Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
باب ٦٣ / ح ١٤٩٦
كتاب الزكاة
قال ابن العربي: إلَّا أنَّه وإن كان مُطلَقاً فهو مُقَيَّدٌ بالحديث الآخرِ: أنَّ الداعي على
ثلاث مراتب: إمّا أن يُعجَّلَ له ما طلب، وإمّا أن يُدَّخَرَ له أفضلُ منه، وإمّا أن يُدفَعَ عنه من
السوءِ مثلُهُ(١). وهذا كما قُيِّدَ مُطلَقُ قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضْطَرَ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]
بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ ﴾ [الأنعام: ٤١].
وفي الحديث أيضاً الدُّعاءُ إلى التوحيد قبلَ القتال، وتوصيةُ الإمام عامِلَه فيما يحتاجُ إليه
من الأحكام وغيرها، وفيه بَعثُ السُّعاة لأخذ الزكاة، وقَبُولُ خَبَرَ الواحد، ووجوبُ
العمل به، وإيجابُ الزكاة في مال الصَّبي والمجنونِ لعُموم قوله: ((من أغنيائهم))، قاله
عیاضٌ، وفيه بحثٌ.
وأنَّ الزكاةَ لا تُدفَعُ إلى الكافرِ لعَوْد الضَّمير في ((فقرائهم)) إلى المسلمين، سواءٌ قلنا
بخُصوص البلدِ أو العُموم، وأنَّ الفقیرَ لا زكاةً علیه.
وأنَّ مَن مَلك نِصاباً لا يُعطى من الزكاة من حيثُ إنَّه جعل المأخوذَ منه غَنياً وقابَلَه
بالفقير، ومَن مَلك النِّصابَ فالزكاةُ مأخوذةٌ منه فهو غَنِي، والغِنى مانعٌ من إعطاء
الزكاة إلَّ مَن استُثني، قال ابن دَقِيق العيد: وليس هذا البحثُ بالشَّديد القوّة، وقد تقدَّم
أنَّه قول الحنفيَّة.
وقال البَغَوي: فيه أنَّ المالَ إذا تَلِفَ قبلَ التمكُّن من الأداء سَقَطَت الزكاةُ لإضافة
الصَّدَقة إلى المال، وفيه نظرٌ أيضاً.
تكميل: لم يقع في هذا الحديث ذِكرُ الصومِ والحجِّ مع أنَّ بَعْثَ معاذ كما تقدَّم كان في
آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأنَّ ذلك تقصيرٌ من بعض الرُّواة، وتُعقِّبَ بأنَّه يُفْضي إلى
ارتفاع الوُثُوق بكثير من الأحاديث النَّبوية لاحتمال الزيادة والنُّقْصان.
وأجاب الكِرْماني/ بأنَّ اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرا في القرآن، ٣٦١/٣
فمن ثَمَّ لم يُذكَر الصومُ والحجُّ في هذا الحديث مع أنَّهما من أركان الإسلام، والسِّرُّ في ذلك
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) من حديث أبي هريرة برقم (٩٧٨٥)، ومن حديث أبي سعيد الخدري برقم
(١١١٣٣)، ومن حديث عبادة برقم (٢٢٧٨٦).

٢٠٢
باب ٦٤ / ح ١٤٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ الصلاةَ والزكاةَ إذا وَجَبا على المكلَّفِ لا يَسقُطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم فإنَّه قد
يَسقُطُ بالفِدْية، والحجِّ فإنَّ الغيرَ قد يقومُ مقامَه فيه كما في المعضوب(١)، ويحتملُ أنَّه حينئذٍ
لم یکن شُرِعَ، انتھی.
وقال شيخُنا شيخُ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يُحِلّ الشارعُ منه بشيءٍ
كحديث ابن عمرَ: ((بُني الإسلامُ على خمسٍ))(٢)، فإذا كان في الدُّعاء إلى الإسلام، اكتَفى
بالأركان الثلاثة: الشَّهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعدَ وجودِ فرض الصومِ والحجِّ
كقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْالزَّكَوَةَ﴾ [التوبة: ٥] في موضعَينٍ من ((براءة))،
مع أنَّ نزولها بعدَ فرض الصومِ والحجِّ قطعاً، وحديث ابن عمرَ أيضاً: «أُمِرت أن أُقاتلَ
الناسَ حتَّى يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلَّا الله، ويُقيموا الصلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ))(٣)، وغير ذلك من
الأحاديث، قال: والحكمةُ في ذلك أنَّ الأركان الخمسة: اعتقاديّ: وهو الشَّهادة، وبَدَنيّ:
وهو الصلاة، وماليّ: وهو الزكاة، اقتَصَر في الدُّعاء إلى الإسلام عليها لتَفُّع الرُّكنَين
الأخيرَينِ عليها، فإنَّ الصومَ بَدَنٌّ مَحَضٌّ، والحجّ بَدَنيٌّ مالي، وأيضاً فكلمةُ الإسلام هي
الأصلُ، وهي شاقّةٌ على الكفّار، والصلَواتُ شاقّةٌ لتكرُّرها، والزكاةُ شاقّةٌ لمَا في جِلَّة
الإنسان من حُبّ المال، فإذا أذعَنَ المرءُ لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهَلَ عليه بالنّسبة إليها،
والله أعلم.
٦٤ - باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة
وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ
◌َهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
١٤٩٧ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمرِو، عن عبدِ الله بنِ أبي أوَ، قال:
(١) المعضوب: هو مَن أقعَدَه المرضُ ومَنَعه من الحركة. انظر ((اللسان)) (عضب).
(٢) سلف برقم (٨)، وهو عند مسلم (١٦).
(٣) سلف برقم (٢٥)، وهو عند مسلم (٢٢).

٢٠٣
باب ٦٤ / ح ١٤٩٧
كتاب الزكاة
كان النبيُّ وََّ إذا أتاه قَوْمٌ بِصَدَقتِهِم، قال: ((اللهمَّ صَلِّ على فُلانٍ)) فأتاه أَبِي بصَدَقِتِهِ، فقال:
((اللهمَّ صَلِّ على آلٍ أبي أَوَى)).
[أطرافه في: ٤١٦٦، ٦٢٣٢، ٦٣٥٩]
قوله: ((باب صلاةِ الإمام ودعائه لِصاحبِ الصَّدَقةِ، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
إلى قوله: ﴿سَكَنٌّ لَهُمْ﴾)) قال الزَّينُ بن المنيِر: عَطَفَ الدُّعاءَ على الصلاة في الترجمة ليبيِّنَ أنَّ
لفظَ: ((الصلاة)) ليس مُحَتَّماً بل غيرُه من الدُّعاء يُنَزَّلُ منزلَتَه. انتهى، ويؤيِّدُ عَدَمَ الانحِصار
في لفظ: ((الصلاة)) ما أخرجه النَّسائي (٢٤٥٨) من حديث وائلٍ بن حُجرٍ: أَنَّه وَ لّه قال في
رجلٍ بَعَثَ بناقةٍ حسنةٍ في الزكاة: ((اللهمَّ بارك فيه وفي إِيلِه)).
وأمَّا استدلالُه بالآية لذلك، فكأنَّه فَهمَ من سياق الحديث مُداوَمةَ النبيِّ نَّ على ذلك،
فحَمَله على امتثال الأمر في قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾. وروى ابن أبي حاتم وغيرُه بإسناد
صحيح عن السُّدّي في قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ قال: ادعُ لهم.
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): عَبَّرَ المصنِّفُ في الترجمة بالإمام ليُبطِلَ شُبهةَ أهل الرِّدّة في
قولهم للصِّدِّيق: إنَّما قال الله لرسولِه: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَهُمْ﴾، وهذا خاصٌّ
بالرَّسول، فأراد أن يُبيِّنَ أنَّ كلَّ إمام داخلٌ في الخطاب.
قوله: ((عن عَمرِو)) هو ابن مُرّةَ بن عبد الله بن طارقِ المرادي الكوفي، تابعي صغيرٌ لم
يسمع من الصحابة إلَّا من ابن أبي أوفى، قال شُعْبةُ: كان لا يُدَلِّس.
قوله: ((عن عبدِ الله)) سيأتي في المغازي (٤١٦٦) بلفظ: «سمعتُ ابن أبي أوفى، وكان من
أصحاب الشجرة)).
قوله: ((قال: اللهمَّ صَلِّ على فُلانٍ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((على آلِ فلانٍ)).
قوله: ((على آلِ أبِي أَوفى)) يريدُ أبا أَوْفِى نفسَه؛ لأنَّ الآلَ يُطلَقُ على ذات الشيء، كقوله في
قصَّة أبي موسى: ((لقد أُوتِيَ مِزماراً من مزامير آلِ داودَ)) (١)، وقيل: لا يقال ذلك إلَّا في
(١) سيأتي برقم (٥٠٤٨)، وهو عند مسلم (٧٩٣).

٢٠٤
باب ٦٥ / ح ١٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
٣٦٢/٣ حقّ / الرجل الجليل القَدْر، واسمُ أبي أَوفى: عَلقَمةُ بن خالد بن الحارث الأسلمي، شَهِدَ
هو وابنُه عبدُ الله بيعةَ الرَّضوان تحتَ الشجرة، وعُمِّرَ عبدُ الله إلى أن كان آخرَ مَن مات من
الصحابة بالكوفة، وذلك سنةً سبعٍ وثمانين.
واستُدِلَّ به على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكَرِهَه مالكٌ والجمهور، قال ابن
التِّين: وهذا الحديثُ يُعكِّرُ عليه، وقد قال جماعةٌ من العلماء: يدعو آخذُ الصَّدَقة للمتصدِّق
بهذا الدُّعاء لهذا الحديث.
وأجاب الخطَّبي عنه قديماً: بأنَّ أصلَ الصلاة الدُّعاءُ إلَّا أنَّه يختلفُ بحَسَب المدعوِّ له،
فصلاةُ النبيِ وَِّ على أُمَّتِهِ دعاءٌ لهم بالمغفرة، وصلاةُ أُمَّتِهِ عليه دعاءٌ له بزيادة القُربى
والزُّلفى، ولذلك كان لا يليقُ بغيره، انتهى.
واستُدِلَّ به على استحباب دعاء آخذ الزكاة لمُعطيها، وأوجَبَه بعضُ أهل الظاهر،
وحكاه الخَنَّاطي(١) وجهاً لبعض الشافعية، وتُعقِّبَ بأنَّه لو كان واجباً لعلَّمَه النبي
السُّعاة، ولأنَّ سائرَ ما يأخُذُه الإمامُ من الكفَّارات والدُّونِ وغيرهما لا يجبُ عليه فيها
الدُّعاءُ فكذلك الزكاة، وأمَّا الآيةُ فيحتملُ أن يكون الوجوبُ خاصّاً به لكَونِ صلاته سَكَناً
لهم، بخلاف غيره.
٦٥ - باب ما يُستخرَج منَ البَخْر
وقال ابنُ عَّاسٍ رضي الله عنهما: ليس العَنْبرُ بِرِكَازٍ، هو شيءٌ دَسَرَه البحرُ.
وقال الحسنُ: في العَنِْ واللُّؤْلُؤُ الخُمُسُ، فإنَّا جَعَلَ النبيُّ وَّهِ فِي الرِّكازِ الخُمُسَ، ليس في
الَّذِي يُصابُ في الماءِ.
١٤٩٨ - وقال الليثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ
(١) هو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الطبري الحنّاطي، الفقيه الشافعي، قدم بغداد وحدث بها عن
عبد الله بن عدي وأبي بكر الإسماعيلي، كان حافظاً لكتب الشافعي، قال السبكي: توفي بعد الأربع مئة
بقليل. انظر ((طبقات الشافعية)) ٢٦٧/٤-٢٦٩.

٢٠٥
باب ٦٥ / ح ١٤٩٨
كتاب الزكاة
، عن النبيِّ ◌ََّ: ((أنَّ رجلاً من بني إسرائيلَ سألَ بعضَ بني إسرائيلَ بأن يُسلِفَه ألفَ دینارٍ،
فَدَفَعَها إليه فخَرَجَ في البحر، فلم يَجِدْ مَرْكَباً فأخذَ خَشَبَةً فَنَقَرَها، فأدخَلَ فيها ألفَ دينارٍ،
فَرَمَى بها في البحر، فخَرَجَ الرجلُ الَّذي كان أسلَفَه، فإذا بالخشبةِ فأخذَها لأَهلِهِ حَطَباً)) فَذَكَرَ
الحديثَ: ((فلمَّا نَشَرَها وَجَدَ المالَ)).
[أطرافه في: ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٢٤، ٦٢٦١]
قوله: ((باب ما يُستخرَجُ من البحر)) أي: هل تجبُ فيه الزكاةُ أو لا؟ وإطلاقُ
الاستخراج أعمُّ من أن يكون بسهولةٍ كما يوجدُ في الساحل، أو بصعوبةٍ كما يوجدُ بعدَ
الغَوْصِ ونحوه.
قوله: ((وقال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ليس العَثْبرُ برِكَازٍ، إنَّما هو شيءٌ دَسَرَه البحر))
اختُلِفَ في العنبر، فقال الشافعي في كتاب السَّلَمِ من ((الأُمّ)): أخبرني عددٌ مَمَّن أثِقُ بخبره:
أنَّه نباتٌ يَخْلُقُه الله في جَنَبَات البحر(١)، قال: وقيل: إنَّه يأكلُهُ حوتٌ فيموت فيُلِقِيه البحرُ
فِيُؤْخَذُ فِيُشَقُّ بطنُه فُخرَجُ منه.
وحكى ابن رُسْتُمَ عن محمد بن الحسنِ: أنَّه يَنْبُتُ في البحر بمنزلة الحشيش في البَرّ،
وقيل: هو شَجَرٌ يَنْبُتُ في البحر فيَتكسَُّ فيُلقيه الموجُ إلى الساحل، وقيل: يخرجُ من عَين،
قاله ابن سِينا، قال: وما يُحكَى من أنَّه رَوْثُ دابّةٍ أو قَيؤُها، أو من زَبَد البحر بعيدٌ.
وقال ابن البَيْطار في ((جامعه)): هو رَوْثُ دابّةٍ بحرية، وقيل: هو شيءٌ يَنْبُتُ في قعر
البحر؛ ثمَّ حَكى نحو ما تقدَّم عن الشافعي.
وأمَّا الرِّكازُ، فبكسر الراء وتخفيف الكاف وآخرُه زايٌ، سيأتي تحقيقُه في الباب الذي
بعده، و («دَسَرَه)) أي: دَفَعَه ورمی به إلى الساحل.
وهذا التعليقُ وَصَلَه الشافعي (٤٥/٢) قال: أخبرنا ابن عُيَينة عن عمرو بن دينارٍ عن
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): جنبات البحر، والذي في المطبوع من ((الأم)) ١١٥/٣: حِشاف في البحر.
والحِشاف: جمع حَشَفة، وهي الجزيرة في البحر لا يعلوها الماء. انظر ((اللسان)) (حشف).

٢٠٦
باب ٦٥ / ح ١٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
أُذَينَةَ عن ابن عبَّاس، فذكر مثله. وأخرجه البيهقي (١٤٦/٤) من طريقه ومن طريق
يعقوب بن سفيانَ: حدَّثنا الحميدي وغيرُه عن ابن عُيَينةَ، وصَرَّحَ فيه بسماع أُذينةً له من
٣٢٣/٣ ابن عبّاس، وأخرجه ابن أبي شَيْبة في «مصنَّفه)) (١٤٢/٣-١٤٣)/ عن وكيع عن سفيانَ
الثَّوري عن عمرو بن دينارٍ مثله. وأُذَينَةُ، بمعجمةٍ ونونٍ مصغّرٌ: تابعي ثقةٌ.
وقد جاء عن ابن عبَّاسِ التوقُّفُ فيه، فأخرج ابن أبي شَيْبة (١٤٣/٣) من طريق
طاووس قال: سُئِلَ ابن عبّاسٍ عن العنبر، فقال: إن كان فيه شيءٌ ففيه الخُمس. ويُجمَعُ بين
القولين بأنَّه كان يَشُكُّ فيه، ثمَّ تَبيَّن له أن لا زكاةَ فيه، فجَزَمَ بذلك.
قوله: ((وقال الحسنُ: في العَنْبِرِ واللُّؤْلُؤِ الخُمُس)) وَصَلَه أبو عُبيدٍ في كتاب ((الأموال))
(٨٨٧) من طريقه بلفظ: أنَّه كان يقول: في العنبر الخمسُ، وكذلك اللُّؤلؤ.
قوله: ((فإنَّا جَعَلَ النبي ◌ِّ ... )) إلى آخره، سيأتي موصولاً في الذي بعده، وأراد بذلك
الردّ على ما قال الحسنُ، لأنَّ الذي يُستخرَجُ من البحر لا يُسمَّى في لغة العربِ رِكَازاً على
ما سيأتي شرحُه.
قال ابن القَصَّار: ومفهومُ الحديث أنَّ غيرَ الرِّكاز لا ◌ُمسَ فيه، ولا سيما اللُّؤلؤُ والعنبرُ،
لأنَّهما يتولَّدان من حيوان البحر فأشبَها السَّمكَ. انتهى.
قوله: ((وقال الليث ... )) إلى آخره، هكذا أورَدَه مختصراً، وقد أورَدَه ثمَّ وَصَلَه في البيوع
(٢٠٦٣)، وسيأتي الكلام عليه مُستوفّى هناك إن شاء الله تعالى.
ووقع هنا في روايتنا من طريق أبي ذرِّ مُعلَّقاً، ووَصَله أبو ذرِّ فقال: ((حدَّثنا عليّ بن
وَصِيف، حدَّثنا محمدُ بن غسَّانَ، حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، حدَّثنا الليثُ به))، وقرأت بخَطّ
الحافظِ أبي عليٍّ الصَّدَفي: هذا الحديثُ رواه عاصمُ بن عليّ عن الليث، فلعلَّ البخاري إنَّما لم
يُسنِده عنه لكَونِه ما سمعه منه، أو لأنَّه تفرَّد به فلم يوافقه عليه أحدٌ، انتهى.
والأولُ بعيدٌ، سَلَّمنا، لكن لم ينفردْ به عاصمٌ، فقد اعتَرَفَ أبو عليٍّ بذلك، فقال في آخر

٢٠٧
باب ٦٦
كتاب الزكاة
كلامه: ((رواه محمدُ بن رُمْح عن الليث)). قلت: وكأنَّه لم يَقِفْ على الموضع الذي وَصَلَه فيه
البخاري عن عبد الله بن صالح (٢٠٦٣) وبالله التوفيق.
قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيءٌ يُناسبُ الترجمة، رجلٌ اقْتَرَضَ قَرِضاً
فارتَجَعَ قَرضَه، وكذا قال الداوودي: حديثُ الخَشَبة ليس من هذا الباب في شيء، وأجاب
أبو عبد الملِكِ: بأنَّه أشارَ به إلى أنَّ كلّ ما ألقاه البحرُ جازَ أخذُه ولا ◌ُمْسَ فيه.
وقال ابن المنيِر: موضعُ الاستشهاد منه أخذُ الرجلِ الخشبةَ على أنَّهَا حطبٌ، فإذا
قلنا: إنَّ شرعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا، فيُستفادُ منه إباحةُ ما يَلِفِظُه البحرُ من مثلِ ذلك ممَّا نَشَأ
في البحر، أو عَطِبَ فانقَطَعَ مِلكُ صاحبِهِ، وكذلك ما لم یتقدَّم علیه مِلكٌ لأحدٍ من باب
الأَوْلى، وكذلك ما يحتاجُ إلى مُعاناةٍ وتعبٍ في استخراجه أيضاً، وقد فرَّقَ الأوزاعي بين
ما يوجدُ في الساحلِ فُيُخمَّسُ أو في البحر بالغَوْصِ أو نحوه فلا شيءَ فيه، وذهب
الجمهورُ إلى أنَّه لا يجبُ فيه شيءٌ إلَّا ما رُويَ عن عمرَ بن عبد العزيزِ كما أخرجه ابن أبي
شَيْبةٍ (١٤٣/٣)، وكذا الزُّهْرِيُّ والحسنُ كما تقدَّم وهو قول أبي يوسفَ وروايةٌ عن
أحمد.
٦٦ - بابٌ في الرِّکاز الخُمس
وقال مالكٌ وابنُ إدريسَ: الرِّكازُ دِفْنُ الجاهليَّةِ، في قليله وكثيرِهِ الخُمُسُ، وليس المَعدِنُ
برِكاز.
وقد قال النبيُّ وَِّ: ((في المَعدِنِ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس)).
وأخذَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ من المعادنِ من كلِّ مئتينِ خمسةً.
وقال الحسنُ: ما كان من رِكَازٍ في أرضِ الحربِ ففيه الخُمُسُ، وما كان من أرضِ السَّلْمِ
ففيه الزكاةُ، وإن وَجَدْتَ الُّقَطَةَ في أرضِ العدوِّ فعَرِّفْها، وإن كانت من العدوِّ ففيها الخُمُس.
وقال بعضُ الناس: المَعدِنُ رِكَازٌ مِثلُ دِفْنِ الجاهليَّةِ، لأنَّه يقال: أركَزَ المَعدِنُ: إذا خَرَجَ

٢٠٨
باب ٦٦ / ح ١٤٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
منه شيءٌ، قيلَ له: قد يقال لمن وُهِبَ له شيءٌ أو رَبِحَ رِيْحاً كثيراً أو كَثُرَ ثَمَرُه: أركَزْتَ، ثمَّ
ناقَضَ وقال: لا بأسَ أن يَكتُّمَه فلا يُؤْدِّيّ الخُمُسَ.
١٤٩٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيّب.
وعن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ قال: «العَجْمَاءُ جُبارٌ،
والبِثْرُ جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس)).
[أطرافه في: ٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣]
٣٦٤/٣
قوله: ((باب في الرِّكازِ الخُمُس)» الرِّكازُ بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخرُه زائيٌ: المالُ
المدفونُ، مأخوذٌ من الرَّكْز بفتح الراء، يقال: رَكَزَه يَركُزُه رَكْزاً: إذا دَفَنَه، فهو مرکوزٌ، وهذا
مُتَّفَقٌ علیه، واختُلِفَ في المعدِنِ کما سيأتي.
قوله: ((وقال مالكٌ وابن إدريس: الرِّكازُ: دِفْنُ الجاهليةِ ... )) إلى آخره، أمَّا قول مالك،
فرواه أبو عُبيدٍ في كتاب ((الأموال)) (٨٧٠): حدَّثني يحيى بن عبد الله بن بُكَير عن مالك،
قال: المعدِنُ بمنزلة الزَّرع، تُؤخَذُ منه الزكاةُ، كما تُؤْخَذُ من الزَّرع حتَّى يُحِصَد، قال: وهذا
ليس برِكَاز، إنَّما الرِّكازُ دِفنُ الجاهلية الذي يُؤخَذُ من غير أن يُطلَبَ بمالٍ ولا يُتَكَلَّفُ له
كثيرَ عملٍ. انتهى، وهكذا هو في سماعنا من ((الموطَّ)) رواية يحيى بن بُكَير، لكن قال فيه:
عن مالكٍ عن بعض أهل العلم.
وأمَّا قوله: ((في قليله وكثيره الخُمُس)) فنقله ابن المنذرِ عنه كذلك، وفيه عند أصحابه
عنه اختلافٌ، وقوله: ((دِفنُ الجاهلية)) بكسر الدال وسكون الفاء: الشيءُ المدفونُ، کذِبْحِ
بمعنى مذبوح، وأمَّا بالفتحِ فهو المصدرُ، ولا يُرادُ هنا.
وأمَّا ابن إدريسَ، فقال ابن التِّين: قال أبو ذرٍّ: يقال: إنَّ ابن إدريسَ هو الشافعي،
ويقال: عبدُ الله بن إدريسَ الأودي الكوفي، وهو أشبه. كذا قال، وقد جَزَمَ أبو زيدٍ المروزي
أحدُ الرُّواة عن الفِرَبْري بأنَّه الشافعي، وتابَعَه البيهقي وجمهورُ الأئمّة، ويؤيِّدُه أنَّ ذلك
وُجِدَ في عبارة الشافعي دونَ الأَوْدي، فروى البيهقي في ((المعرفة)) (٨٤٠١) من طريق الربيع

٢٠٩
باب ٦٦ / ح ١٤٩٩
كتاب الزكاة
قال: قال الشافعي: والرِّكازُ الذي فيه الخُمسُ دِفْنُ الجاهلية ما وُجِدَ في غیر مِلكِ لأحدٍ.
وأمَّا قوله: ((في قليله وكثيره الخُّمُس)) فهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر واختارَه، وأمّا
في الجديدِ، فقال: لا يجبُ فيه الخُمسُ حتَّى يَبلُغَ نِصابَ الزكاة، والأولُ قول الجمهور كما
نقله ابن المنذرِ أيضاً، وهو مُقتَضی ظاهر الحديث.
قوله: ((وقد قال النبي ◌َّ: في المَعدِنِ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس)) أي: فغايَرَ بينهما،
وهذا وَصَلَه في آخر الباب من حديث أبي هريرة، ویأتي الكلام عليه.
قوله: ((وأخذَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز من المعادنِ من كلِّ مئتينِ خمسةً)) وَصَلَه أبو عُبيدٍ في
كتاب ((الأموال)) من طريق الثّوري عن عبد الله بن أبي بكرٍ بن عمرو بن حزم نحوه، وروى
البيهقي (٤ / ١٥٢) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبةَ عن قَتَادةَ: أنَّ عمرَ بن عبد العزيزِ جعل
المعدِنَ بمنزلة الرِّكاز يُؤْخَذُ منه الخُمُس، ثمَّ عَقَّبَ بكتابٍ آخرَ فجعل فيه الزكاةَ.
قوله: «وقال الحسنُ: ما کان من رِگازٍ في أرضِ الحربِ ففیه الخُمسُ، وما كان في أرضِ
السَّلْمِ ففيه الزكاة)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٢٥/٣ ٢٥٤/١٢) من طريق عاصمِ الأحوَلِ عنه
بلفظ: ((إذا وُجِدَ الكَنُ في أرض العدوِّ ففيه الخُمس، وإذا وُجِدَ في أرض العربِ ففيه
الزكاة)) قال ابن المنذر: ولا أعلمُ أحداً فرَّقَ هذه التفرِقةً غيرَ الحسن.
قوله: ((وإن وَجَدْت اللُّقَطَةُ في أرضِ العدوِّ فعَرِّفْها، وإن كانت من العدوِّ ففيها الخُمُس»
لم أقف عليه موصولاً وهو بمعنى ما تقدَّم عنه.
قوله: ((وقال بعضُ الناس: المَعدِنُ رِكَازٌ ... )) إلى آخره، قال ابن التِّين: المرادُ ببعض
الناس أبو حنيفة. قلت: وهذا أولُ موضع ذَكَره فيه البخاري بهذه الصّيغة، ويحتملُ أن
يريدَ به أبا حنيفةً وغيره من الكوفيين ممَّن قال بذلك.
قال ابن بَطَّالٍ: ذهب أبو حنيفةَ والثَّوري وغيرُهما إلى أنَّ المعدِنَ كالرِّكاز، واحتجَّ لهم
بقول العرب: أركَزَ الرجلُ: إذا أصابَ رِكَازاً، وهي قِطَعٌ من الذَّهب تُخرَجُ من المعادن.
والحُجَّةُ للجمهورِ تفرِقَةُ النبيِِّ بين المعدِن والرِّكاز بواو العطف، فصَحَّ أنَّه غيرُه.

٢١٠
باب ٦٦ / ح ١٤٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٦٥/٣ قال: وما ألزَمَ به البخاري القائلَ المذكورَ: «قد يقال لمن وُهِبَ له الشيءُ أو رَبِحَ رِبحاً
كثيراً، أو كَثُرَ ثَمَرُه: أركَزت)) حُجَّةٌ بالغةٌ، لأنَّه لا يَلَزَمُ من الاشتراك في الأسماء الاشتراكُ
في المعنى، إلَّا إن أوجَبَ ذلك مَن يجبُ التسليمُ له، وقد أجمعوا على أنَّ المالَ الموهوبَ لا
يجبُ فيه الخُمُس، وإن كان يقال له: أركَزَ، فكذلك المعدن.
وأمَّا قوله: ((ثمَّ ناقضَ)) إلى آخر كلامه، فليس كما قال، وإنَّما أجازَ له أبو حنيفةَ أن يَكتُمَه
إذا كان محتاجاً، بمعنى أنَّه يَتأولُ أنَّ له حَقّاً في بيت المال ونصيباً في الفَيء، فأجازَ له أن
يأخُذَ الخُمُسَ لنفسه عِوَضاً عن ذلك، لا أنَّه أسقَطَ الْخُمُسَ عن المعدن. انتهى.
وقد نَقَلَ الطَّحاويُّ المسألةَ التي ذكرها ابن بَطَّالٍ ونَقَلَ أيضاً: أنَّه لو وَجَدَ في داره
مَعِدِناً، فليس عليه شيءٌ، وبهذا يَتَّجِه اعتراضُ البخاري.
والفَرقُ بين المعدِن والرِّكاز في الوجوب وعَدَمِهِ: أنَّ المعدِنَ يحتاجُ إلى عملٍ ومُؤْنةٍ
ومُعالَجَةٍ لاستخراجه بخلاف الرِّكاز، وقد جَرَت عادةُ الشَّرع أنَّ ما غَلُظَت مؤنتُةُ خُفِّفَ
عنه في قَدْر الزكاة وما خَفَّتِ زِيدَ فيه. وقيل: إنَّما جُعِلَ في الرِّكاز الخمسُ؛ لأنَّه مالُ كافر،
فنُزِّلَ مَن وَجَدَه منزلةَ الغنائم، فكان له أربعةُ أخماسه.
وقال الزّينُ بن المنيِِّ: كأنَّ الرِّكازَ مأخوذٌ من: أركَزتُه في الأرض: إذا غَرَزته فيها، وأمَّا
المعدِنُ فإنَّه يَنْبُتُّ في الأرضِ بغير وضع واضعٍ. هذه حقيقتُهما، فإذا افتَرَقا في أصلِهما
فكذلك في حُكمِهما.
قوله: ((العَجْمَاءُ جُبارٌ)) في رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة: ((العَجْمَاءُ عَقْلُها جُبارٌ))
وسيأتي في الدِّيَات (٦٩١٣) مع الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وسُمّيت البَهيمةُ عَجماءَ؛
لأنَّها لا تتكلّم.
قوله: ((والمَعدِنُ جُبارٌ)) أي: هَذْرٌ، وليس المرادُ أنَّه لا زكاةَ فيه، إنَّما المعنى: أنَّ مَن
استأجَرَ رجلاً للعملِ في مَعدِنٍ مثلاً فَهَلَك، فهو هَدَرٌ ولا شيءَ على مَن استأجرَه، وسيأتي
بسطُه في الدِّیات.

٢١١
باب ٦٧ / ح ١٥٠٠
كتاب الزكاة
قوله: ((وفي الرِّكازِ الخُمُس)) قد تقدَّم ذِكرُ الاختلاف في الرِّكاز، وأنَّ الجمهورَ ذهبوا إلى
أنَّه المالُ المدفون، لكن حَصَرَه الشافعيةُ فيما يوجدُ في المَوَات، بخلاف ما إذا وَجَدَه في
طريقِ مَسلوكٍ أو مسجدٍ فهو لُقَطّةٌ، وإذا وَجَدَه في أرضٍ مملوكة، فإن كان المالكُ الذي
وَجَدَه فهو له، وإن كان غيرَه، فإن ادَّعاه المالكُ فهو له، وإلّا فهو لمن تَلقّاه عنه إلى أن ينتهيَ
الحالُ إلى مَن أحيا تلك الأرض.
قال الشَّيخُ تقي الدّينِ بن دَقِيق العيد: مَن قال من الفقهاء بأنَّ في الرِّكاز الخُمُسَ، إمّا
مُطلَقاً أو في أكثر الصُّوَر، فهو أقربُ إلى الحديث، وخَصَّه الشافعي أيضاً بالذَّهب والفضّة،
وقال الجمهورُ: لا يختَصّ، واختاره ابن المنذر.
واختلفوا في مَصِرِفِه، فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ والجمهورُ: مَصِرِفُه مصرفُ مُمس الفَيء،
وهو اختيارُ المُزَني. وقال الشافعي في أصحِّ قولَيه: مَصِرِفُه مَصِرِفُ الزكاة. وعن أحمد
روايتان. وينبني على ذلك ما إذا وَجَدَه ذِمِّيٌّ، فعند الجمهور: يُخْرَجُ منه الخُمسُ، وعند
الشافعي: لا يُؤْخَذُ منه شيءٌ، واتَّفَقوا على أنَّه لا يُشتَرَطُ فيه الحَوْلُ بل يجبُ إخراجُ
الخُمسِ في الحال. وأَغَرَبَ ابن العربي في ((شرح التِّرمِذي)) فحكى عن الشافعي الاشتراط،
ولا يُعرَفُ ذلك في شيءٍ من کتبه ولا من کتبٍ أصحابه.
٦٧ - باب قول الله تعالى: ﴿وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]
ومحاسبة المصَدِّقين مع الإمام
١٥٠٠- حذَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أُسامةَ، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه،
عن أبي مُميدِ الساعِدِيِّ ﴾، قال: استَعْمَلَ رسولُ اللهَ وَِّ رجلاً من الأَسْدِ على صَدَقاتِ بني
سُلَيم يُدْعَى ابنَ اللُّْبِيَّة، فلمَّا جاء حاسَبَه.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وُحاسَبةُ المصَدِّقينَ مع الإمام)) قال ابن
بَطَّالٍ: أَنَّفَقَ العلماءُ على / أنَّ العاملينَ عليها السُّعاةُ المتَوَلّونَ لقَبض الصَّدَقة. وقال المهلَّبُ: ٣٦٦/٣
حديثُ الباب أصلٌ في محاسَبة المؤتَمَن، وأنَّ المحاسبةَ تصحيحُ أمانته.

٢١٢
باب ٦٨ / ح ١٥٠١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): يحتملُ أن يكون العاملُ المذكور صَرَفَ شيئاً من الزكاة في
مصارفِه، فحُوسِبَ على الحاصلِ والمصروف.
قلت: والذي يظهرُ من مجموع الطّرق أنَّ سببَ مُطالَبَتِه بالمحاسبة ما وُجِدَ معه من
جنس مال الصَّدَقة، وادَّعى أنَّه أُهديَ إليه.
ثم أورد المصنف فيه طرفاً من حديث أبي حُميدٍ في قصَّة ابن اللُّتبية وفيه: ((فلمَّا جاء حاسبه))،
وسيأتي الكلام عليه حيثُ ذَكَره المصنِّفُ مُستوفّى في الأحكام (٧١٧٤) إن شاء الله تعالى.
وابن اللُّتبية المذكورُ: اسمه عبدُ الله، فيما ذكر ابن سعدٍ وغيرُه، ولم أعرِف اسمَ أُمُّه.
وقوله: ((على صَدَقات بني سُلَيم)) أفاد العَسكَري بأنَّه بُعِثَ على صَدَقات بني ذُبْيان، فلعلَّه
كان على القبيلتين. واللَّتبيةُ، بضم اللَّام وسكون المثنَّة بعدَها موخَّدةٌ من بني لُتْب، حَيٌّ من
الأَزْد، قاله ابن دُرَيد، قيل: إنَّها كانت أُمَّه فعُرِفَ بها، وقيل: اللَّتَبِيةُ بفتح اللَّام والمثنَّة.
٦٨ - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السّبيل
١٥٠١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ ناساً من
عُرَينَةَ اجْتَوَوُا المدينةَ، فَرَأَخَّصَ لهم رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يأْتُوا إبلَ الصَّدَقةِ فَيَشْرَبُوا من ألبانها
وأَبوالِها، فقَتَلُوا الرّاعيَ واستاقُوا الذَّوْدَ، فَأرسَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ فَأَتِيَ بهم، فقَطَّعَ أيدِيَهم
وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم، وتَرَكَهم بالحَرّةِ يَعَضُّونَ الحِجارةَ.
تابَعَه أبو قِلابةَ وُميدٌ وثابتٌ، عن أنسٍ.
قوله: ((باب استِعْمال إبلِ الصَّدَقةِ وألبانها لأبناء السَّبيل)) قال ابن بَطَّالٍ: غَرَضُ المصنّف
في هذا الباب إثباتُ وَضْعِ الصَّدَقة في صِنفٍ واحدٍ خلافاً لمن قال: يجبُ استيعابُ
الأصناف الثَّمانية، وفيما قال نظرٌّ، لاحتمال أن يكون ما أباحَ لهم من الانتفاع، إلَّا بما هو قَدْرُ
حِصَّتِهم. على أنَّه ليس في الخبرِ أيضاً أنَّه مَلَّكَهم ◌ِقابَها، وإنَّما فيه أنَّه أباحَ لهم شُربَ ألبان
الإبلِ للتَّداوي، فاستَنْبَطَ منه البخاري جوازَ استعمالها في بقيَّة المنافع، إذ لا فَرْقَ، وأمَّا

٢١٣
باب ٦٩ / ح ١٥٠٢
كتاب الزكاة
تمليكُ رِقابها فلم يقع، وتقديرُ الترجمة: استعمالُ إبل الصَّدَقة وشُربُ أَلبانها، فاكتَفى عن
التصریح بالشُّربِ لوُضوحِه.
فغايةُ ما يُفهَمُ من حديث الباب أنَّ للإمام أن يُخُصَّ بمنفَعة مال الزكاة - دونَ الرَّقَبة -
صِنْفاً دونَ صِنْفٍ بحَسَب الاحتياج، على أنَّه ليس في الخيرِ أيضاً تصريحٌ بأنَّه لم يَصرِف من
ذلك شيئاً لغير العُرَنِيِّنَ، فليست الدّلالةُ منه لذلك بظاهرةٍ أصلاً، بخلاف ما ادَّعى ابن
بَطَّالٍ أنَّه حُجَّةٌ قاطعةٌ.
قوله: ((تابَعَه أبو قِلابةَ ومُميدٌ وثابتٌ، عن أنسٍ)) أمَّا مُتَابَعةُ أبي قلابةَ، فتقدَّمت في الطَّهارة
(٢٣٣)، وأمَّا مُتَابَعةٌ حُميد، فَوَصَلها مسلمٌ (١٦٧١) والنَّسائي (٤٠٣١) وابن خُزيمة (١)،
وأمَّا مُتَابَعةُ ثابتٍ فَوَصَلها المصنِّفُ في الطِّبّ (٥٦٨٥). وقد سَبَقَ الكلام على الحديث
مُستوفّى في كتاب الطَّهارة(٢).
٦٩ - باب وَسْم الإمام إِبلَ الصدقة بيده
١٥٠٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا أبو عَمرٍو، حدَّثني إسحاقُ بنُ
عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ﴾، قال: غَدَوْتُ إلى رسولِ الله وَ﴿ بعبدِ الله بنِ
أبي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَه، فوافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِسَمُ يَسِمُ إِبَلَ الصَّدَقةِ.
[طرفاه في: ٥٥٤٢، ٥٨٢٤]
قوله: ((بابُ وَسْمِ الإِمام إِيلَ الصَّدَقةِ بيَدِه)) ذكر فيه طرفاً من حديث أنسٍ في قصَّة ٣٦٧/٣
عبد الله بن أبي طلحة، وفيه مقصودُ الباب. وسيأتي في الذَّبائح (٥٥٤٢) من وجهٍ آخرَ عن
أنسٍ: أَنَّه رآه يَسِمُ غنماً في آذانها، ويأتي هناك النَّهيُ عن الوَسْمِ في الوجه.
قوله في الإسناد: ((حدَّثنا الوليد)) هو ابن مسلم، وأبو عَمرِو: هو الأوزاعي كما ثَبَتَ في
رواية غیر أبي ذرٍّ.
(١) لم نقف على متابعة حميد عند ابن خزيمة، وهي عند ابن ماجه (٢٥٧٨) و(٣٥٠٣)، وعند الترمذي
(٧٢) و(١٨٤٥) و(٢٠٤٢) مقروناً بقتادة وثابت.
(٢) في ((باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها)) عند الحديث (٢٣٣).

٢١٤
باب ٧٠ / ح ١٥٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وفي يَدِه المِيْسَم)) بِوَزنِ مِفْعَلِ مكسورُ الأول، وأصلُه مِوْسَمٌ؛ لأنَّ فاءَه واوٌ،
لكنَّها لمَّا سُكِّنَت وكُسِرَ ما قبلها قُلِبَت ياءً، وهي الحديدةُ التي يُوسَمُ بها، أي: يُعلَّم، وهو
نَظِيرُ الخاتَم. والحكمةُ فيه تَميِيزُها، وليَرُدَّها مَن أخذَها ومَن التَّقَطَها، ولِيَعِرِفَها صاحبُها فلا
يشتريها إذا تَصدَّقَ بها مثلاً، لئلّا يَعودَ في صَدَقِتِه. ولم أقف على تصريح بما كان مكتوباً على
مِيسَم النبيِ وَّهِ، إلّا أنَّ ابن الصَّاغِ من الشافعية نَقَلَ إجماعَ الصحابة على أنَّه يُكتَبُ في
مِيسَم الزكاة: (زكاةٌ)) أو ((صدقةٌ)).
وفي حديث الباب حُجَّةٌ على مَن كَرَهَ الوَسْمَ من الحنفيَّة بالمِيسَم، لدخوله في عُموم
النَّهي عن المُثْلَة، وقد ثَبَتَ ذلك من فعل النبيِ وَِّ، فدَلَّ على أنَّه مخصوصٌ من العُموم
المذكور للحاجة كالخِتان للآدمي.
قال المهلَّبُ وغيرُه: في هذا الحديث أنَّ للإمام أن يَتَّخِذَ مِيْسماً، وليس للناس أن يَتَّخِذوا
نَظِیرَه، وهو کالخاتم.
وفيه اعتناءُ الإمام بأموال الصَّدَقة وتَوَلّيها بنفسه، ويَلتَحِقُ به جميعُ أُمور المسلمين.
وفيه جوازُ إيلام الحيوان للحاجة. وفيه قَصدُ أهل الفضلِ لتَحْنيك المولودِ لأجل البَرَكة.
وفيه جوازُ تأخير القِسْمة؛ لأنَّها لو عُجِّلَت لاستُغنيَ عن الوَسْم.
وفيه مُباشَرةُ أعمال الِهْنة وتَركُ الاستنابة فيها للرَّغبة في زيادة الأجر ونَفْي الكِبْر، والله أعلم.
٧٠ - باب فَرْض صدقة الفِطْر
ورَأى أبو العاليةِ وعطاءٌ وابنُ سِيرِينَ صدقةَ الفِطْرِ فَرِيضةً.
١٥٠٣ - حدَّثنا يحيى بنُ محمَّدٍ بنِ السَّكَنِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جَهْضَمِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
جعفرٍ، عن عمرَ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ وَه
زكاةَ الفِطْرِ صاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من شَعِيرٍ، على العبدِ والحرِّ والذَّكَرِ والأنْثَى، والصَّغِيرِ
والكَبِيرِ من المسلمينَ، وأمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوج الناس إلى الصلاةِ.
[أطرافه في: ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١٢،١٥١١]

٢١٥
باب ٧٠ / ح ١٥٠٣
كتاب الزكاة
قوله: ((باب فرضٍ صدقةِ الفِطْر)) كذا للمُستَمْلِي، واقتَصَرَ الباقونَ على ((بابٍ)) وما بعده،
ولابي نُعَیم ((كتاب)» بدلَ بابٍ.
وأُضيفَت الصَّدَقةُ للفِطرِ لكَونها تجبُ بالفِطْرِ من رمضان. وقال ابن قُتَيبة: المرادُ
بصَدقة الفِطْرِ صدقةُ النُّفُوس، مأخوذةٌ من الفِطْرة التي هي أصلُ الخِلْقة. والأولُ أظهَر،
ويؤيِّدُه قوله في بعض طرق الحديث كما سيأتي: ((زكاةُ الفِطْرِ من رمضانَ)).
قوله: ((ورَأى أبو العاليةِ وعطاءٌ وابن سيرينَ صدقةَ الفِطْرِ فريضةً)) وَصَلَه عبدُ الرَّزّاق
(٥٧٦٥) عن ابن جُرَيج، عن عطاء، ووَصَله ابن أبي شَيْبة (٢٢٣/٣) من طريق عاصمٍ
الأحوَل، عن الآخرين.
وإِنَّمَا اقْتَصَرَ البخاري على ذِكرِ هؤلاء الثلاثة لكَونِم صَرَّحوا بفَرضيَّتِها، وإلَّ فقد نَقَلَ
ابن المنذرِ وغيرُه الإجماعَ على ذلك، لكنَّ الحنفيَّة/ يقولون بالوجوب دونَ الفرض، على ٣٦٨/٣
قاعدَتِهِم في التَّفْرِقة. وفي نَقْل الإجماع مع ذلك نظرٌ، لأنَّ إبراهيم ابن عُليَّة وأبا بكرٍ بن
كَيْسَانَ الأصَمَّ قالا: إنَّ وجوبَهَا نُسِخ، واستُدِلَّ لهما بما روى النَّسائي (٢٥٠٧) وغيرُه(١) عن
قيسٍ بن سعدِ بن عُبادةَ قال: أمَرَنا رسولُ الله ◌َّهِ بصدقة الفِطْرِ قبلَ أن تَنزِلَ الزكاة، فلما
نزلت الزكاةٌ لم يأمرنا ولم يَنْهَنا ونحنُ نفعلُه، وتُعقّبَ بأنَّ في إسناده راوياً مجهولاً، وعلى
تقدير الصِّحّة فلا دليلَ فيه على النَّسخ، لاحتمال الاكتِفاء بالأمر الأوَّل، لأنَّ نزولَ فَرْضٍ لا
يُوجِبُ سقوطَ فَرْضٍ آخر.
ونَقَلَ المالكيةُ عن أشهَبَ: أنَّهَا سُنَّةٌ موكَّدةٌ، وهو قول بعض أهل الظاهرِ وابن اللَّبَان
من الشافعية، وأوَّلوا قوله: ((فَرَضَ)) في الحديث بمعنى قَدَّر، قال ابن دقيق العيد: هو أصلُه
في اللُّغة، لكن نُقِلَ في عُرف الشّرع إلى الوجوب فالحَملُ عليه أولى. انتهى.
ويؤيِّدُه تسميتُها زكاةً، وقوله في الحديث: ((على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ))، والتصريحُ بالأمر بها في
حديث قيسٍ بن سعدٍ وغيره، ولدخولها في عُموم قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة:
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٨٤٠) و(٢٣٨٤٣)، وابن ماجه (١٨٢٨)، وأبو يعلى (١٤٣٤)، وابن
خزيمة (٢٣٩٤).

٢١٦
باب ٧٠ / ح ١٥٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
٢٧٧] فبيَّن ◌َّهَ تفاصيلَ ذلك ومن جملتها زكاةُ الفِطْر، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى﴾
[الأعلى: ١٤]، وثَبَتَ أنَّها نزلت في زكاة الفِطْر، وثَبَتَ في ((الصحيحين))(١) إثباتُ حقيقة
الفَلَاح لمن اقتَصَرَ على الواجبات.
قيل: وفيه نظرٌ، لأنَّ في الآية ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، فيَلزَمُ وجوبُ صلاة
العيد، ويُجابُ بأنَّه خرج بدليلٍ عُموم: ((هُنَّ خمسٌ لا يُبدَّلُ القول لديَّ))(٢).
قوله: ((حدَّثنا محمَّدُ بن جَهِضَمِ)) بالجيمِ والضّاد المعجَمة وزن جعفر، وعمرُ بن نافع:
هو مولى ابن عمرَ، ثقةٌ ليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخرُ في النَّهي عن القَزَع
(٥٩٢٠).
قوله: ((زكاةَ الفِطْر)) زاد مسلمٌ (١٢/٩٨٤) من رواية مالكٍ عن نافع: «من رمضانَ)).
واستُدِلَّ به على أنَّ وقتَ وجوبها غُروبُ الشَّمسِ ليلةَ الفِطْرِ، لأنَّه وقتُ الفِطْرِ من
رمضان، وقيل: وقتُ وجوبها طُلوعُ الفجرِ من يوم العيد، لأنَّ الليلَ ليس محلًّا للصوم،
وإنَّما يَتَبَّنُ الفِطْرُ الحقيقي بالأكلِ بعدَ طُلوع الفجر.
والأولُ: قول الثَّوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في الجدید، وإحدى الروایتین عن
مالك.
والثاني: قول أبي حنيفةَ والليثِ والشافعي في القديم، والروايةُ الثانيةُ عن مالك، ويُقَوّيه
قوله في حديث الباب: ((وأمَرَ بها أن تُؤَدّى قبلَ خروج الناس إلى الصلاة)).
قال المازَرِي: قيل: إنَّ الخلافَ ينبني على أنَّ قوله: ((الفِطْرُ من رمضانَ)) الفِطْرُ
المعتادُ في سائر الشهر، فيكون الوجوبُ بالغُروب، أو الفِطْرُ الطارئُ بعدُ، فيكون
بطلوع الفجر.
(١) سلف برقم (٤٦)، وأخرجه مسلم برقم (١١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﴾.
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر ، ووقع عندهما بلفظ:
((هي خمس وهي خمسون ... )) إلى آخره.

٢١٧
باب ٧٠ / ح ١٥٠٣
كتاب الزكاة
وقال ابن دَقِيق العيد: الاستدلالُ بذلك لهذا الحُكْم ضعيفٌ؛ لأنَّ الإضافةَ إلى الفِطْرِ لا
تَدُلُّ على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافةً هذه الزكاة إلى الفِطْرِ من رمضان، وأمَّا وقتُ
الوجوب فيُطلَبُ من أمرٍ آخر، وسيأتي شيءٌ من ذلك في ((باب الصَّدَقة قبلَ العيد)) (١٥٠٩).
قوله: ((صاعاً من تَمْرٍ أو صاعاً من شَعيرٍ)) انتَصَبَ ((صاعا) على التَّمييزِ أو أنَّه مفعولٌ
ثان، ولم تَخْتَلِفِ الطَّرَقُ عن ابن عمرَ في الاقتصار على هذين الشَّيئَين، إلَّا ما أخرجه أبو
داود (١٦١٤) والنَّسائي (٢٥١٦) وغيرهما من طريق عبد العزيزِ بن أبي رَوَّاد عن نافعٍ فزاد
فيه: السُّلْتَ والزَّبيبَ، فأمَّا السُّلْت: فهو بضم المهمَلة وسكون اللَّام بعدَها مُثنَّةٌ: نوعٌ من
الشَّعير، وأمَّا الَّبيبُ فسيأتي ذِكرُه في حديث أبي سعيدٍ (١٥٠٦)، وأمَّا حديثُ ابن عمرَ،
فقد حَكَمَ مسلمٌ في كتاب ((الَّمييز)) على عبد العزيزِ فيه بالوَهْم، وسنذكر البحثَ في ذلك
في الكلام على حديث أبي سعيدٍ.
قوله: ((على العبدِ والحّ)) ظاهرُه إخراجُ العبد عن نفسه ولم يقل به إلَّا داود، فقال: يجبُ
على السيِّد أن يُمكِّنَ العبدَ من الاكتساب لها كما يجبُ عليه أن يُمكِّنَه من الصلاة، وخالَفَه
أصحابُه والناسُ واحتَجُّوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ليس في العبد صدقةٌ إلَّا صدقةٌ
الفِطْر)) أخرجه مسلمٌ (١٠/٩٨٢)، وفي روايةٍ له (١): ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه
إلا صدقةُ الفِطْرِ في الرَّقيق))، وقد تقدَّم من عند البخاري قريباً (١٤٦٤) بغير الاستثناء،
ومُقتَضاه أنَّها على السيِّد، وهل تجبُ عليه ابتداءً،/ أو تجبُ على العبد ثمَّ يَتحمَّلُها السيّد؟ ٣٦٩/٣
وجهان للشافعية، وإلى الثاني نَحًا البخاري كما سيأتي في الترجمة التي تَلي هذه.
قوله: ((والذَّكَرِ والأُنثى)) ظاهرُه وجوبُها على المرأة سواءٌ كان لها زوجٌ أم لا، وبه قال
الثَّوري وأبو حنيفةَ وابن المنذر، وقال مالكٌ والشافعي والليثُ وأحمدُ وإسحاقُ: تجبُ على
زوجِها إلحاقاً بالنَّفْقة، وفيه نظرٌ، لأنَّهم قالوا: إن أعسَرَ وكانت الزَّوجةُ أَمَّةً، وَجَبَت فِطرَتُها
على السيِّدِ بخلاف النَّفْقة، فافتَرَقا.
(١) هو عنده برقم (٩٨٢) (٨) وليس فيه الاستثناء المذكور في الرقيق، وهو عند أبي داود (١٥٩٤) بلفظ:
((ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق)).

٢١٨
باب ٧٠ / ح ١٥٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
واتَّفَقوا على أنَّ المسلمَ لا يُخْرِجُ عن زوجَتِه الكافرة مع أنَّ نَفَقتَها تَلزَمُه، وإنَّما احتَجَّ
الشافعي (٦٧/٢) بما رواه من طريق محمد بن عليّ الباقرِ مُرسلاً نحوَ حديث ابن عمرَ، وزاد
فيه: ((مَمَّنْ يَمُونونَ))، وأخرجه البيهقي (٤/ ١٦١) من هذا الوجه فزاد في إسناده ذِكرَ عليّ،
وهو مُنقَطِعٌ أيضاً، وأخرجه (٤/ ١٦١) من حديث ابن عمرَ، وإسنادُه ضعيفٌ أيضاً.
قوله: ((والصَّغيرِ والكبير)) ظاهرُه وجوبُها على الصَّغير، لكنَّ المخاطَبَ عنه وَلِيُّه،
فوجوبُها على هذا في مال الصَّغير، وإلَّ فعلى مَن تَلزَمُه نَفَقتُه، وهذا قول الجمهور، وقال
محمدُ بن الحسن: هي على الأبِ مُطلَقاً، فإن لم يكن له أبٌّ فلا شيءَ عليه، وعن سعيد بن
المسيّب والحسن البصري: لا تجبُ إلَّا على مَن صام، واستُدِلَّ لهما بحديث ابن عبّاسٍ
مرفوعاً: ((صدقةُ الفِطْرِ طُهرةٌ للصائمِ من اللَّغِ والرَّفَث)) أخرجه أبو داود (١٦٠٩).
وأُجيبَ بأنَّ ذِكرَ التطهير خرج على الغالبِ كما أنَّها تجبُ على مَن لم يُذْنِب كمُتَحقّق
الصلاح، أو مَن أسلَمَ قبلَ غُروب الشَّمسِ بَلَحظةٍ.
ونَقَلَ ابن المنذر الإجماعَ على أنَّها لا تجبُ على الجَنين، قال: وكان أحمدُ يستحِبُّه ولا
يُوجِبُهُ، وَقَلَ بعضُ الحنابلة روايةً عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حَزْم، لكن قَيَّدَه بمئةٍ
وعشرينَ يوماً من يوم حَلِ أُمِّه به، وتُعقِّبَ بأنَّ الْحَمَلَ غيرُ مُحقَّق، وبأنَّه لا يُسمَّى صغيراً
لغةً ولا عُرفاً.
واستُدِلَّ بقوله في حديث ابن عبّاسٍ: ((طُهرةٌ للصائم)) على أنَّها تجبُ على الفقير كما تجبُ
على الغني، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة عند أحمد (٧٧٢٤) (١)، وفي حديث
ثَعْلبةَ بن أبي صُعَيرٍ عند الدارَقُطني (٢١٠٤ و ٢١٠٥)، وعن الحنفيَّة: لا تَّجِبُ إلَّا على مَن
مَلَكِ نِصاباً، ومُقتَضاه أنَّها لا تجبُ على الفقير على قاعدَتِهِم في الفَرق بين الغنيِّ والفقير،
واستُدِلَّ لهم بحديث أبي هريرة المتقدِّم (١٤٢٦): ((لا صدقةَ إلَّا عن ظَهرِ غِنَّى))(٢)، واشتَرَطَ
(١) ولتمام الفائدة انظر تخريج حديث أبي هريرة والكلام عليه في ((المسند)).
(٢) هذا لفظ ترجمة الباب، ورقمه (١٨)، وأما لفظ حديث أبي هريرة فهو: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر
غنى، وابدأ بمن تعول)).

٢١٩
باب ٧١ / ح ١٥٠٤
كتاب الزكاة
الشافعي ومَن تَبِعَه أن يكون ذلك فاضلاً عن قُوتٍ يومِه، ومَن تَلزَمُه نَفَقتُه. وقال ابن
بَزِيزة: لم يدلَّ دليلٌ على اعتبار النِّصاب فيها لأنَّها زكاةٌ بَدَنيةٌ لا ماليةٌ.
قوله: ((من المسلمينَ)) فيه ردٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ مالكاً تفرَّد بها، وسيأتي بسطُ ذلك في
الباب الذي بعده.
قوله: ((وأمَرَ بها ... )) إلى آخره، استُدِلَّ بها على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحَله ابن حَزْمِ
على التحريم، وسيأتي البحثُ في ذلك بعدَ أبوابٍ.
٧١- باب صدقة الفِطْر على العبد وغيره من المسلمين
١٥٠٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ فَرَضَ زكاةَ الفِطْرِ صاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من شَعِيرٍ، على كلِّ حُرٍّ أو
عبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثَى من المسلمينَ.
قوله: ((باب صدقةِ الفِطْرِ على العبدِ وغيره من المسلمينَ)) ظاهرُه أنَّه يَرى أنَّهَا تجبُ على
العبد وإن كان سَيِّدُه يَتحمَّلُها عنه، ويؤيِّدُه عطفُ الصَّغير (١) عليه، فإنَّهَا تجبُ عليه، وإن
كان الذي يُرِجُها غیرُه.
قوله: ((من المسلمينَ)) قال ابن عبد البَرِّ: لم تَخْتَلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في هذه الزيادة، إلَّا
أَنَّ قُتَيبَةَ بن سعيدٍ رواه عن مالكٍ بدونها، وأطلقَ أبو قِلابةَ الرَّقاشي ومحمدُ بن وضّاحٍ وابن
الصَّلاحِ ومَن تَبِعَه أنَّ مالكاً تفرّد بها دونَ أصحاب نافع، وهو مُتُعقَّبٌ برواية عمرَ/بن نافع ٣٧٠/٣
المذكورة في الباب الذي قبله، وكذا أخرجه مسلم (١٦/٩٨٤) من طريق الضَّحّاك بن
عثمانَ عن نافعٍ بهذه الزيادة، وقال أبو عَوانةَ في ((صحيحه)): لم يقل فيه: ((من المسلمين)) غيرُ
مالكٍ والضَّحّاك، وروايةُ عمرَ بن نافع ثَرُدُّ عليه أيضاً، وقال أبو داود بعدَ أن أخرجه
(١٦١١ و١٦١٢) من طريق مالكٍ وعمرَ بن نافع: رواه عبدُ الله العُمَري، عن نافع، فقال:
(١) الوارد في الرواية السالفة برقم (١٥٠٣).

٢٢٠
باب ٧١ / ح ١٥٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
((على كلِّ مسلم))، ورواه سعيدُ بن عبد الرحمن الجُمَحي، عن عُبيد الله بن عمرَ، عن نافع،
فقال فيه: ((من المسلمين))، والمشهورُ عن عُبيد الله ليس فيه: ((من المسلمين))، انتهى.
وقد أخرجه الحاكمُ في ((المستدرَك)) (١/ ٤١٠-٤١١) من طريق سعيد بن عبد الرحمن
المذكورة، وأخرج الدارَقُطني (٢٠٧٦) وابن الجارود (٣٥٦) طريقَ عبد الله العُمَري(١).
وقال الثِّرمِذي في ((الجامع)) بعدَ رواية مالكِ (٦٧٦): رواه غيرُ واحدٍ عن نافع، ولم
يَذْكُر فيه: ((من المسلمين))، وقال في ((العِلَل)) التي في آخر ((الجامع)): روى أيوبُ وعُبِيدُ الله
ابن عمرَ وغيرُ واحدٍ من الأئمّة هذا الحديثَ عن نافع ولم يَذْكُر فيه: ((من المسلمين))،
وروى بعضُهم عن نافعٍ مثلَ رواية مالكٍ ممَّن لا يُعتَمَدُ على حِفْظِهِ. انتهى، وهذه العبارةُ
أولى من عِبارَتِهِ الأُولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنى بذلك. وقال النَّوَوي في ((شرحٍ مسلمٍ)):
رواه ثِقَتان غيرُ مالكِ: عمرُ بن نافعٍ والضَّحّاكُ، انتھی.
وقد وقع لنا من رواية جماعةٍ غيرهما منهم كثيرُ بن فَرقَدٍ عند الطَّحاوي والدارَقُطني
(٢٠٧٤) والحاكم (٢)، ويونسَ بن يزيدَ عند الطَّحاوي (٤٤/٢)، والمعلَّى بن إسماعيلَ عند
ابن حِبَّان في («صحيحه)) (٣٣٠٤)، وابن أبي ليلى عند الدارَقُطْني (٢٠٧٠) أخرجه من
طريق عبد الرزاق عن الثَّوري عن ابن أبي ليلى وعُبيد الله بن عمرَ، كلاهما عن نافع، وهذه
الطَّريقُ تَرُدُّ على أبي داود في إشارَتِه إلى أنَّ سعيدَ بن عبد الرحمن تفرَّد بها عن عبيد الله بن
عمر، لكن يحتملُ أن يكون بعضُ رُواته حَمَل لفظً ابن أبي ليلى على لفظ عُبيد الله.
وقد اختُلِفَ فيه على أيوبَ أيضاً كما اختُلِفَ على عُبيد الله بن عمر: فذكر ابن عبد البَرِّ
أنَّ أحمد بن خالدٍ ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسفَ القاضي، عن سليمانَ بن حَرب، عن
حمّاد، عن أيوبَ فذكر فيه: ((من المسلمين))، قال ابن عبد البَرِّ: وهو خطأٌ، والمحفوظُ فيه
عن أيوبَ ليس فيه ((من المسلمين))، انتهى.
(١) في المطبوع من ((المنتقى)) لابن الجارود: عبيد الله بن عمر ومالك عن نافع.
(٢) لم نقف على رواية كثير بن فرقد في المطبوع من مصنفات الطحاوي والحاكم، وهي عند البيهقي ٤/ ١٦٢.