Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ باب ٧١ / ح ١٥٠٤ كتاب الزكاة وقد أخرجه ابن خُزَيمةً في ((صحيحه)) (٢٤١١) من طريق عبد الله بن شَوْذَب عن أيوبَ، وقال فيه أيضاً: ((من المسلمين)). وذكر شيخُنا سِراجُ الدّينِ بن المُلقِّن في ((شرحِه)) تَبَعاً لمُغَلْطاي: أنَّ البيهقي أخرجه من طريق أيوبَ بن موسى وموسى بن عُقْبةَ ويحيى بن سعيدٍ ثلاثتهم عن نافع، وفيه الزيادة، وقد تَتَبَّعت تصانيفَ البيهقي، فلم أجدْ فيها هذه الزيادةَ من رواية أحدٍ من هؤلاء الثلاثة(١). وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادةَ أحدٌ مثلُ مالك، لأنَّه لم يُتَّفَق على أيوبَ وعُبيد الله في زيادتها، وليس في الباقينَ مثلُ يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوبَ مقالٌ. واستُدِلَّ بهذه الزيادة على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفِطْر، ومُقتَضاه أنَّها لا تجبُ على الكافرِ عن نفسِه، وهو أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه، وهل يُخْرِجُها عن غيره كمُستَوَلَدَتِه المسلمة مثلاً؟ نَقَلَ ابن المنذرِ فيه الإجماعَ على عَدَم الوجوب، لكن فيه وجهٌ للشافعية، وروايةٌ عن أحمد. وهل يُخْرِجُها المسلمُ عن عبده الكافرِ؟ قال الجمهورُ: لا، خلافاً لعطاءٍ والنَّخَعي والثَّوري والحنفيَّة وإسحاق، واستَدَلّوا بعُمومٍ قوله: ((ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلَّا صدقةَ الفِطْر))(٢) وقد تقدَّم. وأجاب الآخرونَ بأنَّ الخاصَّ يقضي على العامّ، فعُمومُ قوله: ((في عبده)) مخصوصً بقوله: ((من المسلمين)). وقال الطَّحاوي: قوله: ((من المسلمين)) صفةٌ للمُخرِجينَ، لا للمُخرَجِ عنهم، وظاهرُ الحديث يأْباه لأنَّ فيه العبدَ، وكذا الصَّغيرُ في رواية عمرَ بن نافعٍ (١٥٠٣) وهما مَمَّن يُرَجُ عنه، فدَلَّ على أنَّ صفةَ الإسلام لا تَخْتَصُّ بالمخرِجينَ، ويؤيِّدُه روايةُ الضَّحّاك عند مسلم (١٦/٩٨٤) بلفظ: ((على كلِّ نفسٍ من المسلمين حُرٍّ أو عبدٍ)) الحديثَ. (١) انظر ما أخرجه البيهقي ٤ / ١٦٢ - ١٦٣. (٢) وهو عند مسلم برقم (٩٨٢) (١٠). ٢٢٢ باب ٧٢ / ح ١٥٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال القُرطُبي: ظاهرُ الحديث أنَّه قَصَدَ بيانَ مِقدار الصَّدَقة ومَن تجبُ عليه، ولم يَقصِد ٣٧١/٣ فيه بيانَ مَن يُخْرِجُها/ عن نفسه ممَّن يُخْرِجُها عن غيره بل شَمَلَ الجميع. ويؤيِّدُه حديثُ أبي سعيدِ الآتي(١) فإنَّه دالٌّ على أنَّهم كانوا يُخْرِجونَ عن أنفُسِهم وعن غيرهم لقوله فيه: ((عن كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ)) لكن لا بُدَّ من أن يكون بين المخرِجِ وبين الغیر مُلاَبَسةٌ كما بين الصَّغير ووَليِّه، والعبد وسَيِّدِه والمرأة وزوجِها. وقال الطّيبي: قوله: ((من المسلمين)) حالٌ من العبد وما عُطِفَ عليه، وتَنزِيلُها على المعاني المذكورة أنَّها جاءت مُزدوجةً على التَّضادِّ للاستيعاب لا للتخصيص، فيكون المعنى: فَرضَ على جميع الناس من المسلمين، وأمَّا كَونُها فيمَ وَجَبَت وعلى مَن وَجَبَت؟ فيُعلَمُ من نُصوصٍ أُخرى. انتهى. ونَقَلَ ابن المنذرِ: أنَّ بعضَهم احتَجَّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق: «حدَّثني نافعٌ أنَّ ابن عمرَ كان يُخْرِجُ عن أهلِ بيتِهِ، حُرِّهم وعبدهم، صغيرِهم وكبيرِهم، مسلمِهِم وكافرهم من الرَّقيق)) قال: وابن عمرَ راوي الحديث، وقد كان يُخْرِجُ عن عبده الكافر، وهو أعرَفُ بمراد الحديث. وتُعقّبَ بأنَّه لو صَحَّ ◌ُلَ على أنَّه كان يُخْرِجُ عنهم تطوُّعاً ولا مانعَ منه. واستُدِلَّ بعُموم قوله: ((من المسلمين)) على تَناوُلها لأهل البادية، خلافاً للزُّهري وربيعةً والليثِ في قولهم: إنَّ زكاةَ الفِطْرِ تَخْتَصُ بالحاضرة، وسنذكر بقيّة ما يَتعلَّقُ بزكاة الفِطْرِ عن العَبيد في أواخر أبواب صدقة الفِطْر (١٥١١) إن شاء الله تعالى. ٧٢ - باب صَدقةِ الفِطْر صاعٌ من شَعیرٍ ١٥٠٥ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن عِياض بنِ عبدِ الله، عن أبي سعيدٍ ﴾، قال: كنّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صاعاً من شَعِيرٍ. [أطرافه في: ١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥١٠] (١) في الباب التالي والذي یلیه برقم (١٥٠٨) و(١٥١٠) وليس فيه قوله: ((عن كل صغير وكبير))، وهو عند مسلم (٩٨٥) (١٨). ٢٢٣ باب ٧٣ -٧٤ / ح ١٥٠٦-١٥٠٧ كتاب الزكاة قوله: ((باب صَدقةِ الفِطْرِ صاعٌ من شَعيرٍ)) أورَدَ فيه حديثَ أبي سعيدٍ مختصراً من رواية سفيانَ: وهو الثَّوري، وسيأتي بعدَ بابينٍ من وجهٍ آخرَ عنه تامّاً (١٥٠٨)، وقد أخرجه ابن ◌ُخُزَيمةَ(١) عن الزَّعفَراني عن قَبيصةَ شيخ البخاري فيه تامّاً، وقوله فيه: ((كنَّا نُطعِمُ الصَّدَقَةَ)» اللَّمُ للعهدِ عن صدقة الفِطْر. ٧٣ - باب صدقة الفطر صاعٌ من طعامٍ ١٥٠٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن عِیاض بنِ عبدِ الله بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْحِ العامِيّ: أنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ﴾، يقول: كنَّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شَعِيرٍ، أو صاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من زَبِيبٍ. قوله: ((بابُ صدقةِ الفِطْرِ صاعٌ من طعامٍ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((صاعاً)) بالنصب، ووجه الرفع ظاهرٌ على أنَّه الخبر، وأمَّا النصبُ فبتقدير فعل الإخراج، أي: بابُ إخراج صدقة الفِطْرِ صاعاً من طعام، أو على أنَّه خبرُ ((كان)) الذي حُذِفَ أو ذُكِرَ على سبيل الحكاية ممَّاً في لفظ الحديث. قوله: ((صاعاً من طعام أو صاعاً من شَعيرٍ)) ظاهرُه أنَّ الطَّعام غيرُ الشَّعير وما ذُكِرَ معه، وسیأتي البحثُ فیه بعدَ بابٍ. ٧٤ - باب صدقة الفطر صاعاً من تمرٍ ١٥٠٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا الليثُ، عن نافع، أنَّ عبد الله قال: أمَرَ النبيُّ ◌َّ بزكاةِ الفِطْرِ صاعاً من تَمْرٍ أو صاعاً من شَعِيرٍ. قال عبدُ الله له: فجَعَلَ الناسُ عِدْلَه مُدَّينٍ من حِنْطِةٍ. (١) ما أخرجه ابن خزيمة (٢٤٠٩) من هذه الطريق هو من حديث ابن عمر ولفظه: أمر النبي وَلّ بصدقة الفطر على كل صغير وكبير حر أو عبد، صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، فعَدَلَ الناسُ بعدُ بمُدَّين من بر، وأما حديث أبي سعيد (٢٤٠٨) فهو من طريق داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله عن أبي سعید، بنحو حديث ابن عمر. وانظر فيه (٢٤١٤) و (٢٤١٨). ٢٢٤ باب ٧٤ / ح ١٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ٣٧٢/٣ قوله: ((باب صدقةِ الفِطْرِ صاعاً من تَمْرٍ)) كذا وقع عند أبي ذرِّ بالنصب كرواية الجماعة. قوله: ((حدَّثْنا الليثُ عن نافع)) لم أرَه إِلَّ بالعَنْعنة، وسماعُ الليثِ من نافعٍ صحيحٌ، ولكن أخرجه الطَّحاوي والدارَقُطْني (٢٠٧٤) والحاكمُ وغيرُهم من طريق يحيى بن بُكَير، عن الليث، عن كثير بن فَرْقَد، عن نافعٍ وزاد فيه: ((من المسلمين)) كما تقدَّم(١)، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون الليثُ سمعه من نافعٍ بدون هذه الزيادة، ومن كثير بن فَرْقَدٍ عنه بها، وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق أبي الوليد، عن الليث، عن نافع في أولِ هذا الحديث: أنَّ ابن عمرَ كان يقول: لا تجبُ في مالٍ صدقةٌ حتَّى يَحولَ الْحَولُ عليه، إنَّ رسولَ اللهِوَلَ أَمَرَ بصدقة الفِطْر. الحديث. قوله: ((أمَرَ)) استُدِلَّ به على الوجوب، وفيه نظرٌ، لأنَّه يَتعلَّقُ بالمقدار لا بأصل الإخراج. قوله: ((قال عبدُ الله: فجَعَلَ الناسُ عِدْلَه)) بكسر المهمَلة، أي: نَظِيرَه، وقد تقدَّم القول على هذه المادّة في ((باب الصَّدَقة من كَسبٍ طيِّبٍ)) (١٤١٠). قوله: ((مُدَّينٍ من حِنْطَةٍ)) أي: نصفَ صاع، وأشارَ ابن عمرَ بقوله: ((الناس)) إلى معاويةَ ومَن تَبِعَه، وقد وقع ذلك صريحاً في حدیث أيوب عن نافع أخرجه الحميدي في («مسنده)) (٧٠١) عن سفيانَ بن عُيَينَةَ، حدَّثنا أيوبُ، ولفظُه: ((صدقةُ الفِطْرِ صاٌ من شَعير، أو صاعٌ من تمر، قال ابن عمر: فلمَّا كان معاويةُ عَدَلَ الناسُ نصفَ صاع بُرِّ بصاعٍ من شَعيرٍ))، وهكذا أخرجه ابن خُزيمةَ في «صحيحه» (٢٣٩٣) من وجهٍ آخرَ عن سفيان، وهو المعتمَدُ، وهو موافقٌ لقول أبي سعيدِ الآتي بعدَه وهو أصرَحُ منه. أمَّا ما وقع عند أبي داود (١٦١٤) من طريق عبد العزيزِ بن أبي روّاد عن نافعٍ قال فيه: ((فلمَّا كان عمرُ كَثُرَت الخِنطة، فجعل عمرُ نصفَ صاع حِنطةٍ مكان صاعٍ من تلك الأشياء))، فقد حَكَمَ مسلمٌ في كتاب ((الَّمییزِ)) على عبد العزیزِ فیه بالوهم، وأوضحَ الردَّ عليه. وقال ابن عبد البَرِّ: قول ابن عُيَينةَ عندي أَولى. (١) قبل بابين، وفيه تعليقنا على هذه الرواية. ٢٢٥ باب ٧٥ / ح ١٥٠٨ كتاب الزكاة وزَعَمَ الطَّحاوي أنَّ الذي عَدَلَ عن ذلك عمرُ ثمَّ عثمانُ وغيرُهما، فأخرج (٤٥/٢) عن يَسار بن نُمَيِرِ أنَّ عمرَ قال له: ((إنّ أحلِفُ لا أُعطي قوماً ثمَّ يَبدولي فأفعَلَ، فإذا رأيتَني فعلتُ ذلك فأطعِمِ عنِّي عشرةَ مساكينَ، لكلِّ مِسكينٍ نصف صاع من حِنطةٍ أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شَعيرٍ))، ومن طريق أبي الأشعَث (٤٦/٢-٤٧) قال: خَطَبَنا عثمانُ، فقال: ((أَدُّوا زكاةَ الفِطْرِ مُدَّينٍ من ◌ِنطةٍ))، وسيأتي بقيَّةُ الكلام على ذلك في الباب الذي بعده. ٧٥- باب صاعٍ من زبيب ١٥٠٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنيرٍ، سمعَ يزيدَ العَدَنيَّ، حدَّثنا سفيان، عن زيد بنِ أسلَمَ، قال: حدَّثني عِياضُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سَرْحٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ﴾ه، قال: كنَّا نُعْطيها في زمان النبيِّ وَِّ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من شَعِيرٍ، أو صاعاً من زَبِيبٍ، فلمَّا جاء مُعاوِيةُ وجاءتِ السَّمْراءُ، قال: أَرَى مُدّاً من هذا يَعْدِلُ مُدَّينٍ. قوله: ((باب صاع من زَبيب)) أي: إجزائه، وكأنَّ البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارةَ إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلَّا أنَّه لم يَذكُر الأَقِطَ، وهو ثابتٌ في حديث أبي سعيدِ (١٥١٠)، وكأنَّه لا يَراه مُجُزِئاً في حال وِجْدان غيره كقول أحمد، وحَمَلُوا الحديثَ على أنَّ مَن كان يُخْرِجُه كان قُوتَه إذ ذاك، أو لم يَقدِر على غيره، وظاهرُ الحديث يُخالفُه، وعند الشافعية فيه خلافٌ، وزَعَمَ الماوَرْدي أنَّه يَخْتَصُّ بأهل البادية، وأمَّا الحاضرةُ فلا يُجْزِئُ عنهم/ ٣٧٣/٣ بلا خلاف، وتعقَّبه النَّوَوي في ((شرح المهذَّب)) وقال: قَطَعَ الجمهورُ بأنَّ الخلافَ في الجميع. قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوري. قوله: ((عن أبي سعيدٍ)) تقدَّم في رواية مالكٍ (١٥٠٦) بلفظ: أنَّه سمع أبا سعيدٍ. قوله: ((كنّا نُعْطيها)) أي: زكاةَ الفِطْر. قوله: ((في زمان النبي ◌ََّ)) هذا حُكمُه الرفعُ، لإضافَتِه إلى زَمَنِهِ وَّةِ، ففيه إشعارٌ باطِّلاعه وََّ على ذلك وتقريرِه له، ولا سيَّما في هذه الصّورة التي كانت تُوضَعُ عنده، وتُجمَعُ بأمره، وهو الآمِرُ بقَبضِها وتَفرِقَتها. ٢٢٦ باب ٧٥ / ح ١٥٠٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((صاعاً من طعام أو صاعاً من تَمْرٍ)) هذا يقتضي المغايرةَ بين الطَّعام وبين ما ذُكِرَ بعدَه، وقد حكى الخطَّابي أنَّ المراد بالطَّعام هنا الحِنطةُ، وأنَّه اسمٌ خاصٌّ له، قال: ويدلُّ على ذلك ذِكرُ الشَّعير وغيره من الأَقْوات والحنطة أعلاها، فلولا أنَّه أرادها بذلك لكان ذِكرُها عند التفصيلِ كغيرها من الأَقْوات، ولا سيَّما حيثُ عُطِفَت عليها بحرف ((أو)) الفاصلة. وقال هو وغيره: وقد كانت لفظةُ: ((الطَّعام)) تُستَعمَلُ في الحنطة عند الإطلاق حتَّى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطَّعام، فُهِمَ منه سوقُ القمح، وإذا غَلَبَ العُرفُ نُزِّلَ اللفظُ عليه، لأنَّ ما غَلَبَ استعمالُ اللفظ فیه کان خُطورُه عند الإطلاق أقربَ. انتهى. وقد ردَّ ذلك ابن المنذرٍ وقال: ظَنَّ بعضُ أصحابنا أنَّ قوله في حديث أبي سعيدٍ: ((صاعاً من طعام)) حُجَّةٌ لمن قال: صاعاً من حِنطة، وهذا غَلَطُ منه، وذلك أنَّ أبا سعيدٍ أجْمَلَ الطَّعام ثمَّ فسَّرَه، ثمَّ أورَدَ طريقَ حفصٍ بن مَيسَرَةَ المذكورةَ في الباب الذي يلي هذا وهي ظاهرةٌ فيما قال، ولفظُه: ((كنَّا نُخرِجُ صاعاً من طعام، وكان طعامُنا الشَّعيرَ والَّبِيبَ والأَّقِطَ والتَّمرَ))(١)، وأخرج الطَّحاوي (٢/ ٤٢) نحوَه من طريقٍ أُخرى عن عياض، وقال فيه: ((ولا يُخْرِجُ غيرَه)) قال: وفي قوله: ((فلمَّا جاء معاويةُ وجاءت السمراء)» دليلٌ على أنَّها لم تكن قُوتاً لهم قبلَ هذا، فدَلَّ على أنَّها لم تكن كثيرةً ولا قُوتاً، فكيف يُتَوَهَّمُ أنَّهم أخرجوا ما لم يكن موجوداً؟ انتهى كلامُه. وأخرج ابن خُزَيمةَ (٢٤١٩) والحاكمُ (٤١١/١) في ((صحيحَيهما)) من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمانَ بن حكيم، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد، وذَكَروا عنده صدقةَ رمضانَ، فقال: «لا أُخرِجُ إِلَّ ما كنت أُخرِجُ فِي عَهدِ رسولِ وَلِّ: صاعَ تمر، أو صاعَ حِنطة، أو صاعَ شَعير، أو صاعَ أَقِط، فقال له رجلٌ من القوم: أو مُدَّينِ من قَمح، فقال: لا، تلك قيمةُ معاويةَ مَطويةٌ لا أقبَلُها ولا أعمَلُ بها)) قال ابن خُزَيمةَ: ذِكرُ الحِنطة في خبرِ أبي سعيدٍ غيرُ محفوظٍ ولا أدري مَمَّن الوَهْم. (١) هو بهذا اللفظ من طريق معاذ بن فضالة برقم (١٥١٠). ٢٢٧ باب ٧٥ / ح ١٥٠٨ كتاب الزكاة وقوله: ((فقال رجلٌ ... )) إلى آخره، دالٌّ على أنَّ ذِكرَ الحِنطة في أول القصّة خطأٌ، إذلو كان أبو سعيدٍ أخبر أنَّهم كانوا يُحْرِجونَ منها في عَهدِ رسول الله وَِّ صاعاً لمَا كان الرجلُ يقول له: أو مُدَّينٍ من قَمح، وقد أشارَ أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إنَّ ذِكرَ الحنطة فيه غيرُ محفوظ، وذُكِرَ أنَّ معاويةَ بن هشامِ روى في هذا الحديث عن سفيانَ: ((نصفَ صاعٍ من بُرِّ)) وهو وَهْمٌ وأنَّ ابن عُيَينَةَ حدَّث به عن ابن عَجلانَ عن عياضٍ فزاد فيه: ((أو صاعاً من دَقيقِ)) وأنَهم أنكَروا عليه فتَرَكَه، قال أبو داود: وذِكرُ الدَّقيق وهمٍّ من ابن عُيَينة(١). وأخرج ابن خُزيمةَ أيضاً (٢٤٠٦) من طريق فُضَيلٍ بن غزوانَ، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: لم تكن الصَّدَقَةُ على عَهدِ رسول الله وَّهِ، إِلَّ النَّمرُ والزَّبيبُ والشَّعيرُ، ولم تكن الحِنطة. ولمسلم (١٩/٩٨٥) من وجهٍ آخرَ عن عياض عن أبي سعيدٍ: «كنَّا نُخرِجُ من ثلاثة أصنافٍ: صاعاً من تمر، أو صاعاً من أَقِط، أو صاعاً من شَعيرٍ))، وكأنَّه سَكَتَ عن الَّبيبِ في هذه الرواية لقِلَّتِهِ بالنّسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطُّرِقُ كلُّها تَدُلُّ على أنَّ المراد بالطَّعام في حديث أبي سعيدٍ غيرُ الخِنطة، فيحتملُ أن تكون الذُّرةُ، فإنَّه المعروفُ عند أهل الحجاز الآنَ وهي قُوتٌ غالبٌ لهم. وقد روى الجَوزَقي من طريق ابن عَجلانَ، عن عياضٍ في حديث أبي سعيدٍ: ((صاعاً من تمر، صاعاً من سُلْتٍ أو ذُرةٍ)». وقال الكِرْماني: يحتملُ أن يكون قوله: ((صاعاً من شَعيِرٍ ... )) إلى آخره، بعدَ قوله: ٣٧٤/٣ ((صاعاً من طعام)) من باب عطف الخاصِّ على العامّ، لكنَّ محلّ العطفِ أن يكون الخاصُّ أشرفَ، وليس الأمرُ هنا كذلك. وقال ابن المنذرِ أيضاً: لا نَعلَمُ في القَمحِ خبراً ثابتاً عن النبي ◌َّ يُعتَمَدُ عليه، ولم یکن البُرُّ بالمدينة ذلك الوقتَ إلَّ الشيءُ اليسيرُ منه، فلمَّا كَثُرَ في زَمَن الصحابة رأوا أنَّ نصفَ صاعٍ منه يقومُ مقام صاعٍ من شَعير، وهم الأئمّة، فغيرُ جائزٍ أن يُعدَلَ عن قولهم إلَّا إلى قول (١) انظر ((سنن أبي داود)) (١٦١٦-١٦١٨). ٢٢٨ باب ٧٥ / ح ١٥٠٨ فتح الباري بشرح البخاري مثلِهِم. ثمَّ أَسنَدَ عن عثمانَ وعليّ وأبي هريرة وجابر وابن عبّاسٍ وابن الزُّبَير وأُمَّه أسماءَ بنتٍ أبي بكرٍ بأسانيدَ صحيحةٍ: أَهم رأوا أنَّ في زكاة الفِطْرِ نصفَ صاعٍ من قَمحٍ، انتهى. وهذا مَصِيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيَّة، لكنَّ حديث أبي سعيدٍ دالٌّ على أنَّه لم يُوافِقِ على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماعَ في المسألة خلافاً للطَّحاوي. وكأنَّ الأشياءَ التي ثَبَتَ ذِكرُها في حديث أبي سعيدٍ لمَّا كانت مُتَساويةً في مِقدار ما يُخْرَجُ منها مع ما يُخالفُها في القيمة، دلَّ على أنَّ المراد إخراجُ هذا المقدار من أيِّ جنسٍ كان، فلا فرقَ بين الحِنطة وغيرها. هذه حُجَّةُ الشافعي ومَن تَبِعَه، وأمَّا مَن جَعَل نصفَ صاعٍ منها بدلَ صاعٍ من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أنَّ قِيَم ما عَدا الحِنطةَ مُتَساويةٌ، وكانت الخِنطةُ إذ ذاك غاليةَ الثَّمَن، لكن يَلزَمُ على قولهم أن تُعتَبَرَ القيمةُ في كلِّ زمان، فيَختلفُ الحالُ ولا يَنضَبِط، وربَّما لَزِمَ في بعض الأحيان إخراجُ آصُعٍ من حنطة، ويدلُّ على أنَّهم لخَطوا ذلك ما روى جعفرٌ الفِرْيابي في كتاب ((صدقة الفِطْر)): أنَّ ابن عبّاسٍ لمَّا كان أميرَ البصرة أمَرَهم بإخراج زكاة الفِطْرِ وبيَّن لهم أنَّها صاعٌ من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من بُرِّ. قال: فلمَّا جاء عليّ ورأى رُخصَ أسعارهم قال: اجعَلوها صاعاً من كلِّ، فدَلَّ على أنَّه كان يَنظُرُ إلى القيمة في ذلك، ونَظَرَ أبو سعیدٍ إلی الگیلِ کما سيأتي. ومن عَجيبٍ تأويله قوله: أنَّ أبا سعيدٍ ما كان يَعرِفُ القَمحَ في الفِطْرةِ، وأنَّ الخبرَ الذي جاء فيه أنَّه كان يُخْرِجُ صاعاً، أنَّه كان يُخْرِجُ النِّصفَ الثاني تطوُّعاً، وأنَّ قوله في حديث ابن عمرَ: ((فجعل الناسُ عِدْلَه مُدَّينٍ من حِنطةٍ)) أنَّ المراد بالناس الصحابةُ، فيكون إجماعاً. وكذا قوله في حديث أبي سعيدٍ عند أبي داود (١٦١٦): ((فأخذَ الناسُ بذلك))، وأمَّا قول الطَّحاوي: إنَّ أبا سعيدٍ كان يُخِرِجُ النِّصفَ الآخَرَ تطوُّعاً، فلا يخفى تكلّفُه، والله أعلم. قوله: ((فلمَّا جاء معاوية)) زاد مسلمٌ في روايته (١٨/٩٨٥): فلم نزل نُخرِجُه حتَّى قَدِمَ معاويةُ حاجّاً أو مُعتَمِراً فَكَلَّمَ الناسَ على المنبر، وزاد ابن خُزَيمةَ (٢٤٠٨): وهو يومَئذٍ خَليفةٌ. قوله: ((وجاءت السَّمْراء)) أي: القَمحُ الشامي. ٢٢٩ باب ٧٦ / ح ١٥٠٩ - ١٥١٠ كتاب الزكاة قوله: ((يَعْدِلُ مُدَّين)) في رواية مسلمٍ (١٨/٩٨٥): أرى مُدَّينٍ من سمراء الشام تَعِدِلُ صاعاً من تمرٍ، وزاد: قال أبو سعيدٍ: أمّا أنا فلا أزالُ أُخرِجُه [كما كنت أُخرجُه](١) أبداً ما عِشت، وله (٢١/٩٨٥) من طريق ابن عَجْلانَ عن عياضٍ: فأنكَرَ ذلك أبو سعيد، وقال: لا أُخرِجُ إلَّا ما كنت أُخرِجُ في عهدٍ رسول الله ێ، ولأبي داود (١٦١٨) من هذا الوجه: لا أُخرِجُ أبداً إِلَّ صاعاً. وللدَّارِقُطني (٢٠٩٦) وابن خُزَيمةَ (٢٤١٩) والحاكم (١/ ٤١١): فقال له رجلٌ: أو مُدَّينِ من قَمح، فقال: لا، تلك قيمةُ معاويةَ، لا أقبَلُها ولا أعمَلُ بها. وقد تقدَّم ذِكرُ هذه الرواية وما فيها، ولابن خُزَيمةَ (٢٤٠٨): ((وكان ذلك أولَ ما ذكر الناسُ المدَّين)»، وهذا يدلُّ على وَهْنِ ما تقدَّم عن عمرَ وعثمانَ، إِلَّ أن يُحِمَّلَ على أنَّه كان لم يَطَّلِع على ذلك من قِصَّتِهما. قال النَّوَوي: تمسّك بقول معاويةَ مَن قال بالمدَّينِ من الحِنطة، وفيه نظرٌّ، لأنَّه فعلُ صحابي قد خالَفَه فيه أبو سعيدٍ وغيرُه من الصحابة ممَّن هو أطولُ صحبةً منه وأعلمُ بحال النبي ◌َِّ، وقد صَرَّحَ معاويةُ بأنَّه رأيٌ رآه لا أنَّه سمعَه من النبي ◌َّ. وفي حديث أبي سعيدٍ ما كان عليه من شِدّة الاتِّباع والتمسُّكِ بالآثار، وتَركِ للعُدولِ إلى الاجتهاد مع وجود النَّصّ، وفي صَنِيع معاويةَ ومُوافَقةِ الناس له دلالةٌ على جواز الاجتهاد وهو محمودٌ، لكنَّه مع وجود النَّصِّ فاسدُ الاعتبار. ٧٦ - بابُ الصَّدقةِ قبلَ العيد ٣٧٥/٣ ١٥٠٩ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا حفصُ بنُ مَيسَرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َلِ أَمَرَ بزكاةِ الفِطْرِ قبلَ خُرُوجِ الناس إلى الصلاةِ. ١٥١٠ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا أبو عمرَ، عن زيدٍ، عن عِياض بنِ عبدِ الله بنِ سعدٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ه قال: كَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رسولِ الله وَّهِ يومَ الفِطْرِ صاعاً من طعامٍ. قال أبو سعيدٍ: وكان طعامَنا الشَّعِيرُ والزَّبِيبُ والأَقِطُ والَّمرُ. (١) ما بين المعقوفين زيادة من ((صحيح مسلم)) يقتضيها السياق. ٢٣٠ باب ٧٧ / ح ١٥١١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابُ الصَّدَقةِ قبلَ العيد)) قال ابن التِّين: أي: قبلَ خروج الناس إلى صلاة العيد، وبعدَ صلاة الفجر. وقال ابن عُيَينةَ في ((تفسيره): عن عمرو بن دينار عن عِكْرمةً قال: يُقدِّمُ الرجلُ زكاتَه يومَ الفِطْر بين يَدَي صلاته، فإنَّ الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّىِ وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤- ١٥]. ولابن خُزيمة (٢٤٢٠) من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جَدِّه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّ سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: ((نزلت في زكاة الفِطْر))(١). ثمَّ أخرج المصنِّفُ في الباب حديثَ ابن عمر، وقد تقدَّم مطوَّلاً في الباب الأول (١٥٠٣)، وحديثُ أبي سعيد، وقد تقدَّمت الإشارةُ إليه في الباب الذي قبله. وقوله في الإسناد: ((حدَّثنا أبو عمرَ)) هو حفصُ بن مَيسَرة، وزيدٌ: هو ابن أسلَم. ودَلَّ حديثُ ابن عمرَ على أنَّ المراد بقوله: ((يومَ الفِطْرِ)) أي: أوَّله، وهو ما بين صلاة الصبحِ إلى صلاة العيد. وحَمَل الشافعي التقييدَ بقبل صلاة العيد على الاستحباب، لصِدق اليومٍ على جميع النهار، وقد رواه أبو مَعشَر، عن نافع، عن ابن عمرَ بلفظ: ((كان يأمرُنا أن نُخرِجَها قبلَ أن نُصلّي، فإذا انصَرَفَ قَسمَه بينهم وقال: أغنوهم عن الطَّلَب)) أخرجه سعيدُ بن منصور، ولكن أبو مَعشَرٍ ضعيفٌ. ووَهَمَ ابن العربي في عَزْوِ هذه الزيادة لمسلم، وسيأتي بقيَّةٌ حُكمِ هذه المسألة في الباب الذي يليه. ٧٧- باب صَدقةِ الفِطْر على الحُرِّ والمَمْلوك وقال الزُّهْريُّ في المملوكِينَ للتِّجارة: يُزَّى في التِّجارةِ ويُزْكَّى في الفِطْرِ. ١٥١١ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: فَرَضَ النبيُّ نَّهِ صدقةَ الفِطْرِ - أو قال: رمضانَ - على الذَّكَرِ والأُنثى والحرِّ والمَمْلوكِ، صاعاً من تَمْرِ أو صاعاً من شَعِيرٍ، فعَدَلَ الناسُ به نِصْفَ صاعٍ من بُرُّ. (١) وإسناده ضعيف جدّاً من أجل راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني. ٢٣١ باب ٧٧ / ح ١٥١١ كتاب الزكاة فكان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يُعْطِي التَّمَرَ، فأعوَزَ أهلُ المدينةِ من الثَّمرِ، فأعطَى شَعِيراً، فكان ابنُّ عمرَ يُعْطي عن الصَّغِيرِ والگَبِيرِ، حتَّى إن كان يُعْطي عن بَنِيَّ. وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يُعْطيها الذينَ يَقبَلُونَها، وكانوا يُعْطُونَ قبلَ الفِطْرِ بيومٍ أو یومینِ. قوله: ((باب صدقةِ الفِطْرِ على الحرِّ والمملوك)) قيل: هذه الترجمةُ تكرارٌ لمَا تقدَّم من قوله: ((باب (٧١) صدقة الفِطْرِ على العبد وغيره من المسلمين)). وأجاب ابن رُشَيدٍ باحتمالَين: أحدهما: أن يكون أراد تقويةَ مُعارضة العُموم في قوله:/ ٣٧٦/٣ ((والمملوك)) لمفهوم قوله: ((من المسلمين)). أو أراد أنَّ زكاةَ العبد من حيثُ هو مالٌّ، لا من حيثُ هو نفسٌ، وعلى كلِّ تقديرٍ فيستوي في ذلك مسلمُهم وكافرُهم. . وقال الزّين بن المنيِر: غَرَضُه من الأولى أنَّ الصَّدقةَ لا تُخْرَجُ عن كافر، ولهذا قَيِّدَها بقوله: ((من المسلمين))، وغَرَضُه من هذه تَمييزُ مَن تجبُ عليه أو عنه بعدَ وجود الشَّرط المذکور، ولذلك استغنى عن ذكره فيها. قوله: ((وقال الزُّهْري ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن المنذرِ في كتابه الكبير ولم أقف على إسناده، وذكر بعضَه أبو عُبيدٍ في كتاب ((الأموال)) (١٣٣٧) قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب، قال: ليس على المملوكِ زكاةٌ ولا يُزَكّي عنه سَيِّدُه إلَّا زكاةَ الفِطْر. وما نقله المصنّفُ عن الزُّهْري هو قول الجمهور، وقال النَّخَعي والثَّوري والحنفيَّةُ: لا يَلزَمُ السيِّدَ زكاةُ الفِطْرِ عن عَبيد التِّجارة، لأنَّ عليه فيهم الزكاةَ، ولا تجبُ في مالٍ واحدٍ زکاتانِ. قوله: ((فكان ابن عمرَ يُعْطِي التَّمَ)) في رواية مالكٍ في ((الموطَّأ)) (٢٨٤/١) عن نافع: كان ابن عمرَ لا يُجْرِجُ إلَّا التَّمَرَ في زكاة الفِطْر، إلَّا مَرَّةً واحدةً، فإنَّه أخرج شعيراً، ولابن خُزَيمةَ (٢٣٩٧) من طريق عبد الوارث عن أيوبَ: كان ابن عمرَ إذا أعطى أعطى التَّمَرَ، إلَّا عاماً واحداً. ٢٣٢ باب ٧٧ / ح ١٥١١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَأَعوَزَ)) بالمهمَلة والزّاي، أي: احتاج، يقال: أعوَزَني الشيءُ: إذا احتَجتُ إليه فلم أقدِزْ علیه. وفيه دلالةٌ على أنَّ الثَّمَرَ أفضلُ ما يُخْرَجُ في صدقة الفِطْرِ، وقد روى جعفرٌ الفِرْيابي من طريق أبي مِجِلَزِ قال: قلت لابن عمر: قد أوسَعَ اللهُ، والبُرُّ أفضلُ من التَّمرِ؛ أفلا تُعطي البُرَّ؟ قال: لا أُعطي إلَّا كما كان يُعطي أصحابي. ويُستَنَبَطُ من ذلك أنَّهم كانوا يُخْرِجونَ من أعلى الأصناف التي يُقتَاتُ بها؛ لأنَّ الثَّمرَ أغلى من غيره ممَّا ذُكِرَ في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمرَ فَهمَ منه خصوصيَّةَ الثَّمرِ بذلك، والله أعلم. قوله: ((حتَّى إن كان يُعْطي عن بَنِيَّ)) زاد في نسخة الصَّغَاني: ((قال أبو عبد الله: يعني بني نافعٍ))، قال الكِرْماني: رُوِيَ بفتح ((أن)) وكسرها، شرطُ المفتوحة ((قد))، وشرطُ المكسورة اللَّامُ، فإمّا أن يُحُمَّلَ على الحذف، أو تكون ((أن)) مصدريةً، و((كان)) زائدةً. وقول نافعٍ هذا هو شاهدُ الترجمة، ووجه الدّلالة منه: أنَّ ابن عمرَ راوي الحديث، فهو أعلمُ بالمراد منه من غيره، وأولادُ نافعٍ إن كان رَزَقَهم وهو بعدُ في الرِّقِّ فلا إشكالَ، وإن كان رَزَقَهم بعدَ أن أُعْتِقَ، فلعلَّ ذلك كان من ابن عمرَ على سبيل التبرُّع، أو كان يَرى وجوبَها على جميع مَن يَمُونه ولو لم تكن نَفَقتُه واجبةً عليه. وقد روى البيهقي (٤/ ١٦١) من طريق موسى بن عُقْبةَ، عن نافع: أنَّ ابن عمرَ كان يُؤدّي زكاةَ الفِطْرِ عن كلِّ مملوكٍ له في أرضِه وغیر أرضِه، وعن كلِّ إنسانٍ يَعولُه من صغیر و کبیر، وعن رقيق امرأته، و کان له مُکاتبٌ فکان لا يُؤدّي عنه. وروى ابن المنذرٍ من طريق ابن إسحاق قال: حدَّثني نافعٌ: أنَّ ابن عمرَ كان ◌ُرِجُ صدقةَ الفِطْرِ عن أهلِ بيتِهِ كلِّهم: خُرِّهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمِهم وكافرِهم من الرَّقيق. وهذا يُقوِّي بحثَ ابن رُشَيدِ المتقدِّم، وقد حَمَله ابن المنذرِ على أنَّه كان يُعطي عن الكافرِ منهم تطوُّعاً. ٢٣٣ باب ٧٨ / ح ١٥١٢ كتاب الزكاة قوله: ((وكان ابن عُمَرَ يُعْطيها للذينَ يَقبَلُونَها)) أي: الذي يَنْصِبُهُ الإمامُ لقَبضِها، وبه جَزَمَ ابن بَطَّالٍ. وقال ابن التَّيمي: معناه مَن قال: أنا فقيرٌ. والأولُ أظهَر. ويؤيِّدُه ما وقع في نسخة الصَّغَاني عَقِبَ الحديث: قال أبو عبد الله - هو المصنِّفُ -: كانوا يُعطونَ للجمع لا للفقراء. وقد وقع في رواية ابن خُزيمة (٢٣٩٧) من طريق عبد الوارث عن أيوبَ: قلت: متى كان ابن عمرَ يُعطي؟ قال: إذا قَعَدَ العامل، قلت: متى يَقعُدُ العامل؟ قال: قبلَ الفِطْرِ بيومٍ أو يومَين. ولمالكِ في ((الموطَّ)) (٢٨٥/١) عن نافع: أنَّ ابن عمرَ كان يَبعَثُ زكاةً الفِطْرِ إلى الذي تُجمَع عنده قبلَ الفِطْر بيومَينِ أو ثلاثةٍ، وأخرجه الشافعي (٧/ ٢٧٣) عنه، وقال: هذا حسنٌ، وأنا أستحبُّه، يعني: تعجيلها قبلَ يوم الفِطْر. انتهى. ويدلُّ على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري في الوكالة (٢٣١١) وغيرها (١) عن أبي هريرة قال: ((وَّلَني رسولُ اللهِ وَلِ/ بحِفظِ زكاة رمضانَ)) الحديث. وفيه: أنَّه أمسَك الشيطانَ ٣٧٧/٣ ثلاث ليالٍ وهو يأخُذُ من التَّمر، فدَلَّ على أنَهم كانوا يُعجِّلونَها. وعَكَسَه الْجَوزَقي فاستدلَّ به على جواز تأخيرها عن يوم الفِطْرِ وهو مُتمِلٌ للأمرین. ٧٨ - باب صدقةِ الفِطْر على الصَّغير والكبير ١٥١٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ ﴾، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ وَّهِ صدقةَ الفِطْرِ صاعاً من شَعِيرٍ أو صاعاً من تَمْرٍ، على الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والحرِّ والمملوكِ. قوله: ((باب صدقةِ الفِطْرِ على الصَّغيرِ والكبير)» أورَدَ فيه حديثَ ابن عمرَ من طريق يحيى - وهو القَطّانُ - عن عُبيد الله - وهو ابن عمرَ العُمَري - عن نافع عنه، وقد تقدَّم الكلام عليه (١٥٠٣). خاتمة: اشتمل كتابُ الزكاة من الأحاديث المرفوعة على مئة حديثٍ واثنين وسبعينَ حديثاً، الموصولُ منها مئةُ حديثٍ وتسعةَ عشرَ حديثاً، والبقيةُ مُتَابَعةٌ ومُعلَّقةٌ، المكرَّرُ منها (١) في بدء الخلق برقم (٣٢٧٥)، وفي فضائل القرآن برقم (٥٠١٠). ٢٣٤ باب ٧٨ / ح ١٥١٢ فتح الباري بشرح البخاري فيه وفيما مضى مئةُ حديثٍ سواءٌ، والخالصُ اثنان وسبعونَ حديثاً، وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى سبعةَ عشرَ حديثاً، وهي حديثُ أبي ذرٍّ مع عثمانَ ومعاوية، وحديثُ ابن عمرَ فِي ذَمّ الذي يَكِنِزِ، وحديثُ أبي هريرة: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَكثُرَ فِيكُم المال))، وحديثُ عَدي ابن حاتم: ((جاء رجلان أحدُهما يَشكو العَيْلةَ))، وحديثُ عائشةَ: ((أَيُّنا أسرَعُ لحوقاً بك))، وحديثُ مَعْن بن يزيدَ في الصَّدَقة على الولد، وحديثُ أبي بكرِ الصِّدّيق في إيثاره بماله، وحديثُ أبي هريرة: ((خيرُ الصَّدَقة عن ظَهرِ غِنّى))، وحديثُ أنسٍ عن أبي بكرٍ في الزكاة، وحديثُ ابن عمرَ: ((لا يُجِمَعُ بين مُتَفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مُجْتَمِعِ))، وحديثُ أبي سعيدٍ في قصَّة زينبَ امرأة ابن مسعود، وحديثُ أبي لاسٍ في رُكوب إبل الصَّدَقة، وحديثُ الزُّبَير: ((لأن يأخُذَ أحدُكم حَبله فيَحْتَطِب))، وحديثُ سَهلِ بن سعدٍ: ((أُحدٌ جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه))، وحديثُ ابن عمرَ: ((فيما سَقَت السماءُ العُشر))، وحديثُ الفضلِ بن عبَّاسٍ في الصلاة في الكعبة، وحديثُ أبي هريرة في قصَّة الرجلِ من بني إسرائيل. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرونَ أثراً، منها أثرُ عمرَ في قوله لحكيمٍ بن حِزَامٍ لمَّا أَبى أن يأخُذَ حَقَّه من الفَيء، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ٢٣٥ باب ١ / ح ١٥١٣ كتاب الحج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الحَجّ ٣٧٨/٣ ١ - باب وجوب الحجّ وفضله وقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ اٌلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١٥١٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان الفَضْلُ رَدِيفَ رسولِ اللهِ وَّةِ، فجاءتٍ امرأةٌ من خَثْعَمَ، فجَعَلَ الفَضْلُ يَنظُرُ إليها وتَنظُرُ إليه، وجَعَلَ النبيُّ وَّه يَصِرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فِرِيضةَ الله على عِبادِهِ في الحجِّ أدرَكَت أبي شيخاً كَبِيراً لا يَثْبُتُ على الرّاحلةِ، أَفَأْحُجُّ عنه؟ قال: (نَعَم)). وذلك في حَجَّةِ الوداع. [أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٦٢٢٨،٤٣٩٩] قوله: (باب وُجُوب الحجّ وفَضْله، وقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره البسملةُ و(باب))، ولبعضهم قوله: ((وقول الله))، وفي رواية الأَصِيلي: ((كتاب المناسك)). وقَدَّمَ المصنّف الحج على الصيام لمناسبةٍ لطيفة تقدَّم ذِكْرها في المقدِّمة. ورَتَّبَه على مقاصدَ مُتَناسبةٍ: فَبَدَأ بما يَتعلَّق بالمواقيت، ثمَّ بدخولِ مكَّة وما معها، ثمَّ بصفة الحجِّ، ثمَّ بأحكام العمرة، ثمَّ بمُحرَّمات الإحرام، ثمَّ بفضل المدينة. ومناسبة هذا الترتيب غير خَفيَّة على الفَطِن. وأصل الحج في اللُّغة: القَصْد، وقال الخليل: كَثْرة القَصْد إلى مُعَظّم. وفي الشَرع: القَصْد إلى البيت الحرام بأعمالٍ مخصوصة. ٢٣٦ باب ١ / ح ١٥١٣ فتح الباري بشرح البخاري وهو بفتح المهمَلة وبكسرها لُغَتان، نَقَلَ الطََّري أنَّ الكسر لغة أهل نَجْد، والفتح لغيرهم، ونُقِلَ عن حسين الجُعْفي: أنَّ الفتحَ الاسمُ، والكسرَ المصدرُ، وعن غيره عكسُه. ووُجوب الحجِّ معلوم من الدِّين بالضّرورة. وأجمعوا على أنَّه لا يَتكزَّر إلَّا لعارضٍ كالنَّذر. واختُلِفَ هل هو على الفَوْر، أو التَّراخي؟ وهو مشهور. وفي وقت ابتداء فَرْضه، فقيل: قبلَ الهجرة، وهو شاذٍّ، وقيل: بعدها. ثمَّ اختُلِفَ في سَنَتَه، فالجمهور على أنَّها سنة ستٌّ لأنَّها نزل فيها قوله تعالى: ﴿ وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَلِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا ينبني على أنَّ المراد بالإتمام ابتداء الفَرْض، ويؤيِّده قراءة عَلقَمة ومسروق وإبراهيم النَّخَعي بلفظ: ((وأقيموا))، أخرجه الطَّبَري (٢٠٦/٢ و٢٠٩) بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعدَ الشُّروع، وهذا يقتضي تقدُّم فَرْضه قبلَ ذلك. وقد وقع في قصَّة ضِمام(١) ذِكْر الأمر بالحج، وكان قُدومه على ما ذكر الواقِدي سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثَبَتَ - على تقدُّمه على سنة خمس أو وقوعه فيها، وسيأتي مزيد بسط في الكلام على هذه المسألة في أول الكلام على العمرة (٢). وأمَّا فَضلُه فمشهور ولا سيّما في الوعيد على تَركه في الآية، وسيأتي في باب مُفرَد. ولكن لم يُورِد المصنِّف في الباب غير حديث الخَعَمية، وشاهد الترجمة منه خَفِيٌّ، وكأنَّه أراد إثبات ٣٧٩/٣ فضله من جهة تأكيد الأمر / به بحيثُ إنَّ العاجز عن الحَرَكة إليه يَلَزَمه أن يستنيب غيره ولا يُعذَر بتَركِ ذلك، وسيأتي الكلام على حديث الخَتعَمية والاختلاف في إسناده على الزُّهْري في أواخر مُحُرَّمات الإحرام (١٨٥٤). والمراد منه هنا تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية، وأنَّها لا تَخْتَصُ بالزّاد والرّاحلة بل تَتَعلَّق بالمال والبَدَن، لأنَّها لو اختَصَّت لَلَزِمَ المعضوبَ(٣) أن يُشَدَّ على الرّاحلة ولو شَقَّ عليه. (١) فيما سلفت برقم (٦٣). (٢) عند ((باب من اعتمر قبل الحج)) من كتاب العمرة، حديث (١٧٧٤). (٣) المعضوب: هو الضعيف والمريض الذي لا حراكَ له، انظر ((اللسان)) (عضب). ٢٣٧ باب ٢ / ح ١٥١٤ -١٥١٥ كتاب الحج قال ابن المنذر: لا يَئُبُت الحديث الذي فيه ذِكر الزّاد والرّاحلة(١)، والآية الكريمة عامّة ليست مُجُمَلة، فلا تفتَقِر إلى بيان، وكأنَّ كَلَّفَ كلّ مُستَطيع قَدَرَ بمالٍ أو ببَدَن، وسيأتي بيان الاختلاف في ذلك في الكلام على الحديث المذكور إن شاء الله تعالى. تقسيم: الناسُ قِسمان: مَن يجب عليه الحجُّ، ومَن لا يجب، الثاني العبد وغير المكلّف وغير المستطيع. ومَن لا يجب عليه إمّا أن يُجِزِئه المأتيُّ به أو لا، الثاني العبد وغير المكلَّف. والمستطيع إمّا أن تَصِحّ مُباشَرتُه منه أو لا، الثاني غير المميِّز. ومَن لا تَصِحُ مُباشَرتُّه إمّا أن يُباشر عنه غيره أو لا، الثاني الكافر. فَتَبَّن أنَّه لا يُشتَرَط لصِحَّة الحج إلَّ الإسلامُ. ٢ - باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامٍِ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ﴿فِيَجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]: الطُّرق الواسعة. ١٥١٤ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ سالم بنَ عبدِ الله أخبَرَه، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ يَرْ كَبُ راحلته بذي الحُلَيفةِ، ثمَّ يُمِلُّ حتَّى تَستَوِيَ به قائمةً. ١٥١٥ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى الرَّازيُّ، أخبرنا الوليدُ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، سمعَ عطاءً يُحدِّثُ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ إهلالَ رسولِ اللهِوَ لاَ مِن ذي الخُلَيَفةِ، حينَ استوَت به راحلته. رواه أنسِّ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامٍِ بَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ ٤)) قيل: إنَّ المصنّف أراد أنَّ الرّاحلة ليست شرطاً للوجوب، وقال ابن القَصّار: في الآية دليل قاطعٌ لمالكِ أنَّ الرّاحلة ليست من شرط السبيل، فإنَّ المخالف يَزْعُم أنَّ الحج لا يجب على (١) وفيه: أنه قام رجل فقال: ما السَّبيل يا رسول الله؟ قال: ((الزاد والراحلة))، أخرجه الترمذي (٢٩٩٨) من حديث ابن عمر، وبرقم (٨١٣) وابن ماجه (٢٨٩٧) من حديث ابن عباس، وكلاهما ضعيف جدّاً. ٢٣٨ باب ٢ / ح ١٥١٤ - ١٥١٥ فتح الباري بشرح البخاري الراجل، وهو خلاف الآية. انتهى، وفيه نظر، وقد روى الطِّبَري (١٤٦/١٧) من طريق عمر ابن ذرِّ قال: قال مجاهد: كانوا لا يَركَبونَ، فأنزلَ الله: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامٍِ﴾ فأمَرَهم بالزّاد، ورَخَّصَ لهم في الرُّكوب والمَتْجَر. وروى ابن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب عن ابن عبّاس: ما فاتَني شيء أشدُّ عليّ أن لا أكون حَجَجتُ ماشياً، لأَنَّ الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ﴾ فَبَدَأ بالرِّجال قبلَ الرُّكبان. قوله: ((﴿فِجَاجًا﴾: الطّرق الواسعة)) قال يحيى الفَرّاء في ((المعاني)) في سورة نوح: قوله: ﴿فِجَاجًا﴾ واحدها فَجِّ: وهي الطُّرق الواسعة. واعتَرَضَه الإسماعيلي فقال: يقال: الفَجّ: الطَّريق بين الجبلَين، فإذا لم يكن كذلك، لم يُسمَّ الطَّريق فجّاً، كذا قال، وهو قول بعض أهل اللُّغة، وجَزَمَ أبو عُبيد ثمَّ الأزهَري بأنَّ الفَجّ: الطَّريق الواسع، وقد نَقَلَ صاحب ((المحكَم)) أنَّ الفَجّ: الطَّريقُ الواسع في جبل، أو فِي قُبُل جبل، وهو أوسع من الشِّعب. وروى ابن أبي حاتم والطَّبَري (٩٨/٢٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فِجَاجًا﴾ يقول: طرقاً مُختلفة. ومن طريق شُعْبة عن قَتَادةَ قال: طرقاً وأعلاماً. ٣٨٠/٣ وقال أبو عُبيدة في ((المجاز)): ﴿فَجَ عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد القَعر. وهذا تفسير العميق، يقال: بئر عَميقة القَعر، أي: بعيدة القَعر. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن عمر في إهلال رسول الله وَّهِ حينَ استَوَت به راحلتهُ، وحديث جابر نحوه، وسيأتي الكلام عليه بعدَ أبواب (١٥٥٣). وغَرَضه منه الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الحج ماشياً أفضلُ لتقديمه في الذِّكر على الرّاكب، فبيَّنْ أَنَّه لو كان أفضلَ لَفَعَله النبيَِّلَّ بدليلِ أنَّه لم يُحِرِمْ حَتَى استَوَت به راحلتُه، ذكر ذلك ابن المنيِّر في ((الحاشية)). ٢٣٩ باب ٣ / ح ١٥١٦ - ١٥١٧ كتاب الحج وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أنَّ ذا الحُلَيفة فجِّ عَميق والركوب مُناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. وقال الإسماعيلي: ليس في الحديثَينِ شيء ممَّا تَرجم الباب به، ورُدَّ بأنَّ فيهما الإشارةَ إلى أنَّ الركوب أفضل، فيُؤخَذ منه جواز المشي. قوله: (رواه أنس وابن عبّاس)) أي: إهلاله بعدما استوت به راحلته، وسيأتي حدیث أنس موصولاً في ((باب مَن باتَ بذي الحُلَيفة حتَّى أصبح)) (١٥٤٦)، وحديث ابن عبّاس قبله في ((باب ما يَلبَس المُحْرِم من الثّياب)) (١٥٤٥) في أثناء حديث. قال ابن المنذر: اختُلِفَ في الركوب والمشي للحُجّاج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل لفعل النبي وَ له ولِكَونِه أعوَنَ على الدُّعاء والابتهال، ولمَا فيه من النَّفْقَةِ (١) وقال إسحاق بن راهويه: المشي أفضل لما فيه من الثَّعَب. ويحتمل أن يقال: يَخْتلِف باختلاف الأحوال والأشخاص، فالله أعلم. تنبيه: أحمد بن عيسى شيخ المصنِّف في حديث ابن عمر وقع هكذا في رواية أبي ذرٍّ، ووافقه أبو عليّ الشَّبُّوِيّ وأهمَله الباقون، وإبراهيم شيخه في حديث جابر وقع مُهمَلاً للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا إبراهيم بن موسى الرّازي)) وهو الحافظ المعروف بالفَرّاء الصَّغير. ٣- باب الحجّ على الرَّحْل ١٥١٦ - وقال أبانُ: حدَّثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌ََّ بَعَثَ معها أخاها عبد الرحمن، فَأَعمَرَها من التَّنْعِيمِ، وحَلها على قَتَبٍ. وقال عمرُ ﴾: شُدُّوا الرِّحالَ في الحجِّ، فإنَّه أَحدُ الجهادَينِ. ١٥١٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابتٍ، عن ثُمامةً ابنِ عبدِ الله بنِ أنسٍ، قال: حجَّ أنسُ على رَحْلٍ، ولم يكن شَحِيحاً، وحدَّث أنَّ رسولَ الله وَّ حجّ على رَحْلٍ، وكانت زامِلَتَه. (١) تحرف في (س) إلى: المنفعة. ٢٤٠ باب ٣ / ح ١٥١٦ - ١٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٥١٨ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصمٍ، حدَّثنا أيمَنُ بنُ نابلٍ، حدَّثنا القاسمُ بنُ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالت: يا رسولَ الله، اعتَمَرْتُم ولم أعتَمِرْ. فقال: ((یا عبد الرحمن، اذهَب بأُختِكَ فَأَعمِرْها من التَّنْعِيم)) فأَحقَبَها على ناقةٍ فاعتَمَرَتْ. قوله: ((باب الحجّ على الرَّحْل)) بفتح الراء وسكون المهمَلة، وهو للبعير كالشَّرْج للفَرَس، أشارَ بهذا إلى أنَّ التَّقَتُّف أفضلُ من الثََّقُه. قوله: ((وقال أَبان)) هو ابن يزيد العَطّار، والقاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصِّدّیق. وهذه الطَّريق وصَلها أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق حَرَمي بن حفص، عن أبان بن يزيد العَطّار به، وسمعناه بعُلوِّ في ((فوائد)) أبي العبّاس بن نَجِيح، ولم يُرِّج البخاري لمالك ابن دينار، وهو الزّاهد المشهور البصري غير هذا الحديث الواحد المعلَّق. ٣٨١/٣ والغَرَض منه قوله فيه: ((وحَلها على قَتَبٍ)) وهو بفتح القاف والمثنَّاة بعدها موحّدة: رَحْل صغير على قَدْر السَّنام، وقد ذكره في آخر الباب موصولاً بلفظ: ((فَأَحقَبَها)» أي: أردَفَها على الحقيبة وهي الزُّنّار الذي يُجُعَل في مُؤخَّر القَتَب، فقوله في رواية أبان: ((على قَتَبٍ)) أي: ◌َلها على مُؤخَّر قَتَب، والحاصل أنَّه أردَفَها وكان هو على قَتَب، فإنَّ القصّة واحدة. وسيأتي بسط القول في اعتمار عائشة من التنعيم في أبواب العمرة. قوله: ((وقال عمر: شُدُّوا الرِّحال في الحجّ، فإنَّه أَحدُ الجهادَين)) وَصَلَه عبد الرزاق (٨٨٠٨) وسعيد بن منصور (٢٣٥٠) من طريق إبراهيم النَّخَعي، عن عابس بن ربيعة - وهو بموحّدة ومُهمَلة - أنَّه سمع عمر يقول وهو يَخْطُب: إذا وَضَعتُمُ السُّروج، فشُدّوا الرِّحال إلى الحج والعمرة، فإنَّه أحد الجهادين، ومعناه: إذا فرَغُم من الغَزْو فحُجّوا واعتَمِروا، وتسمية الحج جهاداً إمّا من باب التَّغليب أو على الحقيقة، والمراد جهاد النَّفْس، لما فيه من إدخال المشَقّة على البَدَن والمال، وسيأتي في ثاني أحاديث الباب الذي بعده (١٥٢٠) ما يؤيِّده. قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن أبي بَكْر)) هو المقدَّمي، كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: وقال