Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٤٤ / ح ١٥٨٨ كتاب الحج قوله: ((مَعْكُوفاً: مَحُبُّوسا) كذا وقع هنا، وليست هذه الكلمة في الآية المذكورة: وإنَّما هي في آية الفتح، ولكنَّ مناسبة ذِكْرها هنا قوله في هذه الآية: ﴿اَلْعَكِّفُ﴾ والتفسير المذكور قاله أبو عبيدة في ((المجاز))، والمراد بالعاكف: المقيم. وروى الطَّحاوي (٤/ ٥١) من طريق سفيان عن أبي حُصَين، قال: أردت أن أعتكِف وأنا بمكَّة، فسألت سعيد بن جُبَير، فقال: أنت عاكف، ثمَّ قرأ هذه الآية. قوله: ((عن عليّ بن الحسين عن عَمْرو بن عثمان)) في رواية مسلم (٤٣٩/١٣٥١) عن حَرَمَلة وغيره عن ابن وَهْب: أنَّ عليّ بن الحسين أخبَرَه، أنَّ عَمْرو بن عثمان أخبَرَه. قوله: ((أينَ تَنْزِل، في دارك)) حَذَفَ أداة الاستفهام من قوله: ((في دارك)» بدليلٍ رواية ابن خُزَيمةَ(١) والطَّحاوي (٤٩/٤) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وَهْب بلفظ: ((أتنزِلُ في دارك)) وكذا أخرجه الجَوزَقي من وجه آخر عن أصبَغَ شيخ البخاري فيه، وللمصنّف في المغازي (٤٢٨٢) من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزُّهْري: ((أينَ تَنزِل غداً))؟ فكأنَّه استفهَمَه أولاً عن مكان نزوله، ثمَّ ظَنَّ أنَّه يَنزِل في داره فاستفهَمَه عن ذلك. وظاهر هذه القصَّة أنَّ ذلك كان حينَ أراد دخول مَّة، ويزيده وُضوحاً رواية زَمعةً بن صالح عن الزّهْري / بلفظ: لمَّا كان يوم الفتح قبل أن يَدخُل النبيِ نَّهِ مَّة، قيل: أينَ ٤٥٢/٣ تَنزِل أفي بيوتكم؟ (٢) الحديث، وروى عليّ بن المديني عن سفيان بن عُيَينَةَ عن عَمْرو بن دينار عن محمد بن عليّ بن حسين قال: قيل للنبي وَ ل﴿ حينَ قَدِمَ مَّة: أينَ تَنزِل؟ قال: ((وهل تَرَك لنا عَقيل من ظِلّ))(٣) قال عليّ بن المدِيني: ما أَشُكّ أنَّ محمد بن عليّ بن الحسين أخذَ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة أنَّه وَّه قال ذلك حينَ أراد أن يَنِفِر من مِنى، فيُحمَل على تعدُّد القصّة. (١) في الحج كما في «إتحاف المهرة)) ١/ ٣٠٧. (٢) أخرجه مسلم برقم (١٣٥١) (٤٤٠)، والدار قطني (٣٠٢٨)، والخطيب في ((المدرج)) ٢/ ٦٩٢. (٣) ومن طريق ابن المديني أخرجه الخطيب في ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ٢/ ٦٩٢. ٣٨٢ باب ٤٤ / ح ١٥٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وهل تَرَكَ عَقيل)) في رواية مسلم (١٣٥١) وغيره(١): ((وهل تَرَك لنا)). قوله: ((من رِبَاع أو دُور)) الرَّباع، جمع رَبْع - بفتح الراء وسكون الموحَّدة - وهو المنزِل المشتَمِل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقوله: ((أو دور)) إمّا للتأكيد أو من شكّ الراوي. وفي رواية محمد بن أبي حفصة (٤٢٨٢): ((من منزل)) وأخرج هذا الحديث الفاكهي (٢٠٩٠) من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره (٢٠٩٥): ويقال: إنَّ الدار التي أشارَ إليها كانت دارَ هاشم بن عبد مَناف، ثمَّ صارت لعبد المطَّلِب ابنه، فقَسمَها بين ولده حين عَمِيَ (٢)، فمن ثَمَّ صار للنبي بَّهَ حَقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلِدَ النبي ◌َّ. قوله: (وكان عَقيل ... )) إلى آخره، مُحصَّل هذا: أنَّ النبيِ وَيَ لمَّا هاجَرَ استَولِى عَقيل وطالب على الدار کلّها باعتبار ما ورِثاه من أبيهما لگونهما كانا لم يُسلِما، وباعتبار تَرك النبي لَحَقِّه منها بالهجرة، وفُقِدَ طالب ببدرٍ فباعَ عَقيل الدار كلّها. وحكى الفاكهي أنَّ الدار لم تَزَل بأولاد عَقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجّاج بمئة ألف دينار، وزاد في روايته من طريق محمد بن أبي حفصة: ((فكان عليّ بن الحسين يقول: من أجل ذلك تَرَكنا نصيبنا من الشِّعب)) أي: حِصّة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب. وقال الداوودي وغيره: كان مَن هاجَرَ من المؤمنین باعَ قریبه الکافر داره، وأمضى النبي وَ يّ تصرّفات الجاهلية تأليفاً لقلوب مَن أسلَمَ منهم، وسيأتي في الجهاد(٣) مزيد بسط في هذه المسألة إن شاء الله تعالی. وقال الخطَّابي: وعندي أنَّ تلك الدار إن كانت قائمة على مِلك عَقيل، فإِنَّا لم يَنْزِلها رسول الله بٍَّ لأنَّهَا دور هَجَروها في الله تعالى فلم يَرجِعوا فيما تَرَكوه. وتُعقِّبَ بأنَّ سياق الحديث يقتضي أنَّ عَقيلاً باعَها، ومفهومه أنَّه لو تَرَكَها لَنزلها. (١) سيأتي عند المصنف برقم (٣٠٥٨) و(٤٢٨٢). (٢) تحرف في (س) إلى: عُمِّر، والمثبت من الأصلين، وهو الصواب، فقد جاء في ((أخبار مكة)) بلفظ: حين ذهب بصره. (٣) بل في المغازي (٤٢٨٥). ٣٨٣ باب ٤٥ / ح ١٥٨٩ - ١٥٩٠ كتاب الحج قوله: ((فكان عُمَر)) في رواية أحمد بن صالح عن ابن وهب عند الإسماعيلي: فمن أجل ذلك كان عمر يقول. وهذا القَدْر الموقوف على عمر قد ثَبَتَ مرفوعاً بهذا الإسناد، وهو عند المصنّف في المغازي (٤٢٨٣) من طريق محمد بن أبي حفصة ومَعمَر عن الزُّهْري، وأخرجه مُفرَداً في الفرائض (٦٧٦٤) من طريق ابن جُرَيج عنه، وسيأتي الكلام عليه مُستولَّى هناك إن شاء الله تعالى. ويَخْتَلِج في خاطري أنَّ القائل: ((وكان عمر ... )) إلى آخره، هو ابن شِهاب، فيكون مُنقَطِعاً عن عمر. قوله: ((قال ابن شِهاب: وكانوا يَتأوَّلُونَ ... )) إلى آخره، أي: كانوا يُفسِّرونَ قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بولاية الميراث، أي: يَتولَّى بعضهم بعضاً في الميراث وغيره. ٤٥- باب نزول النبيِّ ◌َّ﴾ مكّة ١٥٨٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ حِينَ أرادَ قُدُومَ مَّة: ((مَنزِلُنَا غَداً إن شاء الله بخَيفٍ بني كِنانةَ حيثُ تَقاسَمُوا على الگُفْر)). [أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩] ١٥٩٠ - حذَّثنا الحُميديُّ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني الزُّهْرِيُّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: قال النبيُّنَّهِ مِن الغَدِ يومَ النَّحْرِ وهو بمِنَّى: «نحنُ نازِلُونَ غَداً بخَيفٍ بني كِنانةَ حيثُ تَقَاسَمُوا على الكُفْر)) يعني بذلك المحَصَّبَ، وذلك أنَّ قُرَيشاً وكِنانةً تَحَالَفَت على بني هاشم وبني عبد المطَّلِبِ - أو بني المطَّلِبِ - أن لا يُناكِحُوهم ولا يُبابِعُوهم، حتَّى يُسلِمُوا إليهم النبيَّ ◌َّ. وقال سَلَامةُ عن عُقَيلٍ، ويحيى بنُ الضَّحّاكِ عن الأوزاعيِّ: أخبرني ابنُ شِهابٍ، وقالا: بني هاشم وبني المطَّلِبِ. قال أبو عبد الله: بني المطَّلِبِ أشبه. ٣٨٤ باب ٤٥ / ح ١٥٨٩ - ١٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥٣/٣ قوله: ((باب نُزُول النبي ◌َّهِ مَكَّة)) أي: موضع نزوله، ووقع هنا في نسخة الصَّغَاني: ((قال أبو عبد الله: نُسِبَت الدّور إلى عَقيل، وتورَث الدّور وتُباع وتُشتَرَى)). قلت: والمحلّ اللَّائق بهذه الزيادة البابُ الذي قبله لما تقدَّم تقريره، والله أعلم. قوله: ((حينَ أرادَ قُدُوم مَكَّة)) بيَّن في الرواية التي بعدها أنَّ ذلك كان حینَ رجوعه من مِنَّی. قوله: ((إن شاء الله)) هو على سبيل التبُّكِ والامتثال للآية. قوله في الطريق الثانية: ((عن أبي سَلَمة)) في رواية مسلم (٣٤٤/١٣٣٣) عن زهير بن حَرْب عن الوليد بن مسلم بسنده: حدَّثني أبو سَلَمةَ حدَّثنا أبو هريرة. قوله: ((يعني بذلك المحَصَّب)) في رواية المُستَمْلي: ((يعني ذلك)) والأول أصحّ. ويَخْتَلِج في خاطري أنَّ جميع ما بعدَ قوله: ((يعني المحصَّب)) إلى آخر الحديث من قول الزُّهري، أُدرِجَ في الخبر، فقد رواه شعیب کما في هذا الباب، وإبراهيم بن سعد كما سيأتي في السّيرة (٤٢٨٤)، ويونس كما سيأتي في التوحيد (٧٤٧٩)، كلّهم عن ابن شهاب مُقْتَصِرينَ على الموصول منه إلى قوله: ((على الكفر)) ومن ثَمَّ لم يَذكُر مسلم (١٣١٤) في روايته شيئاً من ذلك. قوله: ((وذلك أنَّ قُرَيشاً وكِنانة)) فيه إشعار بأنَّ في ◌ِنانةَ مَن ليس قُرَشيّاً، إذ العطف يقتضي المغايرة، فتَرَجَّحَ القول بأنَّ قُرَيشاً من ولد فِهر بن مالك على القول بأنَهم من ولد كِنانة. نعم لم يُعقِب النَّضرُ غيرَ مالك، ولا مالكٌ غيرَ فِهِر، فقُرَيشٌ ولد النَّضر بن كِنانة، وأمَّا كِنانة فأعقَبَ من غير النَّضر، فلهذا وقعت المغايرة. قوله: ((قَالَفَت على بني هاشم وبني عبد المطَّلِب، أو بني المطَّلِب)) كذا وقع عنده بالشكّ، ووقع عند البيهقي (٥/ ١٦٠) من طريق أُخرى عن الوليد: ((وبني المطَّلِب)) بغير شكّ، فكأنَّ الوَهم منه، فسيأتي على الصواب ويأتي شرحه في أواخر الباب. ٣٨٥ باب ٤٦ كتاب الحج قوله: ((أن لا يُناكِحُوهم ولا يُبابِعُوهم)) في رواية محمد بن مُصعَب عن الأوزاعي عند أحمد (١٠٩٦٩): أن لا يُناکحوهم ولا يُالطوهم، وفي رواية داود بن رُشید عن الوليد عند الإسماعيلي: وأن لا يكون بينهم وبينهم شيء، وهي أعمُّ، وهذا هو المراد بقوله في الحديث: ((علی الکفر)). قوله: ((حتَّى يُسلِمُوا)) بضم أوله، وإسكان المهمَلة وكسر اللَّام. قوله: «وقال سَلَامة عن عُقَيل)) وَصَلَه ابن خُزيمةَ في ((صحيحه)) (٢٤٨٨) من طريقه. قوله: ((ويحيى بن الضَّحّاك عن الأوزاعي)) وقع في رواية أبي ذرِّ وكَرِيمة: ((ويحيى عن الضَّحَاك)» وهو وهمٌّ، وهو يحيى بن عبد الله بن الضَّحّاك، نُسِبَ لجَدِّه البابلُتي بموَخَّدتَينِ وبعدَ اللَّام المضمومة مُثنَّة مُشدَّدة، نزيل حَرّان، وليس له في البخاري إلَّا هذا الموضع، ويقال: إنَّه لم يسمع من الأوزاعي، ويقال: إنَّ الأوزاعي كان زوج أُمّه. وطريقه هذه وَصَلَها أبو عَوَانة في ((صحيحه) والخطيب في ((المدرَج)) (٦٩٦/٢)، وقد تابَعَه على الجزم بقوله: ((بني هاشم وبني المطَّلِب)) محمدُ بن مُصعَب عن الأوزاعي، أخرجه أحمد (١٠٩٦٩) وأبو عَوَانة أيضاً، وسيأتي شرح هذه القصَّة في السّيرة النَّبوية (٤٢٨٤) إن شاء الله تعالى. ٤٥٤/٣ ٤٦- باب قول الله عزّ وجلّ: وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَمِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ، مِنِىٌّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ آ زَبَّنَاً إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧]. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾)) لم يذكُر في هذه الترجمة حديثاً، و کانّه أشار إلى حدیث ابن عبَّاس في قصَّة إسكان إبراهيم لهاجَر وابنها في مكان مكَّة، وسيأتي مبسوطاً في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) إن شاء الله تعالى. ٣٨٦ باب ٤٧ / ح ١٥٩١ - ١٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ووقع في شرح ابن بَطَّال ضمُّ هذا الباب إلى الذي بعده فقال بعدَ قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾: وقول الله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ﴾ ... إلى آخره، ثمَّ قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني. ٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِبَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اُلْحَرَمَ وَالْهَدِىَ وَالْقَلَئِدَّ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ﴾ [المائدة: ٩٧] ١٥٩١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا زيادُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيد ابنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّه قال: ((يُخَرِّبُ الكَعْبةَ ذُو السُّوَيقَتَينِ من الحَبَشةِ». [طرفه في: ١٥٩٦] ١٥٩٢ - حذَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها. وحذَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، قال: أخبرني عبدُ الله - هو ابنُ المبارَكِ - قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أبي حفصةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانوا يَصُومُونَ عاشُوراءَ قبلَ أن يُفْرَضَ رمضانُ، وكان يوماً تُسْتَرُ فيه الكَعْبةُ، فلمَّا فَرَضَ الله رمضانَ قال رسولُ الله وَلَهُ: ((مَن شَاءَ أن يَصُومَه فلْيَصُمْه، ومَن شاءَ أن يَتْرُكَه فلْيَتْرُكْه)). [أطرافه في: ١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤] ١٥٩٣ - حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا إبراهيمُ، عن الحجّاجِ بنِ حَجّاج، عن قَتَادةَ، عن عبدِ الله بنِ أبي عُثْبةَ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ﴾، عن النبيِّ وََّ قال: ((لَيُحَجَّنَّ البيتُ ولَيُعْتَمَرَنَّ بعدَ خُرُوجِ يأُجُوجَ وماجُوجَ)). تابَعَه أبانُ وعِمْرانُ عن قَتَادَةَ. وقال عبدُ الرحمن عن شُعْبَةَ: قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى لا يُحَجَّ البيتُ))، والأوَّلُ أكثُرُ. سمِعَ قَتَادةُ عبدَ الله وعبدُ الله أبا سعيدٍ. ٣٨٧ باب ٤٧ / ح ١٥٩١ - ١٥٩٣ كتاب الحج قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمُ﴾)) كأنَّه يشير إلى أنَّ/ المراد بقوله: ﴿قِيَمًا﴾ أي: قَوَّاماً، وأنَّها ما دامت موجودة ٤٥٥/٣ فالدّین قائم، ولهذه النُّکتة أورد في الباب قصّة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري: أنَّه تلا هذه الآية، فقال: لا يزال الناس على دينٍ ما حَجّوا البيت واستقبلوا القِبلة. وعن عطاء قال: قياماً للناس لو تركوه عاماً لم يُنظَروا أن يُهلكوا. ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أولها: حديث أبي هريرة: ((يُرِّب الكعبة ذو السُّوَيقَتَينِ من الحَبَشة)) وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده. ثانيها: حديث عائشة في صيام عاشوراء قبلَ نزول فرض رمضان، وسيأتي الكلام عليه في باب مُفرَد في آخر كتاب الصيام (٢٠٠١)، والمقصود منه هنا قوله في هذه الطَّريق: وکان يوماً تُستَر فيه الكعبة؛ فإنَّه يفيد أنَّ الجاهلية كانوا يُعَظِّمونَ الكعبة قديماً بالسُّتور، ويقومونَ بها، وعُرِفَ بهذا جواب الإسماعيلي في قوله: ليس في الحديث ممَّا تُرجِمَ به شيء سوى بيان اسم الكعبة المذكورة في الآية. ويُستفاد من الحديث أيضاً معرفة الوقت الذي كانت الكعبة تُكسى فيه من كلّ سنة وهو يوم عاشوراء، وكذا ذكر الواقدي بإسناده عن أبي جعفر الباقر: أنَّ الأمر استَمرَّ على ذلك في زمانهم، وقد تَغَيَّر ذلك بعدُ فصارت تُكسى في يوم النَّحر، وصاروا يَعمِدونَ إليه في ذي القَعْدة فيُعلِّقونَ كِسوَته إلى نحو نصفه، ثمَّ صاروا يقطعونَها فيصير البيت كَهَيئة المحرِم، فإذا حَلَّ الناس يوم النَّحر كَسَوه الكِسْوة الجديدة. تنبيه: قال الإسماعيلي: جمع البخاري بين رواية عُقيل وابن أبي حفصة في المتن، ولیس في رواية عُقَيل ذِكر السِّتر، ثمَّ ساقه بدونه من طريق عُقَيل. وهو كما قال، وعادة البخاري التَّجَوُّز في مثل هذا. ٣٨٨ باب ٤٧ / ح ١٥٩١ - ١٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد رواه الفاكهي من طريق ابن أبي حفصة فصَرَّحَ بسماع الزُّهْري له من عُرْوة. ثالثها: حديث أبي سعيد الخُدري في حجّ البيت بعدَ يأجوج ومأجوج، أورَدَه موصولاً من طريق إبراهيم - وهو ابن طَهْمان - عن الحجاج بن الحجاج - وهو الباهلي البصري - عن قَتَادَةَ عن عبد الله بن أبي عُتْبةَ عنه، وقال بعده: سمع قَتَادةُ عبدَ الله بن أبي عُتبةَ، وعبدُ الله سمع أبا سعيد الخُدري، وغَرَضه بهذا أنَّه لم يقع فيه تدلیس. وهل أراد بهذا أنَّ كلَّا منهما سمع هذا الحديث بخُصوصِه أو في الجملة؟ فيه احتمال، وقد وجدته من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شُعْبة مُصَرَّحاً بسماع قَتَادةَ من عبد الله ابن أبي عُتبةَ في حديث: كان ◌َّه أشدَّ حَياءً من العَذراء في خِدْرها. وهو عند أحمد (١)، وعند أبي عَوَانة في «مُستَخرَجِه)) من وجه آخر. قوله: ((لَيُحَجَّن)) بضم أوله وفتح المهمَلة والجيم. قوله: ((تابَعَه أبان وعِمْران عن قَتَادةَ)) أي: على لفظ المتن، فأمَّا مُتَابَعة أبانَ - وهو ابن يزيد العَطّار - فَوَصَلها الإمام أحمد عن عَفّانَ (١١٦١٦) وسَوَيدِ بن عَمْرو الكَلبي (١١٢١٧) وعبدِ الصَّمَد بن عبد الوارث (١١٤٥٦) ثلاثتهم عن أبانَ، فذكر مثله. وأمَّا مُتابَعة عِمْران ــ وهو القَطّان - فوَصَلَها أحمد أيضاً (١١٢١٩) عن سليمان بن داود - وهو الطَّيالسي - عنه، وكذا أخرجه ابن خُزَيمةَ (٢٥٠٧) وأبو يَعْلى (١٠٣٠) من طريق الطَّيالسي، وقد تابَعَ هؤلاء سعيدُ بن أبي عَرُوبة عن قَتَادةَ أخرجه عبد بن حُميدٍ (٩٤١) عن رَوح بن عُبادةَ عنه، ولفظه: ((إنَّ الناس لَيَحُجّونَ ويَعتمِرونَ ويَغرِسونَ النَّخل بعدَ خروج يأجوج ومأجوج)». قوله: ((فقال عبد الرحمن)) يعني: ابن مَهدي. قوله: ((عن شُعْبة)) يعني: عن قَتَادَةَ بهذا السنَد. (١) بل هو عند مسلم برقم (٢٣٢٠) (٦٧). ٣٨٩ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ كتاب الحج قوله: ((لا تقوم الساعة حتَّى لا يُحجّ البيت)) وَصَلَه الحاكم (٤/ ٤٥٣) من طريق أحمد بن حنبل عنه، قال البخاري: والأول أكثر، أي: لاتِّفاق مَن تقدَّم ذِكْره على هذا اللفظ وانفراد شُعْبة بما يُخالفهم، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ ظاهرَهما التَّعارض، لأنَّ المفهوم من الأول أنَّ البيت يُحِجُّ بعدَ أشراط الساعة، ومن الثاني أنَّه لا يُحُجّ بعدها، ولكن يُمكِن الجمع بين الحديثين، فإنَّه لا يَلزَم من حجّ الناس بعدَ خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقتٍ ما عند قُرب ظُهور الساعة، ويظهر - والله أعلم - أنَّ المراد بقوله: (لَيُحَجَّن البيت)) أي: مكان البيت لمَا سيأتي بعدَ باب / أنَّ الحَبَشة إذا خَرَّبوه لم يُعمَّرْ بعدَ ذلك. ٤٥٦/٣ ٤٨ - باب كِسْوة الكعبة ١٥٩٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا سفيانُ، حدّثنا واصلُ الأحْدَبُ، عن أبي وائلٍ قال: جئتُ إلى شَيْبةَ. وحدَّنا قَبِيصةُ، حذَّثنا سفيانُ، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ قال: جلستُ مع شَيْبةَ على الكُرْسِيِّ في الكَعْبةِ، فقال: لقد جَلَسَ هذا المجْلِسَ عمرُ ﴾، فقال: لقد هَمَمْتُ أن لا أدَعَ فيها صَفْراءَ ولا بيضاءَ إلا قَسَمْتُه. قلتُ: إنَّ صاحبیك لم یَفعَلا! قال: هما المَزْءانِ أَقتَدي بهما. [طرفه في: ٧٢٧٥] قوله: «باب کِسْوَة الگعْبة» أي: حُکمها في التصرُّف فيها ونحو ذلك. قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوري في الطَّريقَين، وإنَّما قَدَّمَ الأُولى مع نزولها لتصريحِ سفيان بالتحديث فيها، وأمَّا ابن عُيَينةَ فلم يسمعه من واصل، بل رواه عن الثّوري عنه، أخرجه ابن خُزَيمةَ من طريقه(١). قوله: ((جلست مع شَيبة)) هو ابن عثمان بن طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الله ابن عبد الدار بن قُصَيّ العبدَري الحَجَبي - بفتح المهمَلة والجيم ثمَّ موحّدة - نسبة إلى حَجْب الكعبة، ◌ُكنَی أبا عثمان. (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٥٣٨٢)، ولم نجده عند ابن خزيمة. وانظر تمام تخريجه في ((المسند)). ٣٩٠ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((على الكُرْسي)) في رواية عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الشَّيباني عند ابن ماجَهْ (٣١١٦) والطبراني (٧/ ٧١٩٦) بهذا السنَد: بَعَثَ معي رجلٌ بدراهم هديَّةً إلى البيت، فدخلت البيت وشَيْبةُ جالس على كُرسي، فناوَلته إياها، فقال: لك هذهِ؟ فقلت: لا، ولو كانت لي لم آتِك بها، قال: أمَا إن قلتَ ذلك، فقد جَلَسَ عمر بن الخطّاب مَجَلِسك الذي أنت فيه ... فذكره. قوله: ((فيها)) أي: الكعبة. قوله: (صَفْراء ولا بيضاء)) أي: ذهباً ولا فضَّة. قال القُرطُبي: غَلِطَ مَن ظَنَّ أنَّ المراد بذلك حِلیة الكعبة، وإنّما أراد الگنز الذي بها، وهو ما كان يُهدی إليها، فيُلَّخَر ما يزيد عن الحاجة، وأمَّا الخُلُّ فمُحَبَّسَة عليها كالقناديل، فلا يجوز صرفها في غيرها. وقال ابن الجَوْزي: كانوا في الجاهلية يُهدونَ إلى الكعبة المال تعظيماً لها فيجتمع فيها. قوله: ((إلّا قَسَمْته)) أي: المال، وفي رواية عمر بن شَبّة في ((كتاب مكَّة)) عن قبيصة شیخ البخاري فيه: ((إلَّا قَسمتُها))(١)، وفي رواية عبد الرحمن بن مَهدي عن سفيان عند المصنّف في الاعتصام (٧٢٧٥): ((إلَّا قَسمتُها بين المسلمين))، وعند الإسماعيلي من هذا الوجه: لا أخرُجُ حتَّى أَقسِم مال الكعبة بين فقراء المسلمين. ومثله في رواية المحاربي المذكورة. قوله: ((قلت: إنَّ صاحبَك لم يفعلا)» في رواية ابن مَهدي المذكورة: قلت: ما أنت بفاعلٍ. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه وكذا المحاربي: قال: ولِمَ ذاكَ؟ قلت: لأنَّ رسول الله وَّه قد رأى مكانه وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال فلم يُحرِّكاه. قوله: ((هما المَرْءان)) تَثنية مَرء بفتح الميم ويجوز ضَمُّها والراء ساكنة على كلّ حال بعدها همزة، أي: الرَّجُلان. (١) وهي أيضاً هكذا في ((أخبار مكة)) للأزرقي ٢٤٥/١ من طريق سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري. ٣٩١ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ كتاب الحج قوله: «أقتدي بها)) في رواية عمر بن شَبّة تكرير قوله: المرءان أقتدي بهما، وفي رواية ابن مهدي في الاعتصام: يُقتَدى بهما، على البناء للمجهول، وفي رواية الإسماعيلي والمحاربي: فقام كما هو وخرج. ودارَ نحو هذه القصَّة بين عمر أيضاً وأُبيِّ بن كعب، أخرجه عبد الرزاق (٩٠٨٤) وعمر بن شَبّة من طريق الحسن: أنَّ عمر أراد أن يأخذ كَنز الكعبة، فيُنفقه في سبيل الله، فقال له أُبيُّ بن كعب: قد سَبَقَك صاحباك، فلو كان فضلاً لَفَعَلاه. لفظ عمر بن شَبّة، وفي رواية عبد الرزاق: فقال له أُبيُّ بن كعب: والله ما ذاك لك، قال: ولِمٍ؟ قال: أقرّه رسول الله ◌َآلآل. قال ابن بَطَّال: أراد عمر لكَثرتِه إنفاقه في منافع المسلمين، / ثمَّ لمَّا ذُكِّرَ بأنّ النبي ◌َلّ لم ٤٥٧/٣ يَتعرَّض له أمسَك، وإنَّما تَرَكا ذلك - والله أعلم - لأنَّ ما جُعِلَ في الكعبة وسُبِّلَ لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدوّ. قلت: أمَّا التعليل الأول فليس بظاهرٍ من الحديث، بل يحتمل أن يكون تَرَكَهُ وَيهوى لذلك رِعايةً لقلوب قُرَيش، كما تَرَك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيِّده ما وقع عند مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٠) في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة: (لَأَنفَقت كَنز الكعبة)) ولفظه: ((لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بگُفرٍ؛ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، وجعلت بابها بالأرض)) الحديث، فهذا التعليل هو المعتمد. وحكى الفاكهي في ((كتاب مكَّة)) (٢٢١): أَنَّه وَهِ وَجَدَ فيها يوم الفتح ستّينَ أوفيَّة، فقيل له: لو استَعَنت بها على حَربك! فلم يُحرِّكه. وعلى هذا فإنفاقه جائز كما جازَ لابن الزُّبَير بناؤُها على قواعد إبراهيم لزَوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث: ((في سبيل الله)) لَأمكَنَ أن يُحمَل الإنفاق على ما يَتعلَّق بها، فيَرجِع إلى أنَّ حُكمه حُكم التحبيس، ويُمكِن أن يُحمَل قوله: ((في سبيل الله)) على ذلك؛ لأنَّ عِمارة الكعبة يَصدُق عليه أنَّه في سبيل الله. ٣٩٢ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري واستَدَلَّ النَّقي السُّبكي بحديث الباب على جواز تعليق قناديل الذَّهب والفضَّة في الكعبة ومسجد المدينة، فقال: هذا الحديث عُمدة في مال الكعبة، وهو ما يُهدى إليها أو يُنذَر لها، قال: وأمَّا قول الرّافعي: لا يجوز تَحلية الكعبة بالذَّهب والفضَّة، ولا تعليق قناديلها فيها، حكى الوجهين في ذلك: أحدهما: الجواز تعظيماً كما في المصحف، والآخر: المنع إذ لم يُنقَل من فعل السلف، فهذا مُشكِل؛ لأنَّ للكعبة من التعظيم ما ليس لبقيَّة المساجد، بدليلٍ تجويز سَترها بالحرير والدّيباج، وفي جواز سَتر المساجد بذلك خلاف. ثمَّ تُمُسِّك للجواز بما وقع في أيام الوليد بن عبد الملك من تَذهيبه سقوف المسجد النَّبوي، قال: ولم يُنكِر ذلك عمر بن عبد العزيز ولا أزاله في خلافته. ثمّ استَدَلَّ للجواز بأنَّ تحريم استعمال الذَّهب والفضّة، إنَّما هو فيما يتعلَّق بالأواني المعَدّة للأكلِ والشُّرب ونحوهما، قال: وليس في تحلية المساجد بالقناديل الذَّهب شيء من ذلك، وقد قال الغزالي: مَن كَتَبَ القرآن بالذَّهب، فقد أحسن، فإنَّه لم يَثبُت في الذَّهب إِلَّا تحريمه على الأُمّة فيما يُنسَب للذَّهَب، وهذا بخلافه فيَبقى على أصل الحِلّ ما لم يَنْتَهِ إلى الإسراف. انتهى. وتُعقّبَ بأنَّ تجويز سَتْر الكعبة بالدّيباج قام الإجماع عليه، وأمَّا التحلية بالذَّهب والفضّة، فلم يُنقَل عن فعل مَن يُقْتَدى به، والوليد لا حُجَّة في فعله، وتَركُ عمر بن عبد العزيز النَّكير أو الإزالة يحتمل عِدّة معان، فلعلَّه كان لا يَقدِر على الإنكار خوفاً من سَطْوة الوليد، ولعلَّه لم يُزِلها لأنَّه لا يَتَحَصل منها شيء، ولا سيما إن كان الوليد جعل في الكعبة صفائح، فلعلَّه رأى أنَّ تَركَها أولى، لأنَّها صارت في حُكم المال الموقوف، فمكانُها(١) أحفظُ لها من غيره، وربَّما أدّى قلعه إلى إزعاج بناء الكعبة فتَرَكَه، ومع هذه الاحتمالات لا يَصلُح الاستدلال بذلك للجواز. وقوله: إنَّ الحرام من الذَّهب إنَّما هو استعماله في الأكل والشُّرب ... إلى آخره، هو مُتَعقَّب بأنَّ استعمال كلِّ شيء بحَسَبِهِ، واستعمال قناديل الذَّهب هو تعليقها للزّينة، وأمَّا (١) تحرفت في (س) إلى: فكأنّه. ٣٩٣ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ كتاب الحج استعمالها للإيقاد، فمُمكِن على بُعْد، وتمسُّكه بما قاله الغَزالي يُشكِل عليه بأنَّ الغَزالي قَيَّدَه بما لم يَنْتَه إلى الإسراف، والقِنديل الواحد من الذَّهب يَكتُب تحلية عِدّة مصاحف، وقد أنكَرَ السُّبكي على الرّافعي تمسُّكَه في المنع بكَونِ ذلك لم يُنقَل عن السلف. وجوابه: أنَّ الرّافعي تمسّك بذلك مضموماً إلى شيء آخر، وهو أنَّه قد صَحَّ النَّهي عن استعمال الحرير والذَّهب، فلمَّا استَعمَلَ السلف الحرير في الكعبة دون الذَّهب ـ مع عِنايَتهم بها وتعظيمها - دَلَّ على أنَّه بقي عندهم على عُموم النَّهي، وقد نَقَلَ الشَّيخ الموفَّق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذَّهب، والقناديل من الأواني بلا شكّ، واستعمال كلّ شيء بحَسَبِه، والله أعلم. تنبيه: قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب لكِسْوة الكعبة ذِكر، يعني: فلا يُطابق الترجمة. وقال ابن بَطَّال: معنى الترجمة صحيح، ووجهُها أنَّه معلوم أنَّ الملوك في كلّ زمان ٤٥٨/٣ كانوا يَتفاخَرونَ بكِسْوة الكعبة برَفيع الثّياب المنسوجة بالذَّهب وغيره، كما يَتفاخَرونَ بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أنَّ عُمَرَ لمَّا رأى قِسمة الذَّهب والفضَّة صواباً، كان حُكم الكِسْوة حُكم المال تجوز قِسمَتها، بل ما فضَلَ من كِسوَتها أولى بالقِسمة. وقال ابن المنيِر في ((الحاشية)): يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أنَّ كِسْوة الكعبة مشروع، والحُجَّة فيه أنَّها لم تَزَل تُقصَد بالمال يوضع فيها على معنى الزّينة إعظاماً لها، فالكِسْوة من هذا القبيل. قال: ويحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كَعادتِهِ، ويكون هناك طريق موافقة للترجمة، إمّا خَلَلِ شرطها، وإمّا لتَبخُّر الناظِرِ في ذلك، وإذا تَقرَّرَ ذلك فيحتمل أن يكون أخذَه من قول عمر: لا أخرُجُ حتَّى أقسِم مال الكعبة، فالمال يُطلَق على كلّ شيءٍ فيَدخُل فيه الكِسْوة، وقد ثَبَتَ في الحديث: ((ليس لك من مالك إلَّا ما لَبِست فأبلَيت))(١)، قال: ويحتمل أيضاً؛ فذكر نحو ما قال ابن بَطَّل وزاد: فأراد التنبيه على أنَّه موضع اجتهاد، وأن رأي عمر جواز التصرُّف في المصالح. وأمَّا التَّرك الذي احتَجَّ به (١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٥٨) من حديث عبد الله بن الشِّخّير. ٣٩٤ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري عليه شَيْبة فليس صريحاً في المنع، والذي يظهر جواز قِسمة الكِسْوة العتيقة، إذ في بقائها تعريض لإتلافها ولا جمال في كِسْوة عتيقة مطوية، قال: ويُؤخَذ من رأي عمر أنَّ صَرف المال في المصالح آكَد من صَرفه في كِسْوة الكعبة، لكنَّ الكِسْوة في هذه الأزمنة أهمّ. قال: واستدلال ابن بَطَّال بالتركِ على إيجاب بقاء الأحباس لا يَتِمّ، إلَّ إن كان القَصد بمال الكعبة إقامتها وحِفظ أُصولها إذا احتيجَ إلى ذلك، ويحتمل أن يكون القَصد منه مَنفَعة أهل الكعبة وسَدَنَتها، أو إرصاده لمصالح الحَرَم، أو لأعمَّ من ذلك، وعلى كلّ تقدير، فهو تحبیس لا نظير له فلا يُقاس علیه، انتهى. ولم أرَ في شيء من طُرُق حديث شَيْبة هذا ما يَتَعلَّق بالكِسْوة، إلّا أنَّ الفاكهي روى في ((كتاب مكَّة)) من طريق عَلَقَمة بن أبي عَلقَمة عن أُمّه عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ شَيْبةُ الحَجَبي، فقال: يا أُمّ المؤمنين، إنَّ ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثُر، فنَزِعها ونَحِفِر بئاراً فنُعَمِّقها ونَدِفِنها، لكي لا تَلبَسها الحائض والجُنُب، قالت: بئسما صَنَعتَ، ولكن بِعْها فاجعَل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين، فإنَّهَا إذا نُزِعَت عنها لم يَضُرَّ مَن لَبِسَها من حائض أو جُنُب، فكان شَيْبةُ يَبعَث بها إلى اليمن، فتُباع له فيَضَعُها حيثُ أمَرَته. وأخرجه البيهقي (١٥٩/٥) من هذا الوجه، لكن في إسناده راوٍ ضعيف، وإسناد الفاكهي سالم منه. وأخرج الفاكهي أيضاً من طريق ابن خُثَيْم، حدَّثني رجل من بني شَيْبة قال: رأيت شَيْبة بن عثمان يَقسِم ما سَقَطَ من كِسْوة الكعبة على المساكين. وأخرج من طريق ابن أبي نَجِيح عن أبيه: أنَّ عمر كان يَنزِعِ كِسْوة البيت كلّ سنة، فيقسِمها على الحاجّ. فلعلَّ البخاري أشار إلى شيء من ذلك. فصل في معرفة بدء کِسْوة البیت روى الفاكهي من طريق عبد الصَّمَد بن مَعقِل عن وَهْب بن مُنبِّه أنَّه سمعه يقول: زَعَموا أنَّ النبيِ ◌َّ نهى عن سَبّ أسعَد، وكان أول مَن كَسَا البيتَ الوَصَائلَ. ورواه الواقدي عن مَعمَر عن هَمَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه الحارث بن أبي أُسامة ٣٩٥ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ كتاب الحج في ((مسنده)) عنه(١)، ومن وجه آخر عن عمر موقوفاً. وروى عبد الرزاق (٩٢٣٠) عن ابن جُرَيج قال: بَلَغَنا أنَّ تُبَّعاً أول مَن كَسَا الكعبة الوصائلَ، فسُتِرَت بها. قال: وزَعَمَ بعض عُلَمائنا أنَّ أول مَن كَسَا الكعبة إسماعيل عليه السلام. وحكى الزُّبَير بن بَكّارٍ عن بعض عُلَمائهم: أنَّ عدنان أول مَن وضَعَ أنصاب الخَرَم، وأول مَن كَسَا الكعبة، أو كُسِيت في زَمَنه. وحكى البَلاذُري: أنَّ أول مَن كَسَاها الأنطاعَ عَدنانُ بن أُدّ. وروى الواقدي أيضاً عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كُسيَ البيتُ في الجاهلية الأنطاعَ، ثمَّ كَسَاه رسول الله وَ ◌ّر الثياب اليَمَانية، ثمَّ كَسَاه عمر وعثمان القَبَاطِيَّ، ثمَّ كَسَاه الحجاجُ الدّيباجَ. وروى الفاكهي / بإسناد حسن عن سعيد بن المسيّب قال: لمَّا كان عام الفتح أتت ٤٥٩/٣ امرأة تُجْمِر الكعبة، فاحتَرَقَت ثيابها وكانت كِسْوة المشركين، فكَسَاها المسلمونَ بعدَ ذلك. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة (١١٠/٤): حدَّثنا وكيع عن حسن - هو ابن صالح - عن ليث - هو ابن أبي سُلَيم - قال: كانت كِسْوة الكعبة على عهد النبي ◌َّةِ المُسُوح والأنطاع. لیث ضعيف، والحديث مُعضل. وقال أبو بكر أيضاً (١٠٩/٤): حدَّثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عجوز من أهل مكَّة قالت: أُصيبَ ابن عَفّانَ وأنا بنت أربع عشرة سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كِسْوة إلَّا ما يَكسوه الناس الكِساء الأحمر يُطرَح عليه، والثَّوب الأبيض. وقال ابن إسحاق: بَلَغَني أنَّ البيت لم يُكسَ في عهد أبي بكر ولا عمر، يعني: لم يُجدَّد له كِسْوة. وروى الفاكهي بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنَّه كان يَكسو بُدْنه القَباطيّ والحِبَرات يوم يُقلِّدها، فإذا كان يوم النَّحر نَزَعَها ثمَّ أرسَلَ بها إلى شَيْبة بن عثمان، فناطَها على الكعبة. زاد في رواية صحيحة أيضاً: فلمَّا كَسَت الأُمراء الكعبة جَلَّلها القَبَاطِيّ، ثمَّ تَصدَّقَ بها. وهذا يدلّ على أنَّ الأمر كان مُطلَقاً للناس. ويؤيِّده ما رواه عبد الرزاق (٩٠٨٨) عن مَعمَر عن عَلقَمة بن أبي عَلَقَمة عن أُمّه (١) (بغية الباحث)) (٣٩٠)، والوصائل: جمع وَصِيلة، وهي ثياب حُمْر مخطَّطة يمانية. ٣٩٦ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قالت: سألت عائشة: أنكسو الكعبة؟ قالت: الأمراء يكفونكم. وروى عبد الرزاق (٩٠٨٧) عن الأسلمي - هو إبراهيم بن أبي يحيى - عن هشام بن عُرْوة: أنَّ أول مَن كَسَاها الدّيباج عبدُ الله بن الزُّبَير. وإبراهيم ضعيف، وتابَعَه محمد بن الحسن بن زَيَالة، وهو ضعيف أيضاً، أخرجه الزُّبَير عنه عن هشام. وروى الواقدي عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر الباقر قال: كَسَاها يزيدُ بن معاوية الدّيباجَ. وإسحاق بن أبي فروة ضعيف. وقال عبد الرزاق (٩٠٨٥) عن ابن جُرَيج: أُخبِرت أنَّ عمر كان يكسوها القَباطيَّ، وأخبرني غير واحد: أنَّ النبي ◌َلِكَسَاها القَباطيَّ والحِبَرات وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول مَن كَسَاها الدّيباج عبدُ الملك بن مروان، وأنَّ مَن أدرَك ذلك من الفقهاء، قالوا: أصابَ، ما نعلم لها من كِسْوة أو فق منه. وروى أبو عَروبة في ((الأوائل)) له عن الحسن قال: أول مَن لَبَّسَ الكعبة القَبَاطِيَّ النبيُّ ◌َّ. وروى الفاكهي في ((كتاب مكَّة)) من طريق مِسعَر عن جَسْرة، قال: أصابَ خالد بن جعفر بن كِلَابِ لَطِيمةً في الجاهلية فيها نَمطٌ من ديباج، فأرسَلَ به إلى الكعبة فنِيطَ عليها. فعلى هذا هو أول مَن كَسَا الكعبة الديباجَ. وروى الدارَقُطني في ((المؤْتَلِفِ)) (١/ ٤٦٦): أنَّ أول مَن كَسَا الكعبة الدّيباج نُقَيلة بنت جَنابٍ(١) والدة العبّاس بن عبد المطَّلِب، كانت أضَلَّت العبّاس صغيراً فَنَذَرَت إن وَجَدَته أن تكسوَ الكعبة الدّيباج. وذكر الزُّبَير بن بَكّارٍ: أنَّها أضَلَّت ابنها ضِرار بن عبد المطَّلِب شقيق العبَّاس، فنَذَرَت إن وَجَدَته أن تكسوَ البيت، فَرَدَّه عليها رجل من جُذام، فكَسَت الكعبة ثياباً بيضاً. وهذا محمول على تعدُّد القصّة. وحكى الأزرقي: أنَّ معاوية كَسَاها الدِّيباج والقَبَاطِيّ والحِبَرات، فكانت تُكسَی (١) تصحفت في الأصلين إلى: حيان، وتحرفت ((نُتَيلة)) في (أ) إلى: نفيلة، وأثبتت على الصواب في (س). وانظر ((المؤتلف والمختلف)) للدار قطني ١١٤/١، و((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين ١٨/٩. ٣٩٧ باب ٤٨ / ح ١٥٩٤ كتاب الحج الدِّيباجَ يوم عاشوراء، والقباطيّ في آخر رمضان. فحَصَّلنا في أول مَن كَسَاها مُطلَقاً على ثلاثة أقوال: إسماعيل وعدنان وتُبَّع، وهو أسعَد المذكور في الرواية الأولى، ولا تَعارُض بين ما رُوي عنه أنَّه كَسَاها الأنطاع والوصائل، لأنَّ الأزرَقي حكى في ((كتاب مكَّةٍ)) (٢٤٩/١ -٢٥٠): أنَّ تُبَّعاً أُري في المنام أن يَكسوَ الكعبة فكَسَاها الأنطاع، ثمَّ أُري أن يكسوها، فكَسَاها الوصائل، وهي ثياب حَبرة من عَصْب اليمن، ثمَّ كَسَاها الناسُ بعده في الجاهلية. ويُجمَع بين الأقوال الثلاثة - إن كانت ثابتة - بأنَّ إسماعيل أول مَن كَسَاها مُطلَقاً، وأمَّا تُبَّع فأول مَن كَسَاها ما ذُكِرٍ، وأمَّا عَدنان فلعلَّه أول مَن كَسَاها بعدَ إسماعيل، وسيأتي في أوائل غزوة الفتح (٤٢٨٠) ما يُشعِرِ أنَّها كانت تُکسی في رمضان. وحصلنا في أول مَن كَسَاها الدّيباج على ستَّة أقوال: خالد أو تُتَيْلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزُّبَير أو الحجاج، ويُجمَع بينها بأنَّ كِسْوةَ خالد ونُتَيْلة لم تَشمَلها كلّها، وإنَّما كان فيما كَسَياها شيء من الدّيباج، وأمَّا معاوية، فلعلَّه كَسَاها في آخر / خلافَته فصادفَ ذلك خلافة ٤٦٠/٣ ابنه يزيد، وأمَّا ابن الزُّبَير، فكأنَّه كَسَاها ذلك بعدَ تجديد عِمارَتها، فأوَّلَيَّته بذلك الاعتبار، لكن لم يُداوِمِ على كِسوَتها الدّيباج، فلمَّا كَسَاها الحَجّاج بأمر عبد الملِك استَمرَّ ذلك، فكأنَّه أول مَن داوَمَ على كِسوَتها الدّيباج في كلّ سنة. وقول ابن جُرَيج: أول مَن كَسَاها ذلك عبدُ الملِك، يوافق القول الأخير، فإنَّ الحجاج إِنَّمَا كَسَاها بأمر عبد الملك. وقول ابن إسحاق: إنَّ أبا بكر وعمر لم يَكسِيا الكعبة، فيه نظرٌّ، لما تقدَّم عن ابن أبي نَجِيح عن أبيه: أنَّ عمر كان يَنزِعها كلّ سنة، لكن يعارض ذلك ما حكاه الفاكهي عن بعض المكِّيِينَ: أنَّ شَيْبة بن عثمان استأذَنَ معاوية في تجريد الكعبة، فأذِنَ له، فكان أول مَن جَرَّدَها من الخلفاء، وكانت كِسوَتها قبل ذلك تُطرَح عليها شيئاً فوق شيء. وقد تقدَّم سؤال شَيْبة لعائشة: أنَّها تجتمع عندهم فتكثُر. وذكر الأزرقي (١/ ٢٦٠) أنَّ ٣٩٨ باب ٤٩ / ح ١٥٩٥ فتح الباري بشرح البخاري أول مَن ظاهَرَ الكعبةَ بین کِسوَتَينِ عثمان بن عَفّان. وذكر الفاكهي: أنَّ أول مَن كَسَاها الدِّيباجَ الأبيض المأمونُ بن الرَّشيد، واستَمرَّ بعده. وكُسيَت في أيام الفاطميينَ الدّيباجَ الأبيض. وكَسَاها محمد بن سُبُكتُكِينَ ديباجاً أصفَر، وكَسَاها الناصرُ العبّاسي ديباجاً أخضر، ثمَّ كَسَاها ديباجاً أسوَدَ فاستَمرَّ إلى الآن. ولم تَزَل الملوك يَتَداوَلونَ كِسوَتها إلى أن وقَفَ عليها الصالح إسماعيل بن الناصر في سنة ثلاث وأربعينَ وسبع مئة قرية من نواحي القاهرة يقال لها: بَيْسُوس كان اشتَری الثُّلثينِ منها من وكيل بيت المال، ثمَّ وَقَفَها كلَّها على هذه الجهة فاستَمرّ، ولم تَزَل تُكسَى من هذا الوقف إلى سَلطَنة الملِك المؤَيَّد شيخ سلطان العصر، فكَسَاها مِن عنده سنةً لضَعفٍ وَقْفها، ثمَّ فَوَّضَ أمرها إلى بعض أُمَنائه، وهو القاضي زين الدّين عبد الباسط - بَسَطَ الله له في رِزقه وعُمره - فبالَغَ في تحسينها بحیثُ یعچِز الواصف عن صفة حُسنها، جزاه الله على ذلك أفضل المجازاة. وحاوَلَ مَلِك الشَّرق شاه رُوخ في سَلطَنة الأشرف بَرْسْباي أن يأذن له في كِسْوة الكعبة فامتَنَع، فعاد فراسله أن يأذن له أن يكسوها من داخلها فقط فأبى، فعاد فراسله أن يُرسِل الكِسْوة إليه ويُرسِلها إلى الكعبة، ويكسوها ولو يوماً واحداً، فاعتذر بأنَّه نَذَرَ أن يكسوها ويريد الوفاء بنذره، فاستفتى أهل العصر فتَوقَّفتُ عن الجواب، وأشرتُ إلى أنَّه إن خُشي منه الفِتنة فيُجاب دفعاً للضَّرَر، وتَسَرَّعَ جماعة إلى عَدَم الجواز، ولم يستندوا إلى طائل، بل إلى موافقة هوى السُّلطان، ومات الأشرف على ذلك. ٤٩ - باب هَذْم الكعبة وقالت عائشةُ رضي الله عنها: قال النبيُّ وَّ: ((يَغْزُو جيشٌ الكعبةَ فِيُخْسَفُ بهم)). ١٥٩٥ - حدَّثْنَا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عُبِيدُ الله بنُ الآخَسِ، حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ قال: «كأنّ به أسوَدَ أفحَجَ، يَقْلَعُها حَجَراً حَجَراً». ٣٩٩ باب ٤٩ / ح ١٥٩٥ - ١٥٩٦ كتاب الحج ١٥٩٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّثنا الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد ابنِ المسيّب، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: «يُخرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيقَتَينِ من الحبشةِ)). قوله: ((باب ھَدْم الكعبة)) أي: في آخر الزمان. قوله: ((وقالت عائشة)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((قالت)) بحذف الواو، وهذا طرف من حديثٍ وَصَلَه المصنِّف في أوائل البيوع (٢١١٨) من طريق نافع بن جُبَير عنها بلفظ: ((يغزو جيشٌ الكعبة، حتَّى إذا كانوا بيداءَ من الأرض يُحْسَف بأولِم وآخرهم، ثمَّ يُبعَثونَ على نيَّاتهم)) وسيأتي الكلام عليه هناك. / ومُناسَبتُه لهذه الترجمة من جهة أنَّ فيه إشارة إلى أنَّ ٤٦١/٣ غزو الكعبة سَيَقع، فمرَّة يُهلِكهم الله قبلَ الوصول إليها، وأُخرى يُمَكِّنهم، والظاهر أنَّ غزو الذينَ يُحُرِّبونه مُتأخّر عن الأوَّلِين. قوله: ((عُبيد الله بن الأخْتَس)) بمعجمة ونون ثمَّ مُهمَلة وزن الأحمر، وعُبيد الله - بالتَّصغير - کوفي يُگنی أبا مالك. قوله: ((كأنّي به)) كذا في جميع الروايات عن ابن عبّاس في هذا الحديث، والذي يظهر أنَّ في الحديث شيئاً حُذِف، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث عليّ عند أبي عُبيد في ((غريب الحديث)) (٤٥٤/٣) من طريق أبي العالية عن عليّ قال: ((استكثِروا من الطَّواف بهذا البيت قبلَ أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجلٍ من الحَبَشة أصلَع - أو قال: أصمَع - حَمْش الساقين قاعد عليها وهي تُهدَم))، ورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه: ((أصعَل)) بدل: أصلَع، وقال: ((قائماً عليها يَهدِمها بمِسْحاته))، ورواه يحيى الحِّاني في ((مسنده)) من وجه آخر عن عليّ مرفوعاً. قوله: ((كأنّ به أسوَدَ أفحَج)) بِوَزنِ أفعَل بفاء ثمَّ حاء ثمَّ جيم، والفَحَج: تَبَاعُدُ ما بين الساقين. قال الطِّيبي: وفي إعرابه أوجُه: قيل: هو حال من خبر ((كان))، وهو باعتبار المعنى الذي أشبهَ الفعل، وقيل: هما حالان من خبر ((كان)) وذو الحال إمّا المستَقِرّ المرفوع أو ٤٠٠ باب ٤٩ / ح ١٥٩٥ - ١٥٩٦ فتح الباري بشرح البخاري المجرور، والثاني أشبه، أو هما بَدَلان من الضَّمير المجرور، وعلى كلّ حال يَلزَم إضمارٌ قبلَ الذِّكر، وهو مُبهَم يُفسِّره ما بعده، كقولك: رأيته رجلاً، وقيل: هما منصوبان على التَّمييز. وقوله: ((حجراً حجراً)) حال، كقولك: بَوَّبته باباً باباً. وقوله في حديث عليّ: ((أصلَع، أو أصعَل، أو أصمَع)) الأصلَع: مَن ذهب شعر مُقدَّم رأسه، والأصعَل: الصَّغير الرَّأس، والأصمَع: الصَّغير الأُذُنين. وقوله: ((حَمْش الساقين)) بحاء مُهمَلة ومیم ساكنة ثمَّ معجمة، أي: دقيق الساقين، وهو موافق لقوله في رواية أبي هريرة: ((ذو السَوَيقَتَين)) كما سيأتي في الحديث الذي بعده. قوله: ((يَقْلَعها حجراً حجراً) زاد الإسماعيلي والفاكهي في آخره: ((يعني: الكعبة)). قوله: ((عن ابن شِهاب)) كذا رواه الليث عن يونس، وتابَعَه عبد الله بن وَهْب عن يونس عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج))، وخالَفَهما ابن المبارك، فرواه عن يونس عن الزُّهْري فقال: عن سُحَيمٍ مولى بني زُهْرة عن أبي هريرة، رواه الفاكهي من طريق نُعَيم بن حمّاد عن ابن المبارك، فإن كان محفوظاً، فيكون للزُّهري فيه شیخان عن أبي هريرة. قوله: ((ذُو الشُّویقتین)) تثنية سُوَیقة، وهي تصغير ساق، أي: له ساقان دقيقان. قوله: ((من الحَبَشَة)) أي: رجلٌ من الحَبَشة، ووقع هذا الحديث عند أحمد (٧٩١٠) من طريق سعيد بن سمعان عن أبي هريرة بأتمّ من هذا السياق، ولفظه: ((يُبابَع للرَّجُلِ بين الرُّكن والمقام، ولن يستحِلّ هذا البيت إلَّا أهلُه، فإذا استَحلّوه فلا تَسأل عن هَلَكة العرب، ثمَّ تجيء الحَبَشة فيُخرِّبونه خراباً لا يَعمُر بعده أبداً، وهم الذينَ يستخرِ جونَ كَنْزِه)). ولأبي قُرّة في ((السُّنَن)) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يستخرِج كَنَزَ الكعبة إلَّ ذو السُّوَيقَتَيْنِ من الحَبَشة))(١). ونحوه لأبي داود (٤٣٠٩) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وزاد أحمد (٧٠٥٣) (١) أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٧٦٤) من طريق أبي قرة.