Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب ٥ / ح ١٧٨٣
أبواب العمرة
فما أدري ألي خاصَّة! تعني: أو للناس عامّة، انتهى.
والظاهر حمله على العُموم كما تقدَّم، والسبب في التوقُّف استشكال ظاهره، وقد صَحَّ
جوابه، والله أعلم.
فصل: لم يَعتمِر النبي ◌َّهِ إلَّا في أشهُر الحج كما تَقدَّم، وقد ثَبَتَ فضل العمرة في
رمضان بحديث الباب، فأيُّهما أفضل؟ الذي يَظهَر أنَّ العمرة في رمضان لغير النبي وَّل
أفضل، وأمَّا في حقِّه فما صَنَعَه هو أفضل، لأنَّه فَعَله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية
يمنعونَه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهاً لغيره لكان في حقِّه
أفضل، والله أعلم.
وقال صاحب ((الهدي)): يحتمل أنَّه ﴿ كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهمّ
من العمرة، وخَشِيَ من المشقَّة على أُمَّته، إذ لو اعتَمَرَ في رمضان لَبادَروا إلى ذلك مع ما هم
عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يَترُك العمل وهو يُحِبّ أن يَعمَله
خَشْية أن يُفرَض على أُمَّته وخوفاً من المشقَّة عليهم.
٥- باب العمرة ليلةَ الخَصْبة وغیرها
١٧٨٣ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: خَرَجْنا مع رسولِ الله ◌ِوَّه هُوَافِينَ هِلال ذي الحجَّةِ، فقال لنا: ((مَن أحبَّ مِنْكم أن يُمِلَّ
بالحجِّ فلْيُهِلَّ، ومَن أحبَّ أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ بعمرةٍ، فلَوْلا أنّ أهدَيتُ لأهلَلْتُ بعمرةٍ»
قالت: فِمِنّا مَن أهلَّ بعمرةٍ، ومِنّ مَن أهلَّ بحَجِّ، وكنتُ مَمَّن أهلَّ بعمرةٍ، فأظَلَّني يومُ عَرَفَةَ وأنا
حائضٌ فِشَكَوْتُ إلى النبيِّ وَِّ، فقال: ((ارْخُضي عُمْرتَكِ وانقُضي رأسَكِ وامتَشِطي، وأهِلِّي
بالحجّ)) فلمَّا كان ليلةُ الحَصْبةِ أرسَلَ معي عبدَ الرحمن إلى التَّنْعِيمِ، فأهلَلْتُ بعمرةٍ مكانَ
عُمْرتي.
قوله: ((باب العمرة ليلة الحَصْبة وغيرها)) الخَصْبة بالمهمَلتَينِ وموخَّدة وزن الضَّرْبة،
والمراد بها ليلةُ المبيت بالمحصَّب. وقد سَبَقَ الكلام على التحصيب في أواخر أبواب الحج

٢٢
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
(١٧٦٥). وأوردَ المصنِّف فيه حديث عائشة، وفيه: فلمَّا كان ليلةُ الخَصْبة أرسَلَ معي
عبد الرحمن إلى التنعيم.
قال ابن بَطَّل: فقه هذا الباب أنَّ الحاجَّ يجوز له أن يَعتمِر إذا تَمَّ حَجُّه بعد انقضاء أيام
التشريق. وليلة الحَصْبة: هي ليلة النَّفْر الأخير، لأنَّها آخر أيام الرَّمي.
واختلف السلف في العمرة أيام الحج، فروى عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال:
سُئِلَ عمرُ وعليّ وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة، فقال عمر: هي خير من لا شيء. وقال
عليّ نحوه. وقالت عائشة: العمرة على قَدْر النَّفْقة. انتهى، وأشارَت بذلك إلى أنَّ الخروج
لقَصْد العمرة من البلد إلى مكَّة أفضل من الخروج من مكَّة إلى أدنى الحِلّ، وسيأتي تقرير
ذلك بعد بابين (١٧٨٧)، وسيأتي الكلام على الحديث بعد باب (١٧٨٦).
ومحمد شيخ البخاري فيه: هو ابن سَلَام(١).
٦٠٦/٣
٦ - باب عمرة التّنعيم
١٧٨٤ - حدَّثْنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، سمعَ عَمَرَو بنَ أوسٍ، أنَّ
عبد الرحمن بنَ أبي بكرٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ النبيَّ وَّ أمره أن يُرْدِفَ عائشة ويُعْمِرَها
من التَّنْعِيمِ.
قال سفيانُ مرَّةً: سمعتُ عَمراً، كم سمعتُه من عمرو.
[طرفه في: ٢٩٨٥]
١٧٨٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب بنُ عبدِ المجِيدِ، عن حبيبٍ المعلُّمِ، عن
عطاءٍ، حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّ﴾ أهلَّ وأصحابُه بالحِّ، وليس مع
أحدٍ منهم هَدْيٌّ، غيرَ النبيِّ وَّهِ وَطَلْحَةَ، وكان عليٌّ قَدِمَ من اليمنِ ومعه الهَدْيُ فقال: أهلَلْتُ بما
أهلَّ به رسولُ اللهِ وَّةِ، وَأنَّ النبيَّ ◌َيِّ أَذِنَ لأصحابه أن يَجِعَلُوها عمرةً؛ بَطُوقُوا بالبيتِ، ثمَّ
يُقصِّرُوا ويَحِلُّوا إلا مَن معه الهَدْيُ، فقالوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنَّى، وذَكَرٌ أحدِنا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النبيَّ لَه
(١) هذه العبارة سقطت من (أ) و(ع)، وأثبتناها من (س).

٢٣
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
أبواب العمرة
فقال: ((لو استَقْبَلْتُ من أمري ما استَذْبَرْتُ ما أهدَيتُ، ولَوْلا أنَّ معي الهَدْيَ لأحْلَلْت)).
وأنَّ عائشةَ حاضت فتَسَكَتِ المناسِكَ كلَّها غيرَ أنَّها لم تَطُفُ بالبيتِ، قال: فلمَّا طَهِّرَت
وطافَت قالت: يا رسولَ الله، أتْطَلِقُونَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ وأنطَلِقُ بالحِّ؟ فأُمَرَ عبد الرحمن بنَ أبي
بكرٍ أن يَخْرُجَ معها إلى التَّنْعِيمِ، فاعتَمَرَت بعدَ الحجِّ في ذي الحجَّةِ.
وأنَّ سُرَاقَةَ بنَ مالكِ بنِ جُعْشُمْ لَقِيَ النبيَّ نَّهِ بِالعَقَبَةِ، وهو يَرْمِيها، فقال: ألَكم هذه خاصَّةً
یا رسولَ الله؟ قال: ((لا، بل للأبد».
قوله: ((باب عمرة التَّنْعيم)) يعني: هل تَتَعيَّن لمن كان بمكَّة أم لا؟ وإذا لم تَتَعيَّن هل لها
فضل على الاعتمار من غيرها من جِهات الحِلّ أو لا؟
قال صاحب ((الهدي)): لم يُنقَل أنَّه وَلَه اعتَمَرَ مُدّة إقامته بمكَّة قبل الهجرة، ولا اعتَمَرَ
بعد الهجرة إلَّا داخلاً إلى مكَّة، ولم يَعتمِر قطّ خارجاً من مكَّة إلى الحِلّ ثمَّ يدخل مكَّة
بعمرةٍ كما يفعل الناس اليوم، ولا ثَبَتَ عن أحدٍ من الصحابة أنَّه فعلَ ذلك في حياته إلَّا
عائشة وحدها. انتهى، وبعد أن فعلته عائشة بأمره دلَّ على مشروعيته.
واختلف السَّلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرَّة، فكَرهَه مالك، وخالَفَه مُطرِّف
وطائفة من أتباعه، وهو قول الجمهور، واستثنى أبو حنيفة يوم عَرَفة ويوم النَّحر وأيام
التشريق، ووافَقَه أبو يوسف إلَّا في يوم عَرَفة، واستثنى الشافعي البائتَ بمِنَّى لَرَميٍ أيام
التشريق، وفيه وجهٌ اختارَه بعض الشافعية فقال بالجواز مُطلَقاً كقول الجمهور، والله أعلم.
واختلفوا أيضاً هل يَتَعيَّن التنعيم لمن اعتَمَرَ من مَّة؟ فروى الفاكهي وغيره من طريق
محمد بن سيرين قال: بَلَغَنا أنَّ رسول الله ◌َّهِ وَقَّتَ لأهل مكَّة التنعيم. ومن طريق عطاء
قال: مَن أراد العمرة ممَّن هو من أهل مكَّة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجِعْرانة
فليُحرِمْ منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتاً، أي: ميقاتاً من مواقيت الحج.
قال الطَّحاوي: ذَهَبَ قوم إلى أنَّه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكَّة إلَّا التنعيم، ولا
ينبغي مُجاوَزَته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحَجّ، وخالَفَهم آخرون فقالوا: ميقات

٢٤
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦٠٧/٣ العمرة: الحِلّ، وإنَّما أمَرَ النبي ◌َِّ عائشة/ بالإحرام من التنعيم، لأنَّه كان أقرب الحِلّ من
مكَّة. ثمّ روى (٢/ ٢٤١) من طريق ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة في حديثها قالت: وكان
أدنانا من الحَرَم التنعيم، فاعتَمَرتُ منه. قال: فثَبَتَ بذلك أنَّ ميقات مكَّة للعمرة الحِلّ،
وأنَّ التنعيم وغيره في ذلك سواء.
قوله: «عن عَمْرو» هو ابن دینار.
قوله: ((سمعَ عَمْرَوبن أوس)) يعني: أنَّه سمِع، ولفظ: ((أنَّه)) ممّا يُحذَف من الإسناد خطّاً
في الغالب كما تُحذف إحدى لفظَتَي ((قال)). وقد بيَّن سفیان سماعه له من عَمْرو بن دینار
آخرَه. ووقع عند الحميدي (٥٦٣) عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو بن دينار، قال سفيان: هذا ممّاً
يُعجِب شُعْبة، يعني: التصريح بالإخبار في جميع الإسناد.
قوله: ((ويُعْمِرَها من التَّعيم)) معطوف على قوله: ((أمره أن يُردِف)) وهذا يدلّ على أنَّ
إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي ◌َِّ، وأصرَحُ منه ما أخرجه أبو داود (١٩٩٥) من طريق
حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها، أنَّ رسول الله وَّامٍ قال: ((يا عبد الرحمن،
أَردِف أُختك عائشة فأعمِرها من التنعيم)) الحديث، ونحوه رواية مالك السابقة في أوائل
الحج (١٥٥٦) عن ابن شهاب، عن عُرْوة، عن عائشة: أرسَلَني النبي ◌ِّر مع عبد الرحمن
إلى التنعيم، ورواية الأسوَد عن عائشة السابقة في أواخر الحج (١٧٦٢): قال: «فاذهَبي مع
أخيك إلى التنعيم))، وسيأتي بعد بابٍ (١٧٨٧) من وجه آخر عن الأسوَد والقاسم جميعاً
عنها بلفظ: ((فاخرُجي إلى التنعيم))، وهو صريح بأنَّ ذلك كان عن أمر النبي ◌َِّ، وكلّ
ذلك يُفسِّر قوله في رواية القاسم عنها السابقة في أوائل الحج (١٥٦٠) حيثُ أوردَه بلفظ:
((اخرُج بأُختِك من الحَرَم)).
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٦٠٨٥) من طريق ابن أبي مُلَيكة عنها في هذا الحديث قال: ثمَّ
أرسَلَ إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: ((احِمِلها خلفك حتَّى تَخْرُج من الحَرَم))، فوالله ما
قال: فتُخرِجها إلى الجِعْرانة ولا إلى التنعيم؛ فهي رواية ضعيفة لضَعفٍ أبي عامر الخَزّاز

٢٥
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
أبواب العمرة
الراوي له عن ابن أبي مُلَيكة، ويحتمل أن يكون قوله: فوالله ... إلى آخره، من كلام مَن دون
عائشة، قاله مُتَمسِّكاً بإطلاق قوله: ((فأَخرِجْها من الحَرَم))، لكنَّ الروايات المقيَّدة بالتنعيم
مقدَّمة على المطلقة، فهو أولى ولا سيما مع صِحَّة أسانيدها، والله أعلم.
فائدة: زاد أبو داود (١٩٩٥) في روايته بعد قوله: ((إلى التنعيم)): «فإذا هَبَطتَ بها من
الأَكَمَة فلتُحرِم، فإنَّها عمرة مُتَقَبَّلة))، وزاد أحمد في رواية له (١٧٠٩): ((وذلك ليلةَ الصَّدَر))
وهو بفتح المهمَلة والدال، أي: الرُّجوع من مِنّى، وفي قوله: ((فإذا هَبَطت بها)) إشارة إلى
المكان الذي أحرَمَت منه عائشة.
والتّنعيم، بفتح المثنَّة وسكون النون وكسر المهملة: مكان معروف خارج مكَّة، وهو
على أربعة أميال من مكَّة إلى جهة المدينة، كما نَقَله الفاكهي، وقال المحِبّ الطَّبَري: التنعيم
أبعد من أدنى الحِلّ إلى مكَّة بقليل، وليس بطرف الِحِلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومَن أطلقَ
عليه أدنى الحِلّ فقد تجوَّز. قلت: أو أراد بالنّسبة إلى بقيّة الجِهات. وروى الفاكهي من
طريق عُبيد بن عُمَير قال: إنَّما سُمّي التنعيم، لأنَّ الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له:
ناعم، والذي عن اليَسار يقال له: مُنعَّم، والوادي نَعْمان.
وروى الأزرَقي من طريق ابن جُرَيج قال: رأيت عطاء يَصِف الموضع الذي اعتَمَرَت
منه عائشة قال: فأشارَ إلى الموضع الذي ابتَنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي
وراء الأكَمَّة، وهو المسجد الحَرِب. ونَقَلَ الفاكهي عن ابن جُرَيج وغيره أنَّ ثَمَّة مسجدَينٍ
يَزْعُم أهل مكَّة أنَّ الَرِب الأدنى من الحَرَم هو الذي اعتَمَرَت منه عائشة، وقيل: هو
المسجد الأبعَد على الأكَمَة الحمراء، ورَجَّحَه المحِبّ الطََّري. وقال الفاكهي: لا أعلم إلّا
أنّي سمعتُ ابن أبي عمر يَذكُر عن أشياخه أنَّ الأول هو الصحيح عندهم.
وفي هذا الحديث جواز الخَلْوة بالمحارم سفراً وحَضَراً، وإرداف المحرم محرَمه معه.
واستُدلَّ به على تَعيُّن الخروج إلى الحِلّ لمن أراد العمرة ممَّن كان بمكّة، وهو أحد قولي
العلماء، والثاني: تَصِحّ العمرة ويجب عليه دَمِ لتّرك الميقات، وليس في حديث الباب ما

٢٦
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦٠٨/٣ يَدِفَع ذلك. واستُدلَّ به على أنَّ/ أفضل جِهات الحِلّ التنعيم، وتُعُقِّبَ بأنَّ إحرام عائشة من
التنعيم إنَّما وقع لكَونِه أقرب جهة الحِلِّ إلى الحَرَم، لا أنَّه الأفضل، وسيأتي إيضاح هذا في
((باب أَجر العمرة على قَدْر النَّصَب)» (١٧٨٧).
قوله: (عن عطاء» هو ابن أبي رباح.
قوله: ((وليس مع أحدٍ منهم هَدْيٌّ غيرَ النبي ◌َّهِ وطَلْحة)) هذا مخالِفِ لمَا رواه أحمد
(٢٦٣٤٤) ومسلم (١٢١١/ ١٢٠) وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن
عائشة: أنَّ الهَدْي كان مع النبي ◌َِّ وأبي بكر وعمر وذوي اليَسَار. وسيأتي بعد بابين
(١٧٨٨) للمصنّف من طريق أفلَحَ، عن القاسم بلفظ: ورجالٍ من أصحابه ذوي قوّة.
ويُجمَع بينهما بأنَّ كلَّ منهما ذكر مَن اطَّلَعَ عليه، وقد روى مسلم أيضاً (١٩٦/١٢٣٩) من
طريق مسلم القُرِّي - وهو بضم القاف وتشديد الراء - عن ابن عبّاس في هذا الحديث:
وكان طلحة مَّن ساق الهَدْي فلم يَحِلَّ. وهذا شاهد لحديث جابر في ذِكْر طلحة في ذلك،
وشاهد لحديث عائشة في أنَّ طلحة لم ينفرد بذلك، وداخلٌ في قولها: وذوي اليَسَار، ولمسلم
(١٩١/١٢٣٦) من حديث أسماء بنت أبي بكر: أنَّ الزُّبَير كان مَّن كان معه الهدي.
قوله: ((وكان عليٌّ قَدِمَ من اليمن)) في رواية ابن جُرَيج عن عطاء عند مسلم (١٢١٦/
١٤١): من سِعايته، وسيأتي بيان ذلك في أواخر المغازي (٤٣٥٢).
قوله: ((بما أهلَّ به رسول الله وَ﴿)) في رواية ابن جُرَيج عن عطاء عن جابر، وعن ابن
جُرَيج عن طاووس عن ابن عبّاس في هذا الحديث عند المصنِّف في الشَّرِكة (٢٥٠٥
و٢٥٠٦): فقال أحدهما: يقول: لبّيك بما أهلَّ به رسول الله وَّهِ، وقال الآخر: يقول: لبّيك
بحَجَّة رسول الله وَ ◌ّ، فأمره أن يُقيم على إحرامه، وأشرَكَه في الهَدْي. وقد تقدَّم بيان ذلك
في ((باب مَن أهلَّ في زمن النبي ◌ِّ بإهلال النبي ◌َّ)) في أوائل الحج (١٥٥٧).
قوله: ((وأنَّ النبي ◌َّهِ أَذِنَ لأصحابه أن يَجَعَلُوها عمرةً) زاد ابن جُرَيج عن عطاء فيه:
((وأَصيبوا النِّساء)) قال عطاء: ولم يَعزِم عليهم، ولكن أحَلَّهُنَّ لهم؛ يعني: إتيان النِّساء، لأنَّ

٢٧
باب ٦ / ح ١٧٨٤ - ١٧٨٥
أبواب العمرة
مِن لازِمِ الإحلال إباحةَ إتيان النِّساء، وقد تقدَّم شرح ذلك في آخر ((باب التمتّع والقِران)).
قوله: ((وأنَّ عائشة حاضت)) في رواية عائشة نفسها كما تقدَّم (٢٩٤): أنَّ حَيضها كان
بسَرِفَ قبل دخولهم مكَّة، وفي رواية أبي الزُّبَير عن جابر عند مسلم (١٣٦/١٢١٣): أنَّ
دخول النبي ◌َّه عليها وشَكْواها ذلك له كان يوم التَّروية، ووقع عند مسلم (١٢١١/
١٣٣) من طريق مجاهد عن عائشة: أنَّ طُهرَها كان بعَرَفة. وفي رواية القاسم عنها: وطَّهُرت
صبيحة ليلة عَرَفة حتَّى قَدِمنا مِنَّى، وله (١٢٣/١٢١١) من طريقه: فخرجت في حَجَّتي
حتَّى نزلنا مِنَّى فَتَطَهَّرت، ثمَّ طُفنا بالبيت ... الحديث. واتَّفَقَت الروايات كلّها على أنَّها
طافَت طواف الإفاضة من يوم النَّحر. واقتَصَرَ النَّوَوي في ((شرح مسلم)) على النَّقل عن أبي
محمد بن حَزْمِ: أنَّ عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذي الحِجّة، وطَهُرَت يوم السبت
عاشرَه يومَ النَّحر، وإنَّما أخذَه ابن حَزْم من هذه الروايات التي في مسلم.
ويُجمَع بين قول مجاهد وقول القاسم أنَّها رأت الطَّهر وهي بعَرَفة ولم تَتَهيَّا للاغتسال
إلَّا بعد أن نزلت مِنَّى، وانقَطَعَ الدَّم عنها بعَرَفة، وما رأت الطُّهر إلَّا بعد أن نزلت مِنِّى،
وهذا أولى، والله أعلم.
قوله: ((وأنطَلِقٍ بالحجّ)) تمسَّك به مَن قال: إنَّ عائشة لمَّا حاضت تَرَكَت عمرَتها واقتَصَرَت
على الحج، وقد تقدَّم البحث فيه في ((باب التمتُّع والقِرَان)).
قوله: ((وأنَّ سُرَاقة لقيَ النبي ◌َّهِ بِالعَقَبَةِ وهو يَرْميها)) يعني: وهو يَرمي جَمْرة العَقَبة،
وفي رواية يزيد بن زُرَيع عن حَبِيب المعلِّم عند المصنّف في كتاب التمنِّي (٧٢٣٠): وهو
يَرمي جَمْرة العَقَبة. هذا فيه بيان المكان الذي سألَ فيه سُرَاقة عن ذلك، ورواية مسلم
(١٢١٦/ ١٤١) من طريق ابن جُرَيج عن عطاءٍ عن جابر كذلك، وسياق مسلم (١٢١٨/
١٤٧) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر يقتضي أنَّه قال له ذلك لمَّا أمَرَ أصحابه
أن يَجعَلوا حَجَّهم عمرةً، وبذلك تمسّك مَن قال: إنَّ سؤاله كان عن فسخ الحج عن
العمرة، ويحتمل أن يكون السُّؤال وقع عن الأمرينِ لتعدُّد المكانين.

٢٨
باب ٧ / ح ١٧٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (أَكم هذه خاصَّةً يا رسول الله؟ قال: لا، بل للأبد)» في رواية يزيد بن زُرَیع
٦٠٩/٣ (٧٢٣٠): ألنا هذه خاصَّة، / وفي رواية جعفر عند مسلم (١٤٧/١٢١٨): فقام سُرَاقة فقال:
يا رسول الله، ألِعامِنا هذه أم للأبدِ؟ فشَبَّك أصابعه واحدة في الأُخرى وقال: «دخلَت
العمرةُ في الحج - مرَّتین - لا بل للأبدِ أبدا).
قال النَّوَوي: معناه عند الجمهور أنَّ العمرة يجوز فعلُها في أشهر الحج إبطالاً لما كان
عليه الجاهلية، وقيل: معناه جواز القِرَان، أي: دخلَت أفعال العمرة في أفعال الحج، وقيل:
معناه: سَقَطَ وجوب العمرة، وهذا ضعيف لأنَّه يقتضي النَّسخ بغير دليل، وقيل: معناه:
جواز فسخ الحج إلى العمرة، قال: وهو ضعيف. وتُعُقِّبَ بأنَّ سياق السُّؤال يُقوِّي هذا
التأويل، بل الظاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفَسْخ، والجواب وقع عمّا هو أعمُّ من ذلك، حتَّى
يتناول التأويلات المذكورة إلَّا الثالث، والله أعلم.
٧- باب الاعتمار بعد الحجّ بغير هدي
١٧٨٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، قال:
أخبَرَتْني عائشةُ رضي الله عنها قالت: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ ◌ّهِ مُوافِينَ لهِلال ذي الحجَّةِ، فقال
رسولُ الله ◌َّ: ((مَن أحبَّ أن يُهِلَّ بعمرةٍ فَلْيُهِلَّ، ومَن أحبَّ أن يُِّلَّ بحَجَّةٍ فَلْيُهِلَّ، ولَوْلا أَتّي
أهدَيتُ لأهلَلْت بِعُمْرةٍ»، فمنهم مَن أهلَّ بعمرةٍ ومنهم مَن أهلَّ بحَجَّةٍ، وكنتُ ثمّن أهلَّ بعمرةٍ،
فحِضْتُ قبلَ أن أدخُلَ مكَّةَ، فأدرَكَني يومُ عَرَفَةَ وأنا حائضٌ، فَشَكَوْت إلى رسولِ الله وَ ﴿ فقال:
((دَعِي عُمْرتَكِ وانقُضي رأسَكِ وامتَشِطي، وأهِلّي بالحجّ))، ففَعَلْتُ، فلمَّا كانت ليلةُ الحَصْبةِ أرسَلَ
معي عبد الرحمن إلى التَّعِيمِ، فأردَفَها، فأهلَّت بعمرةٍ مكان عُمْرتها، فقَضَى الله حَجَّها وعُمْرتَها، ولم
يكن في شيءٍ من ذلك هَذْيٌّ ولا صَدَقةٌ ولا صَوْمٌ.
قوله: ((باب الاعتمار بعد الحجّ بغيرِ هَذي)) كأنَّه يشير بذلك إلى أنَّ اللَّازم من قول مَن
قال: إنَّ أشهُرَ الحج شوال وذو القعدة وذو الحجّة بكماله ــ کما هو منقول في رواية عن
مالك وعن الشافعي أيضاً - ومَن أطلقَ أنَّ التمتّع هو الإحرام بالعمرة في أشهُر الحج - كما

٢٩
باب ٧ / ح ١٧٨٦
أبواب العمرة
نَقَلَ ابن عبد البَرِّ فيه الاتّفاق فقال: لا خلاف بين العلماء أنَّ التمتّع المراد بقوله تعالى:
﴿ وَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهُر
الحج قبل الحج - أنَّ مَن أحرَمَ بالعمرة في ذي الحِجّة بعد الحج فعليه الهَدْي، وحديث
الباب دالٌّ على خلافه، لكنَّ القائل بأنَّ ذا الحِجّة كلّه من أشهُر الحج يقول: إنَّ التمتّع هو
الإحرام بالعمرة في أشهُر الحج قبل الحج، فلا يلزمهم ذلك.
قوله: ((خَرَجْنا مُوافِينَ لِهِلال ذي الحِجَّة)) أي: قُربَ طلوعه، وقد تقدَّم (١٧٠٩) أنَّها
قالت: ((خَرَجنا لخمسٍ بَقِينَ من ذي القَعْدة)) والخمس قريبة من آخر الشهر، فوافاهم
الهلال وهم في الطريق، لأنَّهم دخلوا مكَّة في الرابع من ذي الحِجّة.
قوله: ((لَأهلَلْت بعمرةٍ»، في رواية السَّرَخْسي: «لَأحلَلت)) بالحاء المهمَلة، أي: من الحج.
قوله: ((أرسَلَ معي عبد الرحمن إلى التَّنْعيم، فأردَفَها)) فيه التِفات، لأنَّ السياق يقتضي أن
تقول: فأردفَني.
قوله: ((مكان عُمْرتها)) تقدَّم توجيهُه، وأنَّ المراد مكان عُمرَتها التي أرادت أن تكون
مُنْفَرِدةً عن الحج، قال عياض وغيره: الصواب في الجمع بين الروايات المختلفة عن عائشة
أنَّها أحرَمَت بالحج، كما هو ظاهر رواية القاسم(١) وغيره عنها، ثمَّ فسَخَته إلى العمرة لمَّا
فسَخَ الصحابة، وعلى هذا يتنزّل قول عُرْوة عنها (٣١٩): ((أحرَمَت بعمرةٍ)، فلمَّا حاضت
وتَعذَّرَ عليها التَّحَلَّل من العمرة لأجل الحيض وجاء وقت الخروج إلى الحج، أدخَلَت
الحج على العمرة فصارت قارنة، واستَمرَّت إلى أن تَحَلَّلَت، وعليه يدلّ قوله لها في رواية
طاووس عنها عند مسلم (١٢١١/ ١٣٢): / ((طوافك يَسَعُك لحَجِّك وعمرتِك))، وأمَّا قوله ٦١٠/٣
لها: «هذه مكان عمرَتك))(٢) فمعناه: العمرة المنفَرِدة التي حَصَلَ لغيرها التَّحَلُّل منها بمكَّة،
ثمَّ أنشؤوا الحج منفرداً، فعلى هذا فقد حَصَلَ لعائشة عُمرَتان. وكذا قولها: يَرجِع الناس
(١) ستأتي رواية القاسم - وهو ابن محمد بن أبي بكر - برقم (١٧٨٨).
(٢) هو في الرواية السالفة برقم (١٥٥٦).

٣٠
باب ٧ / ح ١٧٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
بحَجِّ وعمرةٍ وأرجع بحَجِّ!(١) أي: يَرجِعونَ بحَجِّ مُنفَرِدٍ، وعمرة مُنْفَرِدة.
وأمَّا قوله في هذا الحديث: ((فقَضَى الله حَجَّها وعُمرَتَها ولم يكن في شيءٍ من ذلك هَدْيٌ ولا
صَدَقة ولا صوم)) فظاهرُه أنَّ ذلك من قول عائشة، وكذا أخرجه مسلم (١١٥/١٢١١)،
وابن ماجَهْ (٣٠٠٠) من رواية عَبْدة بن سليمان، ومسلم (١١٦/١٢١١) من طريق ابن نُمَير،
والإسماعيلي من طريق عليّ بن مُسهِر وغيره، لكن قد تقدَّم الحديث في الحيض (٣١٧) من
طريق أبي أسامة، عن هشام بن عُرْوة ... إلى آخره، فقال في آخره: قال هشام: ولم يكن في
شيء من ذلك ... إلى آخره، فتَبيَّن أنَّه في رواية يحيى القطّان ومَن وافقه مُدرَج، وكذا أخرجه
أبو داود (١٧٧٨) من طريق وُهَيب والحَّدَينِ عن هشام.
ووقع في الحديث موضع آخر مُدرَج وهو قوله قبل ذلك: فقَضى الله حَجّها وعمرتَها،
فقد بيَّن أحمد (٢٥٥٨٧) في روايته عن وكيع عن هشام أنَّه من قول عُرْوة، وبيَّنه مسلم
(١١٧/١٢١١) عن أبي كُرَيب عن وكيع بياناً شافياً، فإنَّه أخرجه عَقِب رواية عَبْدة عن
هشام (١٢١١ /١١٥) وقال فيه: ((فساق الحديث بنحوه))، وقال في آخره (١٢١١ / ١١٧):
قال عُرْوة: فقَضى الله حَجّها وعمرتَها، قال هشام: ولم يكن في ذلك هَذْي ولا صيام ولا
صَدَقة. وساقه الجَوزَقي من طريق مسلم بهذا الإسناد بتمامه بغير حَوَالةٍ، ورواه ابن جُرَيج
عن هشام فلم يَذكُر الزيادة، أخرجه أبو عَوَانة، وكذا أخرجه الشَّيخان من طريق الزُّهْري
وأبي الأسوَد(٢) عن عُرْوة بدون الزيادة.
قال ابن بَطَّال: قوله: ((فقَضَى الله حَجّها وعمرتَها)) إلى آخر الحديث ليس من قول
عائشة، وإنَّما هو من كلام هشام بن عُرْوة، حدَّث به هكذا في العراق فوَهِمَ فيه، فظهر
بذلك أن لا دليل فيه لمن قال: إنَّ عائشة لم تكن قارنة، حيثُ قال: لو كانت قارنة لَوَجَبَ
عليها الهَدي للقِران، وحملَ قوله لها: (ارفُضي عمرَتك)) على ظاهره، لكن طريق الجمع
(١) فيما سلف برقم (١٥٦١).
(٢) رواية الزهري عند البخاري برقم (٣١٦)، وعند مسلم برقم (١٢١١) (١١١)، وأما رواية أبي الأسود
فعند البخاري برقم (١٥٦٢)، وعند مسلم برقم (١٢١١) (١١٨).

٣١
باب ٨ / ح ١٧٨٧
أبواب العمرة
بين مُخْتلِف الأحاديث تَقتَضي ما قرَّرناه، وقد ثَبَتَ عن عائشة أنَّ النبيَِِّ ضَحّى عن
نسائه بالبَقَرِ، كما تقدَّم (١٧٠٩)، وروى مسلم (٣٥٦/١٣١٩) من حديث جابر: أنَّ
النبي وَ﴿ أهدى عنها، فيُحمَل على أنَّه وَلَ أهدى عنها من غير أن يأمرها بذلك ولا
أعلمها به.
قال القرطبي: أشكَلَ ظاهرُ هذا الحديث: ((ولم يكن في ذلك هَدْي)) على جماعة، حتَّى
قال عياض: لم تكن عائشة قارنة ولا مُتمتِّعة، وإنَّما أحرَمَت بالحج ثمَّ نَوَت فَسْخه إلى
عمرة، فمَنَعَها من ذلك حَيضُها فَرَجَعَت إلى الحج فأكمَلَته، ثمَّ أحرَمَت عمرة مُبتدَأة فلم
يجب عليها هَذْي. قال: وكأنَّ عياضاً لم يسمع قولها: كنت مَمَّن أهلَّ بعمرةٍ، ولا قوله وَلآل
لها: ((طوافك يَسعُك لحَجِّك وعُمرتِك))، والجواب عن ذلك: أنَّ هذا الكلام مُدَرَجٌ من
قول هشام، كأنَّه نفى ذلك بحَسَبٍ علمه، ولا يَلزَم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويحتمل
أن يكون قوله: «لم یکن في ذلك مدي» أي: لم تتكلّف له بل قام به عنها، انتهى.
وقال ابن خُزيمة: معنى قوله: ((لم يكن في شيء من ذلك هَدْي)) أي: في تركها لعمل
العمرة الأولى وإدراجها لها في الحج، ولا في عمرَتها التي اعتَمَرَتها من التنعيم أيضاً. وهذا
تأويل حسن، والله أعلم.
٨- بابٌّ أجرُ العمرة على قدر النَّصَب
١٧٨٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ. وعن ابنِ
عَوْنٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ قالا: قالت عائشةُ رضي الله عنها: يا رسولَ الله، يَصْدُرُ الناسُ
بِنُسُكَيْنِ وأصدُرُ بنُسُكٍ! فِقِيلَ لها: ((انْتَظِرِي، فإذا طَهُرْتِ، فاخرُجي إلى التَّنْعِيمِ، فأهِلِّي ثمَّ اثْتِينا
بمكان كذا، ولكنَّها على قَدْرِ نَفَقَتِكِ أو نَصَبِك».
قوله: ((باب أجْر العمرة على قَدْر النَّصَب)) بفتح النون والمهمَلة، أي: الثَّعَب.
قوله: ((وعن ابن عَوْن)) هو معطوف على الإسناد المذكور، وقد بيَّنه أحمد (٢٤١٥٩)
ومسلم (١٢٦/١٢١١) من رواية ابن عُليَّة عن ابن عَوْن بالإسنادينِ، وقال فيه: يُحدِّثان
٦١١/٣

٣٢
باب ٨ / ح ١٧٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك عن أُمّ المؤمنين، ولم يُسمِّها، وقال: لا أعرِف حديثَ ذا من حديث ذا. وظهر بحديث
یزید بن زُرَیع أنَّها عائشة، وأنَّهما رَویا ذلك عنها بخلاف سیاق یزید.
قوله: ((بَصْدُر الناس» أي: یرچِعون.
قوله: ((بمكان كذا وكذا)) في رواية إسماعيل: ((بجَبَل كذا)»، وضَبَطه في ((صحيح مسلم))
وغيره بالجيم وفتح الموحّدة، لكن أخرجه الإسماعيلي من طريق حسين بن حسن عن ابن
عَوْن، وضَبَطَه بالحاء المهمَلة، يعني: وإسكان الموحّدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطَحُ كما
تبيَّن في غیر هذا الطريق.
قوله: ((على قَدْر نَفَقَتك أو نَصَبِك))، قال الكِرْماني: ((أو)) إمّا للتنويع في كلام النبي ◌َّ،
وإمّا شٌّ من الراوي، والمعنى: أنَّ الثَّواب في العبادة يَكثُر بكَثْرة النَّصَب أو النَّفقة، والمراد:
النَّصَب الذي لا يَذُمّه الشَّرع، وكذا النَّفْقة، قاله النَّوَوي، انتهى.
ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن مَنيع، عن إسماعيل: ((على قَدْر نَصَبِك أو
علی قَدْر تَعَبك)) وهذا يؤيِّد أنَّه من شكّ الراوي، وفي روایته من طریق حسین بن حسن:
((على قدر نَفَقَتك أو نَصَبك)) أو كما قال رسول الله وَّه. وأخرجه الدارَقُطني (٢٧٢٩)
والحاكم (١/ ٤٧١) من طريق هُشَيم عن ابن عَوْن بلفظ: ((إنَّ لك من الأجر على قَدْر
نَصَبك ونَفَقَتِك)» بواو العطف، وهذا یؤیّد الاحتمال الأول.
وقوله في رواية ابن عُليَّة: ((لا أعرِف حديث ذا من حديث ذا)) قد أخرج الدارَقُطْني
(٢٧٢٨) والحاكم (١/ ٤٧١-٤٧٢) من وجه آخر ما يَدلّ على أنَّ السياق الذي هنا للقاسم،
فإنَّهما أخرجا من طريق سفيان - وهو الثَّوري - عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسوَد،
عن عائشة، أنَّ النبيِ وَ لَه قال لها في عمرتها: ((إِنَّمَا أجرُك في عمرتِك على قَدْر نَفَقَتك)).
واستدلَّ به على أنَّ الاعتمار لمن كان بمكّة من جهة الحِلّ القريبة أقلّ أجراً من الاعتمار
من جهة الحِلّ البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث، وقال الشافعي في ((الإملاء)): أفضل بقاع
الِحِلّ للاعتمار الْجِعْرانة، لأنَّ النبي ◌َّهِأَحرَمَ منها، ثمَّ التنعيم، لأنَّه أذِنَ لعائشة منها. قال:

٣٣
باب ٩ / ح ١٧٨٨
أبواب العمرة
وإذا تَنَحّى عن هذين الموضعين فأين(١) أبعَد حتَّى يكون أكثر لسفره كان أحبّ إليّ.
وحكى الموفَّق في ((المغني)) عن أحمد: أنَّ المِّي كلَّما تَبَاعَدَ في العمرة كان أعظم لأجره.
وقال الحنفيَّة: أفضل بقاع الِحِلّ للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة.
ووَجْهُهُ ما قَدَّمناه أنَّه لم يُنقَل أنَّ أحداً من الصحابة في عهد النبي ◌َّهَ خَرَجَ من مكَّة إلى
الِحِلّ ليحرم بالعمرة غير عائشة. وأمَّا اعتماره وََّ من الجِعْرانة، فكان حين رَجَعَ من
الطائف مجتازاً إلى المدينة، ولكن لا يَلزَمُ من ذلك تَعيُّن التنعيم للفضل، لمَا دَلَّ عليه هذا
الخبر أنَّ الفضل في زيادة التَّعَب والنَّفقة، وإنَّما يكون التنعيم أفضل من جهة أُخرى تُساويه
إلى الحِلّ، لا من جهة أبعَد منه، والله أعلم.
وقال النَّوَوي: ظاهر الحديث أنَّ الثَّواب والفضل في العبادة يَكثُر بِكَثْرة النَّصَب
والنَّفقة. وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمُطَّرِدٍ، فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض
وهو أكثر فضلاً وثواباً بالنّسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القَدْر بالنِّسبة لقيام لَيالٍ من رمضان
غيرها، وبالنِّسبة للمكان، كصلاة ركعتَينِ في المسجد الحرام بالنِّسبة لصلاة رَكَعات في
غيره، وبالنِّسبة إلى شَرَف العبادة المالية والبَدَنية، كصلاة الفريضة بالنِّسبة إلى أكثر من عَدَد
رَكَعاتها أو أطول من قراءَتها ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدِرهَم من الزكاة بالنّسبة إلى
أكثر منه من التطوُّع، أشارَ إلى ذلك ابنُ عبد السلام في ((القواعد)) قال: وقد كانت الصلاة
قُرَّة عين النبيِ وَ ل﴿ وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مَشَقَّتها مُساويةً لصلاته
مُطلَقاً، والله أعلم.
٦١٢/٣
٩- باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثمَّ خرج هل يجزئه
من طواف الوداع؟
١٧٨٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا أفلَحُ بنُ مُميدٍ، عن القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها
قالت: خَرَجْنا مُهِلِّينَ بالحجِّ في أشهُرِ الحِّ وحُرُمِ الحَجِّ، فَزَلْنا بِسَرِفَ، فقال النبيُّ ◌َيهِ
(١) في (س): فإن.

٣٤
باب ٩ / ح ١٧٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
لأصحابه: ((مَن لم يكن معه هَذْيٌّ، فأحبَّ أن يَجِعَلها عمرةً فَلْيَفْعَل، ومَن كان معه هَدْيٌّ فلا))
وكان مع النبيِّ ◌َّ ورِجالٍ من أصحابه ذوي قُوّةِ الهَدْيُ، فلم تكن لهم عمرةٌ، فدخل عليَّ النبيُّ
وَيٍّ وأنا أبكي، فقال: «ما يُبكِيكِ؟)) قلتُ: سمعتُكَ تقولُ لأصحابكَ ما قلتَ، فمُنِعْتُ العمرةَ،
قال: ((وما شأنُكِ؟)) قلتُ: لا أُصلِّى، قال: «فلا يَضُرُّكِ، أنتِ من بناتِ آدَمَ كُتِبَ عليكِ ما كُتِبَ
عليهنَّ، فكُوني في حَجَّتِكِ عَسَى الله أن يَرْزُقَكِها)) قالت: فكنتُ حتَّى نَفَرْنا من مِنِّى، فنزلْنا
المحَصَّبَ، فَدَعا عبد الرحمن فقال: ((اخرُجْ بأُخْتِكَ الحَرَمَ، فلْتُهِلَّ بعمرةٍ، ثمَّ افرُغَا من طَوافِكما
أَنْتَظِرْ كما هاهنا»، فأتينا في جَوْفِ الليلِ، فقال: ((فَرَغُما؟)) قلتُ: نعم، فنادَى بالرَّحِيلِ في
أصحابه، فارْتَحَلَ الناسُ ومَن طافَ بالبيتِ قبلَ صلاةِ الصُّبحِ، ثمَّ خَرَجَ مُوَجِّهاً إلى المدينةِ.
قوله: ((باب المعتمِر إذا طافَ طواف العمرة ثمَّ خَرَجَ، هل يُجزِئه من طواف الوداع)) أوردَ
فيه حديث عائشة في عمرتها من التنعيم، وفيه قوله والر لعبد الرحمن: ((اخرُج بأُختِك من
الحَرَم فلتُهِلَّ بعمرة، ثمَّ افرُغا من طَوافِكما)) الحديث.
قال ابن بَطَّل: لا خلاف بين العلماء أنَّ المعتمِر إذا طافَ فخَرَجَ إلى بلده أنَّه يُجزِئه من
طواف الوداع، كما فعلَت عائشة. انتهى، وكأنَّ البخاري لمَّا لم يكن في حديث عائشة
التصريح بأنَّها ما طافَت للوداع بعد طواف العمرة، لم يُثبِت(١) الحكم في الترجمة، وأيضاً فإنَّ
قياس مَن يقول: إنَّ إحدى العبادتَينِ لا تَندَرِج في الأُخرى، أن يقول بمثل ذلك هنا.
ويُستَفاد من قصَّة عائشة أنَّ السعي إذا وقع بعد طواف الرُّكن - إن قلنا: إنَّ طواف
الرُّكن يُغني عن طواف الوداع - أنّ تَخُلُّل السعي بين الطَّواف والخروج لا يقطع إجزاء
الطَّواف المذكور عن الرُّكن والوداع معاً.
قوله: ((فنزلْنا بسَرِفَ)) في رواية أبي ذرِّ وأبي الوَقْت: ((سَرِفَ)) بحذف الباء، كذا لمسلم
(١٢١١/ ١٢٣) من طريق إسحاق بن عيسى بن الطَّاع عن أفلح.
قوله لأصحابه: ((مَن لم يكن معه هَذْي)) ظاهره أنَّ أمره وَّر لأصحابه بفَسْخ الحج إلى
(١) في (س): يَبُتّ، وكلاهما صحيح.

٣٥
باب ٩ / ح ١٧٨٨
أبواب العمرة
العمرة كان بسَرِفَ قبل دخولهم مكَّة، والمعروف في غير هذه الرواية أنَّ قوله لهم ذلك كان
بعد دخول مكَّة، ويحتمل التَّعدُّد.
قوله: ((قلت: لا أُصلِّ)) كَنَّتْ بذلك عن الحيض، وهي من لَطِيف الكنايات.
قوله: ((كُتِبَ عليك)) كذا للأكثر على البناء لمَا لم يُسمَّ فاعله، ولأبي ذرٍّ: ((كَتَبَ الله
عليك))، وكذا لمسلم.
قوله: ((فَكُوني في حجَّتك)) في رواية أبي ذرّ: ((في حَجِّك))، وكذا لمسلم.
قوله: ((حتَّى نَفَرْنا من مِنَّى فنزلْنا المحَصَّب)» في هذا السياق اختصار بيَّنته رواية مسلم
بلفظ: حتَّى نزلنا مِنَّى فَتَطَهَّرت ثمَّ طُفت بالبيت فنزل رسول الله وَّ المحصَّب.
قوله: ((فدَعَا عبد الرحمن)) في رواية مسلم: ((عبد الرحمن بن أبي بكر)).
قوله: ((اخرُج بأُختِك الحَرَم)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((من الحَرَم)» وهي أوضح،
وكذا لمسلم.
قوله: ((فأتينا في جَوْف الليل)) في رواية الإسماعيلي: ((من آخر الليل)) وهي أوفق لبقيّة
الروايات، وظاهرها أنَّها أتت إلى النبي وَِّ، وقد تقدَّم قبل أبواب (١٥٦١ و١٧٦٢) أنَّها
قالت: ((فَلَقيتُهُ وأنا مُنهَبِطة وهو مُصَعِّد)) أو العكس، والجمع بينهما واضح كما سيأتي.
قوله: ((فَارْتَحَلَ الناس ومَن طافَ بالبيت)) هو من عَطْف الخاصّ على العامّ، لأنَّ ٦١٣/٣
(الناس)) أعمّ من الطائفين، ولعلَّها أرادت بالناس: مَن لم يَطُف طواف الوداع، ويحتمل أن
يكون الموصول صفة الناس، من باب تَوَسُّط العاطف بين الصِّفة والموصوف، كقوله
تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ [الأنفال: ٤٩]، وقد أجاز سيبويه
نحو: مَرَرتُ بزيدٍ وصاحبِكَ، إذا أراد بالصاحبِ زيداً المذكور.
وهذا كلُّه بناء على صِحَّة هذا السياق، والذي يَغلِب عندي أنَّه وقع فيه تحريف،
والصواب: فارتَحَلَ الناس ثمَّ طاف بالبيت ... إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود (٢٠٠٦)
من طريق أبي بكر الحنفي عن أفلَحَ بلفظ: فأذَّنَ في أصحابه بالَّحيل، فارتَحَلَ فمَرَّ بالبيت

٣٦
باب ٩ / ح ١٧٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
قبل صلاة الصبح فطافَ به حين خَرَج، ثمَّ انصَرَفَ مُتَوَجّهاً إلى المدينة. وفي رواية مسلم:
فأذَّنَ في أصحابه بالرَّحيل فخَرَج، فمَرَّ بالبيت فطافَ به قبل صلاة الصبح، ثمَّ خَرَجَ إلى
المدينة. وقد أخرجه البخاري (١٥٦٠) من هذا الوجه بلفظ: فارتَحَلَ الناس، فمَرَّ مُتَوَجِّهاً
إلى المدينة، أخرجه في ((باب الحج أشهُر معلومات)).
قال عياض: قوله في رواية القاسم - يعني هذه -: فجِئنا رسول الله وَّل وهو في منزله
فقال: ((فهل فرَغتِ؟)) قلت: نعم، فأذَّنَ بالرَّحيل، وفي رواية الأسوَد عن عائشة - يعني
التي مَضَت في ((باب إذا حاضت بعدَما أفاضَتْ)) (١٧٦٢) -: فَلَقيني رسول الله وَّل وهو
مُصعِدٌ من مكَّة وأنا مُنهَيِطة، أو أنا مُصعِدة وهو مُنْهَبِط منها، وفي رواية صَفيَّة عنها، يعني
عند مسلم (١٢١١ / ١٣٤): فأقبلنا حتَّى أتيناه وهو بالخصبة. وهذا موافق لرواية القاسم،
وهما موافقان لحديث أنس، يعني الذي مضى في (باب طواف الوداع)) (١٧٥٦): أنَّه ◌َله.
رَقَدَ رَقْدة بالمحصَّبِ ثمَّ رَكِبَ إلى البيت فطافَ به، قال: وفي حديث الباب من الإشكال
قوله: ((فمَرَّ بالبيت فطافَ به)) بعد أن قال لعائشة: ((أفرَغت؟ قالت: نعم)) مع قولها في
الرواية الأُخرى أنَّه: تَوَجَّهَ لطواف الوداع وهي راجعة إلى المنزل الذي كان به، قال:
فيحتمل أنَّه أعاد طواف الوداع، لأنَّ منزله كان بالأبطح وهو بأعلى مگَّة، وخروجه من
مكَّة إنَّما كان من أسفَلها، فكأنَّه لمَّا تَوَجَّهَ طالباً للمدينة اجتازَ بالمسجدِ ليخرُج من أسفَل
مگَّة، فگرَّرَ الطَّواف لیکون آخر عهده بالبيت، انتهى.
والقاضي في هذا معذور، لأنَّه لم يُشاهد تلك الأماكن، فظَنَّ أنَّ الذي يَقصِد الخروج
إلى المدينة من أسفل مكَّة يَتَحَثَّم عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده مَن عایَنَه،
بل الرّاحل من منزله بالأبطَحِ يَمُرّ مجتازاً من ظاهر مكَّة إلى حيثُ مَقصِده من جهة المدينة،
ولا يحتاج إلى المرور بالمسجدٍ ولا يدخل إلى البلد أصلاً.
قال عياض: وقد وقع في رواية الأَصِيلي في ((البخاري): فخَرَجَ رسول الله بَّهِ ومَن
طافَ بالبيت. قال: فلم يَذكُر أنَّه أعاد الطَّواف، فيحتمل أنَّ طوافه هو طواف الوداع وأنَّ

٣٧
باب ١٠ / ح ١٧٨٩ - ١٧٩٠
أبواب العمرة
لقاءَه لعائشة كان حين انتَقَلَ من المحصَّب، كما عند عبد الرزاق: أنَّه گره أن يقتدي الناس
بإناخَتِه بالبطحاء، فرَحَلَ حتَّى أناخَ على ظَهر العَقَبة أو من ورائها يَنتَظِرِها، قال: فيحتمل
أن يكون لقاؤُه لها كان في هذا الرَّحيل، وأنَّه المكان الذي عَنَتْه في رواية الأسوَد (١٧٦٢)
بقوله لها: ((مَوعِدُكِ بمكان كذا وكذا)) ثمَّ طافَ بعد ذلك طواف الوداع. انتهى، وهذا
التأويل حسن، وهو يقتضي أنَّ الرواية التي عَزَاها للأَصِيلي مسكوت عن ذِكر طواف
الوداع فيها، وقد بَيَّا أنَّ الصواب فيها: «فمَرَّ بالبيت فطافَ به)) بدل قوله: ((ومَن طافَ
بالبيت))، ثمَّ في عَزْو عياض ذلك إلى الأَصِيلي وحده نظر، فإنَّ كلّ الروايات التي وقَّفنا
عليها في ذلك سواء، حتَّى رواية إبراهيم بن مَعقِل النَّسَفي عن البخاري، والله أعلم.
قوله: ((مُوَجِّها)) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الجيم، وفي رواية ابن عساكر: «مُتَوَجِّهاً))
بزيادة تاء وبكسر الجيم، وقد تقدَّمت مباحث هذا الحديث قريباً.
١٠ - بابٌ يَفعَل بالعمرة ما يَفعَل بالحجِّ
٦١٤/٣
١٧٨٩ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا عطاءٌ، قال: حدَّثني صَفْوانُ بنُ يَعْلى بنِ
أُميَّةَ، يَعْني عن أبيه: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّه وهو بالجِعْرانِةِ، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثرُ
الخَلُوقِ - أو قال: صُفْرَةٌ - فقال: كيفَ تأمُرُني أن أصنَعَ في عُمْرتي؟ فَأَنزَلَ الله على النبيِّ
وَّةِ، فِسُتِرَ بِثَوْبٍ، ووَدِدْتُ أنّ قد رأيتُ النبيَّ وَ ﴿ وقد أُنزِلَ عليه الوحيُّ، فقال عمرُ:
تَعالَ، أيسُرُّكَ أن تَنظُرَ إلى النبيِّ ◌ِ ◌َّ وقد أَنزَلَ الله عليه الوحيَ؟ قلتُ: نعم، فَرَفَعَ طَرَفَ
الثَّوْبِ، فنظرتُ إليه له غَطِيطٌ - وأحسِبُه قال -: كغَطِيطِ البَكْرِ، فلمَّا سُرِّيَ عنه قال: ((أينَ
السائلُ عن العمرةِ؟ اخلَع عنكَ الجُبَّةَ واغْسِل أثرَ الخَلُوقِ عنكَ، وأنْقِ الصُّفْرةَ، واصْنَع
في عُمْرتِكَ كَما تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ)).
١٧٩٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، أنَّه قال:
قلتُ لِعائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَّهِ، وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنّ: أرأيتِ قولَ الله تباركَ
وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ

٣٨
باب ١٠ / ح ١٧٨٩ - ١٧٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فلا أَرَى على أحدٍ شيئاً أن لا يَطَّوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلَّا،
لو كانت كما تقولُ كانتْ: فلا جناح عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما؟ إِنَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ في الأنصار
كانوا يُهِلُّونَ لمناةَ، وكانت مَناةٌ حَذْوَ قُدَيدٍ، وكانوا يَتَحرَّجُونَ أن يَطُوفُوا بين الصَّفا والمروةِ،
فلمَّا جاء الإسلامُ سألُوا رسولَ الله ◌َِّ عن ذلك، فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
زادَ سفيانُ وأبو مُعاوِيةً عن هشامٍ: ما أتمَّ اللهُ حَجَ امِرِئٍ ولا عُمْرتَه لم يَطُفْ بين الصَّفَا والمروةِ.
قوله: ((باب يَفْعَل بالعمرةِ ما يَفْعَل بالحجّ)) في رواية المُستَمْلي: ((يفعل في العمرة))،
وللكُشمِيهَنيّ: ((ما يفعل في الحج)) أي: من التُّروك لا من الأفعال، أو المراد بعض الأفعال
لا كلّها، والأول أرجح لمَا يدلّ عليه سياق حديث يَعْلى بن أُميَّة، وقد تقدَّم تقريره في
أوائل الحج (١٥٣٦) مع مباحثه.
قوله: ((كيف تأمُّرني أن أصنَعَ في عُمْرتي؟ فَأَنزَلَ الله على النبي ◌َّ)) لم أقف في شيء من
الروايات على بيان المنزَّل حينئذٍ من القرآن، وقد استدلَّ به جماعة من العلماء على أنَّ من
الوحي ما لا يُتلى، لكن وقع عند الطبراني في ((الأوسط)) (١٨١٥) من طريق أُخرى أنَّ
المنَزَّل حينئذٍ قوله تعالى: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووجه الدّلالة منه على
المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنَّه يتناول الهيئات والصِّفات، والله أعلم.
قوله: ((وأنْقِ الصُّفْرة)) بفتح الهمزة وسكون النون، ووقع للمُستَمْلي هنا بهمزة وصلٍ
ومُثنَّاة مُشدَّدة، من التقوى، قال صاحب ((المطالع)): وهي أوجَه وإن رَجَعا إلى معنَى
واحد. ووقع لابن السَّكَن:((اغسِل أثر الخَلُوق(١) وأثر الصُّفرة))، والأول هو المشهور.
ثم ذكر المصنف في الباب حديث عائشة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَبِ اللَّهِ﴾
ووجه الدّلالة منه اشتَراك الحج والعمرة في مشروعية السعي بين الصَّفا والمروة، لقوله
تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ﴾، وقد تقدَّمت مباحثه مُستَوفاة في ((باب وجوب
الصَّفا والمروة)) في أثناء الحج (١٦٤٣).
(١) تحرف في (س) إلى: الخارق.

٣٩
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٤
أبواب العمرة
وقوله: ((أن لا يَطَّوَّف بهما))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بينهما)).
٦١٥/٣
قوله: ((زادَ سُفْيان وأبو معاوية عن هشام)) يعني: عن أبيه عن عائشة.
قوله: ((ما أتمَّ الله حَجَّ امْرِئٍ ... )) إلى آخره، أمَّا رواية سفيان فوَصَلها الطَّبَري (٤٩/٢)
من طريق وكيع عنه عن هشام، فذكر الموقوف فقط، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر
عن عائشة موقوفاً أيضاً، وأمَّا رواية أبي معاوية فوَصَلها مسلم (٢٥٩/١٢٧٧)، وقد تقدَّم
الكلام على ما فيها من فائدة وبحثٍ في الباب المشار إلیه.
١١ - بابٌ متى يَحِلّ المعتمر
وقال عطاءٌ، عن جابرٍ : أمَرَ النبيُّ نَّه أصحابَه أن يَجعَلُوها عمرةً ويَطُوفُوا، ثمَّ يُقْصِّرُوا
ونَحِلُّوا.
١٧٩١ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، عن جَرِير، عن إسماعيلَ، عن عبدِ الله بنِ أبي أوَ
قال: اعْتَمَرَ رسولُ الله ◌َّهِ واعتَمَرنا معه، فلمَّا دخل مكَّة طافَ وطُفْنا معه، وأتى الصَّفا
والمروةَ وأتيناها معه، وكنّا نَسْئُه من أهلِ مكَّةَ أن يَرْمِیَه أحدٌ. فقال له صاحبٌ لي: أكان دخل
الکَعْبةَ؟ قال: لا.
١٧٩٢ - قال: فحَدِّثْنا ما قال لخديجةَ، قال: ((بَشِّرُوا خَدِيجةَ ببيتٍ في الجنَّةِ من قَصَبٍ، لا
صَخَّبَ فيه ولا نَصَبَ)).
[طرفه في: ٣٨١٩]
١٧٩٣- حدَّثنا الحُمَیديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو بنِ دِینارٍ قال: سألنا ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما عن رجلٍ طافَ بالبيتٍ في عمرةٍ، ولم يَطُفُ بين الصَّفا والمروةِ، أيأتي امرَأتَه؟
فقال: قَدِمَ النبيُّ وَّ فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصَلَّى خَلْفَ المقام رَكْعتَينٍ، وطافَ بين الصَّفا
والمروةِ سَبْعاً، وقد كانَ لكم في رسولِ الله إِسْوَةٌ حَسَنٌ.
١٧٩٤ - قال: وسألنا جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما فقال: لا يَقْرَبَنَّها حتَّى يَطُوفَ بين
الصَّفا والمروةِ.

٤٠
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٧٩٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُنْدَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن
طارقٍ بنِ شِهابٍ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ﴾ قال: قَدِمْتُ على النبيِّ وَّهِ بِالبَطْحاء وهو
مُنيخٌ، فقال: ((أحَجَجْتَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((بما أهلَلْتَ؟)) قلتُ: لَبَّيَّكَ بِإِهْلالٍ كَإِهْلال
النبيِّ وَّةِ، قال: ((أحسنْتَ، طُفْ بالبيتِ وبِالصَّفا والمروةِ، ثمَّ أحِلَّ)) فطُفْتُ بالبيتِ
وبِالصَّفا والمروةِ، ثمَّ أتيتُ امرأةً من قيسٍ ففَلَتْ رأسي، ثمَّ أهلَلْتُ بالحجِّ، فكنتُ أُفْتي به،
حتَّى كان في خِلافةِ عمرَ فقال: إن أخذْنا بكتاب الله فإنَّه يأمرُنا بالتَّامِ، وإن أخذْنا بقولِ
النبيِّ ◌َّهِ، فإنَّه لم يَحِلَّ حتَّى يَبلُغَ الهَدْيُ تَحِلَّه.
٦١٦/٣
١٧٩٦ - حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرنا عَمرُّو، عن أبي الأسوَد، أنَّ عبد الله مولى
أسماءَ بنتٍ أبي بكرٍ حدَّثه: أنَّه كان يسمعُ أسماءَ تقولُ كلَّما مَرَّت بالحَجُونِ: صَلَّى الله على
محمَّدٍ، لقد نزلْنا معه هاهنا، ونحن يومئذٍ خِفافٌ، قليلٌ ظَهْرُنا، قليلةٌ أزْوادُنا، فاعتَمَرتُ أنا
وأُختي عائشةُ والزُّبَيرُ وفلانٌ وفلانٌ، فلمَّا مَسَحْنا البيتَ أهلَلْنا من العَشِيِّ بالحجِّ.
قوله: ((بابٌ متى يَحِلّ المعتمِر)) أشارَ بهذه الترجمة إلى مذهب ابن عبّاس، وقد تقدَّم القول
فيه. قال ابن بَطَّال: لا أعلم خلافاً بين أئمّة الفتوى أنَّ المعتمِرِ لا يَحِلّ حتَّى يطوف ويَسعَى،
إلَّا ما شَذَّ به ابن عبّاس فقال: يَحِلّ من العمرة بالطَّواف، ووافقه إسحاق بن راهويه، ونَقَلَ
عياض عن بعض أهل العلم: أنَّ بعض الناس ذَهَبَ إلى أنَّ المعتمِر إذا دخل الحَرَم حَلَّ وإن
لم يَطُفْ ولم يَسْع، وله أن يفعل كلّ ما حَرُمَ على المحرِمِ، ويكون الطَّواف والسعي في حقِّه
كالرَّمْىٍ والمبيتِ في حقّ الحاجّ، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها، وغَفَلَ القُطْب الحلبي،
فقال فيمَن استَلَمَ الرُّكن في ابتداء الطَّواف وأحَلَّ حينئذٍ: إنَّه لا يَحصُل له التَّحَلُّل بالإجماع.
قوله: ((وقال عطاء عن جابر ... )) إلى آخره، هو طرف من حديث تقدَّم موصولاً في
((باب عمرة التنعيم)) (١٧٨٥)، وبيَّن المصنِّ بحديث عَمْرو بن دينار عن جابر - وهو
ثالث أحاديث الباب - أنَّ المراد بقوله في هذه الرواية: ((يطوفوا)) أي: بالبيت وبين الصَّفا
والمروة، لجزم جابر بأنَّه لا يَحِلّ له أن يَقرَب امرأته حتَّى يطوف بين الصَّفا والمروة.
ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب أحادیث: