Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب ٤ / ح ١٥١٩ كتاب الحج محمد بن أبي بكر، وقد وَصَلَه الإسماعيلي قال: حدَّثنا أبو يَعْلى والحسن بن سفيان وغيرهما، قالوا: حدَّثنا محمد بن أبي بكر به. و((عَزرة)) بفتح المهمَلة وسكون الزّاي بعدها راء، تأنيث عَزْر، وهو المَنْع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُهُ﴾ [الفتح: ٩]، ورجال هذا الإسناد كلّهم بصريون. وقد أنكَرَه عليّ بن المدِيني لمَّا سُئِلَ عنه فقال: ليس هذا من حديث يزيد بن زُرَيع، والله أعلم. قوله: ((وكانت زاملتَه)) أي: الرّاحلة التي رَكِبَها، وهي وإن لم يَجِرِ لها ذِكر، لكن دَلَّ عليها ذِكر الرّحل، والزّاملة: البعير الذي يُحمَل عليه الطَّعام والمتاع، من الزَّمْل: وهو الحمل، والمراد: أنَّه لم تكن معه زاملة تحمِل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته، وكانت هي الرّاحلة والزّاملة. وروى سعيد بن منصور من طريق هشام بن عُرْوة، قال: كان الناس يَحُجّونَ وتحتهم أزوِدَتُهم، وكان أول مَن حجَّ على رَحل وليس تحته شيء عثمان بن عَفّانَ. وقوله فيه: ((ولم يكن شحيحا) إشارة إلى أنَّه فعل ذلك تَواضُعاً واتِّباعاً لا عن قِلّة وبُخْل. وقد روى ابن ماجَهْ (٢٨٩٠) هذا الحديث بلفظٍ آخر، لكنَّ إسناده ضعيف، فذكر بعدَ قوله: ((على رَحْل)): رَثُّ وقَطيفة تُساوي أربعة دراهم، ثمَّ قال: ((اللهمَّ حَجَّةً لا رياءَ فيها ولا سُمعةَ)). قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو)) هو ابن عليّ الفَلّاس، وأبو عاصم: هو النبيل شيخ البخاري، وروى عنه هنا بواسطة، ونابلٌ والد أيمَن، بنونٍ وموحّدة. قوله: «فأحقبها علی ناقة)) في رواية الگُشْمِیهنيّ: ((ناقتِه))، وسيأتي الكلام علیه. ٤ - باب فضل الحجّ المبرور ١٥١٩ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيد ابن المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: سُئِلَ النبيُّ وَّهِ أَيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله)) قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: ((جهادٌ في سبيلِ الله)» قيلَ: ثمَّ ماذا؟ قال: «حَجِّ مَبْرورٌ». ٢٤٢ باب ٤ / ح ١٥١٩ - ١٥٢١ فتح الباري بشرح البخاري ١٥٢٠- حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ المبارَكِ، حدَّثنا خالدٌ، أخبرنا حبيبُ بنُ أبي عَمْرةَ، عن عائشةَ بنتِ طَلْحةَ، عن عائشةَ أُمّ المؤمنينَ رضي الله عنها أنَّها قالت: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضَلَ العملِ، أفَلا نُجاهدُ؟ قال: ((لا، لَكُنَّ أفضَلُ الجهادِ: حَجّ مَبْرورٌ)). [أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦] ١٥٢١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حَدَّثنا سَيّارٌ أبو الحَكَم، قال: سمعتُ أبا حازمٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ ل يقول: ((مَن حجَّ لله فلم يَرْفُث ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كيومٍ وَلَتْه أُّم)». [طرفاه في: ١٨١٩، ١٨٢٠] قوله: ((باب فضل الحجّ المبرور)) قال ابن خالويه: المبرور: المقبول، وقال غيره: الذي لا يُخالطه شيء من الإثم، ورَجَّحَه النَّوَوي. ٣٨٢/٣ وقال القُرطُبي: الأقوال التي ذُكِرَت في تفسيره مُتقارِبةُ المعنى، وهي أنَّه الحج الذي وُقِيت أحكامُه، ووقع مَوقِعاً لمَا طُلِبَ من المكلَّف على الوجه الأكمل، والله أعلم. وقد تقدَّم في ذلك أقوال أُخَر مع مباحث الحديث الأول في ((باب مَن قال: إنَّ الإيمان هو العمل)) من كتاب الإيمان (٢٦)، منها أنَّه يظهر بآخرِهِ، فإن رَجَعَ خيراً ممَّا كان، عُرِفَ أنَّه مبرور. ولأحمد (١٤٤٨٢) والحاكم (٤٨٣/١) من حديث جابر: قالوا: يا رسول الله، ما بِرُّ الحجِّ؟ قال: ((إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السلام))، وفي إسناده ضعف، فلو ثَبَتَ لكان هو المتَعيَّن دون غيره. الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارَك)) هو العَيْشي، بالتحتانية والشّين المعجَمة، بصري وليس أخاً لعبد الله بن المبارَك المَرْوَزي الفقيه المشهور، وشیخه خالد: هو ابن عبد الله الواسطي. ٢٤٣ باب ٤ / ح ١٥١٩ -١٥٢١ كتاب الحج قوله: ((نَرى الجهاد أفضلَ العمل) وهو بفتح النون، أي: نَعتَقِد ونَعلَم، وذلك لكَثْرة ما يُسمَع من فضائله في الكتاب والسُّنّة. وقد رواه جَرِير عن حبيبٍ عند النَّسائي (٢٦٢٨) بلفظ: فإنّي لا أرى عملاً في القرآن أفضلَ من الجهاد. قوله: ((لَكُنَّ أفضَلُ الجهاد)) اختُلِفَ في ضبط ((لكُنَّ)) فالأكثر بضم الكاف خطاب للنِّسوة، قال القابسي: وهو الذي تميل إليه نفسي. وفي رواية الحَمُّوِيّ: ((لکِن)) بكسر الکاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة، لأنَّه يَشتَمِل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد، وسمّه جهاداً لمَا فيه من مُجاهَدة النَّفس، وسيأتي بقيَّة الكلام في أواخر كتاب الحج في ((باب حجّ النِّساء)) (١٨٦١) إن شاء الله تعالى. والمحتاج إليه هنا کُونُه جعل الحجّ أفضل الجهاد. الحدیث الثالث: قوله: ((سمعت أبا حازم)) هو سَلْمان، وأمَّا أبو حازم سَلَمةً بن دینار صاحب سهل بن سعد، فلم يسمع من أبي هريرة، وسَيّار أبو الحَكَم الراوي عنه بتقديم المهملة وتشديد التحتانية. قوله: ((مَن حجَّ لله)) في رواية منصور عن أبي حازم الآتية قُبيل جزاءِ الصَّيد (١٨١٩ و١٨٢٠): ((مَن حجَّ هذا البيت)»، ولمسلم (٤٣٨/١٣٥٠) من طريق جرير (١) عن منصور: ((مَن أتى هذا البيت)) وهو يَشمَل الحج والعمرة. وقد أخرجه الدارَقُطني (٢٧١٤) من طريق الأعمَش عن أبي حازم بلفظ: ((مَن حَجَّ أو اعتَمَرَ)) لكن في الإسناد إلى الأعمَش ضَعف. قوله: ((فلم يَرْفُث)) الرَّفَت: الجِماع، ويُطلَقَ على التعريض به وعلى الفُحش في القول، وقال الأزهري: الرَّفَث اسم جامع لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يُخُصّه بما خُوطِبَ به النِّساء. وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والجمهور على أنَّ المراد به في الآية الجماع، انتهى. (١) تحرف في (س) إلى: جريج. ٢٤٤ باب ٤ / ح ١٥١٩ - ١٥٢١ فتح الباري بشرح البخاري والذي يظهر أنَّ المراد به في الحديث ما هو أعمُّ من ذلك، وإليه نَحا القُرطُبي، وهو المراد بقوله في الصيام: ((فإذا كان صومُ أحدِكم فلا يَرفُث))(١). فائدة: فاء الرَّفَث، مُثلَّثة في الماضي والمضارع، والأفصَح الفتح في الماضي، والضمُّ في المستَقبَل، والله أعلم. قوله: ((ولم يَفْسُق)) أي: لم يأتِ بسَيِّئَةٍ ولا مَعصية، وأغرَبَ ابن الأعرابي، فقال: إنَّ لفظ الفِسق لم يُسمَع في الجاهلية ولا في أشعارهم، وإنَّما هو إسلامي، وتُعقّبَ بأنَّه كَثُرَ استعماله في القرآن وحكايته عَمَّن قبلَ الإسلام. وقال غيره: أصله: انفَسَقَت الرُّطَبة: إذا خرجت، فسُمّيَ الخارج عن الطاعة فاسقاً. ٣٨٣/٣ قوله: ((رَجَعَ كيومٍ وَلدَتْه ◌ُمَّه)) أي: بغير ذَنْب،/ وظاهره غُفران الصَّغائر والكبائر والتَّبِعات، وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبّاس بن مِرْداس المصرِّح بذلك(٢)، وله شاهد من حديث ابن عمر في ((تفسير الطَّبَري)) (٢٩٥/٢). قال الطِّيبي: الفاء في قوله: ((فلم يَرفُث)) معطوف على الشَّرط، وجوابه: ((رَجَعَ))، أي: صار، والجارّ والمجرور خبر له، ويجوز أن يكون حالاً، أي: صار مُشابهاً لنفسه في البراءة عن الذُّنوب في يوم ولدَته أُمّه. انتهى، وقد وقع في رواية الدارَقُطني (٢٧١٤) المذكورة: ((رَجَعَ کھَيئَتِه یوم ولدته أُمّه)). وذكر لنا بعض الناس: أنَّ الطّيي أفاد أنَّ الحديث إنَّما لم يُذكَر فيه الجِدال كما ذُكِرَ في الآية على طريق الاكتفاء بذِكر البعض، وتَركِ ما دَلَّ عليه ما ذُكِر، ويحتمل أن يقال: إنَّ ذلك يختلف بالقَصد، لأنَّ وجوده لا يُؤَثِّر في تَرك مَغْفِرة ذُنوب الحاجّ، إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجّ فيما يظهر من الأدلَّة، أو المُجادَلة بطريق التَّعميم فلا يُؤَثِّر أيضاً، (١) سيأتي برقم (١٩٠٤)، وأخرجه مسلم (١١٥١) (١٦٣) من حديث أبي هريرة (٢) إسناد حديث العباس ضعيف، وقد أخرجه ابن ماجه (٣٠١٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) (١٦٢٠٧)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه فيه. ٢٤٥ باب ٥ / ح ١٥٢٢ كتاب الحج فإنَّ الفاحش منها داخل في عُموم الرَّفَث، والحَسَن منها ظاهر في عَدَم التأثير، والمستَوي الطََّفَيْنِ لا يُؤَثِّر أيضاً. ٥ - باب فَرْض مَواقيت الحجّ والعُمرة ١٥٢٢ - حدَّثْنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثْنا زُهَيٌ، قال: حدَّثني زيدُ بنُ جُبَير: أنَّه أتى عبدَ الله ابنَ عمرَ رضي الله عنهما في منزلِه - وله فُسْطاطٌ وسُرادِقٌ - فسألتُه: من أينَ يجوزُ أن أَعْتَمِرَ؟ قال: فَرَضَها رسولُ الله ◌َّهِ لأَهلِ نَجْدٍ قَرْناً، ولأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. قوله: ((باب فَرْض مَواقيت الحجّ والعُمْرة)) المواقيت: جمع مِيقات، كمَواعیدَ ومِیعاد، ومعنى ((فَرَضَ)): قَدَّرَ أو أَوجَب، وهو ظاهر نصّ المصنّف، وأنَّه لا يُجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحاً ما سيأتي بعدَ قليل حيثُ قال: ((ميقات أهل المدينة، ولا يُهِلُّوا قبل ذي الحُلَيفة))(١). وقد نَقَلَ ابن المنذر وغيرُه الإجماع على الجواز، وفيه نظرٌّ، فقد نُقِلَ عن إسحاق وداود وغيرهما عَدَم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيِّده القياس على الميقات الزمانيّ، فقد أجمعوا على أنَّه لا يجوز التقدُّم عليه، وفَّقَ الجمهور بين الزمانيّ والمكانيّ، فلم يُحيزوا التقدُّم على الزماني، وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفيَّة وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدُّم، وقال مالك: يُكرَه، وسيأتي شيء من ذلك في ترجمة ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] في قوله: وگَرِهَ عثمان أن يُحرِم من خُراسان(٢). قوله: ((حدَّثنا زُهَير)) هو ابن معاوية الجُعْفي، ورجال هذا الإسناد سوى ابن عمر كوفيُّون، وجُبَير والد زيد بالجيمِ والموخَّدة مصغّر، ليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وفي الرُّواة زيد بن جَبِيرة بفتح الجيم وزيادة هاء في آخره، لم يُرِّج له البخاري شيئاً. (١) وهو الباب الآتي برقم (٨) من هذا الكتاب. (٢) وهو الباب الآتي برقم (٣٣). ٢٤٦ باب ٦ / ح ١٥٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وله فُسْطاط وسُرادق)) الفُسطاط معروف: وهي الخيمة، وأصله عمود الخِباء الذي يقوم عليه، وقيل: لا يقال لها ذلك إلَّا إذا كانت من الشَّعر، والسُّرادِقِ بضم المهملة وكسر الدال المهملة: الخيمة، ويقال: لا يقال لها ذلك إلا إذا كانت من (١) قُطْن، وهو أيضاً ممّا يُغطّى به صَحْن الدار من الشَّمس وغيرها، وكلّ ما أحاطَ بشيءٍ فهو سُرادِق، ومنه ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. قوله: ((فسأَلْتُه)) فيه الْتِفات، لأنَّه قال أولاً: إنَّه أتى ابنَ عمر، فكان السِّياق يقتضي أن يقول: فسأَلَه، لكن وقع عند الإسماعيلي: ((قال: فدخلتُ علیه فسأَلتُه)). قوله: ((فَرَضَها)) أي: قَدَّرَها وعَيَّنَها، ويحتمل أن يكون المراد أَوجَبَها، وبه يَتِمُّ مراد المصنّف، ويؤيِّده قَرِينة قول السائل: ((من أينَ يجوز لي))، وسيأتي الكلام على الحديث بعدَ باب. ٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ ١٥٢٣ - حدَّثنا يحيى بنُ بِشْرِ، حدَّثنا شَبَابٌ، عن وَرْقاءَ، عن عَمرِو بنِ دینارٍ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان أهلُ اليمنِ يَحُجُونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويقولون: نحنُ المُتَوَكِّلُونَ، فإذا قَدِمُوا المدينةَ سألُوا الناسَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. رواه ابنُ عُبَينَ، عن عَمرٍو، عن عِكْرمةَ مُرسَلاً. ٣٨٤/٣ قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾)) قال مُقاتل بن حَيّان: لمَّا نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله، ما نَجِدُ زاداً، فقال: ((تَزوَّدْ ما تَكُفُّ به وجهَك عن الناس، وخيرُ ما تَزَوَّدتُم التقوى)) أخرجه ابن أبي حاتم(٢). قوله: ((حدَّثنا يحيى بن بِشْر)) بكسر الموحّدة وبالمعجَمة: وهو البَلْخي، ولم يُرِّج (١) من قوله: ((الشعر)) إلى هنا سقط من (س). (٢) وهو مرسلٌ، فإن مقاتل بن حيان من أتباع التابعين. ٢٤٧ باب ٦ / ح ١٥٢٣ كتاب الحج للحَرِيري(١) الذي أخرج له مسلم، وهو من طبقته، وجعلهما ابن طاهر وأبو عليّ الجَيّاني رجلاً واحداً، والصواب التفرقة. قوله: ((كان أهل اليمن يَحَجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ)) زاد ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عبَّاس: يقولونَ: نَحُجّ بيتَ الله، أفلا يُطعِمُنا. قوله: ((فإذا قَدِمُوا المدينة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مكَّة)) وهو أصوَب، وكذا أخرجه أبو نُعَيم من طريق محمد بن عبد الله المُخرَّمي عن شَبَابة. قوله: ((رواه ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو)) يعني: ابن دينار ((عن عِكْرمة مُرسَلاً)) يعني: لم يَذكُر فيه ابنَ عبَّاس، وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عُيَينة، وكذا أخرجه الطَّبَري (٢٧٩/٢) عن عَمْرو بن عليّ، وابنُ أبي حاتم عن محمد بن عبد الله بن يزيد المُقرِئ كلاهما عن ابن عُيَينَةَ مُرسلاً، قال ابن أبي حاتم: وهو أصُّ من رواية وَرْقاء. قلت: وقد اختُلِفَ فيه على ابن عُيَينةً، فأخرجه النَّسائي (ك ١٠٩٦٦) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه موصولاً بذِكْر ابن عبّاس فيه، لكن حكى الإسماعيلي عن ابن صاعد: أنَّ سعيداً حدَّثهم به في كتاب المناسك موصولاً، قال: وحدَّثنا به في حديث عَمْرو ابن دینار، فلم ◌ُجاوز به عِکْرمة، انتھی. والمحفوظ عن ابن عُيَينةً ليس فيه ابن عبّاس، لكن لم ينفرد شَبَابة بوَصلِه، فقد أخرجه الحاكم في ((تاريخه)) من طريق الفُرَات بن خالد، عن سفيان الثَّوري، عن وَرْقاء موصولاً، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عبّاس كما سَبَق. قال المهلَّب: في هذا الحديث من الفقه أنَّ ترك السُّؤال من التقوى، ويؤيِّده أنَّ الله مَدَحَ مَن لم يَسأل الناس إلحافاً، فإنَّ قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ أي: تَزَوَّدوا واتَّقوا أذى الناس بسؤالكم إيّاهم والإثمَ في ذلك، قال: وفيه أنَّ التوكُّل لا يكون مع السُّؤال، وإنَّما (١) كذا في (أ) بالحاء المهملة على الصواب، وتصحفت في (س) و(ع) إلى: للجريري، بالجيم. ٢٤٨ باب ٧ / ح ١٥٢٤ فتح الباري بشرح البخاري التوكُّل المحمود أن لا يستعين بأحدٍ في شيء، وقيل: هو قَطْع النَّظَر عن الأسباب بعدَ تَهِئة الأسباب، كما قال عليه السلام: ((اعقِلْها وتَوَّل))(١). ٧ - باب مُهَلِّ أهل مكة للحج والعُمرة ١٥٢٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حذَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عِبَّاسٍ، قال: وَقَّتَ رسولُ الله ◌ِّهَ لأهلِ المدينةِ ذا الخُلَيَفةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنازِلِ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لهم ولمن أَتَى عليهنَّ من غيرِهِنَّ ثَمَّن أرادَ الحَجَّ والعُمْرةَ، ومَن كان دُونَ ذلك فمِن حيثُ أنشَاَ، حتَّى أهلُ مكَّةَ من مكَّةَ. [أطرافه في: ١٥٢٦، ١٥٢٩، ١٥٣٠، ١٨٤٥] قوله: ((باب مُهَلّ أهل مَكَّة للحجِّ والعُمْرة)) المُهَلّ، بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللَّامِ: موضع الإهلال، وأصله: رفع الصَّوت؛ لأنَّهم كانوا يَرفَعونَ أصواتَهم بالتَّلبية عند ٣٨٥/٣ الإحرام، ثمَّ أُطلِقَ على نفس الإحرام اتِّساعاً، قال ابن / الجَوْزي: وإنَّما يَقولُه بفتح الميم مَن لا يَعرِف، وقال أبو البقاء العُكْبَري: هو مصدر بمعنى الإهلال، كالمُدْخَلِ والمُخْرَج، بمعنى الإدخال والإخراج. وأشارَ المصنِّف بالترجمة إلى حديث ابن عمر، فإنَّه سيأتي (١٥٢٨) بلفظ: ((مُهَلّ))، وأمَّا حديث الباب فذكره بلفظ: ((وقَّتَ)) أي: حَدَّد. وأصل التوقيت أن يُجُعَل للشيءٍ وقت يَخْتَصّ به، ثمَّ اتَّسَعَ فيه فأُطلِقَ على المكان أيضاً، قال ابن الأثير: التوقيت والتّأقيت أن يُجُعَل للشيءٍ وقتٌ يَخْتَصّ به، وهو بيان مِقدار المدّة، يقال: وَقَّتَ الشيءَ - بالتشديد - يُوقِّتُه، ووَقَتَ - بالتخفيف - يَقِتُهُ: إذا بيَّن مُدَّته، ثمَّ انَّسَعَ فيه فقيل للموضعٍ : مِیقاتٌ. وقال ابن دقيق العيد: قيل: إنَّ التَّوقيت في اللُّغة: التَّحديد والتَّعيين، فعلى هذا فالتَّحديد (١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك. ٢٤٩ باب ٧ / ح ١٥٢٤ كتاب الحج من لوازم الوقت، وقوله هنا: ((وَقَّتَ)) يحتمل أن يريد به التَّحديدَ، أي: حَدَّ هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يريد به تعليقَ الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشَّرط المعتبر. وقال عياض: وَقَّتَ، أي: حَدَّد، وقد يكون بمعنى أَوجَب. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. انتهى، ويؤيِّده الرواية الماضية (١٥٢٢) بلفظ: فَرَضَ. قوله: ((وَقَّتَ رسولُ الله ◌َّ لأهلِ المدينة)) أي: مدينتَه عليه الصلاة والسلام ((ذا الخُلَيفة)) بالمهمَلة والفاء مصغَّراً، مكان معروف بينه وبين مكَّة مثَتا ميل غير مِيلَین، قاله ابن حَزْم، وقال غيره: بینھما عشر مراحل. وقال النَّوَوي: بينها وبين المدينة ستَّة أميال، ووَهَمَ مَن قال: بينهما ميل واحد، وهو ابن الصَّاغْ، وبها مسجد يُعرَف بمسجد الشجرة خَراب، وبها بئر، يقال لها: بئر عليٍّ. قوله: ((الجُحْفَة)) بضم الجيم وسكون المهمَلة، وهي قرية خَرِبة بينها وبين مكَّة خمس مَراحل أو سنَّة، وفي قول النَّوَوي في ((شرح المهذَّب)): ثلاث مراحل، نظرٌ، وسيأتي في حديث ابن عمر (١٥٢٨) أنَّهَا مَهْيَعة، بوَزْن عَلْقمة، وقيل: بوَزْن لَطِيفة، وسُمّيت الجُحفة؛ لأنَّ السّیل اجحَفَ بها. قال ابن الكَلْبي: كان العَماليق يَسكُنونَ يَثِرِب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل - بفتح المهمَلة وكسر الموحَّدة وهم إخوة عاد - حربٌ، فأخرجوهم من يَثِرِبَ فنزلوا مَهْيَعة، فجاء سيل فاجتَحَفَهم، أي: استأصَلهم، فسُمّيت الجُحفة. ووقع في حديث عائشة عند النَّسائي (٢٦٥٣ و٢٦٥٦): ((ولأهل الشام ومصر الُحفة»، والمكان الذي يُحِرِم منه المِصريونَ الآن رابِغٌ بَوَزْن فاعل - براءٍ وموخَّدة وغين معجمة - قریب من الجُحفة، واختُصَّت الُحْفة بالحُمّى، فلا یَنزِلها أحد إلَّا هُمَّ، كما سيأتي في فضائل المدينة (١٨٨٩). ٢٥٠ باب ٧ / ح ١٥٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنازِل)) أمَّا نَجْد: فهو كلّ مكان مُرتَفِع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفَلها الشام والعراق. والمنازل: بلفظ جمع المنزل، والمركَّب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له: قَرْن أيضاً بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضَبَطَه صاحب ((الصِّحاح)) بفتح الراء وغَلَّطوه، وبالَغَ النَّوَوي فحكى الاتِّفاق على تَخْطِئَته في ذلك، لكن حكى عياض عن تعليق القابسي: إنَّ مَن قاله بالإسكان أراد الجَبَل، ومَن قاله بالفتح أراد الطَّريق، والجبل المذكور بينه وبين مگّة من جهة المشرق مرحلتان. وحكى الرُّوياني عن بعض قُدَماء الشافعية: أنَّ المكان الذي يقال له: قَرْن، موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قَرْن المنازل، والآخر في صعود، وهو الذي يقال له: قَرْن الثَّعالب، والمعروف الأول. وفي ((أخبار مكَّة)) (٤/ ٢٨١) للفاكهي: أنَّ قَرْن الثَّعالب جبل مُشِرِف على أسفَل مِنَّى، بينه وبين مسجد مِنَّى ألفٌ وخمسُ مئةِ ذِراع، وقيل له: قَرْن الثَّعالب لكَثْرة ما كان يأُوي إليه من الثَّعالب. فِظَهَرَ أنَّ قَرْن الثَّعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي وَلّ الطائفَ يدعوهم إلى الإسلام ورَدِّهم عليه، قال: ((فلم أستَفِقِ إلَّا وأنا بقَرْن الثَّعالب» الحديث(١)، ذكره ابن إسحاق في ((السِّيرة النَّبوية))، ووقع في مُرسَل عطاء عند الشافعي (٢/ ١٥٠): ولأهلِ نَجدٍ قَرْن، ولمن سَلَك نَجداً من أهل اليمن وغيرهم قَرْن المنازل. ٣٨٦/٣ ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عبّاس هذا: ((ولأهلِ نجدِ اليمن ونجدِ الحجاز قَرْن))، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عبّاس، وإنَّما يوجد ذلك من مُرسَل عطاء، وهو المعتمَد، فإنَّ لأهل اليمن إذا قَصدوا مكَّة طريقَين: إحداهما طريق أهل الجِبال، وهم يَصِلونَ إلى قَرْن أو يُحاذونَه، فهو ميقاتُهم كما هو ميقات أهل المشرق، (١) سيأتي في سياق حديث برقم (٣٢٣١)، وأخرجه مسلم (١٧٩٥). ٢٥١ باب ٧ / ح ١٥٢٤ كتاب الحج والأُخرى طريق أهل تِهامة، فيَمُرّونَ بَيَلَمْلَمَ أو يحاذونَه، وهو ميقاتهم لا يُشاركهم فيه إلَّا مَن أتى عليه من غيرهم. قوله: ((ولأهلِ اليمن يَلَمْلَمَ)) بفتح التحتانية واللَّام وسكون الميم وبعدها لام مفتوحة ثمَّ ميم: مكان على مَرحَلَتَينِ من مكَّة، بينهما ثلاثونَ ميلاً، ويقال لها: أَلَمْلَمُ، بالهمزة وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن السِّيد فيه: يَرَمْرَمَ، براءَينِ بدلَ اللَّامين. تنبيه: أبعَدُ المواقيت من مكَّة ذو الحُلَيفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تَعظُم أُجور أهل المدينة، وقيل: رِفقاً بأهل الآفاق، لأنَّ أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكَّة، أي: ممَّن له ميقات مُعيَّن. قوله: ((هنَّ لهم) أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة. ووقع في رواية أُخرى كما يأتي في («باب دخول مكَّة بغير إحرام)) (١٨٤٥) بلفظ: ((هُنَّ لهنَّ) أي: المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلِهِنَّ على حذف المضاف، والأول هو الأصل، ووقع في ((باب مُهَلّ أهل اليمن)) (١٥٣٠) بلفظ: (هُنَّ لأهلِهِنَّ)» كما شرحتُه. وقوله: ((هُنَّ)) ضمير جماعة المؤنَّث، وأصله لمن يَعقِل، وقد استُعمِلَ فيما لا يَعِقِل لكن فيما دون العشرة. وقوله: ((ولمن أتى عليهِنَّ)) أي: على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، ويَدخُل في ذلك مَن دخل بلداً ذات ميقات ومَن لم يَدخُل، فالذي لا يَدخُل لا إشكالَ فيه إذا لم يكن له ميقات مُعيَّن، والذي يَدخُل فيه خلاف، كالشامي إذا أراد الحجَّ فدخل المدينة، فميقاته ذو الحُلَيفة لاجتيازه عليها، ولا يُؤْخِّر حتَّى يأتي الجُحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخَّرَ أساءَ ولَزِمَه دٌّ عند الجمهور، وأطلقَ النَّوَوي الاتِّفَاقَ، ونَفى الخلافَ في شرحَيه لمسلم و((المهذَّب)) في هذه المسألة، فلعلَّه أراد في مذهب الشافعي، وإلَّا فالمعروف عند المالكية أنَّ للشامي مثلاً إذا جاوَزَ ذا الْحُلَيفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجُحفة، جازَ له ذلك وإن كان الأفضلُ خلافَه، وبه قال الحنفيَّة وأبو ثَوْر وابن المنذر من الشافعية. ٢٥٢ باب ٧ / ح ١٥٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن دقيق العيد: قوله: ((ولأهل الشام الجُحفة)) يَشمَل مَن مرَّ من أهل الشام بذي الْحُلَيفة ومَن لم يَمُرَّ، وقوله: ((ولمن أتى عليهِنَّ من غير أهلهنَّ)) يَشمَل الشاميَّ إذا مرَّ بذي الْحُلَيفة وغيرَه، فهنا عُمومان قد تَعارَضا. انتهى مُلخَّصاً. ويَحَصُل الانفكاك عنه بأنَّ قوله: ((هُنَّ لهنَّ)) مُفسِّر لقوله مثلاً: وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الْحُلَيفة، وأنَّ المراد بأهل المدينة ساكِنُوُها ومَن سَلَك طريق سفرهم، فمَرَّ على ميقاتهم، ويؤيِّده عِراقي خرج من المدينة، فليس له مُجَاوَزة ميقات المدينة غير مُرِم، ويَترجَّح بهذا قولُ الجمهور، وينتفي النَّعارُُ. قوله: «مَّن أراد الحجّ والعُمْرة)» فيه دلالة على جواز دخول مگَّة بغیر إحرام، وسيأتي في ترجمة مُفْرَدة(١). قوله: «ومَن کان دون ذلك» أي: بین الميقات ومگَّة. قوله: ((فمن حيثُ أنشَأَ) أي: فمِيقاتُه من حيثُ أنشَأ الإحرامَ، إذ السَّفرُ من مكانه إلى مكَّة، وهذا مُتَّفَق عليه إلَّا ما رُويَ عن مجاهد أنَّه قال: ميقات هؤلاء نفس مكَّة، واستدلَّ به ابن حَزْم على أنَّ مَن ليس له ميقات، فميقاته من حيثُ شاءَ، ولا دلالة فيه لأنَّه يختصُّ بمن كان دون الميقات، أي: إلى جهة مكَّة كما تقدَّم. ويُؤخَذ منه أنَّ مَن سافَرَ غير قاصد للنُّسُكِ فجاوَزَ الميقات، ثمَّ بَدَا له بعدَ ذلك النُّسُكُ، أنَّه يُحِرِمُ من حيثُ تَجَدَّدَ له القَصْد، ولا يجب عليه الرُّجوع إلى الميقات لقوله: ((فمن حيثُ أَنشَأَ». قوله: «حتَّى أهل مَگَّة» يجوز فيه الرفع والكسر. قوله: ((من مَكَّة)) أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يُحرِمونَ من مكَّة كالآفاقيِّ الذي بين الميقات ومكَّة، فإنَّه يُحِرِم من مكانه ولا يحتاج إلى الرُّجوع إلى الميقات ليُحرِمَ منه، وهذا خاصّ بالحاجٌ. (١) وهو الباب رقم (١٨) من جزاء الصيد: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم (١٨٤٥). ٢٥٣ باب ٧ / ح ١٥٢٤ كتاب الحج ٣٨٧/٣ واختُلِفَ في أفضل الأماكن التي يُحرِم منها كما سيأتي في ترجمة مُفرَدة (١٧٨٧). وأمَّا المعتمِر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحِلّ كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة (١٧٨٣ و١٧٨٧). قال المحِبّ الطََّري: لا أعلم أحداً جعل مكَّة ميقاتاً للعمرة، فتَعيَّن حَملُه على القارِن، واختُلِفَ في القارِن، فذهب الجمهور إلى أنَّ حُكمَه حُكم الحاجِ في الإهلال من مكَّة، وقال ابن الماحِشُون: يجب عليه الخروجُ إلى أدنى الِحِلّ، ووَجَّهَه أنَّ العمرة إنَّا تَندَرِج في الحج فيما يِلُّه واحد، كالطَّواف والسَّعي عند مَن يقول بذلك، وأمَّا الإحرام فمَحِلَّه فيهما مُخْتَلِفِ. وجواب هذا الإشكال أنَّ المقصود من الخروج إلى الحِلّ في حقّ المعتمِر، أن يَرِد على البيت الحرام من الحِّ فيَصِحُّ كَونُه وافداً عليه، وهذا يَحَصُل للقارنِ لخروجِه إلى عَرَفة، وهي من الحِلّ، ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة، فحَصَلَ المقصود بذلك أيضاً. واختُلِفَ فيمن جاوَزَ الميقات مُريداً للنُّسُكِ فلم يُحِرِم، فقال الجمهور: يأَم ويَلزَمه دمٌّ، فأمَّا لُزوم الدَّم فِدليلٍ غير هذا، وأمَّا الإثم فِلِتَرك الواجب. وقد تقدَّم الحديث من طريق ابن عمر (١٥٢٢) بلفظ: «فَرَضَها»، وسيأتي (١٥٢٥) بلفظ: ((يُهِلّ)) وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يَرِد بلفظ الخبر إلَّا إذا أُريدَ تأكيدُه، وتأكيدُ الأمر للوُجوب، وسَبَقَ في العلم (١٣٣) بلفظ: من أينَ تأمُرنا أن نُهِلّ، ولمسلم (١١٨٢ / ١٥) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أمَرَ رسول الله وَ لّ أهلَ المدينة. وذهب عطاء والنَّخَعي إلى عَدَم الوجوب، ومُقابِلُه قولُ سعيد بن جُبَير: لا يَصِحّ حَجُّه، وبه قال ابن حَزْم، وقال الجمهور: لو رَجَعَ إلى الميقات قبلَ التَّلُّس بالنُّسُكِ سَقَطَ عنه الدَّم، قال أبو حنيفة: بشرطِ أن يعود مُلبِّياً، ومالكٌ: بشَرطِ أن لا يَبعُدَ، وأحمدُ: لا يَسقُط بشيءٍ. تنبيه: الأفضل في كلّ ميقات أن يُحرِم مِن طرفه الأبعَدِ من مكَّة، فلو أحرَمَ من طرفه الأقرب جاز. ٢٥٤ باب ٨-٩ / ح ١٥٢٥ -١٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري ٨- باب ميقات أهل المدينة ولا يُهِلّوا قَبل ذي الخُلَيفة ١٥٢٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهَّم قال: «يُمِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، وأهلُ الشَّامِ من الجُحْفِةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ». قال عبدُ الله: وبَلَغَني أنَّ رسولَ الله ◌َّ قال: ((ويُهِلُّ أهلُ اليمنِ من يَلَمْلَمَ)). قوله: ((باب ميقات أهل المدينة، ولا يُهِلُّوا قَبْلَ ذي الحُلَيفة)) قد تقدَّمت الإشارة إلى هذا في ((باب فرض المواقيت)) (٥)، واستَنبَطَ المصنّف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تَعُّن ذلك، وأيضاً فلم يُنقَل عن أحد ممَّنْ حَجَّ مع النبيِ وََّ أنَّه أحرَمَ قبل ذي الحُلَيفة، ولو لا تَعُّن الميقات لَبادروا إليه، لأنَّه يكون أشَقَّ، فيكون أكثر أجراً، وقد تقدَّم شرح المتن في الذي قبله. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن عمر. قوله: ((وبَلَغَني ... )) إلى آخره، سيأتي (١٥٢٨) من رواية ابنه سالم عنه بعدَ باب بلفظ: ((زَعَموا أنَّ النبي ◌َّهِ قال، ولم أسمَعه))، وتقدَّم في العلم (١٣٣) من وجه آخر بلفظ: ((لم أفقَهْ هذه من النبي (وَّ)، وهو يُشعِر بأنَّ الذي بَلَّغَ ابن عمر ذلك جماعةٌ، وقد ثَبَتَ ذلك من حديث ابن عبّاس كما في الباب قبلَه، ومن حديث جابر عند مسلم (١١٨٣)، ومن حديث عائشة عند النَّسائي (٢٦٥٣ و٢٦٥٦)، ومن حديث الحارث بن عَمْرو السَّهْمي عند أحمد وأبي داود والنَّسائي(١). ٩- باب مُهَلّ أهل الشام ٣٨٨/٣ ١٥٢٦ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: وَقَّتَ رسولُ الله ◌ََّ لأَهلِ المدينةِ ذا الخُلَيَفةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، (١) أحمد (١٦٠٦٨)، وأبو داود (١٧٤٢)، والنسائي (٤٢٢٦) و(٤٢٢٧)، وليس عندهم ذكر المواقيت إلا ما وقع عند أبي داود بذكر ذات عِرْق لأهل العراق فحسب، ورواه بذكر المواقيت الدار قطني (٦)، والطبراني (٣٣٥١). ٢٥٥ باب ١٠-١١ / ح ١٥٢٧ -١٥٢٩ كتاب الحج ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنازِلِ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ هنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرِ أهلِهِنَّ لمن كان يريدُ الحجّ والعُمْرةَ، فمَن كان دُونَهَنَّ فمُهَلُّه من أهلِهِ، وكَذاكَ حتَّى أهلُ مكَّةَ يُهِلُّونَ منها. قوله: ((باب مُهَلّ أهل الشّام)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم قبلَ باب (١٥٢٤)، وحمّاد المذكور في الإسناد: هو ابن زيد. ١٠ - باب مَُلّ أهل نجدٍ ١٥٢٧ - حدَّثْنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ: حَفِظْناه من الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه: وَقَّتَ النبيُّ ◌َّه. ١٥٢٨ - حدَّثنا أحمدُ، حذَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ الله، عن أبيه﴾، سمعتُ رسولَ اللهِ وَّةَ، يقول: ((مُهَلُّ أهلِ المدينةِ ذُو الخُلَيفةِ، ومُهَلَّ أهلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ - وهي الجُحْفُ - وأهلِ نَجْدٍ قَرْنٌ)). قال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: زَعَمُوا أنَّ النبيَّ وَّ قال، ولم أسمَعْه: ((ومُهَلَّ أهلِ اليمنِ يَلَمْلَمُ)). قوله: ((باب مُهَلّ أهل نَجْد)» أورَدَ فيه حديث ابن عمر من طريقَينِ إلى الزُّهْري، فعلي شيخه في الإسناد الأول: هو ابن المدِيني، وأحمد في الثاني: هو ابن عيسى، كما ثَبَتَ في رواية أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم الكلام عليه قريباً. ١١ - باب مُهَلّ من كان دُون المواقيتِ ١٥٢٩ - حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا حَمّدٌ، عن عَمٍو، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ وَقَّتَ لأَهلِ المدينةِ ذا الحُلَيَفةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْناً، فهُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرِ أهلِهِنَّ مَمَّن كان يريدُ الحجّ والعُمْرةَ، فمَن كان دُونَهَنَّ فمِن أهلِهِ، حتَّى إِنَّ أهلَ مكَّةَ يُهِلُّونَ منها. قوله: «باب مُهَلّ مَن کان دُون المواقيت» أي: دونها إلى مگّة، أورَدَ فیه حدیث ابن عبّاس من وجه آخر، وحمّاد: هو ابن زيد، وعَمْرو: هو ابن دینار. ٢٥٦ باب ١٢ -١٣ / ح ١٥٣٠ - ١٥٣١ فتح الباري بشرح البخاري ٣٨٩/٣ ١٢ - باب مُهَلّ أهل اليمن ١٥٣٠ - حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثْنا وُهَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ وَقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الخُلَيَفةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنازِل، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لأهلِهِنَّ ولِكُلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من غيرِهم مَّن أرادَ الحَجَّ والعُمْرةَ، فمَن كان دُونَ ذلك، فمِن حيثُ أنشَأَ، حتَّى أهلُ مكَّةَ من مكَّةَ. قوله: ((باب مُهَلّ أهل اليمن)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس، وقد سَبَقَ ما فيه (١٥٢٤). تكميل: حكى الأثرَمُ عن أحمد: أنَّه سُئِلَ في أيِّ سنة وَقَّتَ النبيُّ وَِّ المواقيتَ؟ فقال: عام حَجَّ. انتهى، وقد سَبَقَ حديث ابن عمر في العلم (١٣٣) بلفظ: أنَّ رجلاً قام في المسجد، فقال: يا رسول الله، من أينَ تأمرُنا أن نُهِلَّ؟ ١٣ - بابٌ ذات عِرْقٍ لأهل العراق ١٥٣١ - حدَّثني عليُّ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَیر، حدَّثنا عُبیدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا فُتِحَ هذان المِصْرانِ أَوْا عمرَ فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ رسولَ اللهِوَلَّ حَدَّ لأهلِ نَجْدٍ قَرْناً، وهو جَوْرٌ عن طَرِيقِنا، وإنّا إن أرَدْنا قَرْناً شَقَّ علينا، قال: فانظُرُوا حَذْوَها من طَرِيقِكُم. فخَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ. قوله: ((باب ذات عِرْق لأهلِ العراق)) هي بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سُمّي بذلك لأنَّ فيه عِرْقاً: وهو الجبل الصَّغير، وهي أرض سَبِخة تُنِبِتُ الطَّرْفاء، بينها وبين مكَّة مَرَحَلَتان، والمسافة اثنان وأربعونَ ميلاً، وهو الحدُّ الفاصل بين نَجدٍ وتهامةً. قوله: ((لمَّا فُتِحَ هذان المِصْران)) كذا للأكثر بضم ((فُتِحَ)) على البِناء لما لم يُسمَّ فاعله، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لمَّا فَتَحَ هذين المِصرَينِ)) بفتح الفاء والتاء على حذف الفاعل، والتقدير: لمَّا فَتَحَ الله، وكذا ثَبَتَ في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج))، وبه جَزَمَ عياض، وأمَّا ابن مالك، فقال: تَنازَعَ ((فَتَحَ) و ((أتوا)» وهو على إعمال الثاني، وإسناد الأول إلى ضمير عمر. ٢٥٧ باب ١٣ / ح ١٥٣١ كتاب الحج ووقع عند الإسماعيلي من طريق يحيى بن سعيد عن عُبيد الله مختصراً، وزاد في الإسناد: عن عمر: أنَّه حَدَّ لأهل العراق ذات عِرق. والمِصران: تثنيةٌ مِصْر، والمراد بهما الكوفة والبصرة، وهما سُرَّتا العراق، والمراد بفتحِهما غَلَبةُ المسلمين على مكان أرضِهما، وإلَّا فهما من تمصير المسلمين. قوله: ((وهو جَّوْر)) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء، أي: مَيْل، والجَوْر: الميلُ عن القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾ [النحل: ٩]. قوله: ((فانظُرُوا حَذْوَها)) أي: اعتَبِروا ما يُقابل الميقات من الأرض التي تَسلُكونَها من غیر مَیْل، فاجعلوه میقاتاً، وظاهره أنَّ عمر حَدَّ لهم ذات عرق باجتهاد منه، وقد روى الشافعي (٢/ ١٥٠) من طريق أبي الشَّعثاء قال: لم يوقِّت رسول الله وَ لّ لأهل المشرق شيئاً، فاتَّخَذَ الناس بحِیَال قَرْنٍ ذاتَ عِرق. وروى أحمد (٤٤٥٥) عن هُشَيم عن يحيى بن سعيد وغيره عن نافع عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت وزاد فيه: قال ابن عمر: فأثَرَ (١) الناسُ ذات عِرْق على قَرْن. وله (٤٥٨٤) عن سفيان عن صدقة عن ابن عمر، فذكر حديثَ المواقيت: قال: فقال له قائل: فأينَ العراق؟ فقال ابنُ عمرَ: لم يكن يومئذٍ عِراقٌ. وسيأتي في الاعتصام (٧٣٤٤) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: لم یکن عِراقٌ يومئذٍ. ووقع في ((غرائب مالك)) للدَّارَقُطني من طريق عبد الرزاق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: وَقَّتَّ رسول الله وََّ لأهل العراق قَرْناً. قال عبد الرزاق: قال لي بعضُهم: إنَّ مالكاً محاه من كتابه. قال الدارَ قُطني: تفرّد به عبد الرزاق. قلت: والإسنادُ إليه ثقاتٌ أثبات، وأخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده) عنه، وهو غريب جدّاً، وحديث الباب يردُّه. وروى الشافعي (٢/ ١٥٠) من طريق طاووسٍ قال: لم يُوقِّت رسول الله وَ﴾ ذاتَ عِرْق، ولم يكن حينئذٍ أهلُ المشرِق، وقال في ((الأُمّ)): لم يَتْبُت عن النبيِ وَ أَنَّه حَدَّ ذات عِرِق، وإنَّما أجمع عليه الناس. (١) كذا وقع في الأصلين و(س): فآثر، وفي نسخنا من («المسند»: فقاسَ. ٢٥٨ باب ١٣ / ح ١٥٣١ فتح الباري بشرح البخاري ٣٩٠/٣ وهذا كلُّه يدلّ على أنَّ ميقات ذات عِرْق ليس / منصوصاً، وبه قَطَعَ الغَزالي والرّافعي في ((شرح المسند)) والنَّوَوي في ((شرح مسلم)، وكذا وقع في ((المدوَّنة)) لمالك، وصَحَّحَ الحنفيّة والحنابلة وجمهور الشافعية والرّافعي في ((الشَّرح الصَّغير)) والنَّوَوي في ((شرح المهذَّب)) أنَّه منصوص، وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم (١١٨٣) إلَّا أنَّه مشكوك في رَفْعه، أخرجه من طريق ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزُّبَير: أنَّه سمع جابراً يُسأل عن المُهَلِّ فقال: سمعتُ أحسَبُهُ رفع إلى النبي ◌َِّ ... فذكره، وأخرجه أبو عَوَانة في ((مُستَخرَجه)) بلفظ: فقال: سمعتُ أحسَبُهُ يريد النبيَّ وَّهِ، وقد أخرجه أحمد (١٤٦١٥) من رواية ابن لَهِيعةَ، وابن ماجه (٢٩١٥) من رواية إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزُّبَير، فلم يَشُكّا في رفعه. ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عَمْرو السَّهمي، كلاهما عند أحمد وأبي داود والنَّسائي(١)، وهذا يدلّ على أنَّ للحديث أصلاً، فلعلَّ مَن قال: إنَّه غير منصوص، لم يَبلُغه، أو رأى ضَعْف الحديث باعتبار أنَّ كلّ طريق لا يخلو عن مَقالٍ، ولهذا قال ابن خُزيمة: رويت في ذات عِرْق أخبار لا يَتْبُت شيء منها عند أهل الحديث. وقال ابن المنذر: لم نَجِدْ في ذات عِرْق حديثاً ثابتاً. انتهى، لكنَّ الحديث بمجموع الطُرق یقوی کما ذكرنا. وأمَّا إعلال مَن أعَلَّه بأنَّ العراق لم تكن فُتِحَت يومَئذ، فقال ابن عبد البَرِّ: هي غَفلة، لأَنَّ النبي ◌َّهِ وَقَّتَ المواقيت لأهل النَّواحي قبلَ الفُتوح، لكنَّه عَلِمَ أنَّهَا سَتُفْتَح، فلا فَرْقَ في ذلك بين الشام والعراق، انتهى. وبهذا أجاب الماوَرْدي وآخرون، لكن يظهر لي أنَّ مراد من قال: لم يكن العراق يومئذٍ، أي: لم يكن في تلك الجهة ناس مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك أنَّه روى الحديثَ (١) حديث عائشة أخرجه أبو داود (١٧٣٩)، والنسائي (٢٦٥٣) و(٢٦٥٦)، ولم نقف عليه في ((المسند»، وحديث الحارث بن عمرو السهمي سلف تخريجه قريباً في آخر باب (٨): ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة. ٢٥٩ باب ١٣ / ح ١٥٣١ كتاب الحج بلفظ: إنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، من أينَ تأمُرنا أن نُِّلّ؟ فأجابه، وكلَّ جهة عَيَّنَها في حديث ابن عمر كان من قِبَلها ناس مسلمون بخلاف المشرق، والله أعلم. وأمَّا ما أخرجه أبو داود (١٧٤٠) والتِّرمِذي (٨٣٢) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّ النبي ◌َّ﴾ وَقَّتَ لأهل المشرق العَقِيقَ، فقد تفرَّد به یزید بن أبي زیاد وهو ضعيف، وإن كان حَفِظَه فقد جمع بينَه وبين حديث جابر وغيرِه بأجوبةٍ: منها: أنَّ ذات عِرْق ميقات الوجوب، والعَقِيق ميقات الاستحباب؛ لأنَّه أبعَدُ من ذات عرق. ومنها: أنَّ العَقِيق ميقاتٌ لبعض العراقيينَ، وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنسٍ عند الطبراني (٧٢١)، وإسناده ضعيف. ومنها: أنَّ ذات عِرْق كانت أولاً في موضع العقيق الآن ثمَّ حُوِّلَت وقُرَّبَت إلى مگَّة، فعلى هذا فذاتُ عِرق والعقيق شيء واحد، ويَتَعيَّن الإحرامُ من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنَّما قالوا: يُستَحبُّ احتياطاً. وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح: أنَّه كان يُحِرِم من الرَّبَذة، وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخُصَيف الجَزَري، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النَّظَر إن كانت ذات عِرق غیر منصوصة، وذلك أنّها تُحاذِي ذا الحُلَیفة، وذاتُ عِرق بعدها، والحكم فيمن ليس له ميقات أن يُحِرِم من أول ميقات يُحاذِيه، لكن لمَّا سَنَّ عمرُ ذاتَ عِرق وتَبِعَه عليه الصحابة، واستمرّ علیه العمل، كان أُولی بالاتِّباع. واستُدلَّ به على أنَّ مَن ليس له ميقاتٌ أنَّ عليه أن يُحِرِم إذا حاذى ميقاتاً من هذه المواقيت الخمسة، ولا شكَّ أنَّها محيطة بالحَرَم، فذو الحُلَيفة شاميَّة، ويَلَمْلَمُ يَمَانيَة فهي مُقابِلُها، وإن كانت إحداهما أقربَ إلى مكَّة من الأُخرى، وقَرْنٌ شرقيَّة، والجُحْفة غربيَّة، فهي مُقابِلُها وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عِرْق تُحاذي قَرْناً، فعلى هذا فلا تَّخُلُو بُقعة من بقاع الأرض من أن تُحاذيّ ميقاتاً من هذه المواقيت، فبَطَلَ قول مَن قال: مَن ليس له ٢٦٠ باب ١٤ / ح ١٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ميقات ولا يُحاذِي ميقاتَ أهلِ الحرم يُحِرِم(١) من مِقْدار أبعَدِ المواقيت (٢) أو أقربها، ثمَّ حكى فيه خلافاً، والفَرَض أنَّ هذه الصورة لا تَتَحقَّق لمَا قلتُه، إلَّا أن يكون قائله فَرَضَه فيمن لم يَطَّلِع على المُحاذاة كمَن يَجَهَلها، وقد نَقَلَ النَّوَوي في ((شرح المهذَّب)) أنَّه يَلزَمُه أن يُحِرِم على مَر حَلتَين اعتباراً بقول عمر هذا في توقيته ذاتَ عِرْق. ٣٩١/٣ وتُعقّبَ بأنَّ عمر إنَّما حَدَّها لأنَّها تُحاذي قَرْناً، وهذه الصّورة إنَّما هي حيثُ يَجهل المُحاذاةَ، فلعلَّ القائل بالمرحَلتَينِ أخذَ بالأقلِّ، لأنَّ ما زاد عليه مشكوك فيه، لكنَّ مُقتَضى الأَخْذ بالاحتياط أن يُعتبَرَ الأَكثرُ الأبعَدُ، ويحتمل أن يُفرَّق بين مَن عن يمين الكعبة وبين مَن عن شِمالها؛ لأنَّ المواقيت التي عن يمينها أقربُ من التي عن شِمالها، فيُقدَّر لليمين الأقرب، وللشِّمال الأبعَد، والله أعلم. ثمّ إنَّ مشروعية المحاذاة مُخْتَصّة بمن ليس له أَمامه ميقات مُعيَّن، فأمَّا مَن له ميقات مُعيَّن كالمِصْري مثلاً يَمُرّ ببدر، وهي تُحاذي ذا الْحُلَيفة، فليس عليه أن يُحِرِم منها، بل له التأخير حتَّى يأتي الجُحفة، والله أعلم. تنبيه: العَقِيق المذكور هنا: وادٍ يَتدَفَّق ماؤُه في غَوْري تِهامةً، وهو غير العَقِيق المذكور بعد بابینِ کما سیأتی بیانه (١٥٣٤). ١٤ - بابٌ ١٥٣٢ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ أَنَاخَ بِالبَطْحاء بذِي الحُلَیفةِ، فصَلَّى بها. وكان عبدُ الله ابنُ عمر رضي الله عنهما يفعلُ ذلك. قوله: ((باب)) كذا في الأُصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفَصْل من الأبواب التي قبله، ومُناسَبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتَينِ عند إرادة الإحرام من (١) تحرفت في (س) إلى: ولا يحاذي ميقاتاً هل يُحرم. (٢) في (س): أبعد من، بزيادة ((من)) ولا معنى لها هنا.