Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ باب ١٢٧ / خ ١٧٣٠ كتاب الحج قوله: ((عن الحسن بن مسلم)) في رواية يحيى بن سعيد عن ابن جُرَيج: حدَّثني الحسن ابن مسلم، أخرجه مسلم (١٢٤٦/ ٢١٠)، والإسناد سوی أبي عاصم مكّیون، وفيه رواية صحابي عن صحابي. ومعاوية: هو ابن أبي سفيان الخليفة المشهور. قوله: ((عن معاوية)» في رواية مسلم: أنَّ معاوية بن أبي سفيان أخبَرَه. قوله: ((قَصَّرْت)) أي: أخذتُ من شعر رأسه، وهو يُشعِر بأنَّ ذلك كان في نُسُك، إمّا في حج أو عمرة، وقد ثبتَ أنَّه حَلَقَ في حجَّته فتعيَّن أن یکون في عمرة، ولا سيّما وقد روى مسلم في هذا الحديث أنَّ ذلك كان بالمَرْوة ولفظه: قَصَّرتُ عن رسول الله وَّهِ بِمِشقَصٍ وهو على المروة - أو رأيته يُقصَّر عنه بمِشقَصٍ - وهو على المروة. وهذا يحتمل أن يكون في عُمْرة القضيَّة أو الجِعْرانة، لكن وقع عند مسلم (٢٠٩/١٢٤٦) من طريق أُخرى عن طاووسٍ بلفظ: أما عَلِمتَ أنّي قَصَّرت عن رسول الله وَّهِ بِمِشقَصٍ وهو على المروة؟ فقلت له: لا أعلم هذه إلَّ حُجَّة عليك. وبيَّن المرادَ من ذلك في رواية النَّسائي (٢٧٣٧) فقال بدل قوله: ((فقلت له: لا ... )) إلى آخره: يقول ابن عبّاس: هذه حُجَّة(١) على معاوية أن ینھی الناس عن المتعة وقد تَتَّعَ رسول الله ێ. ولأحمد (٢٦٦٤) من وجه آخر عن طاووسٍ عن ابن عبّاس قال: تَتَّعَ رسول اللهِ وَلِّل حتَّى مات ... الحديث، وقال: وأول مَن نهى عنها معاوية، قال ابن عبّاس: فعَجِبتُ منه، وقد حدَّثني أنَّه قَصَّرَ عن رسول الله ێ بمِشقَصٍ، انتھی. وهذا يدلّ على أنَّ ابن عبّاس حمل ذلك على وقوعه في حَجَّة الوداع لقوله لمعاويةً: إنَّ هذه حُجَّة عليك. إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حُجَّة. وأصرَحُ منه ما وقع عند أحمد (١٦٨٣٦) من طريق قيس بن سعد عن عطاء: أنَّ معاوية حدَّث: أنَّه أخذَ من أطراف شعر رسول الله وَّه في أيام العشر بمِشقَصٍ معي وهو مُحُرِم. وفي كونه في حَجَّة الوداع نظر، لأنَّ النبي ◌َّه لم يَحِلّ حتَّى بَلَغَ الهَدْي مَحِلَّه، فكيف يُقصِّر عنه على المروة. (١) لفظ ((حجَّة)) من (ع) وحدها، وفي ((سنن النسائي)): هذا معاوية ينهى الناس ... ٦٠٢ باب ١٢٧ / ح ١٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد بالَغَ النَّوَوي هنا في الردِّ على مَن زَعَمَ أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع فقال: هذا الحديث محمول على أنَّ معاويةٍ قَصَّرَ عن النبي ◌ِِّ في عمرة الجِعْرانة، لأنَّ النبي ◌َّ في حَجَّة الوداع كان قارناً، وثَبَتَ أنَّه حَلَقَ بمِنَّى وَفَرَّقَ أبو طلحة شعره بين الناس(١)، فلا يَصِحُّ حملُ تقصير معاوية على حَجَّة الوداع، ولا يَصِحّ حملُه أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع، لأنَّ معاوية لم يكن يومئذٍ مسلماً، إنَّما أسلَمَ يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يَصِحّ قولُ مَن حَمَله على حَجَّة الوداعِ وزَعَمَ أنَّ النبي ◌َِّ كان مُتْمتِّعاً، لأنَّ هذا غلطٌ فاحش، فقد تَظاهَرَت الأحاديث في مسلم (١٢٢٩) وغيره(٢): أنَّ النبيِ وَ لّه قيل له: «ما شَأْنُ الناس حَلُّوا من العمرة ولم تَحِلّ أنت من عمرتك؟ فقال: إنّ لَبَّدتُ رأسي وقَلَّت هَذبي فلا أحِلُّ حتَّى أنحَر)». قلت: ولم يذكر الشَّيخ هنا ما مرَّ في عُمْرة القضيّة، والذي رجّحَه من گَوْن معاوية إنَّما ٥٦٦/٣ أسلَمَ يوم الفتح صحيح من حيثُ السنَد، لكن/ يُمكِن الجمعُ بأنَّه كان أسلَمَ خُفْيةً وكان يَكْتُم إسلامه، ولم يَتمكَّن من إظهاره إلَّا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٧/٥٩) في ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنَّه أسلَمَ بين الحُدَيبية والقَضية وأنَّه كان يُخُفي إسلامه خوفاً من أبَوَيه، وكان النبي ◌َّ لمَّا دخل في عُمْرة القضيَّة مكَّةَ، خرج أكثرُ أهلها عنها حتَّى لا يَنظُروه وأصحابَه يطوفونَ بالبيت، فلعلَّ معاوية كان مَمَن تَخَلَّفَ بمكَّة لسببٍ اقتَضَاه، ولا يعارضه أيضاً قولُ سعد بن أبي وقَّاص فيما أخرجه مسلم (١٢٢٥) وغيره(٣): فعلناها - يعني العمرة - في أشهُر الحج وهذا يومئذٍ كافر بالعُرُش؛ بضمَّتَين، يعني: بيوت مكَّة، يشير إلى معاوية، لأنَّه يُحمَل على أنَّه أخبر بما استصحَبَه من حاله ولم يَطَّلِع على إسلامه لگونِه كان يُحِفِیه. (١) انظر الحديث السالف عند البخاري برقم (١٧١) وشرحه. (٢) سلف برقم (١٥٦٦) من حديث حفصة رضي الله عنها، وأخرجه أبو داود (١٨٠٦)، وابن ماجه (٣٠٤٦)، والنسائي (٢٦٨٢) و(٢٧٨١). (٣) أخرجه أيضاً أحمد في ((مسنده)) (١٥٦٨)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه فيه. ٦٠٣ باب ١٢٧ / ح ١٧٣٠ كتاب الحج ويُعكّر على ما جَوَّزوه: أنَّ تقصيره كان في عمرة الجِعْرانة: أنَّ النبيِ وَّهِ رَكِبَ من الجِعْرانة بعد أن أحرَمَ بعمرةٍ، ولم يَستصحِبْ أحداً معه إلَّ بعض أصحابه المهاجرين، فقَدِمَ مگَّة فطاف وسعى وحَلَق، ورَجَعَ إلى الجعرانة فأصبح بها کبائت، فخفيت عمرُه علی کثیر من الناس، كذا أخرجه التِّرمِذي (٩٣٥) وغيره(١)، ولم يَعُدُّوا معاوية فيمن صَحِبَه حينئذٍ، ولا کان معاویة فیمن تَخلَّفَ عنه بمگّة في غزوة ◌ُنَينٍ حتَّى يقال: لعلَّه وَجَدَه بمگَّة، بل كان مع القوم وأعطاه مثلَ ما أعطى أباه من الغنيمة مع جملة المؤَلَّفة، وأخرج الحاكم في ((الإكليل)) في آخر قصَّة غزوة حُنَينٍ أنَّ الذي حَلَقَ رأسه ◌َّهِ في عمرته التي اعتَمَرَها من الجِعْرانة أبو هندٍ عبدُ بني بَيَاضة، فإن ثَبَتَ هذا وثبتَ أنَّ معاوية كان حينئذٍ معه أو كان بمكّة فقَصَّرَ عنه بالمَرْوة، أمكنَ الجمعُ بأن يكون معاوية قَصَّرَ عنه أولاً وكان الحلَاق غائباً في بعض حاجته، ثمَّ حَضَرَ فأمَرَه أن يُكمِل إزالة الشَّعر بالحلق لأنَّه أفضلُ ففعل، وإِن ثَبَتَ أنَّ ذلك كان في عُمْرة القضيّة، وثَبَتَ أَنَّه وَّهِ حَلَق فيها، جاء هذا الاحتمال بعَينِهِ وحَصَلَ التوفيق بين الأخبار كلّها، وهذا يمَّا فَتَحَ الله عليَّ به في هذا الفتح، ولله الحمد ثمَّ له الحمد أبداً. قال صاحب ((الهدي)): الأحاديث الصحيحةُ المستفيضة تَدُلّ على أنَّه وَلّه لم يَحِلَّ من إحرامه إلى يوم النَّحر كما أخبر عن نفسه بقوله: ((فلا أحِلُّ حتَّى أنحَر))(٢) وهو خبر لا يَدخُلُه الوَهْم بخلاف خبرِ غيره، ثمَّ قال: ولعلَّ معاويةَ قَصَّرَ عنه في عمرة الجِعْرانة فنسيَ بعد ذلك وظَنَّ أنَّه کان في حجَّته. انتھی. ولا يُعكِّر على هذا إلَّا رواية قيس بن سعد المتقدِّمة(٣) لتصريحِه فيها بكونِ ذلك في أيام العشر، إلَّا أنَّها شاذَّة، وقد قال قيس بن سعد عَقِبها: والناس يُنكِرِونَ ذلك. انتهى، وأظنُّ قیساً رواها بالمعنی ثمَّ حدَّث بها فوقع له ذلك. (١) أخرجه أيضاً أحمد (١٥٥١٢)، وأبو داود (١٩٩٦)، والنسائي (٢٨٦٣) من حديث محرِّش الكعبي. (٢) سلف عند البخاري برقم (١٧٢٥). (٣) والتي أشار إليها الحافظ ابن حجر أنها عند أحمد في ((مسنده)) برقم (١٦٨٣٦). ٦٠٤ باب ١٢٨ / ح ١٧٣١ فتح الباري بشرح البخاري وقال بعضهم: يحتمل أن يكون في قول معاوية: ((قَصَّرتُ عن رسول الله ◌ِلّ بِمِشْقَصٍ)) حذف تقديره: قَضَّرت أنا شعري عن أمر رسول الله ێے، انتھی. ويُعكِّر عليه قوله في رواية أحمد (١٦٨٨٥): قَصَّرتُ عن رأس(١) رسول الله وَ لِّ عند المروة، أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عبّاس. وقال ابن حَزْم: يحتمل أن يكون معاوية قَصَّرَ عن رأس رسول الله وَّر بقيَّة شعرٍ لم يكن الحلَّاق استَوفاهُ يوم النَّحر. وتعقّبه صاحب ((الهدي)) بأنَّ الحالق لا يُبقي شعراً يُقصَّر منه، ولا سيّما وقد قَسمَ وَّل شعره بين الصحابة الشَّعرة والشَّعرتَين، وأيضاً فهو وجَّه لم يَسْعَ بين الصَّفا والمروة إلَّا سَعياً واحداً في أول ما قَدِمَ، فماذا يصنع عند المروة في العشر؟! قلت: وفي رواية العشر نظرٌ كما تقدَّم، وقد أشارَ النَّوَوي إلى ترجيح كونه في الجِعْرانة وصَوََّه المحِبُّ الطَّبَري وابن القيِّم، وفيه نظرٌ لأنَّه جاء أنَّه حَلَقَ في الجِعْرانة، واستبعاد بعضهم أنَّ معاوية قَصَّرَ عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلَمَ ليس ببعيدٍ. قوله: ((بمِشْقَصٍ)) بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح القاف وآخره صاد مُهمَلة، قال القَزّاز: هو نَصْل عريض يُرمى به الوَحْش. وقال صاحب ((المحكم)): هو الطّويل من النِّصال وليس بعَريضٍ. وكذا قال أبو عُبيد، والله أعلم. ١٢٨ - باب تقصير المتمتِّع بعد العمرة ٥٦٧/٣ ١٧٣١- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، أخبرني كُرَيبٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا قَدِمَ النبيُّ ◌َِّ مَّةَ أُمَرَ أصحابَه أن يَطُوقُوا بالبيتِ وبالصَّفا والمَروةِ، ثمَّ تَحِلُّوا ويَحلِقُوا أو يُقصِّرُوا. قوله: ((باب تقصير المتَمتِّع بعد العُمْرة)) أي: عند الإحلال منها. ٠ (١) لفظ ((رأس)) سقط من (س)، وفي هذا الموضع من (أ) سقطٌ، وأثبتناه من (ع) و((المسند))، وعزو هذه الرواية إلى الإمام أحمد ذهول من الحافظ رحمه الله، وإنما هي من زيادات ابنه عبد الله على ((المسند)). ٦٠٥ باب ١٢٩ / ح ١٧٣٢ - ١٧٣٣ كتاب الحج قوله: ((حدَّثنا محمّد بن أبي بَكْر)) هو المقدَّمي، وفُضَيل شيخه بالتَّصغير. قوله: ((ثُمَّ يَحِلُّوا ويَحلِقُوا أو يُقصِّرُوا)) فيه التخيير بين الحلق والتقصير للمُتمتِّع، وهو على التفصيل الذي قَدَّمناه، إن كان بحيثُ يَطلُع شعره، فالأَولى له الحلق، وإلَّا فالتقصير ليقعَ له الحلق في الحج، والله أعلم. ١٢٩ - باب الزيارة يومَ النَّحر وقال أبو الزُّبَير: عن عائشةَ وابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهم: أخّرَ النبيُّ ◌َِّالزيارةَ إلى الليلِ. ويُذكرُ عن أبي حسَّانَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَزُورُ البيتَ أيامَ مِنِّى. ١٧٣٢ - وقال لنا أبو نُعَيم: حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّه طافَ طوافاً واحداً، ثمَّ يَقِيلُ، ثمَّ يأتي مِنَّى، يعني: يومَ النَّحْرِ. ورَفَعَه عبدُ الرَّزّاقِ: أخبرنا عُبيدُ الله. ١٧٣٣ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، حدَّثنا الليثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةً، عن الأعرج، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: حَجَجْنا مع النبيِّ ◌َه فَأَفَضْنا يومَ النَّحْرِ، فحاضّتْ صَفِيَّةُ، فأرادَ النبيُّنَّهِ منها ما يريدُ الرجلُ من أهلِهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّها حائضٌ! قال: ((حابِسَتُنا هي؟» قالوا: يا رسولَ الله، أفاضَت يومَ النَّحْرِ، قال: ((اخرُجُوا)). ويُذكَر عن القاسمِ وعُرْوةَ والأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أفاضَتْ صَفِيَّةُ يومَ النَّحْرِ. قوله: ((باب الزيارة يوم النَّخْر)) أي: زيارة الحاجِّ البيتَ للطَّواف به، وهو طواف الإفاضة، ويُسمَّى أيضاً طواف الصَّدَر وطواف الرُّكن. قوله: ((وقال أبو الزُّبَيرِ .. )) إلى آخره، وَصَلَه أبو داود (٢٠٠٠) والتِّرمِذي (٩٢٠) وأحمد (٢٦١٢) من طريق سفيان - وهو الثَّوري - عن أبي الزُّبَير به(١). (١) في إسناده مقال، أبو الزبير - واسمه محمد بن تَدرُّس - مدلِّس ولم يصرِّح بسماعه من ابن عباس وعائشة وقد تُكلُّم في سماعه منهما. ٦٠٦ باب ١٢٩ / ح ١٧٣٢ - ١٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن القَطّان الفاسي(١): هذا الحديث مخالف لما رواه ابن عمر وجابر(٢) عن النبي ◌َّ: أنَّه طافَ يوم النَّحر نهاراً. انتهى، فكأنَّ البخاري عَقَّبَ هذا بطريق أبي حسان ليجمعَ بين الأحاديث بذلك، فيُحمَل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عبّاس هذا على بقيَّة الأيام. قوله: ((ويُذكَر عن أبي حسَّان عن ابن عبّاس: أنَّ النبي ◌َّ كان يَزُور البيت أيام مِنِّى)) وَصَلَه الطبراني (١٢٩٠٤) من طريق قَتَادةَ عنه، وقال ابن المَدِيني في ((العِلَل)): روى قَتَادة حديثاً غريباً لا نحفظُه عن أحد من أصحاب قَتَادةَ إلَّا من حديث هشام، فنسختُه من كتاب ابنه معاذ بن هشام ولم أسمَعه منه عن أبيه، عن قَتَادةَ: حدَّثني أبو حسَّان عن ابن عبّاس: أنَّ النبي ◌َِّ كان يزور البيت كلَّ ليلة ما أقام بمِنّى. وقال الأثرَم: قلت لأحمد: تَحِفَظ عن قَتَادةَ؟ فذكر هذا الحديث، فقال: گتبوه من کتاب ٥٦٨/٣ معاذ، قلت: / فإنَّ هنا إنساناً يَزعُم أنَّه سمعه من معاذ، فأنكَرَ ذلك. وأشارَ الأثرَم بذلك إلى إبراهيم بن محمد بن عَرعَرة، فإنَّ من طريقه أخرجه الطبراني (١٢٩٠٤) بهذا الإسناد، وأبو حسّان اسمه مسلم بن عبد الله، قد أخرج له مسلم حديثاً غير هذا عن ابن عبّاس، وليس هو من شرط البخاري. ولرواية أبي حسَّان هذه شاهد مُرسَل أخرجه ابن أبي شَيْبة(٣) عن ابن عُيَينةَ: حدَّثنا ابن طاووسٍ عن أبيه: أنَّ النبي ◌َّال كان يُفيض كلّ ليلة. قوله: ((وقال لنا أبو نُعَيم ... )) إلى آخره، ثمَّ قال: ((رَفَعَه عبد الرَّزَّاق حدَّثنا عُبيد الله)) وَصَلَه ابن خُزَيمةَ (٢٩٤١) والإسماعيلي من طريق عبد الرزاق بلفظ أبي نُعَيم، وزاد في آخره: ويَذكُر - أي: ابن عمر - أنَّ النبي ◌َِّفِعَله(٤). (١) في ((بيان الوهم والإيهام)) ٦٤/٥. (٢) حديث ابن عمر أخرجه مسلم برقم (١٣٠٨) (٣٣٥)، وحديث جابر أخرجه مسلم أيضاً ضمن حديثه الطويل برقم (١٢١٨). (٣) في ((المصنف)) (١٤٤٧٥) بتحقيق الجمعة واللحيدان. (٤) وفات الحافظَ أن الحديث موصول من هذا الطريق أيضاً عند مسلم في ((صحيحه) برقم (١٣٠٨). ٦٠٧ باب ١٣٠ / ح ١٧٣٤ كتاب الحج وفيه التنصيص على الرُّجوع إلى مِنَّى بعد القَيلُولة في يوم النَّحر، ومُقتَضاه أن يكون خرج منها إلى مكَّة لأجل الطَّواف قبل ذلك. ثمَّ ذكر المصنّف حديث أبي سَلَمةَ أنَّ عائشة قالت: ((حَجَجْنا مع رسول الله وَّل وأفَضْنا يوم النَّحر)) أي: طُفنا طواف الإفاضة، وهو مطابق للترجمة، وذكر فيه قصَّة صَفيَّة، وسيأتي الكلام عليه في ((باب إذا حاضت المرأة بعدَما أفاضَت)) قريباً (١٧٥٧ و١٧٦٢). قوله: ((ويُذكَر عن القاسم وعُرْوة والأسوَد عن عائشة: أفاضَت صَفيَّة يوم النَّحْر)) وغَرَضُه بهذا أنَّ أبا سَلَمَةَ لم ينفرد عن عائشة بذلك، وإنَّما لم يَجِزِمْ به لأنَّ بعضهم أورَدَه بالمعنى كما نُبيِّنْه. أمَّا طريق القاسم فهي عند مسلم (١٣٢٨/ ٣٨٤) من طريق أفلَحَ بن حُميدٍ عنه عن عائشة قالت: كنَّا نَتَخَوَّف أن تحيض صَفيَّة قبل أن تُفِيض، فجاءنا رسول الله وَّل فقال: ((أحابسَتُنا صَفيَّة؟)) قلنا: قد أفاضَت، قال: ((فلا إذا)). ورواه أحمد (٢٤٦٧٤) من وجه آخر عن القاسم عنها: أنَّ صَفيَّة حاضَت بِمِنَّى وكانت قد أفاضَت ... الحديث. وأمَّا طريق عُرْوة فرواه المصنّف في المغازي (٤٤٠١) من طريق شعيب عن الزّهْري عنه عن عائشة: أنَّ صَفيَّة حاضت بعدَما أفاضَت. وأخرجه الطَّحاوي (٢٣٤/٢) عَقِبَ رواية الأسوَد عن عائشة بلفظ: ((أكنتِ أفَضتِ يوم النَّحر؟)) قالت: نعم. أخرجه من طريق يونس عن الزُّهري به وقال: نحوه. وأمَّا طريق الأسوَد فَوَصَلها المصنِّف في ((باب الإدلاج من المحصَّب)) (١٧٧١) بلفظ: ((حاضت صَفيَّة)) الحديث، وفيه: ((أطافَتْ يومَ النَّحر؟)) فقيل: نعم. ١٣٠ - باب إذا رمی بعدما أمسی أو حلق قبل أن يذبح ناسياً أو جاهلاً ١٧٣٤ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ ٦٠٨ باب ١٣١ / ح ١٧٣٥ - ١٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَِّ قِيلَ له في الذّبْحِ والحَلْقِ والرّمْيِ والتقديمِ والتأخيرِ، فقال: ((لا حَرَجَ)). ١٧٣٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ وَّهِ يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمِنَّى فيقول: ((لا حَرَجَ))، فسألَه رجلٌ فقال: حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: ((اذَبَحْ ولا حَرَجَ)) وقال: رَمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: ((لا حَرَجَ)). قوله: ((باب إذا رمی بعدما أمسی أو حَلَقَ قبل أن يَذْبَح ناسياً أو جاهلاً، أورَدَ فیه حدیث ابن عبّاس في ذلك، وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده، ولم يُبيِّن الحُكْم في الترجمة إشارةً منه إلى أنَّ الْحُكْم برفع الحَرَج مُقَيَّد بالجاهلِ أو الناسي، فيحتمل اختصاصهما بذلك، أو إلى أنَّ نفي الخَرَج لا يستلزم رفعَ وجوب القضاء أو الكفَّارة، وهذه المسألة ممَّا وقع فيها الاختلاف بين العلماء كما سنُبيِّنْه إن شاء الله تعالى، وكأنَّه أشارَ بلفظ النِّسيان والجهل إلى ما وَرَدّ في بعض طرق الحدیث کما يأتي بيانه أيضاً في الباب الذي يليه. وأمَّا قوله: ((إذا رمى بعدَما أمسى)) فمُنْتَزَع من/ حديث ابن عبّاس في الباب قال: ((رَمَيتُ بعدَما أمسَيت)) أي: بعد دخول المساء، وهو يُطلَق على ما بعد الزَّوال إلى أن يَشتَدّ الظَّلام، فلم يَتَعَّن لگونِ الَّمي المذکور کان بالليل. ٥٦٩/٣ ١٣١ - باب الفُتْيا على الدابّة عند الجمرة ١٧٣٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عيسى بنِ طَلْحةً، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو: أنَّ رسولَ اللهِّهِ وَقَفَ في حَجَّةِ الوداعِ، فَجَعَلُوا يَسألُونَه فقال رجلٌ: لم أشعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أنْ أَذْبَحَ، قال: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ))، فجاء آخَرُ فقال: لم أشعُرْ فَتَحَرْتُ قبلَ أن أرمِيَ، قال: ((ارْمٍ ولا خَرَجَ)) فما سُئِلَ يومَئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخْرَ، إلا قال: ((افعَلْ ولا حَرَجَ)). ١٧٣٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ، حدَّثني الزُّهْرِيُّ، عن عيسى بنِ طَلْحة: أنَّ عبدَ الله بنَ عَمِرٍو بنِ العاصِ﴾ حدَّثه: أنَّه شَهِدَ النبيَّ ◌َِّ يَخْطُبُ ٦٠٩ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ -١٧٣٨ كتاب الحج يومَ النَّحْرِ، فقام إليه رجلٌ فقال: كنتُ أحسِبُ أنَّ كَذا قبلَ كَذا، ثمَّ قامَ آخَرُ فقال: كنتُ أحسِبُ أنَّ كَذا قبلَ كَذا، حَلَقْتُ قبلَ أن أنحَرَ، نَحَرْتُ قبلَ أن أرمِيَ، وأشباه ذلك، فقال النبيُّ وَله ((افعَلْ ولا حَرَجَ)) لهنَّ كلِّهِنَّ، فما سُئِلَ يومَئذٍ عن شيءٍ إلا قال: ((افعَلْ ولا حَرَجَ)). ١٧٣٨ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عيسى بنُ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله: أنَّه سمعَ عبدَ الله بنَ عَمِرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما قال: وَقَفَ رسولُ اللهِوَِّ على ناقَتِهِ ... فَذَكَرَ الحديثَ. تابَعَه مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ. قوله: ((باب الفُتْيا على الدّابَّة عند الجَمْرة» هذه الترجمة تقدَّمت في كتاب العلم (٢٣) لكن بلفظ: ((باب الفُتيا وهو واقف على الدابة أو غيرها» ثمَّ قال بعد أبواب كثيرة (٤٦): ((باب السُّؤال والفُتيا عند رَمْي الجِمار))، وأورَدَ في كلٍّ من الترجمتَينِ حديث عبد الله بن عَمْرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلَّا نادراً، وقد اعتَرَضَ عليه الإسماعيلي بأنَّه ليس في شيء من الروايات عن مالك: أنَّه كان على دابّة، بل في رواية يحيى القَطّان عنه: أنَّه جَلَسَ في حَجَّة الوداع فقام رجل، ثمَّ قال الإسماعيلي: فإن ثَبَتَ في شيء من الطّرق أنَّه كان على دابّة، فيُحمَل قوله: ((جَلَسَ)) على أنَّ رَكِبَها وجَلَس عليها. قلت: وهذا هو المتَعيِّن، فقد أورَدَ هو روايةً صالح بن كَيْسانَ بلفظ: ((وَقَفَ على راحلته)) وهي بمعنى جُلَس، والداّة تُطلَق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثَبَتَ في الراحلة کان الحُكْمُ في البقية كذلك. ثمَّ قال الإسماعيلي: إنَّ صالح بن كَيسانَ تفرَّد بقوله: ((وَقَفَ على راحلته)) وليس كما قال، فقد ذكر ذلك أيضاً يونسُ عند مسلم (٣٢٨/١٣٠٦)، ومَعمَر عند أحمد (٦٤٨٤ و٦٨٨٧) والنَّسائي (ك٤٠٩٢)، كلاهما عن الزّهْري، وقد أشارَ المصنّف إلى ذلك بقوله: «تابعه معمر» أي: في قوله: ((وَقَفَ على راحلته)). ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث عبد الله بن عَمْرو - وهو ابن العاص - كما في الطَّريق الثانية، ٦١٠ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري بخلاف ما وقع في بعض نُسَخ ((العُمدة))، وشَرَحَ عليه ابن دَقِيق العيد ومَن تَبِعَه على أنَّه ٥٧٠/٣ ابن عُمر بضم العَين، أي: ابن الخطّاب، وأورَدَه/ المصنّف من أربعة طرق عن الزُّهْري عن عيسى بن طلحة، وطلحة: هو ابن عُبيد الله أحد العشرة، عن عبد الله، ولم أرَه من حديثه إلَّا بهذا الإسناد، وقد اختَلَفَ أصحاب الزُّهْري عليه في سياقه، وأنمُّهم عنه سياقاً صالح ابن كَيْسانَ وهي الطَّريق الثالثة، ولم يَسُق المصنّف لفظها، وهي عند أحمد في ((مسنده)) (٧٠٣٢) عن يعقوب، وفيه زيادة على سياق ابن جُرَيج ومالك، وقد تابَعَه يونس عن الزّهْري عند مسلم (٣٢٨/١٣٠٦) بزيادةٍ أيضاً سنُبيِّنُها. قوله: ((مالك عن ابن شِهَاب)) كذا في ((الموطّا)) (١/ ٤٢١)، وعند النَّسائي (ك٤١٠٨) من طريق يحيى - وهو القَطّنُ - عن مالك: حدَّثني الزُّهْري. قوله: (عن عیسی)) في رواية صالح (١٧٣٨): حدَّثني عيسى. قوله: ((عن عبد الله)) في رواية صالح: أنه سمع عبدَ الله، وفي رواية ابن ◌ُريج - وهي الثانية -: أنَّ عبد الله حدَّثه. قوله: (وَقَفَ في حَجَّة الوداع)» لم يُعِّن المكان ولا اليوم، لكن تقدَّم في كتاب العلم (٨٣) عن إسماعيل عن مالك: ((بمِنَّى))، وكذا في رواية مَعمَر (١)، وفيه(٢) من طريق عبد العزيز بن أبي سَلَمَةَ عن الزّهْري: «عند الْجَمْرة))، وفي رواية ابن جُرَيج وهي الطَّريق الثانية هنا: (يَخْطُب يوم النَّحر))، وفي رواية صالح ومَعمَر كما تقدَّم: ((على راحلته)). قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنَّه مَوقِفٌ واحد على أنَّ معنى خَطَبَ، أي: عَلَّمَ الناسَ، لا أنَّها من خُطَب الحج المشروعة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في مَوطِنَين: أحدهما: على راحلته عند الجَمْرة، ولم يقل في هذا: خَطَب، والثاني: يوم النَّحر (١) عند أحمد والنسائي كما سلف. (٢) أي: في كتاب العلم، وهو فيه برقم (١٢٤). ٦١١ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ كتاب الحج بعد صلاة الظّهر وذلك وقتَ الخُطبة المشروعة من خُطَب الحج يُعلِّم الإمامُ فيها الناس ما بقيَ عليهم من مَناسِكهم. وصَوَّبَ النَّوَوي هذا الاحتمال الثاني. فإن قيل: لا مُنافاةَ بين هذا الذي صَوَّبَه وبين الذي قبله، فإنَّه ليس في شيء من طرق الحديثَينِ - حديث ابن عبّاس (١٧٣٥) وحديث عبد الله بن عَمْرو - بيانُ الوقت الذي خَطَبَ فيه من النهار. قلت: نعم، لم يقع التصريح بذلك، لكن في رواية ابن عبّاس: ((أنَّ بعض السائلينَ قال: رَمَيتُ بعدَما أمسَيتُ)) وهذا يدلّ على أنَّ هذه القصَّة كانت بعد الزَّوال، لأنَّ المساء يُطلَق على ما بعد الزّوال، وكأنَّ السائل عَلِمَ أنَّ السُّنّة للحاجِّ أن يرميَ الجَمْرة أولَ ما يَقدَمُ ضُحَى، فلمَّا أَخَّرَها إلى بعد الزَّوال سألَ عن ذلك، على أنَّ حديث عبد الله بن عَمْرو من ◌َرَج واحد لا يُعرَف له طريق إلَّا طريق الزُّهْري هذه عن عيسى عنه، والاختلاف فيه من أصحاب الزُّهْري، وغايته أنَّ بعضهم ذكر ما لم يَذُره الآخر، واجتمع من مرويِّهم ورواية ابن عبّاس: أنَّ ذلك كان يومَ النَّحر بعد الزّوال وهو على راحلته يَخْطُب عند الجَمْرة، وإذا تَقرَّرَ أنَّ ذلك كان بعد الزَّوال يوم النَّحر، تَعيَّن أنَّها الخُطبة التي شُرِعَت لتعليم بقيَّة المناسك، فليس قوله: ((خَطَبَ)) مجازاً عن مجرَّد التعليم بل حقيقة، ولا يَلزَم من وقوفه عند الجَمْرة أن يكون حينئذٍ رَمَاها، فسيأتي في آخر الباب الذي يليه من حديث ابن عمر (١٧٤٢): أنَّه وَّهِ وَقَفَ يوم النَّحر بين الجَمَرات، فذكر خُطبتَه، فلعلَّ ذلك وقع بعد أن أفاضَ وَرَجَعَ إلى مِنَّى. قوله: ((فقال رجلٌ)) لم أقف على اسمه بعد البحث الشَّديد، ولا على اسم أحد ممَّن سألَ في هذه القصَّة، وسأُبيِّنُ أنَّهم كانوا جماعة، لكن في حديث أُسامة بن شَرِيك عند الطَّحاوي (٢٣٨/٢) وغيره: ((كان الأعراب يَسألونَه))، وكأنَّ هذا هو السبب في عَدَم ضَبْط أسمائهم. قوله: (لم أشعُرْ)) أي: لم أفطَنْ، يقال: شَعَرتُ بالشيءٍ شُعوراً: إذا فَطِنِتُ له، وقيل: الشُّعور: العِلم، ولم يُفصِح في رواية مالك بمُتَعَلَّق الشُّعور، وقد بيَّنْه يونس عند مسلم (٣٢٨/١٣٠٦) ولفظه: لم/ أشعر أنَّ الرَّمي قبل النَّحر فتَحَرتُ قبل أن أرمي، وقال آخر: لم ٥٧١/٣ ٦١٢ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري أشعُرْ أنَّ النَّحر قبل الحلق فحَلَقتُ قبل أن أنحَر، وفي رواية ابن جُرَيج(١): ((كنت أحسِبُ أنَّ كذا قبل كذا))، وقد تَبيَّن ذلك في روایة یونس، وزاد في رواية ابن جُرَیج: وأشباهَ ذلك. ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزُّهْري عند مسلم (٣٣٣/١٣٠٦): حَلَقتُ قبل أن أرمي، وقال آخر: أفَضتُ إلى البيت قبل أن أرمي، وفي حديث مَعمَر عند أحمد (٦٨٨٧) زيادةُ الحلق قبل الرَّمي أيضاً. فحاصلُ ما في حديث عبد الله بن عَمْرو السُّؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذَّبح، والحلق قبل الرَّمي، والنَّحر قبل الرَّمي، والإفاضة قبل الرَّمي، والأوَّلان(٢) في حديث ابن عبَّاس أيضاً كما مضى (١٧٣٥)، وعند الدارَقُطني (٢٥٧١) من حديث ابن عبّاس أيضاً السُّؤال عن الحلق قبل الزَّمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطَّحاوي (٢/ ٢٣٧)، وفي حديث عليّ عند أحمد (٥٦٢): السُّؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطَّحاوي (٢/ ٢٣٧) السُّؤال عن الرَّمي والإفاضة معاً قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي عَلَّقَه المصنِّف فيما مضى (١٧٢٢) ووَصَله ابن حِبَّان (٣٨٧٨) وغيره: السُّؤال عن الإفاضة قبل الذَّبح، وفي حديث أُسامة بن شَريك عند أبي داود (٢٠١٥): السُّؤال عن السعي قبل الطَّواف. قوله: (اذْبَحْ ولا حَرَجَ)) أي: لا ضِيقَ عليك في ذلك، وقد تقدَّم في ((باب الذَّبح قبل الحلق))(٣) تقرير ترتيبه، وذلك أنَّ وظائف يوم النَّحر بالاتّفاق أربعة أشياء: رميُ جَمْرة العَقَبة، ثمَّ نَحْرِ الهَدْي أو ذَبحْه، ثمَّ الحلق أو التقصير، ثمَّ طواف الإفاضة. وفي حديث أنس في (الصحيحين))(٤): أنَّ النبي ◌ََّ أْتِى مِنّى فأتى الْجَمْرةِ فَرَمَاها، ثمَّ أتى منزله بمِنَّى فَنَحَر، وقال للحالقِ: ((خُذْ))، ولأبي داود (١٩٨١): رمى ثمَّ نَحَرَ ثمّ حَلَقَ. (١) عند البخاري فيما سيأتي برقم (١٧٣٧). (٢) في الأصلين و(س): والأُوليان، على أنه تثنية ((أُولى))، لكن المعدود هنا مذكَّر فالصواب ما أثبتنا. (٣) وهو الباب السالف برقم (١٢٥). (٤) هو عند مسلم برقم (١٣٠٥) (٣٢٣)، وما عند البخاري من حديث أنس برقم (١٧١) ليس باللفظ الذي ذكره الحافظ، وإنما لفظه: أن رسول الله وَ ليه لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره. ٦١٣ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ كتاب الحج وقد أجمع العلماء على مطلوبيَّة هذا الترتيب، إلَّا أنَّ ابن الجَهْم المالكي استثنى القارنَ فقال: لا يَحلِقِ حتَّى يطوف، كأنَّه لاحَظَ أنَّه في عمل العمرة، والعمرة يَتأخّر فيها الحلق عن الطَّواف، ورَدَّ عليه النَّوَوي بالإجماع، ونازَعَه ابن دقيق العيد في ذلك. واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك كما قاله ابن قُدَامَةَ في ((المغني))، إلَّا أنَّهم اختلفوا في وجوب الدَّم في بعض المواضع. وقال القُرطُبي: روي عن ابن عبّاس ولم يَتْبُت عنه: أنَّ مَن قَدَّمَ شيئاً على شيء فعليه دمٌّ، وبه قال سعيد بن جُبَير وقَتَادة والحسن والنَّخَعي وأصحاب الرَّأي. انتهى، وفي نسبة ذلك إلى النَّخَعي وأصحاب الرَّأي نظرٌ، فإنَّهم لا يقولونَ بذلك إلَّا في بعض المواضع كما سيأتي. قال: وذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعَدَم وجوب الدَّم لقوله للسائل: ((لا حَرَج)) فهو ظاهر في رفع الإثم والفِذْية معاً، لأنَّ اسم الصِّيق يَشمَلهما. قال الطَّحاوي: ظاهر الحديث يدلُّ على التَّوسِعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلَّا أنَّه يحتمل أن يكون قوله: ((لا حَرَج)) أي: لا إثمَ في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسياً أو جاهلاً، وأمَّا مَن تَعَمَّدَ المخالفة فتجب عليه الفِدية. وتُعقِّبَ بأنَّ وجوب الفِدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجباً لَبَّنْه ◌َّهِحينئذٍ، لأنَّه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره. وقال الطَّبَري: لم يُسقِط النبيُّ وَّهِ الْخَرَجِ إلَّا وقد أجزأ الفعلُ، إذ لو لم يُحِزِئ لَأمَرَه بالإعادة لأنَّ الجهل والنِّسيان لا يَضَعان عن المرء الحُكْم الذي يَلزَمه في الحج، كما لو تَرَك الرَّمَيَ ونحوه، فإنَّه لا يأثم بتَركِه جاهلاً أو ناسياً، لكن يجب عليه الإعادة. والعَجَب ممّن يَحمِل قوله: ((ولا حَرَجَ)) على نفي الإثم فقط، ثمَّ يَخُصّ ذلك ببعض الأُمور دون بعض، فإن كان الترتیب واجباً يجب بترکِه دمٌ فلیکن في الجميع، وإلّا فما وجه تخصیص بعضٍ دون بعض مع تعميم الشارع الجميعَ بنفي الخَرَج. ٦١٤ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا احتجاج النَّخَعي ومَن تَبِعَه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُواْ رُوسَكُمْ حَّ بَلُغَ الْهَدَىُ ◌َحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: فمَن حَلَقَ قبل الذَّبح أهراق دماً عنه، رواه ابن أبي شَيْبة(١) بسندٍ صحيح. فقد أُجيب بأنَّ المراد ببلوغ مَحِلّه وصولُه إلى الموضع الذي يَحِلّ ذبحُه فيه وقد ٥٧٢/٣ حَصَل، / وإنَّما يَتِمُّ ما أراد أن لو قال: ولا تَحِلِقوا حتَّى تَنحَروا. واحتَجَّ الطَّحاوي أيضاً (٢/ ٢٣٨) بقول ابن عبّاس: مَن قَدَّمَ شيئاً من نُسُكه أو أخَّرَه فليُهرِق لذلك دماً، قال: وهو أحد مَن روى: أن لا حَرَجَ، فَدَلَّ على أنَّ المراد بنفي الخَرَج نفيُ الإثم فقط. وأُجيب بأنَّ الطَّريق بذلك إلى ابن عبّاس فيها ضَعفٌ، فإنَّ ابن أبي شَيْبة أخرجها(٢) وفيها إبراهيم بن مُهاجر وفيه مَقالٌ، وعلى تقدير الصِّحّة فيَلزَم مَن يأخذ بقول ابن عبّاس أن يُوجِب الدَّم في كلّ شيء من الأربعة المذكورة ولا يَخُصَّه بالحلق قبل الذَّبح أو قبل الرَّمي. وقال ابن دقيق العيد: مَنَعَ مالك وأبو حنيفة تقديمَ الحلق على الرَّمي والذَّبح، لأنَّه حينئذٍ يكون حَلقاً قبل وجود التحلّلين، وللشافعي قولٌ مثله، وقد بُنيَ القولان له على أنَّ الحلق نُسُك أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنَّه نُسُك، جازَ تقديمه على الرَّمي وغيره، لأنَّه يكون من أسباب التحلُّل، وإن قلنا: إنَّه استباحة محظور، فلا، قال: وفي هذا البناء نظر، لأنَّ لا يَلزَم من كَوْن الشيء نُسُكاً أن يكون من أسباب التحلُّل، لأنَّ النُّسُك ما يُثابُ عليه، وهذا مالكٌ يرى أنَّ الحلق نُسُك ويرى أنَّه لا يُقدَّم على الرَّمي مع ذلك، وقال الأوزاعي: إن أفاضَ قبل الزَّمي أهراق دَماً. وقال عياض: اختُلِفَ عن مالك في تقدیم الطّواف على الَّمي، وروى ابن عبد الحَگم عن مالك: أنَّه يجب عليه إعادة الطَّواف، فإن تَوَجَّهَ إلى بلده بلا إعادة وَجَبَ عليه دم. قال ابن بَطَّال: وهذا يُخالف حديث ابن عبّاس، وكأنَّه لم يَبلُغه الحديث. انتهى. (١) في ((المصنف)) برقم (١٥١٧٣) بتحقيق الجمعة واللحيدان. (٢) في ((المصنف)) برقم (١٥١٧١). ٦١٥ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ - ١٧٣٨ كتاب الحج قلت: وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة عن الزُّهْري في حديث عبد الله بن عَمْرو(١)، وكأنَّ مالكاً لم يَحْفَظْ ذلك عن الزّهْري. قوله: ((فما سُئِلَ النبيِ نَّهِ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخرَ)) في رواية يونس عند مسلم (١٣٠٦/ ٣٢٨)، وصالح عند أحمد (٧٠٣٢): فما سمعته سُئِلَ يومئذٍ عن أمر ممّا يَنسى المرءُ أو يجهل من تقديم بعض الأُمور على بعض أو أشباهها إلَّا قال: (افعلوا ذلك ولا حَرَج))، واحتَجَّ به وبقوله في رواية مالك: ((لم أشعُر)) بأنَّ الرُّخصة تَخْتَصّ بمن نسي أو جَهِلَ لا بمن تَعَمَّد. قال صاحب ((المغني)): قال الأثرَم عن أحمد: إن كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فلا، لقوله في الحديث: لم أشعُر. وأجاب بعض الشافعية: بأنَّ الترتيب لو كان واجباً لمَا سَقَطَ بالسهو، كالترتيبِ بین السعي والطَّواف، فإنَّه لو سَعَى قبل أن يطوف وَجَبَ إعادة السعي، وأمَّا ما وقع في حديث أُسامة بن شَرِيك(٢) فمحمول على مَن سَعَى بعد طواف القدوم ثمَّ طافَ طواف الإفاضة، فإنَّه يَصدُق عليه أنَّه سَعى قبل الطَّواف، أي: طواف الرُّكن، ولم يقل بظاهر حديث أُسامة أحدٌ إلَّا عطاء، فقال (٣): لو لم يَطُف للقدومِ ولا لغيره وقَدَّمَ السعيَ قبل طواف الإفاضة، أجزأه. أخرجه عبد الرزاق عن ابن جُرَيج عنه (٤). وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أنَّ الدليل دلَّ على وجوب اتِّباع الرَّسول في الحج بقوله: ((خُذوا عنِّي مَناسكَكم))(٥) وهذه الأحاديث المرَخِّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قُرِنَت بقول السائل: ((لم أشعُر)) فيَختَصّ الحُكْم بهذه الحالة، وتبقى حالة العَمْد على أصل وجوب الاتِّباع في الحج. (١) أخرجه مسلم (١٣٠٦) (٣٣٣)، وأحمد في ((مسنده)) (٦٩٥٧). (٢) أخرجه أبو داود (٢٠١٥)، وابن خزيمة (٢٧٧٤) و(٥٩٥٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣٦/٢. (٣) في (س): بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء فقالا. وهو خطأ، والتصويب من الأصلين. (٤) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق)). (٥) أخرجه مسلم (١٢٩٧)، من حديث جابر بن عبد الله. ٦١٦ باب ١٣١ / ح ١٧٣٦ -١٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري وأيضاً فالحُكْم إذا رُقِّبَ على وصفٍ يُمكِن أن يكون مُعتبَراً لم يَجْزُ اطِّراحُه، ولا شكَّ أنَّ عَدَم الشُّعور وصف مُناسب لعَدَم المؤاخَذة، وقد عُلُّقَ به الحُكْم، فلا يُمكِن الطِّرَاحُه بإلحاق العمد به؛ إذ لا يُساویه. وأمَّا التمسُّك بقول الراوي: ((فما سُئِلَ عن شيء) إلى آخره، فإنَّه يُشعِر بأنَّ الترتيب مُطلَقاً غير مُراعَى، فجوابه أنَّ هذا الإخبار من الراوي يَتعلَّق بما وقع السُّؤال عنه، وهو مُطلَق بالنّسبة إلى حال السائل، والمطلَق لا يدلُّ على أنَّ أحد الخاصَّينِ سُنَّة، فلا يبقى حُجَّة في حال العَمْد، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا سعيد بن يحيى، حدَّثنا أبي)) هو يحيى بن سعيد بن أبانَ بن سعيد بن العاص الأُمَوي. قوله في رواية ابن جُرَيج (١٧٣٧): ((فقال النبي ◌َ لَّ هُنَّ كلِّهنّ: افعَلْ ولا حَرَجَ)) قال الكِرْماني: اللَّام في قوله: ((لهنَّ) مُتعلِّقة بـ(قال))، أي: قال لأجلِ هذه الأفعال، أو بمحذوف، أي: قال يوم النَّحر لأجلِهِنَّ، أو بقوله: ((لا حَرَج)) أي: لا حَرَج لأجلِهِنَّ. انتهى، ويحتمل ٥٧٣/٣ أن تكون اللَّام بمعنى ((عن))، أي: قال/ عنهنَّ كلِّهنّ. تكميل: قال ابن النِّين: هذا الحديث لا يقتضي رفع الخَرَج في غير المسألتين المنصوص عليهما، يعني: المذكورتَينِ في رواية مالك (١٧٣٦)، لأنَّه خرج جواباً للسُّؤال ولا يَدخُل فيه غيره. انتهى، وكأنَّه غَفَلَ عن قوله في بقيّة الحديث: ((فما سُئِلَ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخِّرَ))، وكأنَّه حمل ما أُبهم فيه على ما ذُكِر، لكنَّ قوله في رواية ابن جُرَيج (١٧٣٧): ((وأشباه ذلك)) يَرُدُّ عليه، وقد تقدَّم فيما حَرَّرناه من مجموع الأحاديث عِدّة صُوَر، وبقيت عِدّة صوَر لم تَذكُرها الرُّواة، إمّا اختصاراً وإمّا لكونها لم تَقَع، وبَلَغَت بالتقسيمِ أربعاً وعشرينَ صورة، منها صورة الترتيب المتَّفَق عليها، والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد: جواز القُعود على الرّاحلة للحاجة، ووجوب اتِّباع أفعال النبي * لكون الذينَ خالَفوها لمَّا عَلِموا سألوه عن حُكم ذلك. ٦١٧ باب ١٣٢ / ح ١٧٣٩ كتاب الحج واستَدَلَّ به البخاري على أنَّ مَن حَلَفَ على شيء ففَعَله ناسياً: أن لا شيءَ عليه، كما سيأتي في الأيمان والنُّذور (٦٦٦٥) إن شاء الله تعالى. قوله في الطَّريق الثالثة: ((حدَّثني إسحاق)) كذا للأكثر غير منسوب، ونَسَبَه أبو عليّ بن السَّكَن فقال: إسحاق بن منصور، وأورَدَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من ((مسند إسحاق بن راهويه)) وهو المتَرَجِّح عندي لتعبيره بقوله: ((أخبرنا يعقوب)) لأنَّ إسحاق بن راهويه لا يُحدِّث عن مشايخه إلَّا بلفظ الإخبار، بخلاف إسحاق بن منصور فيقول: حدَّثنا. قوله: ((وَقَفَ النبي)) في رواية ابن جُرَيج (١٧٣٧): أنَّه شَهِدَ النبي ◌ِله. قوله: ((تابَعَه مَعمَر عن الزُّهري)» قد سَبَقَ أنَّ أحمد وَصَله (٦٤٨٤ و ٦٨٨٧). ١٣٢ - باب الخطبة أيام منَّی ٥٧٤/٣ ١٧٣٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْني يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثْنَا فُضَيلُ بنُ غَزْوانَ، حدّثنا عِكْرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ِّهَ خَطَبَ الناسَ يومَ النَّحْرِ فقال: ((یا أيُّها الناسُ، أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: ((فأيُّ بلدٍ هذا؟» قالوا: بلدٌ حرامٌ، قال: «فأيُّ شهرٍ هذا؟» قالوا: شهرٌ حرامٌ، قال: ((فإنَّ دِماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كخُوْمَةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا»، فأعادَها مِراراً ثمَّ رَفَعَ رأسَه فقال: «اللّهمَّ هل بَلَّغْتُ؟ اللهمَّ هل بَلَّغْتُ؟)) قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: فوالَّذي نفسي بيده، إنَّا لَوَصِيَّتُه إلى أَمَّتِهِ: «فلْيُبْلِغِ الشّاهدُ الغائبَ، لا تَرجِعُوا بعدي كفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ». [طرفه في: ٧٠٧٩] قوله: ((باب الخُطْبة أيام مِنِّى)) أي: مشروعيتها، خلافاً لمن قال: إنَّها لا تُشرَع، وأحاديث الباب صريحة في ذلك إلَّا حديث جابر بن زيد عن ابن عبّاس وهو ثاني أحاديث الباب، فإنَّ فیه التقييد بالخُطبة بعرفات، وقد أجاب عنه ابن المنیِر كما سيأتي. وأيام مِنَّى أربعة: يوم النَّحر وثلاثة أيام بعده، وليس في شيء من أحاديث الباب التصريحُ بغير يوم النَّحر، وهو الموجود في أكثر الأحاديث کحدیث الهرماس بن زياد ٦١٨ باب ١٣٢ / ح ١٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وأبي أُمامةَ كلاهما عند أبي داود (١٩٥٤ و١٩٥٥)، وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد (١١٧٦٣): خَطَبَنا رسول الله وَّه يوم النَّحر فقال: ((أيُّ يوم أعظَم حُرْمة)) الحديث، وقد تقدَّم (١٧٣٧) حديث عبد الله بن عَمْرو، وفيه ذِكر الخُطبة يوم النَّحر. وأمَّا قوله في حديث ابن عمر (١٧٤٢) أنَّه قال ذلك بمِنّى، فهو مُطلَق فيُحمَّلُ على المقيَّد فيَتَعيَّن يومُ النَّحر، فلعلَّ المصنِّفَ أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرق حديث الباب كما عند أحمد (٢٠٦٩٥) من طريق أبي حُرّةَ الرَّقَاشي عن عمِّه قال: كنت آخذاً بزِمام ناقة رسول الله وَّه في أوسَطِ أيام التشريق أذُودُ عنه الناس ... فذكر نحو حديث أبي بَكْرة، فقوله: ((في أوسَطِ أيام التشريق)) يدلّ أيضاً على وقوع ذلك أيضاً في اليوم الثاني أو الثالث. وفي حديث سَرّاء بنت نَيْهان عند أبي داود (١٩٥٣): خَطَبَنا النبي ◌َّهِ يوم الرُّؤوس(١) فقال: ((أيّ يوم هذا؟ أليس أوسَطَ أيام التشريق)). وفي الباب عن كعب بن عاصم عند الدارَقُطني (٢٥٣٧)، وعن ابن أبي نَجِيح عن رجلَينٍ من بني بكر عند أبي داود (١٩٥٢)، وعن أبي نَضْرة عَمَّن سمع خطبة النبي ◌َّ عند أحمد (٢٣٤٨٩). قال ابن المنّيِّر في ((الحاشية)): أراد البخاري الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ يوم النَّحر لا خُطبة فيه للحاجّ، وأنَّ المذكور في هذا الحديث من قَبِيل الوصايا العامّة، لا على أنَّه من شِعار الحج، فأراد البخاري أنَّ يُبيِّن أنَّ الراوي قد سمّاها خطبةً كما سمّى التي وقعت في عَرَفات خطبة، وقد اتَّفَقوا على مشروعية الخُطبة بعَرَفات، فكأنَّه الْحَقَ المختلَف فيه بالمتَّفَق عليه. انتهى، ٥٧٥/٣ والله أعلم، وسنذكر نقل الاختلاف في / مشروعية الخُطبة يوم النَّحر في آخر الباب. وعليّ بن عبد الله المذكور في الإسناد: هو ابن المَدِيني، ويحيى بن سعيد: هو القَطّانُ وفُضَيل بالتَّصغير، وغَزْوان بفتح المعجَمة وسكون الزّاي. قوله: ((فقال: يا أيّها الناس، أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومٌّ حرام)) كذا في حديث ابن عبّاس هذا، وفي حديث أبي بَكْرة ثالث أحاديث الباب: «أتدرونَ أيّ يوم هذا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه (١) هو اليوم الثاني من أيام التشريق، سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. ٦١٩ باب ١٣٢ / ح ١٧٣٩ كتاب الحج أعلم، فسَكَتَ حتَّى ظنًّا أنَّه سَيُسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النَّحر؟ قلنا: بلى))، وحديث ابن عمر المذكور بعده نحوه إلّا أنَّه ليس فيه: «فسَكَتَ ... )) إلى آخره، بل فيه بعد قولهم: أعلم: ((قال: هذا يومٌ حرام»، فقيل في الجمع بين الحديثين: لعلَّهما واقعتان، وليس بشيءٍ لأنَّ الْخُطبة يوم النَّحر إنَّما تُشرَع مرَّة واحدة، وقد قال في كلٍّ منهما أنَّ ذلك كان يوم النَّحر. وقيل في الجمع بينهما: إنَّ بعضهم بادرَ بالجواب وبعضهم سَكَت، وقيل في الجمع: إنَّهم فَوَّضوا أولاً كلّهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلمَّا سَكَتَ أجاب بعضُهم دون بعض، وقيل: وقع السُّؤال في الوقت الواحد مرَّتينِ بلفظَين، فلمَّا كان في حديث أبي بَكْرة فخامةٌ ليست في الأول لقوله فيه: ((أتدرونَ))، سكتوا عن الجواب بخلاف حديث ابن عبَّاس الخُلُوِّه عن ذلك، أشار إلى ذلك الكِرْماني. وقيل: في حديث ابن عبّاس اختصار بيَّنته روايةُ أبي بَكْرة وابن عمر، فكأنَّه أطلقَ قولهم: يوم حرام، باعتبار أنَّهم قَرَّروا ذلك حيث قالوا: بلى، وسَكَتَ في رواية ابن عمر عن ذِكْر جوابهم، وهذا جمعٌ حسن، وقد تقدَّم الكلام في هذا باختصارٍ في كتاب العلم في ((باب قوله: رُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع))(١). قوله: ((يومٌّ حرامٌ)) أي: يَجِرُم فيه القتال، وكذلك الشهر وكذلك البلد، وسيأتي الكلام على قوله: ((لا تَرجِعوا بعدي كفَّاراً)) في كتاب الفتن (٧٠٧٩) مُستَوعِباً إن شاء الله تعالى. قوله: ((فأعادَها مِراراً) لم أقف على عددها صريحاً، ويُشبِهِ أن يكون ثلاثاً كعادتِهِ وَله. قوله: ((ثُمَّ رَفَعَ رأسَه)) زاد الإسماعيلي من هذا الوجه: إلى السماء. قوله: «قال ابن عبّاس: فوالذي نفسي بيده إنَّهَا لَوَصيّتُه)» يريد بذلك الكلامَ الأخير، وهو قوله وَلّ: ((فليُبِلِغ الشاهدُ الغائبَ)) إلى آخر الحديث، وقد رواه أحمد بن حنبل (٢٠٣٦) عن (١) الباب سلف برقم (٦٧). ٦٢٠ باب ١٣٢ / ح ١٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عبد الله بن نُمَير عن فُضَيل بإسناد الباب بلفظ: ((ثمَّ قال: ألا فليُبلغ ... )) إلى آخره، وهو يوضح ما قلناه، والله أعلم. قوله: ((إلى أُمَّته)) في رواية أحمد عن ابن نُمَير: ((إنَّها لوصيّةٌ إلى ربِّه))، وكذلك رواه عَمْرو ابن علي الفَلّاس والمقدَّمي عن يحيى بن سعيد، أخرجه أبو نُعَيم من طريقهما. تنبيه: لستَّة أيام مُتَوالية من أيام ذي الحِجّة أسماء: الثامن يوم التروِيَة، والتاسع عَرَفة، والعاشر النَّحر، والحاديَ عشرَ القَرّ، والثانيَ عشرَ النَّفْرِ الأول، والثالثَ عشرَ النَّفْرِ الثاني. وذكر مَكّيُّ بن أبي طالب أنَّ السابع يُسمَّى يومَ الزّينة، وأنكره النَّوَوي. ١٧٤٠ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَمرُّو، قال: سمعتُ جابَرَ ابنَ زيدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ تَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تابعه ابنُ عُبينةً عن عَمْرو. [أطرافه في: ١٨١٢، ١٨٤١، ٥٨٠٤، ٥٨٥٣] قوله في الحديث الثاني: ((أخبرنا عَمْرو» هو ابن دینار. وقوله: ((يَخْطُب بعَرَفاتٍ)) هو طرف من حديث سيأتي في ((باب لُبس الُفَّين للمُحرِم)) (١٨٤١) عن أبي الوليد عن شُعْبة بهذا الإسناد وبعده متَّصلاً بقوله: ((يَخْطُب بعَرَفات)) يقول: ((مَن لم يَجِدِ النَّعلَينِ فليَلبَس الُفَّین)) الحديث، وذكره بعده بباب (١٨٤٣) عن آدم عن شُعْبة بلفظ: خَطَبَنَا النبيِنَّهِ بِعَرَفاتٍ فقال: ((مَن لم يَجِدْ)) فذكر الحديث. قوله: ((تَابَعَه ابن عُيَينةَ عن عَمْرو)) أي: أنَّ سفيان بن عُيَينة تابَعَ شُعْبة في رواية هذا الحديث، والمراد به أصلُ الحديث، فإنَّ أحمد أخرجه في («مسنده)) (١٩١٧) عن سفيان بن عُيَيْنَةَ ولفظه: سمعت النبي ◌َّهِ يَخْطُبُ يقول: ((مَن لم يَجِد)) فذكره، فلم يُعِّ موضعَ الخُطبة، وكذلك رواه الحميدي (٤٦٩) وابن أبي شَيْبة (٤/ ١٠٠) وغيرهما (١) عن سفيان، وهو عند مسلم (١١٧٨/ ٤) وغيره من طريق سفيانَ كذلك. (١) منهم الشافعي في كتابه ((الأم)) ١٦٠/٢.