Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
باب ٦٥ / ح ١٦٢٠
كتاب الحج
قوله: ((أو بشيءٍ غير ذلك)) كأنَّ الراوي لم يَضِط ما كان مربوطاً به، وقد روى أحمد
(٦٧١٤) والفاكهي (٤٤٤) من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبي ◌َّ
أدرَك رجُلَينِ وهما مُقْتَرِنان، فقال: ((ما بال القِرَان؟)) قالا: إنّا نَذَرْنا لَنَقْتَرِّنَنَّ حتَّى نأتي
الكعبة، فقال: ((أطلِقا أنفُسَكُما، ليس هذا نَذْراً إِنَّمَا النَّذر ما يُبتَغى به وجهُ الله)) وإسناده إلى
عَمْرٍو حسن، ولم أقِفْ على تسمية هذين الرجُلَينِ صريحاً، إلّا أنَّ في الطبراني (٢١١٨/٢)
من طريق فاطمة بنت مسلم: حدَّثني خليفةُ بن بِشر عن أبيه: أنَّه أسلَم، فَرَدَّ عليه النبي
﴿مِّ مَالَه ووَلَده، ثمَّ لَقيه هو وابنَه طَلْقَ بن بِشر مُقْتَرِنَينِ بحَبل، فقال: ((ما هذا؟» فقال:
حَلَفت لَئِن ردَّ الله عليَّ مالي ووَلَدي لَأَحُجَّنَّ بيت الله مقروناً، فأخذَ النبي ◌َِّ الحَبل،
فقَطَعَه وقال لهما: ((حُجّا، إنَّ هذا من عمل الشيطان))، فيُمكِن أن يكون بِشر وابنُه طَلْق
صاحبَي هذه القصَّة.
وأغرَبَ الكِرْماني فقال: قيل: اسم الرجل المقود هو ثواب، ضِدّ العِقاب. انتهى، ولم أرَ
ذلك لغيره، ولا أدري من أينَ أخذَه.
قوله: ((قُدْ)) بضم القاف وسكون الدال فعل أمر، في رواية أحمد (٣٤٤٣) والنَّسائي
(٣٨١١): «قُدْه)) بإثبات هاء الضَّمير، وهو للرَّجُل المقود.
قال النَّوَوي: وقطْعُه عليه الصلاة والسلام السير محمول على أنَّه لم يُمكِن إزالة هذا
المنكَر إلَّا بقْطعِه، أو أنَّه دلَّ على صاحبه فتَصَرَّفَ فيه.
وقال غيره: كان أهل الجاهلية يَتَقرَّبونَ إلى الله بمثلٍ هذا الفعل. قلت: وهو بيِّ من
سياق حديثَي عَمْرو بن شعيب وخَلِيفةَ بن بِشْر.
وقال ابن بَطَّال في هذا الحديث: إنَّه يجوز للطّائفِ فعل ما خَفَّ من الأفعال، وتغييرُ ما
يَراهُ الطائف من المنكَر. وفيه الكلام في الأُمور الواجبة والمستَحَبّة والمباحة.
قال ابن المنذر: أولى ما شَغَلَ المرءُ به نفسَه في الطَّواف ذِكرُ الله وقراءة القرآن، ولا يَحِرُم ٤٨٣/٣
الكلام المباح، إلّا أنَّ الذِّكر أسلَم.

٤٤٢
باب ٦٦ / ح ١٦٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وحكى ابن الِّين خلافاً في كراهة الكلام المباح. وعن مالك تقييد الكراهة بالطَّواف
الواجب.
قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابنُ المبارَك يقول: ليس شيءٌ أفضلَ من
قراءة القرآن، وفَعَله مجاهد، واستَحَبَّه الشافعي وأبو ثَوْر، وقَيَّدَه الكوفيونَ بالسِّرّ، وروي
عن عُرْوةَ والحسن كراهتُه، وعن عطاء ومالك أنَّه مُحُدَثٌ، وعن مالك: لا بأس به إذا
أخفاه ولم يُكثِرِ منه، قال ابن المنذر: مَن أباحَ القراءة في البَوادي والطُّرق ومَنَعَه في الطَّواف
لا حُجَّةَ له.
ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوودي: أنَّ في هذا الحديث مَن نَذَرَ ما لا طاعةً لله تعالى فيه لا
يَلْزَمه، وتعقَّبه بأنَّه ليس في هذا الحديث شيءٌ من ذلك، وإنَّما ظاهر الحديث أنَّه كان ضَریرَ
البَصَر، ولهذا قال له: ((قُدْهُ بيدِه)) انتهى. ولا يَلزَم من أمره له بأن يقوده أنَّه كان ضَریراً، بل
يحتمل أن يكون لمعنى آخر غير ذلك، وأمَّا ما أنكَرَه من النَّذر، فمُتعقّب بما في النَّسائي
(٢٩٢١ و٣٨١٠) من طريق خالد بن الحارث عن ابن جُرَيج في هذا الحديث: أنَّه قال: إنَّه
نَذَر، ولهذا أخرجه البخاري في أبواب النَّذر (٦٧٠٢) كما سيأتي الكلام عليه مشروحاً
هناك إن شاء الله تعالى.
٦٦ - باب إذا رأى سَيْراً أو شيئاً يُكرَه في الطّواف قَطَعَه
١٦٢١ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن سليمانَ الأحْوَلِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ رَأى رجلاً يَطُوفُ بالكعبةِ بِزِمامٍ أو غيرِه فقَطَعَه.
قوله: ((باب إذا رأى سَيْراً أو شيئاً يُكرَه في الطَّواف قَطَعَه)) أورَدَ فیه حديث ابن عبّاس
من وجهٍ آخر عن ابن جُرَيج بإسناده، ولفظُه: رأى رجلاً يطوف بالكعبة بزمامٍ أو غيره
فَقَطَعَه. وهذا مختصر من الحديث الذي قبله، وقد تقدَّم الكلام عليه في الذي قبله.
قال ابن بَطَّال: وإِنَّمَ قَطَعَه لأنَّ القَوْدَ بالأزِمّة إنَّما يُفعَل بالبهائمِ، وهو مُثْلَة.

٤٤٣
باب ٦٧-٦٨ / ح ١٦٢٢
كتاب الحج
٦٧ - باب لا يطوف بالبيت عُرْيانٌ ولا يَحُجّ مشركٌ
١٦٢٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّثنا الليثُ، قال يونسُ: قال ابنُ شِهابٍ: حدَّثني مُميدُ
ابنُ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه: أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ ه بَعَثَه في الحَجّةِ التي أمَّرَه عليها
رسولُ اللهِ وٍَّ قبلَ حَجَّةِ الوداعِ يومَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في الناس: أنْ لا يَحُجَّ بعدَ العامِ
مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ.
قوله: ((باب لا يَطُوف بالبيت عُزْيان)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في ذلك، وفيه حُجَّة
لاشتراط سَتْر العَورَة في الطَّواف، كما يُشتَرَط في الصلاة، وقد تقدَّم طرفٌ من ذلك في
أوائل الصلاة (٣٦٩)، والمخالف في ذلك الحنفيَّة، قالوا: سَتْر العَورَة في الطَّواف ليس
بشرطٍ، فمَن طافَ عُرْياناً أعاد ما دام بمكّة، فإن خرج لَزِمَه دَم.
وذكر ابنُ إسحاق في سبب هذا الحديث: أنَّ قُرَيشاً ابتَدَعَت قبلَ الفيل أو بعده أن لا
يطوف بالبيت أحدٌ مَّن يَقدَم عليهم من غيرهم أولَ ما يطوف إلَّا في ثياب أحدهم، فإن لم
يَجِد طافَ عُرْياناً، فإن خالَفَ وطافَ بثيابه ألقاها إذا فرَغَ ثمَّ لم يَنتَفِع بها، فجاء الإسلام
فَهَدَمَ ذلك كلّه.
قوله: ((أن لا يَحُجّ)) بالنصب، وفي رواية صالح بن كيسانَ عن الزُّهْري عند المؤلف في
التفسير (٤٦٥٧): ((أن لا يَحُجَّن)) وهو يُعيِّن ذلك للنَّهي.
وقوله: ((ولا يطوف)) يجوز فيه النصب، والتقدير: وأن لا يطوف، والرفع على أنَّ
((أنْ)) مُحُفَّفة من الثَّقيلة، ويجوز أن يُقرأ بفتح الطاء وتشديد الواو وسكون الفاء عطفاً
على الذي قبله، وسيأتي / الكلام على بقيَّة شرح هذا الحديث في تفسير براءة (٤٦٥٥) ٤٨٤/٣
إن شاء الله تعالى.
٦٨ - باب إذا وقف في الطّواف
وقال عطاءٌ فيمن يَطُوفُ فتُقَامُ الصلاةُ أو يُدْفَعُ عن مكانه: إذا سَلَّمَ يَرجِعُ إلى حيثُ قُطِعَ عليه.
ويُذكَرُ نحوُه عن ابنِ عمرَ، وعبدِ الرحمن بنِ أبي بكرٍ رضي الله عنهم.

٤٤٤
باب ٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب إذا وقَفَ في الطَّواف)) أي: هل يَنقَطِع طوافه أو لا، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى ما
رُوِيَ عن الحسن: أنَّ مَن أُقيمت عليه الصلاةُ وهو في الطَّواف فقَطَعَه أن يَستأنِفه ولا يَينِي
على ما مضى. وخالَفَه الجمهور فقالوا: يَبنِي، وقَيَّدَه مالك بصلاة الفريضة، وهو قول
الشافعي، وفي غيرها: إتمام الطَّواف أولى، فإن خرج بَنى، وقال أبو حنيفة وأشهَب: يقطعه
ويَبنِي، واختارَ الجمهور قَطْعَه للحاجة، وقال نافع: طول القيام في الطَّواف بِدعة.
قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَ نحوَه عبد الرزاق (٨٩٧١ و٨٩٧٢) عن ابن
جُرَيج: قلت لعطاءٍ: الطَّواف الذي يَقطَعُه عليَّ الصلاةُ وأعتَدُّ به، أيُجْزِئ؟ قال: نعم،
وأحَبُّ إليَّ أن لا يُعتَدّ به. قال: فَأَرَدتُ أن أركَع قبلَ أن أُتِمّ سَبْعي، قال: لا، أوفِ سَبْعَك
إلَّا أن تُمنَع من الطَّواف.
وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم حدَّثنا عبد الملِك عن عطاء: أنَّه كان يقول في
الرجل يطوف بعضَ طَوافِهِ ثمَّ تَحضُر الجنازة: يخرجُ فُيُصلِّ عليها، ثمَّ يَرجِع فيقضي ما بقي
علیه من طوافه.
قوله: ((ويُذكَر نحوه عن ابن عُمَر)) وَصَلَ نحوه سعيد بن منصور: حدَّثنا إسماعيل بن
زكريًّا عن جميلٍ بن زيد قال: رأيت ابنَ عمر طاف بالبيت، فأُقيمت الصلاة، فصلَّى مع
القوم، ثمّ قام فبنى على ما مضى من طوافه.
قوله: ((وعبد الرحمن بن أبي بَكْر)) وَصَلَه عبد الرزاق (٩٨١٦) عن ابن جُرَيج عن عطاء:
أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر طافَ في إمارة عَمْرو بن سعيد على مكَّة - يعني: في خلافة
معاوية - فخرج عَمْرو إلى الصلاة، فقال له عبد الرحمن: انظُرني حتَّى أنصَرِف على وِتْر،
فانصَرَفَ على ثلاثة أطواف - يعني: ثمَّ صلَّى - ثمَّ أتمَّ ما بَقي.
وروى عبد الرزاق (٨٩٧٧) من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: مَن بَدَت له حاجة
وخرج إليها، فليخرج على وِتْر من طوافه ويَركَع ركعتَين. ففَهمَ بعضُهم منه أنَّه ◌ُزِئ عن
ذلك ولا يَلَزَمه الإتمام، ويؤيِّده ما رواه عبد الرزاق أيضاً (٨٩٧٥) عن ابن جُرَيج عن

٤٤٥
باب ٦٩ / ح ١٦٢٣ - ١٦٢٤
كتاب الحج
عطاء: إن كان الطَّواف تطوُّعاً وخرج في وِتْر فإنَّه يُجْزِئ عنه. ومن طريق أبي الشَّعثاء
(٨٩٧٠): أنَّه أُقيمت الصلاة وقد طافَ خمسةَ أطواف فلم يُتِمّ ما بَقي.
تنبيه: لم يَذكُر البخاري في الباب حديثاً مرفوعاً إشارةً إلى أنَّه لم يَجِد فيه حديثاً على
شرطه، وقد أسقَطَ ابن بَطَّل من شرحه ترجمة الباب الذي يليه، فصارت أحاديثه لترجمة:
((إذا وقَفَ في الطَّواف))، ثمَّ استشكَلَ إيراد كونه عليه الصلاة والسلام طافَ أُسبوعاً وصلَّى
ركعتَينِ في هذا الباب، وأجاب بأنَّه يُستفاد منه أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يَقِف ولا جَلَسَ
في طوافه؛ فكانت السُّنّة فيه الموالاة.
٦٩ - باب صلّ النبيّ وَ ﴿ لسُبوعِه ركعتين
وقال نافعٌ: كان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يُصلِّي لكُلِّ سُبُوعٍ رَفْعتَينِ.
وقال إسماعيلُ بنُ أُميَّة: قلتُ للزّهْرِيّ: إنَّ عطاءً يقول: تُجِزُِّه المكتوبةُ من رَكْعَتَي الطَّواف،
فقال: السُّنَّةُ أفضَلُ، لم يَطُفِ النِبِيُّ ◌َِّ سُبُوعاً قَطُّ إِلَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
١٦٢٣ - حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو: سألنا ابنَ عمرَ رضي الله عنهما:
أيقَعُ الرجلُ على امرَأْتِهِ في العُمْرةِ قبلَ أن يَطُوفَ بين الصَّفا والمَرْوةِ؟ قال: قَدِمَ رسولُ الله ◌ِله
فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، ثمَّ صَلَّى خَلْفَ المقام رَكْعتَينِ، وطافَ بين الصَّفا والمَرْوةِ، وقال: ﴿لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
١٦٢٤ - قال: وسألتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، فقال: لا يَقْرَبُ امرأته حتَّى
يَطُوفَ بين الصَّفا والمَرْوةِ.
قوله: ((باب صلَّى النبي وَّلِسُبُوعِه رَكْعتَين)) السُّبوع، بضم المهملة والموخَّدة: لغة قليلة ٤٨٥/٣
في الأُسبوع، قال ابن التِّين: هو جمع سُبْع بالضمِ ثمَّ السُّكون، كبُرْدٍ وبُرُود، ووقع في حاشية
((الصِّحاح)) مضبوطاً بفتح أوله.
قوله: ((وقال نافع ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرزاق (٩٠٠٠) عن الثّوري عن موسى بن
عُقْبة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر: أنَّه كان يطوف بالبيت سبعاً ثمّ يُصلِّي ركعتين،

٤٤٦
باب ٦٩ / ح ١٦٢٣ - ١٦٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وعن مَعمَر (٩٠١٢) عن أيوب عن نافع: أنَّ ابن عمر كان يَكرَه قَرْنَ الطَّواف ويقول: على
کلّ سبع صلاةُ رکعتین، و کان لا يقرِن.
قوله: ((وقال إسماعيل بن أُميَّة ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة مختصراً (١) قال: حدّثنا
يحيى بن سُلَيم عن إسماعيل بن أُميَّة عن الزُّهْري قال: مَضَت السُّنّة أنَّ مع كلّ أُسبوع
رکعتین.
ووَصَله عبد الرزاق (٨٩٩٤) عن مَعمَر عن الزُّهْري بتمامه، وأراد الزُّهْري أن
يَستدِلّ على أنَّ المكتوبة لا تُجزِئ عن ركعتَي الطَّواف بما ذكره من أنَّه ◌َلّه لم يَطُف أُسبوعاً
قَطُّ إلَّا صلَّى ركعتين، وفي الاستدلال بذلك نظرٌ؛ لأنَّ قوله: إلَّاّ صلَّى ركعتين، أعمُّ من
أن يكون نفلاً أو فرضاً، لأنَّ الصبح ركعتان، فيَدخُل في ذلك، لكنَّ الحيثية مَرْعيَّة،
والزُّهْري لا يخفى عليه هذا القَدْر، فلم يُرِد بقوله: ((إلَّا صلَّى ركعتَين)) أي: من غير
المكتوبة.
ثم أورد المصنِّف حديث ابن عمر قال: قَدِمَ رسول الله وَّهِ فطافَ بالبيت سبعاً، ثمَّ
صلَّى خَلْفَ المقام ركعتَين ... الحديث، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَى في أبواب العمرة
(١٧٩٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وطافَ بين الصَّفا والمرْوَة)) فيه تَجُوُّز، لأنَّه يُسمَّى سَعْياً لا طوافاً، إذ حقيقة
الطَّواف الشَّرعية فيه غير موجودة، أو هي حقيقة لُغَوية.
قوله: ((قال: وسألت)) القائل: هو عَمْرو بن دينار الراوي عن ابن عمر، ووجه الدّلالة
منه المقصود الترجمة: وهو أنَّ القِرَان بين الأسابيع خلاف الأولى من جهة أنَّ النبي
صَلىالله
وسام
يفعله، وقد قال: ((خُذوا عنِّي مَناسكَكم))(٢)، وهذا قول أكثر الشافعية وأبي يوسف، وعن
أبي حنيفة ومحمد: يُكرَه، وأجازَه الجمهور بغير كراهة.
(١) برقم (١٥٠١١) تحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) من حديث جابر (١٤٦١٨)، وانظر تخريجه فيه.

٤٤٧
باب ٧٠ / ح ١٦٢٥
كتاب الحج
وروى ابن أبي شَيْبة (١) بإسناد جَيِّد عن المِسْوَر بن مَخَرَمةَ: أنَّه كان يَقِرِن بين الأسابيع إذا
طافَ بعدَ الصبح والعصر، فإذا طَلَعَت الشَّمس أو غَرَبَت صلَّى لكلِّ أُسبوع ركعتَين.
وقال بعض الشافعية: إن قلنا: إنَّ ركعتَي الطَّواف واجبتان، كقول أبي حنيفة والمالكية،
فلابُدَّ من ركعتَينِ لكلِّ طواف.
وقال الرّافعي: ركعتا الطّواف وإن قلنا بوجوبهما، فليستا بشرطٍ في صِحَّة الطَّواف،
لكن في تعليل بعض أصحابنا ما يقتضي اشتراطَهما، وإذا قلنا بوجوبهما، هل يجوز فعلهما
عن قُعودٍ مع القُدرة؟ فيه وجهان، أصحّهما: لا، ولا يَسقُط بفعلٍ فريضة كالظّهرِ إذا قلنا
بالوجوب، والأصحّ أنَّهما سُنّة کقول الجمهور.
٧٠ - باب من لم يَقُرُب الكعبة ولم يَطُف حتّى يخرج إلى عَرَفة
وَيَرجِعَ بعدَ الطَّواف الأوَّلِ
٤٨٦/٣
١٦٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا فُضَيلٌ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، أخبرني كُرِيبٌ،
عن عبدِ الله بنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قَدِمَ النبيُّ نَّهِ مِكَّةَ فطافَ وسَعَى بين الصَّفا
والمَرْوةِ، ولم يَقْرُبِ الكعبةَ بعدَ طوافه بها حتَّى رَجَعَ من عَرَفَةَ.
قوله: ((باب مَن لم يَقْرُب الكعبة ولم يَطُفُ حتَّى يَخْرُج إلى عَرَفَة)) أي: لم يَطُف تطوُّعاً،
((ويَقْرُب)) بضم الراء، ويجوز کسرها.
أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس في ذلك، وهو ظاهر فيما تَرجَم له، وهذا لا يدلّ على أنَّ
الحاجّ مُنِعَ من الطَّواف قبلَ الوقوف، فلعلَّهِ وََّ تَرَكِ الطَّواف تطوُّعاً خَشْية أن يَظُنّ أحد
أنَّه واجب، وكان يُحِبّ التخفيف على أُمَّته، واجتَزَأْ عن ذلك بما أخبَرَهم به من فضل
الطَّواف بالبيت.
ونُقِلَ عن مالك: أنَّ الحاجّ لا يَتنفَّل بطوافٍ حتَّى يُتِمّ حَجّه، وعنه: الطَّواف بالبيت
أفضَلُ من صلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة، وهو المعتمد.
(١) برقم (١٣٤٠٧).

٤٤٨
باب ٧١ / ح ١٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: نَقَلَ ابن التِّين عن الداوودي: أنَّ الطَّواف الذي طافَه النبيُّ ◌َِّ حِينَ قَدِمَ مَّة
من فروض الحج، ولا يكون إلَّا وبعدَه السعي. ثمَّ ذكر ما يَتعلَّق بالمتَمتِّع.
قال ابن التِّين: وقوله: ((من فروض الحج)) ليس بصحيح، لأَنَّه كان مُفرِداً، والمفرِد لا
يجب عليه طواف القُدوم لقُدومِه، وليس طواف القدوم للحَجّ، ولا هو فرض من
فروضه، وهو كما قال.
٧١ - باب من صلّ ركعتي الطّواف خارجاً من المسجد
وصَلَّى عمرُ ﴾ خارجاً من الحَرَمِ.
١٦٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الرحمن، عن عُرْوةَ،
عن زينبَ، عن أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: شَكَوْتُ إلى رسولِ الله ◌ِله.
وحدَّثني محمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا أبو مروانَ يحيى بنُ أبي زكريّا الغسَّانيُّ، عن هشامِ، عن
عُرْوةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَّهِ: أنَّ رسولَ الله وَّرَ قال وهو بمكَّةَ، وأرادَ
الخروجَ، ولم تكن أُمُّ سَلَمَةَ طافَت بالبيتِ، وأرادَتِ الخروجَ، فقال لها رسولُ اللهِوَلِ: ((إذا أُقِيمَت
صلاةُ الصُّبحِ فِطُوفي على بعيرِكِ والناسُ يُصلُّونَ) ففَعَلَت ذلك، فلم تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ.
قوله: ((باب مَن صلَّى رَكْعَتَي الطَّواف خارجاً من المسجد)) هذه الترجمة معقُودة لبيان
إجزاءٍ صلاة ركعتَي الطَّواف في أيّ موضع أراد الطائف، وإن كان ذلك خَلْفَ المقام
أفضل، وهو مُتَّفَق عليه إلَّا في الكعبة أو الحِجْر، ولذلك عَقَّبَها بترجمة ((مَن صلَّى ركعتَي
الطَّواف خَلْف المقام)».
قوله: ((وصلَّى عُمَر خارجاً من الحَرَم)) سيأتي شرحُه في الباب الذي يلي البابَ بعده.
قوله: ((عن أُمّ سَلَمةَ قالت: شَكَوْت إلى رسول الله وَّه. وحدَّثني محمَّد بن حَرْب ... )) إلى
آخره، هكذا عَطَف هذه على التي قبلَها، وساقه هنا على لفظ الرواية الثانية، وتجوَّزَ في
ذلك، فإنَّ اللفظَينِ مُخُتِلِفان، وقد تقدَّم لفظ الرواية الأولى في ((باب طواف النِّساء مع
الرجال)» (١٦١٩) ويأتي بعد بابينِ أيضاً (١٦٣٣).

٤٤٩
باب ٧١ / ح ١٦٢٦
كتاب الحج
قوله: ((يحيى بن أبي زكريّا الغسَّاني)) هو يحيى بن يحيى، اشتَهرَ باسمه واشتَهرَ أبوه
بِكُنْيَتِه، والغَسَّاني - كالجادّة، بغَينٍ معجمة وسين مُهمَلة مشدودة -: نسبة إلى بني غَسَّان،
قال أبو عليّ الجَيَّاني: وقع لأبي الحسن القابِسي في هذا الإسناد تصحيفٌ في نَسَبِ يحيى،
فضَبَطَه بعَينٍ مُهمَلة ثمَّ شین معجمة.
وقال ابن القِّين: قيل: هو العُشَاني، بعَينِ مُهمَلة ثمَّ معجمة خفيفة: نسبة إلى بني عُشَانة،
وقيل: هو بالهاء يعني: بلا نون، نسبة إلى بني عُشَاة.
قلت: وكلّ ذلك تصحيف، والأول هو المعتمَد. قال ابن قُرْقُول: رواه القابِسي بمُهمَلةٍ
ثمّ معجمة خفيفة، وهو وهمٌ.
قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة.
قوله: ((عن عُرْوة عن أُمّ سَلَمة)) كذا للأكثر، ووقع للأَصِيلي: ((عن عُرْوة عن زينب بنت
أبي سَلَمَةَ عن أُمَ سَلَمة))، وقوله: ((عن زينب)) زيادة في هذه الطَّريق، فقد أخرجه أبو عليّ
ابن السَّكَن عن عليّ بن عبد الله بن مُبشّر عن محمد بن حَرْب شيخ البخاري فیه، لیس فیه
زينب، وقال الدارَقُطني في ((كتاب التُّع))(١) في / طريق يحيى بن أبي زكريًّا هذه: هذا ٤٨٧/٣
مُنقَطِع، فقد رواه حفصُ بن غِيَاث عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن زينب بنت أبي سَلَمَةَ
عن أُمّها أُمَ سَلَمَةَ، ولم يسمعه عُرْوة من أُمّ سَلَمةَ. انتهى.
ويحتمل أن يكون ذلك حديثاً آخر، فإنَّ حديثها هذا في طواف الوداع كما بيَّنَاه قبلَ
قليل، وأمَّا هذه الرواية فذكرها الأثرَم قال: قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -:
حدَّثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب عن أُمّ سَلَمةَ: أنَّ رسول الله وَ لِ أَمَرَها أن
تُوافِيه يوم النَّحر بمكّة. قال أبو عبد الله: هذا خطأ، فقد قال وكيع عن هشام عن أبيه: إنَّ
النبيِ وَّ أَمَرَها أن تُوافِيَه صلاةَ الصبح يومَ النَّحر بمَّة(٢). قال: وهذا أيضاً عجيب، ما
(١) صفحة ٣٦٠.
(٢) انظر ما أخرجه أحمد في «مسنده)» (٢٦٤٩٢).

٤٥٠
باب ٧١ / ح ١٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
يفعل النبي وَّ يوم النَّحر بمكَّة؟ وقد سألتُ يحيى بن سعيد - يعني: القَطّان - عن هذا،
فحدَّثني به عن هشام بلفظ: ((أمَرَها أن تُوافي)) ليس فيه هاء. قال أحمد: وبينَ هذينٍ فَرْقٌ،
فإذا عُرِفَ ذلك تَبيَّن التَّغايُر بين القِصَّتَين، فإنَّ إحداهما صلاةُ الصبح يوم النَّحر،
والأُخرى صلاة صُبح يوم الرَّحيل من مكَّة.
وقد أخرج الإسماعيلي حديث الباب من طريق حسان بن إبراهيم وعليّ بن هاشم
ومُحَاضِر بن الموَرِّع وعَبْدة بن سليمان، وهو عند النَّسائي أيضاً (٢٩٢٦) من طريق عَبْدة،
كلّهم عن هشام عن أبيه عن أُمّ سَلَمَةَ، وهذا هو المحفوظ، وسماع عُرْوة من أُمّ سَلَمةَ مُمكِن،
فإنَّه أدرَك من حياتها نَيِّقاً وثلاثين سنة وهو معها في بلد واحد، وقد تقدَّم الكلام على حديث
أُمّ سَلَمَةَ في ((باب طواف النِّساء مع الرجال)) (١٦١٩)، وموضع الحاجة منه هنا قوله في
آخره: «فلم تُصلِّ حتَّى خرجت)) أي: من المسجد أو من مكَّة، فدَلَّ على جواز صلاة
الطَّواف خارجاً من المسجد، إذ لو كان ذلك شرطاً لازماً لمَا أقرَّها النبي ◌َّ على ذلك.
وفي رواية حسان عند الإسماعيلي: ((إذا قامت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء
الناس وهم يُصلّون. قالت: ففَعَلتُ ذلك، ولم أُصَلِّ حتَّى خَرَجتُ)) أي: فصَلَّيت، وبهذا
يَنطَبِقِ الحديث مع الترجمة.
وفيه ردٌّ على من قال: يحتمل أن تكون أكمَلَت طوافها قبلَ فراغ صلاة الصبح، ثمَّ
أدرَكَتهم في الصلاة فصَلَّت معهم صلاة الصبح، ورأت أنَّا تُجزِئها عن ركعتَي الطَّواف.
وإنَّما لم يَبُتّ البخاري الحُكْم في هذه المسألة لاحتمال كون ذلك يَخْتَصّ بمن كان له
عُذر، لكَونِ أُمّ سَلَمَةَ كانت شاكية، ولِكَونِ عمر إنَّما فعل ذلك لكَونِهِ طافَ بعدَ الصبح،
وكان لا يَرى التنفُّل بعده مُطلَقاً حتَّى تَطلُع الشَّمس، كما سيأتي واضحاً بعدَ باب.
واستُدِلَّ به على أنَّ مَن نسى ركعتَي الطَّواف قضاهما حيثُ ذكرهما من حِلٍّ أو حَرَمِ،
وهو قول الجمهور، وعن الثَّوري: يَركَعهما حيثُ شاءَ ما لم يخرج من الحَرَم، وعن مالك:
إن لم يَرَكَعهما حتَّى تَبَاعَدَ ورَجَعَ إلى بلده فعلیه دَم.

٤٥١
باب ٧٢ -٧٣ / ح ١٦٢٧ -١٦٢٨
كتاب الحج
قال ابن المنذر: ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة، وليس على مَن تَرَكَها غير قضائها
حیثُ ذکرها.
٧٢ - باب من صلّى ركعتي الطّواف خلف المقام
١٦٢٧ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله
عنهما يقول: قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ، فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصَلَى خَلْفَ المقام رَكْعَتَينِ، ثمَّ خَرَجَ إلى
الصَّفا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١].
قوله: ((باب مَن صلَّى رَكْعَتَي الطَّواف خَلْف المقام)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر الماضي قبلَ
بابين (١٦٢٣)، وسيأتي الكلام عليه في أبواب العمرة، وهو ظاهر فيما ترجم له.
وفي حديث جابر الطّويل في صفة حَجَّة الوداعِ عند مسلم (١٢١٨): طافَ ثمَّ تَلا
﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلَّ عند المقام ركعتَين، قال ابن المنذر:
احتَمَلَت قراءته أن تكون/ صلاة الركعتَينِ خلف المقام فرضاً، لكن أجمع أهل العلم على ٤٨٨/٣
أنَّ الطائف تُجزِئه ركعتا الطَّواف حيثُ شاء، إلَّ شيئاً ذُكِرَ عن مالك في أنَّ مَن صلَّى ركعتَي
الطَّواف الواجب في الحِجْر يُعيد، وقد تقدَّم الكلام على ما يَتعلَّق بذلك مُستوفَّى في أوائل
كتاب الصلاة (٣٩٥) في ((باب قول الله تعالى: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾)).
٧٣ - باب الطّواف بعد الصّبح والعصر
وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يُصلِّ رَكْعَتَي الطَّواف ما لم تَطْلُعِ الشَّمس.
وطافَ عمرُ بعدَ الصُّبحِ، فَرَكِبَ حتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَينِ بذي طُوَّى.
١٦٢٨ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عمرَ البَصْرِيُّ، حذَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن حبيبٍ، عن عطاءٍ،
عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ ناساً طافُوا بالبيتِ بعدَ صلاةِ الصُّبِحِ، ثمَّ فَعَدُوا إلى
المذكِّرِ، حَتَّى إذا طَلَعَتِ الشَّمسُ قامُوا يُصلُّونَ، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: قَعَدُوا، حتَّى إذا
كانتِ الساعةُ التي تُكْرَه فيها الصلاةُ قامُوا يُصلُّونَ.

٤٥٢
باب ٧٣ / ح ١٦٢٨ - ١٦٣١
فتح الباري بشرح البخاري
١٦٢٩ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبَةَ، عن نافعِ: أنَّ
عبد الله ﴾ قال: سمعتُ النبيَّ وَ يَنْهَى عن الصلاةِ عندَ طُلُوعِ الشَّمسِ وعندَ غُرُوبِهِا.
١٦٣٠ - حدَّثني الحسنُ بنُ محمَّدٍ، هو الزَّعْفَرانيُّ، حذَّثنا عُبَيدةُ بنُ مُميدٍ، حدَّثني عبدُ العزيزِ
ابنُ رُفَيع، قال: رأيتُ عبد الله بنَ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما يَطُوفُ بعدَ الفَجْرِ ويُصلِّ رَكْعتَينِ.
١٦٣١ - قال عبدُ العزيز: ورأيتُ عبدَ الله بنَ الزُّبَيرِ يُصلِّ رَكْعتَينِ بعدَ العصرِ، ويُخْبِرُ أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها حدَّثْه: أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يَدخُل بيتَها إلا صلاهما.
قوله: ((باب الطَّواف بعدَ الصُّبح والعصر)) أي: ما حُكم صلاة الطَّواف حينئذٍ؟ وقد
ذكر فيه آثاراً مُختلفة، ويظهر من صَنِيعه أنَّه يختار فيه التوسِعة، وكأنَّه أشارَ إلى ما رواه
الشافعي (١ / ١٧٤) وأصحاب السُّنَن(١) وصَحَّحَه التِّرمِذي وابن خُزَيمةَ (١٢٨٠ و٢٧٤٧)
وغيرهما(٢) من حديث جُبَير بن مُطعِمٍ: أَنَّ رسول اللهِ لَه قال: ((يا بني عبد مَناف، مَن وليَ
منكم من أمر الناس شيئاً، فلا يمنعَنَّ أحداً طافَ بهذا البيت وصلَّى أيَّ ساعة شاءَ من ليل
أو نهار)) وإنَّما لم يُخْرِّجه لأنَّه ليس على شرطه، وقد أورَدَ المصنّف أحاديث تَتَعلَّق بصلاة
الطَّواف، ووجه تعلُّقها بالترجمة إمّا من جهة أنَّ الطَّواف صلاة، فحُكمهما واحد، أو من
جهة أنَّ الطَّواف مُستَلِزِم للصلاة التي تُشرَع بعده وهو أظهَر، وأشارَ به إلى الخلاف
المشهور في المسألة.
قال ابن عبد البَرِّ: كَرهَ الثَّوري والكوفيونَ الطَّواف بعد العصر والصبح، قالوا: فإن
فعل فليُؤخِّر الصلاة، ولعلَّ هذا عند بعض الكوفيين، وإلَّا فالمشهور عند الحنفيَّة أنَّ
الطَّواف لا يُكَرَه، وإنَّما تُكرَه الصلاة.
قال ابن المنذر: رَخَّصَ في الصلاة بعدَ الطَّواف في كلّ وقت جمهورُ الصحابة ومَن
بعدهم، ومنهم مَن كَرهَ ذلك أخذاً بعُموم النَّهي عن الصلاة بعدَ الصبح وبعد العصر،
(١) أخرجه أبو داود (١٨٩٤)، وابن ماجه (١٢٥٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥) و(٢٩٢٤).
(٢) کابن حبان برقم (١٥٥٢)، والحاكم ٤٤٨/١.

٤٥٣
باب ٧٣ / ح ١٦٢٨ -١٦٣١
كتاب الحج
وهو قول عمر والثَّوري وطائفة، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة، وقال أبو الزُّبَير: / رأيت ٤٨٩/٣
البيت يخلُو بعدَ هاتين الصلاتينِ ما یطوف به أحد.
وروى أحمد (١٥٢٣٢) بإسناد حسن(١) عن أبي الزُّبَير عن جابر قال: كنَّا نَطُوف فَتَمسَح
الرُّكن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نَطُوف بعدَ الصبح حتَّى تَطلُعِ الشَّمس، ولا بعدَ العصر حتَّى
تَغْرُب الشَّمس. قال: وسمعتُ رسول الله وَ لّم يقول: «تَطلُع الشَّمس بين قَرنَي شيطان)».
قوله: ((وكان ابن عُمَر رضي الله عنهما يُصلِّ رَكْعَتَي الطَّواف ما لم تَطْلُع الشَّمس)) وَصَلَه
سعيد بن منصور من طريق عطاء: أنَهم صَلَّوا الصبح بغَلَس، وطافَ ابن عمر بعدّ الصبح
سبعاً، ثمَّ التَفَتَ إلى أُفُق السماء، فرأى أنَّ عليه غَلَساً، قال: فَاتَّبَعته حتَّى أنظُر أيّ شيءٍ
يصنع، فصلَّى ركعتين. قال: وحدَّثنا داودُ العَطّار عن عَمْرو بن دينار: رأيت ابن عمر طافَ
سبعاً بعدَ الفجر، وصلَّ ركعتَينِ وراء المقام. هذا إسناد صحيح، وهذا جارٍ على مذهب
ابن عمر في اختصاص الكراهة بحال طُلُوع الشَّمس وحال غُروبها، وقد تقدَّم ذلك عنه
صريحاً في أبواب المواقيت (٥٨٣/٥٨٢)، وروى الطَّحاوي (١٨٨/٢) من طريق مجاهد
قال: كان ابن عمر يطوف بعدَ العصر، ويُصلِّ ما كانت الشَّمس بيضاء حَيَّةً نَقيَّة، فإذا
اصفَرَّت وتَغَيَّرت طافَ طوافً واحداً حتَّى يُصلِّيّ المغرِب، ثمّ يُصلِّي ركعتَين، وفي الصبح
نحو ذلك.
وقد جاء عن ابن عمر: أنَّه كان لا يطوف بعد هاتين الصلاتين، قال سعيد بن أبي
عَرُوبة في ((المناسك)): عن أيوب عن نافع: أنَّ ابن عمر كان لا يطوف بعدَ صلاة العصر
ولا بعد صلاة الصبح. وأخرجه ابن المنذر من طريق حَمَّد عن أيوب أيضاً، ومن طريق
أُخرى عن نافع: كان ابنُ عمر إذا طافَ بعدَ الصبح لا يُصلِّ حَتَّى تَطلُع الشَّمس، وإذا
طافَ بعدَ العصر لا يُصلِّ حتَّى تَغْرُبِ الشَّمس. ويُجمَع بين ما اختُلِفَ عنه في ذلك بأنَّه
كان في الأغلَب يفعل ذلك، والذي يُعتَمَد من رأيه عليه التفصيل السابق.
(١) فيه عبد الله بن لهيعة، سيِّئ الحفظ، وكان قد اختلط، لكن للمرفوع منه شواهد تصححه، وانظر تمام
الكلام علیه في «المسند».

٤٥٤
باب ٧٣ / ح ١٦٢٨ - ١٦٣١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وطافَ عُمَر بعدَ الصُّبحِ فَرَكِبَ حتَّى صَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بذي طُوَّى)) وَصَلَه مالك
(٣٦٨/١) عن الزُّهْري عن حُميد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عبدِ القارِيّ عن
عمر، به.
وروى الأثرَم عن أحمد عن سفيان عن الزُّهْري مثله، إلّا أنَّه قال: ((عن عُرْوة)) بدلَ:
مُميد، قال أحمد: أخطأ فيه سفيان، قال الأثرم: وقد حدَّثني به نوح بن يزيد من أصله عن
إبراهيم بن سعد عن صالح بن کیسان عن الزُّهْري، کما قال سفیان، انتھی.
وقد رُوّيناه بعُلوّ في ((أمالي ابن مَندَه)) من طريق سفيان، ولفظه: أنَّ عمر طافَ بعدَ
الصبح سبعاً ثمَّ خرج إلى المدينة، فلمَّا كان بذي طُوَى وطَلَعَت الشَّمس صلَّى ركعتين.
قوله: ((عن حبيب)) هو المعلِّم، كما جَزَمَ به المِّي في ((الأطراف))، وقد ضاق على
الإسماعيلي وأبي نُعَيم مَخَرَجه، فتَرَكَه الإسماعيلي، وأخرجه أبو نُعَيم من طريق البخاري هذه.
والحسن بن عمر البصري شيخه جَزَمَ المِزّي بأنَّه الحسن بن عمر بن شَقِيق، وهو
من أهل البصرة، وكان يَتَّجِر إلى بَلْخ؛ فكان يقال له: البَلْخي، وسيأتي له ذِكر في
کتاب اللباس.
قوله: ((ثُمَّ قَعَدُوا إلى المذكِّرِ)) بالمعجَمة وتشديد الكاف، أي: الواعظ، وضَبَطَه ابن الأثير
في ((النِّهاية)) بالتخفيفِ بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه، قال: وأرادت موضع الذِّكْر، إمّا
الحِجْر، وإمّا الحَجَر.
قوله: ((الساعة التي تُكْرَه فيها الصلاة)) أي: التي عند طلوع الشَّمس، وكأنَّ المذكورِينَ
كانوا يَتَحرَّونَ ذلك الوقت، فأخَّروا الصلاة إليه قَصْداً، فلذلك أنكَرَت عليهم عائشة هذا
إن كانت تَرى أنَّ الطَّواف سببٌ لا تُكرَه مع وجوده الصلاةُ في الأوقات المنهية، ويحتمل
أنَّها كانت تَحمِل النَّهي على عُمُومه، ويدلّ لذلك ما رواه ابن أبي شَيْبة (١) عن محمد بن
فُضَيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة أنَّها قالت: إذا أردتَ الطَّواف بالبيت بعدَ صلاة
(١) برقم (١٣٤٠٩) بتحقيق حمد الجمعة ومحمد اللحيدان.

٤٥٥
باب ٧٤ / ح ١٦٣٢ - ١٦٣٣
كتاب الحج
الفجر أو العصر فطُف، وأخِر الصلاةَ حتَّى تَغِيبَ الشَّمس أو حتَّى تَطلُع، فصَلِّ لكلِّ
أُسبوع ر کعتین. وهذا إسناد حسن.
قوله: ((قال عبد العزيز)) يعني بالإسناد المذكور، وليس بمُعلَّق، وكأنَّ عبد الله بن الزُّبَير
استَنبَطَ جواز الصلاة بعدَ الصبح من جواز الصلاة بعدَ/ العصر، فكان يفعل ذلك بناء على ٤٩٠/٣
اعتقاده أنَّ ذلك على عُمُومه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك مبسوطاً في أواخر المواقيت قُبَيل
الأذان (٥٩٠)، وبيَّنَا هناك أنَّ عائشة أخبَرَت أنَّه وَّهِ لم يَترُّكهما، وأنَّ ذلك من خصائصه،
أعني المواظَبة على ما يفعله من النَّوافل، لا صلاة الرّاتبة في وقت الكراهة، فأغنى ذلك عن
إعادته هنا، والذي يظهر أنَّ ركعتَي الطَّواف تَلْتَحِقِ بالرَّواتب، والله أعلم.
٧٤ - باب المريض يطوف راكباً
١٦٣٢ - حدَّثني إسحاقُ الواسطيُّ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَِّ طافَ بالبيتٍ وهو على بعيرٍ، كلَّما أتى على الرُّكْنِ
أشار إليه بشيءٍ في يَدِه و كبّرَ.
١٦٣٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُّ مَسلَمةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ نَوْفَلٍ، عن
عُزْوةَ، عن زينبَ ابنةٍ أُمّ سَلَمَةَ، عن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ الله وَه
أنّي أشتكي، فقال: ((طُوفي من وَرَاء الناس وأنتِ راكِبَةٌ)) فطُفْتُ ورسولُ اللهِ وَلَهَ يُصلِّ إلى
جَنْبِ البيتِ، وهو يَقْرأُ ب ﴿وَاَلْطُورِ ن وَكَتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١- ٢].
قوله: ((باب المريض يَطُوف راكِياً) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس وحديث أُمّ سَلَمة،
والثاني ظاهر فيما ترجم له؛ لقولها فيه: ((أنّ أشتكي)) وقد تقدَّم الكلام عليهما في (باب
إدخال البعير المسجد للعِلّة)) (٤٦٤) في أواخر أبواب المساجد، وأنَّ المصنّف حمل سببَ
طوافه و﴿ ﴿ راكباً على أنَّه كان عن شكوى، وأشارَ بذلك إلى ما أخرجه أبو داود (١٨٨١)
من حديث ابن عبّاس أيضاً بلفظ: قَدِمَ النبيِ وَلِّمِكَّةَ وهو يشتكي، فطافَ على راحلته (١).
(١) وإسناده ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم، وهو ضعيف، فسقط الاحتجاج به، ويبقى
الاحتجاج قائماً بحديث جابر فقط.

٤٥٦
باب ٧٥ / ح ١٦٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في حديث جابر عند مسلم (١٢١٨): أنَّ النبي ◌َ لِّ طافَ راكباً ليراه الناس
وليسألوه.
فيحتمل أن يكون فَعَل ذلك للأمرين، وحينئذٍ لا دلالة فيه على جواز الطَّواف راكباً
لغير عُذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلَّا أنَّ المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهاً،
والذي يَترجَّح المنع؛ لأنَّ طوافه ◌َّه وكذا أُمّ سَلَمَةَ كان قبلَ أن يُحُوَّط المسجد.
ووقع في حديث أُمّ سَلَمةَ: ((طوفي من وراء الناس))(١)، وهذا يقتضي مَنْعَ الطَّواف في
المطاف، وإذا حُوِّطَ المسجد امتَنَعَ داخلَه، إذ لا يُؤمَن التَّلويث، فلا يجوز بعدَ التحويط،
بخلاف ما قبله فإنَّه كان لا يَجِرُم التَّلويث كما في المسعى، وعلى هذا فلا فرق في الركوب -
إذا ساغَ - بين البعير والفَرَس والحِمار، وأمَّا طواف النبي ◌َّ راكباً، فللحاجة إلى أخذ
المناسك عنه، ولذلك عَدَّه بعض مَن جمع خصائصه فيها، واحتَمَلَ أيضاً أن تكون راحلته
عُصِمَت من التَّلويث حينئذٍ كَرامةً له، فلا يُقاس غيره عليه، وأبعَدَ مَن استَدَلَّ به على
طهارة بول البعیر وبَعْره.
وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس قبلَ أبواب (١٦٠٧)، وزاد أبو داود (١٨٨١) في آخر
حديثه: فلمَّا فرَغَ من طوافه أناخَ فصلَّى ركعتَين.
واستُدِلَّ به للتكبير عند الرُّكن، وتقدَّم الكلام على حديث أُمّ سَلَمةَ أيضاً (١٦١٩).
تنبيه: خالد هو الطَّحّان، وخالد شيخه: هو الحَذّاء.
٧٥ - باب سقاية الحاجّ
٤٩١/٣
١٦٣٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: استَأْذَنَ العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ ﴾ رسولَ اللهِ وَ أَن يَبِيتَ
بمكَّةَ لیاليَ مِنّی من أجْلِ سِقائَتِهِ، فأذِنَ لَه.
[أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥]
(١) سلف برقم (١٦١٩).

٤٥٧
باب ٧٥ / ح ١٦٣٤ - ١٦٣٥
كتاب الحج
١٦٣٥ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوَّه جاء إلى السِّقايةِ، فاستَسْقَى، فقال العبَّاسُ: يا فضلُ، اذهَب
إلى أُمُّكَ فأتِ رسولَ الله وَّرَ بِشَرابٍ من عندِها، فقال: ((اسِقِني))، قال: يا رسولَ الله، إِنَّم
يَجْعَلُونَ أيدِيَهم فيه، قال: ((اسِقِنِي))، فشَرِبَ منه، ثمَّ أتى زَمْزَمَ وهم يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فيها،
فقال: ((اعمَلُوا فَإِنَّكم على عملٍ صالح)) ثمَّ قال: ((لولا أن تُغلَبُوا لَنزَلْتُ حتَّى أَضَعَ الحبلَ على
هذه) يعني: عاتِقَه، وأشارَ إلى عاتِقِهِ.
قوله: ((باب سقاية الحاجّ)): قال الفاكهي: حدَّثنا أحمد بن محمد حدَّثنا الحسن بن محمد
ابن عُبَيد الله حدَّثنا ابن جُرَيج عن عطاء قال: سِقاية الحاجّ زَمَزَم.
وقال الأزرقي (١/ ١١٠-١١٤): كان عبد مناف يَحِمِل الماء في الرَّوايا والقِرَب إلى مكَّة
ويَسكُبه في حِياضٍ من أدَمِ يفِناء الكعبة للحُجّاج، ثمَّ فعَلَه ابنُه هاشمٌ بعده، ثمَّ عبدُ
المطَّلِب؛ فلمَّا حَفرَ زَمَزَم، كان يشتري الَّبيب فيَنِذُه في ماء زَمَزَم ويسقي الناس.
قال ابن إسحاق: لمَّ ولي قُصَّ بن كِلاب أمر الكعبة كان إليه الحِجابةُ والسِّقاية
واللّواء والرِّفادة ودار النَّدوة، ثمَّ تصالَحَ بَنُوه على أنَّ لعبد مَناف السِّقايةَ والرِّفادة، والبقيَّةُ
للآخرين(١). ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم وزاد: ثمَّ ولي السِّقاية من بعد عبد المطَّلِّب ولده العبّاس
- وهو يومَئذٍ من أحدَث إخوَته سِنّاً - فلم تَزَل بيدِه حتَّى قام الإسلام وهي بيده، فأقرَّها
رسول الله وَ يم معه، فهي اليوم إلى بني العبَّاس.
وروى الفاكهي من طريق الشَّعْبي قال: تكلَّم العبّاس وعليٍّ وشَيْبةُ بن عثمان في السِّقاية
والحِجابة، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجِ﴾ الآية [التوبة: ١٩] إلى قوله: ﴿حَتَّ
يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِ﴾ [التوبة: ٢٤] قال: حتَّى تُفْتَح مكَّة.
ومن طريق ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبّاس: أنَّ العبّاس لمَّا مات أراد عليّ أن يأخُذ
السِّقاية، فقال له طلحة: أشهَدُ لرأيت أباه يقوم عليها، وإنَّ أباك أبا طالب لنازل في إبله
بالأراك بعَرَفة. قال: فَكَفَّ عليٌّ عن السِّقاية.
(١) تحرف في (س) إلى: للأخوين.

٤٥٨
باب ٧٥ / ح ١٦٣٤ - ١٦٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
ومن طريق ابن جُرَيج قال: قال العبّاس: يا رسول الله، لو جمعتَ لنا الحِجابة
والسِّقاية، فقال: ((إنَّما أعطَيتُكم ما تُرِزَؤُونَ ولم أُعطِكم ما تَرِزُؤُونَ»، الأول بضم أوله
وسكون الراء وفتح الزّاي، والثاني بفتح أوله وضم الزّاي، أي: أعطَيتُكم ما يَنقُصكم لا ما
تَنْقُصونَ به الناس.
وروى الطبراني (٦٦٢١) والفاكهي حديث السائب المخزومي، أنَّه كان يقول: اشربوا
من سِقاية العبَّاس، فإنَّه من السُّنّة.
ثمَّ ذکر البخاري في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث ابن عمر في الإذن للعبّاس أن يَبِيتَ بمكَّة ليالي مِنِّى، وسيأتي الكلام
عليه في أواخر صفة الحج (١٧٤٢).
ثانيهما: حديث ابن عبّاس في قصَّة شُربِه بَّه من شراب السِّقاية.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو الواسطي، وقد مضى هذا الإسناد بعَينِه في أول الباب الذي قبله.
قوله: ((فاستَسْقى)) أي: طلبَ الشُّرب. والفضل: هو ابن العبَّاس أخو عبد الله، وأُمّه
هي أُمّ الفضل لُبابةُ بنت الحارث الهلالية، وهي والدة عبد الله أيضاً.
قوله: ((إنَّهم يَجْعَلُونَ أيديهم فيه)) في رواية الطبراني من طريق يزيد بن أبي زياد عن
عِكْرمة في هذا الحديث: أنَّ العبَّاس قال له: إنَّ هذا قد مَرِث، أفَلا أسقيك من بيوتنا؟ قال:
((لا، ولكن اسقِنِي مَمَّا يَشْرَب منه الناس))(١).
قوله: ((قال: اسِقِني)) زاد أبو عليّ بن السَّكَن في روايته: فناوَله العبّاس الدَّلو.
قوله: ((فَشَرِبَ منه)) في رواية يزيد المذكورة: «فأُتي به فذاقه فقَطَّب، ثمَّ دَعَا بماءٍ فَكَسَرَه.
قال: وتقطيبه إنَّما كان لحُموضَتِهِ، وكَسَرَه بالماء ليَهُونَ عليه شُرْبه)) وعُرِفَ بهذا جنسُ
المطلوب شُربُه إذ ذاك.
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) بنحوه برقم (١٨٤١)، وانظره فيه.

٤٥٩
باب ٧٥ / ح ١٦٣٤ -١٦٣٥
كتاب الحج
وقد أخرج مسلم (١٣١٦) من طريق بكر بن عبد الله المُزَني قال: كنت جالساً مع ابن ٤٩٢/٣
عبَّاس، فقال: قَدِمَ رسول الله وَّهِ وَخَلْفَهِ أُسامة، فاستَسقَى، فأتيناه بإناءٍ من نَبِيذٍ فَشَرِبَ
وسَقَى فضلَه ◌ُسامةَ، وقال: ((أحسنتُم، كذا فاصنعوا)).
قوله: (لولا أن تُغلَبُوا)»: بضم أوله على البناء للمجهول، قال الداوودي: أي: إنَّكم لا
تتركوني أستَقي، ولا أُحِبّ أن أفعَل بكم ما تكرَهونَ فتُغلَبوا. كذا قال، وقال غيره: معناه:
لولا أن تَقَع لگُم الغلبة بأن يجب علیکم ذلك بسببٍ فِعْلي. وقيل: معناه: لولا أن يُغلِبگُم
الوُلاة عليها حرصاً على حِيازَة هذه المكرمة.
والذي يظهر أنَّ معناه: لولا أن تَغْلِيكُم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عَمِلتُه،
لِرَغْبَتِهم في الاقتداء بي، فيَغلِوكم بالمكاثَرَة لَفَعَلت. ويؤيِّد هذا ما أخرج مسلم من حديث
جابر (١٢١٨): أتى النَّبِيُّ وَلَهبني عبد المطَّلِّب وهم يَسقونَ على زَمزَم فقال: ((انِزِعُوا بني
عبد المطَّلِّب، فلولا أن تَغْلِكُم الناس على ◌ِقايَتكم لَنَزَعتُ معكم)).
واستُدِلَّ بهذا على أنَّ سقاية الحاجّ خاصَّة ببني العبّاس، وأمَّا الرُّخصة في المبيت، ففيها
أقوالٌ للعلماء هي أوجُهُ للشافعية، أصحّها: لا يختَصّ بهم ولا بسقايتهم.
واستَدَلَّ به الخطَّابي على أنَّ أفعاله للوجوب، وفيه نظرٌ. وقال ابن بَزيزة: أراد بقوله:
((لولا أن تُغلَبوا)) قَصْرَ السِّقاية عليهم، وأن لا يُشاركوا فيها.
واستُدِلَّ به على أنَّ الذي أُرصِدَ للمَصالح العامّة لا يَحَرُم على النبيِ نَّ ولا على آلِهِ
تَنَاؤُلُه، لأَنَّ العبّاس أرصَدَ سِقاية زَمَزَم لذلك، وقد شَرِبَ منها النبي ◌ِّ.
قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): يُحمَل الأمر في مثل هذا على أنَّهَا مُرصَدة للنَّفْع العامّ،
فتكون للغَني في معنى الهديَّة، وللفقير صدقة.
وفيه أنَّه لا يُكرَه طلب السقي من الغير، ولا ردُّ ما يُعرَض على المرء من الإكرام إذا
عارَضَته مَصلَحة أولى منه، لأنَّ رَدَّه لمَّا عَرَضَ عليه العبّاس ممّا يُؤتَى به من بيتِه (١) لمصلحة
التواضُع التي ظَهَرَت من شُربِهِ ممَّا يَشَرَب منه الناس.
(١) تحرفت في (س) إلى: نبيذ.

٤٦٠
باب ٧٦ / ح ١٦٣٦ - ١٦٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه الترغيب في سقي الماء خُصوصاً ماء زَمَزَم. وفيه تَوَاضُع النبي ◌َّهِ، وحِرصُ
أصحابه على الاقتداء به، وكراهةُ التَّقَذُّر والتَّكَرُّه للمأكولات والمشروبات. قال ابن المنيِّر
في ((الحاشية)): وفيه أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة لتناوُلِهِ وَّهِ من الشَّراب الذي غُمِسَت
فيه الأيدي.
٤٩٣/٣
٧٦ - باب ما جاء في زمزم
١٦٣٦ - وقال عبدانُ: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن أنسِ بنِ مالكِ:
كان أبو ذرّ ﴾ يُحدِّث: أنَّ رسولَ اللهِوَهَ، قال: ((فُرِجَ سَقْفي وأنا بمكَّةَ، فنزلَ جِبْرِيلُ عليه
السَّلامِ فَفَرَجَ صَدْري، ثمَّ غَسَلَه بماء زَمْزَم، ثمَّ جاء بطَسْتٍ من ذهبٍ مُتَلِئْ حِكْمةً وإيماناً
فأفرَغَها في صَدْري، ثمَّ أطبَقَه، ثمَّ أخذَ بيدي فعَرَجَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، قال جِبْرِيلُ لخَازِنِ السَّماء
الُّنْيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: جِبْریل)).
١٦٣٧ - حدَّثْنا محمَّدٌ، أخبرنا الفَزَاريُّ، عن عاصم، عن الشَّعْبِيّ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما حدَّثه، قال: سَقَيتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ مِن زَهْزَمَ، فشَرِبَ وهو قائمٌ.
قال عاصمٌ: فحَلَفَ عِکْرمُ ما کان یومَئذٍ إلا على بعيرِ.
[طرفه في: ٥٦١٧]
قوله: ((باب ما جاء في زَمْزَم)) كأنَّه لم يَثْبُت عنده في فضلها حديثٌ على شرطه صريحاً،
وقد وقع في مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذرٍّ: ((أنَّها طعام طُعْم)) زاد الطَّيالسي (٤٥٧) من
الوجه الذي أخرجه منه مسلم: ((وشِفاء سُقْم))، وفي ((المستدرَك)) (١/ ٤٧٣) من حديث
ابن عبّاس مرفوعاً: ((ماء زَمَزَم لمَا شُرِبَ له)) رجاله موَثَّقُونَ(١)، إلَّا أنَّه اختُلِفَ في إرساله
ووَصْله وإرسالُه أصحّ.
وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعي وابن ماجَهْ (٣٠٦٢)
ورجاله ثقات إلَّ عبد الله بن المؤَمَّل المكِّي، فذكر العُقَيلي (٣٠٢/٢) أنَّه تفرَّد به، لكن وَرَدَ
(١) انظر الكلام على هذه الطريق في ((المسند)) تحت الحديث رقم (١٤٨٤٩) في الفقرة السابعة.