Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ باب ٥٥ / ح ١٤٨٣ كتاب الزكاة وأجاب الجمهور بما رُويَ مرفوعاً: ((لا زكاةَ في الخَضْراوات)) رواه الدارَ قُطْني (١٩٠٧ ٣٥٠/٣ و١٩٠٩ و١٩١٠) من طريق عليّ وطلحة ومعاذ مرفوعاً، وقال التِّرمِذي(١): لا يَصِحُ فيه شيءٌ إلَّا مُرسَل موسى بن طلحة عن النبي ◌ِّه، وهو دالٌّ على أنَّ الزكاةَ إنَّما هي فيما يُكالُ مَّا يُدَّخَرُ للاقتِيات في حال الاختيار. وهذا قول مالك والشافعي. وعن أحمدَ: يُرَجُ من جميع ذلك ولو كان لاقتِياتٍ، وهو قول محمد وأبي يوسف، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ فيما دونَ خمسة أوسُق ممّا أخرجت الأرض، إلّا أنَّ أبا حنيفة قال: تجبُ في جميع ما يُقْصَدُ بِزِراعَتِهِ نَماءُ الأرضِ إِلَّ الخَطَبَ والقَصَبَ، والحشيشَ والشجرَ الذي ليس له ثَمَر. انتهى. وحكى عياض عن داود: أنَّ كلَّ ما يَدخُلُ فيه الكَيلُ يُراعى فيه النِّصاب، وما لا يَدخُلُ فيه الكَيلُ، ففي قليله وكثيره الزكاةُ، وهو نوعٌ من الجمع بين الحديثَين المذكورين، والله أعلم. وقال ابن العربي: أقوى المذاهبِ وأحوَطُها للمساكينِ قول أبي حنيفة، وهو التمسُّكُ بالعُموم، قال: وقد زَعَمَ الْجُوَيني أنَّ الحديثَ إنَّما جاء لتفصيلِ ما يَقِلُّ ممّ تَكثُرُ مُؤْنتُه، قال ابن العربي: لا مانعَ أن يكون الحديثُ يقتضي الوجهين، والله أعلم. قوله: ((كما روى ... )) إلى آخِرِه، أي: كما أنَّ المثبِتَ مُقدَّمٌ على النافي في حديثَي الفَضْلِ وبلال، وحديث الفَضْلِ أخرجه أحمد (١٧٩٥) وغيرُه، وحديث بلال سيأتي موصولاً في کتاب الحج (١٥٩٨ و١٥٩٩) إن شاء الله تعالى. تكميل: اختُلِفَ في هذا النِّصاب: هل هو تحديدٌ أو تقريب؟ وبالأول جَزَمَ أحمد، وهو أصحُّ الوجهين للشافعية، إلَّا إن كان نقصاً يسيراً جدّاً ممَا لا يَنضَبِطُ فلا يَضُرُّ، قاله ابن دَقِيق العيد، وصَحَّحَ النَّوَوي في ((شرح مسلمٍ)) أنَّه تقريبٌ، واتَّفَقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على الخمسة أوسُقٍ بحسابه ولا وَقْصَ فيها. (١) بعدما أخرج حديث معاذ بن جبل برقم (٦٣٨). ١٨٢ باب ٥٦-٥٧ / ح ١٤٨٤ - ١٤٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦- باب ليس فيما دون خمسة أَوسُقِ صدقةٌ ١٤٨٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الرحمن بنِ أبي صَعْصَعةً، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ﴾، عن النبيِّ وَّم قال: ((ليس فيما أقلّ من خمسةٍ أوسُقٍ صدقةٌ، ولا في أقلّ من خمسةٍ من الإبلِ الذَّوْدِ صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسٍ أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ». قال أبو عبد الله: هذا تفسيرُ الأوَّلِ؛ إذ قال: ((ليس فيما دُونَ خمسةٍ أوسُقٍ صدقةٌ))، ويُؤخَذُ أبداً في العِلْمِ بما زادَ أهلُ الثَّبَتِ أو بِيِّنُوا. قوله: ((باب ليس فيما دُونَ خمسة أوسُق صدقة)) أورَدَ فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدَّم ذِكرُه في ((باب زكاة الوَرِق)) (١٤٤٧) وذَكَر فيه قَدْرَ الوَسَق. وقوله هنا: (ليس فيما أقلَّ)) ((ما)) زائدة، و«أقلَّ)) في موضع جَرِّ بفي، وقد ذكره بعده بلفظ: ((وليس في أقلّ)». ٥٧- باب أَخذِ صدقةِ التمر عند صِرَام النخل، وهل يُتَرَك الصبيُّ فيمسَّ تمرَ الصدقة؟ ١٤٨٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ محمَّدٍ بنِ الحسنِ الأسَدِيُّ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن محمَّدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: كان رسولُ الله ◌َّهَ يُؤْتَى بالتَّمرِ عندَ صِرام النَّخْلِ، فيَجِيءُ هذا بتَمْرِه وهذا من تَمْرِهِ، حتَّى يَصِيرَ عندَه حَوْمٌ من تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحسنُ والحسينُ رضي الله عنهما يَلْعَبانِ بذلك التَّمرِ، فأخذَ أحدُهما تَمْرَةً فجَعَلَه في فِيهِ، فتَظَرَ إليه رسولُ اللهِ وَه فأخرَجَها من فيهِ، فقال: ((أما عَلِمْتَ أنَّ آلَ محمَّدٍ لا يأكلُونَ الصَّدَقةَ)). [طرفاه في: ٣٠٧٢،١٤٩١] قوله: ((باب أَخذٍ صدقة التَّمر عند صِرامِ النَّخْل، وهل يُترَكُ الصبي فيَمَسَّ تمرَ الصَّدَقة)» الصِّرام، بكسر المهمَلة: الجِدَاد والقِطَاف، وزناً ومعنَّى. ٣٥١/٣ ١٨٣ باب ٥٧ / ح ١٤٨٥ كتاب الزكاة وقد اشتمل هذا الباب على ترجمتَينِ: أمَّا الأولى: فلها تعلُّقُ بقوله تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، واختلفوا في المراد بالحقِّ فيها، فقال ابن عبّاس: هي الواجبة، وأخرجه ابن جَرِير (٥٣/٨) عن أنس. وقال ابن عمر: هو شيءٌ سوى الزكاة، أخرجه ابن مَرْدويه، وبه قال عطاء وغيره، وحديث الباب يُشعِرُ بأنَّه غير الزكاة، وكأنَّه المرادُ بما أخرجه أحمد (١٤٨٦٦) وأبو داود (١٦٦٢) من حديث جابر: أنَّ النبي ◌َّهِ أَمَرَ من كلِّ جادٌّ عَشَرَةٍ أَوسُقٍ منَ التَّمرِ يقِنْوِ يُعلَّقُ في المسجد للمساكين، وقد تقدَّم ذِكرُه في ((باب القِسمة وتعليق القِنْو في المسجد)) من کتاب الصلاة (٤٢١). وأمَّا الترجمةُ الثانيةُ: فَرَبَطَها بالتَّرْكِ إشارة منه إلى أنَّ الصِّبا، وإن كان مانعاً من توجيه الخطاب إلى الصَّبي، فليس مانعاً من توجيه الخطاب إلى الوَلِيِّ بتأديبِه وتعليمِه. وأورَدَها بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النَّهيُّ خاصّاً بمن لا يَحِلُّ له تَناوُل الصَّدَقة. قوله: (كَوْم)) بفتح الكاف وسكون الواو، معروف، وأصله القطعة العظيمة من الشيء، والمراد به هنا: ما اجتمع من التَّمر كالعُرْمة(١)، ويُروى ((كَوماً)) بالنصب، أي: حتَّى يصيرَ التَّمر عنده كَوماً. قوله: «فأخذَ أحدُهما)) سيأتي بعدَ بابین (١٤٩١) من رواية شُعْبةً عن محمد بن زياد بلفظ: فأخذَ الحسن بن عليّ. قوله: (فَجَعَلَه)) أي: المأخوذ، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((فجعلها)) أي: التَّمرة. وسيأتي بقيَّةُ الكلام علیه قريباً. قال الإسماعيلي: قوله: ((عند صِرام النَّخل)) أي: بعدَ أن يصيرَ تمراً؛ لأنَّ النَّخْلَ قد يُصرَمُ وهو رَطْبٌ، فَيُتْمِرُ في الْمِرَبَد، ولكنَّ ذلك لا يَتَطاوَلُ فحَسُنَ أن يُنسَبَ إلى الصِّرام كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فإنَّ المراد: بعدَ أن يُداسَ ويُنقَّى، والله أعلم. (١) العُرْمة: المجموع من حصيد الزرع إذا دُقَّ قبل أن يُذْرى. ((المصباح المنير)) (عرم). ١٨٤ باب ٥٨ / ح ١٤٨٦ - ١٤٨٨ فتح الباري بشرح البخاري ٥٨- باب من باع ثمارَه أو نخلَه أو أَرضَه أو زرعَه وقد وَجَبَ فيه العُشْرُ أو الصدقةُ فأدَّى الزكاة من غيره، أو باع ثمارَه، ولم تَجبْ فيه الصدقة وقول النبيِّ وَّ: ((لا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حتَّى يَبْدُوَ صلاحُها)) فلم يَحْظُرِ البيعَ بعدَ الصَّلاح على أحدٍ، ولم يَخُصَّ مَن وجَبَ عليه الزكاةُ ثَمَّن لم تَجِبْ. ١٤٨٦ - حدَّثْنَا حَجّاجٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرني عبدُ الله بنُ دينارٍ، سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما: نَهَى النبيُّ وَّهِ عن بيع الثَّمَرةِ حتَّى يَبْدُوَ صلاحُها، وكان إذا سُئِلَ عن صلاحها، قال: حتَّى تَذْهَبَ عاهَتُهُ. [أطرافه في: ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢٢٤٧،٢١٩٩، ٢٢٤٩] ١٤٨٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثني الليثُ، حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن عطاء بنِ أبي رَبَاحٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: نَهَى النبيُّ وَِّ عن بيع الثِّارِ حَتَّى يَبْدُوَ صلاحُها. [أطرافه في، ٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١] ١٤٨٨ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، عن مالكٍ، عن مُميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾: أنَّ رسولَ الله وَِّنَى عن بيعِ الثِّار حتَّى تُزْهِيَ. قال: حتَّى تَحْمارَّ. [أطرافه في: ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨] قوله: ((باب مَن باع ثِمارَه أو أرضَه أو نَخْلَه أو زَرْعَه وقد وجَبَ فيه العُشْرِ أو الصَّدَقة فأدّى الزكاةَ من غيره، أو باعَ ثِثماره ولم تَجِب فيه الصَّدَقة ... )) إلى آخره، ظاهر سياق هذه الترجمة أنَّ المصنِّفَ يَرى جوازَ بيع الثَّمَرة بعدَ بُدوّ الصَّلاح، ولو وَجَبَت فيها الزكاة بالخَرْصِ مثلاً لعُمومٍ قوله: ((حَتَّى يَبدُوَ صلاحُها)» وهو أحدُ قولي العلماء، والثاني: لا يجوزُ بيعُها بعدَ الخَرْصِ لتعلَّق حقّ المساكينِ بها، وهو أحدُ قولي الشافعي، وقائل هذا حَمَل الحديثَ على الجواز بعدَ الصَّلاح وقبلَ الخَرْص، جمعاً بين الحديثَين. ٣٥٢/٣ ١٨٥ باب ٥٨ / ح ١٤٨٦ - ١٤٨٨ كتاب الزكاة وأمَّا قوله: ((العُشر أو الصَّدَقة)) فمن العامِّ بعدَ الخاصّ، وفيه إشارةٌ إلى الردِّ على مَن جعل في الثِّار العُشرَ مُطلَقاً من غير اعتبار نِصاب، ولم يَرِدْ أنَّ الصَّدَقَةَ تَسقُطُ بالبيع. وأمَّا قوله: ((فأدّى الزكاةَ مِن غيره)) فلأنَّه إذا باعَ بعدَ وجوب الزكاة، فقد فعل أمراً جائزاً كما تقدَّم، فتَعلَّقَت الزكاة بذِمَّتِهِ، فله أن يُعطيَها من غيره، أو يُخْرِجَ قيمتها على رأي مَن ◌ُجيزُه، وهو اختيار البخاري كما سبق. وأمَّا قوله: ((ولم يَخُصَّ مَن وَجَبَت عليه الزكاة ممَّن لم تَجِبْ)) فيَتَوقَّفُ على مُقدِّمةٍ أُخرى، وهي أنَّ الحَقّ يَتعلَّقُ بالصلاح، وظاهر القرآنِ يقتضي أنَّ وجوبَ الإيتاء إنَّما هو يومَ الحَصاد على رأي مَن جعلها في الزكاة، إلَّا أن يقال: إنَّما تَعَرَّضَت الآية لبيان زَمَن الإيتاء لا لبيان زمان الوجوب. والظاهر أنَّ المصنّفَ اعْتَمَدَ في تصحيح هذه المقدِّمة استعمال الخَرْصِ عند الصَّلاح التعلُّق حقّ المساكين، فطَواها بتقديمه حُكمَ الخَرْص فيما سَبَقَ، أشارَ إلى ذلك ابن رُشَید. وقال ابن بَطَّل: أراد البخاري الردّ على أحدٍ قولي الشافعي بفساد البيع كما تقدَّم، وقال أبو حنيفة: المشتَري بالخِيَّار، ويُؤْخَذُ العُشر منه ويَرجِعُ هو على البائع، وعن مالك: العُشر على البائع إلّا أن يشترِطَه على المشتَري، وهو قول الليث، وعن أحمدَ: الصَّدَقة على البائع مُطلَقاً، وهو قول الثَّوري والأوزاعي، والله أعلم. قوله: (وقول النبي وَله: لا تَبيعُوا الثَّمَرَةَ)) أسنَدَه في الباب بمعناه، وأمَّا هذا اللفظُ فمذکور عنده في موضعینٍ من کتاب البيع من حديث ابن عمر (٢١٨٣ و٢١٩٩)، وسيأتي الكلام هناك على حديثه، وعلى حديث أنس (٢١٩٥ و٢١٩٧) أيضاً. وقوله: ((وكان إذا سُئِلَ عن صلاحها، قال: حتَّى تَذْهَبَ عاهَتُهُ)) أي: الثَّمَر، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عاهَتُها)» وهو مَقُول ابن عمر بيَّنْه مسلم في روايته (١٥٣٤/ ٥٢) من طريق محمد بن جعفر عن شُعْبة ولفظه: فقيل لابن عمر: ما صلاحُه؟ قال: تذهبُ عاهَتُه. ١٨٦ باب ٥٩ / ح ١٤٨٩ - ١٤٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٥٩- باب هل يشتري الرجلُ صدقته؟ ولا بأس أن يشتري صدقةً غيره، لأنّ النبيَّ ◌َله إنّما نَهى المتصدِّق خاصَّةً عن الشراء ولم يَنْهَ غيرَه ١٤٨٩ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ، أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما كان يُحدِّثُ: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ تَصدَّقَ بفَرَسٍ في سبيلِ الله، فَوَجَدَه يُباعُ، فأرادَ أن يَشْتَرِيَه، ثمَّ أتى النبيَّ ◌َِّ فَاسْتَأْمُرَه فقال: ((لا تَعُدْ في صَدَقِتِكَ))، ولهذا كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما لا يَتْرُكُ أن يَبْتَاعَ شيئاً تَصدَّقَ به إلا جَعَلَه صدقةً. [أطرافه في: ٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢] ١٤٩٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ ﴾، يقول: حَمَلتُ على فَرَسٍ في سبيلِ الله، فأَضاعَه الَّذِي كان عندَه، فَأرَدْتُ أن أشَرِيَه - وظَنْتُ أَنَّه يَبِيعُهُ بُرُخْصٍ - فسألتُ النبيَّ وََّ، فقال: ((لا تَشْتَرِ، ولا تَعُدْ في صَدَقِتِكَ وإن أَعطاكَهُ بدرهم، فإنَّ العائدَ في صَدَقته كالعائدِ في قَيئِه)». [أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣] ٣٥٣/٣ قوله: ((بابُ هل يَشْتَري الرجلُ صَدَقتَه)» قال الزَّينُ بن المنيِرِ: أورَدَ الترجمةَ بالاستفهام؛ لأنَّ تنزيلَ حديث الباب على سَبِهِ يَضعُفُ معه تَعميمُ المَنْعِ؛ لاحتمال تخصيصِه بالشِّراء بدون القيمة لقوله: ((وظَنَنت أنَّه يَبيعُه برُخْصٍ))، وكذا إطلاقُ الشارعِ العَوْدَ عليه بمعنى أنَّه في معنى رُجوع بعضها إليه بغير عِوَض، قال: وقَصَدَ بهذه الترجمة التنبيه على أنَّ الذي تَضَمَّنَتَه الترجمةُ التي قبلها من جواز بيع الثَّمَرة قبلَ إخراج الزكاة، ليس من جنس شراء الرجلِ صَدَقَتَه، والفَرقُ بينهما دَقيقٌ. وقال ابن المنذرِ: ليس لأحدٍ أن يَتصدَّقَ ثمَّ يشتريها للنَّهي الثابت، ويَلزَمُ من ذلك فسادُ البيع إلَّا إن ثَبَتَ الإجماعُ على جوازه. قوله: ((ولا بأسَ أن يَشْتَريَ صدقةَ غيره)) قد استَدلَّ له بما ذَكَر، ومرادُه قوله وَّهِ في الحديث: ((لا تَعُدْ)) وقوله: ((العائدُ في صَدَقِتِهِ)) ولو كان المرادُ تعميمَ المَنْعِ لَقال: لا تَشتَروا الصَّدَقَةَ مثلاً، وسيأتي لذلك مزيدُ بيانٍ في («باب (٦٢) إذا حوِّلَت الصَّدَقة)). ١٨٧ باب ٥٩ / ح ١٤٨٩ - ١٤٩٠ كتاب الزكاة ثمَّ أورَدَ المصنّفُ حديثَ عمرَ في تَصدُّقِه بالفَرَس، واستئذانه في شِرائه بعدَ ذلك من طريقَين، فسياقُ الأُولى يقتضى أنَّه من حديث ابن عمرَ، والثانيةُ أنَّه من مسند عمر، ورَجَّحَ الدارَقُطني الأُولى، لكن حيثُ جاء من طريق سالم وغيره من الرُّواة عن ابن عمرَ، فهو من مسنده، وأمَّا روايةٌ أسلَمَ مولى عمرَ، فهي عن عمرَ نَفْسِه، والله أعلم. قوله: (تَصدَّقَ بفَرَسٍ)) أي: حَمَل عليه رجلاً في سبيل الله كما في الطَّريق الثانية، والمعنى: أنَّه مَلَّكَه له، ولذلك ساغَ له بيعُه، ومنهم مَن قال: كان عمرُ قد حَبَسَه، وإنَّما ساغَ للَّجُلِ بيعُه؛ لأنَّه حَصَلَ فيه هُزالٌ عَجَزَ لأجلِه عن اللَّحاق بالخيل، وضَعُفَ عن ذلك وانتهى إلى حالة عَدَم الانتفاع به، وأجازَ ذلك ابنُ القاسم، ويدلُّ على أنَّه حَمْلُ تَليكٍ قولُه: ((ولا تَعُد في صَدَقِتِك))، ولو كان حَبْساً لعلَّله به، وقوله فيها: ((فأضاعَه الذي كان عنده)) أي: بتَرك القيام عليه بالخدمة والعَلْفِ ونحوهما، وقال في الأولى: ((فوَ جَدَه يُباع)). قوله: ((وإن أعطاكَه بدرهم)) هو مُبالَغَةٌ في رُخصِه، وهو الحاملُ له على شِرائه. قوله: ((ولا تَعُدْ)) في رواية أحمد (٢٥٨) من طريق هشام بن سعدٍ عن زيد بن أسلَمَ: ((ولا تَعودَنَّ) وسمّى شراءَه برُخصٍ عَوْداً في الصَّدَقة، من حيثُ إنَّ الغَرَضَ منها ثوابُ الآخرة، فإذا اشتراها برُخصٍ فكأنَّه اختارَ عَرَضَ الدنيا على الآخرة، مع أنَّ العادةَ تقتضي بيعَ مثلِ ذلك برُخصٍ لغير المتصدِّق، فكيف بالمتصدِّق، فيصيرُ راجعاً في ذلك المقدار الذي سُومِحَ فیه. فائدةٌ: أفاد ابن سعدٍ في ((الطَّقات)) (١/ ٤٩٠) أنَّ اسمَ هذا الفَرَس: الوَرْدُ، وأَنَّه كان لتَميم الداري، فأهداه للنبي وَِّ فأعطاه لعمر، ولم أقف على اسم الرجل الذي حَله عليه. قوله: ((كالعائدِ في قَبِهِ)) استُدِلَّ به على تحريمِ ذلك؛ لأنَّ القَيءَ حرامٌ. قال القُرطُبي: وهذا هو الظاهرُ من سياق الحديث، ويحتملُ أن يكون التَّشبيه للتنفير خاصَّةً، لكَون القَيءِ مَمَّا يُستَقْذَرُ، وهو قول الأكثر، ويَلْتَحِقُ بالصَّدَقة الكفَّارَةُ والنَّذرُ وغيرُهما من القُرُبات. وأمَّا إذا وَرِثَه فلا كراهة. وأبعَدَ مَن قال: يَتصدَّقُ به. ١٨٨ باب ٦٠ / ح ١٤٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله في الطَّريقِ الأُولى: ((ولهذا كان ابن عُمَرَ لا يَتْرُكُ أن يَبْتَاعَ شيئاً تَصدَّقَ به إلّا جَعَلَه صدقةً)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وعلى حَرفِ ((لا)) تَضبيبٌ، ولا أدري ما وجهُه. وبإثبات ٣٥٤/٣ النَّفي يَتِمُّ المعنى، أي: كان/ إذا اتَّفَقَ له أن يشتري شيئاً ممّا تَصدَّقَ به لا يَترُكُه في مِلْكِه حتَّى يَتصدَّقَ به، وكأنَّه فَهمَ أنَّ النَّهيَ عن شراء الصَّدَقة إنَّما هو لمن أراد أن يَتَمَلَّكَها، لا لمن يَرُدُّها صدقةً. وفي الحديث كراهةُ الرُّجوع في الصَّدَقة، وفضلُ الحَمْلِ في سبيل الله، والإعانةُ على الغزوِ بكلِّ شيء، وأنَّ الحَملَ في سبيل الله تمليكٌ، وأنَّ للمحمول بيعَه والانتفاعَ بِثَمَنِهِ. وسيأتي تكميلُ الكلام على هذا الحديث في أبواب الهِبة (٢٦٢٣ و٢٦٣٦) إن شاء الله تعالى. ٦٠ - باب ما يُذكَر من الصَّدقة للنَّبِيِّ ◌َّهِ وَآلِه ١٤٩١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زیادٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾، قال: أخذَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي الله عنهما تَمْرةً من تَمْرِ الصَّدَقةِ، فَجَعَلها في فِيهِ، فقال النبيُّ وَليقول: ((كِخْ كِخْ) لِيَطْرَحَها، ثمَّ قال: «أما شَعَرْتَ أنّا لا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ؟». قوله: ((باب ما يُذكَر من الصَّدَقةِ للنبيِ وَّهِ وَآلِه)) لم يُعيِّ الْحُكْمَ لشُهرة الاختلاف فيه. والنَّظَرُ فيه في ثلاثة مواضع: أولها: المرادُ بالآلِ هنا: بنو هاشم وبنو المطَّلِبِ على الأرجح من أقوال العلماء، وسيأتي دلیلُه في أبواب الحُمُسِ في آخر الجهاد. قال الشافعي: أشَرَكَهم النبيِّه في سهمٍ ذَوي القُربى، ولم يُعطِ أحداً من قَبَائلِ قُرَيشٍ غيرَهم، وتلك العطيَّةُ عِوَضْ عُوِّضوه بَدَلاً عَّا حُرِمُوه من الصَّدَقة. وعن أبي حنيفةً ومالكِ: بنو هاشم فقط، وعن أحمدَ: في بني المطَّلِب روايتان، وعن المالكية: فيما بين هاشم وغالبٍ بن فِهْرٍ قولان، فعن أصبَغَ منهم: هم بنو قُصَيّ، وعن غيره: بنو غالبٍ بن فِهْر. ثانيها: كان يَجِرُمُ على النبيِ لَّهِ صدقةُ الفرضِ والتطوُّع كما نَقَلَ فيه غيرُ واحدٍ - منهم الخطّابي - الإجماعَ، لكن حكى غيرُ واحدٍ عن الشافعي في التطوُّع قولاً، وكذا في روايةٍ عن ١٨٩ باب ٦٠ / ح ١٤٩١ كتاب الزكاة أحمدَ، ولفظُه في رواية الميموني: لا يَحِلّ للنبي ◌َّهِ وأهلِ بيتِه صدقةُ الفِطْرِ وزكاةُ الأموال والصَّدَقَةُ يَصِرِفُها الرجلُ على محتاج يريدُ بها وجهَ الله، فأمَّا غيرُ ذلك فلا، أليس يقال: كلُّ معروفٍ صدقةٌ. قال ابن قُدَامةَ: ليس ما نُقِلَ عنه من ذلك بواضح الدّلالة، وإنَّما أراد أنَّ ما ليس من صدقة الأموال كالقَرضِ والهديّة وفعل المعروفِ كان غيرَ مُرَّمِ. قال الماوَرْدي: يَحُرُّمُ عليه كلُّ ما كان من الأموال مُتَقَوِّماً، وقال غيرُه: لا تَحُرُمُ عليه الصَّدَقَةُ العامّةُ كَمياه الآبار وكالمساجد، وسيأتي دليلُ تحريم الصَّدَقة مُطلَقاً في اللَّقَطة (٢٤٣١)، واختُلِفَ هل كان تحريمُ الصَّدَقة من خصائصِه دونَ الأنبياء أو كلَّهم سواءٌ في ذلك. ثالثها: هل يَلْتَحِقُ به آله في ذلك أم لا؟ قال ابن قُدَامَةَ: لا نَعلَمُ خلافاً في أنَّ بني هاشم لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المفروضةُ. كذا قال، وقد نَقَلَ الطَّبَري الجوازَ أيضاً عن أبي حنيفةَ، وقيل عنه: يجوزُ لهم إذا حُرِموا سهمَ ذَوي القُربى، حكاه الطَّحاوي، ونقله بعضُ المالكية عن الأبْهَري منهم، وهو وجهٌ لبعض الشافعية، وعن أبي يوسفَ: يَحِلَّ مِن بعضهم لبعضٍ لا مِن غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعةُ أقوالٍ مشهورةٌ: الجوازُ، المنعُ، جوازُ التطوُّع دونَ الفرض، عَکسُه. وأدلَّةُ المنع ظاهرةٌ من حديث الباب ومن غيره ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِمِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧]، ولو أحَلَّها لآلِهِ لَأوشك أن يَطعُنوا فيه، ولقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثَبَتَ عن النبي ◌ِ: «الصَّدَقُ أوساخُ الناس)) كما رواه مسلمٌ (١٠٧٢)، ويُؤخَذُ من هذا جوازُ التطوُّع دونَ الفرض، وهو قول أكثر الحنفيّة والمصحَّحُ عند الشافعية والحنابلة. وأمَّا عَكسُه، فقالوا: إنَّ الواجبَ حَقٌّ لازمٌ لا يَلحَقُ بآخذِه ذِلّةٌ بخلاف التطوُّع، ووجهُ التفرقة بين بني هاشمٍ وغيرهم أنَّ مُوجِبٌ المنعِ رَفعُ يد الأَدنى على الأعلى، فأمَّا الأعلى على مثلِه فلا، ولم أرَ لمن أجازَ مُطلَقاً دليلاً إلَّا ما تقدَّم عن أبي حنيفة. ١٩٠ باب ٦٠ / ح ١٤٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سمعت أبا هريرة قال: أخذَ الحسن)) في رواية مَعمَرِ عن محمد بن زياد: أنَّه ٣٥٥/٣ سمع / أبا هريرة قال: كَّا عند رسول الله وٍَّ وهو يَقسِمُ تمراً من تمر الصَّدَقة، والحسنُ في حِجْره، أخرجه أحمد (٧٧٥٨). قوله: ((فجَعَلها في فيه)) زاد أبو مسلمٍ الكَجِّي من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد: فلم يَفطَن له النبي ◌َِّ حَتَّى قام ولُعابُه يَسِيل، فضَرَبَ النبيّ ◌َ شِدْقَه، وفي رواية مَعَمَرٍ: فلمَّا فَرَغَ حَمَلُه على عاتقِه فسالَ لُعابُه، فَرَفَعَ رأسَه فإذا تمرةٌ في فيه. قوله: (كَخ)) بفتح الكاف وكسرها، وسكون المعجَمة مُثقَّلاً ومُحُفَّفاً، وبكسر الخاء مُنْوَّنَةٌ وغيرُ مُنَوَّنة، فيخرجُ من ذلك ستُّ لُغات، والثانيةُ توكيدٌ للأولى، وهي كلمةٌ تُقَالُ لَرَدْع الصَّبي عند تَناوُلِه ما يُستَقذَر، قيل: عربيَّةٌ، وقيل: أعجَميةٌ، وزَعَمَ الداوودي أنَّها مُعرَّبةٌ، وقد أورَدَها البخاري في ((باب مَن تكلّم بالفارسية)) (٣٠٧٢). قوله: (ليَطْرَحَها)) زاد مسلمٌ (١٠٦٩): ((ارم بها))، وفي رواية حمَّد بن سَلَمَةَ، عن محمد ابن زياد عند أحمد (٩٢٦٧): «فنَظَرَ إليه فإذا هو يَلوكُ تمرةً فحَرَّك خَذَّه، وقال: أَلْقِها يا بُنَيَّ، أَلْقِها يابُنِيَّ)) ويُجمَعُ بين هذا وبين قوله: ((كَخْ كَخ)) بأنَّه كَلَّمَه أولاً بهذا، فلمَّا تَمادى قال له: (كَخ كَخ)) إشارةً إلى استقذار ذلك له، ويحتملُ العكسُ بأن يكون كَلَّمَه أولاً بذلك، فلمَّا تَمَادَى نَزَعَها من فيه. قوله: ((إنّا لا نأكُلُ الصَّدَقَةَ)) في رواية مسلم (١٠٦٩): ((إنّا لا تَحِلَّ لنا الصَّدَقة))، وفي رواية مَعمَرِ: ((إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لآلٍ محمدٍ))، وكذا عند أحمد (١٧٢٣) والطَّحاوي (٦/٢ و٢٩٧) من حديث الحسن بن عليّ نَفْسِه قال: كنت مع النبيِ نَّهَ فَمَرَّ على جَرِينٍ من تمر الصَّدَقة، فأخذت منه تمرةً فألقَيتُها في فِيَّ، فأخذَها بلُعابها فقال: ((إنّا آلَ محمدٍ لا تَحِلُّ لنا الصَّدَقة)»، وإسنادُه قوي. وللطَّبَراني (٦٤٢٣/٧) والطَّحاوي (٢٩٧/٣-٢٩٨) من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه. وفي الحديث دَفعُ الصَّدَقات إلى الإمام، والانتفاعُ بالمسجد في الأُمور العامّة، وجوازٌ ١٩١ باب ٦١ / ح ١٤٩٢ - ١٤٩٣ كتاب الزكاة إدخال الأطفال المساجدَ وتأديبُهم بما يَنفَعُهم ومَنعُهم ممّا يَضُرُّهم، ومن تَناوُل المحرَّمات وإن كانوا غيرَ مُكَلَّفينَ ليتَدَرَّبوا بذلك. واستنْبَطَ بعضُهم منه مَنْعَ ولِيِّ الصَّغيرة إذا اعتَدَّت من الزّينة، وفيه الإعلامُ بسبب الَّهي، ومُخاطَبة مَن لا يُميِّزْ لقَصدِ إسماع مَن يُميِّز؛ لأنَّ الحسنَ إذ ذاك كان طِفِلاً. وأمَّا قولُه: ((أما شَعَرت))، وفي رواية البخاري في الجهاد (٣٠٧٢): ((أما تَعرِف))، ولمسلم (١٠٦٩): ((أما عَلِمت)) فهو شيءٌ يقال عند الأمر الواضحِ وإن لم يكن المخاطَبُ بذلك عالماً، أي: كيف خَفِيَ عليك هذا مع ظُهوره؟! وهو أبلَغُ في الزَّجرِ من قوله: لا تفعَل، وقد تقدَّم ذِكرُ بعض فوائده قبلَ بابين. ٦١ - باب الصدقة على مَوالي أزواج النبيّ وَّلـ ١٤٩٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: وَجَدَ النبيُّ نَِّ شَاةً مَيْئَةً أُعْطِيَتْها مَوْلاةٌ لميمونةَ من الصَّدَقِةِ، قال النبيُّ ◌َةِ: ((هَلَّ انتَفَعْتُم بحِلْدِها؟» قالوا: إنَّهَا مَيْنَةٌ! قال: ((إِنَّا حَرُمَ أَكلُها)). [أطرافه في: ٣٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢] ١٤٩٣ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الحَكَمُ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها أرادَت أن تَشْتَرِيَ بَرِيرةَ للعِثْقِ، وأرادَ مَواليها أن يَشْتَرِطُوا وَلاءَها، فَذَكَرَت عائشةُ للنبِّوَّه، فقال لها النبيُّ ◌َّ: ((اشتَرِيها، فإنََّا الولاءُ لمن أعْتَقَ)) قالت: وَأُنِيَّ النبيُّ وَّ بلحمِ، فقلتُ: هذا ما تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، فقال: ((هو لها صدقةٌ ولنا هَدِيَّةٌ)). قوله: ((بابُ الصَّدَقةِ على مَوالي أزواج النبي ◌ِّ)» لم يُترجِم لأزواج النبي ◌َّ- ولا لموالي ٣٥٦/٣ النبي ◌َّهِ؛ لأنَّه لم يَتْبُت عنده فيه شيءٌ، وقد نَقَلَ ابن بَطَّالٍ أَّهنَّ - أي: الأزواجَ - لا يَدخُلْنَ في ذلك باتِّفاق الفقهاء، وفيه نظرٌّ، فقد ذكر ابن قُدَامةَ أنَّ الخَلّالَ أخرج من طريق ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشةَ قالت: ((إِنّا أَلَ محمدٍ لا تَمِلُّ لنا الصَّدَقة)) قال: وهذا يدلُّ على تحريمِها. ١٩٢ باب ٦١ / ح ١٤٩٢ - ١٤٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وإسنادُه إلى عائشةَ حسنٌ، أخرجه ابن أبي شَيْبة أيضاً (٢١٤/٣)، وهذا لا يَقدَحُ فيما نقله ابن بَطَّال. وروى أصحابُ ((السُّنَن)) وصَحَّحَه التِّرمِذي (٦٥٧) وابن حِبَّان (٣٢٩٣) وغيرُه(١) عن أبي رافعٍ مرفوعاً: ((إنّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدَقة، وإِنَّ مَوالي القوم من أنفُسِهم))، وبه قال أحمدُ وأبو حنيفةً وبعضُ المالكية كابن الماحِشُون، وهو الصحيحُ عند الشافعية. وقال الجمهورُ: يجوزُ لهم لأنَّهم ليسوا منهم حقيقةً، ولذلك لم يُعَوَّضوا بخُمُس الخُمُس، ومَنشَأُ الخلاف قوله: ((منهم)) أو ((من أنفُسِهم)) هل يَتَنَاوَلُ المساواةَ في حُكمٍ تحريم الصَّدَقة أو لا؟ وحُجَّةُ الجمهور أنَّه لا يَتَنَاوَلُ جميعَ الأحكام، فلا دليلَ فيه على تحريم الصَّدَقة، لكنَّه وَرَدَ على سَبَب الصَّدَقة، وقد اتَّفَقوا على أنَّه لا يُخْرِجُ السَّببَ، وإن اختلفوا: هل ◌ُخَصُّ به أو لا؟ ويُمكِنُ أن يُستدَلَّ لهم بحديث الباب، لأنَّه يدلُّ على جوازها لموالي الأزواج، وقد تقدَّم أنَّ الأزواجَ لَيسوا في ذلك من جملة الآلِ فمَوالیھم أَخْرى بذلك. قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): إنَّما أورَدَ البخاري هذه الترجمةَ ليُحقِّقَ أنَّ الأزواجَ لا يَدخُلُ مَواليهِنَّ في الخلاف، ولا يَحِرُمُ عليهِنَّ الصَّدَقَةُ قولاً واحداً، لئلا يَظُنَّ الظانُّ أنَّه لمَّا قال بعضُ الناس بدخول الأزواج في الآلِ أَنَّه يَطَّرِهُ في مَواليهنّ، فبيّن أنَّه لا يَطَّرِد. ثمّ أَورد المصنف في الباب حدیثین: أحدهما: حديثُ ابن عبّاسٍ في الانتفاع بجلد الشاة لقوله فيه: «أُعطِيَتْها مولاة لميمونةَ من الصَّدَقة))، سيأتي الكلام عليه مُستوفَى في الذَّبائح (٥٥٣١) إن شاء الله تعالى، ولم أقف على اسمٍ هذه المولاة. ثانيهما: حديثُ عائشةَ في قصَّة بَرِيرةَ، وفيه قوله ◌ِّهِ فِي اللَّحم الذي تُصُدِّقَ به عليها: («هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ)) وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في العِتق (٢٥٣٦) إن شاء الله تعالى. (١) أخرجه أيضاً أحمد (٢٣٨٧٢)، وأبو داود (١٦٥٠)، والنسائي (٢٦١٢). ١٩٣ باب ٦٢ / ح ١٤٩٤ - ١٤٩٥ كتاب الزكاة تنبيه: قال الإسماعيلي: هذه الترجمةُ مُستَغنى عنها، فإنَّ تسميةَ المولى لغير فائدة، وإنَّما هو لسَوق الحديث على وجهه فقط. كذا قال، وقد عَلِمتَ ما فيها من الفائدة. ٦٢ - باب إذا تحوّلت الصدقة ١٤٩٤ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالدٌ، عن حفصة بنتِ سِيرِينَ، عن أُمّ عَطيَّة الأنصاريَّةِ رضي الله عنها، قالت: دخل النبيُّ وََّ على عائشةَ رضي الله عنها، فقال: ((هل عندَكم شيءٌ؟)) فقالت: لا، إلا شيءٌ بَعَثَت به إِلَينا نُسَيبةٌ من الشّاةِ التي بَعَثْتَ بها من الصَّدَقةِ، فقال: ((إِنَّها قد بَلَغَت ◌َحَلَّها)). ١٤٩٥ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثْنا وَكِيعٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّ أَبيَّ بلحمٍ تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، فقال: ((هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هَدِيَّةٌ)). وقال أبو داودَ: أنبأنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، سمعَ أنساً، عن النبيِّ وََّ. [طرفه في: ٢٥٧٧] قوله: ((باب إذا تَحَوَّلَت الصَّدَقة)) في رواية أبي ذرٍّ: ((إذا حُوِّلَت)) بضم أولِه، أي: فقد جازَ للهاشميِّ تَناوُلهُا. قوله: ((حدَّثْنا خالدٌ)) هو الحَذّاءُ، والإسنادُ كلُّه بصريون. قوله: ((هل عندكم شيءٌ؟)) أي: من الطَّعام. وقوله: ((نُسَيبة))/ بالنون والمهمَلة والموخَّدة مصغّرٌ: اسمُ أُمّ عطيّة. قوله: ((من الشّاةِ التي بَعَثْتَ)) بفتح المثنّاة، أي: بَعَثتَ بها أنتَ. ٣٥٧/٣ قوله: (بَلَغَت تَحَلَّها)) أي: أنَّها لمَّا تَصَرَّفَت فيها بالهديَّة لصِحَّة مِلكِها لها، انتَقَلَت من حُكم الصَّدَقة فحَلَّت محلّ الهديَّة، وكانت تَحِلُّ لرسول الله وَّةِ، بخلاف الصَّدَقة كما سيأتي في الهِبة (٢٥٧٩)، وهذا تقريرُ ابن بَطَّالٍ بعدَ أن ضَبَطَ ((محلّها)) بفتح الحاء، وضَبَطَه بعضُهم بكسرها من الحلول، أي: بَلَغَت مُستَقَرَّها، والأولُ أَوْلى، وعليه عَوَّلَ البخاري في الترجمة. وهذا نَظِيرُ قصَّة بَريرةَ كما سيأتي بسطُه في كتاب الهِبة (٢٥٧٧ و٢٥٧٨). ١٩٤ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ أنسٍ في قصَّة بَريرةَ مختصراً وقال بعدَه: ((وقال أبو داود: أنبأنا شُعْبةٍ)) فذكر الإسناد دونَ المتنِ لتصريحِ فَتَادةَ فيه بالسماع. وأبو داود: هو الطَّيالسي، وقد أخرجه في («مسنده)) (٢٠٧٤) كذلك، ورأيته في النُّسخة التي وقَفت عليها منه مُعَنعَناً، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق معاذ عن شُعْبةَ، فصَرَّحَ بسماع قَتَادةَ من أنسٍ أيضاً. واستَنْبَطَ الطَّحاويُّ(١) من قصَّة بَرِيرةَ وأُمِّ عطيّة أنَّ للهاشمي أن يأخُذَ من سَهْم العاملينَ إذا عَمِلَ على الزكاة، وذلك أنَّه إنَّما يأخُذُ على عملِه، قال: فلمَّا حَلَّ للهاشمي أن يأخُذَ ما يَملِكُه بالهديَّة ممَّا كان صدقةً لا بالصَّدَقة، كذلك يَحِلُّ له أخذُ ما يَملِكُه بعملِه لا بالصَّدَقة. واستُدِلَّ به أيضاً على جواز صدقة التطوُّع لأزواج النبيِ وَّه، لأنَّهم فرَّقوا بين أنفُسِهم وبيْنِهِ وَ له ولم يُنكِرِ عليهم ذلك، بل أخبَرَهم أنَّ تلك الهديَّة بعَينِها خرجت من كَونها صدقةً بتصرُّف المتصدَّق عليه فيها، كما تقدَّم تقريرُه، والله أعلم. ٦٣ - باب أَخذِ الصدقة من الأغنياء وتُرَدُّ في الفقراء حيث كانوا ١٤٩٦ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا زكريّا بنُ إسحاقَ، عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ صَيفِيٍّ، عن أبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَله المُعاذٍ بِنِ جبلٍ حينَ بَعَثَه إلى اليمن: ((إنَّكَ سَتأتي قَوْماً أهلَ كتاب، فإذا جئتَهم فادْعُهم إلى شَهادَةٍ أن لا إلهَ إلا الهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فإن هم أطاعُوا لكَ بذلك فأخبِرْهم أنَّ اللهَ قد فَرَضَ عليهم خمسَ صَلَواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعُوا لكَ بذلك، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهم صدقةً تُؤْخَذُ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعُوا لكَ بذلك فإيّاكَ وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دَعْوةَ المظلُومِ، فإنَّه ليس بينه وبين الله حِجابٌ)). قوله: ((باب أخذِ الصَّدَقةِ من الأغنياء وتُرَدُّ في الفقراء حيثُ كانوا)) قال الإسماعيلي: ظاهرُ حديث الباب أنَّ الصَّدَقَةَ تُرَدُّ على فقراء مَن أُخِذَت من أغنيائهم. (١) تحرف في (س) إلى: البخاري، وانظر ((شرح مشكل الآثار)) للطحاوي ٢٠٧/١١، و((شرح معاني الآثار)) له ٢/ ١٣. ١٩٥ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ كتاب الزكاة وقال ابن المنيِّرِ: اختارَ البخاري جوازَ نَقْلَ الزكاة من بلد المال لعُمومٍ قوله: ((فَتُرَدُّ في فقرائهم)) لأنَّ الضَّميرَ يَعودُ على المسلمين، فأيُّ فقيرٍ منهم رُدَّت فيه الصَّدَقَةُ في أيِّ جهةٍ کان، فقد وافق عُموم الحدیث، انتھی. والذي يَتَبادرُ إلى الذِّهنِ من هذا الحديث عَدَمُ النَّقْل، وأنَّ الضَّميرَ يَعودُ على المخاطَبين، فَيَخْتَصُّ بذلك فقراؤُهم، لكن رَجَّحَ ابن دَقِيق العيد الأولَ، وقال: إنَّه وإن لم يكن الأظهَرَ إلَّا أَنَّه يُقوّيه أنَّ أعيانَ الأشخاص المخاطَبين في قواعد الشَّرع الكُلِّية لا تُعتبَر، فلا تُعتبَر في الزكاة كما لا تُعتَبَرُ في الصلاة، فلا يَخْتَصُ بهم الحُكْمُ وإن اختَصَّ بهم خطابُ المواجَهة. انتهى. وقد اختَلَفَ العلماءُ في هذه المسألة، فأجازَ النَّقْلَ الليثُ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما، ونقله ابن المنذرِ عن الشافعي واختارَه، والأصحُّ عند الشافعية والمالكية والجمهور تَركُ النَّقل، فلو خالَفَ ونَقَلَ أَجزاً عند المالكية على الأصحّ، ولم يُحِزِئ عند الشافعية على الأصحِّ إلَّا إذا فُقِدَ المسْتَحِقّونَ لها، ولا يَبعُدُ أنَّه اختيارُ البخاري؛/ لأنَّ قوله: ((حيثُ كانوا)) يُشعِرُ بأنَّه لا ٣٥٨/٣ يَنْقُلُها عن بلدٍ وفيه مَن هو مُتَّصِفٌ بصفة الاستحقاق. قوله: ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك، وزكريًّا بن إسحاق مَكّي، وكذا مَن فوقَه. قوله: ((عن يحيى)) في رواية وكيع عن زكريًّا: حدَّثني يحيى، أخرجه مسلمٌ (٢٩/١٩). قوله: (عن أبي مَعبَدٍ)) في رواية إسماعيلَ بن أُميَّة: عن يحيى أنَّه سمع أبا مَعبَد، يقول: سمعت ابن عبّاسٍ يقول، أخرجه المصنِّفُ في التوحيد (٧٣٧٢). قوله: ((قال رسولُ اللهَوَّ لِمُعاذِ بنِ جبلٍ حينَ بَعَثَه إلى اليمن)) كذا في جميع الطّرق، إلَّا ما أخرجه مسلمٌ (٢٩/١٩) عن أبي بكرِ بن أبي شَيْبة وأبي كُرَيبٍ وإسحاق بن إبراهيم ثلاثيِهم عن وكيع، فقال فيه: ((عن ابن عبّاسٍ عن معاذ بن جبلٍ قال: بَعَثَني رسولُ الله ◌َ) فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهرُ سياق مسلمٍ أنَّ اللفظَ مُدَرَجٌ، لكن لم أرَ ذلك في غير رواية أبي بكرِ بن أبي شَيْبة، وسائر الروايات أنَّه من مسند ابن عبّاس، فقد أخرجه التِّرمِذي (٦٢٥ و٢٠١٤) عن أبي كُرَيبٍ عن وكيعِ فقال فيه: ((عن ابن عبّاسِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ بَعَثَ ١٩٦ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري معاذاً) وكذا هو في ((مسند)) إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - قال: ((حدَّثنا وكيعٌ به))، وكذا رواه عن وكيع أحمدُ في «مسنده)) (٢٠٧١)، وأخرجه أبو داود (١٥٨٤) عن أحمد، وسيأتي في المظالم (٢٤٤٨) عن يحيى بن موسى عن وكيع كذلك، وأخرجه ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)) (٢٣٤٦) عن محمد بن عبد الله المُخَرَّمي وجعفرِ بن محمدِ الثَّعلَبي. وللإسماعيلي من طريق أبي خَيْثَمَةَ وموسى بن السُّدّي، والدارَقُطني (٢٠٥٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي وإسحاق بن إبراهيم البَغَوي، كلُّهم عن وكيعِ كذلك. فإن ثبتت روايةٌ أبي بكرٍ فهو من مُرسَل ابن عبّاس، لكن ليس حُضورُ ابن عبّاسٍ لذلك ببعيدٍ؛ لأنَّه كان في أواخر حياة النبي ◌ِِّ، وهو إذ ذاك مع أَبَوَيه بالمدينة، وكان بَعثُ معاذ إلى اليمن سنةَ عشرٍ قبلَ حجّ النبيِوَسَيِ كما ذكره المصنِّفُ في أواخر المغازي(١)، وقيل: کان ذلك في أواخر سنة تسع عند مُنصرَفِه ژ من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلی کعب ابن مالك، وأخرجه ابن سعدٍ في ((الطَّقات)) عنه، ثمَّ حکی ابن سعدٍ أَنَّه کان في ربیعِ الآخر سنةَ عشر، وقيل: بَعَثَه عام الفتحِ سنةَ ثمان، واتَّفَقوا على أنَّه لم يَزَل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عَهدِ أبي بكر، ثمَّ تَوَجَّهَ إلى الشام فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ والياً أو قاضياً؟ فِجَزَمَ ابن عبد البَرِّ بالثاني، والغَساني بالأول. قوله: ((ستأتي قَوْماً أهلَ كتابٍ)) هي كالتَّوطِئة للوصيّة لتُستَجمع همَّتُه عليها، لكَونِ أهلِ الكتاب أهلَ علمٍ في الجملة، فلا تكون العِنايةُ في مُخاطَبَتِهِم كمُخاطَبة الجُهّال من عَبَدة الأوثان، وليس فيه أنَّ جميع مَن يَقدَمُ عليهم من أهل الكتاب، بل يجوزُ أن يكون فيهم من غيرهم، وإنَّما خَصَّهم بالذِّكرِ تفضيلاً لهم على غيرهم. قوله: ((فإذا جئتهم)) قيل: عَبَّرَ بلفظ ((إذا)» تفاؤُلاً بحصول الوصولِ إليهم. قوله: ((فادْعُهم إلى شَهادَةٍ أن لا إلهَ إلّا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله)) كذا للأكثر، وقد تقدَّم في أول الزكاة (١٣٩٥) بلفظ: ((وأنّ رسولُ الله)) كذا في رواية زكريًّا بن إسحاق لم يُخْتَلَف (١) عند باب (٦٠): بَعْث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، بين يدي الحديث (٤٣٤١). ١٩٧ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ كتاب الزكاة عليه فيها(١)، وأمَّا إسماعيلُ بن أُميَّة ففي رواية رَوحِ بن القاسمِ عنه (٢): ((فأولُ ما تَدعوهم إليه عبادةُ الله، فإذا عَرَفوا الله))، وفي رواية الفضلِ بن العلاء عنه(٣): ((إلى أن يوَحِّدوا الله، فإذا عَرَفوا ذلك)). ويُجمَعُ بينها بأنَّ المراد بعبادة الله تَوحيدُه، وبتَوحيدِه الشَّهادةُ له بذلك ولِنَبِيه بالرِّسالة، ووقعت البَداءةُ بهما لأنَّهما أصلُ الدّين الذي لا يَصِحُّ شيءٌ غيرُهما إلَّا بهما، فمَن كان منهم غيرَ موَحِّدٍ فالمطالَبةُ مُتوجِّهةٌ إليه بكلِّ واحدةٍ من الشَّهادتَينِ على التَّعيين، ومَن كان موَحِّداً فالمطالَبةُ له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرِّسالة، وإن كانوا يعتقدونَ ما يقتضي الإشراكَ أو يستلزمُه، كَمَن يقول بُنوّة عُزَير، أو يعتقدُ التَّشْبِيهَ، فتكون مُطالَبَتُهم بالتوحيد لنفي ما يَلزَمُ من عَقائِهم. واستَدَلَّ به مَن قال من العلماء: إنَّه لا يُشتَرَطُ التبرّي من كلِّ دينٍ يُخالفُ دينَ الإسلام، خلافاً لمن قال: إنَّ مَن كان كافراً بشيءٍ وهو مُؤمِنٌ بغيره لم يَدخُل في الإسلام، إلَّا بتَرك اعتقاد ما كفرَ به، / والجوابُ: أنَّ اعتقاد الشَّهادتَينِ يستلزمُ تَركَ اعتقاد التَّشبيه ودعوى بُنوّة ٣٥٩/٣ عُزَيرٍ وغيره، فيُكتَفى بذلك. واستُدِلَّ به على أنَّه لا يكفي في الإسلام الاقتصارُ على شهادة أن لا إلهَ إلَّ الله، حتَّى يُضيفَ إليها الشَّهادةَ لمحمدٍ بالرّسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضُهم: يصيرُ بالأُولى مسلماً ويُطالَبُ بالثانية. وفائدةُ الخلاف تَظهَرُ بالْحُكْمِ بالرِّدّة. تنبيهان: أحدُهما: كان أصلُ دخول اليهودية في اليمن في زَمَنِ أسعَدَ أبي كَرِب، وهو تُبَّع الأصغرُ، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل («السِّيرة النَّبوية)»(٤). (١) وأخرجه من رواية زكريا أيضاً مسلم (١٩) (٢٩). (٢) هي عند البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (٣١/١٩). (٣) سيأتي برقم (٧٣٧٢). (٤) انظر ((السيرة)) لابن هشام ١/ ٢٠ وما بعدها. ١٩٨ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري ثانيهما: قال ابن العربي في ((شرح التِّرمِذي)): تَبرَّأت اليهودُ في هذه الأزمان من القول بأنَّ العُزَيرَ ابنُ الله، وهذا لا يمنعُ كَونه كان موجوداً في زَمَن النبيِّهِ؛ لأنَّ ذلك نَزَل في زَمَنِهِ واليهودُ معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّه ردَّ ذلك ولا تعقَّبه، والظاهرُ أنَّ القائلَ بذلك طائفةٌ منهم لا جميعُهم، بدليلِ أنَّ القائلَ من النَّصارى: إنَّ المسيحَ ابن الله طائفةٌ منهم لا جميعُهم، فيجوزُ أن تكون تلك الطائفةُ انقَرَضَت في هذه الأزمان كما انقَلَبَ اعتقادُ مُعظَم اليهودِ عن التَّشبيه إلى التَّعطيل، وتَحوَّلَ مُعتَقَدُ النَّصارى في الابن والأبِ إلى أنَّه من الأُمور المعنوية لا الحِسّية، فسبحانَ مُقلِّب القلوب! قوله: ((فإن هم أطاعُوا لك بذلك)) أي: شَهِدوا وانقادوا، وفي رواية ابن خُزَيمةَ (٢٣٤٦): ((فإن هم أجابوا لذلك))، وفي رواية الفضل بن العلاء كما تقدَّم: ((فإذا عَرَفوا ذلك)) وعَدّى أطاعَ باللَّام، وإن كان يَتَعَدّى بنفسه لتَضَمُّنِه معنى: انقاد. واستُدِلَّ به على أنَّ أهلَ الكتاب ليسوا بعارفينَ وإن كانوا يَعْبُدُونَ الله ويُظهِرون معرفته، لكن قال حُذّاقُ المتكلِّمين: ما عَرَفَ اللهَ مَن شَبَّهَه بخَلقِه، أو أضافَ إليه اليدَ أو أضافَ إليه الولدَ، فمعبودُهم الذي عَبَدوه ليس هو الله وإن سمّوه به. واستُدِلَّ به على أنَّ الكفَّارَ غيرُ مُخاطَبين بالفروع حيثُ دُعوا أولاً إلى الإيمان فقط، ثمَّ دُعوا إلى العمل، ورَتَّبَ ذلك عليها بالفاء. وأيضاً فإنَّ قوله: ((فإن هم أطاعوا فأخبرهم)) يُفهَمُ منه أنَّهم لو لم يُطيعوا لا يجبُ عليهم شيءٌ، وفيه نظرٌ، لأنَّ مفهومَ الشَّرطِ مُخْتَلَفٌ في الاحتجاج به، وأجاب بعضُهم عن الأولِ بأنَّه استدلالٌ ضعيفٌ، لأنَّ الترتيبَ في الدَّعوة لا يستلزمُ الترتيبَ في الوجوب، كما أنَّ الصلاةَ والزكاةَ لا ترتیبَ بينهما في الوجوب، وقد قُدِّمَت إحداهما على الأُخرى في هذا الحديث، ورُتِبَت الأُخرى عليها بالفاء، ولا يَلْزَمُ من عَدَم الإتيان بالصلاة إسقاطُ الزكاة. وقيل: الحكمةُ في تَرتيب الزكاة على الصلاة أنَّ الذي يُقِرُّ بالتوحيد، ويَجَحَدُ الصلاةَ، يَكفُرُ بذلك فيصيرُ مالُهُ فَيْئاً فلا تَنفَعُه الزكاة. ١٩٩ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ كتاب الزكاة وأمَّا قول الخطَّابي: إنَّ ذِكرَ الصَّدَقة أُخّرَ عن ذِكر الصلاة، لأنَّهَا إِنَّما تجبُ على قومِ دونَ قوم، وأنَّها لا تُكرَّرُ تكرارَ الصلاة فهو حسنٌ، وتمامُه أن يقال: بَدَأ بالأهمِّ فالأهمّ، وذلك من التَّطُّفِ في الخطاب، لأنَّه لو طالَبَهم بالجميع في أولِ مَّةٍ لم يأمَن النَّفْرة. قوله: ((خمسَ صَلَواتٍ)) استُدِلَّ به على أنَّ الوترَ ليس بفَرض، وقد تقدَّم البحثُ فيه في موضعِه (١٠٠٠). قوله: ((فإن هم أطاعُوا لك بذلك)) قال ابن دَقِيق العيد: يحتملُ وجهين: أحدهما: أن يكون المرادُ إقرارَهم بوجوبها عليهم والتزامهم لها، والثاني: أن يكون المرادُ الطاعةَ بالفعل، وقد يَرجَحُ الأولُ بأنَّ المذكورَ هو الإخبارُ بالفريضة، فَتَعودُ الإشارةُ بذلك إليها، ويَترجَّحُ الثاني بأنَّهم لو أُخبِروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكَفى، ولم يُشتَرَط التَّلَفُّظُ بخلاف الشَّهادتين، فالشَّرطُ عَدَمُ الإنكار والإذعانُ للوجوب. انتهى. والذي يظهرُ أنَّ المراد القَدْرُ المشتَرَكُ بين الأمرين، فمَن امتَثَلَ بالإقرار أو بالفعل كَفاه، أو بهما فأَولى،/ وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء (٧٣٧٢) بعدَ ذِكر الصلاة: ((فإذا صَلَّوا)) ٣٦٠/٣ وبعدَ ذِكر الزكاة: «فإذا أقرّوا بذلك فخُذ منهم)». قوله: ((صدقةً)) زاد في رواية أبي عاصمٍ عن زكريًّا: ((في أموالهم)) كما تقدَّم في أول الزكاة (١٣٩٥)، وفي رواية الفضل بن العلاء: ((افتَرَضَ عليهم زكاةً في أموالهم تُؤْخَذُ من غَنِيِّهم فتُرَدُّ على فقيرهم). قوله: ((تُؤْخَذُ من أغنيائهم)) استُدِلَّ به على أنَّ الإمام هو الذي يَتولَّى قَبضَ الزكاة وصَرفَها، إمّا بنفسه وإمّا بنائبِه، فمَن امتَنَعَ منها أُخِذَت منه قَهراً. قوله: ((على فقرائهم)) استُدِلَّ به لقول مالكٍ وغيره: إنَّه يكفي إخراجُ الزكاة في صِنْفٍ واحد، وفيه بحثٌ كما قال ابن دَقِيق العيد، لاحتمال أن يكون ذكر الفقراءَ لكَونِهِم الغالبَ في ذلك، وللمُطابقة بينهم وبين الأغنياء. ٢٠٠ باب ٦٣ / ح ١٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري وقال الخطَّابي: وقد يستدِلُّ به مَن لا يَرى على المديونِ زكاةَ ما في يَدِه إذا لم يَفضُل من الدَّين الذي عليه قَدرُ نِصاب، لأنَّه ليس بغَني إذا كان إخراجُ ماله مُستَحَقّاً لِغُرَمائه. قوله: ((فإياكَ وكرائمَ أموالهم)) كرائمَ منصوبٌ بفعلٍ مُضمَرٍ لا يجوزُ إظهارُه، قال ابن قُتَيبة: ولا يجوزُ حذفُ الواو، والكرائمُ: جمعُ كَرِيمة، أي: نَفِيسة، ففيه تَركُ أخذٍ خِیار المال، والنُّكنةُ فيه أنَّ الزكاةَ لمواساة الفقراء، فلا يُناسبُ ذلك الإجحافَ بمال الأغنياء إلَّا إِن رَضَوا بذلك كما تقدَّم البحثُ فیه. قوله: ((واتَّقِ دَعْوَةَ المظلُوم)) أي: تَجَنَّب الظُّلمَ لئلّا يدعوَ عليك المظلوم. وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظُلم، والنُّكتَةُ في ذِكْره عَقِبَ المنع من أخذ الكَرائم الإشارةُ إلى أنَّ أخذَها ظُلمٌ. وقال بعضُهم: عَطَفَ ((واتَّقِ)) على عاملِ ((إياك)) المحذوف وجوباً، فالتقديرُ: اتَّق نفسَك أن تَتَعرَّضَ للكرائم. وأشارَ بالعطفِ إلى أنَّ أخذَ الكرائم ظُلمٌّ، ولكنَّه عَمَّمَ إشارةً إلى التَّحرُّز عن الظُّلمِ مُطلَقاً. قوله: ((حِجابٌ)) أي: ليس لها صارفٌ يَصِرِفُها ولا مانعٌ، والمرادُ أنَّها مقبولةٌ وإن كان عاصياً، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٧٩٥) مرفوعاً: ((دعوةُ المظلومِ مُستَجابةٌ، وإن كان فاجراً ففجورُه على نَفْسِه))، وإسنادُه حسنٌ (١)، وليس المرادُ أنَّ لله تعالى حِجاباً تحجُبُه عن الناس. وقال الطِّيبي: قوله: ((أَنَّق دعوةَ المظلوم)) تذييلٌ لاشتماله على الظُّلم الخاصِّ من أَخْذِ الكرائم وعلى غيره. وقوله: ((فإِنَّه ليس بينها وبين الله حجابٌ)) تعليلٌ للاتِّقاء وتمثيلٌ للدُّعاء، كمَن يَقصِدُ دارَ السُّلطان مُتَظلِّماً فلا يُحِجَب، وسيأتي لهذا مزيدٌ في كتاب التوحيد (٧٣٧٢) إن شاء الله تعالى. (١) بل في إسناده لين، فإن فيه أبا معشر: وهو نَجِيح بن عبد الرحمن السِّنْدي، وفيه ضعفٌ، ولتمام الفائدة انظر تخريجه في «مسند أحمد».