Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ٥٠ / ح ١٩٦٧ كتاب الصوم أصحاب الحديث، وتقدَّم توجيهه(١)، وأنَّ من الشافعية من قال: إنَّه ليس بوصالٍ حقيقةً. قوله: ((حدَّثني ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز، وشيخه يزيد: هو ابن عبد الله بن الهاد ٢٠٩/٤ شيخ الليث في الباب الذي قبله في هذا الحديث (١٩٦٣) بعينه، وعبد الله بن خبَّاب بِمُعجَمةٍ وموخَّدتَينِ الأولى مُثقَّلة: مدنيٌّ من موالي الأنصار، لم أرَ له روايةً إلَّا عن أبي سعيد الخدري، وقد أخرج له المصنّف سبعةَ أحاديث هذا ثانيها، وتوقّف الجَوزَقي في معرفة حاله، ووَثَّقَه أبو حاتم الرازي وغيره، وقد وافقه على رواية حديث الوِصال عن أبي سعيدٍ بشرُ بن حَرْب، أخرجه عبد الرزاق (٧٧٥٥) من طريقه. تنبيه: وقع عند ابن خُزيمة (٢٠٧٢) في حديث أبي صالح عن أبي هريرة من طريق عَبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه تقييدُ وِصال النبيِ وَلِّ بأنَّه إلى السَّحَر، ولفظه: كان رسول الله وَلّ يُواصل إلى السَّحَر، ففَعَلَ بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسول الله، إِنَّك تَفعل ذلك ... الحديثَ، وظاهرُه يعارضُ حديثَ أبي سعيد هذا، فإنَّ مُقتَضى حديث أبي صالح النَّهيُّ عن الوصال إلى السَّحَر، وصريح حديث أبي سعيد الإذنُ بالوصال إلى السَّحَر، والمحفوظُ في حديث أبي صالح إطلاقُ النَّهي عن الوِصال بغير تقييدٍ بالسَّحَر، ولذلك اتَّفَقَ عليه جميع الرُّواة عن أبي هريرة، فرواية عَبيدة بن حميدٍ هذه شاذّةٌ، وقد خالَفَه أبو معاوية وهو أضبَطُ أصحاب الأعمَش، فلم يَذكُر ذلك، أخرجه أحمد (٧٤٣٧) وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نُمَير عن الأعمَش كما تقدَّم(٢)، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميدٍ محفوظة، فقد أشار ابن خُزيمة إلى الجمع بينهما بأنَّه يحتمل أن يكون نهى وََّ عن الوِصال أوَّلاً مُطلَقاً سواءٌ جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يُحمَلُ النهيُ في حديث أبي صالح، ثمَّ خَصَّ النَّهيَ بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السَّحَر، وعلى هذا يُحمَلُ حديث أبي سعيد، أو يُحمَل النَّهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، والنَّهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السَّحَر على كراهة التحريم، والله أعلم. (١) في باب الوصال الذي سلف برقم (٤٨). (٢) عند شرح الحديث رقم (١٩٦٦). ٤٦٢ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوُّع، ولم ير عليه قضاءً إذا كان أوفقَ له ١٩٦٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَارٍ، حدَّثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا أبو العُمَيسِ، عن عَوْنِ بنِ أبي ◌ُحَيفةَ، عن أبيه، قال: آخَى النبيُّ نَ ◌ّ بِينَ سلمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرأَى أُمَّ الدَّرداءِ مُتبذِّلةً، فقال لها: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداءِ ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، فجاء أبو الدَّرداءِ فصَنَعَ له طعاماً، فقال له: كُلْ، قال: فإنِي صائمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تأكلَ، قال: فأكَلَ، فلمَّا كان الليلُ ذهبَ أبو الدَّرداءِ يقومُ، قال: نَمْ، فنامَ، ثمَّ ذهبَ يقومُ، فقال: نَمْ، فلمَّا كان من آخرِ الليلِ قال سلمانُ: قُم الآنَ، فصَلَّيًا، فقال له سلمانُ: إنَّ لربِّكَ عليكَ حَقّاً، ولِنفسِكَ عليكَ حَقّاً، ولأهلِكَ عليكَ حَقّاً، فَأَعطِ كلَّ ذي حقٌّ حَقَّه. فأتى النبيَّ وَّةٍ فذكر ذلك له، فقال له النبيُّ ◌َّ: «صَدَقَ سلمانُ)). [طرفه في: ٦١٣٩ ] قوله: «باب من أقسم على أخیه لیفطر في التطوُّع، ولم یرَ علیه قضاء إذا كان أوفقّ له)) ذکر فيه حديث ابن أبي جُحَيفةَ في قصَّة أبي الدَّرداء وسلمان، فأمَّا ذكر القَسَم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأُبيِّنه، وأمَّا القضاء فلم أقفْ عليه في شيء من طرقِه إلّا أنَّ الأصل عَدَمُه، وقد أقرَّه الشارع، ولو كان القضاءُ واجباً لَبيَّنه له مع حاجته إلى البيان، وكأنَّه يشير إلى حديث أبي سعيد قال: صَنَعتُ للنبيِوَ لّ طعاماً، فلمَّا وُضِعَ قال رجل: أنا صائم، فقال ٢١٠/٤ رسول الله به له:/ «دعاكَ أخوك وتکلَّفَ لك، فطِرْ وصُمْ مكانه إن شئتَ))، رواه إسماعيل ابن أبي أوَيس عن أبيه عن ابن المنكَدِر عنه، وإسناده حسنٌ، أخرجه البيهقي (٢٧٩/٤)، وهو دالٌّ على عَدَم الإيجاب. وقوله: ((إذا كان أوفقَ له)) قد يُفهَمُ أنَّه يرى أنَّ الجواز وعَدَم القضاء لمن كان معذوراً بفِطْره لا من تَعمَّدَه بغير سببٍ. تنبيه: قوله: ((أوفقَ له)) يُروَى بالواو الساكنة، وبالراءِ بدلَ الواو، والمعنى صحيحٌ فيهما. ٤٦٣ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ كتاب الصوم قوله: ((حدَّثنا أبو العُمَيس)) بمُهمَلَتَينِ مُصغَّر، اسمه عُتبة، ولم أرَ هذا الحديث إلَّا من روايته عن عَوْن بن أبي جُحَيفة، ولا رأيت له راوياً عنه إلَّا جعفر بن عَوْن، وإلى تفرُّدِهما بذلك أشار البَزَّار. قوله: ((آخِى النبيُّ وَّ بين سلمان وأبي الدَّرداء)» ذكر أصحابُ المغازي أنَّ المؤاخاةَ بين الصحابة وَقَعَت مرَّتين: الأولى قبلَ الهجرة بين المهاجرين خاصَّةً على المواساة والمناصَرة، فكان من ذلك أُخوّةُ زيد بن حارثةَ وحمزة بن عبد المطَّلِب، ثمَّ آخى النبي ◌َِّ بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجَرَ، وذلك بعد قدومه المدينةَ، وسيأتي في أوَّل كتاب البيع (٢٠٤٨) حديثُ عبد الرحمن بن عوف: لمَّا قَدِمنا المدينةَ آخى النبي ◌َّ بيني وبين سعد ابن الرَّبيع. وذكر الواقديُّ أنَّ ذلك كان بعد قدومه وَ لّ بخمسة أشهر والمسجد يُبنى، وقد سمَّى ابن إسحاق منهم جماعة منهم: أبو ذرِّ والمنذِر بن عَمْرو، فأبو ذرِّ مهاجري، والمنذِرُ أنصاري. وأنكَرَه الواقدي؛ لأنَّ أبا ذرِّ ما كان قَدِمَ المدينة بعدُ، وإنَّما قَدِمَها بعد سنة ثلاثٍ. وذكر ابن إسحاق أيضاً الأُخوّةَ بين سلمان وأبي الدَّرداء كالذي هنا، وتعقّبه الواقدي أيضاً فيما حكاه ابن سعد: أنَّ سلمان إنَّما أسلمَ بعد وقعة أُحُدٍ، وأوَّل مَشاهده الخندق. والجواب عن ذلك كلّه: أنَّ التاريخ المذكور للهجرة الثانية هو ابتداء الأُخوّة، ثمَّ كان النبي ◌َّهَ يُؤَاخِي بين مَن يأتي بعد ذلك وهَلُمَّ جَرّاً، وليس باللّزم أن تكون المؤاخاةُ وَقَعَت دفعةً واحدة حتَّى يَرِدَ هذا التعقّب، فصَحَّ ما قاله ابن إسحاق، وأيََّه هذا الخبر الذي في (الصحيح)) وارتَفَعَ الإشكالُ بهذا التقرير، ولله الحمد. واعتَرَضَ الواقدي من جهةٍ أُخرى، فروى عن الزُّهْري: أنَّه كان يُنكِرُ كلَّ مُؤاخاةٍ وَقَعَت بعد بدرٍ يقول: قَطَعَت بدرٌ المواريثَ. قلت: وهذا لا يَدفَع المؤاخاة من أصلها، وإِنَّمَا يَدِفَع المؤاخاةَ المخصوصةَ التي كانت عُقِدَت بينهم ليتوارثوا بها، فلا يَلزَم من نَسْخ التوارث المذكور أن لا تَقعَ المؤاخاةُ بعد ذلك على المواساة ونحو ذلك. وقد جاء ذِكرُ المؤاخاة بين سلمان وأبي الدَّرداء من طرقٍ صحيحةٍ غير هذه، وذكر ٤٦٤ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري البَغَوي في ((مُعجَم الصحابة)) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال: ((آخى النبيُّ وَ لَوِ بين أبي الدَّرداء وسلمان؛ فذكر قصَّةً لهما غير المذكورة هنا، وروى ابن سعد (٤ / ٨٤) من طريق حميد بن هلال قال: آخى بين سلمان وأبي الدَّرداء، فنزل سلمان الكوفةَ، ونزل أبو الدَّرداء الشام، ورجاله ثقاتٌ. قوله: («فزار سلمانُ أبا الدَّرداء» يعني: في عهد النبي ◌َّهِ، فَوَجَدَ أبا الدَّرداء غائباً. قوله: («مُتبذٍّلةً)) بفتح المثنَّة والموخَّدة، وتشديد الذّال المعجمة المكسورة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة، بكسر الموخَّدة وسكون الذّال: وهي المِهنة وزناً ومعنّى، والمراد: أنَّها تاركةٌ للُبسِ ثياب الزّينة. وللكُثْمِيهنيّ: ((مُبْتَذِلة)) بتقديم الموحّدة والتخفيف، وزنَ مُفْتَعِلةٍ والمعنى واحد. وفي ترجمة سلمان من ((الحِلْية)) لأبي نُعيم (١/ ١٨٧ -١٨٨) بإسناد آخر إلى أُمّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء: أنَّ سلمان دخل عليه، فرأى امرأته رَثَّةَ الهيئة؛ فذكر القصّة مُتْصَرةً. وأُمّ الدَّرداء هذه هي خَيْرة - بفتح المعجمة وسكون التحتانية - بنت أبي حَدْرَد الأسلمية، صحابية بنت صحابي، وحديثها عن النبي ◌ٍَّ في ((مُسنَد أحمد)) (٢٧٠٣٨ - ٢٧٠٤١ و٢٧٥٥٨- ٢٧٥٥٩) وغيره، وماتت أُمّ الدَّرداء هذه قبلَ أبي الدَّرداء، ولأبي الدَّرداء أيضاً امرأةٌ أُخرى يقال لها: أُمّ الدَّرداء تابعية، اسمها هُجَيمة، عاشت بعدَه دهراً وروت عنه، وقد تقدَّم ذِکرُها في كتاب الصلاة (٦٥٠). قوله: ((فقال لها: ما شأنُك؟)) زاد التِّرمِذي في روايته (٢٤١٣) عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: يا أُمّ الدَّرداء أمُتبذِّلة؟ قوله: ((ليس له حاجَةٌ في الدُّنيا» في رواية الدّارِقُطْني (٢٢٣٥) من وجهٍ آخرَ عن جعفر ٢١١/٤ ابن عَوْن: في نساء الدُّنيا، وزاد فيه ابن خُزيمة (٢١٤٤) عن يوسف بن موسى عن جعفر ابن عَوْن: يصوم النّهار ویقوم الليل. قوله: ((فجاء أبو الدَّرداء، فصَنَعَ له)) زاد التِّرمِذي(١): فَرَخَّبَ بسلمانَ وقَرَّبَ إليه طعاماً. (١) ذهل الحافظُ بعزو الزيادة إلى الترمذي، وإنما هي عند البزار في ((مسنده)) (٤٢٢٣) عن محمد بن بشار = ٤٦٥ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ كتاب الصوم قوله: ((فقال له: گُلْ، قال: فإنِّ صائم)» کذا في رواية أبي ذرٍّ، والقائل: ((كُلْ)) هو سلمان، والمقول له أبو الدَّرداء، وهو المجيبُ: بإنِّي صائمٌ، وفي رواية التِّرمِذي: ((فقال: كُل فإنِّي صائم))، وعلى هذا فالقائل: أبو الدَّرداء، والمقول له: سلمان، وكلاهما يحتمل، والحاصلُ أنَّ سلمان وهو الضَّيفُ أَبى أن يأكلَ من طعام أبي الدَّرداء حتَّى يأكلَ معه، وغرضُه أن يَصِرِفَه عن رأيه فيما يصنعُه من جَهْد نفسه في العبادة، وغير ذلك ممّا شَكَتْه إليه امرأته. قوله: ((قال: ما أنا بآكلِ حتَّى تأكُلَ)) في رواية البَزَّار (٤٢٢٣) عن محمد بن بشَّار شيخ البخاري فيه: ((فقال: أقسَمتُ عليكَ لتُفطِرَنَّ»، وكذا رواه ابن خُزيمة (٢١٤٤) عن يوسف ابن موسى، والدّار قُطني (٢٢٣٥) من طريق عليّ بن مسلم وغيره، والطبراني (٢٨٥/٢٢) من طريق أبي بكر وعثمان ابنَي أبي شَيْبة والعبَّاس بن عبد العظيم، وابن حِبّان (٣٢٠) من طريق أبي خَيْئمة، كلّهم عن جعفر بن عَوْن به، فكأنَّ محمد بن بشَّار لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّثَ به البخاريَّ، وبَلَغَ البخاريَّ ذلك من غيره فاستَعمَلَ هذه الزِّيادة في الترجمة مُشيراً إلى صِحَّتها، وإن لم تقع في روايته، وقد أعاده البخاري في كتاب الأدب (٦١٣٩) عن محمد ابن بشّار بهذا الإسناد ولم يذكرها أيضاً، وأغنى ذلك عن قول بعض الشُّرّاح كابن المنيِّر: إِنَّ القَسَم في هذا السِّياق مقدَّرٌ قبل لفظ: ((ما أنا بآكِلِ)) كما قُدِّرَ في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وترجم المصنِّفُ في الأدب: ((باب صُنع الطعام والتكلُّف للضيف))، وأشار بذلك إلى حديثٍ يُروى عن سلمان في النَّهي عن التكلُّف للضَّيف، أخرجه أحمد (٢٣٧٣٣) وغيره بسندٍ ليِّن، والجمع بينهما أنَّه يُقرِّبُ لضيفه ما عنده ولا یتکلّف ما ليس عنده، فإن لم یکن عنده شيء فيَسُوغُ حينئذٍ التكلُّفُ بالطَّبخ ونحوه. قوله: «فلمَّا كان الليل)» أي: في أوَّله، وفي رواية ابن خُزَيمة وغيره: ثمَّ باتَ عنده. قوله: ((يقوم فقال: نَمْ)) في رواية التِّرمِذي وغيره: فقال له سلمان: نَم، زاد ابن سعد = شيخ البخاري والترمذي فيه. ٤٦٦ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري (٨٤/٤-٨٥) من وجه آخر مُرسَل: فقال له أبو الدَّرداء: أتمنَعُني أن أصومَ لربِ وأُصلِّيَ لربِ. قوله: ((فلمَّا كان في آخر الليل)) أي: عند السَّحَر، وكذا هو في رواية ابن خُزيمة، وعند التِّمِذي (٢٤١٣): فلمَّا كان عند الصُّبح، وللدّار قُطني (٢٢٣٥): فلمَّا كان في وجه الصُّبح. قوله: ((فصَلَّيا)) في رواية الطبراني: فقاما فتوَضَّاً ثمَّ ركعا ثمَّ خَرَجا إلى الصلاة. قوله: ((ولأهلِك عليك حَقّاً) زاد التِّرمِذي (٢٤١٣) وابن خُزيمة (٢١٤٤): ولضيفِك عليك حَقّاً، زاد الدّار قطني: فصُم وأفطِر، وصَلِّ ونم، وائتِ أهلَك. قوله: ((فأتى النبيَّ ◌َ﴿) في رواية النِّرمِذي: ((فأتيا)» بالتثنية، وفي رواية الدّار قطني: ثمَّ خَرَجا إلى الصلاة، فدَنا أبو الدَّرداء ليخبِرَ النبي ◌َّ بالذي قال له سلمان، فقال له: ((يا أبا الدَّرداء، إنَّ ◌َجَسَدِك عليك حَقّاً) مثل ما قال سلمان. ففي هذه الرواية أنَّ النبي ◌َّر أشار إليهما بأنَّه عَلِمَ بطريق الوحي ما دار بينهما، وليس ذلك في رواية محمد بن بشَّار، فيحتمل الجمع بين الأمرين، أنَّه كاشَفَهما بذلك أوَّلاً، ثمَّ أطلَعَه أبو الدَّرداء على صورة الحال، فقال له: ((صَدَقَ سلمان». وروى هذا الحديث الطبراني(١) من وجه آخر عن محمد بن سيرين مُرسلاً، فعَيَّنَ الليلة التي باتَ سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: قال: ((كان أبو الدَّرداء يُحبي ليلة الجمعة ويصوم يومها، فأتاه سلمان)) فذكر القصَّة مُختصَرةً وزاد في آخرها: فقال النبي ◌َّ: ((عُوَيمِر، سلمانُ أفقَهُ منك)) انتهى، وعُوَيمِر اسم أبي الدَّرداء، وفي رواية أبي نُعيم (٢) المذكورة آنِفاً: فقال النبي ◌ِّ: (لقد أُوتي سلمانُ من العلم))، وفي رواية ابن سعد المذكورة: ((لقد أُشْبِعَ سلمانُ عِلمً». وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعيةُ المؤاخاة في الله، وزيارةُ الإخوان والمبيت ٢١٢/٤ عندهم، وجواز مُخاطَبة الأجنبية للحاجة، والسُّؤال عمّا يَترتَب/ عليه المصلحةُ، وإن كان (١) لم نقف عليه عند الطبراني، وهو عن محمد بن سيرين مرسلاً عند ابن سعد ٨٥/٤. (٢) في ((الحلية)) ١ / ١٨٧ -١٨٨. ٤٦٧ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ كتاب الصوم في الظاهر لا يَتعلَّق بالسائل، وفيه النُّصح للمسلم وتنبيه من أغفَل، وفيه فضل قيام آخر الليل، وفيه مشروعية تزيُّنِ المرأة لزوجها، وثبوتُ حقّ المرأة على الَّوج في حُسن العِشْرة، وقد يُؤخَذ منه ثبوتُ حَقّها في الوَطْء لقوله: ((ولأهلك عليك حَقّاً) ثمَّ قال: ((وائتِ أهلَك))، وقَرَّرَه النبي ◌َّ على ذلك. وفيه جواز النَّهي عن المستحَبّات إذا خشيَ أنَّ ذلك يُفضي إلى السَّآمة والملل، وتفويتٍ الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلُها على فعل المستحَبّ المذكور، وإنَّما الوعيدُ الوارد على مَن نهى مُصلّياً عن الصلاة مخصوصٌ بمَنْ نهاه ظُلماً وعُدواناً. وفيه كراهية الحمل على النَّفْس في العبادة، وسيأتي مَزيدُ بيان لذلك في الكلام على حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص (١٩٧٤). وفيه جواز الفِطْر من صوم التطوُّع كما ترجم له المصنّف، وهو قول الجمهور، ولم يَجَعَلوا عليه قضاء إلّا أنَّه يُستَحَبّ له ذلك، وروى عبد الرزاق (٧٧٦٧) عن ابن عبّاس: أنَّه ضَرَبَ لذلك مثلاً كمن ذهب بمالٍ ليتصدَّقَ به، ثمَّ رَجَعَ ولم يتصدَّق به، أو تَصَدَّقَ ببعضِه وأمسَكَ بعضه، ومن حُجَّتهم حديثُ أُمّ هانئ: أنَّها دخلَت على النبيِّهِ وهي صائمةٌ فدَعَا بشرابٍ فشَرِب، ثمَّ ناوَلها فشَرِبَت، ثمَّ سألته عن ذلك، فقال: ((أكنتِ تقضين يوماً من رمضان؟)) قالت: لا، قال: ((فلا بأس))، وفي رواية: ((إن كان من قضاءٍ فصومي مكانه، وإن كان تطوُّعاً فإن شئت فاقضِه، وإن شئت فلا تَقضِه)) أخرجه أحمد (٢٦٩١٠) والتِّرمِذي (٧٣١) والنَّسائي (ك٣٢٩١) (١)، وله شاهد من حديث أبي سعيد تقدَّم ذِكرُه في أوَّل الباب. وعن مالك: الجواز وعَدَم القضاء بعُذرٍ، والمنع وإثبات القضاء بغير عُذر. وعن أبي حنيفة: يَلْزَمُه القضاء مُطلَقاً، ذكره الطَّحاوي وغيره وشبّهه بمن أفسَدَ حجَّ التطوُّع، فإنَّ عليه قضاءَه اتِّفاقاً، وتُعُقِّبَ بأنَّ الحج امتازَ بأحكام لا يُقاس غيرُه عليه فيها، فمِن ذلك أنَّ (١) لفظ أحمد والنسائي كالرواية الثانية، ولفظ الترمذي كالأولى، وهي عند أبي داود أيضاً برقم (٢٤٥٦). وفي إسناد حديث أم هانئ هذا مقال. ٤٦٨ باب ٥١ / ح ١٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري الحَجَّ يُؤمَرُ مُفسِدُه بالمضيِّ في فاسده، والصيام لا يُؤْمَرُ مُفسِدُه بالمضي فيه فافتَرَقا، ولأنَّه قياس في مُقابَلة النصِّ فلا يُعتَبرُ به، وأغرَبَ ابن عبد البَرِّ فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمَّن أفسد صومه بعذرٍ. واحتَجَّ مَن أوجَبَ القضاء بما روى التِّرمِذي (٧٣٥) والنَّسائي (ك٣٢٧٨) من طريق جعفر بن بُرْقان، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتین، فَعُرِضَ لنا طعام اشتَهَيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﴿ فبَدَرَتني إليه حفصةُ وكانت ببيت أبيها، فقالت: يا رسول الله؛ فذكرت ذلك فقال: ((اقضيا يوماً آخرَ مكانه)) قال التِّرمِذي: رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضَر عن الزُّهْري مثل هذا، ورواه مالك ومَعمَر وزياد بن سعد وابن عُيَينةَ وغيرهم من الحُفّاظ عن الزُّهْري عن عائشة مرسلاً، وهو أصحُّ؛ لأنَّ ابن جُرَيج ذكر أنَّه سأل الزُّهْري عنه فقال: لم أسمع من عُرْوة في هذا شيئاً، ولكن سمعت من ناسٍ عن بعض مَن سأل عائشة، فذكره ثمّ أسنَدَه كذلك. وقال النَّسائي: هذا خطأٌ، وقال ابن عُيَينةَ في روايته: سُئِلَ الزُّهْري عنه: أهو عن عُرْوة؟ فقال: لا. وقال الخلَّالُ: اتَّفَقَ الثَّقات على إرساله، وشَذَّ من وصله. وتواردَ الحُفّاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، وقد رواه مَن لا يُوثَّقُ به عن مالك موصولاً، ذكره الدّار قُطني في ((غرائب مالك))، وبيَّن مالك في روايته فقال: إنَّ صيامهما كان تطوُّعاً. وله طريق أُخرى عند أبي داود (٢٤٥٧) من طريق زُمَيل عن عُرْوة عن عائشة، وضعَّفَه أحمد والبخاري والنَّسائي بجهالة حال زُمَيل، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فقد صَحَّ عن عائشة: أنَّه وَ له كان يُفطِر من صوم التطوُّع، كما تقدَّمت الإشارة إليه في ((باب مَن نَوى بالنَّهار صوماً)(١)، وزاد فيه بعضهم: ((فأكَلَ ثمّ قال: لكن أصومُ يوماً مكانه))، وقد ضعَّف النَّسائي (ك٣٣٠٠) هذه الزيادة وحَكَم بخَطَئها، وعلى تقدير الصِّحّة فيُجمَع بينهما بحمل الأمر بالقضاءِ على النَّدب، وأمَّا قول القُرطُبي: يُجابُ عن (١) وهو الباب السالف برقم (٢١). ٤٦٩ باب ٥٢ / ح ١٩٦٩ كتاب الصوم حديث أبي جُحَيفةَ بأنَّ إفطار أبي الدَّرداء كان لقَسَم سلمان، ولعُذر الضّيافة؛ فيُتوقَّف على أنَّ هذا العُذرَ من الأعذار التي تُبيح الإفطار. وقد نقل ابنُ التِّين عن مذهب مالك: أنَّه لا يُفطِر لضيفٍ نزل به، ولا لمن حَلَفَ عليه ٢١٣/٤ بِالطَّلاق والعَتَاق، وكذا لو حَلَفَ هو بالله ليُفطِرَنَّ كَفَّرَ ولا يُفطِرِ، وسيأتي بعد أبوابٍ (١٩٨٢) من حديث أنسٍ: أنَّ النبي ◌َّ لمَّا زار أُمَّ سُلَيم لم يُفطِر، وكان صائماً تطوُّعاً، وقد أَنصَفَ ابن المنيِّر في ((الحاشية)) فقال: ليس في تحريم الأكل في صورة النَّفل من غير عُذر إلَّا الأدِلَّةُ العامَّةُ، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، إلّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّمُ على العام كحديث سلمان، وقولُ المهلَّب: إنَّ أبا الدَّرداء أفطرَ مُتأوّلاً ومجتهداً، فيكون معذوراً فلا قضاء عليه، لا يَنطَبِقِ على مذهب مالك، فلو أفطرَ أحد بمثل عذر أبي الدَّرداء عنده لَوَجَبَ عليه القضاء، ثمَّ إنَّ النبي ◌ََّ صَوَّبَ فعل أبي الدَّرداء، فتَرقَّى عن مذهب الصحابي إلى نَصِّ الرَّسُول ◌َّه . وقد قال ابن عبد البَرِّ: ومن احتَجَّ في هذا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نُبِطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فهو جاهلٌ بأقوال أهل العلم، فإنَّ الأكثر على أنَّ المراد بذلك النَّهي عن الرِّياءِ، كأنَّه قال: لا تُبطِلوا أعمالكم بالرّياءِ بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تُبطِلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النَّهيَ عن إبطال ما لم يَفرِضه الله عليه، ولا أوجَبَ على نفسه بنَدْرٍ وغيره، لامتَنَعَ عليه الإفطار إلَّا بما يُبيح الفِطْر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك، والله أعلم. تنبيه: هذه الترجمة التي فَرَغْنا منها الآن أوَّل أبواب التطوُّع، بَدَأ المصنِّف منها بحُكْم صوم التطوُّع هل يَلزَم تمامُه بالدُّخول فيه أم لا؟ ثمَّ أوردَ بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب. ٥٢- باب صوم شعبان ١٩٦٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي النَّضرِ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله وَّهِ يصومُ حتَّى نقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتَّى ٤٧٠ باب ٥٢ / ح ١٩٦٩ - ١٩٧٠ فتح الباري بشرح البخاري نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رسولَ الله وَّه استكمَلَ صيامَ شهر إلا رمضانَ، وما رأيتُهُ أكثرَ صياماً منه في شعبانَ. [طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥] ١٩٧٠- حدَّثْنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أنَّ عائشةً رضي الله عنها حدَّثَتَه قالت: لم يكنِ النبيُّ بِّهِ يصومُ شهراً أكثرَ من شعبانَ، وكان يصومُ شعبانَ كلَّه، وكان يقول: ((خُذُوا من العملِ ما تُطِيقونَ، فإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا)). وأَحبُّ الصلاةِ إلى النبيِّ ◌ِّهِ ما دُووِمَ عليه وإن قَلَّت، وكان إذا صَلَّى صلاةً داوَمَ عليها. قوله: ((باب صوم شعبان)) أي: استحبابه، وكأنَّه لم يُصرِّح بذلك لمَا في عمومه من التخصيص، وفي مُطلَقِه من التقیید کما سیأتي بیانُه. وسُمّي شعبانَ لتَشَعُّبِهِم في طلب المياه، أو في الغارات بعد أن يَخْرُج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل فيه غيرُ ذلك. قوله: ((عن أبي النَّضر)) هو سالمٌ المدني، زاد مسلم (١٧٥/١١٥٦): مولى عمر بن عُبيد الله، وفي رواية ابن وَهْب عند النَّسائي (٢٣٥١) والدّار قُطْني في ((الغرائب)) عن مالك عن أبي النَّضر: أنَّه حدَّثَهم. قوله: ((عن عائشة)) في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة: أنَّ عائشة حدَّثَته، وهو في ثاني حديثَي الباب. وقوله فيه: ((عن يحيى عن أبي سَلَمَةَ)) في رواية مسلم (١١٥٦/ ١٧٧): عن يحيى بن أبي كثير، واتَّفَقَ أبو النَّضر ويحيى، ووافقهما محمد بن إبراهيم وزيد بن أبي عَتّاب عند النَّسائي ٢١٤/٤ (ك ٢٤٩٨ و٢٩٢١)،/ ومحمد بن عَمْرو عند التِّرمِذي (٧٣٧) على روايتهم إياه عن أبي سَلَمة عن عائشة، وخالَفَهم يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد، فروياه عن أبي سَلَمة عن أُمّ سَلَمة أخرَجهما النَّسائي(١)، وقال التِّرمِذي عَقِب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسنادٌ (١) رواية سالم بن أبي الجعد عند النسائي في ((الكبرى)) (٢٤٩٦) و((المجتبى)) (٢٣٥٢)، أما رواية يحيى بن = ٤٧١ باب ٥٢ / ح ١٩٦٩ - ١٩٧٠ كتاب الصوم صحيحٌ، ويحتمل أن يكون أبو سَلَمة رواه عن كلٍّ من عائشة وأُمّ سَلَمة. قلت: ويُؤيِّده أنَّ محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سَلَمة عن عائشة تارةً، وعن أُمّ سَلَمة تارةً أُخرى، أخرجهما النَّسائي (٢٣٥٣ و٢٣٥٤). قوله: ((أكثِرَ صياماً) كذا لأكثر الرُّواة بالنَّصب، وحكى السُّهَيلي أنَّه رُوي بالخفض، وهو وهمٌ، ولعلَّ بعضَهم كتب ((صياماً)) بغير ألف على رأي من يَقِفُ على المنصوب بغير ألفٍ فُؤُهِّمَ مخفوضاً، أو أنَّ بعض الرُّواة ظنَّ أنَّه مضاف، لأنَّ صيغة أفعلَ تُضافُ كثيراً فتوهَّمها مضافةً، وذلك لا يَصِحُّ هنا قطعاً. وقوله: ((أكثر)) بالنَّصب وهو ثاني مفعول ((رأیت)». وقوله: ((في شعبان)) يَتعلَّق بـ((صياماً))، والمعنى: كان يصومُ في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوُّعاً أكثرَ من صيامه فيما سواه. قوله: «في شعبان) زاد في حدیث یحیی بن أبي کثیر: فإنَّه کان یصوم شعبان کلَّه، زاد ابن أبي لَبِيد عن أبي سَلَمة عن عائشة عند مسلم (١٧٦/١١٥٦): كان يصوم شعبان إلَّا قليلاً. ورواه الشافعي من هذا الوجه بلفظ: ((بل كان يصوم ... )) إلى آخره(١)، وهذا يُبيِّنُ أنَّ المراد بقوله في حديث أُمّ سَلَمة عند أبي داود (٢٣٣٦) وغيره: أنَّه كان لا يصوم من السَّنة شهراً تامّاً إِلَّا شعبانَ يَصِلُه برمضان؛ أي: كان يصوم مُعظَمَه. ونقل التِّرمِذي (٧٣٧) عن ابن المبارك أنَّه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثرَ الشهر أن يقولَ: صام الشهرَ كلَّه، ويقال: قامَ فلانٌ ليلتَه أجمعَ، ولعلَّه قد تَعَشّى واشتَغَلَ ببعضٍ أمره، قال التِّرمِذي: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. وحاصلُه أنَّ الروايةَ الأولى مُفسِّرةٌ للثانية مُخُصِّصة لها، وأنَّ المراد بالكلِّ الأكثر، وهو مَجَازٌ قليلُ الاستعمال، واستَبعَدَه الطِّيبي قال: لأنَّ الكلَّ تأكيد لإرادة الشُّمول ودَفْع التجوُّز، = سعيد فليست لحديث أم سلمة، وإنما هي لحديث عائشة، وهي عند النسائي في ((المجتبى)) (٢٣٥٥)، وذكرها في حديث أم سلمة ذهولٌ من الحافظ رحمه الله. (١) أخرجه الشافعي في ((السنن المأثورة)) (٣٢١) بلفظ: كان يصومه كله بل كان يصومه إلا قليلاً. ٤٧٢ باب ٥٢ / ح ١٩٦٩ - ١٩٧٠ فتح الباري بشرح البخاري فتفسيرُه بالبعضِ مُنافٍ له، قال: فيُحمَل على أنَّه كان يصوم شعبان كلّه تارةً، ويصوم مُعظَمَه أُخرى، لئلا يُتوهّم أنَّه واجب كلّه کرمضان. وقيل: المراد بقولها ((كلَّه)): أنَّه كان يصوم من أوَّله تارةً ومن آخره أُخرى ومن أثنائه طَوراً، فلا يُخْلي شيئاً منه من صیام ولا يَخُصّ بعضه بصيام دون بعض. وقال الزّين بن المنيِّر: إمّا أن يُحمَل قول عائشة على المبالَغة والمراد الأكثر، وإمّا أن يُجمع بأنَّ قولها الثاني مُتأخّرٌ عن قولها الأوَّل، فأخبرت عن أوَّل أمره أنَّه كان يصوم أكثرَ شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنَّه كان يصومه كلَّه. انتهى، ولا يخفى تكلُّفُه، والأوَّل هو الصواب، ويُؤْيِّده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم (١١٥٦/ ١٧٤)، وسعد ابن هشام عنها عند النَّسائي (٢٣٤٨) ولفظُه: ((ولا صام شهراً كاملاً قطُّ منذُ قَدِمَ المدينة غير رمضان)»، وهو مثل حديث ابن عبّاس المذكور في الباب الذي بعد هذا (١٩٧١). واختُلِفَ في الحِكْمة في إكثاره وَّ من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغلُ عن صوم الثلاثة الأيام من كلِّ شهر لسفرٍ أو غيره فَتَجتَمِعُ فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بَطَّل، وفيه حديثٌ ضعيفٌ أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٠٩٨) من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله وَل﴿ يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، فربّمَا أَخَّرَ ذلك حتَّى يَجْتَمِعَ عليه صوم السَّنة، فيصوم شعبان. وابن أبي ليلى ضعيفٌ، وحدیث الباب والذي بعده دالٌّ على ضعف ما رواه. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضانَ، ووَرَدَ فيه حديثٌ آخرُ أخرجه التِّرمِذي (٦٦٣) من طريق صَدَقَةَ بن موسى عن ثابت عن أنس قال: سُئِلَ النبي ◌َّلي: أيُّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان)؛ لتعظيم رمضان. قال الثِّرمِذي: حديثٌ غريبٌ، وصَدَقةُ عندهم ليس بذاكَ القوي. قلت: ويعارضُه ما رواه مسلم (١١٦٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أفضلُ الصوم بعد رمضان صوم المحرَّم». ٤٧٣ باب ٥٢ / ح ١٩٦٩ - ١٩٧٠ كتاب الصوم وقيل: الحِكْمةُ في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أنَّ نساءَه كُنَّ يقضين ما عليهنَّ من رمضان في شعبان،/ وهذا عكسُ ما تقدَّم في الحِكْمة في كونهِنَّ كُنَّ يُؤخِّرنَ قضاء ٢١٥/٤ رمضانَ إلى شعبان، لأنه وَرَدَ فيه أنَّ ذلك لكونِنَّ كُنَّ يشتغلنَ معه ◌َِّ عن الصوم(١). وقيل: الحِكْمةُ في ذلك أنَّه يَعقُبُه رمضانُ وصومُه مُفترَضٌ، وكان يُكثِر من الصوم في شعبان قدرَ ما يصوم في شهرين غيره، لمَا يَفُوتُه من التطوُّع بذلك في أيام رمضان، والأولى في ذلك ما جاء في حديثٍ أصحَّ ممَّا مضى أخرجه النَّسائي (٢٣٥٧) وأبو داود وصَحَّحَه ابن خُزيمة (٢) عن أسامة بن زيدٍ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرَك تصومُ من شهر من الشُّهور ما تصوم من شعبان! قال: «ذلك شهرٌ يَغْفُلُ الناس عنه بين رجبٍ ورمضانَ، وهو شهر تُرفَعُ فيه الأعمال إلى ربّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُرفَعَ عملي وأنا صائمٌ))، ونحوُه من حديث عائشة عند أبي يعلى (٤٩١١) لكن قال فيه: ((إنَّ الله يكتبُ كلَّ نفسٍ ميِّةٍ تلك السَّنة، فأُحِبُّ أن يأتيني أجلي وأنا صائم))(٣)، ولا تَعارُضَ بين هذا وبين ما تقدَّم (١٩١٤) من الأحاديث في النَّهي عن تَقدُّم رمضانَ بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النَّهي عن صوم نصف شعبانَ الثاني(٤)، فإنَّ الجمعَ بينهما ظاهرٌ بأن يُحمَلَ النَّهيُّ على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. وفي الحديث دليلٌ على فضل الصوم في شعبان، وأجاب النَّووي عن كونِه لم يُكثِر من الصوم في المحرَّم مع قوله: ((إنَّ أفضلَ الصيام ما يقع فيه)) بأنَّه يحتمل أن يكون ما عَلِمَ ذلك إلَّا في آخر عُمُره، فلم يتمكَّن من كَثْرة الصوم في المحرَّم، أو اتَّفَقَ له فيه من الأعذار بالسَّفر والمرض مثلاً ما مَنَعَه من کَثْرة الصوم فيه. (١) يشير إلى حديث عائشة السالف برقم (١٩٥٠). (٢) أبوداود (٢٤٣٦)، وابن خزيمة (٢١١٩) اقتصرا فيه على ذكر عرض أعمال العباد يوم الاثنين والخميس، دون ذكر صوم شعبان، وأخرجه بنحو سياق النسائي أحمد في «مسنده» (٢١٧٥٣). (٣) وإسناده ضعيف. (٤) انظر آخر شرح الباب السالف برقم (١٤). ٤٧٤ باب ٥٣ / ح ١٩٧١ - ١٩٧٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم الكلامُ على قوله: ((لا يَمَلُّ الله حتَّى تَمَلُّوا))، وعلى بقية الحديث في ((باب أحبُّ الدِّين إلى الله أدومُه)) وهو في آخر كتاب الإيمان(١)، ومُناسَبةُ ذلك للحديث الإشارةُ إلى أنَّ صيامه وَِّ لا ينبغي أن يتأسّى به فيه إلَّا من أطاقَ ما كان يُطِيق، وأنَّ من أجهَدَ نفسه في شيء من العبادة خُشي عليه أن يَمَلَّ فيُقضى إلى تركِه، والمداومة على العبادة وإِن قَلَّت أَولى من جَهْد النَّفس في كثرتها إذا انقَطَعَت، فالقليل الدّائم أفضل من الكثير المنقَطِعِ غالباً، وقد تقدَّم الكلامُ على مُداوَمَته ◌َّ﴿ على صلاة التطوُّع في بابها. ٥٣ - باب ما يذكر من صوم النبيِّ وَيُّه وإفطاره ١٩٧١ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ بن جُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ما صامَ النبيُّ ◌َل﴿ شهراً كاملاً قطَّ غيرَ رمضانَ، ويصومُ حتَّى يقولَ القائلُ: لا والله لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتَّى يقولَ القائلُ: لا والله لا يصومُ. ١٩٧٢ - حذَّثني عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، أنَّه سمع أنساً ﴾ يقول: كان رسولُ الله وَلِ يُفطِرُ من الشهرِ حتَّى نَظُنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتَّى نَظُنَّ أن لا يُفطِرَ منه شيئاً، وكان لا تشاءُ تراهُ من الليلِ مُصلِّياً إِلَّ رأيتَه، ولا نائماً إِلَّ رأيتَه. وقال سليمانُ عن مُميدٍ: أنَّه سألَ أنساً في الصوم. ١٩٧٣ - حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا أبو خالدٍ الأحمرُ، أخبرنا مُميدٌ قال: سألتُ أنساً ﴾ه عن صيام النبيِّ وَّهِ، فقال: ما كنتُ أُحِبُّ أن أراهُ من الشهرِ صائماً إِلَّا رأيتُه، ولا مُفطِراً إِلَّ رأيتُه، ٢١٦/٤ ولا من الليلِ / قائمً إلَّا رأيتُه، ولا نائماً إِلَّا رأيتُه، ولا مَسِستُ خَزّةً ولا حَرِيرةً أليَنَ من كَفِّ رسولِ الله وَّه، ولا شَمِمتُ مِسكةً ولا عَبِيرةً أَطيَبَ رائحةً من رائحةِ رسولِ الله وَل﴾. قوله: ((باب ما يُذكَر من صوم النبي ◌َّ)) أي: التطوُّع ((وإفطاره)) أي: في خَلَل صيامه. قال الزَّين بن المنيِّر: لم يُضِف المصنِّف الترجمة التي قبل هذه للنبي وََّ، وأطلقَها ليُفهَمَ الترغيبُ الأُمّة في الاقتداء به في إكثار الصوم في شعبان، وقَصَدَ بهذه شرحَ حال النبي ◌َّ (١) باب رقم (٣٢). ٤٧٥ باب ٥٣ / ح ١٩٧١ - ١٩٧٣ كتاب الصوم في ذلك. ثمَّ ذکر البخاري في الباب حدیثین: الأوَّلُ: حديث ابن عبّاس. قوله: ((عن أبي بشرٍ)) هو جعفر بن أبي وحشيةً. قوله: ((عن سعيد بن جُبَير)) في رواية شُعْبة عن أبي بشر: ((حدَّثني سعيد بن جُبَيرِ)) أخرجه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده))(١) عنه، ولمسلم (١٧٩/١١٥٧) من طريق عثمانَ بن حكيم: سألت سعيد بن جُبَير عن صيام رجب، فقال: سمعت ابن عبّاس. قوله: ((ما صامَ النبي ◌َّرِ شهراً كاملاً قطُّ غيرَ رمضان)) في رواية شُعْبة عند مسلم: ما صام شهراً مُتتابعاً، وفي رواية أبي داود الطَّيالسي: شهراً تاماً منذُ قَدِمَ المدينة غيرَ رمضان. قوله: ((ويصوم)) في رواية مسلم (١١٥٧ /١٧٨) من الطريق التي أخرجها البخاري: و کان یصوم. قوله: ((حتَّى يقولَ القائلُ: لا والله لا يُفطِرِ)) في رواية شُعْبة: حتَّى يقولوا: ما يريدُ أن يُفطِرَ. الحديثُ الثاني: حديثُ أنسٍ. قوله: ((حدَّثني محمَّد بن جعفر)) أي: ابن أبي كثير المدني، وحميدٌ: هو الطَّويل. قوله: ((حتَّى نَظُنَّ)) بنون الجمع وبالتحتانية على البناء للمجهول، ويجوز بالمثنَّة على المخاطَبة، ويُؤيِّده قوله بعد ذلك: ((إلَّا رأيته)) فإنَّه روي بالضمِّ والفتح معاً. قوله: ((أن لا يصومَ)) بفتح الهمزة، ويجوز في (يصوم)) النَّصبُ والرفع. قوله: ((حدَّثني محمَّد)) كذا للأكثر، ولأبي ذرٍّ: هو ابن سَلام. قوله: ((وقال سليمان عن مُميدٍ: أنَّه سأل أنساً في الصوم)) كنت أظنّ أنَّ سليمان هذا هو ابن بلالٍ، لكن لم أرَه بعد التتُبُّع التامِّ من حديثه، فظهر لي أنَّه سليمان بن حيَّانَ أبو خالد الأحمر، (١) الذي في ((مسنده)) (٢٧٤٨): عن أبي بشر سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس ... إلخ. ٤٧٦ باب ٥٣ / ح ١٩٧١ - ١٩٧٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد وَصَلَ المصنِّف حديثه عَقِبَ هذا وفيه: ((سألت أنساً عن صيام النبي (وَّ)) فذكر الحديث أتمَّ من طريق محمد بن جعفر، لكن تقدَّم بعضُ هذا الحديث في الصلاة (١١٤١) وقال فيه: ((تابعه سليمان وأبو خالد الأحمر)) فهذا يدلُّ على التعدُّد، ويحتمل أن تكون الواوُ مَزيدةً كما تقدَّمت الإشارة إليه. قوله: ((ما كنت أُحِبُّ أن أراه من الشهر صائماً إلَّ رأيته)) يعني: أنَّ حاله في التطوُّع بالصيام والقيام كان يختلف، فكان تارةً يقوم من أوَّل الليل، وتارةً في وَسَطه، وتارةً من آخره، كما كان يصوم تارة من أوَّل الشهر، وتارةً من وَسَطه، وتارةً من آخره، فكان مَن أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائماً، أو في وقت من أوقات الشهر صائماً، فراقَبَه المّةَ بعد المرّة، فلا بُدَّ أن يُصادفَه قامَ أو صام على وَفْقِ ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنَّه كان يَسرُدُ الصومَ ولا أنَّه كان يَستوعِبُ الليل قياماً. ولا يُشكِّلُ على هذا قولُ عائشةَ في الباب قبله (١٩٧٠): وكان إذا صلَّى صلاةٌ داوَمَ عليها، وقوله في الرواية الأخرى الآتية بعد أبواب (١٩٨٧): ((كان عملُه دِيمةً)) لأنَّ المراد بذلك ما اتّخَذَه راتباً لا مُطلَق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإلَّا فظاهرُهما التعارُضُ، والله أعلم. قوله: ((ولا مَسِستُ)) بكسر المهمَلة الأولى على الأفصَح، وكذا شَمِمت بكسر الميم الأولى، وفتحُها لغةٌ حكاها الفَرّاء، ويقال في مضارعه: أشَمُّه وأمَسُّه، بالفتح فيهما على الأفصح، وبالضمِّ على اللُّغة المذكورة. قوله: (من رائحة)) کذا للأکثر، وللگُشْمِیھنیّ: من ريح رسول الله أَلّ. وفيه أنَّه وَ له كان على أكمَل الصِّفات خلقاً وخُلُقاً، فهو كلُّ الكمال، وجِلُّ الجَلَال، وجملة الجمال، عليه أفضل الصلاة والسلام، وسيأتي شرح ما تَضمَنَّه هذا الحديث في ((باب صفة النبي وَّ﴾)) في أوائل السِّيرة النَّبوية (٣٥٦١) إن شاء الله تعالى مُستوفّى. وفي حديثَي الباب: استحباب التنفُّل بالصوم في كلِّ شهر، وأنَّ صوم النَّفْل المطلَق لا ٢١٧/٤ ٤٧٧ باب ٥٤ / ح ١٩٧٤ كتاب الصوم يختصُّ بزمانٍ إلَّا ما نُهي عنه، وأنَّه ◌َِّه لم يَصُم الدَّهر ولا قامَ الليلَ كلَّه، وكأنَّه تَرَكَ ذلك لئلّا يُقْتَدى به فيَشُقُّ على الأُمّة، وإن كان قد أُعطي من القوّة ما لو التَزَمَ ذلك لاقتَدَرَ عليه، لكنَّه سَلَكَ من العبادة الطريقةَ الوُسطى، فصام وأفطَر، وقامَ ونام، أشار إلى ذلك المهلَّب. وفي حديث ابن عبَّاس الحَلِفُ على الشيء وإن لم يكن هناك من يُنكِرُه، مُبالَغةً في تأكيده في نفس السامع. ٥٤- باب حقِّ الضيف في الصوم ١٩٧٤- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا يحيى، قال: حذَّثني أبو سَلَمَةَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما، قال: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ وََّ، فذكر الحديثَ، يعني: ((إنَّ لزَوْرِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لزوجِكَ عليكَ حَقّاً) فقلتُ: وما صومُ داود؟ قال: ((نِصفُ الدَّهْر)). قوله: (باب حقّ الضَّيف في الصوم)) قال الزَّين بن المنيِر: لو قال: حقّ الضَّيف في الفِطْر، لكان أوضحَ، لكنَّه كان لا يُفهَمُ منه تعيينُ الصوم فيحتاج أن يقول: من الصوم، وكأنَّ ما ترجم به أخصرُ وأوجز. قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) قال أبو عليّ الجَيَّاني: لم يُنسَب إسحاق هذا عند أحد منهم. قلت: لكن جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستخرَج)) بأنَّه ابن راهويه لأنه أخرجه من «مسنده»، ثمَّ قال: أخرجه البخاري عن إسحاق، ويُؤْيِّده أنَّ ابن راهويه لا يقول في الرواية عن شيوخه إلَّا صيغةَ الإخبار، وكذلك هو هنا. وهارون بن إسماعيل شيخه: هو الثَزَّاز، کان تاجراً صَدُوقاً ليس له في البخاري سوی هذا الحديث وحديثٍ آخر في الاعتكاف (٢٠٣٦)، كلاهما من روايته عن عليّ بن المبارَك، وقد أخرج كلا من الحديثین من غیر طريقه، ويحيى: هو ابن أبي کثیر. قوله: ((دخل عليَّ رسولُ الله ◌َّةِ، فذكر الحديث)) هكذا أوردَه مُخْتَصَراً، وفسَّرَ البخاري المراد منه بقوله: ((يعني: إنَّ لزَورِك عليك حَقّاً) إلى آخر ما ذكر من الحديث، وهو على ٤٧٨ باب ٥٥ / ح ١٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري طريقة البخاري في جواز اختصار الحديث، وقد أوردَه في الباب الذي يليه من طريق الأوزاعي، وأوردَه في الأدب (٦١٣٤) من طريق حسينِ المعلِّم، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، وأوردَه قريباً (١٩٧٦) من طريق الزُّهْري عن أبي سَلَمة وسعيد بن المسيّب، ومن طريق أبي العبَّاس الأعمى من وجهين (١٩٧٧ و١٩٧٩)، ومن طريق مجاهد (١٩٧٨) وأبي المَلِيح (١٩٨٠)، كلهم عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص بالحديث مُطوَّلاً ومختصَراً، ورواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله بن عَمْرو مُطوَّلاً ومُختصَراً، فمنهم من اقتَصَرَ على قصَّة الصلاة، ومنهم من اقتَصَرَ على قصَّة الصيام، ومنهم من ساق القصَّة كلَّها، ولم أرَه من رواية أحدٍ من المصريِّين عنه مع كَثْرة روايتهم عنه. وسأذكر الكلام علیه في الباب الذي یلیه، وأُنبِّه على ما في روایة كلّ منهم من فائدةٍ زائدةٍ سوی ما تقدَّم شرحُه في أبواب التهجُّد (١١٣١). وسيأتي ما يَتعلَّق بحَقِّ الضَّيف في كتاب الأدب (٦١٣٤) إن شاء الله تعالى، وهو المستعان. ٥٥- باب حقّ الجسم في الصوم ١٩٧٥- حدَّثنا ابنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي ٢١٨/٤ كثيرٍ، قال: حدَّثني / أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما: قال لي رسولُ الله ◌َّ: ((يا عبدَ الله، أَلم أُخبَرْ أنَّكَ تصومُ النَّهَارَ وتقومُ الليلَ؟)) فقلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: ((فلا تَفعلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ وَنَمْ، فإنَّ لجسدِكَ عليكَ حَقّاً، وإِنَّ لعينَكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لزوجِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لزَوْرِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ بحَسْبِكَ أن تصومَ كلَّ شهرٍ ثلاثةَ أيام، فإنَّ لكَ بِكُلِّ حسنةٍ عَشْرَ أمثالِها، فإذاَ ذلكَ صيامُ الدَّهرِ كلِّه)) فشَدَّدتُ فشُدِّدَ عليَّ، قلتُ: يا رسولَ الله، إنِّ أجِدُ قوّةً، قال: ((فصُمْ صيامَ نبيِّ الله داودَ، ولا تَزِدْ عليه)) قلتُ: وما كان صيامُ نبيِّ الله داودَ؟ قال: ((نصفَ الدَّهْر)). فكان عبدُ الله يقول بعدَما كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلتُ رُخْصَةَ النبيِّ وَله. ٤٧٩ باب ٥٥ / ح ١٩٧٥ كتاب الصوم قوله: ((باب حقّ الجسم في الصوم) أي: على المتطوِّع، والمراد بالحقِّ هنا المطلوب، أعمُّ من أن يكون واجباً أو مندوباً، فأمَّا الواجب فيختصُّ بما إذا خافَ التَلَفَ، وليس مراداً هنا. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو: ابن المبارك. قوله: ((ألم أُخبَرَ أنَّك تصوم النَّهار وتقوم الليل؟)) زاد مسلم (١١٥٩ / ١٨٢) من رواية عِكْرمة بن عمّر عن يحيى: فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أُرِدْ بذلك إلَّ الخير، وفي الباب الذي يليه (١٩٧٦): أُخبِرَ رسول الله وَّهِ أَنّ أقول: والله لأصومنَّ النَّهار، ولَأقومنَّ الليل ما عِشتُ، وللنَّسائي (٢٣٩٣) من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة قال: قال لي عبد الله ابن عَمْرو: يا ابن أخي، إنِّي قد كنت أجمعتُ على أن أجتَهِدَ اجتهاداً شديداً، حتَّى قلت: لأصومنَّ الدَّهرَ ولَأقر أنَّ القرآن في كلّ ليلة، ويأتي في فضائل القرآن (٥٠٥٢) من طريق مجاهد عن عبد الله بن عَمْرو قال: أنكحَني أبي امرأةً ذات حَسَبٍ وكان يتعاهَدُها، فسألها عن بَعْلها فقالت: نِعمَ الرجلُ من رجلٍ، لم يَطَأْ لنا فِراشاً، ولم يُفتِّش لنا كَنَفاً منذُ أتيناه، فذكر ذلك للنبي ◌َ ﴿ فقال لي: ((القَني))، فلقيتُه بعد ... فذكر الحديثَ، زاد النِّسائي (٢٣٩٠) وابن خُزَيمة (٢١٠٥) وسعيد بن منصور من طريق أُخرى عن مجاهد: فوقع عليَّ أبي فقال: زَوَّجتُك امرأة فعَضَلتها وفعلتَ وفعلتَ وفعلتَ، قال: فلم ألتَفِت إلى ذلك لمَا كانت لي من القوّة، فذكر ذلك للنبي وَلّ فقال: ((القَني به)) فأتيته معه، ولأحمد (٦٤٧٧) من هذا الوجه: ثمَّ انطَلَقَ إلى النبي ◌َِّ فِشَكَاني، وسيأتي بعد أبواب (١٩٨٠) من طريق أبي المَلِيح عن عبد الله بن عَمْرو قال: ذُكِرَ للنبيِ وََّ صومي، فدخل عليَّ، فألقَيت له وسادة، ويأتي بعد باب(١) من طريق أبي العبَّاس عن عبد الله بن عَمْرو: بَلَغَ النبيَّ ◌ََّ أنّي أسرُدُ الصوم وأُصلِّي الليل، فإمّا أرسَلَ لي وإمّا لقيته. ويُجمَع بينهما بأن يكون عَمْرو توَجَّهَ بابنه إلى النبيِ وَ ﴿ فَكَلَّمَه من غير أن يَستوعِب ما (١) عند الحديث رقم (١٩٧٧)، ولكنه رحمه الله أورد قوله: ((فإما أرسل إلي وإمّا لقيته)) سهواً منه بعد ثلاثة أبواب في سياق شرحه للحديث (١٩٨٠) وهو ليس فيه، وسيأتي التنبيه على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ٤٨٠ باب ٥٥ / ح ١٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري یرید من ذلك، ثمَّ أتاه إلى بيته زیادً في التأكید. قوله: ((فلا تَفْعَلْ)) زاد بعد بابين (١٩٧٩): «فإنَّك إذا فعلتَ ذلك هَجَمتْ له العين» الحديث، وقد تقدَّم تفسيره في كتاب التهجُّد (١١٥٣)، وزاد في رواية ابن خُزيمة (٢١٠٥) من طريق حُصَين عن مجاهد: ((إنَّ لكلِّ عامل شِرّةً) وهو بكسر المعجمة وتشديد الراء ((ولكلِّ شِرّةٍ فَتْرةً، فمن كانت فترتُه إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترتُه إلى غير ذلك فقد هَلَكَ))(١). قوله: «وإنَّ لعینیكَ علیك حقّاً» في رواية الگُشْمِيهنيّ: ((لعينك» بالإفراد. قوله: ((وإنَّ لزَوْرِك)) بفتح الزاي وسكونِ الواو، أي: لضيفِك، والَّوْر مصدرٌ وُضِعَ موضع الاسم كصوم في موضع صائم، ونوم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذَّكَر والأُنثى: زَوْرٌ، قال ابن التِّين: ويحتمل أن يكون زَورٌ جمعَ زائر کرَكْبٍ جمع راکبٍ، وتَجْرِ جمع تاجر. زاد مسلم (١١٥٩/ ١٨٣) من طريق حسين المعلِّم عن يحيى: ((وإنَّ لوَلَدِك عليك ٢١٩/٤ حَقّاً))، وزاد / النَّسائي (٢٣٩١) من طريق أبي إسماعيل عن يحيى: ((وإنَّه عسى أن يطولَ بك عُمُرٌ))، وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عَمْرو بعد ذلك من الكِبَر والضَّعف كما سيأتي. قوله: ((وإنَّ بحَسْبِك)) بإسكان السِّين المهمَلة، أي: كافيك، والباءُ زائدةٌ، ويأتي في الأدب (٦١٣٤) من طريق حسينِ المعلِّم عن يحيى بلفظ: ((وإنَّ من حَسِك)). قوله: «أن تصوم من کلِّ شهر» في رواية الگُشْمِيهنيّ: ((في کلّ شهر)). قوله: ((فإذاً ذلك)) هو بتنوين ((إذا)(٢)، وهي التي يُجاب بها ((إنْ))، وكذا ((لو)) صريحاً أو (١) وأخرجه أحمد أيضاً من هذا الطريق برقم (٦٤٧٧) و(٦٧٦٤). والشِّرّة: الحرص على الشيء والنشاط له، والفَتْرة ضدّه. والمعنى: أن العابد يبالغ في عبادته أول الأمر ثم تنكسر همَّته وتفتر قوَّته عن ذلك، فمنهم من يرجع حين الفتور إلى الاعتدال في الأمر ويترك الإفراط فيه، فهذا مهتدٍ، ومنهم من يرجع حين الفتور إلى ترك العبادة والاشتغال بضدِّها، فهذا هالك، والله تعالى أعلم. انتهى ملخّصاً من كلام السندي في شرحه على ((المسند)). (٢) تحرَّفت في (س) في المواضع الثلاثة إلى: ((إذن)) بالنون، بخلاف ما أراده الشارح، وما أثبتناه من (أ) و(ع)، =