً ثمَّ وَقَعَتِ الرُّخصةُ في
العَرايا، أو النَّهي عن بيع المزابنة وقع مَقروناً بالرُّخصة في بيعِ العَرايا؟ فعلى الأوَّل، لا يجوزُ
في الخمسة للشكِّ في رفع التحريم، وعلى الثاني: يجوزُ للشكِّ في قَدْرِ التحریم، ويُرجِّحُ
الأوَّلَ روايةُ سالم المذكورةُ في الباب قبله.