Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ٣٤ / ح ١٥٦٨
كتاب الحج
قوله: ((فقال لهم: أحِلُّوا من إحرامكم ... )) إلى آخره، أي: اجعَلُوا حَجَّكم عمرة وتَحَلَّلوا
منها بالطَّواف والسعي.
قوله: (وَقَصِّرُوا)) إنَّما أمَرَهم بذلك، لأنَّهم يُهِلُّونَ بعدَ قليل بالحج، فأخَّرَ الحلقَ لأنَّ بين
دخولهم وبين يوم التروية أربعةً أيام فقط.
قوله: ((واجعَلُوا التي قَدِمتُم بها مُتْعة)) أي: اجعَلوا الحجة المفردة التي أهلَلتُم بها عمرة
تَتَحلَّلوا منها فتَصِيروا مُتمتِّعين، فأطلقَ على العمرة متعةً مجازاً، والعلاقة بينهما ظاهرة.
ووقع في رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عند مسلم (١٢١٦): فلمَّا قَدِمنا
مكَّة أمَرَنا أن نَحِلَّ ونجعلَها عمرة. ونحوه في رواية الباقر عن جابر في الخبر الطَّويل عند
مسلم (١٢١٨).
قوله: ((فقال: افعَلُوا ما أمَرْتُكُم، فلولا أنِي سُقْت الهَدْيَ ... )) إلى آخره، فيه ما كان عليه
- عليه السلام - من تطييب قلوب أصحابه وتَلَطَّفه بهم وحِلْمه عنهم.
قوله: ((لا يَحِلّ مِنّي حَرام)) بكسر حاء ((يَحِلّ)) أي: شيء حرام، والمعنى: لا يَحِلّ منِّي ما
حَرُمَ عليّ، ووقع في رواية مسلم (١٢١٦/ ١٤٣): ((لا يحِلّ مِنِّي حراماً))(١) بالنصب على
المفعولية، وعلى هذا فيُقرأ ((يُحِلّ)) بضم أوله والفاعل محذوف، تقديره: لا يُحِلّ طول المكث
ونحو ذلك منِّي شيئاً حراماً ((حتَّى يَبلُغ الهَدْي ◌َحِلّه)) أي: إذا نَحَرَ يومٍ مِنِّى.
واستُدِلَّ به على أنَّ مَن اعتَمَرَ فساق هدياً لا يَتَحلَّل من عمرته حتَّى يَنحَر هديَه يوم النَّحر،
وقد تقدَّم حديث حفصة نحوه (١٥٦٦)، ويأتي حديث عائشة (١٦٩٢) من طريق عُقَيل عن
الزُّهْري عن عُرْوة عنها بلفظ: ((مَن أحرَمَ بعمرةٍ فأهدى، فلا يَحِلَّ حتَّى يَنخَرَ))(٢)، وتأوَّلَ ذلك
المالكية والشافعية على أنَّ معناه: ومَن أحرَمَ بعمرةٍ وأهدى فليُهِلَّ بالحج، ولا يَحِلُّ حتَّى يَنحَرَ
هديه. ولا يخفى ما فيه، فإنَّه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة، وبالله التوفيق.
(١) عند مسلم بالرفع!
(٢) وانظر ما سلف برقم (٣١٩).

٣٤٢
باب ٣٤ / ح ١٥٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف رحمه الله.
قوله: ((أبو شِهَاب ليس له حديث مُسنَد إلَّا هذا)) أي: لم يَروِ حديثاً مرفوعاً إلَّ هذا
الحديث، قال مُغَلْطاي: كأنَّه يقول: مَن كان هكذا لا يُجُعَل حديثُه أصلاً من أصول العلم.
قلت: إذا كان موصوفاً بصفة مَن يُصحَّح حديثه لم يَضُرَّه ذلك، مع أنَّه قد توبعَ علیه. ثمَّ
كلام مُغَلْطايَ محمول على ظاهر الإطلاق، وقد أجاب غيره بأنَّه مُقيَّد بالرواية عن عطاء،
فإنَّ حديثه هذا طرف من حديث جابر الطّويل الذي انفَرَدَ مسلم (١٢١٨) بسياقه من طريق
جعفر بن محمد بن عليٍّ عن أبيه عن جابر، وفي هذا الطَّرَف زيادة بيان لصفة التحلّل من
العمرة ليس في الحديث الطَّيل، حيثُ قال فيه: ((أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت وبين
الصَّفا والمروة، وقَصِّروا، ثمّ أقيموا حلالاً إلى يوم التروية، وأمِلُّوا بالحج)).
ويُستَفاد منه جواز جواب المفتي لمن سأله عن حُكمٍ خاصٍّ، بأن يَذكُر له قصَّة مُسنَدة
مرفوعةً إلى النبي بَّهِ تَشتَمِل على جواب سؤاله، ويكون ما اشتملت عليه من الفوائد
الزائدة على ذلك زيادةَ خير، وينبغي أن يكون محلُّ ذلك لائقاً بحال السائل.
١٥٦٩ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمَّدِ الأعوَرُ، عن شُعْبةَ، عن عَمرِو بنِ
مُرّةَ، عن سعيد بنِ المسيّب، قال: اختَلَفَ عليٌّ وعثمانُ رضي الله عنهما وهما بعُسْفَانَ في المُتْعِةِ،
فقال عليٌّ: ما تريدُ إلا أن تَنْهَى عن أمرٍ فَعَلَه النبيُّ ◌َِّ، فلمَّا رَأى ذلك عليٌّ أهلَّ بهما جميعاً.
ثمّ ذکر المصنِّف حدیث اختلاف عثمان وعليٍّ في التمتّع، وقد تقدَّم من وجه آخر، وهو
ثاني أحاديث هذا الباب، فاشتملت أحاديث الباب على ما تُرجِمَ به، فحديث عائشة من
٤٣٢/٣ طريقيه يُؤخَذ منه الفَسخ والإفراد، وحديث عليّ/من طريقيه يُؤخَذ منه التمتُّع والقِرَان،
وحديث ابن عبّاس يُؤخذ منه الفسخ، و کذا حديث أبي موسى وجابر، وحديث حفصة
يُؤْخَذ منه أنَّ مَن تَتَّعَ بالعمرة إلى الحج لا يَحِلّ من عمرته إن كان ساق الهَدْي، وكذا
حديث جابر، وحديث ابن عبّاس الثاني يُؤخَذ منه مشروعية التمتّع، وكذا حديث جابر
أيضاً، والله أعلم.

٣٤٣
باب ٣٥-٣٦ / ح ١٥٧٠ -١٥٧١
كتاب الحج
٣٥- باب من لبَّی بالحج وسَّاه
١٥٧٠ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، قال: سمعتُ مجاهداً یقول: حدّثنا
جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما: قَدِمْنا مع رسولِ اللهِ وَّهِ ونحنُ نقولُ: لَبَّكَ اللّهِمَّ لَبِّكَ
بالحجِّ، فأمَرَنا رسولُ اللهَِّ فِجَعَلْناها عُمْرةً.
قوله: ((باب مَن لَبِّی بالحجِّ وسّاه)) أورَدَ فیه حديث جابر مختصراً من طريق مجاهد عنه،
وهو بيِّنٌّ فيما تَرجَمَ له، ويُؤخَذ منه فسخ الحج إلى العمرة. وقد ذهب الجمهور إلى أنَّه
منسوخ، وذهب ابن عبّاس إلى أنَّه مُحُكَمٌ، وبه قال أحمدُ وطائفة يسيرة.
٣٦- باب التمتُّع على عهد النبي ◌ِّ
١٥٧١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثْنَا هَمَّاٌ، عن قَتَادةَ، قال: حدَّثْني مُطرِّفٌ، عن
عِمْرانَ ﴿ قال: تَتَّعْنا على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِّهِ وَنَزَلَ القرآنُ، قال رجلٌ بَرَأيِه ما شاءً.
[طرفه في: ٤٥١٨]
قوله: ((باب التمتُّع على عَهْد النَّبِيِّ ◌َ)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره: ((على
عَهد ... )) إلى آخره، ولبعضهم (باب)) بغير ترجمة، وكذا ذكره الإسماعيلي، والأول أولى.
وفي الترجمة إشارة إلى الخلاف في ذلك، وإن كان الأمر استَقرَّ بعدُ على الجواز.
قوله: ((حدَّثني مُطرِّف)) هو ابن عبد الله بن الشِّخِّير، ورجال الإسناد كلُّهم بصريون.
قوله: ((عن عِمْران)) هو ابن حُصَين الخُزَاعي، ولمسلم (١٢٢٦ /١٦٨) من طريق شُعْبة
عن قَتَادَةَ عن مُطرِّف: بَعَثَ إليَّ عِمْران بن حُصَين في مرضه الذي تُوقّ فيه، فقال: إنِّي
كنت ◌ُحدِّثك بأحاديث لعلَّ الله أن يَنفَعك ... فذكر الحديث.
قوله: ((ونزلَ القرآن)) أي: بجوازه، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ الآية
[البقرة: ١٩٦]. ورواه مسلم (١٢٢٦/ ١٧٠) من طريق عبد الصَّمَد بن عبد الوارث عن همَّام
بلفظ: ولم يَنزِلْ فيه القرآن. أي: بمنعِه، وتوضحُه رواية مسلم الأُخرى من طريق شُعْبة

٣٤٤
باب ٣٦ / ح ١٥٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وسعيد بن أبي عَرُوبة، كلاهما عن قَتَادةَ بلفظ: ثمَّ لم يَنزِل فيها كتاب الله ولم يَنهَ عنها نبيُّ
الله. وزاد (١٢٢٦ / ١٦٧) من طريق شُعْبة عن حُميد بن هلال عن مُطرِّف: ولم يَنِزِل فيه
القرآن بخُرْمةٍ. وله (١٢٢٦ / ١٦٥) من طريق أبي العلاء عن مُطرِّف: فلم تَنزِل آية تَنْسَخ
ذلك، ولم يَنْهَ عنه حتَّى مضى لوجهه. وللإسماعيلي من طريق عَفَّانَ عن همَّامٍ: تمَّعنا مع
رسول الله وَ﴿ ونزل فيه القرآن ولم يَنْهَنا رسول الله وَّهِ ولم يَنسَخْها شيء. وقد أخرجه
المصنَّف في تفسير البقرة (٤٥١٨) من طريق أبي رَجَاء العُطَاردي عن عِمْران بلفظ: نَزَلَتْ
آيةُ المتعة في كتاب الله، ففَعَلْناها مع رسول الله وَّهِ، ولم يَنِزِل قرآن يُحرِّمُه، فلم يَنْهَ عنها
حتَّى مات(١).
قوله: (قال رجل برَأيِه ما شاءَ)» وفي رواية أبي العلاء: ارتأَى كُلَّ امرِئٍ بعدَما شاءَ أن
يَرتَتَّي. قائل ذلك: هو عِمْران بن حُصَين، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُطرِّف الراوي عنه، لُبُوتٍ
٤٣٣/٣ ذلك/ في رواية أبي رجاء (٤٥١٨) عن عِمْران كما ذكرته قبلُ، وحكى الحميدي: أنَّه وقع
في البخاري في رواية أبي رجاء، عن عِمْران: ((قال البخاري: يقال: إنَّه عمر))، أي: الرجل
الذي عَنَاه عِمْران بن حُصَين، ولم أرَ هذا في شيء من الطّرق التي اَّصَلَت لنا من
البخاري، لكن نقله الإسماعيلي عن البخاري كذلك، فهو عُمْدة الحميدي في ذلك، وبهذا
جَزَمَ القُرطُبي والنَّوَوي وغيرهما، وكأنَّ البخاري أشارَ بذلك إلى رواية الجَرِيري عن
مُطرِّف فقال في آخره: ((ارتأى رجل برأيه ما شاءً)) يعني: عمر، كذا في الأصل أخرجه
مسلم (١٦٦/١٢٢٦) عن محمد بن حاتم عن وكيع عن الثَّوري عنه(٢).
وقال ابن التِّين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرَبَ الكِرْماني، فقال: ظاهر سياق
كتاب البخاري أنَّ المراد به عثمان، وكأنَّه لقُربٍ عَهده بقصَّة عثمان مع عليّ(٣) جَزَمَ بذلك،
وذلك غير لازم، فقد سَبَقَت قصَّة عمر مع أبي موسى في ذلك (١٥٥٩)، ووقعت لمعاويةً
(١) زادهنا في (س) عبارة ((قال رجل برأيه ما شاء)) ولم ترد في الأصلين.
(٢) رواية مسلم من طريق الجريري عن أبي العلاء عن مطرف. بإثبات أبي العلاء بين الجريري ومطرف.
(٣) انظر ما سلف برقم (١٥٦٣) و(١٥٦٩).

٣٤٥
باب ٣٧ / ح ١٥٧٢
كتاب الحج
أيضاً مع سعد بن أبي وقَّاص في ((صحيح مسلم)) (١٢٢٥) قصَّة في ذلك، والأولى أن يُفَسَّر
بعمر، فإنَّه أول مَن نهى عنها، وكأنَّ مَن بعده كان تابعاً له في ذلك، وفي مسلم أيضاً
(١٢١٧/ ١٤٥) أنَّ ابن الزُّبَير كان يَنهى عنها، وابن عبَّاس يأمر بها، فسألوا جابراً، فأشارَ
إلى أنَّ أول مَن نهى عنها عمر، ثمَّ في حدیث عِمْران هذا ما يُعگِّر علی عیاض وغيره في
جَزمهم أنَّ المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة، لا العمرة التي
يَحُجّ بعدها، فإنَّ في بعض طرقه عند مسلم (١٢٢٦/ ١٧٢) التصريح بكونها مُتعة الحج،
وفي رواية له أيضاً (١٢٢٦ /١٦٥ و١٦٦): أنَّ رسول الله وَّهِ أَعمَرَ بعضَ أهله في العَشْرِ،
وفي رواية له: جمع بين حَجِّ وعُمْرة؛ ومراده التمتّع المذكور وهو الجمع بينهما في عام واحد
كما سيأتي صريحاً في الباب بعده في حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم البحث فيه في حديث أبي
موسی (١٥٥٩).
وفيه من الفوائد أيضاً: جواز نَسْخ القرآن بالقرآن، ولا خلاف فيه، وجواز نَسْخه
بالسُّنّة، وفيه اختلاف شَهير، ووجه الدّلالة منه قوله: ولم يَنهَ عنها رسول الله وَلّهِ؛ فإنَّ
مفهومه أنَّه لو نهى عنها لامتَنَعت، ويستلزم رفع الحُكْم ومُقتَضاه جواز النَّسخ، وقد يُؤخَذ
منه أنَّ الإجماع لا يُنسَخ به لكَونِه حَصَرَ وجوه المنع في نزول آية أو نَهي من النبي ◌ِّ، وفيه
وقوعُ الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدينَ على بعض بالنصِّ.
٣٧- باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
١٥٧٢ - وقال أبو كاملٍ فُضَيلُ بنُ حسينِ البَصْرِيُّ: حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُ
غِياثٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ سُئِلَ عن مُتْعةِ الحَجِّ فقال: أهلَّ
المهاجرونَ والأنصارُ وأزواجُ النبيِّ وََّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وأهلَلْنا، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اجعَلُوا إهلالَكم بالحجِّ عُمْرةَ، إِلَّ مَن قَلَّدَ الهَدْيَ)) طُفْنا بالبيتِ وبالصَّفا
والمَزْوةِ، ونَسَكْنا المناسك، وأتينا النِّساءَ، ولَبِسْنا الثِّابَ، وقال: ((مَن قَلَّدَ الهَدْيَ، فإِنَّه لا يَحِلُّ له
حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مِلَّهُ)) ثمَّ أُمُرَنَا عَشِيَّةَ التَّوِيَةِ أن نُهِلَّ بالحجِّ، فإذا فَرَغْنا من المناسكِ جِئْنَا فِطُقْنا

٣٤٦
باب ٣٧ / ح ١٥٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ، فقد تَمَّ حَجُّنا، وعلينا الهَدْيُ كما قال الله تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِئُّ
فَ لَّْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى أمصارِكُم، الشّاةُ تُجْزِىءُ،
فجَمَعُوا النُّسْكَينِ في عام بين الحجّ والعُمْرةِ، فإنَّ اللهَ تعالى أَنزَلَه في كتابه وسَنَّه نبُّه ◌َلِّ، وأباحَه
للناس غيرَ أهلِ مَّةَ، قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾/ وأشهُرُ
٤٣٤/٣ الحجِّ التي ذَكَرَ الله تعالى: شَوّالٌ، وذُو القَعْدةِ، وَذُو الِحِجّةِ، فمَن تَتَّعَ في هذه الأشهُرِ، فعليه دٌ أو
صومٌ.
والرَّفَثُ: الجِماعُ، والفُسُوقُ: المعاصي، والجِدالُ: المِراء.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]))
أي: تفسير قوله، و((ذلك)) في الآية إشارة إلى التمتّع، لأنَّه سَبَقَ فيها ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى
اٌلْحَجّ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ﴾.
واختَلَفَ السلف في المراد بحاضري المسجد، فقال نافع والأعرَج: هم أهل مكَّة
بعَينِها، وهو قول مالك، واختارَه الطَّحاوي ورَجَّحَه. وقال طاووسٌ وطائفة: هم أهل
الحَرَم، وهو الظاهر. وقال مكحول: مَن كان منزله دون المواقيت، وهو قول الشافعي في
القديم، وقال في الجديد: مَن كان من مكَّة على دون مسافة القَصْر، ووافقه أحمد. وقال
مالك: أهل مكَّة ومَن حَوْلها سوى أهل المناهل كعُسْفانَ، وسوى أهل مِنَّى وعَرَفة.
قوله: ((وقال أبو كامل)) وَصَلَه الإسماعيلي قال: حدَّثنا القاسم المطرِّز، حدَّثنا أحمد بن
◌ِنان، حدَّثنا أبو كامل، فذكره بطولِه لكنَّه قال: ((عثمان بن سعد)) بدلَ: عثمان بن غِيَات،
وكلاهما بصري وله رواية عن عِكْرمة، لكنَّ عثمان بن غياث ثقة، وعثمان بن سعد .
ضعيف، وقد أشارَ الإسماعيلي إلى أنَّ شيخه القاسم وَهِمَ في قوله: عثمان بن سعد، ويؤيِّده
أنَّ أبا مسعود الدمشقي ذكر في ((الأطراف)) أنَّ وَجَدَه من رواية مسلم بن الحجاج عن أبي
كامل كما ساقه البخاري، قال: فأظنُّ البخاريَّ أخذَه عن مسلم، لأنَّني لم أجده إلَّا من
رواية مسلم.

٣٤٧
باب ٣٧ / ح ١٥٧٢
كتاب الحج
كذا قال، وتُعقّبَ باحتمال أن يكون البخاري أخذَه عن أحمد بن سِنان، فإنَّه أحد
مشايخه، ويحتمل أيضاً أن يكون أخذَه عن أبي كامل نفسه، فإنَّه أدرَكَه وهو من الطَّقة
الوُسْطى من شيوخه، ولم نَجِدْ له ذِكراً في كتابه غير هذا الموضع. وأبو مَعشَر البَرَّاء: اسمه
يوسف بن يزيد، والبَرَّاء بالتشديد، نسبة له إلى بَرْي السِّهام.
قوله: ((فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةٍ)) أي: قُربَها، لأنَّ ذلك كان بسَرِفَ كما تقدَّم عن عائشة (١٥٦٠).
قوله: ((اجعَلُوا إهلالَكم بالحجِّ عُمْرة)) الخطاب بذلك لمن كان أهلَّ بالحجِّ مُفرِداً كما تقدَّم
واضحاً (١٥٦٢) عن عائشة: أنَّهم كانوا ثلاث فِرَق.
قوله: ((طُفْنا)) في رواية الأَصِيلي: ((فطُقُنا)) بزيادة فاء، وهو الوجه، ووُجِّه الأول بالحَمْلِ
على الاستئناف، أو هو جواب ((لمَّا))، و(قال)) جملة حاليَّة و ((قد)) مُقدَّرة فيها.
قوله: ((ونَسَكْنا المناسكَ)) أي: من الوقوف والمبيت وغير ذلك.
قوله: ((وأتينا النِّساء)) المراد به غير المتكلِّم، لأنَّ ابن عبّاسٍ لم يكن إذ ذاك بالغاً.
قوله: ((عَشَيَّةٌ التروية)) أي: بعدَ الظُّهر ثامن ذي الحِجّة، وفيه حُجَّة على مَن استحبَّ
تقديمه على يوم التروية كما نُقِلَ عن الحنفيَّة، وعن الشافعي: يَخْتَصّ استحباب يوم التروية
بعدَ الزّوال بمن ساق الھَدْي.
قوله: «فقد تَمَّ حَجُّنا» للكُشْمِيهني: ((وقد)) بالواو. ومن هنا إلى آخر الحديث موقوف
على ابن عبّاس، ومن هنا إلى أوله مرفوع.
قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجّ﴾ سيأتي (١٩٩٧ و١٩٩٨ و١٩٩٩) عن ابن عمر وعائشة
موقوفاً: أنَّ آخرها يوم عَرَفة، فإن لم يفعل صام أيام مِنِّى، أي: الثلاثة التي بعدَ يوم النَّحر
وهي أيام التشريق، وبه قال الزُّهْري والأوزاعي ومالك والشافعي في القديم، ثمَّ رَجَعَ
عنه وأخذَ بعُموم النَّهي عن صيام أيام التشريق.
قوله: (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أمصارِكُم)) كذا أورَدَه ابن عبّاس، وهو تفسير منه
للرُّجوع في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، ويوافقه حديث ابن عمر الآتي في ((باب مَن

٣٤٨
باب ٣٧ / ح ١٥٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
ساق البُدن معه)) (١٦٩١) من طريق عُقَيل عن الزُّهْري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً قال
للناس: ((مَن كان منكم أهدى فإنَّه لا يَحِلُّ)) إلى أن قال: ((فمَن لم يَجِدْ هَدْياً فليَصُم ثلاثة أيام
في الحج وسبعة إذا رَجَعَ إلى أهله))، وهذا قول الجمهور، وعن الشافعي: معناه الرُّجوع إلى
٤٣٥/٣ مكَّة، وعَبَّرَ عنه مرّةً بالفَرَاغِ من أعمال الحج، ومعنى الرُّجوع: التوجُّه من مكَّة/، فيَصومها
في الطَّريق إن شاءً، وبه قال إسحاق بن راهويه.
قوله: ((الشّاة تُجْزي)) أي: عن الهَدْي، وهي جملة حالية وقعت بدون واو، وسيأتي في
أبواب الهدي بيان ذلك (١٦٨٨).
قوله: ((بين الحجّ والعُمْرة)) بيان المراد بقوله: ((فجمعوا النُّسْكَين)) وهو بإسكان السّين،
قال الجوهري: النُّسْك بالإسكان: العبادة، وبالضمّ: الذَّبيحة.
قوله: ((فإنَّ الله أنزَلَه)) أي: الجمع بين الحج والعمرة، وأخذَ بقوله: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى
الحَجِ﴾.
قوله: ((وسَنَّه نبيُه)) أي: شَرَعَه حيثُ أمَرَ أصحابه به.
قوله: ((غيرَ أهل مَكَّة)) بنصب ((غير)) ويجوز كسره، وذلك إشارة إلى التمتّع، وهذا مبنيٌّ
على مذهبه بأنَّ أهل مكَّة لا مُتعة لهم، وهو قول الحنفيَّة، وعند غيرهم: أنَّ الإشارة إلى
حُكم التمتّع وهو الفِدية، فلا يجب على أهل مكَّة بالتمتُّع دم إذا أحرَموا من الحِلّ بالعمرة،
وأجاب الكرماني بجواب ليس طائلاً.
قوله: ((التي ذَكَرَ الله)) أي: بعدَ آية التمتُّع حيثُ قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:
١٩٧] وقد تقدَّم نقل الخلاف في ذي الحِجّة، هل هو بكماله أو بعضه(١).
قوله: ((فَمَن تَتَّعَ في هذه الأشهُر)) ليس لهذا القَيد مفهوم، لأنَّ الذي يَعتمِر في غير أشهُر
الحج لا يُسمَّى مُتمتِّعاً ولا دم عليه، وكذلك المكِّي عند الجمهور، وخالَفَ فيه أبو حنيفة
کما تقدَّم، والله أعلم.
(١) في كتاب الحج باب (٣٣) قول الله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ

٣٤٩
باب ٣٨ / ح ١٥٧٣
كتاب الحج
ويَدْخُل في عُموم قوله: ((فمَن تَتَّعَ)) مَن أحرَمَ بالعمرة في أشهر الحج، ثمَّ رَجَعَ إلى بلده
ثمَّ حجّ منها، وبه قال الحسن البصري، وهو مبنيٌّ على أنَّ التمتّع إيقاع العمرة في أشهُر
الحج فقط، والذي ذهب إليه الجمهور أنَّ التمتُّع أن يجمع الشَّخص الواحد بينهما في سَفَر
واحد في أشهُر الحج في عام واحد، وأن يُقدِّم العمرة، وأن لا يكون مَكّاً، فمتى اختَلَّ
شرط من هذه الشُّروط لم يكن مُتمتِّعاً.
قوله: ((والجِدال: المِراء)) روى ابن أبي شيبة(١) من طريق مِقسم عن ابن عبّاس قال: ولا
جِدال في الحج: تُماري صاحبك حتَّى تُغضِبَه. وكذا أخرجه (١٣٣٨٩) عن ابن عمر مثله،
ومن طريق عِكْرمة (١٣٣٨١) وإبراهيم النَّخَعي (١٣٣٧٩) وعطاء بن يسار (١٣٣٨٥)
وغيرهم نحو قول ابن عبّاس، وأخرج (١٣٣٨٦) من طريق عبد العزيز بن رُفَيع عن
مجاهد قال: قوله: ﴿ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجّ﴾ قال: قد استَقام أمر الحج. ومن طريق ابن أبي
نَجِیح عن مجاهد (١٣٣٧٧) قال: قد صار الحج في ذي الحجّة لا شهر يُنسأُ، ولا شكّ في
الحج، لأنَّ أهل الجاهلية كانوا يُحُجّونَ في غير ذي الحِجّة.
٣٨- باب الاغتسال عند دخول مگّة
١٥٧٣ - حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةٌ، أخبرنا أيوبُ، عن نافعٍ قال: كان ابنُ
عمَرَ رضي الله عنهما إذا دخل أدنَى الحَرَمِ أمسَكَ عن التَّلْبِيةِ، ثمَّ يَبِيتُ بذي طُوَّى، ثمَّ يُصلِي به
الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، ويُحدِّثُ أنَّ نبيَّ الله ◌َيٍُّ كان يفعلُ ذلك.
قوله: ((باب الاغْتِسال عند دُخُول مَكَّة)) قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة
مُستَحَبّ عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يُجْزِئ منه الوُضوء.
وفي ((الموطَّا)) (١/ ٣٢٤): أنَّ ابن عمر كان لا يَغسِل رأسه وهو مُحرِم إلَّا من احتلام،
وظاهره أنَّ غُسْله لدخولٍ مكَّة كان لجَسَدِه دون رأسه.
(١) برقم (١٣٣٧٦) تحقيق الجمعة واللحيدان.

٣٥٠
باب ٣٩ / ح ١٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الشافعية: إن عَجَزَ عن الغُسلِ تَيمَّم. وقال ابن القِّين: لم يَذكُر أصحابنا الغُسل
لدخولٍ مكَّة وإِنَّمَا ذَكَروه للطَّاف، والغُسل لدخولٍ مكَّة هو في الحقيقة للطَّواف.
قوله: ((ثُمَّ يَبيتُ بذي طُوَى)) بضم الطاء ويفتحِها.
قوله: «ویغْتَسِل)) أي: به.
قوله: ((كان يفعل ذلك)) يحتمل أنَّ الإشارة به إلى الفعل الأخير وهو الغُسل وهو مقصود
الترجمة، ويحتمل أنَّها إلى الجميع وهو الأظهَر، فسيأتي في الباب الذي يليه ذِكر المبيت فقط
٤٣٦/٣ مرفوعاً من رواية أُخرى عن ابن عمر، تقدَّم الحديث بأتمَّ من هذا في/ ((باب الإهلال
مُستَقبِل القِبْلة)) (١٥٥٣).
٣٩- باب دخول مگّة نهاراً أو ليلاً
١٥٧٤ - حدَّثْنا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي
الله عنهما قال: باتَ النبيُّ وَّل بذي طُوَى، حتَّى أصبَحَ ثمَّ دخل مكََّ. وكان ابنُ عمَرَ رضي الله
عنهما يفعلُه.
قوله: ((باب دُخُول مَكَّة نهاراً أو ليلاً)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر في المبيت بذي طُوَى
حتَّى يُصبح، وهو ظاهر في الدُّخول نهاراً، وقد أخرجه مسلم (٢٢٧/١٢٥٩) من طريق
أيوب، عن نافع بلفظ: كان لا يَقدَم مكَّة إلَّ باتَ بذي طُوَى، حتَّى يُصبح ويَغتَسِل ثمَّ
يَدخُل مكَّة نهاراً.
وأمَّا الدُّخول ليلاً، فلم يقع منه وَّ إلَّا في عمرة الجعرانة، فإنَّه ◌ِوَّ أَحرَمَ من
الجعرانة ودخل مكَّة ليلاً فقَضى أمر العمرة، ثمَّ رَجَعَ ليلاً فأصبح بالجِعرانة كبائتٍ، كما
رواه أصحاب السُّنَن الثلاثة من حديث مُرِّش الكعبي(١)، وترجم عليه النَّسائي:
«دخول مگّة لیلاً)).
(١) أخرجه أبو داود (١٩٩٦)، والترمذي (٩٣٥)، والنسائي (٢٨٦٣) و(٢٨٦٤). وانظر تمام تخريجه
والكلام عليه في ((مسند أحمد)) برقم (١٥٥١٢).

٣٥١
باب ٤٠-٤١ / ح ١٥٧٥ - ١٥٧٦
كتاب الحج
وروى سعيد بن منصور، عن إبراهيم النَّخَعي قال: كانوا يستحِبّونَ أن يَدخُلوا مكَّة
نهاراً ويخرجوا منها ليلاً.
وأخرج عن عطاء: إن شِئْتُم فادخُلوا ليلاً، إنَّكم ◌َستُم كرسول الله وَّةِ، إِنَّه كان إماماً،
فأحَبَّ أن يَدخُلها نهاراً ليراه الناس انتهى، وقضية هذا أنَّ مَن كان إماماً يُقتدى به استُحِبَّ
له أن يَدخُلها نهاراً.
٤٠- باب من أین يدخل مكّة
١٥٧٥ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حذَّثني مَعْنٌّ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما قال: كان رسولُ الله ◌َّهِ يَدخُلُ من الثَِّيَّةِ العُلْيا، ويَخْرُجُ من التَّنيَّةِ السُّفْلَى.
[طرفه في: ١٥٧٦]
قوله: ((باب من أينَ يَدخُل مَكَّة)) أورَدَ فيه حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان
رسول الله وَل﴿ يَدخُل من الثَّنيّة العُليا ويخرج من الثَّنية السُّفلى. أخرجه عن إبراهيم بن
المنذر عن مَعْن بن عيسى عنه، وليس هو في ((الموطَّأ)) ولا رأيته في ((غرائب مالك))
للدَّارَ قُطني، ولم أقف عليه إلَّا من رواية مَعْن بن عيسى، وقد تابَعَ إبراهيمَ بن المنذر عليه
عبدُ الله بن جعفر البَرَمَكي، وقد عَزَّ على الإسماعيلي استخراجه، فأخرجه عن ابن ناجيةً
عن البخاري مثله، وزاد في آخره: ((يعني: ثَنيَّتَي مكَّة))، وهذه الزيادة قد أخرجها أيضاً أبو
داود (١٨٦٦) حيثُ أخرج الحديث عن عبد الله بن جعفر البَرَمَكي عن مَعْن بن عيسى
مثله، وقد ذكره المصنِّف في الباب الذي بعده من طريق أُخرى عن نافع، وسياقه أبيَن من
سياق مالك.
٤١ - باب من أين يخرج من مكّة
١٥٧٦ - حدَّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسَرْهَدِ البَصْرِيُّ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِالله، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ دخل مكَّةَ من كَداءَ من اللَّنيَّةِ العُلْيا التي بالبَطْحاءِ،
ويَخْرُجُ من الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.

٣٥٢
باب ٤١ / ح ١٥٧٦ - ١٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
٤٣٧/٣
قال أبو عبد الله: كان يقال: هو مُسدَّدٌ كاسمِه.
قال أبو عبدِ الله: سمعتُ يحيى بنَ مَعِينٍ يقول: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: لو أنَّ مُسدَّداً
أتيتُه في بيتِهِ فحَدَّثْتُه لاستَحَقَّ ذلك، وما أُبالي كُتُبي كانت عندي، أو عندَ مُسدَّدٍ.
١٥٧٧ - حدَّثنا الحُميديُّ ومحمَّدُ بنُ المثنَّى، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبَينَةَ، عن هشام بنِ
عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ نَّهَ لمَّا جاء إلى مكَّةَ دخل من أعلاها
وخَرَجَ من أسفَلِها.
[أطرافه في: ١٥٧٨، ١٥٧٩، ١٥٨٠، ١٥٨١، ٤٢٩٠، ٤٢٩١]
١٥٧٨ - حدَّثْنا محمودُ بنُ غَيلانَ المرْوَزِيُّ، حدَّثنا أبو أُسامةَ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه،
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وََّ دخل عامَ الفتحِ من كَدَاءَ وخَرَجَ من كُدّى من أعلى مكَّةَ.
١٥٧٩ - حدَّثنا أحمدُ، حذَّثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرنا عَمرو، عن هشام بنِ عُزْوةً، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّنََّ دخل عامَ الفتحِ من كَداءَ أعلى مكَّةً.
قال هشامٌ: وكان عُرْوةُ يَدخُلُ مِن كِلْتَيهما من كَداءَ وكُدّى، وأكثرُ ما يَدخُلُ من كُدِّى
و کانت أقربهما إلى منزِلِهِ.
١٥٨٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حاتمٌ، عن هشامٍ، عن عُرْوةَ: دخل النبيُّ
وَّ عامَ الفتح من كَداءَ من أعلى مكَّةَ. وكان عُرْوةُ أكثرَ ما يَدخُلُ من كُدِّى، وكان أقربَهما إلى
منزله.
١٥٨١ - حذَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه: دخل النبيُّ ◌َّ عامَ الفتحِ
من كَداءَ. وكان عُرْوةٌ يَدخُلُ منهما كِلَيهما، وأكثرُ ما يَدخُلُ من كُدّى، أقربِهما إلى منزِلِه.
قوله: ((من كَداء)) بفتح الكاف والمدّ، قال أبو عُبيد: لا يُصرَف. وهذه الثَّية هي التي
يُنزَل منها إلى المعلّى مَقْبُرة أهل مكَّة، وهي التي يقال لها: الحَجُون بفتح المهمَلة وضم الجيم،
وكانت صعبة المرتَقى فسَهَّلها معاوية ثمَّ عبد الملِك ثمَّ المهدي على ما ذكره الأزرَقي، ثمَّ
سُهّلَ في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمان مئة موضعٌ، ثمَّ سُهِّلَت كلَّها في زَمَن

٣٥٣
باب ٤١ / ح ١٥٧٦ - ١٥٨١
كتاب الحج
سُلطان مِصر الملِك المؤَيَّد في حُدود العشرينَ وثمان مئة، وكلّ عَقَبة في جبل أو طريق عالٍ
فیه تُسمَّی ثَنيّة.
قوله: ((الَّنية السُّفْلى)) ذُكِرَ في ثاني حديثَي الباب: ((وخرج من كُدّى)) وهو بضم الكاف
مقصور، وهي عند باب شُبيْكة بقُربٍ شِعب الشاميينَ من ناحية قُعَيقِعان، وكان بناء هذا
الباب عليها في القرن السابع.
قوله: ((من أعلى مَكَّة)) كذا رواه أبو أُسامة فقَلَبَه، والصواب ما رواه عَمْرو وحاتم عن
هشام: ((دخل من كَداءَ من أعلى مكَّةٍ)) ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الوَهم فيه ممَّن دون أبي أُسامة، فقد
رواه أحمد (٢٤٣١١) عن أبي أسامة على الصواب.
قوله: ((قال هشام)) هو ابن عُرْوة بالإسناد المذكور.
قوله: ((وكان عُرْوة يَدخُل من كِلْتَيهما)) في رواية الكُشْمِيهني: ((على)) بدل ((من).
قوله: ((وأكثر ما يَدخُل من كُدّى)) بالضمّ والقَصر للجميع، وكذا في رواية حاتم
ووُهَيب، وهي الطَّريق الرّابعة لحديث عائشة.
قوله: ((وكانت أقربهما إلى منزله)) فيه اعتذار هشام لأبيه لكَونِه روى الحديث/ وخالَفَه؛ ٤٣٨/٣
لأَنَّه رأى أنَّ ذلك ليس بحَتم لازم، وكان ربَّما فعله وكثيراً ما يفعل غيره بقصد التَّيسير،
قال عياض والقُرطُبي وغيرهما: اختُلِفَ في ضبط كَداءَ وكُدَى، فالأكثر على أنَّ العُليا
بالفتحِ والمدّ، والسُّفلى بالضمِّ والقَصر، وقيل بالعكس.
قال النَّوَوي: وهو غَلَط. قالوا: واختُلِفَ في المعنى الذي لأجلِه خالَفَ رَِّ بين
طريقَيه، فقيل: ليتَبِرَّك به كلّ مَن في طريقه. فذكر شيئاً مما تقدَّم في العيد (٩٨٦) وقد
استَوعَبت ما قيل فيه هناك، وبعضه لا يتأتّى اعتباره هنا والله أعلم.
وقيل: الحكمة في ذلك المناسَبة بجهة العُلوّ عند الدُّخول لما فيه من تعظيم المكان،
وعكسه الإشارة إلى فِراقه. وقيل: لأنَّ إبراهيم لمَّا دخل مكَّة دخل منها. وقيل: لأنَّه وَه
خرج منها مُتَخَفّياً في الهجرة، فأراد أن يَدخُلها ظاهراً عالياً. وقيل: لأنَّ مَن جاء من تلك

٣٥٤
باب ٤١ / ح ١٥٧٦ - ١٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الجهة كان مُستَقبلاً للبيت. ويحتمل أن يكون ذلك لكَونِه دخل منها يوم الفتح فاستَمرَّ على
ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حَرْب للعبَّاس: لا أُسلِمِ حتَّى أرى الخيل تَطلُع
من كَداء، فقلت: ما هذا؟ قال: شيء طَلَعَ بقلبي وإنَّ الله لا يُطلِعِ الخيل هناك أبداً، قال
العبّاس: فَذَكَّرت أبا سفيان بذلك لمَّا دَخَلَ (١).
وللبيهقي (٢٣٨/١٠) من حديث ابن عمر قال: قال النبي ◌َّر لأبي بكر: «كيف قال
حَسَّان؟)) فأنشَدَه:
عَدِمتُ بُنَّتِي إن لم تَرَوها تُثير النَّفْعَ مَطَلَعُها كَدَاءُ
فَبَسَّمَ وقال: ((ادخُلوها من حيثُ قال حسان)).
تنبيه: حكى الحميدي عن أبي العبّاس العُذْري أنَّ بمكَّة موضعاً ثالثاً يقال له: كُدَيّ
- وهو بالضمِّ والتَّصغير - يُخْرَج منه إلى جهة اليمن. قال المحِبّ الطََّري: حَقَّقَه العُذْري
عن أهل المعرفة بمكَّة، قال: وقد بُنيَ عليها باب مكَّة الذي يَدخُل منه أهل اليمن.
تنبيهات:
أولها: محمود في الطَّريق الثانية من حديث عائشة: هو ابن غَيلان، وعَمْرو في الطَّريق
الثالثة: هو ابن الحارث، وأحمد في أول الإسناد لم أرَه منسوباً في شيء من الروايات، وقد
تقدَّم في أوائل الحج أحمد عن ابن وَهْب، وأنَّه أحمد بن عيسى، فيُشبِه أن يكون هو المذكور
هنا، وحاتم في الطَّريق الثالثة: هو ابن إسماعيل.
التَّنبيه الثّاني: اختُلِفَ على هشام بن عُرْوة في وصل هذا الحديث وإرساله، وأورَدَ
البخاري الوجهين مُشيراً إلى أنَّ رواية الإرسال لا تَقدَح في رواية الوَصل، لأنَّ الذي
وَصَلَه حافظٌ وهو ابن عُيَينَةَ، وقد تابَعَه ثِقَتان، ولعلَّه إنَّما أورَدَ الطَّريقَين المرسَلَيْنِ ليستَظهِر
بهما على وهم أبي أسامة الذي أشرت إليه أولاً.
الثالث: وقع في رواية المُستَمْلي وحده في آخر الباب: «قال أبو عبد الله: گداء وُدّی
(١) ذكره إسماعيل الأصبهاني في ((دلائل النبوة)) (٢٧١)، ونسبه للطبراني في ((دلائل النبوة)).

٣٥٥
باب ٤٢
كتاب الحج
موضعان)) والمراد بأبي عبد الله: المصنّف، وهذا تفسير غير مُفيد؛ فمعلوم أنَّهما موضعان
بمجرَّد السياق، وقد يَسَّرَ الله نقلَ ما فيهما من ضبط وتعيينٍ جهة كلّ منهما.
٤٢- باب فضل مگّة وبنيانها
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِتَمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَآ إِلَى
إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ
أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَإِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِعُهُ, قَلِيلًا ثُمَّ
أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) وَإِذْ يَرفَعُ إِزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٦) رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُنَّهُ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٢٨].
قوله: ((باب فضل مَكَّة وبُنْيانها وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾)) فساق ٤٤٠/٣
الآيات إلى قوله: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كذا في رواية كَرِيمة، وساق الباقونَ بعض الآية الأولى،
ولأبي ذرٍّ كلّها ثمَّ قال: إلى قوله: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
ثمَّ ساق المصنّف في الباب حديث جابر في بناء الكعبة، وحديث عائشة في ذلك من
أربعة طرق، وليس في الآيات ولا الحديث ذِكر لبنيان مكَّة، لكن بُنيان الكعبة كان سبب
بُنیان مگّة وعِمارَتها فاکتَفی به.
واختُلِفَ في أول مَن بنى الكعبة، كما سيأتي في أحاديث الأنبياء في الكلام على حديث
أبي ذرِّ (٣٣٦٦): أيُّ مسجد وُضِعَ في الأرض أول؟ وكذا قصَّة بناء إبراهيم وإسماعيل لها
يأتي في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤)، ويَقتَصِر هنا على قصَّة بناء قُرَيش لها، وعلى قصَّة بناء ابن
الُّبَير، وما غيَّرَه الحجّاجُ بعده؛ لتعلَّق ذلك بحديثَي الباب.
والبيت: اسمٌ غالبٌ للكعبة، كالنَّجم للقُّرَيّا.
وقوله تعالى: ﴿مَثَابَةُ﴾ أي: مَرجِعاً للحُجّاج والعُمَار یتفرَّقونَ عنه، ثمَّ يَعودونَ إلیه. روی

٣٥٦
باب ٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
عبد بن حُميدٍ بإسناد جيِّد عن مجاهد قال: ((يُحُجّونَ ثمَّ يَعودونَ)) وهو مصدر وُصِفَ به الموضع.
وقوله: ﴿وَأَمْنَا﴾ أي: موضع أمن، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمَّا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]
والمراد: ترك القتال فيه، كما سيأتي شرحه في الكلام على حديث الباب الذي بعده.
وقوله: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي: وقلنا اتَّخِذوا منه موضع صلاة،
ويجوز أن يكون معطوفاً على اذكُرُوا نِعمَتي، أو على معنى مَثَابة، أي: ثُوبوا إليه واَّخِذوا،
والأمر فيه للاستحباب بالاتّفاق.
وقرأ نافع وابن عامر: ((واتخذوا)) بلفظ الماضي عطفاً على ﴿جَعَلْنَا﴾ أو على تقدير: ((إذ))
أي: وإذ جعلنا، وإذ اتَّخَذوا.
ومَقَام إبراهيم: الحَجَر الذي فيه أثر قَدَمَيه على الأصحّ، وسيأتي شرحه في قصَّة إبراهيم
من أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤)، وعن عطاء: مقام إبراهيم عَرَفُ وغيرها من المناسك، لأنَّه
قام فيها ودَعا. وعن النَّخَعي: الحَرَم كلّه. وكذا رواه الكَلبي عن أبي صالح عن ابن
عبَّاس، وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيء من ذلك في أوائل كتاب الصلاة(١).
قوله: ﴿وَالرَُّعِ السُّجُودِ﴾ استُدِلَّ به على جواز صلاة الفرض والنَّفل داخل البيت،
وخالَفَ مالك في الفرض.
قوله: ﴿أَجْعَلْ هَذَا بَدَاءَمِنَّا﴾ يأتي الكلام عليه في حديث: ((إنَّ إبراهيم حَرَّمَ مگَّة))
(٢١٢٩) وأنَّه لا يعارض حديث: ((إنَّ الله حَرَّمَ هذا البلد يوم خَلَق السماوات والأرض»
(٤٣١٣)، لأنَّ معنى الأول أنَّ إبراهيم أعلمَ الناس بذلك، والثاني ما سَبَقَ من تقدير الله.
وقوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ بَدَلٌ من ((أهله)) أي: وارزُق المؤمنين من أهله خاصَّة، ﴿ وَمَنْ كَفَرَ﴾
عطف على ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ قيل: قاسَ إبراهيم الرِّزقَ على الإمامة فعُرِفَ الفَرقُ بينهما، وأنَّ
الرِّزق قد يكون استدراجاً وإلزاماً للحُجَّة(٢).
(١) في («باب قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّ)) بين يدي الحديث (٣٩٥).
(٢) والإمامة التي سألها إبراهيم لذريته كما في قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا =

٣٥٧
باب ٤٢ / ح ١٥٨٢
كتاب الحج
وسيأتي الكلام على القواعد في تفسير البقرة (٤٤٨٤) وأنَّها الأساس، وظاهره أنَّه كان
مُؤسَّساً قبلَ إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع: نقلها من مكانها إلى مكان البيت، كما
سيأتي عند نقل الاختلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّآَ﴾ أي: يقولان: رَبَّنا تَقَبَّل مِنّا، قد أظهَرَه ابن مسعود في قراءته.
قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾ قال عبد بن حُميدٍ: حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا سليمان التَّيمي،
عن أبي مِجِلَزٍ قال: لمَّا فَرَغَ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأَراه الطَّواف بالبيت سبعاً،
قال: وأحسَبُه وبين الصَّفا والمروة، ثمَّ أتى به عَرَفة فقال: أعَرَفتَ؟ قال: نعم، قال: فمن
ثَمَّ سُمّيت عَرَفات، ثمَّ أتى به جمعاً فقال: هاهنا يَجمَع الناسُ الصلاة، ثمَّ أتى به مِنَّی
فَعَرَضَ لهما الشيطان، فأخذَ جبريل سبع حَصَيات، فقال: ارمِه بها، وكَبِّر مع كلّ حَصَاة.
قوله: ﴿وَتُّبْ عَلَيْنَآ﴾ قيل: طَلَبَا الثَّبات على الإيمان، لأنَّهما معصومان، وقيل: أرادا أن ٤٤١/٣
يَعرِف الناس أنَّ ذلك الموقِف مكان التوبة، وقيل: المعنى: وتُّب على مَن اتَّبَعَنا.
١٥٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عاصمِ، قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني
عَمُرُو بنُ دينارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: لمَّا بُنيَتِ الكَعْبةُ ذهب
النبيُّ نَّه وعبَّاسٌ يَنقُلان الحِجارةَ، فقال العبَّاسُ للنبيِّ وَّهِهاجعَل إزارَكَ على رَقَبَتِكَ، فخَرَّ إلى
الأرض، فطَمَحَت عيناه إلى السَّماء، فقال: ((أرِنِي إِزَارِي)) فشَدَّه عليه.
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن محمَّد)) هو الْجُعْفي، وهذا أحد الأحاديث التي أخرجها
البخاري عن شيخه أبي عاصم النبيل بواسطةٍ.
قوله: ((لمّا بُنيت الكَعْبة)) هذا من مُرسَل الصحابي، لأنَّ جابراً لم يُدرِك هذه القصّة،
فيحتمل أن يكون سمعها من النبي وَله، أو ممّن حَضَرَها من الصحابة، وقد روى الطبراني
= يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ فلم يستجب له في الظالمين، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا، فسأل
الرزق للمؤمنين خاصة، فأخبر الله تعالى أنه يرزق الكافر والمؤمن، وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة، لأن
مِن عدلِه سبحانه أن يرزق جميع عباده وإن كانوا كفاراً. انظر («عمدة القاري)) ٩/ ٢١٣.

٣٥٨
باب ٤٢ / ح ١٥٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأبو نُعَيم في ((الدَّلائل)) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزُّبَيرِ (١) قال: سألتُ جابراً: هل يقوم
الرجل عُرياناً؟ فقال: أخبرني النبي ◌َِّ: أنَّه لمَّ انْهَدَمَت الكعبة، نَقَلَ كلّ بطن من قُرَيش،
وأنَّ النبي ◌ََّ نَقَلَ مع العَبَّاس، وكانوا يَضَعونَ ثيابهم على العَوَاتقِ يَتَقَوَّونَ بها - أي: على
حمل الحِجارة - فقال النبي وَلَّ: ((فاعتُقِلَت رِجلي فخَرَرت وسَقَطَ ثوبي، فقلت للعبَّاس:
هَلُمَّ ثوبي، فلَست أتعَرّى بعدها إلَّا إلى الغُسل)) لكنَّ ابن لهيعة ضعيف، وقد تابَعَه
عبد العزيز بن سليمان عن أبي الزُّبَير، ذكره أبو نُعَيم، فإن كان محفوظاً وإلا فقد حَضَرَه من
الصحابة العبّاس كما في حديث الباب، فلعلَّ جابراً حَمَله عنه.
وروى الطبراني أيضاً، والبيهقي في ((الدَّلائل)) (٣٢/٢-٣٣) من طريق عَمْرو بن أبي
قيس، والطَّبَري في ((التَّهذيب)) من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نُعَيم في ((المعرفة))
(٥٣٢٨) من طريق قيس بن الربيع، وفي ((الدَّلائل)) من طريق شعيب بن خالد(٢) كلّهم عن
سِماك بن حَرْب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس حدَّثني أبي العبّاسُ بن عبد المطَّلِب قال: لمَّا
بَنَت قُرَيش الكعبة انفَرَدَت رجلَيْنِ رجلَينِ يَنقلونَ الحِجارة، فكنت أنا وابن أخي، جعلنا
نأخُذ أُزُرَنا فتَضَعها على مَناكبنا ونجعل عليها الحِجارة، فإذا دَنَونا من الناس لَبِسنا أُزُرَنا،
فبينما هو أمامي إذ صُرِعَ، فسَعَيت وهو شاخص ببَصَره إلى السماء، قال: فقلت لابن أخي:
ما شأنك؟ قال: ((نُهيت أن أمشي عُريانا)) قال: فكَتَمته حتَّى أظهَرَ الله نُبُوَّته. تابَعَه التَكَم بن
أبانَ عن ◌ِكْرمة، أخرجه أبو نُعَيم أيضاً، وروى ذلك أيضاً (١٣٥) من طريق النَّضر أبي
عمر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، ليس فيه العبّاس، وقال في آخره: فكان أول شيء رأى من
النُّبوّة. والنَّضر ضعيف، وقد خَبَطَ في إسناده وفي متنه، فإنَّه جعل القصَّة في مُعالَجَة زَمزَم
بأمر أبي طالب وهو غُلام.
(١) أخرج نحوه أبو نعيم (١٣٢) و(١٣٣) من طريق عمرو بن دينار عن جابر، ولم نتبيّن فيه طريق أبي الزبير
المشار إليها.
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الدلائل)) (١٣٤) من طريق قيس بن الربيع، عن سماك بن حرب، بالإسناد المذكور،
ولیس من طریق شعیب بن خالد.

٣٥٩
باب ٤٢ / ح ١٥٨٢
كتاب الحج
وكذا روى ابن إسحاق في ((السّيرة)) عن أبيه عَمَّن حدَّثه عن النبي ◌َّ قال: ((إنّ لمع
غِلمانٍ هم أسناني، قد جعلنا أُزُرَنا على أعناقنا لحجارةٍ نَنقُلها، إذ لَكَمَني لاكمٌّ لكمةً
شديدة، ثمَّ قال: اشدُد عليك إزارك)) فكأنَّ هذه قصَّة أُخرى، واغتَرَّ بذلك الأزرَقي
فحكى قولاً: أنَّ النبيِنَّهِ لِمَّا بُنيت الكعبة كان غُلاماً. ولعلَّ عُمدَته في ذلك ما سيأتي عن
مَعمَر عن الزُّهْري، لكن الجمع بينه وبين المشهور ممكن، وهو أن يكون الحريق تقدم ذكر
وقته على الشروع في البناء(١).
ولحديث جابر(٢) شاهد من حديث أبي الطَّفَيل أخرجه عبد الرزاق (٩١٠٦) ومن
طريقه الحاكم (١٧٩/٤) والطبراني (٣) قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضمِ(٤) ليس
فيها مَدَر، وكانت قَدْر ما يَقتَحِمُها العَناق، وكانت ثيابها تُوضَع عليها تُسدَل سَدلاً،
وكانت ذات رُكنَينِ كهَيْئَة هذه الحَلْقة : -، فأقبَلَت سفينة من الرُّوم، حتَّى إذا كانوا قريباً
من جُدّةَ انكَسَرَت، فخرجت قُرَيش لتأخُذ خشبَها، فوجدوا الرّوميَّ الذي فيها نَجّاراً،
فقَدِموا به بالخشبِ ليبنُوا به البيت، فكانو كلَّما أرادوا القُرب منه لهدمِهِ، بَدَت لهم حَيَّةٌ
فاتحةً فاها، فبَعَثَ الله طيراً أعظَمَ من النَّسر، فغَرَزَ مخالبَه فيها فألقاها نحو أجياد، فَهَدَمَت
قُرَيش الكعبة وبَنَوها بحِجارة الوادي، فَرَفَعوها في السماء عشرينَ ذِراعاً. فبينَا النبيِّ
يَحمِل الحجارة من أجياد وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النَّمِرة، فذهب يَضَعُها على عاتقه
فَبَدَت عورتُه من صِغَرها، فنوديَ: يا محمد خَمِّرْ عورتَك، فلم يُرَ عُرياناً بعدَ ذلك، وكان
بین ذلك وبین المبعث خمس سِنینَ.
(١) من قوله: (لكن الجمع بينه)) إلى هنا سقط من (س).
(٢) تحرف في (س) إلى: معمر.
(٣) ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ٢٨٩/٣ وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) بطوله، وروى أحمد طرفاً منه،
ورجالهما رجال الصحيح.
قلنا: وأخرجه من طريق الطبراني: الضياء المقدسي في ((المختارة)) ٣/ (٢٧٢).
(٤) الرَّضم: صخورٌ بعضُها على بعض.

٣٦٠
باب ٤٢ / ح ١٥٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال مَعمَر: وأمَّا الزُّهْري فقال: لمَّا بَلَغَ رسول الله ◌َِّ الْحُلُمْ أجمَرَت امرأة الكعبة،
فطارَت شَرارةٌ من مِجمَرها في ثياب الكعبة فاحتَرَقَت، فَتَشاوَرَت قُرَيش في هدمها
٤٤٢/٣ وهابوه، فقال الوليد: إنَّ/ الله لا يُهلِك مَن يريد الإصلاح، فارتَقى على ظاهر البيت ومعه
العبَّاس، فقال: اللهمَّ لا نُريد إلَّ الإصلاح، ثمَّ هَدَم. فلمَّاً رأوه سالماً تابَعوه.
قال عبد الرزاق (٩١٠٣): وأخبرنا ابن جُرَيج قال: قال مجاهد: كان ذلك قبلَ المبعَث
بخمسَ عشرة سنة. وكذا رواه ابن عبد البَرِّ من طريق محمد بن جُبیر بن مُطعِم بإسناد له،
وبه جَزَمَ موسى بن عُقْبَةَ في («مغازيه)) والأول أشهر، وبه جَزَمَ ابن إسحاق.
ويُمكِن الجمع بينهما بأن يكون الحَريق تقدَّم وقته على الشُّروع في البِناء، وذكر ابن
إسحاق: أنَّ السيل كان يأتي فيُصيب الكعبة، فيَتَساقط من بنائها، وكان رَضاً فوق القامة،
فأرادت قُرَيش رفعها وتَسقيفَها، وذلك أنَّ نَفَراً سَرَقوا كَنز الكعبة. فذكر القصَّة مطوّلاً في
بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يَضَع الحجَر الأسوَد حتَّى رَضُوا بأولِ داخل، فدخل
النبي ◌َ ◌ّ فحَكَّموه في ذلك، فَوَضَعَه بيدِه. قال: وكانت الكعبة على عهد النبي رَّل ثمانية
عشر ذِراعاً.
ووقع عند الطبراني من طريق أُخرى عن ابن خُثَيم عن أبي الطُّفَيلِ: أنَّ اسم النَّجّار
المذكور: باقوم. وللفاكهي (١٩٩) من طريق ابن جُرَيج مثله، قال: وكان يَنَّجِر إلى مَنْدَب(١)
وراء ساحل عَدَن، فانكَسَرَت سَفينَتَه بالشُّعَيبة، فقال لقُرَيشٍ: إن أجرَيتُم عيري مع عيركم
إلى الشام أعطَيتُكُم الخَشَب، ففَعَلوا.
وروى سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن عَمْرو بن دينار: أنَّه سمع عُبيد بن عُمَير
يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقُرَيشٍ: باقوم، وكان رومياً. وقال الأزرقي: كان طولها سبعة
وعشرينَ ذِراعاً، فاقتَصَرَت قُرُيش منها على ثمانية عشر، ونَقَصوا من عَرْضها أذرُعاً
أدخلوها في الحِجر.
(١) تحرف في (س) إلى: بندر.