Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ باب ٤٤ كتاب البيوع قوله: ((بابٌ إذا لم يوقِّت الخيارَ)) أي: إذا لم يُعِّن البائع أو المشتري وقتاً للخيار وأطلقاه «هل ٣٢٨/٤ يجوزُ البيع)) وكأنَّه أشار بذلك إلى الخلاف الماضي في حَدِّ خيار الشَّرط، والذي ذهب إليه الشافعية والحنفيَّة: أنَّه لا يُزاد فيه على ثلاثة أيام، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثَورٍ وآخرونَ إلى أنَّه لا أمَدَ لُدّة خيار الشَّرط بل البيعُ جائزٌ والشَّرط لازمٌ إلى الوقت الذي يشترِطانه، وهو اختيار ابن المنذر، فإن شَرَطا أو أحدُهما الخيارَ مُطلَقاً، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرطٌ باطلٌ والبيعُ جائزٌ، وقال الثَّوري والشافعي وأصحابُ الرَّأي: يَبطُل البيعُ أيضاً، وقال أحمد وإسحاق: للذي شَرَطَ الخيار أبداً. تنبيه: قوله: ((أو يقول أحدهما)) كذا هو في جميع الطَّرق بإثبات الواو في ((يقول))، وفي إثباتها نظرٌ لأنه مجزومٌ عطفاً على قوله: ((ما لم يَتفرَّقا)» فلعلَّ الضمّةَ أُشبِعَت كما أُشبِعَت الياء في قراءة من قرأ: ((إنه مَن يَتَّقي ويَصبِرْ))(١) [يوسف: ٩٠]، ويحتمل أن تكون بمعنى ((إلَّا أن)) فيُقرأ حينئذٍ بنَصْب اللَّام، وبه جَزَمَ النَّووي وغيرُه(٢). ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديث ابن عمر من وجه آخر عن نافع وفيه: «أو يكون بيعَ خيارٍ))، والمعنى: أنَّ المتبابِعَين إذا قال أحدهما لصاحبِه: اختَر إمضاءَ البيع أو فسخَه، فاختار إمضاءَ البيع مثلاً، أنَّ البيع يَتِمُّ وإن لم يَتفرَّقا، وبهذا قال الثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وآخرون، وقال أحمد: لا يَتِمُّ البيعُ حتَّى يَتفرَّقا، وقيل: إنَّه تفرّد بذلك، وقيل: المعنى بقوله: ((أو يكون بيعَ خيارٍ)) أي أن يشترِطا الخيار مُطلَقاً فلا يَبطُل بالتفُّق، وسيأتي البحث فيه بعد بابين مُستوقّ إن شاء الله تعالى. ٤٤ - باب البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا وبه قال ابنُ عمر وشريحٌ والشَّعْبيُّ وطاووسٌ وعطاءٌ وابنُ أبي مُلَيكةً. قوله: ((باب البيِّعان بالخيار ما لم يَتفرَّقا، وبه قال ابن عمر)) أي: بخيار المجلس، وهو بيِّنٌ (١) هذه القراءة لابن كثير في رواية قُنبل عنه. انظر ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٣٥١. (٢) وضُبطت في اليونينية بالرفع. ٨٢ باب ٤٤ / ح ٢١١٠ فتح الباري بشرح البخاري من صنيعِه الذي مضى قبل بابٍ، وأنَّه كان إذا اشترى شيئاً يُعجِبُه فارقَ صاحبَه. وللتِّرمِذي (١٢٤٥) من طريق ابن فُضَيلٍ عن يحيى بن سعيد: وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعاً وهو قاعدٌ قامَ ليجِبَ له، ولابن أبي شَيْبة (٧/ ١٢٦) من طريق محمد بن إسحاق عن نافع: كان ابن عمر إذا باع انصَرَفَ ليجِبَ له البيع، ولمسلمٍ (٤٥/١٥٣١) من طريق ابن جُرَيج قال: أملى عليَّ نافع ... فذكر الحديثَ، وفيه: قال نافع: وكان إذا بايَعَ رجلاً فأراد أن لا يُقِيلَه، قامَ فمشى هُنَيَهةً ثمَّ رَجَعَ إليه، وسيأتي صنیعُ ابن عمر ذلك من وجهٍ آخر بعد بابين (٢١١٦). ٣٢٩/٤ وروى سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله عن عبد العزيز بن حَكِيم: رأيت ابنَ عمر اشترى من رجل بعيراً فأخرج ثمنَه، فوَضَعَه بين يديه فخَيَّرَه بين بعيره وبين الثَّمَن. قوله: ((وشُرَيح والشَّعْبي)) أي: قالا بخيار المجلس، وهذا وَصَله سعيد بن منصور(١) عن هُشَيم عن محمد بن علي، سمعت أبا الضُّحى يُحدِّث: أنَّه شَهِدَ شُرَيحاً واختَصَمَ إليه رجلان، اشترى أحدهما من الآخر داراً بأربعة آلافٍ فأوجَبَها له، ثمَّ بَدَا له في بيعها قبلَ أن يُفارقَ صاحبَها، فقال: لا حاجةَ لي فيها، فقال البائع: قد بعتُك فأوجبت لك، فاختَصَما إلى شُرَيحِ، فقال: هو بالخيار ما لم يَتفرَّقا. قال محمد: وشَهِدتُ الشَّعْبي قضى بذلك. وروى ابن أبي شَيْبة(٢) (٧/ ١٢٦) عن وكيع عن شُعْبة عن الحكم عن شُرَيحِ، قال: البَيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا، وعن جَرِيرٍ عن مغيرةَ عن الشَّعْبي: أنَّه أَتي في رجلٍ اشترى من رجلٍ بِرْذَوناً، فأراد أن يَرُدَّه قبلَ أن يَتَفرَّقا، فقضى الشَّعْبي: أنَّه قد وَجَبَ البيع، فشَهِدَ عنده أبو الضُّحى أنَّ شُرَيحاً أُتي في مثل ذلك فرَدَّه على البائع، فرَجَعَ الشَّعْبي إلى قول شُرَيحٍ. قوله: ((وطاووس)) قال الشافعي في ((الأُمّ)) (٥/٣): أخبرنا ابن عُيَينَةَ عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال: خَيَّرَ رسول الله ◌ِ ◌ّ رجلاً بعد البيع. قال: وكان أَبي يَحِلِفُ ما الخيارُ إلَّا بعد البيع. (١) ومن طريقه أخرجه ابن حزم في ((المحلّ)) ٣٥٤/٨. (٢) وهو عند عبد الرزاق أيضاً (١٤٢٧١)، وابن أبي شيبة ١٢٦/٧ من طريق الشعبي عن شُريح. ٨٣ باب ٤٤ / ح ٢١١٠ كتاب البيوع قوله: ((وعطاء وابن أبي مُلَيكةَ)) وَصَلَهما ابن أبي شَيْبة (٧/ ١٢٥) عن جَرِير عن عبد العزيز ابن رُفَيع عن ابن أبي مُلَيكة وعطاء قالا: البيِّعان بالخيار حتَّى يَتَفرَّقا عن رِضاً. ونقل ابن المنذر القولَ به أيضاً عن سعيد بن المسيّب والزّهْري وابن أبي ذِئبٍ من أهل المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن ◌ُرَيج وغيرهم، وبالَغَ ابن حَزْمِ فقال: لا نَعلم لهم مخالفاً من التابعين إلَّا النَّخَعي وحدَه وروايةً مكذوبةً عن شُرَيحِ، والصحيح عنه القولُ به، وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجّاج عن الحكم عن شُرَيحِ، قال: إذا تكلَّمَ الرجلُ بالبيع فقد وَجَبَ البيع، وإسناده ضعيفٌ لأجل حجّاجِ، وهو بن أَرْطاة. ٢١١٠ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا حَبّانُ بن هلالٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: قَتَادُ أخبرني، عن صالحٍ أبي الخليلِ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ، قال: سمعتُ حَكِيمَ بنَ حِزَامِ ظُ، عن النبيِّ وَلِِّ قال: ((البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتفرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنَا بُورِكَ لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَتِ بَرَكَةُ بَيعِهما)». قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) قال أبو عليّ الجَيَّاني: لم أرَه منسوباً في شيءٍ من الروايات، ولعلَّه إسحاق بن منصور، فإنَّ مسلماً روى عن إسحاق بن منصور عن حَبّانَ بن هلالٍ(١). قلت: قد رأيته منسوباً في رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبْري في هذا الحديث: إسحاق بن منصور، ولم أرَه في ((مُسنَد إسحاق بن راهويه)) من روايته عن حَبّان، فقَوِيَ ما قال أبو عليٍّ رحمه الله، ثمَّ رأيت أبا نُعيم استَخرَجَه من طريق إسحاق بن راهويه عن حَبّانَ، وقال: أخرجه البخاري عن إسحاق، فالله أعلم. قوله: ((حَبّان بن هلال)) هو بفتح الحاءِ بعدَها موخَّدةٌ ثقيلةٌ. قوله: ((حدَّثْنَا شُعْبةٍ)) سيأتي بعد بابٍ (٢١١٤) من هذا الوجه: عن همَّامٍ، بدلَ شُعْبة، (١) وقد رمز المزي في ((تهذيب الكمال)) أيضاً في ترجمة إسحاق بن منصور في روايته عن حبّان بن هلال برمز البخاري، وكذلك في ترجمة حبان في رواية إسحاق بن منصور عنه، ولم يذكر غیرَه أصلاً. ٨٤ باب ٤٤ / ح ٢١١١ فتح الباري بشرح البخاري وهو محمولٌ على أنَّه كان عند حَبّانَ عن شيخَين حدَّثاه به عن شیخٍ واحدٍ. قوله: ((ما لم يَتَفَرَّقا)) في رواية همَّامِ الماضية (٢١٠٨) قبل بابٍ: «ما لم يَفْتَرِقا»، وفي رواية سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، وعن عطاء عن ابن عبّاس مرفوعاً: «ما لم يُفارقه صاحبه، فإن فارقَه فلا خيار له))(١). وقد اختلفَ القائلونَ بأنَّ المراد أن يَتفرَّقا بالأبدان، هل للتفرُّق المذكور حَدٌّ ينتهي إليه؟ والمشهور الراجحُ من مذاهب(٢) العلماءِ في ذلك: أنَّه موكولٌ إلى العُرف، فكلُّ ما عُدَّ في العُرفِ تَفرُّقاً حُكِمَ به، وما لا فلا، والله أعلم. قوله: ((فإن صَدَقا وبيَّنًا)) أي: صَدَقَ البائعُ في إخبار المشتري مثلاً وبيَّن العیبَ إن كان في السِّلعة، وصَدَقَ المشتري في قَدْر الثَّمَن مثلاً وبيَّن العيب إن كان في الثَّمَن، ويحتمل أن يكون الصِّدقُ والبيانُ بمعنَّى واحدٍ، وذكرُ أحدِهما تأكيدٌ للآخر. قوله: ((يُحِقَت بَرَكةُ بيعِهما)) يحتمل أن يكون على ظاهره، وأنَّ شُؤمَ التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمَحَقَ بَرَكَتَه، وإن كان الصادقُ مأجوراً والكاذبُ مأزُوراً. ويحتمل أن يكون ذلك مُخْتَصّاً بمن وقع منه التدليس والعيبُ دونَ الآخر، ورَجَّحَه ابن أبي جَمْرة. وفي الحديث فضلُ الصِّدق والحثُّ عليه، وذُّ الكذبِ والحثُّ على منعِه، وأنَّه سببٌ الذهاب البَرَكة، وأنَّ عمل الآخرة يُحصِّلُ خيرَ الدُّنيا والآخرة. ٢١١١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّه قال: ((المتبابِعانِ كلّ واحدٍ منهما بالخِيَارِ على صاحبِهِ، ما لم يَتفَّقا إلا بِيعَ الخیارِ)). قوله: «إلَّا بیجَ الخیار» أي: فلا يحتاج إلى التفرُّق كما سيأتي شرحُه في الباب الذي يليه. ٣٣٠/٤ (١) حديثا ابن عمر وابن عباس أخرجهما ابن حبان (٤٩١٤) و(٤٩١٥)، والدار قطني (٢٨٠٦)، والحاكم ١٤/٢، والبيهقي ٢٧٠/٥. (٢) في (س): مذهب. ٨٥ باب ٤٤ / ح ٢١١١ كتاب البيوع وفي رواية أيوبَ عن نافع (٢١٠٩) في الباب الذي قبله: «ما لم يَتفرَّقا أو يقولُ أحدُهما لصاحبِهِ: اختَرَ))، وهو ظاهرٌ في حَصْر لُزومِ البيع بهذين الأمرَين، وفيه دليلٌ على إثبات خيار المجلسِ، وقد مضى قبلُ ببابٍ أنَّ ابن عمر حَمَله على التفرُّق بالأبدان، وكذلك أبو بَرْزةَ الأسلمي، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ من الصحابة. وخالَفَ في ذلك إبراهيم النَّخَعي فروى ابن أبي شَيْبةَ (١٢٨/٧) بإسناد صحيح عنه قال: البيعُ جائزٌ وإن لم يَتَفرَّقا، ورواه سعيد بن منصور (١) عنه بلفظ: إذا وَجَبَت الصَّفْقَةُ فلا خيار، وبذلك قال المالكيةُ إلَّا ابن حَبيبٍ والحنفيَّةُ كلهم، قال ابن حَزْم: لا نَعلَمُ لهم سَلَفاً إلَّا إبراهيمَ وحدَه. وقد ذهبوا في الجواب عن حديثَي الباب فِرَقاً: فمنهم من رَدَّه لكونِه مُعارضاً لما هو أقوى منه، ومنهم من صَحَّحَه ولكن أوَّله على غير ظاهره، فقالت طائفةٌ منهم: هو منسوخٌ بحديث: ((المسلمونَ على شروطِهِم)(٢)، والخيارُ بعد لُزومِ العقد يُفسِدُ الشَّرط، وبحديث التحالُفِ عند اختلاف المتبابِعَينِ (٣)، لأنه يقتضي الحاجةَ إلى اليمين وذلك يَستَلِزِمُ لُزومَ العقد، ولو ثبت الخيارُ لكان كافياً في رفع العقد، وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والإشهاد إن وقع بعد التفرّق لم يطابق الأمر وإن وقع قبلَ التفرّق لم يُصادف مَحَلًّا. ولا حُجّةَ في شيءٍ من ذلك لأنَّ النَّسْخَ لا يَتْبُتُ بالاحتمال، والجمعُ بين الدَّليلَين مَهما أمكَنَ لا يُصارُ معه إلى الترجيح، والجمعُ هنا تُمكِّنٌ بين الأدلّة المذكورة بغير تَعسُّفٍ ولا تكلُّفٍ. وقال بعضُهم: هو من رواية مالكٍ وقد عَمِلَ بخلافه، فدَلَّ على أنَّه عارضَه ما هو (١) ومن طريقه أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) ٨/ ٣٥٥. (٢) سيأتي تخريجه والكلام عليه في كتاب الإجارة: ١٤ - باب أجر السمسرة. (٣) يعني به حديث: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعَينها تحالفا وترادًا)) قال ابن حزم في ((المحلى)) ٣٦٩/٨: هذا لا يوجد أبداً لا في مرسل ولا في مسندٍ، لا في قوي ولا ضعيف، ونقل نحوه الحافظ في ((التلخيص)) ٣١/٣ عن الرافعى، قال الحافظ: أما رواية الترادِّ فرواها مالك ٦٧١/٢ بلاغاً عن ابن مسعود، ورواها أحمد (٤٤٤٥) و(٤٤٤٦)، والترمذي، وابن ماجه (٢١٨٦) بإسناد منقطع. وانظر تمام كلام الحافظ في ((التلخيص)). قلنا: رواية الترمذي (١٢٧٠) ليس فيها ذكر التراد. ٨٦ باب ٤٤ / ح ٢١١١ فتح الباري بشرح البخاري أقوى منه، والراوي إذا عَمِلَ بخلاف ما روى دلَّ على وَهْن المروي عنده. وتُعُقِّبَ بأنَّ مالكاً لم يَتَفَرَّد به، فقد رواه غيره وعَمِلَ به وهم أكثرُ عَدَداً روايةً وعملاً، وقد خَصَّ كثيرٌ من مُحُقِّقي أهل الأُصول الخلافَ المشهورَ - فيما إذا عَمِلَ الراوي بخلاف ما روى - بالصحابة دونَ مَن جاء بعدَهم، ومن قاعدتهم أنَّ الراوي أعلمُ بما روى، وابن عمرَ هو راوي الخبر وكان يُفارقُ إذا باع ببَدَنِهِ فاتِّباعُه أولى من غيره. وقالت طائفةٌ: هو مُعارَضٌ بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التِّين عن أشهَبَ بأنَّه ◌ُخالفٌ لعمل أهل مكّةَ أيضاً. وتُعُقِّبَ بأنَّه قال به ابن عمرَ ثمَّ سعيد بن المسيّبِ، ثمَّ الُّهْري، ثمَّ ابن أبي ذِئبٍ كما مضى، وهؤلاءِ من أكابر علماءِ أهل المدينة في أعصارهم، ولا يُحِفَظُ عن أحدٍ من علماءِ المدينة القولُ بخلافه سوى عن رَبيعةَ. وأمَّا أهلُ مكّةَ فلا يُعرفُ عن (١) أحدٍ منهم القولُ بخلافه، فقد سَبَقَ عن عطاءٍ وطاووس وغيرهما من أهل مكّة. وقد اشتَدَّ إنكارُ ابن عبد البَرِّ وابن العربي على من زَعَمَ من المالكية أنَّ مالكاً تَرَكَ العملَ به لكون عمل أهل المدينة على خلافه، قال ابن العربي: إنَّما لم يأخُذ به مالكٌ لأنَّ وقتَ التفُرُّق غيرُ معلومٍ فأشبَهَ بيوعَ الغَرَر كالملامسة. وتُعُقِّبَ بأنَّه يقول بخيار الشَّرط ولا يَحُدُّه بوقتٍ مُعيٍَّ، وما اذَّعاه من الغَرَر موجودٌ فيه، وبأنَّ الغَرَرَ في خيار المجلسِ معدومٌ، لأنَّ كلَّ منهما مُتمكِّنٌ من إمضاءِ البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غَرَر. وقالت طائفةٌ: هو خبرُ واحدٍ فلا يُعمَلُ به إلَّا فيما تَعُمُّ به البَلْوى. ورُدَّ بأنَّه مشهورٌ فيُعْمَلُ به، كما ادَّعَوْا نظيرَ ذلك في خبر القَهقَهة في الصلاة وإيجاب الوتر. وقال آخرون: هو ◌ُالفٌ للقياس الجليّ في إلحاق ما قبل التفرُّق بما بعده. وتُعُقِّبَ بأنَّ القیاسَ مع النصِّ فاسدُ الاعتبار. وقال آخرون: التفرُّقُ بالأبدان محمولٌ على الاستحباب تحسيناً للمُعامَلة مع المسلم لا على الوجوب. (١) لفظة ((عن)) سقطت من (س). ٨٧ باب ٤٤ / ح ٢١١١ كتاب البيوع وقال آخرون: هو محمولٌ على الاحتياط للخروج من الخلاف. وكلاهما على خلاف الظّاهر. وقالت طائفةٌ: المراد بالتفرّق في الحديث: التفرُّقُ بالكلام كما في عَقْد النكاح والإجارة والعِتق، وتُعُقِّبَ بأنَّه قياسٌ مع ظهور الفارقِ، لأنَّ البيعَ يُنقَلُ فيه مِلكُ رَقَبة المَبِيع ومنفعَتُه بخلاف ما ذُكر. وقال ابن حَزْمِ: سواءٌ قلنا: التفرُّقُ بالكلام أو بالأبدان، فإنَّ خيار المجلس بهذا الحديث ثابتٌ، أمَّا حيثُ قلنا: / التفرُّق بالأبدان، فواضحٌ، وحيثُ قلنا: بالكلام، فواضح أيضاً، لأنَّ ٣٣١/٤ قول أحد المتبابِعَين مثلاً: بِعتُكَه بعشرةٍ، وقول الآخر: بل بعشرين مثلاً افتراقٌ في الكلام بلا شَكٍّ، بخلاف ما لو قال: اشتريته بعشرةٍ، فإنَّهما حينئذٍ متوافقان، فيَتَعيَّنُ ثبوتُ الخيار لهما حين يَتَّفِقان لا حين يفترقان(١)، وهو المدَّعى. وقيل: المراد بالمتبابِعَينِ: المتساوِمان. ورُدَّ بأنَّه مَجَازٌ، والحملُ على الحقيقة أو ما يَقرُبُ منها أَولى، واحتَجَّ الطَّحاوي بآياتٍ وأحاديثَ استَعملَ فيها المجازَ، وقال: من أنكَرَ استعمالَ لفظ البائعِ في السائمِ فقد غَفَلَ عن اتِّساع اللُّغة. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يَلزَمُ من استعمال المجاز في موضعٍ طَردُه في كلِّ موضع، فالأصلُ من الإطلاق الحقيقة حتَّى يقوم الدَّليل على خلافه. وقالوا أيضاً: وقت التفرُّق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتُك هذا بكذا، وبین قول المشتري: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: اشتريت أو تَرْكِه، والبائع بالخيار إلى أن يوجِبَ المشتري، وهذا (٢) حكاه الطَّحاوي عن عيسى بن أبانَ منهم، وحكاه ابن خُوَيزِ مَنْداد عن مالكِ. قال عيسى بن أبان: وفائدته تَظهَرُ فيما لو تَفرَّقا قبل القَبُول فإنَّ القَبُولَ يَتَعَذَّر. وتُعُقِّبَ بأنَّ تَسميتَهما مُتبايِعَين قبلَ تمام العقد مَجَازٌ أيضاً. وأُجِيبَ بأنَّ تَسميتَهما مُتبابِعَين بعد تمام العقد مجازٌ أيضاً، لأنَّ اسمَ الفاعل في الحال حقيقةٌ وفيما عداه مَجَازٌ، فلو كان الخيارُ بعد (١) في (س): يتفرقان. (٢) في (س): وهكذا. ٨٨ باب ٤٤ / ح ٢١١١ فتح الباري بشرح البخاري انعِقاد البيعِ لكان لغير البيِّعَينِ، والحديث يَرُدُّه فَتَعيَّنَ حَملُ التفرّق على الكلام. وأُجيبَ بأنَّه إذا تَعذَّرَ الحمْلُ على الحقيقة تَعيَّنَ المجاز، وإذا تَعارضَ المجازان فالأقرَبُ إلى الحقيقة أولى. وأيضاً فالمتبايعان لا يكونان مُتبابِعَين حقيقةً إلَّا في حين تَعاقُدِهما، لكنَّ عَقدَهما لا يَتِمُّ إلَّا بأحد أمرَينِ: إمَّا بإبرام العقد أو التفرُّق على ظاهر الخبر، فصََّ أنَّهما مُتَعاقدان ما داما في مَجَلِس العقد، فعلى هذا تَسميتُهما مُتبابِعَين حقيقةٌ بخلاف حَمْل المتبابِعَين على المتساوِمَين فإنَّه مَجَازٌ باتِّفاقٍ. وقالت طائفةٌ: التفرُّقُ يقع بالأقوال كقوله تعالى: ﴿ وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّمِنْ سَعَتِهِ،﴾ [النساء: ١٣٠]. وأُجيبَ بأنَّه سُمِّيَ بذلك لكونِه يُفضي إلى التفرُّق بالأبدان. قال البيضاوي: ومن نَفَى خيار المجلس ارتَكَبَ مَجَازَين: بحَمْلِه التفرُّقَ على الأقوال، وَمْلِه المتبابِعَين على المتساوِمَين، وأيضاً فكلامُ الشارعِ يُصانُ عن الحمْل عليه، لأنه يصيرُ تقديرُه: إنَّ المتساوِمَين إن شاءا عَقَدا البيع، وإن شاءا لم يَعِداه وهو تحصيلُ الحاصلِ، لأنَّ كلَّ أحد يَعرِف ذلك، ويقال لمن زَعَمَ أنَّ التفرُّقَ بالكلام: ما هو الكلامُ الذي يقع به التفرّق، أهو الكلامُ الذي وقع به العقدُ أم غيره؟ فإن كان غيرَه فما هو، فليس بين المتعاقدَين كلامٌ غيرُه؟ وإن كان هو ذلك الكلامَ بعَينِهِ لَزِمَ أن يكونَ الكلامُ الذي اتَّفقا عليه وتَمَّ بيعُهما به هو الكلامُ الذي افتَرَقا به وانفسَخَ بیعُهما به، وهذا في غاية الفساد. وقال آخرونَ: العملُ بظاهر الحديث مُتَعذِّرٌ فِيَتَعيَّنُ تأويلُه، وبيانُ تَعذُّره: أنَّ المتبايِعَين إن اتَّفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يَتْبُت لواحدٍ منهما على الآخر خيارٌ، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخِ والإمضاءِ جمعٌ بين النِّقْيضَين وهو مُستَحيلٌ. وأُجيبَ بأنَّ المراد أنَّ لكلٍّ منهما الخيار في الفسخ، وأمَّا الإمضاءُ فلا احتياجَ إلى اختياره فإنَّه مُقتَضى العقد، والحال يُفضي إليه مع السُّكوت بخلاف الفسخ. وقال آخرون: حديث ابن عمر هذا وحَكيم بن حِزَام مُعارَضٌ بحديث عبد الله بن ٨٩ باب ٤٤ / ح ٢١١١ كتاب البيوع عَمْرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود (٣٤٥٦) وغيرُه من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه مرفوعاً: ((البيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا إلَّا أن تكون صَفْقَةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ له أن يُفارقَ صاحبَه خَشْية أن يَستَقيلَه)). قال ابن العربي: ظاهرُ هذه الزّيادة مُخالفٌ لأوَّل الحديث في الظّاهر، فإن تأوَّلوا الاستقالةَ فيه على الفسخ تأوَّلْنا الخيار فيه على الاستقالة، وإذا تَعارضَ التأويلان فُزِعَ إلى الترجيح، والقیاسُ في جانبِنا. وتُعُقِّبَ بأنَّ حَملَ الاستقالة على الفسخِ أوضحُ من حمل الخيار على الاستقالة، لأنه لو كان المراد حقيقةً الاستقالة لم تَنَعْه من المفارقة،/ لأنها لا تَخْتَصّ بمَجلِسِ العقد، وقد أثبَتَ ٣٣٢/٤ في أوَّل الحديث الخيار ومَدَّه إلى غاية التفرُّق، ومن المعلوم أنَّ مَن له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتَعيَّنَ حَملُها على الفسخ، وعلى ذلك حَله التِّرمِذي (١٢٤٧) وغيرُه من العلماء فقالوا: معناه لا يَحِلّ له أن يُفارقَه بعد البيعِ خَشْيَةَ أن يختار فسخ البيع، لأنَّ العربَ تقولُ: استَقَلتُ ما فاتَ عنّي: إذا استَدرَكَه، فالمراد بالاستقالة فسخُ النادم منهما للبيع. وحَمَلوا نفيَ الحِلٌّ على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحُسن مُعاشرة المسلم، إلّا أنَّ اختيار الفسخِ حرامٌ. قال ابن حَزْمِ: احتجاجُهم بحديث عَمْرو بن شعيبٍ على التفرُّق بالكلام لقوله فيه: ((خَشْيَةَ أن يَستَقيله)) لكون الاستقالة لا تكونُ إلَّا بعد تمام البيع، وصِحّة انتِقال المِلك تَستَلِمُ أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له، لأنه يَلزَم من حَمل التفرّق على القول إباحةٌ المفارقة، خَشِ أن يَستَقيله أو لم يَخْشَ. وقال بعضهم: التفرُّق بالأبدان في الصَّرف قبل القبض يُبطِل العقد، فكيف يُثبِتُ العقدَ ما يُبطِلُهُ؟ وتُعُقِّبَ باختلاف الجهة وبالمعارضة بنظيره، وذلك أنَّ النَّقْدَ وتركَ الأجَل شرطٌ لِصِحّة الصَّرف، وهو يُفْسِدُ السَّلَمَ عندهم. واحتَجَّ بعضُهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين (٢١١٥) في قصَّة البَكْرِ الصَّعْبِ، ٩٠ باب ٤٤ / ح ٢١١١ فتح الباري بشرح البخاري وسيأتي توجيهُه وجوابُه. واحتَجَّ الطَّحاوي بقول ابن عمر: ما أدرَكتِ الصَّفقةُ حيّاً مجموعاً فهو من مال المبتاع. وتُعُقِّبَ بأَّهم يُخالفونَه، أمَّا الحنفيَّةُ فقالوا: هو من مال البائع ما لم يَرَهُ المبتاعُ أو يَنقُلْه. والمالكيةُ قالوا: إن كان غائباً غَيبةً بعيدةً فهو من البائع، وبأنه لا حُجّةَ فيه لأنَّ الصَّفقةَ فيه محمولةٌ على البيع الذي انبَرَمَ لا على ما لم يَنْبَرِم، جمعاً بين كلامَيه. وقال بعضهم: معنى قوله: ((حتَّى يَتفرَّقا)) أي: حتَّى يَتوافقا، يقال للقومِ: على ماذا تَفارقتُم؟ أي: على ماذا اتَّفَقُم؟ وتُعُقِّبَ بما وَرَدَ في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه، ولا سِيّما في طريق الليث الآتية (٢١١٢) في الباب الذي بعد هذا. وقال بعضهم: حديث: ((البيِّعان بالخيار)) جاء بألفاظٍ مُخْتَلِفةٍ فهو مُضطرِبٌ لا يُحْتَجِّ به. وتُعُقِّبَ بأنَّ الجمعَ بين ما اختلفَ من ألفاظِهِ تُمكِنٌ بغير تكلُّفٍ ولا تَعسُّفٍ فلا يَضُرُّه الاختلاف، وشرطُ المضطرِبِ أن يَتَعذَّرَ الجمعُ بين مُخْتَلِف ألفاظِهِ وليس هذا الحدیثُ من ذلك. وقال بعضهم: لا يَتعيَّنُ حَمَلُ الخيار في هذا الحديث على خيار الفَسْخِ، فلعلَّهِ أُريدَ به خيار الشِّراء أو خيار الزّيادة في الثَّمن أو المُثْمَن. وأُجيبَ بأنَّ المعهود في كلامه ،وَلِّ حيثُ يُطلِقُ الخيارَ إرادةُ خيار الفسخ كما في حديث المصرّاة (١)، وكما في حديث الذي يُحْدَعُ في البيوعِ(٢)، وأيضاً فإذا ثبت أنَّ المراد بالمتبايِعَينِ المتعاقدان فبَعْد صُدور العقد لا خيارَ في الشِّراءِ ولا في الثَّمَن. وقال ابن عبد البَرِّ: قد أكثرَ المالكيةُ والحنفيَّةُ من الاحتجاج لرَدِّ هذا الحديث بما يطولُ ذكرُه، وأكثرُه لا يَحَصُلُ منه شيءٌ. وحكى ابن السَّمْعاني في ((الاصطِلام)) عن بعض الحنفيَّة، قال: البيع عَقدٌ مشروعٌ (١) سيأتي برقم (٢١٤٨). (٢) سيأتي برقم (٢١١٧). ٩١ باب ٤٥ / ح ٢١١٢ كتاب البيوع بوَصفٍ وحُكمٍ، فوَصفُه اللُّزومُ، وحُكمُه المِلك، وقد تَمَّ البيعُ بالعقد فَوَجَبَ أن يَتِمَّ بوَصِفِه وحُكمِه، فأمَّا تأخيرُ ذلك إلى أن يَفتَرِقا فليس عليه دليل، لأنَّ السبب إذا تَمَّ يفيدُ حُكمَه، ولا يَنتَفي إلَّا بعارضٍ، ومن اذَّعاه فعليه البيان. وأجاب أنَّ البيعَ سببٌ للإيقاع في النَّدَمِ، والنَّدَمُ يُحوِج إلى النَّظَرِ فأثْبَتَ الشارعُ خيار المجلسِ نظراً للمُتَعاقدَين ليسلَما من النَّدَم، ودليلُه خيار الرُّؤية عندهم وخيار الشَّرط عندنا. قال: ولو لَزِمَ العقدُ بوَصِفِه وحُكمِه لَمَا شُرِعَت الإقالةُ، لكنَّهَا شُرِعَت نظراً للمُتَعاقدَين، إلَّا أنَّهَا شُرِعَت لاستدراك نَدَمِ يَنفَرِدُ به أحدُهما فلم تجبْ، وخِيارُ المجلسِ شُرِعَ لاستدراك نَدَمِ يشترِكان فيه فوَجَبَ. ٤٥ - بابٌ إذا خَيّر أحدُهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البیعُ ٢١١٢ - حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن رسولِ الله وَّ أنَّه قال: ((إذا تبايَعَ الرجلان فكلّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يَتَفرَّقا، وكانا جَمِيعاً، أو يُخيٌّ ٣٣٣/٤ أحدُهما الآخَرَ، فتبايَعا على ذلكَ فقد وَجَبَ البيعُ، وإن تَفرَّقا بعدَ أن تبايَعا، ولم يَترُْ واحدٌ منهما البیعَ، فقد وَجَبَ البيئُ». قوله: ((باب إذا خَيَّر أحدُهما صاحبَه بعد البيع)) أي: وقبلَ التفرُّق ((فقد وَجَبَ البيع)) أي: وإن لم يَتفرَّقا. أورَدَ فيه حديث ابن عمر من طريق الليث عن نافع بلفظ: ((إذا تبايَعَ الرجلان فكلّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يَتَفرَّقا)) أي: فيَنقَطِعُ الخيار، وقوله: ((وكانا جميعاً)) تأكيدٌ لذلك. وقوله: ((أو يُخيِّرِ أحدهما الآخر)) أي: فيَنقَطِع الخيار. وقوله: ((فتبايَعا على ذلك فقد وَجَبَ البيع)) أي: وبَطَلَ الخيار. وقوله: ((وإن تَفرَّقا بعد أن تبايَعا، ولم يَترُك أحدٌ منهما البيع)) أي: لم يَفْسَخه (فقد وَجَبَ البيع)) أي: بعد التفرُّق، وهذا ظاهرٌ جدّاً في انفِساخ البيعِ بفسخ أحدهما، قال الخطَّابي: هذا أوضحُ شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو مُبطِلٌ لكلِّ تأويلِ مُخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره: ((وإن تَفرَّقا بعد أن تبايَعا)) فيه البيان الواضح أنَّ التفرُّقَ بالبَدَن هو ٩٢ باب ٤٥ / ح ٢١١٢ فتح الباري بشرح البخاري القاطع للخيار، ولو كان معناه التفرُّقَ بالقول لَخَلا الحديثُ عن فائدةٍ، انتهى. وقد أقدَمَ الدَّاوودي على رَدِّ هذا الحديث المتَّفَق على صِحَّته بما لا يُقبَلُ منه، فقال: قول الليث في هذا الحديث: ((وكانا جميعاً ... )) إلى آخره، ليس بمحفوظٍ، لأنَّ مقام الليث في نافعٍ ليس كَمقام مالكِ ونُظَرائه. انتهى، وهو رَدٌّ لمَا اتَّفَقَ الأئمّة على ثبوته بغير مُستَنَدٍ، وأيُّ لَومٍ على من روى الحديث مُفسِّراً لأحد مُتَمَلاته حافظاً من ذلك ما لم يَحِفَظه غيرُه مع وقوع تعدُّد المجلس، فهو محمولٌ على أنَّ شيخَهم حدَّثَهم به تارةً مُفسَّراً وتارةً مُختصَراً. وقد اختلفَ العلماءُ في المراد بقوله في حديث مالك: ((إلَّا بيعَ الخيار))، فقال الجمهور وبه جَزَمَ الشافعي: هو استثناءٌ من امتداد الخيار إلى التفرُّق، والمراد أنَّما إن اختارا إمضاءَ البيعِ قبلَ التفرُّق لَزِمَ البيعُ حينئذٍ وبَطَلَ اعتبار التفرّق، فالتقدير: إلَّا البيع الذي جرى فيه التخايُر، قال النَّووي: اتَّفقَ أصحابُنا على ترجيح هذا التأويل، وأبطَلَ كثيرٌ منهم ما سواه وغَلَّطوا قائله. انتهى، ورواية الليث ظاهرةٌ جدّاً في ترجيحِه. وقيل: هو استثناءٌ من انقطاع الخيار بالتفرُّق. والمراد(١) بقوله: ((أو يُخِيِّرِ(٢) أحدُهما الآخر)) أي: فيشترِط الخيار مُدّةً مُعيَّنَةً فلا ينقضي الخيار بالتفرُّق بل يبقى حتَّى تمضي المدّةُ، حكاه ابن عبد البَرِّ عن أبي ثَوْرٍ. ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّه أقلُّ في الإضمار، وتُعيِّنُه روايةُ النَّسائي (٤٤٦٧) من طريق إسماعيل - قيل: هو ابن أُميّةَ وقيل غيره - عن نافع بلفظ: ((إلّا أن يكون البيعُ كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار وَجَبَ البيع)». وقيل: هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو يُخيِّر أحدهما الآخر فيختار في خيار المجلس، فيَنتَفي الخيار، وهذا أضعَفُ هذه الاحتمالات. وقيل: قوله: ((إلَّا أن يكون بيعَ خيارٍ)) أي: هما بالخيار ما لم يَتفرَّقا إلّا أن يَتَخايَرا ولو قبلَ (١) في (س): ((وقيل: المراد)) وهو خطأ، لأنه أراد بيان المعنى المترتب على القول بأنه استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق. (٢) تحرف في (س) إلى: يفرّق. ٩٣ باب ٤٦ / ح ٢١١٣ - ٢١١٤ كتاب البيوع التفرُّقِ، وإلَّا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرُّق، وهو قولٌ يجمعُ التأويلَين الأوَّلَين، ويُؤيِّدُه رواية عبد الرزاق (١٤٢٦٥) عن سفيان في حديث الباب الذي يليه حيثُ قال فيه: ((إلَّا بيع الخيار أو يقول لصاحبِه: اختَر))(١)، إن حَلنا ((أو)) على التقسيم لا على الشكّ. تنبيه: قوله: ((أو يُخيِّرِ أحدهما الآخر)) بإسكان الراءِ (٢) من ((يُخيِِّ)) عطفاً على قوله: ((ما لم يَتَفرَّقا))، ويحتمل نصبَ الراءِ على أنَّ((أو)) بمعنى: ((إلَّا أن)) كما تقدَّم قريباً مثلُه (٢١٠٩) في قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبِه: اختَرْ)). ٤٦ - بابٌ إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ٢١١٣- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبد الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّم قال: ((كلُّ بِيِّعَينِ لا بيعَ بينَهما حتَّى يَتَفرَّقا، إلا بيعَ الخِيار)). ٢١١٤- حدَّثني إسحاقُ، أخبرَنا حَبّانُ، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، عن أبي الخليلِ، عن ٣٣٤/٤ عبد الله بنِ الحارثِ، عن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ عَّهِ، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((البيِّعان بالخِيَار حتَّى يَتَفرَّقا - قال همَّامٌ: وجدتُ في كتابي: يختارُ ثلاثَ مِرارٍ - فإن صَدَقا وبيَّنَا، بُورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما، فعَسى أن يَربَحا رِبحاً ويُمحَقا بَرَكةَ بيعِهما)). قال: وحدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا أبو التَّاحِ: أنَّه سمعَ عبد الله بنَ الحارثِ يُحدِّثُ بهذا الحديثِ، عن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ، عن النبيِّ ◌َّ. قوله: ((بابٌ إذا كان البائعُ بالخيار هل يجوزُ البيع)) كأنَّه أراد الردّ على من حَصَرَ الخيار في المشتري دون البائع، فإنَّ الحدیث قد سَوّی بينهما في ذلك. قوله: ((كلُّ بِيِّعَينٍ)) بتشديد التحتانية. قوله: ((لا بیعَ بینھما)» أي: لازمٌ. قوله: ((حتَّى يَتفرَّقا) أي: فيَلزَمُ البيعُ حينئذٍ بالتفرُّقِ. (١) قوله: ((أو يقول لصاحبه: اختر)) لم ترد في مطبوع ((المصنف))، ولا في أصله الخطي الذي بين أيدينا. (٢) وضبطت في اليونينية بالرفع. ٩٤ باب ٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إلَّا بيعَ الخيار)) أي: فيَلزَمُ باشتراطه كما تقدَّم البحثُ فيه (١)، وظاهرُه حَصرُ لُزوم البيعِ في التفُرُّق أو في شرط الخيار، والمعنى أنَّ البيع عَقدٌ جائزٌ، فإذا وُجِدَ أحدُ هذين الأمرَين كان لازماً. قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن منصور، وحَبّان: هو ابن هلالٍ. قوله: ((حتَّى يَتفرَّقا)) في رواية الكُشْمِيهني: ((ما لم يَتَفَرَّقا)». قوله: ((قالَ همَّامٍ: وجدت في كتابي: يختار ثلاثَ مِرارٍ)) أشار أبو داود (٣٤٥٩) إلى أنَّ هَمَّاماً تفرَّد بذلك عن أصحاب قَتَادة، ووقع عند أحمد (١٥٣٢٤) عن عَفّان، عن هَمَّام قال: وجدت في كتابي الخيار ثلاث مِرار، ولم يُصرِّح همَّامٌ بمن حدَّثَه بهذه الزيادة، فإن ثبتت فهي على سبيل الاختيار. وقد أخرجه الإسماعيلي مِن وجه آخر عن حَبّانَ بن هلالٍ، فذكر هذه الزّيادةَ في آخر الحديث. قوله: ((وحدَّثنا همَّامٌ)) القائل هو حَبّان بن هلال المذكور، وقد تقدَّم قبل بابين (٢١٠٨) من وجه آخر عن همَّام، قال الكِرْماني: القائل هو حَبّان، فإن قيل: لمَ قال: حدّثنا، وقال قبلَ ذلك: قال همَّامٌ؟ فالجواب أنَّه حيثُ قال: ((قال)) كان سمع ذلك في المذاكرة، وحيثُ قال: «حدثنا)» سمع منه في مقام التحدیث. انتھی. وفي جَزْمِه بذلك نظرٌّ، والذي يَظهَرُ أَنَّه حيثُ ساقه بالإسناد عَبَّرَ بقوله: ((حدَّثنا))، وحيثُ ذكر كلامَ هُمَّامِ عَبَّرَ عنه بقوله: ((قال)). ٤٧- بابٌ إذا اشترى شيئاً فوَهَب من ساعته قبل أن يتفرّقا ولم ينكر البائع على المشتري، أو اشترى عبداً فأعتقه وقال طاووسٌ فيمَن يشتري السِّلعةَ على الرِّضا، ثمَّ باعَها: وجَبَت له والرِّبحُ له. قوله: «بابٌّ إذا اشترى شيئاً فوَهَبَ من ساعته قبلَ أن يَتفرَّقا ولم يُنكِرِ البائعُ على المشتري)» ٣٣٥/٤ أي: هل يَنقَطِعُ خيارُه بذلك؟ قال ابن المنيِّر: أراد البخاري إثباتَ خيار المجلسِ بحديث (١) في الباب السابق. ٩٥ باب ٤٧ كتاب البيوع ابن عمرَ ثاني حديثَي الباب، وفيه قِصَّتُه مع عثمان وهو بيِّنٌ في ذلك، ثمَّ خَشي أن يُعتَرَضَ عليه بحديث ابن عمر في قصَّة البعير الصَّعْبِ، لأنَّ النبي ◌َّ تَصَرَّفَ في البَكْر بنفسِ تمام العقد، فأسلَفَ الجوابَ عن ذلك في الترجمة بقوله: ((ولم يُنكِرِ البائع)) يعني أنَّ الهبة المذكورةَ إنَّما تَّت بإمضاءِ البائعِ وهو سكوتُه المنزَّلُ مَنِزِلَةَ قوله. وقال ابن التِّين: هذا تَعسُّفٌ من البخاري، ولا يُظَنُّ بالنبيِ وَ أَنَّه وَهَبَ ما فيه لأحدٍ خيارٌ ولا إنكارٌ، لأنه إنَّما بُعِثَ مُبيِّناً. انتهى، وجوابُه: أنَّه وَلَّه قد بيَّن ذلك بالأحاديث السابقة المصرِّحة بخيار المجلس، والجمع بين الحديثين مُمكِنٌ بأن يكون بعد العقد فارقَ عُمرَ بأن تقدَّمه أو تأخّرَ عنه مثلاً، ثمَّ وَهَب، وليس في الحديث ما يُثِبِتُ ذلك ولا ما يَنْفِيه، فلا معنى للاحتجاج بهذه الواقعة العينية في إبطال ما دَلَّت عليه الأحاديث الصَّريحة من إثبات خيار المجلس، فإنّها إن كانت مُتقدِّمةً على حديث: ((البيِّعان بالخيار)) فحديث: (البيِّعان)) قاضٍ عليها، وإن كانت مُتأخّرةً عنه ◌ُلَ على أنَّه وَِّ اكتَفى بالبيان السابق. واستُفيدَ منه أنَّ المشتري إذا تَصَرَّفَ في المبيع ولم يُنكِرِ البائعُ كان ذلك قاطعاً لخيار البائعِ كما فَهِمَه البخاري، والله أعلم. وقال ابن بطَّال: أجمعوا على أنَّ البائع إذا لم يُنكِرِ على المشتري ما أحدَثَه من الهبة والعِتق أنَّه بيعٌ جائزٌ، واختلفوا فيما إذا أنكَرَ ولم يَرضَ، فالذين يرونَ أنَّ البيع يَتِمُّ بالكلامِ دونَ اشتراط التفرُّق بالأبدان يجيزونَ ذلك، ومن يرى التفرُّقَ بالأبدان لا يجيزونَه والحديث حُجّةٌ عليهم. انتهى، وليس الأمرُ على ما ذكره من الإطلاق، بل فرَّقوا بين المبيعات، فاتَّفَقوا على منع بيعِ الطَّعام قبل قَبضِه كما سيأتي، واختلفوا فيما عَدَا الطَّعام على مذاهب: أحدُها: لا يجوزُ بيعُ شيءٍ قبلَ قَبضِه مُطلَقاً، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن. ثانيها: يجوز مُطلَقاً إلَّ الدُّور والأرض، وهو قول أبي حنيفةً وأبي يوسف. ثالثُها: يجوزُ مُطلَقاً إلَّ المكيلَ والموزونَ، وهو قولُ الأوزاعي وأحمد وإسحاق. رابعها: يجوز مُطلَقاً إلَّ المأكولَ والمشروبَ، وهو قول مالكٍ وأبي ثَوْر واختيارُ ابن المنذِر. ٩٦ باب ٤٧ / ح ٢١١٥-٢١١٦ فتح الباري بشرح البخاري واختلفوا في الإعتاق: فالجمهورُ على أنَّه يَصِحُّ الإعتاق ويصيرُ قَبضاً، سواءٌ كان للبائعِ حَقُّ الحَبْسِ بأن كان الثَّمَنُ حالًّا ولم يُدفَع أم لا، والأصحُّ في الوقف أيضاً صِحَّتُه، وفي الهبة والرَّهن خلافٌ، والأصُّ عند الشافعية فيهما أنَّهما لا يَصِحّان، وحديث ابن عمر في قصّة البعير الصَّعبِ حُجّةٌ لمُقابلِه، ويُمكِنُ الجوابُ عنه بأنَّه يحتمل أن يكون ابنُ عمر كان وكيلاً في القبضِ قبلَ الهبة، وهو اختيار البَغَوي، قال: إذا أذِنَ المشتري للمَوهوب له في قَبَضِ المبيعِ كَفى وتَمَّ البيع وحَصَلَت الهبةُ بعده، لكن لا يَلزَمُ من هذا اتّحادُ القابضِ والمُقِضِ، لأنَّ ابن عمر كان راكبَ البعير حينئذٍ، وقد احتُجَّ به المالكية والحنفيَّة في أنَّ القبضَ في جميع الأشياء بالتخلِية، وإليه أَوْماً(١) البخاري كما تقدَّم له في ((باب شِراء الدَّوابِّ والحُمُر)) (٢): إذا اشترى دابّةً وهو عليها، هل يكون ذلك قَبضاً؟ وعند الشافعية والحنابلة تكفي التخليةُ في الدُّور والأراضي وما أشبَهَها دونَ المنقولات، ولذلك لم يَجِزِم البخاري بالحكم بل أورَدَ الترجمةَ مَورِدَ الاستفهام. ٣٣٦/٤ وقال ابن قُدَامةَ: ليس في الحديث تصريحٌ بالبيع، فيحتمل أن يكون قول عمر: هو لك، أي: هبةً، وهو الظّاهرُ فإنَّه لم يَذكُر ثمناً. قلت: وفيه غَفْلةٌ عن قوله في حديث الباب: فباعه من رسول الله وَّة، وقد وقع في بعضٍ طرق هذا الحديث عند البخاري: فاشتراه، وسيأتي في الهبة (٢٦١٠)، فعلى هذا فهو بيعٌ، وكونُ الثَّمَن لم يُذكَر لا يَلزَمُ أن يكون هبةً مع التصريحِ بالشّراء، وكما لم يَذْكُرُ الثَّمَنَ يحتمل أن يكون القَبْض المشتَرَط وقع وإن لم يُنقَل. قال المحِبُّ الطَّبري: يحتمل أن يكون النبي وَّر ساقه بعد العقد كما ساقه أوَّلاً، وسَوقُه قَبِضٌ له لأنَّ قَبَضَ كلِّ شيءٍ بحَسَبِهِ. قوله: ((أو اشترى عبداً فأعتَقَه)) جعل المصنّف مسألةَ الهبة أصلاً الحَقَ بها مسألة العِتق لوجود النصِّ في مسألة الهبة دون العِتق، والشافعية نظروا إلى المعنى في أنَّ للعِتق قوّةً (١) في (س): مال. (٢) باب رقم (٣٤). ٩٧ باب ٤٧ / ح ٢١١٥ -٢١١٦ كتاب البيوع وِرايةً ليست لغيره، ومن ألحَقَ به منهم الهبةَ قال: إنَّ العِتَقَ إتلافٌ للمالية، والإتلافُ قَبضٌ، فكذلك الهبةُ، والله أعلم. قوله: «وقال طاووس فيمن يشتري السِّلعة على الرِّضا ثمَّ باعها: وَجَبَت له والرِّبحُ له)» وَصَله سعيد بن منصور وعبد الرزاق (١٤٢٧٥) من طريق ابن طاووس عن أبيه نحوه، وزاد عبد الرزاق: وعن مَعمَر عن أيوبَ عن ابن سِيرِين: إذا بعت شيئاً على الرِّضا، فإنَّ الخيار لهما حتَّى يَتفرَّقا عن رِضاً (١). ٢١١٥ - وقال الحُمَيديُّ: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمرُو، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: كنَّا مَعَ النبيِّ وَّهِ فِي سَفَرِ فكنتُ على بَكْرٍ صَعْبٍ لعُمرَ، فكان يَغْلِيُنِي فَتَقَدَّمُ أمامَ القومِ فَيَزْجُرُه عمرُ ويَرُدُّه، ثمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُه عمرُ ويَرُدُّه، فقال النبيُّ ◌َّهِ لعُمَرَ: ((بعنِيه)) قال: هو لكَ يا رسولَ الله، قال رسول الله وَّ: ((بِعْنِيه))، فباعَه من رسولِ الله ◌ِّهَ، فقال النبيُّ ◌َّ: «هو لكَ یا عبدَ الله بنَ عمرَ تَصنَعُ به ما شئتَ)). [طرفاه في: ٢٦١٠، ٢٦١١] ٢١١٦- قال أبو عبدِ الله: وقال اللَّيثُ: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ خالٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبد الله، عن عبد الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، قال: بِعتُ من أمِيرِ المؤمنينَ عثمانَ ابنِ عفّانَ مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبرَ، فلمَّا تبابَعنا رَجَعتُ على عَقِبَّ حتَّى خَرَجتُ من بيتِه خَشْيَةَ أن يُرادَني البيعَ. وكانتِ السُّنّةُ: أنَّ المتبايِعَينِ بالخِيَارِ حتَّى يَتَفرَّقا. قال عبدُ الله: فلمَّا وَجَبَ بيعي وبيعُه رأيتُ أنِّي قد غَبَتُه بأنّي سُقْتُه إلى أرضٍ ثَمُودَ بثلاثِ لَيالٍ، وساقَني إلى المدينةِ بثلاثِ لَيالٍ. قوله: ((وقال الحُمَيدي)) في رواية ابن عساكر بإسناد البخاري: قال لنا الحُميدي، وجَزَمَ الإسماعيلي وأبو نُعيم بأنَّه عَلَّقَه، وقد رُوِّيناه أيضاً موصولاً في ((مُسنَد الحُميدي)) (٦٧٤/ ٢) وفي ((مُستَخرَج الإسماعيلي))، وسيأتي من وجهٍ آخر عن سفيان في الهبة (٢٦١٠) موصولاً. (١) لم نجده في ((المصنف)) بهذا اللفظ، لكن جاء فيه برقم (١٤٢٧٨) بهذا الإسناد، بلفظ: إذا بعت شيئاً على الرضا ونَقَدَك الورق، فلا تخلطها بغيرها حتى تنظر أيأخذُ أم يَرُدُ؟ ٩٨ باب ٤٧ / ح ٢١١٥-٢١١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فِي سَفَر )) لم أقِفْ على تعيينِهِ. قوله: ((على بَكْرٍ)) بفتح الموخَّدة وسكون الكاف: ولدُ الناقة أوَّلَ ما يُركَب. قوله: ((صَعْبٍ)) أي: نَفُور. قوله: ((فباعه)) زاد في الهبة: فاشتراه النبي وَ﴿ ثمَّ قال: «هو لك يا عبد الله بن عمر تَصنَعُ به ما شئت)). وفي هذا الحديث ما كان الصحابةُ عليه من توقيرهم للنبي وَِّ، وأن لا يَتَقَدَّموه في المشي. وفيه جوازُ زَجْر الدَّواب، وأنّه لا يُشتَرَطُ في البيع عَرضُ صاحبِ السِّلعة سِلْعتَه، بل يجوز أن يُسألَ في بيعها. وجوازُ التصرُّفِ في المبيع قبل بَذْل الثَّمَن، ومُراعاةُ النبي ◌َّ أحوالَ الصحابة، وحِرصُه على ما يُدخِلُ عليهم السُّورَ. قوله: ((وقال الليث)) وَصَله الإسماعيلي(١) من طريق ابن زَنْجويه والرَّمَادي وغيرهما، وأبو نُعيم من طريق يعقوب بن سفيان، كلهم عن أبي صالح كاتبٍ الليث عن الليث به. وذكر البيهقي (٢٧١/٥) أنَّ يحيى بن بُکَیر رواه عن اللیث عن يونس عن الزُّهْري نحوه، ولیس ذلك بعِّةٍ، فقد ذكر الإسماعيلي أيضاً أنَّ أبا صالح رواه عن الليث كذلك، فَوَضَحَ أنَّللَِّثِ فيه شيخَين، وقد أخرجه الإسماعيلي أيضاً من طريق أيوبَ بن(٢) سُوَيدٍ، عن يونسَ، عن الزُّهْري. قوله: ((بعتُ من أمير المؤمنين عثمانَ بن عَفّان مالاً)) أي: أرضاً أو عَقاراً. قوله: ((بالوادي)) يعني: وادي القُرى. قوله: ((فلمَّا تبايَعْنا رَجَعتُ على عَقِيَّ) في رواية أيوبَ بن سُوَيدٍ: فطَفِقت أنكُصُ على عَقِبِيَّ القَهقَرى. قوله: ((يُرادني) بِتشديد الدّال، أصلُه: يُرادِدُني، أي: يَطلُبُ مِنِّي استرداده. قوله: ((وكانت السُّنَّة: أنَّ المتبابِعَينِ بالخيار حتَّى يَتفرَّقا)) يعني أنَّ هذا هو السبب في خروجه (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٢٧١/٥. (٢) تحرَّف في (س) إلی: عن. ٩٩ باب ٤٨ / ح ٢١١٧ كتاب البيوع من بيت عثمان، وأنَّه فعَلَ ذلك ليجبَ له البيعُ ولا يبقى لعثمانَ خيارٌ في فسخِه. واسْتَدَلَّ ابن بطَّال بقوله: ((وكانت السُّنّة)) على أنَّ ذلك كان في أوَّل الأمر، فأمَّا في الزَّمَن الذي فعَلَ ابنُ عمر ذلك، فكان التفرُّق بالأبدان متروكاً، فلذلك فعَله ابن عمر لأنه كان شديدَ الاتِّباع، هكذا قال، وليس في قوله: وكانت السُّنّة ما يَنفي استمرارها. وقد وقع في رواية أيوبَ بن سُوَيدٍ: كنَّا إذا تبايَعْنا كان كلُّ واحدٍ مِنّا بالخِيار ما لم يَفتَرِق المتباپعان، فتبایعت أنا و عثمان، فساق القصَّةَ، وفيها إشعارٌ باستمرار ذلك. وأغرَبَ ابن رُشدٍ في ((المقدِّمات)) له فَزَعَمَ أنَّ عثمانَ قال لابن عمر: ليست السُّنّةُ بافتِراق الأبدان، قد انتَسَخَ ذلك، وهذه الزّيادةُ لم أرَ لها إسناداً، ولو صَحَّت لم تَخرُج المسألةُ عن الخلاف، لأنَّ أكثرَ الصحابة قد نُقِلَ عنهم القولُ بأنَّ الافتراقَ بالأبدان. قوله: ((سُقْتُه إلى أرض ثمودَ بثلاث لَيالٍ)) أي: زِدت المسافةَ التي بينه وبين أرضِه، التي ٣٣٧/٤ صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضِه التي باعها بثلاث لَیالٍ. قوله: ((وساقني إلى المدينة بثلاث لَيالٍ)) يعني أنَّه نَقَصَ المسافةَ التي بيني وبين أرضي التي أخذَ بها عن المسافة التي كانت بيني وبين أرضي التي بعتُها بثلاث لَيالٍ، وإنَّما قال: إلى المدينة، لأنهما جميعاً كانا بها فرأى ابن عمر الغِبطةَ في القُربِ من المدينة، فلذلك قال: رأيت أنّي قد غَبَنتُه. وفي هذه القصَّة جوازُ بيع العين الغائبة على الصِّفة، وسيأتي نَقلُ الخلاف فيها في ((باب بيع الملامسة))(١)، وجوازُ التحيُّل في إبطال الخيار، وتقديمُ المرءِ مَصلَحةَ نفسِه على مَصلَحة غيره، وفيه جوازُ بيع الأرض بالأرض، وفيه أنَّ الغَبْنَ لا يُرَدُّ به البيع. ٤٨ - باب ما يكره من الخداع في البيع ٢١١٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبد الله بنِ دِينارٍ، عن عبد الله بن (١) باب رقم (٦٣). ١٠٠ باب ٤٨ / ح ٢١١٧ فتح الباري بشرح البخاري عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً ذُكِرَ للنبيِّ وَِّ أَنَّه يُخْدَعُ في البيوع، فقال: ((إذا بايعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ)). [أطرافه في: ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦٤] قوله: ((باب ما يُكرَه من الخِداع في البيع)) كأنَّه أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ الخِداع في البيع مكروهٌ، ولكنَّه لا يَفسَخ البيع، إلَّا إن شَرَطَ المشتري الخيار على ما تُشعِرُ به القصَّةُ المذكورةُ في الحدیث. قوله: ((أنَّ رجلاً)) في رواية أحمد (٦١٣٤) من طريق محمد بن إسحاق: حدَّثني نافع عن ابن عمر: كان رجل من الأنصار، زاد ابن الجارود في ((المنتَقى)) (٥٦٧) من طريق سفيانَ [عن ابن إسحاق](١) عن نافع أنَّه حَبّان بن مُنقِذٍ، وهو بفتح المهملة والموخَّدة الثَّقيلة، ورواه الدَّارَقُطني (١/٣٠١١) من طريق عبد الأعلى، والبيهقي (٢٧٣/٥) من طريق يونس بن بُگیر، كلاهما عن ابن إسحاق، به، وزادا فيه: قال ابن إسحاق: فحدَّثني محمد بن يحيى بن حَبّان، قال: هو جَدّي مُنقِذ بن عَمْرو، وكذلك رواه ابن مَندَهْ من وجه آخرَ عن ابن إسحاق. قوله: (ذُكر للنبي (وَلّ)) في رواية ابن إسحاق: فشَكًا إلى النبي ◌َّ ما يَلقى من الغَبْن. قوله: ((أنَّه يُخْدَع في البيوع)) بيَّن ابن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه، وهو ما يَلقى من الغَبْن، وقد أخرجه أحمد (١٣٢٧٦) وأصحابُ السُّننِ(٢) وابن حِيَّان (٥٠٥٠) والحاكمُ (٤/ ١٠١) من حديث أنس بلفظ: إنَّ رجلاً كان يُبايع، وكان في عُقدَته ضعفٌ. قوله: ((لا خِلابةَ)) بكسر المعجَمة وتخفيفِ اللَّام، أي: لا خديعةَ و((لا)) لنفي الجِنسِ، أي: لا خديعةَ في الدِّین لأنَّ الدّين النَّصیحة، زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بُگیر (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من ((المنتقى))، على أن سفيان - وهو ابنُ عُيينة - لم يدرك نافعاً. (٢) أبو داود (٣٥٠١)، وابن ماجه (٢٣٥٤)، والترمذي (١٢٥٠)، والنسائي (٤٤٨٥).