Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ١٩ / ح ١٩٢١
كتاب الصوم
قوله: ((عن أنسٍ)) سَبَقَ في المواقيتِ (٥٧٦) من طريق سعيدٍ عن قَتَادةَ قال: قلت لأنسٍ.
قوله: ((قلتُ: كم)) هو مَقُولُ أنسٍ، والمقولُ له زیدُ بنُ ثابتٍ، وقد تقدَّم بیانُ ذلك في
المواقيت، وأنَّ قَتَادةَ أيضاً سأل أنساً عن ذلك، ورواه أحمد (٢١٦٢٠) أيضاً عن يزيد بن
هارونَ عن همَّام، وفيه: أنَّ أنساً قال: قلتُ لزيدٍ.
قوله: ((قال: قَدرُ خمسين آيةً)) أي: مُتَوَسِّطةً، لا طويلةً ولا قَصيرةً، لا سَريعةً ولا بَطيئةً،
وقَدرُ بالرفع على أنَّه خبرُ المبتَدَأ، ويجوز النَّصبُ على أنَّه خبرُ ((كان)) المقدَّرة في جواب زيدٍ،
لا في سؤال أنسٍ، لئلّا تَصيرَ كان واسمُها من قائلِ، والخبرُ من آخرَ. قال المهلَّبُ وغيرُه:
فيه تقديرُ الأوقات بأعمال البَدَن، وكانت العربُ تُقَدِّرُ الأوقاتَ بالأعمال، كقولهم: قَدْرَ
حَلْبٍ شاةٍ، وقَدْرَ نَحْر جَزورٍ، فعَدَلَ زيدُ بنُ ثابتٍ عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارةً إلى
أنَّ ذلك الوقت كان وقتَ العبادة بالتِّلاوة، ولو كانوا يُقدِّرونَ بغير العمل لقال مثلاً: قَدرَ
درجةٍ أو ثُلُثِ خُسِ ساعةٍ.
وقال ابن أبي جَمْرة: فيه إشارةٌ إلى أنَّ أوقاتَهم كانت مُستَغْرَقةً بالعبادة، وفيه تأخيرُ
السَّحور لكونِهِ أبلَغَ في المقصود. قال ابن أبي جَمْرة: كان ◌َّهِ يَنظُرُ ما هو الأرفَقُ بِأُمَّته
فيفعلُه، لأنه لو لم يَتَسَخَّرَ لاتَّبَعوه فيَشُقُّ على بعضِهم، ولو تَسَخَّرَ في جوفِ الليلِ لَشَقَّ أيضاً
على بعضِهم ممَّن يَغْلِبُ عليه النَّومُ، فقد يُفضي إلى تَركِ الصُّبحِ أو يحتاجُ إلى المجاهَدة
بالسَّهَر. وقال: فيه أيضاً تقويةٌ على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو تُرِكَ لَشَقَّ على
بعضِهم ولا سيما من كان صفراوياً، فقد يُغشى عليه فيُفضي إلى الإفطار في رمضانَ. قال:
وفي الحديث تأنيسُ الفاضل أصحابَه بالمؤاكَلة، وجوازُ المشي بالليل للحاجة، لأنَّ زيدَ بنَ
ثابتٍ ما كان يَبيتُ مع النبيِ نَّهِ. وفيه الاجتماعُ على السَّحور، وفيه حُسنُ الأدبِ في
العِبارة لقوله: تَسَخَّرنا مع رسول الله وَّهِ، ولم يَقُل: نحن ورسولُ اللهِّهِ، لِمَا يُشعِرُ لفظُ
المعية بالتبعية. وقال القُرطُبي: فيه دلالةٌ على أنَّ الفراغَ من السَّحور كان قبلَ طلوع
الفجر،/ فهو مُعارِضٌ لقول حُذَيفةَ: هو النَّهارُ إلَّا أنَّ الشمسَ لم تَطلُع انتهى، والجوابُ أن ١٣٩/٤

٣٢٢
باب ٢٠ / ح ١٩٢٢ - ١٩٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
لا معارضةَ بل تُحمَلُ على اختلاف الحال، فليس في رواية واحدٍ منهما ما يُشعِرُ بالمواظَبة،
فتكونُ قصَّةُ حُذَيفةَ سابقةً، وقد تقدَّم الكلامُ على ما يَتعلَّقُ بإسناد هذا الحديث في
المواقيت، وكونُه من مُسنَد زيد بن ثابتٍ أو من مُسنَد أنسٍ.
٢٠ - باب بركة السّحور من غير إيجابٍ، لأنّ النبيّ
وأصحابه واصلوا، ولم يذكر السّحور
١٩٢٢ - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا جوَيرِيةُ، عن نافعٍ، عن عبد الله ﴾: أنَّ النبيَّ
﴿ واصَلَ، فواصَلَ الناسُ، فشَقَّ عليهم فنهاهم، قالوا: إنَّكَ تواصل؟ قال: ((لستُ كھَیئتِكم،
إِّي أظَلُّ أُطعَمُ وَأُسْقَى)).
[طرفه في: ١٩٦٢]
١٩٢٣ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيب، قال:
سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ ظُه، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((تَسَخَّروا، فإنَّ في السَّحورِ بَرَكةً)).
قوله: ((باب بَرَكَة السّحورِ من غير إيجابٍ لأَنَّ النبي ◌َّهِ وأصحابَه واصلوا ولم يُذكَر
السَّحور)) بضمِّ((يُذكَر)) على البناءِ للمجهول، وللكُشْمِيهنيّ والنَّسَفي: ((ولم يُذكَر سَحورٌ)»
قال الزَّينُ بنُ المنيِر: الاستدلالُ على الحكم إنَّما يُفْتَقَرُ إليه إذا ثبت الاختلافُ أو كان
مُتوقَّعاً، والسَّحورُ إنَّما هو أكلٌّ للشَّهوة وحفظِ القوّة، لكن لمَّا جاء الأمرُ به احتاجَ أن يُبيَّنَ
أنَّه ليس على ظاهره من الإيجاب، وكذا النَّهيُ عن الوِصال يَستَلِمُ الأمرَ بالأكل قبلَ طلوع
الفجر. انتهى، وتُعُقِّبَ بأنَّ النَّهيَ عن الوِصال إنَّما هو أمرٌ بالفصل بين الصوم والفِطْرِ، فهو
أعمُّ من الأكل آخرَ الليل فلا يتعيَّنُ السَّحور، وقد نقل ابن المنذِر الإجماع على نَذْبية
السَّحور، وقال ابن بَطَّالٍ: في هذه الترجمة غَفلةٌ من البخاري لأنه قد خرج (١٩٦٣) بعد
هذا حديثَ أبي سعيدٍ: ((أيُّكم أراد أن يواصلَ فليواصل إلى السَّحَر)) فجعل غايةَ الوِصال
السَّحَرَ وهو وقتُ السَّحور، قال: والمفسَّرُ يقضي على المجمَل. انتهى. وقد تَلَقّاه جماعةٌ بعدَه
بالتسليم، وتعقَّبه ابن المنيِّر في الحاشية بأنَّ البخاري لم يُتَرجِم على عَدَم مشروعية السَّحور

٣٢٣
باب ٢٠ / ح ١٩٢٢ -١٩٢٣
كتاب الصوم
وإنَّما ترجم على عَدَم إيجابه، وأخذ من الوِصال أنَّ السَّحورَ ليس بواجبٍ، وحيثُ نهاهم
النبي ◌َّر عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوِصال، وإنَّما هو نهيُ إرشادٍ لتعليلِه إياه
بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجابٌ للسُّحور. ولما ثبت أنَّ النَّهيَ عن الوِصال للكراهة
فضِدُّ نهي الكراهة الاستحبابُ فثبت استحبابُ السَّحور. کذا قال.
ومسألةُ الوِصال مُختَلَفٌ فيها، والراجحُ عند الشافعية التحريم، والذي يَظهَرُ لي أنَّ
البخاري أراد بقوله: ((لأنَّ النبي ◌َّهِ وأصحابَه واصَلوا)) إلى آخره، الإشارةَ إلى حديث أبي
هريرة الآتي (١٩٦٥) بعد خمسةٍ وعشرين باباً، ففيه بعد النَّهي عن الوِصال أنَّه واصَلَ بهم
يوماً ثمَّ يوماً، ثمّ رأوا الهلالَ فقال: ((لو تأخّرَ لَزِدْتُكم)) فدَلَّ ذلك على أنَّ السَّحورَ ليس
بحَتْم، إذ لو كان حَتماً ما واصَلَ بهم، فإنَّ الوِصالَ يَستَلِزِمُ تَركَ السَّحور، سواءٌ قلنا
الوصالُ حرامٌ أو لا، وسيأتي الكلامُ على اختلاف العلماءِ في حُكم الوِصال وعلى حديث
ابن عمرَ (١٩٦٢) أيضاً في الباب المشار إليه إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((أَظَلُّ)) بفتح الهمزة والظاءِ القائمة المعجمة مضارعُ ظَللتُ إذا عَمِلت بالنَّهار،
وسيأتي هناك (١٩٦١) بلفظ: ((أبيتُ)) وهو دالٌّ على أنَّ استعمالَ أظَلُّ هنا ليس مُقيّداً بالنَّهار.
قوله: ((تَسَخَّروا فإنَّ في السَّحورِ بَرَكَةً)) هو بفتح السّينِ وبضمّها، لأنَّ المراد بالبَرَكة ١٤٠/٤
الأجرُ والثَّوابُ، فيُناسِبُ الضمُّ لأنه مصدرٌ بمعنى التسَخُّر، أو البَرَكةُ لكونِه يُقوِّي على
الصوم ويُتَشِّطُ له ويُحُفِّفُ المشقَّةَ فيه، فيُناسبُ الفتحُ لأنه ما يُتَسَخَّرُ به، وقيل: البَرَكُ ما
يُتضمَّنُ من الاستيقاظِ والدُّعاءِ في السَّحَر، والأولى أنَّ البَرَكَةَ في السَّحور تَحَصُلُ بجهاتٍ
متعدِّدةٍ: وهي اتِّباعُ السُّنّة، ومخالَفةُ أهل الكتاب، والتقَوّي به على العبادة، والزِّيادةُ في
النَّشاط، ومُدافَعَةُ سوءِ الخُلُقِ الذي يُثيرُه الجوع، والتسبُّبُ بالصَّدَقة على من يَسألُ إذ ذاكَ
أو يَجْتَمِعُ معه على الأكل، والتسبُّبُ الذِّكر والدُّعاءِ وقتَ مَظِنّة الإجابة، وتَدارُكُ نية
الصوم لمن أغفَلها قبلَ أن ينامَ.
قال ابن دَقِيقِ العيدِ: هذه البَرَكةُ يجوز أن تَعودَ إلى الأُمور الأُخروية، فإِنَّ إقامةَ السُّنّة

٣٢٤
باب ٢١ / ح ١٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
تُوجِبُ الأجرَ وزيادته، ويحتمل أن تعودَ إلى الأُمور الدُّنيَوية كقوّة البَدَنِ على الصوم
وتيسيره من غير إضرارٍ بالصائم. قال: وممّا يُعَلَّلُ به استحبابُ السَّحور المخالَفةُ لأهل
الكتاب لأنه مُمْتَنِعٌ عندهم، وهذا أحدُ الوجوه المقتضية للزيادة في الأُجور الأُخروية. وقال
أيضاً: وقع للمُتَصَوِّفة في مسألة السَّحور كلامٌ من جهة اعتبار حِكمَةِ الصوم، وهي کسُ
شهوة البطن والفَرْج، والسَّحورُ قد يُبَايِنُ ذلك. قال: والصوابُ أن يقال: ما زاد في المِقدار
حتَّى تَنعَدِمَ هذه الحِكْمةُ بالكلّية فليس بمُستحَبِّ كالذي يَصنعُه المترَفونَ من التأنّقِ في
المآكِل وكَثْرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلفُ مراتبُه.
تكميل: يَحَصُلُ السَّحورُ بأقلِّ ما يتناولُه المرءُ من مأكولٍ أو مشروبٍ. وقد أخرج هذا
الحديثَ أحمد (١١٠٨٦) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((السَّحورُ بَرَكٌ فلا تَدَعوه
ولو أن يَجِرَعَ أحدُكم جَرعةً من ماءٍ، فإنَّ الله ومَلائِكَتَه يُصلُّونَ على المتَسَخِّرين))، ولسعيد
ابن منصورٍ من طريقٍ أُخرى مُرسَلٍ: ((تَسَخَّروا ولو بلُقمةٍ)).
٢١ - بابٌ إذا نوى بالنّهار صوماً
وقالت أُمُّ الدَّرداءِ: كان أبو الدَّرداءِ یقول: عندكم طعامٌ؟ فإن قلنا: لا، قال: فإنّ صائمٌ
یومي هذا.
وفَعَلَه أبو طلحةً وأبو هريرةَ وابنُ عبَّاسٍ وحُذَيفةُ رضي الله عنهم.
١٩٢٤ - حدَّثنا أبو عاصم، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َهـ
بَعَثَ رجلاً يُنادي في الناس يومَ عاشوراءَ: أنَّ مَن أُكَلَ فليُتِمَّ أو فليَصُم، ومَن لم يأكل فلا يأكل.
[طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]
قوله: ((بابٌّ إذا نَوى بالنَّهار صوماً) أي: هل يَصِحُ مُطلَقاً أو لا؟ وللعلماءِ في ذلك
اختلافٌ، فمنهم من فرَّقَ بين الفرض والنَّفل، ومنهم من خَصَّ جوازَ النَّفْل بما قبلَ الزَّوال،
وسيأتي بيانُ ذلك.
قوله: ((وقالت أُمُّ الدَّرداءِ: كان أبو الدَّرداءِ يقول: عندكم طعامٌ؟ فإن قلنا: لا، قال: فإنِّي

٣٢٥
باب ٢١ / ح ١٩٢٤
كتاب الصوم
صائمٌ يومي هذا)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبةَ (٣١/٣) من طريق أبي قلابةَ عن أُمّ الدَّرداءِ قالت: كان
أبو الدَّرداءِ يَغدُو أحياناً ضُحَى فِيَسألُ الغَداءَ، فربّما لم يوافقه عندنا فيقول: إذاً أنا صائمٌ.
وروى عبدُ الرزاق (٧٧٧٤) عن مَعمَّرِ عن الزُّهْري عن أبي إدريسَ، وعن أيوبَ عن أبي
قِلابةَ عن أُمِّ الدَّرداء، وعن مَعمَرٍ عن قَتَادَةَ: أنَّ أبا الدَّرداءِ كان إذا أصبَحَ سأل أهله الغَداءَ،
فإن لم يكن قال: أنا صائمٌ، وعن ابن جُرَيج عن عطاءٍ عن أُمِّ الدَّرداءِ عن أبي الدَّرداءِ: أنَّه كان
يأتي أهله حين يَنْتَصِفُ النَّهار، فذكر نحوَه، ومن طريق شهر بن حَوشَبٍ / عن أُمِّ الدَّرداءِ عن ١٤١/٤
أبي الدَّرداءِ: أنَّه كان ربَّمَا دَعَا بالغَداءِ فلا يَجِدُه، فيَقْرِضُ عليه الصومَ ذلك اليومَ.
قوله: ((وفَعَلَه أبو طلحةَ وأبو هريرة وابن عبّاسٍ وحُذَيفة)) أمَّا أثرُ أبي طلحةَ، فَوَصَله
عبدُ الرزاق (٧٧٧٧) من طريق قَتَادةَ، وابن أبي شَيْبةَ (٣١/٣) من طريق حميدٍ، كلاهما عن
أنسٍ، ولفظُ قَتَادةَ: أنَّ أبا طلحةً كان يأتي أهله فيقول: هل من غَداءٍ؟ فإن قالوا: لا، صام
يومَه ذلك. قال قَتَادةُ: وكان معاذُ بنُ جبل یفعلُه، ولفظُ حميدٍ نحوه، وزاد: وإن كان
عندهم أفطرَ، ولم يَذكُر قصَّةَ معاٍ.
وأمَّا أثرُ أبي هريرة، فَوَصَله البيهقي (٤/ ٢٠٤) من طريق ابن أبي ذئبٍ عن عثمان بن
نَجيح(١) عن سعيد بن المسيّب قال: رأيت أبا هريرة يطوفُ بالسّوق، ثمَّ يأتي أهله فيقول:
عندكم شيءٌ؟ فإن قالوا: لا، قال: فأنا صائمٌ، ورواه عبدُ الرزاق (٧٧٨١) بسندٍ آخرَ فيه
انقِطاعٌ: أنَّ أبا هريرة وأبا طلحةَ فذكر معناه.
وأمَّا أثرُ ابن عبّاسٍ، فَوَصَله الطَّحاوي (٢/ ٥٦) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن
عِكْرمةً عن ابن عبّاسٍ: أنَّه كان يُصبحُ حتَّى يُظهِرَ ثمَّ يقول: والله لقد أصبحتُ وما أُريدُ
الصوم، وما أكَلتُ من طعام ولا شرابٍ منذُ اليوم، ولَأصومن يومي هذا، وأمَّا أثرُ حُذَيفَةً
فَوَصَله عبدُ الرزاق (٧٧٨٠) وابن أبي شَيْبةَ (٢٩/٣) من طريق سعد بن عُبيدةً عن أبي
عبد الرحمن السُّلَمي قال: قال حُذَيفةُ: من بَدا له الصيامُ بعدما تَزولُ الشمسُ فلْيَصُم. وفي
رواية ابن أبي شَيْبةَ: أنَّ حُذَيفةَ بَدَا له في الصوم بعدَما زالت الشمسُ فصام.
(١) تحرف في (س) إلى: حمزة عن يحيى.

٣٢٦
باب ٢١ / ح ١٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد جاء نحوُ ما ذكرنا عن أبي الدَّرداءِ مرفوعاً من حديث عائشةَ، أخرجه مسلمٌ
(١١٥٤) وأصحابُ ((السُّننِ))(١) من طريق طلحةَ بن يحيى بن طلحةَ عن عمَّته عائشةَ بنت
طلحة، وفي روايةٍ له: حدَّثَتني عائشةُ بنتُ طلحةَ، عن عائشةَ أُمِّ المؤمِنين قالت: دخل عليَّ
رسولُ اللهِ وَ ﴿ ذاتَ يوم، فقال: ((هل عندكم شيءٌ؟)) قلنا: لا، قال: ((فإنّي إذاً صائمٌ))
الحديثَ. ورواه النَّسائي (٢٣٣٠) والطَّيالسي (١٥٥١) من طريق سِماكٍ عن عِكْرمةَ عن
عائشةَ نحوَه، ولم يُسمِّ النَّسائي عِكْرمةَ. قال النَّووي: في هذا الحديث دليلٌ للجمهور في أنَّ
صومَ النافلة يجوز بنيةٍ في النَّهار قبلَ زوال الشمس، قال: وتأوَّله الآخرون على أنَّ سؤاله:
((هل عندكم شيءٌ؟)) لكونِه كان نَوى الصومَ من الليل ثمَّ ضعُفَ عنه، وأراد الفِطرَ لذلك.
قال: وهو تأويلٌ فاسدٌ وتكلُّفُ بعيدٌ.
وقال ابن المنذِرِ: اختَلَفوا فيمن أصبَحَ يريدُ الإفطار، ثمَّ بَدا له أن يصومَ تطوُّعاً. فقالت
طائفةٌ: له أن يصومَ متى بَدا له، فذكر عمَّن تقدَّم، وزاد ابنَ مسعودٍ وأبا أيوبَ وغيرهما،
وساق ذلك بأسانيدِه إليهم. قال: وبه قال الشافعي وأحمد، قال: وقال ابن عمرَ: لا يصومُ
تطوُّعاً حتَّى يُجمِعَ من الليل أو يَتَسَخَّرَ. وقال مالكٌ في النافلة: لا يصومُ إلَّا أن يُبيِّت، إلَّا
إن كان يَسُدُ الصومَ فلا يحتاجُ إلى التبيت. وقال أهلُ الرَّأي: من أصبَحَ مُفطِراً ثمَّ بَدا له
أن يصومَ قبلَ مُنتَصَفِ النَّهار أجزأه، وإن بدا له ذلك بعد الزَّوال لم يُجزئه. قلتُ: وهذا هو
الأصحُّ عند الشافعية، والذي نقله ابن المنذر عن الشافعي من الجواز مُطلَقاً سواءٌ كان قبلَ
الزَّوال أو بعدَه هو أحدُ القولين للشافعي، والذي نَصَّ عليه في مُعظَم كُتُبِهِ التفرِقة،
والمعروفُ عن مالكِ والليث وابن أبي ذئبٍ أنَّه لا يَصِحُّ صيامُ التطوُّع إلَّ بنيةٍ من الليل.
قوله: ((عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَع)) في رواية يحيى - وهو القطّان -: عن يزيد بن أبي عُبيد
حدَّثنا سَلَمة بن الأكوع، كما سيأتي في خبر الواحد (٧٢٦٥).
قوله: ((أنَّ النبي ◌َّهِ بَعَثَ رجلاً يُنادي في الناس))، في رواية يحيى: قال لرجل من أسلمَ:
(١) أبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٣) و(٧٣٤)، والنسائي (٢٣٢٦).

٣٢٧
باب ٢١ / ح ١٩٢٤
كتاب الصوم
((أَذِّن في قومك))، واسم هذا الرجل هندُ بنُ أسماءَ بن حارثةَ الأسلمي، له ولأبيه ولعمِّه هندٍ
ابن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد (١٥٩٦٢) وابن أبي خَيْئمة من طريق ابن إسحاق:
حدَّثني عبد الله بن أبي بكر عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه قال: بَعَثَني النبي
وَلَه إلى قومي من أسلمَ/ فقال: ((مُر قومك أن يصوموا هذا اليوم يومَ عاشوراء، فمن ١٤٢/٤
وجدتَه منهم قد أكَلَ في أوَّل يومه فليَصُم آخرَه))، وروى أحمد (١٠٩٦٣) أيضاً من طريق
عبد الرحمن بن حَرمَلة عن يحيى بن هند قال: وكان هندٌ من أصحاب الحُدَيبية، وأخوه
الذي بعثه رسول الله پڼ یأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، قال: فحدّثني یحی بن هندٍ عن
أسماء بن حارثة: أنَّ رسول الله وَلَهَ بَعَثَه فقال: ((مُر قومك بصيام هذا اليوم)). قال: أرأيت
إن وجدتهم قد طَعِموا؟ قال: ((فليُتِمّوا آخر يومهم)) قلت: فيحتمل أن يكون كلٍّ من أسماء
ووَلَده هند أُرسِلا بذلك، ويحتمل أن يكون أطلقَ في الرواية الأولى على الجَدّ اسمَ الأب،
فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند عن جدِّه أسماء، فتَّحِد الروايتان، والله أعلم.
واستدلَّ بحديث سَلَمة هذا على صِحّة الصيام لمن لم ينوِه من الليل سواء كان رمضانُ
أو غيرُه، لأنه وَّهِ أَمَرَ بالصوم في أثناء النَّهار، فدَلَّ على أنَّ النِّية لا تُشتَرَط من الليل،
وأُجِيبَ بأنَّ ذلك يتوقَّف على أنَّ صيام عاشوراء كان واجباً، والذي يَترجَّح من أقوال
العلماء أنَّه لم يكن فرضاً، وعلى تقدير أنَّه كان فرضاً فقد نُسِخَ بلا رَيب، فَتُسِخَ حُكمه
وشَرائطه، بدليل قوله: ((ومن أكَلَ فليُثِّمَ)، ومن لا يَشَرِط النِّية من الليل لا يُجيز صيام من
أكَلَ من النَّهار، وصَرَّحَ ابن حبيب من المالكية بأنَّ تَركَ التبييت لصوم عاشوراء من
خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أنَّ حُكْمه باقٍ فالأمر بالإمساك لا يَستَلِزِم الإجزاء،
فيحتمل أن يكون أمَرَ بالإمساك لخُرمة الوقت كما يُؤمَر من قَدِمَ من سفر في رمضانَ نهاراً،
و کما يُؤمّر من أفطر یوم الشكّ ثمّ رؤي الهلال، و کلّ ذلك لا ینافي أمرهم بالقضاء، بل قد
وَرَدَ ذلك صريحاً في حديثٍ أخرجه أبو داود (٢٤٤٧) والنَّسائي (٢٨٥٠) من طريق قَتَادةَ
عن عبد الرحمن بن سَلَمة، عن عَمّه: أنَّ أسلمَ أتت النبي ◌ِّ فقال: ((صُمْتُم يومكم هذا؟))
قالوا: لا. قال: ((فأتِوا بقية يومِكم واقضوه))، وعلى تقدير أن لا يَثبُت هذا الحديث في الأمر

٣٢٨
باب ٢١ / ح ١٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بالقضاءِ فلا يتعيَّن تَركُ القضاء، لأنَّ من لم يُدرِك اليومَ بكماله لا يلزمه القضاء كمن بَلَغَ أو
أسلمَ في أثناء النّهار.
واحتَجَّ الجمهور لاشتراط النِّيّة في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب ((السُّنن)) من
حديث عبد الله بن عمر عن أُخته حفصة، أنَّ النبي وَ لّم قال: ((من لم يُبيِّت الصيام من الليل
فلا صيام له)) لفظ النَّسائي (٢٣٣١)، ولأبي داود (٢٤٥٤) والتِّرمِذي (٧٣٠): ((من لم يُجمِع
الصيام قبل الفجر فلا صيام له))، واختُلِفَ في رفعه ووَقفه، ورَجَّحَ الِّرمِذي والنَّسائي
الموقوفَ بعد أن أطنَبَ النَّسائي في تخريج طرقه، وحكى التِّرمِذي في ((العلل)) عن البخاري
ترجيح وقفه. وعَمِلَ بظاهر الإسناد جماعةٌ من الأئمّة، فصَخَّحوا الحديث المذكور، منهم
ابن خُزَيمة (١٩٣٣) وابن حِبّان والحاكم (١) وابن حَزْم (١٢٦/٦)، وروى له الدّار قُطني
طريقاً أخرى(٢) وقال: رجالها ثقات، وأبعَدَ من خَصَّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنَّذر.
وأبعَدُ من ذلك تَفرِقة الطَّحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينِه كعاشوراء
فَتُجزِئ النِّية في النَّهار، أو لا في يوم بعينِه كرمضان، فلا يُحِزِئ إلَّا بنيةٍ من الليل، وبين صوم
التطوُّع فيُجِئ في الليل وفي النَّهار. وقد تعقَّبه إمام الحرمين بأنَّه كلامٌ غَتِّ لا أصلَ له.
وقال ابن قدامة: تُعتَبَرَ النِّية في رمضان لكلِّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنَّه يُزِتُه
نيةٌ واحدة لجميع الشهر، كقول مالك وإسحاق، وقال زُفَرُ: يَصِحّ صوم رمضان في حقّ
المقيم الصحيح بغير نية، وبه قال عطاء ومجاهد، واحتَجَّ زفر بأنَّه لا يَصِحُّ فيه غير صوم
رمضان لتَعيُّنِهِ، فلا يَفْتَقِر إلى النية، لأنَّ الزمان مِعيار له، فلا يُتصوَّر في يوم واحد إلَّا صومٌ
(١) لم نقف عليه عند كليهما، لكن صححه ابن حبان في كتاب ((المجروحين)) ٤٦/٢ عند الكلام على حديث
عائشة في الباب.
(٢) لعله أراد حديث عائشة عند الدار قطني (٢٢١٣) من طريق عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة،
عن یحی بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة عن عائشة رفعه. وقال: تفرد به عبد الله بن عباد عن
المفضل بهذا الإسناد، وكلهم ثقات. وحديث عائشة ضعفه ابن حبان في ((المجروحين)) ٢/ ٤٦ بسبب
عبد الله بن عباد.

٣٢٩
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
واحدٌ. وقال أبو بكر الرازي: يَلزَم قائلَ هذا أن يُصحِّحَ صومَ المغمَى عليه في رمضان إذا لم
يأكل ولم يشرب، لوجود الإمساك بغير نية، قال: فإن التَزَمَه كان مُستَشنَعاً. وقال غيره:
يَلزَمه أنَّ من أخّرَ الصلاة حتَّى لم يبقَ من وقتها إلَّا قَدرها فصلَّى حينئذٍ تطوُّعاً أنَّه يجزئه عن
الفرض. واستدلَّ ابن حَزْم/ بحديث سَلَمة (١) على أنَّ من ثبت له هلال رمضان بالنَّهار ١٤٣/٤
جازت له النِّية حينئذٍ، ويُجِزِتُه، وبناه على أنَّ عاشوراء كان فرضاً أوَّلاً، وقد أُمِروا أن
يُمسِكوا في أثناء النَّهار. قال: وحُكم الفرض لا يَتغيَّر، ولا يخفى ما يَرِدُ عليه ممّا قَدَّمناه،
وأُلِقَ بذلك من نسي أن ينوي من الليل لاستواءِ حُكم الجاهل والناسي.
٢٢ - باب الصائم يصبح جنباً
١٩٢٥، ١٩٢٦ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن سُميٍّ مولى أبي بكرِ بنِ
عبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشام بنِ المغِيرةِ: أنَّه سمع أبا بكرٍ بنَ عبد الرحمن، قال: كنتُ أنا
وأبي حين دخلنا على عائشةَ وأُمّ سَلَمَةَ (ح)
حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبد الرحمن بنِ
الحارثِ ابنِ هشامٍ: أنَّ أباه عبد الرحمن أخبَر مروانَ: أنَّ عائشةَ وأمَّ سَلَمَةَ أخبرتاه: أنَّ
رسولَ الله ◌َّ﴿ كان يُدرِ كُه الفجرُ وهو جُنُب من أهلِهِ، ثمَّ يَغتَسِلُ ويصوم.
وقال مروانُ لعبد الرحمن بنِ الحارثِ: أُقْسِمُ بالله لتُفْزِعَنَّ بها أبا هريرةً! ومروانُ يومئذٍ
على المدينةِ، فقال أبو بكرٍ: فكّرِهَ ذلك عبدُ الرحمن، ثمَّ قُدِّرَ لنا أن نَجتَمِعَ بذي الخُلَيفةِ،
وكانت لأبي هريرةَ هنالكَ أرضٌ، فقال عبدُ الرحمن لأبي هريرةَ: إِنِّي ذاكِرٌ لكَ أمراً، ولولا
مروانُ أقسَمَ عليَّ فيه لم أذكُرْه لكَ، فذكر قولَ عائشةَ وأمّ سَلَمَةَ، فقال: كذلك حدَّثني الفضلُ
بنُ عَّاسٍ، وهو أعلمُ.
وقال هَمَّامٌ وابنُ عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن أبي هريرةَ: كان النبيُّ ◌َلِّ يأمُرُ بِالفِطْرِ.
والأوَّلُ أسنَدُ.
(١) حديث سلمة هو حديث الباب.

٣٣٠
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
[ح ١٩٢٥ - طرفاه في: ١٩٣٠، ١٩٣١]
[ح ١٩٢٦ - طرفه في: ١٩٣٢]
قوله: (باب الصائم يُصبِحُ جُنُبًا) أي: هل يَصِحُّ صومُه أو لا؟ وهل يُفرَّق بين العامد
والناسي، أو بين الفرض والتطوُّع؟ وفي كلِّ ذلك خلاف للسّلَف، والجمهور على الجواز
مُطلَقاً، والله أعلم.
قوله: ((كنت أنا وأبي حتَّى دخلنا على عائشة وأُمّ سَلَمة)) كذا أوردَه البخاري من رواية
مالك مُخْتَصَراً، وعَقَّبَه بطريق الزُّهْري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، فأوهمَ أنَّ سياقَهما
واحد، لكنَّه ساق لفظ مالك بعد بابين (١٩٣١) وليس فيه ذِكْر مروان، ولا قصَّة أبي
هريرة، نعم قد أخرجه مالك في ((الموطّا)) (٢/ ٢٩٠) عن سُميّ مُطوَّلاً، ولمالك فيه شيخ
آخر أخرجه في ((الموطأ)» (٢٨٩/١-٢٩٠) عن عبد ربِّه بن سعيد، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن مُختصَراً. وأخرجه مسلم (٧٨/١١٠٩) من هذا الوجه أيضاً، وأخرجه مسلم
(٧٥/١١٠٩) أيضاً من رواية ابن جُرَيج عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن
أبيه أتمَّ منه، وله طرق أُخرى كثيرة أطنَبَ النَّسائي في تخريجها(١) وفي بيان اختلاف نَقَّلَتِها،
وسأذكر مُصَّلَ فوائدها إن شاء الله تعالى.
قوله في رواية شعيب: ((أنَّ أباه عبد الرحمن أخبر مروان)) أي: ابن الحكم، وإخبار
عبد الرحمن بما ذُكِرَ لمروان كان بعد أن أرسَله مروان إلى عائشة وأُمّ سَلَمة، بيَّن ذلك في
((الموطَّأ))، وهو عند مسلم أيضاً من طريقه، ولفظه: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم،
فقال مروان: أقسَمت عليك يا عبد الرحمن لَتذهَبَنَّ إلى أُمّ المؤمنين عائشة وأُمّ سَلَمة،
فلَتسألَنَّهما عن ذلك. قال أبو بكر: فذهب عبد الرحمن، وذهبت معه حتَّى دخلنا على
١٤٤/٤ عائشة، / فساق القصَّة. وبيَّن النَّسائي في رواية له أنَّ عبد الرحمن بن الحارث إنَّما سمعه من
ذَكْوانَ مولى عائشة عنها، ومن نافع مولى أُمّ سَلَمة عنها، فأخرج (ك٢٩٥٢) من طريق
عبد ربِّه بن سعيد، عن أبي عياض، عن عبد الرحمن بن الحارث قال: أرسَلَني مروان إلى
(١) في ((سننه الكبرى)) (٢٩٣٦-٣٠١٤).

٣٣١
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
عائشة، فأَتيْتُها فلَقيت غلامها ذَكْوانَ، فأرسلتُه إليها، فسألها عن ذلك، فقالت، فذكر
الحديث مرفوعاً قال: ((فَأَتيت مروان فحدَّثته بذلك فأرسَلَني إلى أُمّ سَلَمة، فأَتيتها فلَقيت
غلامها نافعاً فأرسلتُه إليها فسألها عن ذلك، فذكر مثله. وفي إسناده نظرٌ، لأنَّ أبا عياض
مجهول، فإن كان محفوظاً فيُجمع بأنَّ كلَّ من الغلامَينِ كان واسطةً بين عبد الرحمن وبين
كلٌّ منهما في السُّؤال كما في هذه الرواية.
وسَمِعَ عبدُ الرحمن وابنُه أبو بكرٍ كلاهما من وَرَاءِ الحِجاب، كما في روايةِ المصنّف
وغيره، وسأذكُرُه من رواية أبي حازمٍ عن عبد الملكِ بن أبي بكرٍ بن عبد الرحمن عن أبيه
عند النَّسائي (ك٢٩٤٤)، ففيه: أنَّ عبد الرحمن جاء إلى عائشة فسَلَّمَ على الباب، فقالت
عائشة: يا عبد الرحمن، الحديث.
قوله: ((كان يُدرِكه الفجر وهو جُنُب من أهله ثمَّ يَغتَسِل ويصوم)) في رواية مالك
(٤/ ٢٩٠) المشار إلیھا: کان يُصبح ◌ُنُباً من جماع غير احتلام، وفي رواية يونس عن ابن
شهاب عن عُرْوةَ وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشةً: كان يُدرِكه الفجر في رمضان(١) من
غير حُلُم، وستأتي بعد بابينِ (١٩٣٠)، وللنَّسائي (ك٢٩٤٤) من طريق عبد الملك بن أبي
بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عنهما: كان يُصبح جُنُباً من غير احتلام، ثمَّ يصوم ذلك اليوم،
وله (ك٢٩٩٦) من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال مروان لعبد الرحمن بن
الحارث: اذهب إلى أُمّ سَلَمة فسَلْها، فقالت: كان رسول الله وَ ل﴿ يُصبح جُنُباً مِنِّي فيصوم،
ويأمرني بالصيام.
قال القُرطُبي: في هذا فائدتان: إحداهما: أنَّه كان يجامع في رمضان، ويُؤخِّر الغُسل إلى
بعد طلوع الفجر بياناً للجواز، الثاني: أنَّ ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا
يَحْتِلِمُ، إذ الاحتلامُ من الشيطان وهو معصوم منه.
وقال غيره: في قولها: ((من غير احتلام)) إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلَّا لمَا كان
(١) كذا وقع في الأصلين، وفي (س) زيادة لفظ ((جنباً))، وانظر التعليق على الحديث رقم (١٩٣٠).

٣٣٢
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
للاستثناءِ معنَى. ورُدَّ بأنَّ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وأُجيبَ بأنَّ الاحتلام
يُطلَقُ على الإنزال، وقد وقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع
المبالَغةَ في الردِّ على من زَعَمَ أنَّ فاعلَ ذلك عمداً يُفطِر، وإذا كان فاعل ذلك عمداً لا
يُفطِر، فالذي ینسی الاغتسال، أو ينام عنه أَولى بذلك.
قال ابن دَقِيق العيد: لمَّا كان الاحتلام يأتي للمَرْءِ على غير اختياره فقد يتمسَّك به
من يُرخّص لغير المتعمِّد للجماع، فبيَّن في هذا الحديث أنَّ ذلك كان من جماع لإزالة
هذا الاحتمال.
قوله: ((وقال مروانُ لعبد الرحمن بن الحارث: أُقْسِمُ بالله)) في رواية النَّسائي (ك٢٩٤٢) من
طريق عِكْرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبد الرحمن: فقال مروان لعبد الرحمن: القَ أبا
هريرة فحَدِّثه بهذا، فقال: إنَّه لجاري، وإني لأكره أن أستَقبِلَه بما يَكرَه، فقال: أعِزِمُ عليك
لتَلقَيَنَّه. و(ك٢٩٤٣) من طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه: فقال عبد الرحمن
لمروان: غَفَرَ الله لك، إنَّه لي صديق، ولا أُحِبُّ أن أردَّ عليه قولَه. وبيَّن ابن جُرَيج في روايته
عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه سببَ ذلك، ففيه: عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قَصَصِه: ومَن أدرَكَه الفجرُ جُنُباً فلا يَصُمْ.
قال: فذكرتُه لعبد الرحمن، فانطلقَ وانطَلَقتُ معه حتَّى دخلنا على مروان ... فذكر القصَّة،
أخرجه عبد الرزاق عنه (٧٣٩٨) ومن طريقه مسلمٌ (٧٥/١١٠٩) والنَّسائي (ك ٢٩٤٥)(١)
وغيرهما، وفي رواية مالك (٢/ ٢٩٠) عن سُميٍّ عن أبي بكر: أنَّ أبا هريرة كان يقول: من
أصبَحَ جُنُباً أفطرَ ذلك اليومَ. وللنَّسائي (ك٢٩٣٩) من طريق المقبُري: كان أبو هريرة يفتي
الناس أنَّه من أصبَحَ جُنُباً، فلا يصوم ذلك اليوم، وله (ك ٢٩٤٠) من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن ثَوْبانَ أنَّه سمع أبا هريرة يقول: من احتَلَمَ من الليل، أو واقَعَ أهلَه، ثمَّ
١٤٥/٤ أدرَكَه الفجر ولم يَغْتَسِل، فلا يَصُم، ومن طريق أبي قِلابةَ عن / عبد الرحمن بن الحارث
(١) رواية النسائي من طريق يحيى القطّان عن ابن جريج، وليست من طريق عبد الرزاق.

٣٣٣
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
(٢٩٤٧٥): أنَّ أبا هريرة كان يقول: من أصبَحَ جُنُباً فليُقْطِر. فاتَّفَقَت هذه الروايات على أنَّه
كان يفتي بذلك، وسيأتي بيان من روى ذلك عنه مرفوعاً في آخر الكلام على هذا الحديث.
قوله: ((لَتُفْزِعَنَّ)) كذا للأكثر بالفاء والزاي، من الفَزَع وهو الخوف، أي: لتُخيفَنَّه بهذه
القصّة التي تخالف فتواه، وللكُشْمِيهنيّ: (لتَقْرَعَنَّ)) بفتح فقافٍ وراءٍ مفتوحةٍ، أي: تَقرَُ
بهذه القصَّة سمعَه، يقال: قَرَعت بكذا سمعَ فلان: إذا أعلمته به إعلاماً صريحاً.
قوله: ((ومروان يومئذٍ على المدينة)) أي: أمير من جهة معاويةً.
قوله: ((فكَرِهَ ذلك عبد الرحمن)) قد بيَّنّا سبب كراهته، قيل: ويحتمل أن يكونَ كَرِهَ أيضاً
أن يخالف مروان لكونه كان أميراً واجب الطاعة في المعروف، وبيَّن أبو حازم عن عبد
الملك بن أبي بكر عن أبيه سببَ تشديد مروان في ذلك، فعند النَّسائي (ك٢٩٤٤) من هذا
الوجه قال: کنت عند مروان مع عبد الرحمن، فذكروا قول أبي هريرة، فقال: اذهب فاسأل
أزواج النبي ◌َّ، قال: فذهبنا إلى عائشة، فقالت: يا عبد الرحمن، أمّا لكم في رسول الله
أُسوةٌ حسنٌ؟ فَذَكَرَت الحديثَ، ثمَّ أتينا أُمّ سَلَمة كذلك، ثمَّ أتينا مروان فاشتَدَّ عليه
اختلافُهم تخوُّفاً أن يكون أبو هريرة يُحدِّث بذلك عن رسول الله وَّه، فقال مروان
لعبد الرحمن: عَزَمت عليك لما أتيته فحدَّثته.
قوله: ((ثُمَّ قُدِّرَ لنا أن نَجتَمِع بذي الخُلَيفة)) أي: المكان المعروف، وهو ميقات أهل المدينة.
وقوله: ((وكان لأبي هريرة هناك أرض)) فيه رفعُ توهُّم من يَظُنّ أنَّهما اجتمعا في سفرٍ،
وظاهره أنَّهما اجتمعا من غير قصد، لكن في رواية مالك المذكورة: فقال مروان
لعبد الرحمن: أقسَمتُ عليك لَتَركَبَنَّ دابَتي فإنَّهَا بالباب، فلَتذهَبَنَّ إلى أبي هريرة فإنَّه بأرضِه
بالعَقيق، فلَتُخبِرَنَّه. قال: فَرَكِبَ عبد الرحمن ورَكِيت معه، فهذا ظاهر في أنَّه قَصَدَ أبا هريرة
لذلك، فيُحمَلُ قوله: ثمَّ قُدِّرَ لنا أن نَجتَمِعَ معه، على المعنى الأعمِّ من التقدير، لا على
معنى الاتّفاق، ولا تَخالُفَ بين قوله: بذي الحُلَيفة، وبين قوله: بأرضِه بالعقيق، لاحتمال أن
یکونا قَصَداه إلى العَقیق، فلم يَجِدَاه، ثمَّ وجَداه بذي الُلَیفة، و کان له أيضاً بها أرض.

٣٣٤
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ -١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في رواية مَعمَرٍ (١) عن الزُّهْري عن أبي بكر: فقال مروان: عَزَمت عليكما لمَا
ذهبتُما إلى أبي هريرة، قال: فَلَقينا أبا هريرة عند باب المسجد. والظاهر أنَّ المراد بالمسجد
هنا مسجد أبي هريرة بالعَقيق، لا المسجد النَّبوي، جمعاً بين الروايتين، أو يُجمَعُ بأنَّهما
التَّقَيا بالعَقيق، فذكر له عبد الرحمن القصَّةَ مُجُمَلةً، أو لم يَذْكُرُها بل شَرَعَ فيها، ثمَّ لم يَتهِيَّأ
له ذِكرُ تفصيلها، وسماعُ جواب أبي هريرة، إلَّا بعد أن رَجَعا إلى المدينة وأراد دخول
المسجد النَّبوي.
قوله: ((إنِّ ذاكِرٌ لك)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: إنِّي أذكُر، بصيغة المضارعة.
قوله: (لم أذكُره لك)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: لم أذكُر ذلك، وفيه حُسنُ الأدب مع
الأكابر، وتقديمُ الاعتذار قبل تبليغِ ما يَظُنُّ المبلِّغُ أنَّ المَلَّغ یَكرَهه.
قوله: ((فذكر قولَ عائشة وأُمِّ سَلَمَةَ، فقال: كذلك حدَّثني الفضل)) ظاهرُه أنَّ الذي حدَّثَه
به الفضلُ مثل الذي ذكره له عبد الرحمن، عن عائشة وأُمّ سَلَمة، وليس كذلك لمَا قَدَّمناه
من مخالَفة قول أبي هريرة لقول عائشة وأُمّ سَلَمة، والسبب في هذا الإبهام أنَّ رواية شعيب
في حديث الباب لم يَذكُر في أوَّلها كلامَ أبي هريرة كما قَدَّمناه، فلذلك أشكَلَ أمرُ الإشارة
بقوله كذلك.
ووقع كلام أبي هريرة في رواية مَعمَرٍ، وفي رواية ابن جُرَيج كما قَدَّمناه، فلذلك قال في
آخره: سمعت ذلك - أي: القولَ الذي كنت أقوله ـ من الفضل، وفي رواية مالك عن
سُميّ: فقال أبو هريرة: لا عِلم لي بذلك، وفي رواية مَعمَرٍ، عن ابن شهابٍ: فتَلَوَّنَ وجه
أبي هريرة، ثمّ قال: هكذا حدَّثني الفضل.
قوله: ((وهو أعلم)) أي: بما روى، والعُهدة عليه في ذلك لا عليَّ. ووقع في رواية النَّسَفي
عن البخاري: وهنَّ أعلم، أي: أزواج النبي وَِّ، وكذا في رواية مَعمَرٍ (٣)، وفي رواية ابن
جُرَيج: فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قال: هما أعلم، وهذا يُرجِّحُ روايةَ النَّسَفي، وللنَّسائي
(١) عند عبد الرزاق (٧٣٩٦)، وعنه الإمام أحمد في «المسند» (٢٦٦٣٠).
(٢) تحرف في ((مصنف عبد الرزاق)) إلى: ((وهو أعلم))، وجاء على الصواب في رواية أحمد عنه.

٣٣٥
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
(ك٢٩٤٣) من طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن/ عن أبيه: هي - أي: عائشة - أعلمُ ١٤٦/٤
برسول الله وَ﴿ منَّا، وزاد ابن جُرَيج في روايته: فَرَجَعَ أبو هريرة عمَّا كان يقول في ذلك.
وكذلك وقع في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان عند النَّسائي (ك ٢٩٤٠) أنَّه
رَجَع.
وروى ابن أبي شَيْبة (٨١/٣-٨٢) من طريق قَتَادةَ، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ أبا
هريرة رَجَعَ عن فُتياه: من أصبَحَ جُنُباً فلا صومَ له.
وللنَّسائي من طريق عِكْرمة بن خالد (ك٢٩٤٢) ويعلى بن عُقْبَةَ (ك٢٩٤١) وعِراك بن
مالك (ك٢٩٦٢)، كلَّهم عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أنَّ أبا هريرة أحالَ بذلك على الفضل
ابن عبّاس، لكن عنده (ك٢٩٤٣) من طريق عمر بن أبي بكر، عن أبيه: أنَّ أبا هريرة قال في
هذه القصّة: إنَّما كان أُسامة بن زيد حدَّثني؛ فيُحمَل على أنَّه كان عنده عن كلٌّ منهما.
ويُؤيِّده روايةٌ أُخرى عند النَّسائي (ك٢٩٤٤) من طريقٍ أُخرى عن عبد الملك بن أبي
بكر، عن أبيه، قال فيها: إنَّما حدَّثني فلانٌ وفلانٌ، وفي رواية مالك (٢٩٠/٢-٢٩١)
المذكورة: أخبرنيه مُبِرٌ، والظاهر أنَّ هذا من تصرُّف الزُّواة، منهم من أبهَمَ الرجلين ومنهم
من اقتَصَرَ على أحدهما، تارة مُبهَماً وتارة مُفسَّراً، ومنهم من لم يَذكُر عن أبي هريرة أحداً،
وهو عند النَّسائي (ك٢٩٤٧) أيضاً من طريق أبي قلابةَ، عن عبد الرحمن بن الحارث، ففي
آخره: فقال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب.
قوله: ((وقال همَّم وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة: كان النبي ◌ََّ يأمر بالفِطْرِ والأوَّلُ
أسنَد)) أمَّا رواية همَّام فَوَصَلها أحمد (٨١٤٥) وابن حِبَّان (٣٤٨٥) من طريق مَعمَرٍ عنه بلفظ:
قال ◌َّه: ((إذا نودي للصلاة صلاة الصُّبح وأحدكم ◌ُنُبٌ، فلا يَصُم حينئذٍ))، وأمَّا رواية ابن
عبد الله بن عمر فوَصَلَها عبد الرزاق(١)، عن مَعمَرٍ، عن ابن شهابٍ، عن ابن عبد الله بن عمرَ،
(١) الذي في ((المصنف)) (٧٣٩٦) من رواية معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن
هشام عن أبي هريرة ولفظه: ((من أدرك الصبح جنباً فلا صوم له))، وأما الطريق المذكورة فلم نجدها
عنده، ولا عزاها له في ((تغليق التعليق)) ١٤٨/٣.

٣٣٦
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي هريرة، به. وقد اختُلِفَ على الزّهْري في اسمه، فقال شعيبٌ عنه: أخبرني عبد الله بن
عمر، قال لي أبو هريرة: كان رسول الله ﴿ يأمرنا بالفِطْر إذا أصبَحَ الرجل ◌ُنُباً أخرجه
النَّسائي (ك٢٩٣٧) والطبراني في ((مُسنَد الشاميين)) (٣١٨٥)، وقال عُقَيلٌ(١) عنه: عن عُبيد الله
ابن عبد الله بن عمر، به، فاختُلِفَ على الزّهْري: هل هو عبد الله مُكَبَّراً أو عُبيدُ الله مُصغَّراً.
وأمَّا قولُ المصنّف: ((والأوَّلُ أسنَدُ» فاستَشكَله ابن التِّينِ قال: لأنَّ إسناد الخبر رفعُه،
فكأنَّه قال: إنَّ الطريقَ الأولى أوضحُ رفعاً، قال: لكن الشيخ أبو الحسن قال: معناه أنَّ
الأوَّل أظهَرُ اتَّصالاً.
قلت: والذي يَظهَرُ لي أنَّ مراد البخاري: أنَّ الرواية الأولى أقوى إسناداً، وهي من
حيثُ الرُّجحانُ كذلك؛ لأنَّ حديثَ عائشة وأُمّ سَلَمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة
جِدّاً بمعنّى واحد، حتَّى قال ابن عبد البَرِّ: إنَّه صَحَّ وتواتَر، وأمَّا أبو هريرة فأكثرُ
الروايات عنه أنَّه كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذَينِ أنَّه كان يَرفَعه إلى النبي ◌ِّهِ.
وكذلك وقع في رواية مَعمَرٍ عن الزُّهْري عن أبي بكر بن عبد الرحمن: سمعت أبا
هريرة يقول: قال رسول الله وَ ل*، فذكره، أخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٦)، وللنَّسائي
(ك٢٩٤٢) من طريق عِكْرمةَ بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: بَلَغَ مروان أنَّ أبا
هريرة يُحدِّث عن رسول الله وََّ، فذكره، وله (ك٢٩٣٩) من طريق المقبري، قال: بَعَثَت
عائشةُ إلى أبي هريرة: لا تُحدِّثْ بهذا عن رسول الله وَالحجر. ولأحمد (٧٣٨٨) من طريق
عبد الله بن عَمْرو القاري، سمعت أبا هريرة يقول: ورَبِّ هذا البيت، ما أنا قلت: من
أدرَكَ الصُّبح وهو جُنُبٌ، فلا يَصُم، محمدٌ ورَبِّ الكعبة قاله، لكن بيَّن أبو هريرة کما مضى
أنَّه لم يسمع ذلك من النبي وَّه وإنَّما سمعه بواسطة الفضل وأُسامة، وكأنَّه كان لِشِدّة
◌ُثوقِه بخبرهما تجلِف على ذلك.
وأمَّا ما أخرجه ابن عبد البَرِّ (٤٤/٢٢) من رواية عطاء بن ميناءَ، عن أبي هريرة أنَّه
(١) طريق عُقيل أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٢٩٣٨).

٣٣٧
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
قال: كنت حدَّثْتُكم من أصبَحَ جُنُباً فقد أفطَر، وإنَّ ذلك من كيسٍ أبي هريرة، فلا يَصِحُ
ذلك عن أبي هريرة؛ لأنه من رواية عمرَ بن قيسٍ، وهو متروكٌ.
نعم قد رَجَعَ أبو هريرة عن الفتوى بذلك، إمّا لرُجحان رواية أُمَّ المؤمنين في جواز
ذلك صريحاً على رواية غيرهما، مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال، إذ يُمكِنُ أن يُحمَلَ
الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النَّهي عن صوم ذلك اليوم،/ وإمّا ١٤٧/٤
لاعتقاده أن يكون خبر أُمَّي المؤمنين ناسخاً لخبر غيرهما. وقد بقي على مقالة أبي هريرة
هذه بعضُ التابعين كما نقله التِّرمِذي، ثمَّ ارتَفَعَ ذلك الخلاف واستقرَّ الإجماعُ على خلافه
كما جَزَمَ به النَّووي.
وأمَّا ابن دَقِيقِ العيد فقال: صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع، لكن من الآخِذين بحديث
أبي هريرة من فرَّقَ بين من تَعمَّدَ الجنابةَ وبين من احتَلَمَ، كما أخرجه عبد الرزاق (٨٤٠٥)
عن ابن عُيَينةَ، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه. وكذا حكاه ابن المنذر عن طاووس أيضاً.
قال ابن بَطَّالٍ: وهو أحدُ قولي أبي هريرة. قلت: ولم يَصِحّ عنه، فقد أخرج ذلك ابن المنذر
من طريق أبي المهَزَّم - وهو ضعيف - عن أبي هريرة. ومنهم من قال: يُتِمُّ صومَه ذلك اليومَ
ويقضيه، حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر. قلت: وأخرج
عبد الرزاق (٨٤٠٠) عن ابن جُرَيج أنَّه سأل عطاءً عن ذلك، فقال اختلف أبو هريرة
وعائشة، فأرى أن يُتِمَّ صومه ويقضي. انتهى، وكأنّه لم يثبت عنده رجوع أبي هريرة عن
ذلك، وليس ما ذكره صريحاً في إيجاب القضاء.
ونقل بعض المتأخّرين عن الحسن بن صالح بن حَيّ إيجابَ القضاء أيضاً، والذي نقله
الطَّحاوي عنه استحبابُه، ونقل ابن عبد البَرِّ (١) عنه وعن النَّخَعي إيجاب القضاء في
الفرض، والإجزاء في التطوّع.
ووقع لابن بَطَّالٍ وابن التِّينِ والنَّووي والفاكهي وغير واحد في نقل هذه المذاهبِ
مُغايِرات في نِسبَتَها لقائلها، والمعتمد ما حَرَّرته.
(١) انظر ((الاستذكار)) ٢٩٠/٣.

٣٣٨
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ -١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ونقل الماوَرْدي أنَّ هذا الاختلاف كلّه إنَّما هو في حقّ الجُنُب، وأمَّا المحتَلِم فأجمعوا على
أَنَّه يُجِزِئُه، وهذا النَّقُلُ مُعتَرَضٌ بما رواه النَّسائي (ك٢٩٣٨) بإسناد صحيح عن عُبيد الله ابن
عبد الله بن عمر: أنَّه احتَلَمَ ليلاً في رمضان، فاستَيَقَظَ قبل أن يَطلُعَ الفجر، ثمَّ نامَ قبلَ أن
يَغْتَسِلَ، فلم يَستَقِظُ حتَّى أصبَحَ، قال: فاستَفتَيت أبا هريرة، فقال: أفطِرٍ. وله (ك ٢٩٤٠)
من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: من احتَلَمَ من الليل، أو
واقَعَ أهله، ثمَّ أدرَكَه الفجر ولم يَغْتَسِل، فلا يَصُم. وهذا صريحٌ في عَدَم التفرِقة.
وحمل القائلون بفساد صيام الجُنُب حديثَ عائشة على أنَّه من الخصائص النَّبوية، أشار
إلى ذلك الطَّحاوي بقوله: وقال آخرون: يكون حُكمُ النبي ◌َّز على ما ذكرت عائشة،
وحُكمُ الناس على ما حكى أبو هريرة. وأجاب الجمهور بأنَّ الخصائصَ لا تَثْبُتُ إلَّا
بدليل، وبأنَّه قد وَرَدَ صريحاً ما يدلّ على عدمها، وترجم بذلك ابن حِبَّان في ((صحيحة))
حيثُ قال: ((ذِكرُ البيان بأنَّ هذا الفعلَ لم يكن المصطَفى مخصوصاً به)) ثمَّ أوردَ ما أخرجه
هو (٣٤٩٢) ومسلم (١١١٠) والنَّسائي (ك٣٠١٣) وابن خُزيمة (٢٠١٤) وغيرهم من
طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة: أنَّ رجلاً جاء إلى النبي ◌َّهِ يَستَفتيه - وهي تَسمَع
من وراء الباب - فقال: يا رسول الله، تُدرِكُني الصلاة - أي صلاةُ الصُّبح - وأنا ◌ُنُبٌ،
أفأصوم؟ فقال النبي وَّ: ((وأنا تُدرِكُني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم)) فقال: لستَ مثلَنا يا
رسول الله، قد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّرَ، فقال: ((والله إنِّي لَأرجو أن أكونَ
أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقِى)).
وذكر ابن خُزيمة (٣/ ٢٥٠) أنَّ بعضَ العلماء توهّمَ أنَّ أبا هريرة غَلِطَ في هذا الحديث،
ثُمَّ رَدَّ عليه بأنَّه لم يَغْلَط، بل أحالَ على رواية صادقٍ، إلَّا أنَّ الخبر منسوخ، لأنَّ الله تعالى
عند ابتداء فرضِ الصيام كان مَنَعَ في ليل الصوم من الأكل والشُّرب والجِماع بعد النَّوم،
قال: فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثمَّ أباح الله ذلك كلّه إلى طلوع الفجر،
فكان للمُجامع أن يَستمِرّ إلى طلوعه، فيَلزَم أن يقعَ اغتساله بعد طلوع الفجر، فدَلَّ على أنَّ
حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل ولم يَبلُغ الفضلَ ولا أبا هريرة الناسخُ، فاستَمرَّ أبو

٣٣٩
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
كتاب الصوم
هريرة على الفُتيا به، ثمَّ رَجَعَ عنه بعد ذلك لمَّا بَلَغَه.
قلت: ويُقوِّيه أنَّ في حديث عائشة هذا الأخير ما يُشعِرُ بأنَّ ذلك كان بعد الحُدَيبية،
لقوله فيها: قد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّرَ، وأشار إلى آية الفتح وهي إنَّما
نزلت عام الحُدَيبية سنة ستّ، وابتداء فرض الصيام كان في السَّنة الثانية. وإلى دعوى
النَّسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطَّبي وغير واحد، وقوَّاه ابن دَقِيق العيد بأنَّ قوله تعالى:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الزَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] / يقتضي إباحة الوَطء في ١٤٨/٤
ليلة الصوم، ومن مُلَتها الوقت المقارنُ لطلوع الفجر، فيَلزَمُ إباحةُ الجِماع فيه، ومن
ضرورته أن يُصبحَ فاعل ذلك جُنُباً، ولا يَفسُد صومُه، فإنَّ إباحة التسبُّب للشيءٍ إباحةٌ
لذلك الشيء.
قلت: وهذا أولى من سُلوك الترجيح بين الخبرَينِ كما تقدَّم من قول البخاري: ((والأوَّل
أسنَد))، وكذا قال بعضهم: إنَّ حديث عائشة أرجحُ لموافَقة أُمّ سَلَمة لها على ذلك، ورواية
اثنين تُقَدَّمُ على رواية واحد، ولاسيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأنَّ
روايتَهما توافق المنقول - وهو ما تقدَّم من مدلول الآية - والمعقول وهو أنَّ الغُسل شيءٌ
وَجَبَ بالإنزال، وليس في فعله شيءٌ محرَّمٌ على صائم، فقد يَحَتَلِم بالنَّهار فيجب عليه
الغُسل ولا يَحَرُم عليه، بل يُتِمُّ صومَه إجماعاً، فكذلك إذا احتَلَمَ ليلاً، بل هو من باب
الأولى، وإنَّما يُمنَعُ الصائم من تَعمُّد الجماعِ نهاراً. وهو شبيهٌ بمن يُمنَعُ من التطَّيِّبِ وهو
مُحِرِم لكن لو تَطَيَّبَ وهو حلال، ثمَّ أحرَمَ فبقي عليه لَونه أو ريحه لم يَجِرُم ذلك عليه.
وجمع بعضُهم بين الحديثين. بأنَّ الأمرَ في حديث أبي هريرة أمرُ إرشادٍ إلى الأفضل،
فإنَّ الأفضل أن يَغْتَسِل قبل الفجر، فلو خالَفَ جاز، ويُحُمَلُ حديث عائشة على بيان
الجواز. ونقل النَّووي هذا عن أصحاب الشافعي، وفيه نظرٌ، فإنَّ الذي نقله البيهقي وغيره
عن نَصِّ الشافعي سُلوكُ التَّرجيح، وعن ابن المنذِر وغيره سُلوكُ النَّسخ، ويُعكِّرُ على حملِه
على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفِطْر وبالنَّهي عن
الصيام، فکیف یَصِحّ الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟

٣٤٠
باب ٢٢ / ح ١٩٢٥ - ١٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: هو محمولٌ على من أدرَكَه الفجر مُجامعاً، فاستَدام بعد طلوعه عالماً بذلك،
ويُعكّر عليه ما رواه النَّسائي (ك٢٩٤٤) من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أبيه: أنَّ أبا هريرة كان يقول: من احتَلَمَ وعَلِمَ باحتلامه ولم يَغْتَسِل حتَّى
أصبَحَ فلا يصوم. وحكى ابن التِّين عن بعضهم أنَّه سَقَطَ ((لا)) من حديث الفضل، وكان
في الأصل: من أصبَحَ جُنُباً في رمضانَ فلا يُفطِرِ، فلمَّا سَقَطَت ((لا)) صار («فليُفطِرِ))، وهذا
بعيد بل باطل، لأنه يَستَلِزِم عَدَم الوُثوق بكثير من الأحاديث وأنَّا يَطْرُقها مثل هذا
الاحتمال، وكأنَّ قائله ما وقَفَ على شيء من طرق هذا الحديث إلَّا على اللَّفظ المذكور.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: دخول العلماء على الأُمَراء ومُذاكَرَتهم
إياهم بالعلم. وفيه فضيلة لمروان بن الحكم لمَا يدلّ عليه الحديث من اهتمامه بالعلم
ومسائل الدّين.
وفيه الاستثبات في النَّقل والرُّجوع في المعاني إلى الأعلم، فإنَّ الشيء إذا نوزِعَ فيه رُدَّ
إلى من عنده عِلمه، وترجيح مَرويّ النِّساءِ فيما لهنَّ عليه الاطّلاع دون الرجال على مَرويّ
الرجال كَعكسِه، وأنَّ المباشرَ للأمر أعلم به من المخبِرِ عنه، والائتِساءُ بالنبي ◌َّ في أفعاله
ما لم يَقُم دليل الخصوصية، وأنَّ للمفضول إذا سمع من الأفضل خلافَ ما عنده من
العلم أن يَبحَث عنه حتَّى يَقِف على وجهه، وأنَّ الحُجّة عند الاختلاف في المصير إلى
الكتاب والسُّنّة.
وفيه الحُجّةُ بخبر الواحد وأنَّ المرأةَ فيه كالرجل. وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه
بالحقِّ ورجوعه إلیه.
وفيه استعمال السَّلَف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العُدول من غير نكير
بينهم، لأنَّ أبا هريرة اعتَرَفَ بأنَّه لم يسمع هذا الحديث من النبي ◌ِّ، مع أنَّه كان يُمكِنه
أن يرويه عنه بلا واسطة، وإنَّما بينها لما وقع من الاختلاف.
وفيه الأدب مع العلماء، والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعةً، ولو كان فيه
مَشَقّة على المأمور.