Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٦١ / ح ١٩٨٢
كتاب الصوم
اللَّفظ، ولأحمد: ((فيهم)) نظراً إلى المعنى، ويأتي في الدَّعَوات (٦٣٣٤) من طريق قَتَادةَ عن
أنس: ((وبارك له فيما أعطيتَه))، وفي رواية ثابت عند مسلم (٢٦٨/٦٦٠): «فدَعا لي بكلِّ
خير، وكان آخر ما دَعَا لي أن قال: اللهمَّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه))، ولم يقع في هذه
الرواية التصريحُ بما دَعَا له من خير الآخرة، لأنَّ المال والوَلَد من خير الدُّنيا، وكأنَّ بعض
الرُّواة اختصره.
ووقع لمسلم (٢٤٨١ / ١٤٤) في رواية الجعد عن أنس: «فدَعَا لي بثلاث دَعَوات قد
رأيت منها اثنتين في الدُّنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة))، ولم يُبيِّنها، وهي المغفرة كما بيَّنُها
سِنانُ بنُ ربيعةَ بزيادةٍ، وذلك فيما رواه ابن سعد (١٩/٧) بإسناد صحيح عنه عن أنس
قال: ((اللهمَّ أكثِرْ مالَه وولدَه، وأطِلِ عُمُرَه، واغفر ذنبه)).
قوله: ((فإنِّي لَمِن أكثر الأنصار مالاً)) زاد أحمد (١٢٠٥٣) في رواية ابن أبي عَدي: ((وذكر
أنَّه لا يَملكُ ذهباً ولا فِضّةً غيرَ خاتَه)) يعني أنَّ ماله كان من النَّقْدَين، وفي رواية ثابت
(١٣٥٩٤) عند أحمد: قال أنسُ: وما أصبَحَ رجلٌ من الأنصار أكثرَ مِنّي مالاً، قال: یا
ثابتٌ، وما أملكُ صفراءَ ولا بيضاءَ إلَّا خاتَمي، وللِّرمِذي (٣٨٣٣) من طريق أبي خَلْدةَ:
قال أبو العالية: كان لأنسِ بستانٌ يَحمِل في السَّنة مرَّتين، وكان فیه رجان يجيءُ منہ ریحُ
المسك، ولأبي نُعيم في (الحِلية)) (٨/ ٢٦٧) من طريق حفصة بنت سيرين عن أنس قال:
وإنَّ أرضي لتُثمِرُ في السنة مرَّتين، وما في البلد شيءٌ يُثِرُ مرَّتين غيرها.
قوله: ((وحدَّثَتَني ابنتي أُمَينة)» بالنُّون تصغيرُ آمِنَةَ: ((أنَّه دُفِنَ لصُلبي)) أي: من ولدِه دونَ
أسباطه وأحفاده.
قوله: ((مَقْدَمَ الحجّاج البصرةَ)) بالنَّصب على نَزْع الخافض، أي: من أوَّل ما مات لي من
الأولاد إلى أن قَدِمَها الحَجّاج، ووقع ذلك صريحاً في رواية ابن أبي عَديِّ المذكورة ولفظه:
((وذكر أنَّ ابنته الكبرى أُمَينة أخبرته أنَّه دُفِنَ من صُلْبِه إلى مَقْدَم الحَجّاجِ)) وكان قدومُ
الحَجّاج البصرةَ سنة خمس وسبعين وعمرُ أنسٍ حينئذٍ نَيِّفٌ وثمانونَ سنةً، وقد عاش أنس

٥٠٢
باب ٦١ / ح ١٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
بعد ذلك إلى سنة ثلاث ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين وقد قاربَ المئةَ.
قوله: ((بضعٌ وعشرونَ ومئةٌ)) في رواية ابن أبي عدي: نيِّ على عشرين ومئة، وفي رواية
الأنصاري عن حميدٍ عند البيهقي في الدَّلائل (١٩٥/٦): تسع وعشرون ومئة، وهو عند
الخطيب في ((رواية الآباءِ عن الأبناء)) من هذا الوجه بلفظ: ثلاث وعشرونَ ومئة، وفي
رواية حفصة بنت سيرين: ولقد دفنتُ من صُلْبِي سوى ولد ولدي خمسةً وعشرين
ومئةً (١)، وفي ((الحِلية)) أيضاً من طريق عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: دفنتُ مئةً لا
سِقطاً ولا ولدَ ولدٍ(٢). ولعلَّ هذا الاختلاف بسبب العُدول إلى البِضع والنَّيِّف، وفي ذكر
هذا دلالة على كَثْرة ما جاءه من الولد فإنَّ هذا القَدْرَ هو الذي مات منهم، وأمَّا الذين بَقُوا
ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عند مسلم (٢٤٨١/ ١٤٣): وإنَّ ولدي ووَلَد
ولدي لَيتعادُّونَ على نحوِ المئة.
وفي هذا الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: جوازُ التصغير على معنى التلطّفِ لا التحقيرِ،
وتُحفة الزائر بما حَضَرَ بغير تكلَّفٍ. وجوازُ رَدِّ الهديَّة إذا لم يَشُقَّ ذلك على المُهْدي، وأنَّ
أخذَ من رُدَّ عليه ذلك له ليس من العَوْد في الهِبة.
وفيه حفظُ الطعام وتَركُ التفريط فيه، وجَبْر خاطر المَزُورِ إذا لم يُؤكَل عنده بالدُّعاءِ
له. ومشروعية الدُّعاء عَقِبَ الصلاة، وتقديمُ الصلاة أمام طلب الحاجة، والدُّعاء بخير
الدُّنيا والآخرة، والدُّعاء بكَثْرة المال والولد وأنَّ ذلك لا ينافي الخيرَ الأُخروي، وأنَّ فضل
التقلُّل من الدُّنيا يختلف باختلاف الأشخاص.
وفيه زيارة الإمام بعضَ رعيَّتَه، ودخولُ بيت الرجل في غَيْبته لأنه لم يَقُل في طرق هذه
القصّة: إنَّ أبا طلحة كان حاضراً.
وفيه إيثارُ الولد على النَّس، وحُسْن التلطُّفِ في السُّؤال، وأنَّ كَثْرة الموت في الأولاد
(١) أخرجها الطبراني في ((الكبير)) (٧١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٧/٨.
(٢) لم نقف على هذه الرواية في المطبوع من كتاب ((الحلية))، وهي عند ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
(٢٢٤١)، والطبراني في «الكبير)) ٢٥/ (٣٠٠).

٥٠٣
باب ٦٢ / ح ١٩٨٣
كتاب الصوم
لا ينافي إجابة الدُّعاء بطلب كثرتهم ولا طلب البَرَكة فيهم، لمَا يَحِصُل من المصيبة بموتهم
والصبر على ذلك من الثَّواب.
وفيه التحدّثُ بنِعَم الله تعالى، وبمُعجِزات النبي ◌ََّ لمَا في إجابة دعوته من الأمر ٢٣٠/٤
النادر وهو اجتماع كَثْرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوِّ له صار يُؤمِر مرَّتين في
السَّنة دون غيره.
وفیه التاریخُ بالأمر الشّھیر، ولا يُتوقّف ذلك على صلاح المؤرَّخ به، وفيه جواز ذكر
البِضْع فيما زاد على عَقْد العشر خلافاً لمن قَصَرَه على ما قبلَ العشرين.
قوله: ((قال ابن أبي مريم)) هو سعيد، وفائدة ذكر هذه الطريق بيانُ سماع حميدٍ لهذا
الحديث من أنسٍ لما اشتهر من أنَّ حميداً كان ربَّما دلَّس عن أنس، ووقع في رواية كَرِيمة
والأَصِيلي في هذا الموضع: ((حدَّثنا ابن أبي مريم)) فيكون موصولاً.
٦٢ - باب الصوم من آخر الشهر
١٩٨٣ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا مَهْديٌّ، عن غَيْلانَ. وحدَّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا
مَهْدِيُّ بنُ ميمونٍ، حدَّثنا غَيْلانُ بنُّ جَرِير، عن مُطرّف، عن عِمرانَ بنِ خُصَين رضي الله عنهما،
عن النبيِّ وَِّ: أنَّه سأله - أو سأل رجلاً وعِمرانُ يسمعُ - فقال: ((يا فلانُ، أما صُمتَ سَرَرَ هذا
الشهرِ؟)) - قال: أظنُّه قال: يعني رمضانَ - قال الرجلُ: لا يا رسولَ الله، قال: ((فإذا أفطَرتَ
فصُمْ یومینِ».
لم يقل الصَّلتُ: أظنُّه يعني رمضانَ.
قال أبو عبد الله: وقال ثابتٌ، عن مُطرِّف، عن عِمرانَ، عن النبيِّ وَّ: ((من سَرَرِ شعبانَ)).
قوله: ((باب الصوم من آخر الشهر)) قال الزَّين بن المنيِر: أطلقَ الشهر، وإن كان الذي
يَتَحرَّرُ من الحديث أنَّ المراد به شهرٌ مُقيّدٌ وهو شعبانُ، إشارةً منه إلى أنَّ ذلك لا يختصُّ
بشعبان، بل يُؤخَذُ من الحديث النَّدبُ إلى صيام أواخر كلِّ شهر ليكون عادة للمُكلّف،
فلا يعارضه النَّهيُ عن تَقدُّم رمضانَ بيوم أو يومين لقوله فيه: («إلَّا رجلٌ كان يصوم

٥٠٤
باب ٦٢ / ح ١٩٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
صوماً فليَصُمه))(١).
قوله: ((حدَّثْنَا الصَّلْتُ بن محمدٍ)) بفتح الصاد المهمَلة وسكون اللّام بعدها مُنَّاةٌ، بصري
مشهورٌ، وأضافَ إليه رواية أبي النُّعمان: وهو عارم، لمَا وقع فيها من تصريحٍ مَهْديُّ
بالتحديث من غَيْلان، والإسنادُ كلُّه بصریون.
قوله: ((عن مُطرِّف)) هو ابن عبد الله بن الشِّخِّير.
قوله: ((أَنَّه سأله أو سأل رجلاً وعمرانُ يسمع)) هذا شكٌّ من مُطرِّف، فإنَّ ثابتاً رواه عنه
بنحوه على الشكِّ أيضاً أخرجه مسلم (١٩٩/١١٦١)، وأخرجه من وجهين آخرَينٍ عن
مُطرِّف بدون شكٌّ على الإبهام: ((أنَّه قال لرجلٍ))، زاد أبو عَوَانَةَ في ((مُستخرَجه)) (٢٧٠٧):
من أصحابه، ورواه أحمد (١٩٩٧١) من طريق سليمان التيمي به: ((قال لعِمرانَ)) بغير شكٌّ.
قوله: ((يا فلان)) كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذرٍّ: ((يا أبا فلانٍ)) بأداة الكُنية.
قوله: ((أما صُمتَ سَرَرَ هذا الشهر)) في رواية مسلم عن شَيْبان(٢) عن مَهْدي: ((سُرَّة)) بضمِّ
المهمَلة وتشديد الراء بعدها هاءٌ، قال النَّووي تَبَعاً لابن قُرقُول: كذا هو في جميع النُّسَخ.
انتهى، والذي رأيته في رواية أبي بكر بن ياسر الجَيَّاني ومن خطّ نقلت: ((سَرَر هذا الشهر))
كباقي الروايات، وفي رواية ثابتٍ المذكورة: ((أصمت من سَرَر شعبانَ شيئاً؟)) قال: لا.
قوله: ((قال: أظنُّه قال: يعني رمضان)) هذا الظنُّ من أبي النُّعمان، لتصريح البخاري في
آخره بأنَّ ذلك لم يقع في رواية الصَّلت، وكأنَّ ذلك وقع من أبي النُّعمان لمَّا حدَّثَ به
البخاريَّ، وإلَّا فقد رواه الجَوزَقي من طريق أحمد بن يوسف السُّلَمي عن أبي النُّعمان بدون
ذلك وهو الصواب، ونقل الحميدي عن البخاري أنَّه قال: إنَّ شعبانَ أصحّ، وقيل: إنَّ
ذلك ثابتٌ في بعض الروايات في ((الصحيح)).
وقال الخطّابي: ذِكرُ رمضان هنا وهمٌّ، لأنَّ رمضان يتعيَّنُ صومُ جميعِه، وكذا قال
(١) سلف برقم (١٩١٤).
(٢) رواية مسلم ليست عن شيبان بل هي عنده (١١٦١) (١٩٥) عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن مهدي.

٥٠٥
باب ٦٢ / ح ١٩٨٣
كتاب الصوم
الدَّاوودي وابن الجَوْزي، ورواه مسلم (١١٦٢) أيضاً من طريق ابن أخي مُطرِّف عن
مُطرِّف بلفظ: / ((هل صُمتَ من سَرَر هذا الشهر شيئاً؟ يعني: شعبان)) ولم يقع ذلك في ٢٣١/٤
رواية هُدْبةَ ولا عبد الله بن محمد بن أسماء ولا فِطْر بن حمّادٍ ولا عَفّان ولا عبد الصمد ولا
غيرهم عند أحمد ومسلم(١) والإسماعيلي وغيرهم ولا في باقي الروايات عند مسلم،
ويحتمل أن يكونَ قوله: ((رمضان)) في قوله: ((يعني رمضان)) ظَرفاً للقول الصادر منه وَّ لا
لصيام المخاطَب بذلك، فيوافقُ رواية الجُرَيري [عن أبي العلاء](٢) عن مُطرِّف فإنَّ فيها
عند مسلم (١١٦١ / ٢٠٠): فقال له: «فإذا أفطرتَ من رمضان فصُم یومین مکانه)).
قوله: ((وقال ثابت ... )) إلى آخره، وَصَله أحمد (١٩٩٧٨) ومسلم (١٩٩/١١٦١) من
طريق حمّاد بن سَلَمة عنه كذلك، ووقع في نسخة الصَّغاني من الزِّيادة هنا: ((قال أبو
عبد الله: وشعبان أصحّ)).
والسَّرَر بفتح السِّين المهمَلة ويجوز كسرُها وضمُّها: جمعُ سُرَّة، ويقال أيضاً: سَرَار بفتح
أوَّله وكسره، ورَجَّحَ الفَرّاء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عُبيد والجمهور: المراد
بالسَّرَر هنا: آخر الشهر، سُمّيت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمانٍ وعشرين
وتسع وعشرين وثلاثین.
ونقل أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنَّ سَرَره أوَّله، ونقل الخطَّابي عن
الأوزاعي کالجمهور.
وقيل: الشَّرَر: وَسَطُ الشهر، حكاه أبو داود أيضاً ورَجَّحَه بعضهم، ووَجَّهَه: بأنَّ
الشَّرَر جمع سُرّة، وسُرّة الشيء: وَسَطه، ويُؤْيِّده النَّبُ إلى صيام البِيضِ وهي وَسَط الشهر،
وأنَّه لم يَرِدْ في صيام آخر الشهر ندبٌ، بل وَرَدَ فيه نهيٌّ خاصٌّ وهو آخر شعبان لمن صامه
(١) روايتا هدبة - ويقال: هذَّاب - وعبد الله بن محمد بن أسماء أخرجهما مسلم (١١٦١) (١٩٥) و(١٩٩)،
ورواية عفان أخرجها أحمد (١٩٩٤٧)، ورواية عبد الصمد أخرجها أحمد أيضاً (٢٠٠٠٦)، كلهم عن
مهدي به.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة مقتضاة لتمام الإسناد، وسقطت من الأصلين و(س).

٥٠٦
باب ٦٢ / ح ١٩٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
لأجل رمضان(١)، وَرَجَّحَه النَّووي بأنَّ مسلماً (١٩٥/١١٦١) أفردَ الرواية التي فيها سُرّة
هذا الشهر عن بقية الروايات وأردَفَ بها الروايات، التي فيها الحضُّ على صيام البيض،
وهي وَسَط الشهر كما تقدَّم، لكن لم أرَه في جميع طرق الحديث باللَّفظِ الذي ذكره وهو
(سُرّة) بل هو عند أحمد من وجهين(٢) بلفظ: ((سِرار))، وأخرجه من طرق عن سليمان
التيمي في بعضها: ((سَرَر)) وفي بعضها: ((سِرار))(٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد آخر الشهر.
قال الخطّابي: قال بعضُ أهل العلم: سؤالُه وََّ عن ذلك سؤال زَجرِ وإنكارٍ، لأنه قد
نهى أن يُستَقبل الشهرُ بيوم أو يومين، وتُعُقِّبَ بأنَّه لو أنكَرَ ذلك لم يأمره بقضاءِ ذلك.
وأجاب الخطّابي باحتمال أن يكون الرجل أوجَبَها على نفسه، فلذلك أمره بالوفاء وأن
يقضي ذلك في شوال، انتهى.
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): قوله: ((سؤال إنكار)) فيه تكلُّفٌ، ويَدفَعُ في صدره قولُ
المسؤول: ((لا يا رسولَ الله)) فلو كان سؤال إنكار لكان ◌َّ قد أنكَرَ عليه أنَّه صام،
والفرضُ أنَّ الرجل لم يَصُم، فكيف يُنكِرِ عليه فعلَ ما لم يفعله؟ ويحتمل أن يكون الرجل
كانت له عادة بصيام آخر الشهر، فلمَّا سمع نهيَه وَّهِ أَن يَتَقَدَّم أحدٌ رمضانَ بصوم يوم أو
يومين ولم يَبلُغه الاستثناءُ تَرَكَ صيامَ ما كان اعتاده من ذلك، فأمره بقضائها لتَستَمِرَّ
مُحَافَظتُه على ما وَظَّفَ على نفسه من العبادة، لأنَّ أحبَّ العمل إلى الله تعالى ما داوَمَ عليه
صاحبُه كما تقدَّم.
وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون هذا كلاماً جَرَى من النبي ◌َّ جواباً لكلام لم يُنقَل
إلينا. انتهى، ولا يخفى ضعفُ هذا المأخَذ.
وقال آخرون: فيه دليل على أنَّ النَّهي عن تَقدُّم رمضان بيوم أو يومين إنَّما هو لمن
(١) النهي عن ذلك سلف برقم (١٩١٤).
(٢) هما روايتا عفان وعبد الصمد المذكورتان قريباً، وقرن بعفان في رواية هاشم بن القاسم.
(٣) أخرجه (١٩٨٨٢) عن ابن أبي عدي و(١٩٨٩٦) عن يحيى القطان و(١٩٩٧٠) عن يزيد بن هارون،
ثلاثتهم عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن مطرف، به.

٥٠٧
باب ٦٣ / ح ١٩٨٤
كتاب الصوم
يَقصِدُ به التحرِّي لأجل رمضان، وأمَّا من لم يَقصِدْ ذلك فلا يتناولُه النَّهيُ ولو لم يكن
اعتاده، وهو خلافُ ظاهر حديث النَّهي، لأنه لم يَستَئنِ منه إلَّا من كانت له عادةٌ.
وأشار القُرطُبي إلى أنَّ الحاملَ لمن حمل سَرَر الشهر على غير ظاهره وهو آخر الشهر،
الفِرارُ من المعارضة لنهيه ◌َّ عن تَقدُّم رمضان بيوم أو يومين، وقال: الجمع بين الحديثين
مُمكِنٌ بحمل النَّهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادةٌ حملاً
للمخاطَبِ بذلك على مُلازمة عادة الخير حتَّى لا يُقطَع. قال: وفيه إشارةٌ إلى فضيلة الصوم
في شعبان، وأنَّ صوم يوم منه يَعدِل صوم يومين في غيره أخذاً من قوله في الحديث: ((فصُم
یومین مکانه))، يعني: مکان الیوم الذي فوَّته من صيام شعبان.
٢٣٢/٤
قلت: وهذا لا يَتِمُّ إلَّا إن كانت عادةُ المخاطَبِ بذلك أن/ يصومَ من شعبان يوماً
واحداً، وإلَّ فقوله: ((هل صُمتَ من سَرَر هذا الشهر شيئاً؟» أعمُّ من أن يكونَ عادته
صيام يوم منه أو أكثر، نعم وقع في ((سُنَن)) أبي مسلم الكَجّي: «فصُم مكانَ ذلك اليوم
یومین)».
وفي الحديث مشروعيةٌ قضاء التطوُّع، وقد يُؤْخَذُ منه قضاءُ الفرض بطريق الأَولى
خلافاً لمن مَنَعَ ذلك.
٦٣ - باب صوم يوم الجمعة
وإِذا أصبح صائماً يوم الجمعة فعليه أن يُفطِرَ
١٩٨٤ - حدّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن عبد الحميد بنِ جُبَير بن شَيْبة، عن محمَّد
ابن عبَّادٍ، قال: سألتُ جابراً : أنَهَى النبيُّ ◌َلّ عن صومِ يومِ الجمعةِ؟ قال: نعم. زاد غيرُ أبي
عاصم: يعني: أن ينفردَ بصومٍ.
قوله: ((باب صوم يوم الجمعة، وإذا أصبَحَ صائماً يوم الجمعة فعليه أن يُفطِرَ)) كذا في أكثر
الروايات، ووقع في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوَقْت زيادة هنا وهي: ((يعني: إذا لم يَصُم قبله ولا
يريدُ أن يصومَ بعده)»، وهذه الزّيادةُ تُشبِه أن تكون من الفِرَبْري أو مَن دُونَه، فإنَّها لم تقع في

٥٠٨
باب ٦٣ / ح ١٩٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
رواية النَّسَفي عن البخاري، ويَبعُدُ أن يُعبِّرَ البخاري عَّا يقوله بلفظ: ((يعني))، ولو كان
ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلاً ورأساً، وهذا التفسيرُ لا بدَّ من
حمل إطلاق الترجمة عليه، لأنه مُستَفادٌ من حديث جُوَيريةَ آخرَ أحاديث الباب، إذ في
الباب ثلاثةُ أحاديث:
أوَّلها: حديثُ جابر، وهو مُطلَق والتقييد فيه تفسيرٌ من أحد رواته كما سنبيِّته.
وثانيها: حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في التقیید.
وثالثها: حديث جُوَيرِيَة، وهو أظهَرُها في ذلك.
قوله: ((عن ابن جُرَيج عن عبد الحميد بن جُبَير بن شَيْبة)) أي: ابن عثمان بن أبي طلحة
الحَجَبي، في رواية عبد الرزاق عن ابن جُرَيج: أخبرني عبد الحميد، أخرجه أحمد (١٤١٥٤)
عنه، ومسلم (١١٤٣) من طريقه، وكذا أخرجه أبو قُرّة في ((السُّنن)) عن ابن جُرَيج،
والنَّسائي (ك٢٧٥٩) من طريق حجّاج بن محمد عنه، وكان ابن جُرَيج ربَّما رواه عن محمد بن
عبَّاد نفسِه ولم يَذكُر عبد الحميد، كذلك رواه يحيى بن سعيد القطّان وحفص بن غياث،
أخرجه النَّسائي (ك٢٧٦٠ و٢٧٦٢) من طريقهما، وكذا الإسماعيلي وزاد فُضَيلَ بن سليمان،
وأخرجه النَّسائي أيضاً (ك ٢٧٦١) من طريق النَّضر بن شُمَيلٍ، كلهم عن ابن جُرَيج.
وأومأ الإسماعيلي إلى أنَّ في رواية البخاري عن أبي عاصم نظراً، فإنَّه قال: رواه البخاري
عن أبي عاصم، فذكر إسناده، قال: وقد رُوِّيناه من طريق أبي عاصم كما قال يحيى، ثمَّ ساقه
كذلك. قال: وقد رواه أبو سعد الصَّغَاني عن ابن جُرَيج كما ساقه البخاري عن أبي عاصم،
وأبو سعدٍ ليس كهؤلاء؛ يعني: القَطّان ومن تابعه.
٢٣٣/٤ قلت: ولم يُصِب الإسماعيليُّ في ذلك فإنَّ رواية البخاري مستقيمةٌ، وقد وافقه على
الزّيادة الدّارمي في («مسنده)) (١٧٤٨)، وأبو مسلم الكَجّي في ((سُنَه))، فأخرَجاه عن أبي
عاصم کما قال البخاري، وكذلك رواه أبو موسی کما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب
((الصيام)) له عنه عن أبي عاصم، وكذلك أخرجه الجَوزَقي من طريق محمد بن عَقِيل بن

٥٠٩
باب ٦٣ / ح ١٩٨٤
كتاب الصوم
خُوَيلِد عن أبي عاصم كذلك، وابن جُرَيج كان ربَّما دلَّس ولهذا قال البيهقي: إنَّ يحيى بن
سعيد قَصَّرَ في إسناده، لكن وقع عند النَّسائي (ك٢٧٦٠) من طريق يحيى بن سعيد عن ابن
جُرَيج: ((أخبرني محمد بن عبَّاد)) فيُحمَل على أنَّه سمعه من عبد الحميد عن محمد، ثمَّ لقي
محمداً فسمعه منه، أو سمعَه من محمد واستَثَبَتَ فيه من عبد الحميد، فكان يُحدِّث به تارةً
عن هذا وتارة عن هذا، ولعلَّ السِّرَّ في ذلك أنَّه كان عند أحدهما في المتن ما ليس عند
الآخر کما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
ولم ينفرد أبو سعد بمتابعة أبي عاصم على ذكر عبد الحميد كما يُوهِمُه كلام الإسماعيلي
بل تابعهما عبد الرزاق وأبو قُرّة وحَجّاج بن محمد كما قدَّمتُ ذِكرَه، وعبد الحميد أكثر عَدَداً
مَّن رواه عنه بإسقاطه، وعبد الحميد المذكور تابعي صغيرٌ روى عن عمَّته صفيَّة بنت
شَيْبة، وهي من صِغار الصحابة، ووَثَّقَه ابن مَعِين وغيره، وليس له في البخاري سوى
ثلاثة أحاديث: هذا وآخر في بَدْء الخلق (٣٣٠٧) وآخر في الأدب (٦١٩٣).
قوله: ((عن محمد بن عبَّاد)) في رواية عبد الرزاق (٧٨٠٨) عن ابن جُرَيج عن عبد الحميد : .
((أنَّ محمد بن عبَّاد أخبره)، ورجالُ هذا الإسناد مَكّيون إلَّا شيخَ البخاري فهو بصري،
والصحابي فهو مدني، وقد أقاما بمكَّةَ زماناً.
قوله: ((سألت جابرً)) في رواية عبد الرزاق المذكورة وكذا في رواية ابن عُيَينةَ عن
عبد الحميد عند مسلم (١١٤٣)، وأحمد (١٤٣٥٣) وغيرهما: سألتُ جابر بن عبد الله وهو
يطوفُ بالبيت، وزادوا أيضاً في آخره: قال: نعم ورَبِّ هذا البيت، وفي رواية النَّسائي
(ك ٢٧٦٠): ورَبِّ الكعبة، وعَزَاها صاحب ((العُمدة)) لمسلم فوَهِمَ.
وفيه جوازُ الحَلِفِ من غير استحلافٍ لتأكيد الأمر، وإضافةُ الرُّبوبية إلى المخلوقات
المعظّمة تنويهاً بتعظيمها، وفيه الاكتفاءُ في الجواب بنعم من غير ذكر الأمر المفسَّر بها.
قوله: ((زاد غيرُ أبي عاصم: يعني: أن ينفردَ بصومِه)) وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أن ينفردَ
بصوم))، والغيرُ المشار إليه جَزَمَ البيهقي بأنَّه يحيى بن سعيد القطّان، وهو كما قال لكن

٥١٠
باب ٦٣ / ح ١٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
لم يتعيَّن، فقد أخرجه النَّسائي (ك٢٧٦٠ -٢٧٦٢) بالزِّيادة من طريقه ومن طريق النَّضر بن
شُمَيلٍ وحفص بن غياث، ولفظ يحيى: أسمعت رسولَ اللهَوَلِ يَنهى أن ينفردَ يومُ الجمعة
بصوم؟ قال: إي ورَبِّ الكعبة، ولفظُ حفص: نهى رسول الله وَلّ عن صيام يوم الجمعة
مُفرَداً، ولفظ النَّضر: أنَّ جابراً سُئِلَ عن صوم يوم الجمعة فقال: نهى رسول الله وَّل أن
يُفرَدَ.
١٩٨٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِیاتٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا أبو صالح،
عن أبي هريرةَ ◌َُ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((لا يصومُ أحدُكم يومَ الجمعةِ، إلا يوماً قبلَه
أو بعده)).
قوله في حديث أبي هريرة: ((لا يصومُ أحدُكم)) كذا للأكثر وهو بلفظ النَّفي والمراد به
النَّهي، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لا يصومَنَّ) بلفظ النَّهي المؤكَّد.
قوله: («إلّا يوماً قبله أو بعده)) تقديره: إلّا أن يصوم يوماً قبله، لأنَّ ((يوماً) لا يَصلُحُ
استثناؤه من يوم الجمعة، وقال الكِرْماني: يجوز أن يكون منصوباً بنَزْع الخافض تقديره:
إلَّا بيوم قبله، وتكون الباءُ للمُصاحَبة، وفي رواية الإسماعيلي من طريق محمّد بن إشكاب
عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه: ((إلَّا أن تصوموا قبله أو بعده))، ولمسلم (١١٤٤/
١٤٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمَش: ((لا يَصُم أحدُكم يومَ الجمعة إلَّا أن يصومَ يوماً
قبله أو يصومَ بعدَه))، وللنَّسائي (ك٢٧٦٩) من هذا الوجه: («إلّا أن يصوم قبله يوماً أو
يصوم بعده يوماً))، ولمسلم (١٤٨/١١٤٤) من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة:
((لا تَخُصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين اللَّيالي، ولا تَّخُصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام،
إلَّا أن يكون في صوم يصومه أحدُكم))، ورواه أحمد (٩١٢٧) من طريق عوف عن ابن
سيرين بلفظ: نهى أن يُفرَدَ يوم الجمعة بصوم، وله (١٠٨٠٥) من طريق أبي الأوبر زیادٍ
الحارثي: أنَّ رجلاً قال لأبي هريرة: أنتَ الذي تنهى الناسَ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: ها
٢٣٤/٤ ورَبِّ الكعبة ثلاثاً، لقد سمعت محمداً وَلَه يقول: ((لا يصومُ أحدكم يوم الجمعة وحدَه

٥١١
باب ٦٣ / ح ١٩٨٦
كتاب الصوم
إلّا في أيام معه))، وله (٢١٩٥٤) من طريق ليلى امرأة بشير ابن الخَصَاصية أنَّه سأل النبي
وَّ فقال: ((لا تَصُم يوم الجمعة إلَّا في أيام هو أحدُها».
وهذه الأحاديثُ تُقَيِّدِ النَّهيَ المطلَق في حديث جابر، وتؤيِّدُ الزِّيادةَ التي تقدَّمت من
تقييد الإطلاق بالإفراد، ويُؤخَذ من الاستثناء جوازُه لمن صام قبله أو بعده، أو اتَّفَقَ
وقوعُه في أيام له عادةٌ بصومها كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادةٌ بصوم يوم مُعيَّنٍ
كيوم عَرَفَةَ فوافق يومَ الجمعة.
ويُؤخَذُ منه جوازُ صومِه لمن نَذَرَ یوم قدوم زیدٍ مثلاً، أو یوم شِفاء فلانٍ.
الحديث الثالث:
١٩٨٦ - حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبَةَ (ح) وحدَّثني محمَّدٌ، حدَّثْنَا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ،
عن قَتَادةَ، عن أبي أيوبَ، عن جُوَيِرِيةَ بنتِ الحارثِ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّهِ دخل عليها يومَ
الجمعةِ وهي صائمةٌ، فقال: ((أصُمتِ أمسٍ؟)) قالت: لا، قال: ((تُريدِينَ أن تَصُومي غَداً؟))
قالت: لا، قال: «فأَفطِري».
وقال حَمَّادُ بنُ الجَعْد: سمع قَتَادةَ، حدَّثني أبو أيوبَ: أنَّ جُوَيريَةَ حدَّثَتَه فأمرَها فَأَفْطَرَت.
قوله: ((وحدَّثني محمد، حدَّثنا غُندَرٌ)) لم يُنسَب محمد المذكور في شيء من الطُّرق، والذي
يَظْهَر أنَّهِ بُندار محمد بن بشَّار، وبذلك جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستخرَج)) بعد أن أخرجه من
طريقه ومن طريق محمد بن المثنى جميعاً عن غُندَر.
قوله: ((عن أبي أيوب)) في رواية يوسف القاضي في ((الصيام)) له من طريق خالد بن
الحارث عن شُعْبةَ عن قَتَادةَ: سمعت أبا أيوبَ، ووافقه هَمَّامٌ عن قَتَادةَ أخرجه أبو داود
(٢٤٢٢) وقال في روايته: عن أبي أيوبَ العَتَكي؛ وهو بفتح المهمَلة والمثنَّة نسبةً إلى بطنٍ
من الأزْد، ويقال له أيضاً: المَرَاغي، بفتح الميم والراء ثمَّ بالغين المعجمة، ورواه الطَّحاوي
(٢/ ٧٨) من طريق شُعْبةَ وهَمَّام وحَمَّاد بن سَلَمة جميعاً عن قَتَادة.
ولیس ◌ُویریةً زوج النبي ټ في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث، وله شاهد

٥١٢
باب ٦٣ / ح ١٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
من حديث جُنادةَ بن أبي أُمّية عند النَّسائي (ك٢٧٨٦) بإسناد صحيح بمعنى حديث
جُوَيرية، واتَّفَقَ شُعْبة وهَمَّام عن قَتَادَةَ على هذا الإسناد، وخالَفَهما سعيد بن أبي عَرُوبةَ
فقال: عن قَتَادة عن سعيد بن المسيّب عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص: أنَّ النبي ◌ِّ
دخل على جُوَيريةَ ... فذكره، أخرجه النَّسائي (ك٢٧٦٦) وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٦١١)،
والراجح طريق شُعْبة لمتابعة همَّام وحَمَّاد بن سَلَمة له، وكذا حمّاد بن الجَعْد كما سيأتي،
ويحتمل أن تكونَ طريقُ سعيد محفوظة أيضاً، فإنَّ مَعمَراً رواه عن قَتَادَةَ عن سعيد بن
المسيّب أيضاً لكن أرسَله(١).
قوله: ((أَفطِرِي)) زاد أبو نُعَيم في روايته: ((إذا)).
قوله: ((وقال حمّاد بن الجعد ... )) إلى آخره، وَصَله أبو القاسم البغوي في «جمع حدیث
هُذْبة بن خالد)) قال: حدَّثنا هُذْبةُ حدَّثنا، حَمَّاد بن الجَعْد: سُئِلَ قَتَادةُ عن صيام النبيِ
فقال: حدَّثني أبو أيوب ... فذكره، وقال في آخره: ((فأمرها فأفطرَت))، وحمّاد بن الجعد فيه
لینٌ، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع.
واستدلَّ بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله أبو الطيِّب الطَّبري
عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وكأنَّه أخَذَه من قول ابن المنذر: ثبت النَّهيُ عن
صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمرَ بفِطْر من أراد إفراده
بالصوم، فهذا قد يُشعِرُ بأنَّه یری تحريمه.
وقال أبو جعفر الطَّبري: يُفرَّق بين العيد والجمعة بأنَّ الإجماع مُنعقِدٌ على تحريم صوم
يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع مُنعقِدٌ على جواز صومه
لمن صام قبله أو بعده.
ونقل ابن المنذر وابن حَزْم منعَ صومه عن عليّ وأبي هريرة وسلمان وأبي ذَرّ، قال ابن
خَزْمٍ: لا نَعلَمُ لهم مخالفاً من الصحابة.
(١) رواية معمر أخرجها عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٨٠٤).

٥١٣
باب ٦٣ / ح ١٩٨٦
كتاب الصوم
وذهب الجمهورُ إلى أنَّ النَّهي فيه للتَّزيه، وعن مالك وأبي حنيفة: لا يُكرَه، قال مالك:
لم أسمع أحداً ممّن يُقتَدى به ينهى عنه، قال الدَّاوودي: لعلَّ النَّهي ما بَلَغَ مالكاً.
وزَعَمَ عياضٌ أنَّ كلام مالك يُؤخَذ منه النَّهي عن إفراده، لأنه كَرِهَ أن يُخَصَّ يوم من
الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان. وعابَ ابن العربي قولَ عبد الوهّاب منهم:
يومٌ لا يُكرَه صومُه مع غيره فلا يُكرَه وحده، لكونه قياساً مع وجود النصّ.
واستدلَّ الحنفيَّةُ بحديث ابن مسعود: كان رسول الله وَ ﴿ يصوم من كلّ شهر ثلاثةَ
أيام، وقَلَّما كان يُفطِرِ يومَ الجمعة، حَسَّنَه التِّرمِذي (١٤٢) (١)، وليس فيه حُجّةٌ لأنه يحتمل
أن يريدَ: كان لا يَتَعمَّد فِطرَه إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يُضادُّ ذلك كراهة
إفراده بالصوم جمعاً بين الخبرين، ومنهم من عَدَّه من الخصائص، وليس بجيِّدٍ لأنها لا
تَثبُتُ بالاحتمال.
٢٣٥/٤
والمشهورُ عند الشافعية وجهان: أحدُهما - ونقله المُزَني عن الشافعي -: أنَّه لا يُكرَه
إلَّا لمن أضعَفَه صومُه عن العبادة التي تَقَعُ فيه من الصلاة والدُّعاء والذِّكر، والثاني - وهو
الذي صَخَّحَه المتأخّرونَ- کقول الجمهور.
واختُلِفَ في سبب النَّهي عن إفراده على أقوالٍ:
أحدها: لكونِهِ يومَ عيدٍ والعيد لا يُصام، واستُشكِلَ ذلك مع الإذنِ بصيامه مع غيره.
وأجاب ابن القيِّم وغيرُه بأنَّ شَبَهَه بالعيد لا يَستَلزِم استواءَه معه من كلُّ جهة، ومن صام
معه غيره انتَفَت عنه صورة التحرِّي بالصوم.
ثانيها: لئلّا يَضعُفَ عن العبادة، وهذا اختاره النَّووي، وتُعُقِّبَ ببقاءِ المعنى المذكور مع
صوم غيره معه، وأجاب بأنَّه يَحصُل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جَبْرُ ما يَحَصُل يوم
صومه من فُتورٍ أو تقصيرٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ الجُبْران لا يَنحَصِر في الصوم بل يَحِصُل بجميع
(١) وأخرجه أيضاً النسائي (٢٣٦٨)، وأخرج الشطر الأول منه أبو داود (٢٤٥٠)، والشطر الثاني ابن ماجه
(١٧٢٥).

٥١٤
باب ٦٣ / ح ١٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
أفعال الخير، فيَلزَم منه جوازُ إفراده لمن عَمِلَ فيه خيراً كثيراً يقوم مقام صيام يوم قبله أو
بعده، كمن أعتَقَ فيه رقبة مثلاً، ولا قائلَ بذلك. وأيضاً فكأنَّ النَّهيَ يختصُّ بمن يُخشى
عليه الضَّعف لا من يَتَحقَّقُ القوّةَ، ويُمكِنُ الجوابُ عن هذا بأنَّ المظِنَّةَ أُقيمت مقام المَئِنّة
كما في جواز الفِطْر في السَّفر لمن لم يَشُقَّ عليه.
ثالثها: خوف المبالَغة في تعظيمه فيُقتَتَن به كما افتُيِّنَ اليهود بالسَّبت، وهو مُنتقَضٌّ
بثبوتِ تعظيمه بغير الصيام، وأيضاً فاليهود لا يُعظِّمونَ السبتَ بالصيام، فلو كان الملحوظ
تركَ موافقتهم لتَحَتَّمَ صومُه لأنهم لا يصومونَه.
وقد روى أبو داود(١) والنَّسائي (ك٢٧٨٨) وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٦١٦) من حديث أُمِّ
سَلَمة: أنَّ النبي ◌َّ كان يصوم من الأيام السَّبت والأحد وكان يقول: ((إنَّهما يوما عيدٍ
للمُشْرِكين، فأُحِبُّ أن أُخالفَهم)).
رابعها: خوفُ اعتقاد وجوبه، وهو مُنتقَضٌّ بصوم الاثنين والخميس، وسيأتي ذِكرُ ما
وَرَدَ فيهما في الباب الذي يليه.
خامسها: خَشْية أن يُفرَضَ عليهم كما خشيَ نَّ من قيامهم الليل ذلك.
قال المهلَّب: وهو مُنتقَضٌ بإجازة صومِه مع غيره، وبأنّه لو كان كذلك لجازَ بعدَه ◌َله
لارتفاع السبب، لكنَّ المهلَّبَ حمله على ذلك اعتقادُه عدمَ الكراهة على ظاهر مذهبه.
سادسها: مخالَفةُ النَّصارى لأنه يجب عليهم صومُه ونحن مأمورونَ بمخالَفَتهم، نقلها
القَمُولي، وهو ضعيف.
وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أوَّلها، ووَرَدَ فیه صريحاً حديثان:
أحدهما: رواه الحاكم وغيره (٢) من طريق عامر بن لُدَيْن عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يومُ
(١) عزوه لأبي داود وهمٌّ من الحافظ رحمه الله، فالحديث غير مخرَّج عنده، ولم يخرجه الحافظ المزي في ((التحفة))
(١٨٢٠٩) إلا من عند النسائي.
(٢) الحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٤٣٧، وأخرجه أحمد في «مسنده)) (٨٠٢٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢١٦١)،
وإسناده حسن.

٥١٥
باب ٦٤ / ح ١٩٨٧
كتاب الصوم
الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يومَ عيدٍكم يومَ صيامكم، إلّا أن تصوموا قبله أو بعده)).
والثاني: رواه ابن أبي شَيْبة (٤٤/٣) بإسناد حسنٍ عن عليٍّ قال: من كان منكم مُتطوِّعاً
من الشهر فليَصُم يومَ الخميس، ولا يَصُم يومَ الجمعة فإنَّه يومُ طعام وشرابٍ وذِكرِ.
٦٤ - باب هل يخصُّ شيئاً من الأيام؟
١٩٨٧ - حدّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة:
قلتُ لعائشةَ رضي الله عنها: هل كان رسولُ الله ◌َِّ يختصُّ من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان
عملُه دِيمةً، وأيُّكم يُطِيقُ ما كان رسولُ اللهِ وَّه يُطِيقِ؟
[طرفه في: ٦٤٦٦]
قوله: (باب هل يَخُصّ)) بفتح أوَّله، أي: المكلَّفُ ((شيئاً من الأيام))، وفي رواية النَّسَفي:
(يُخَصُّ شيءٌ)) بضمٍّ أوَّل ((يُخَصُّ)) على البناء للمجهول ((شيء من الأيام)).
قال الزَّين بن المنيِر وغيره: لم يَجِزِم بالحكم لأنَّ ظاهر الحديث إدامتُهُ وَّهِ العبادةَ
ومواظَبتُه على وظائفها، ويعارضُه ما صَحَّ عن عائشة نفسها ممّا يقتضي نفيَ المداومة، وهو
ما أخرجه مسلم (١١٥٦)/ من طريق أبي سَلَمة ومن طريق عبد الله بن شقيق، جميعاً عن ٢٣٦/٤
عائشة: أنَّهَا سُئِلَت عن صيام رسول الله وَ لّ فقالت: كان يصوم حتَّى نقولَ: قد صام،
ويُفطِرُ حتَّى نقولَ: قد أفطرَ، وتقدَّم نحوُه قريباً في البخاري (١٩٧١) من حديث ابن
عبَّاس وغيره، فأبقى الترجمةَ على الاستفهام ليتَرَجَّحَ أحد الخبرَينِ أو يَتَبيَّن الجمعُ بينهما.
ويُمكِن الجمعُ بينهما بأنَّ قولها: ((كان عملُهُ دِيمةً)) معناه: أنَّ اختلاف حاله في الإكثار
من الصوم ثمَّ من الفِطْر كان مُستَداماً مُستَمِرّاً، وبأَنَّه ◌َلِّ كان يوظّفُ على نفسه العبادةَ،
فربّما شَغَله عن بعضها شاغِلٌ فيقضيها على التوالي، فيَشتَبِهِ الحالُ على من يرى ذلك،
فقولُ عائشة: ((كان عملُهُ دِيمةً))، مُنَزَّلٌ على التوظيف، وقولها: «كان لا تَشاءُ أن تَراه صائماً
إلَّا رأيته))(١)، مُنَزَّلٌ على الحال الثاني، وقد تقدَّم نحو هذا في ((باب ما يُذكَر من صوم
(١) هذا اللفظ لأنس وليس لعائشة، وقد سلف عند البخاري برقم (١٩٧٣).

٥١٦
باب ٦٤ / ح ١٩٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
النبي ◌َِّ))(١).
قيل: معناه أنَّه كان لا يَقصِدُ نَفلاً ابتداءً في يوم بعينِه فيصومه، بل إذا صام يوماً بعينه
کالخمیس مثلاً داوم على صومه.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القطّان، وسفيان: هو الثَّوري، ومنصور: هو ابن المعتمر،
وإبراهيمُ: هو النَّخَعي، وعَلْقمةُ خالُه (٢). وهذا الإسنادُ ممَّا يُعَدُّ من أصحّ الأسانيد.
قوله: ((هل كان يختصُّ من الأيام شيئاً؟ قالت: لا)) قال ابن التِّين: استدلَّ به بعضُهم على
كراهة تَحرِّي صيام يوم من الأسبوع.
وأجاب الزَّين بن المنيِرِ بأنَّ السائل في حديث عائشة إنَّما سأل عن تخصيص يوم من
الأيام من حيثُ كونُها أياماً، وأمَّا ما وَرَدَ تخصيصُه من الأيام بالصيام، فإنَّما خُصِّصَ لأمرٍ
لا يشاركُه فيه بقيةُ الأيام كيوم عَرَفَةَ ويوم عاشوراءَ وأيام البيض وجميع ما عُيِّ لمعنّى
خاصٍّ، وإنَّما سأل عن تخصيص يوم لكونه مثلاً يومَ السَّبت.
ويُشكِّلُ على هذا الجواب صومُ الاثنين والخميس، فقد وَرَدَت فيهما أحاديثُ، وكأنَّها
لم تَصِحَّ على شرط البخاري، فلهذا أبقى الترجمةَ على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي
تخصیصهما استثني من عموم قول عائشة: لا.
قلت: وَرَدَ في صيام يوم الاثنين والخميس عِدّةُ أحاديثَ صحيحةٍ، منها حديث عائشة
أخرجه أبو داود(٣) والتِّرمِذي (٧٤٥) والنَّسائي (٢١٨٧) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٣٦٤٣) من
طريق ربيعةَ الجُرَشي عنها، ولفظُه: أنَّ النبي ◌َ ﴿ كان يَتَحرّى صيام الاثنين والخميس،
وحديث أُسامة: رأيت رسول الله وَلم يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته فقال: ((إنَّ
الأعمال تُعرَضُ يومَ الاثنين والخميس، فأُحِبُّ أن يُرفَعَ عملي وأنا صائم)) أخرجه النَّسائي
(٢٣٥٨) وأبو داود (٢٤٣٦)، وصَحَّحَه ابن خُزيمة (٢١١٩).
(١) باب رقم (٥٣).
(٢) ليس خالَه أخا أُمُّه، بل هو عمُّ أمِّه، فهو خالٌ له على هذا المعنى.
(٣) ليس في ((سنن أبي داود))، ولا عزاه له صاحب ((التحفة)) (١٦٠٨١)، وهو عند ابن ماجه (١٧٣٩) وغيره.

٥١٧
باب ٦٥ / ح ١٩٨٨
كتاب الصوم
فعلى هذا فالجواب عن الإشكال أن يقال: لعلَّ المراد بالأيام المسؤول عنها: الأيامُ
الثلاثةُ من كلّ شهر، فكأنَّ السائلَ لمَّ سمع أنَّه ◌َِّ كان يصوم ثلاثة أيام، ورَغِبَ في أنََّا
تكون أيام البيض سأل عائشة: هل كان يَخُصُّها بالبِيض؟ فقالت: لا، كان عملُه ديمةً؛
تعني: لو جَعَلها البِيضَ لتَعَيَّنت وداوَمَ عليها، لأنه كان يُحِبُّ أن يكون عملُه دائماً، لكن
أراد التوسِعةَ بعَدَم تَعيُّنها، فكان لا يُبالي من أيِّ الشهر صامها كما تقدَّمت الإشارةُ إليه في
(باب صيام البِيض))(١)، وأنَّ مسلماً (١١٦٠) روى من حديث عائشة: أنَّه ◌َّ كان يصوم
من كلّ شهر ثلاثة أيام، وما يُبالي من أيّ الشهر صام.
وقد أورد ابن حِبَّان (٣٦٤٧) حديث الباب، وحديث عائشة (٣٦٤٣) في صيام الاثنين
والخميس، وحديثها (٣٦٤٨): ((كان يصوم حتَّى نقول: لا يُفطِر))، وأشار إلى أنَّ بينها
تَعارُضاً ولم يُفصِح عن كيفية الجمع بينها، وقد فَتَحَ الله بذلك بفضلِه.
قوله: ((يختصّ) في رواية جَرِير عن منصور في الرُّقاق (٦٤٦٦): ((يُخُصّ)) بغير مُثَنَّةٍ.
قوله: ((ديِمةً)) بكسر أوَّلِه وسكونِ التحتانية، أي: دائماً، قال أهل اللُّغة: الدِّيمةُ: مطرٌ
يَدُومُ أياماً، ثمّ أُطلِقَت على كلِّ شيءٍ يستمرُّ.
قوله: ((وأيُّكم يُطِيق)) في رواية جَرِير: ((يستطيع)) في الموضعين، والمعنى مُتَقاربٌ.
٦٥ - باب صوم يوم عرفة
١٩٨٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن مالكٍ، قال: حدَّثني سالمٌ، قال: حدَّثني عُمَيْرٌ
مولى أُمّ الفضلِ: / أنَّ أُمَّ الفضلِ حدَّثَته (ح) وحدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي ٢٣٧/٤
النَّضِرِ مولى عمرَ بنِ عُبيد الله، عن عُمَير مولى عبد الله بنِ عبَّاسٍ، عن أَمِّ الفضلِ بنتِ الحارثِ:
أنَّ ناساً تَمَارَوْا عندَها يومَ عَرَفَةَ في صومِ النبيِّ وَّه، فقال بعضُهم: هو صائمٌّ، وقال بعضُهم:
ليس بصائمٍ، فأرسَلَت إليه بقَدَحِ لبنٍ وهو واقِفٌ على بعيرِه فشَرِبَه.
قوله: ((باب صوم يوم عَرَفة)) أي: ما حُكمُه؟ وكأنَّه لم تَثْبُت الأحاديثُ الواردةُ في الترغيب
(١) باب رقم (٦٠).

٥١٨
باب ٦٥ / ح ١٩٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
في صومه على شرطِهِ، وأصحُّها حديثُ أبي قَتَادةَ: ((أنَّه يُكفِّر سنةً آتيَةً وسنةً ماضيةً)) أخرجه
مسلم (١١٦٢) وغيره، والجمعُ بينه وبين حديثَي الباب أن يُحمَل على غير الحاجِّ، أو على من
لم يُضعِفه صيامُه عن الذِّكر والدُّعاءِ المطلوب للحاجِّ كما سيأتي تفصيلُ ذلك.
قوله: ((حدَّثني سالمٌ)) هو أبو النَّضر المذكور في الطريق الثانية، وهو بكنيته أشھَر، وربَّما
جاء باسمِهِ وكُنيته معاً فيقال: حدَّثنا سالمٌ أبو النَّضر، وإنَّما ساق البخاري الطريقَ الأولى مع
نزولها لما فيها من التصريحِ بالتحديث في المواضع التي وَقَعَت بالعنعنة في الطريق الثانية
مع عُلوّها، وما أكثرَ ما يَحِرِصُ البخاري على ذلك في هذا الكتاب.
قوله: ((عُمَير مولى أُمِّ الفضل)) هو عُمَير مولى ابن عبّاس، فمن قال: مولى أُمّ الفضل
فباعتبار أصلِه، ومن قال: مولى ابن عبّاس فباعتبار ما آل إليه حالُه، لأنَّ أُمَّ الفضل هي
والدة ابن عبّاس، وقد انتَقَلَ إلى ابن عبّاس ولاءُ موالي أُمِّه. وليس لعُمَير في البخاري سوى
هذا الحديث، وقد أخرجه أيضاً في الحج في موضعين (١٦٥٨ و١٦٦١) وفي الأشربة في
ثلاثة مواضعَ (٥٦٠٤و٥٦١٨ و٥٦٣٦)، وحديث آخر تقدَّم في التيمُّم (٣٣٧).
قوله: ((أنَّ ناساً تَمَارَوْا)) أي: اختَلَفوا، ووقع عند الدّار قطني في ((الموطَّآت)) من طريق
أبي نوحٍ عن مالك: اختلف ناس من أصحاب رسول الله وَله.
قوله: ((في صوم النبي ◌َّ) هذا يُشعِرُ بأنَّ صوم يوم عَرَفَ كان معروفاً عندهم مُعتاداً لهم
في الحَضَر، وكأنَّ من جَزَمَ بأنَّه صائم استَنَدَ إلى ما ألِفَه من العادةِ (١)، ومن جَزَمَ بأنَّه غيرُ
صائم قامَت عنده قرينةُ كونِه مسافراً، وقد عُرِفَ نهيُه عن صوم الفرض في السَّفر فضلاً
عن النَّفْل.
قوله: ((فأرسَلَت)) سيأتي في الحديث الذي يليه أنَّ ميمونة بنت الحارث هي التي
أرسَلَت، فيحتمل التعدُّد، ويحتمل أنَهما معاً أرسَلَنا فنُسِبَ ذلك إلى كلٍّ منهما، لأنهما كانتا
أُختَينِ، فتكون ميمونة أرسَلَت بسؤال أُمّ الفضل لها في ذلك لكَشفِ الحال في ذلك،
(١) تحرَّفت في (س) إلى: العبادة، وما أثبتناه من (أ) و(ع) وهو الصواب الذي يقتضيه السياق.

٥١٩
باب ٦٥ / ح ١٩٨٩
كتاب الصوم
ويحتمل العكس، وستأتي الإشارة إلى تعيينٍ كون ميمونةَ هي التي باشَرَت الإرسالَ. ولم
يُسمَّ الرَّسولُ في طرق حديث أُمّ الفضل، لكن روى النَّسائي من طريق سعيد بن جُبَير عن
ابن عبّاس ما يدلُّ على أنَّه كان الرَّسولَ بذلك(١)، ويُقوِّي ذلك أنَّه كان ثَمَّن جاء عنه أنَّه
أرسَلَ إمّا أُمَّه وإمّا خالته.
قوله: ((وهو واقِفٌ على بعيره)) زاد أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق يحيى بن سعيد عن
مالك: وهو يَخْطُبُ الناسَ بعَرَفة، وللمصنّف في الأشربة (٥٦١٨) من طريق عبد العزيز بن
أبي سَلَمة عن أبي النَّضر: وهو واقفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، ولأحمد (٢٦٨٦٩)، والنَّسائي (ك٢٨٣٢)
من طريق عبد الله بن عبّاس عن أُمّه ◌ُمّ الفضل: أنَّ رسول الله وَّهِ أَفطرَ بعرفةَ.
قوله: ((فشَرِبَه)) زاد في حديث ميمونةَ (١٩٨٩): والناسُ يَنظُرُونَ.
١٩٨٩ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، أَخَرَني ابنُ وَهْب - أو قُرِئَ عليه - قال: أخبرني عَمْرٌو،
عن بُكَير، عن كُرَيبٍ، عن ميمونةَ رضي الله عنها: أنَّ الناسَ شَكُّوا في صيام النبيِّ وَّهِ يومَ
عَرَفَةَ، فأرسَلَت إليه بحِلَابٍ وهو واقِفٌ في الموقِفِ، فشَرِبَ منه والناسُ يَنظُرُونَ.
قوله في حدیث ميمونة: «أخبرني عمرو)» هو ابن الحارث، وبُکیر: هو ابن عبد الله بن ٢٣٨/٤
الأشَجّ، ونصف إسناده الأوَّل مِصرِيُّون والآخر مدنيُّون.
وقوله: ((بحِلابٍ)) بكسر المهمَلة: هو الإناء الذي يُجعَلُ فيه اللَّبَن، وقيل: الحِلابُ: اللَّبَن
المحلوب، وقد يُطلَق على الإناءِ ولو لم يكن فيه لبنٌ.
تنبيه: روى الإسماعيلي حديث ابن وَهْب بثلاثة أسانيد: أحدها: عنه عن مالك بإسناده،
والثاني: عنه عن عَمْرو بن الحارث عن سالم أبي النَّضر شيخ مالك فيه به، والثالث: عن
عَمْرو عن بُكَير به، واقتَصَرَ البخاري على أحد أسانيدِه اكتِفاءً برواية غيره كما سَبَقَ.
(١) أخرج النسائي في ((الكبرى)) (٢٨٢٧) و(٢٨٢٨) حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في إفطار يوم
عرفة وليس فيه أنه كان الرسول بذلك، لكن روى ذلك عنه صالحٌ مولى التَّوْأمة عند الطبري في ((تهذيب
الآثار - مسند عمر» (٥٧١).

٥٢٠
باب ٦٥ / ح ١٩٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ بهذَينِ الحديثين على استحباب الفِطْرِ يومَ عَرَفَ بِعَرَفة، وفيه نظرٌ لأنَّ فعله
المجَرَّدَ لا يدلُّ على نفي الاستحباب، إذ قد يَتْرُكُ الشيءَ المستحَبَّ لبيان الجواز ويكون في
حَقُّه أفضلَ لمصلحة التبليغ، نعم روى أبو داود (٢٤٤٠) والنَّسائي (ك٢٨٤٣) وصَحَّحَه
ابن خُزَيمة (٢١٠١) والحاكم (٤٣٤/١) من طريق عِكْرمة: أنَّ أبا هريرة حدَّثَهم: أنَّ
رسول الله وَ﴿ نهى عن صوم يوم عَرَفَ بعَرَفة(١)، وأخذ بظاهره بعضُ السَّلَف، فجاء عن
يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجبُ فِطْرُ يوم عَرَفة للحاجّ، وعن ابن الزُّبَير وأُسامةَ بن
زید وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، و کان ذلك يُعجِبُ الحسنَ ویحکیه عن عثمان.
وعن قَتَادةَ مذهبٌ آخرُ قال: لا بأس به إذا لم يُضعِف عن الدُّعاء، ونقله البيهقي في
((المعرفة)) عن الشافعي في القديم، واختاره الخطَّابي والمتولّ من الشافعية، وقال الجمهور:
يُستَحَبُّ فِطْرُه، حتَّى قال عطاءً: من أفطرَه ليتقوَّى به على الذِّكر كان له مثلُ أجر الصائم.
وقال الطَّبري: إِنَّا أفطرَ رسول الله وَّه بِعَرَفة ليدُلَّ على الاختيار للحاجِّ بمكَّة لكي لا
يَضعُفَ عن الدُّعاءِ والذِّكر المطلوب يومَ عرفة. وقيل: إنَّما أفطرَ لموافقته يومَ الجمعة، وقد
نهى عن إفراده بالصوم، ويُبعِدُه سياقُ أوَّل الحديث.
وقيل: إنَّما كَرِهَ صوم يوم عَرَفة لأنه يوم عيد لأهل الموقِف لاجتماعهم فيه، ويُؤيِّده ما
رواه أصحاب ((السُّنن)) (٢) عن عُقْبة بن عامر مرفوعاً: ((يوم عَرَفة ويوم النَّحر وأيام مِنّى
عيدُنا أهلَ الإسلام».
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ العِيانَ أقطَعُ للحُجّة وأنَّه فوقَ الخبر، وأنَّ الأكلَ والقُّربَ
في المحافل مُباحٌ ولا كراهةَ فيه للضَّرورة.
وفيه قَبُولُ الهديَّة من المرأة من غير استفصال منها، هل هو من مال زوجها أو لا؟
ولعلَّ ذلك من القَدْر الذي لا تَقعُ فيه المشاخَّة، قال المهلَّب: وفيه نظرٌ لمَا تقدَّم من احتمال
(١) إسناده ضعيف لجهالة راويه عن عكرمة.
(٢) أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٣٠٠٤)، وانظر («المسند» (١٧٣٨٣).