Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦ -١٤٦٧
كتاب الزكاة
بأنَّ قوله: ((ولو من حُلِيِّكُنَّ) وكَون صَدَقتها كانت من صِناعَتها يَدُلّان على التطوُّع، وبه
جَزَمَ النَّوَوي وتأولوا قوله: ((أيَجْزي عنِّي)) أي: في الوقاية من النار، كأنَّهَا خافَت أنَّ
صَدَقتَها على زوجِها لا تُحَصِّلُ لها المقصود. وما أشارَ إليه من الصِّناعة احتَجَّ به الطَّحاوي
لقول أبي حنيفة، فأخرج (٢٣/٢) من طريق رائطة امرأة ابن مسعود: أنَّها كانت امرأةً
صَنعاءَ اليدين(١)، فكانت تُنفِقُ عليه وعلى ولدِه، قال: فهذا يدلُّ على أنَّها صدقةُ تطوُّع،
وأمَّا الْحُلي، فإنَّمَا يُحْتَجُّ به على مَن لا يُوجِبُ فيه الزكاة، وأمَّا مَن يُوجِبُ فلا.
وقد روى الثَّوري، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عَلقَمةَ قال: قال ابن مسعود لامرأته في
حُليِّها: ((إذا بَلَغَ مئتي درهم، ففيه الزكاة)(٢)، فكيف يُحْتَجُّ على الطّحاوي بما لا يقول به،
لكن تمسّك الطَّحاوي بقولها في حديث أبي سعيد السابق (١٤٦٢): ((وكان عندي حُلِيٌّ لي
فَأَرَدت أن أتصَدَّقَ به)) لأنَّ الحُلِيَّ ولو قيل بوجوب الزكاة فيه، إلّا أنَّها لا تجبُ في جميعِه،
كذا قال، وهو مُتعقَّب، لأنَّها وإن لم تَجِبْ في عَينِهِ فقد تَجبُ فيه بمعنى أنَّه قَدْرُ النِّصاب
الذي وجَبَ علیها إخراجُه.
واحتَجّوا أيضاً بأنَّ ظاهرَ قوله في حديث أبي سعيد المذكور: ((زوجُك ووَلَدُك أحَقُّ
مَن تَصدَّقتِ به عليهم)) دالٌّ على أنَّها صدقةُ تطوُّع، لأنَّ الولدَ لا يُعطى من الزكاة
الواجبة بالإجماع كما نقله ابنُ المنذر وغيرُه، وفي هذا الاحتجاج نظر؛ لأنَّ الذي يمتنعُ
إعطاؤُه من الصَّدَقة الواجبة مَن يَلزَمُ المعطي نَفَقتُه، والأُمُّ لا يَلزَمُها نَفَقُ ولِدِها مع
وجودِ أبیه.
وقال ابن التَّيمي: قوله: ((ووَلَدُكِ)) مَحْمُولٌ على أنَّ الإضافةَ للتَّربية لا للولادة، فكأنَّه
ولدُه من غيرها.
(١) كذا وقع في رواية الطحاوي في ((شرح المعاني))، وليس بمسموع عن العرب، وإنما يقال: امرأة صَنَاعُ اليد؛
أي: حاذقة ماهرة بعمل اليدين، وجاءت على الجادة عند أحمد في ((مسنده)) (١٦٠٨٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٧٠٥٦).

١٤٢
باب ٤٨ / ح ١٤٦٦- ١٤٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنيِر: اعتَلَّ مَن مَنَعَها من إعطائها زكاتَها لزوجِها بأنَّها تَعودُ إليها في النَّفقة،
فكأنَّها ما خرجت عنها، وجوابه: أنَّ احتمالَ رُجوع الصَّدَقة إليها واقعٌ في التطوُّع أيضاً،
ويؤيِّدُ المذهبَ الأوَّل أنَّ تَرْكَ الاسْتِفْصالِ يُنَزَّلُ منزلة العُموم، فلمَّا ذُكِرَت الصَّدَقَةُ ولم
يَستفصِلها عن تطوُّع ولا واجب، فكأنَّه قال: تُجْزِئُ عنك فَرْضاً كان أو تطوُّعاً.
وأمَّا ولدُها فليس في الحديث تصريح بأنَّها تُعطي ولدَها من زكاتها، بل معناه: أنَّا إذا
أعطَت زوجَها فأنفَقَه على ولدِها كانوا أحَقَّ من الأجانب، فالإجزاء يقعُ بالإعطاء للَّوج،
والوصولُ إلى الولدِ بعدَ بُلُوغ الزكاة مَحِلّها.
والذي يظهرُ لي أنَّهما قَضيتان: إحداهما في سؤالها عن تَصدُّقِها بحُلّيها على زوجِها
ووَلَدِهِ، والأُخرى في سؤالها عن النَّفْقة، والله أعلم.
وفي الحديث الحَتُّ على الصَّدَقة على الأقارب، وهو محمولٌ في الواجبة على مَن لا يَلزَمُ
المعطي نفقتُه منهم، واختُلِفَ في ◌ِلّة المنع، فقيل: لأنَّ أخذَهم لها يُصَيِّرُهم أغنياءَ فَتَسقُطُ
بذلك نَفَقتُهم عن المُعْطي، أو لأنَهم أغنياءُ بإنفاقه عليهم، والزكاة لا تُصرَفُ لغَني. وعن
الحسنِ وطاووس: لا يُعطي قَرابَته من الزكاة شيئاً، وهو روايةٌ عن مالك.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ الرجلَ لا يُعطي زوجَتَه من الزكاة، لأنَّ نَفَقتَها واجبةٌ
عليه فتَستَغني بها عن الزكاة، وأمَّا إعطاؤُها للَّوجِ فاختُلِفَ فيه كما سَبَق.
وفيه الحَتُّ على صِلة الرَّحِمِ، وجواز تَبَرُّع المرأة بمالها بغير إذنِ زوجها. وفيه عِظَةُ
النِّساء، وترغيب وليِّ الأمر في أفعال الخير للرجال والنِّساء، والتحدَّثُ مع النِّساء الأجانب
عند أَمْنِ الفِتنة، والتَّخويف من المؤاخذة بالذُّنوب وما يُتَوقَّعُ بسبِها من العذاب.
وفيه فُتْيا العالم مع وجودِ مَن هو أعلمُ منه، وطلبُ التَّرقّي في تَحمُّل العلم.
قال القُرطُبي: ليس إخبار بلال باسم المرأتينِ بعدَ أن استكتَمَتَاه بإذاعة سِرِّ ولا كَشفٍ
أمانةٍ، لو جھین:
.

١٤٣
باب ٤٩
كتاب الزكاة
أحدِهما: أَّهما لم تُلزِماه بذلك، وإنَّما عَلِمَ أنَّهما رأتا أن لا ضَرورةَ تُحوِجُ إلى كِتمانهما (١).
ثانيهما: أنَّه أخبر بذلك جواباً لسؤال النبي ◌ََّ لكَونِ/ إجابته أوجَبَ من التمسُّكِ بما ٣٣١/٣
أمَرَتاه به من الكِتمان، وهذا كلّه بناءً على أنَّه التَزَمَ لهما بذلك. ويحتملُ أن تكونا سألَتاه، ولا
يجبُ إسعافُ کلّ سائل.
قوله: ((حدَّثنا عبدَة)) هو ابن سليمان، وهشام: هو ابن عُرْوة. وفي الإسناد تابعيٌّ عن
تابعيِّ: هشام عن أبيه، وصحابيَّة عن صحابيَّة: زينب عن أُمّها.
قوله: ((على بني أبي سَلَمةَ)) أي: ابن عبد الأسَد، وكان زوجَ أُمِّ سَلَمَةَ قبلَ النبيّ ◌ِلـ
فَتَزَوَّجَها النبيِ ◌ّ ولها من أبي سَلَمَةَ عمرُ ومحمد وزينب ودُرّة، وليس في حديث أُمِّ سَلَمَةَ
تصريحٌ بأنَّ الذي كانت تُنفِقُه عليهم من الزكاة، فكان القَدْرُ المشتَرَك من الحديث حصولَ
الإنفاق على الأيتام، والله أعلم.
قوله: ((فَلَكِ أَجْرُ ما أنفَقْتِ عليهم)) رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون ((ما)) موصولة،
وجَوَّزَ أبو جعفر الغِرناطي نزيلُ حَلَبَ تنوينَ ((أجر)) على أن تكون ((ما)) ظَرفية، ذكر ذلك
لنا عنه الشَّيخ بُرهان الدّين المحدِّث بحَلَب.
٤٩ - باب قول الله تعالى: ﴿وَفِ الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ ﴾
ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُعْنِقُ من زكاةِ مالِهِ، ويُعْطي في الحِّ.
وقال الحسنُ: إِنِ اشْتَرَى أباه من الزكاةِ جازَ، ويُعْطي في المجاهدِينَ، والّذي لم يُجَّ، ثمَّ
ثَلا: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ ﴾ الآيةَ [التوبة: ٦٠]، في أيُّها أعطَيَتَ جَزَتْ.
وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ خالداً احتَبَسَ أدراعَه في سبيلِ الله)).
ويُذكَرُ عن أبي لاسٍ: ◌َلَنا النبيُّ ◌َِّ على إبلِ الصَّدَقِةِ للحَجِّ.
(١) كذا وقع في الأصول: إلى كتمانهما، وهو خطأ، والصواب ما في ((المفهم)) للقرطبي: ((تحوج إلى ذلك))،
والإشارة بذلك إلى الإخبار لا الكتمان.

١٤٤
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٦٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
قال: أمَرَ رسولُ الله ◌َّهِ بِصَدَقَةٍ فقيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وخالدُ بنُ الوليدِ، وعبَّاسُ بنُ
عبدِ المطَّلِبِ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنَّه كان فقيراً فأغناهُ اللهُ ورسولُه، وأمّا
خالدٌ فإِنَّكم تَظْلِمُونَ خالداً، قد احتَبَسَ أدراعَه وأعتُدَه في سبيلِ الله، وأمَّا العبّاسُ بنُ عبدٍ
المطَّلِبِ، فَعَمُّ رسولِ الله وَّةِ، فهي عليه صدقةٌ ومثلُها معها)».
تابَعَه ابنُ أبي الزِّناد عن أبيه.
وقال ابنُ إسحاقَ عن أبي الزِّناد: ((هي عليه ومثلُها معها)).
وقال ابنُ جُرَيجٍ: حُدِّثْتُ عن الأعرَجِ، مِثلَه.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَفِ الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾)) قال: الزَّين بن
المنِّر: اقتَطَعَ البخاري هذه الآيةَ من التفسير للاحتياج إليها في بيان مصاريف الزكاة.
قوله: ((ويُذكَرُ عن ابن عبّاس: يُعْتِقُ من زكاةِ مالِهِ ويُعْطي في الحجِّ)) وَصَلَه أبو عُبيد في
كتاب ((الأموال)) (١٧٨٦) من طريق حسَّان بن أبي الأشرَس عن مجاهدٍ عنه: أنَّه كان لا
يَرى بأساً أن يُعطيَ الرجلُ من زكاةِ مالِه في الحجّ، وأن يُعتِقَ منه الرَّقَبَةَ. أخرجه عن أبي
معاوية عن الأعمَشِ عنه، وأخرج (١٧٨٥) عن أبي بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن ابن
أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: أَعتِقْ من زكاةِ مالِكَ.
وتابَعَ أبا معاوية عَبْدةُ بن سليمان، رُوّيناه في ((فوائدٍ)) يحيى بن مَعِين روايةَ أبي بكر بن
عليّ المروزي عنه عن عَبْدةَ عن الأعمش عن ابن أبي الأشرَس، ولفظُه: کان ◌ُرِجُ زكاته ثمَّ
يقول: جَهِّزُوا منها إلى الحجّ.
٣٣٢/٣ وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: يَشْتَري الرجل من زكاةٍ ماله الرِّقابَ فيُعتِقُ ويَجَعَل
في ابن السَّبِيلِ؟ قال: نعم، ابنُ عبَّاس يقول ذلك، ولا أعلمُ شيئاً يَدْفعُه.
وقال الخَلّال: أخبرنا أحمد بن هاشم، قال: قال أحمد: كنت أرى أن يُعْتِقَ من الزكاة، ثمَّ
كَفَفْتُ عن ذلك لأنّي لم أرَه يَصِحُّ. قال حَرْب: فاحتُجَّ عليه بحديث ابن عبَّاس، فقال: هو

١٤٥
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
كتاب الزكاة
مُضْطَرِبٌ. انتَهى، وإِنَّمَا وصَفَه بالاضْطِراب للاختِلافِ في إسناده على الأعمَشِ كما تَرى،
ولهذا لم يخْزِم به البخاري.
وقد اختَلَفَ السَّلَفُ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَفِ الْرِقَابٍ﴾ فقيل: المرادُ شراءُ الرَّقَبة
لتُعتَق، وهو روايةُ ابن القاسم عن مالك، واختيار أبي عُبيد وأبي ثَوْر، وقولُ إسحاقَ، وإليه
مالَ البخاري وابن المنذر، وقال أبو عبيد: أعلى ما جاء فيه قول ابن عبَّاس، وهو أوْلى
بالاتِّباع وأعلمُ بالتأويل.
وروى ابن وَهْب عن مالكِ: أنَّها في المكاتب، وهو قول الشافعي والليثِ والكوفيين
وأكثر أهل العلم، ورَجَّحَه الطَّري(١).
وفيه قولٌ ثالثٌ: أنَّ سَهْمَ الرِّقاب يُجِعَلُ نصفَين: نَصِفٌ لكلِّ مُكاتَبٍ يَدَّعي الإسلام،
ونصفٌ يشتري بها رِقاباً مَّن صلَّى وصام، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد في (الأموال))
(١٨٥٠) بإسناد صحيح عن الزُّهْري: أنَّ كَتَبَ ذلك لعمر بن عبد العزيز، واحتَجَّ للأولِ
بأنَّهَا لو اختَصَّت بالمكاتَبِ لدخل في حُكْم الغارمينَ لأنَّه غارم، وبأنَّ شراءَ الرَّقيق ليُعتَقَ
أَوْلِى من إعانة المكاتب، لأنَّه قد يُعانُ ولا يُعتَق، ولأنَّ المكاتَبَ عبدٌ ما بَقيَ عليه درهمٌ،
والزكاةُ لا تُصرَفُ للعبد، ولأنَّ الشِّراءَ يَتَسَّرُ في كلِّ وقتٍ بخلاف الكتابة، ولأنَّ ولاءَه
يَرجِعُ للسيِّد، فيأخُذُ المال، والوَلاءُ بخلاف ذلك، فإنَّ عِتَقَه يَتَنَجَّرُ ويصيرُ ولاؤُه
للمسلمين، وهذا الأخير على طريقة مالكٍ في ذلك.
وقال أحمد وإسحاق: يُرَدُّ ولاؤُه في شراء الرِّقاب للعِتق أيضاً. وعن مالك: الوَلاءُ
للمُعتِقِ تمسُّكاً بالعُموم. وقال عُبيد الله العنبري: يُعَلُ في بيت المال.
وأمَّا سبيلُ الله، فالأكثر على أنَّه يَخْتَصُّ بالغازي، غَنّاً كان أو فقيراً، إلَّا أنَّ أبا حنيفة قال:
يَخْتَصُّ بالغازي المحتاج. وعن أحمدَ وإسحاقَ: الحجُّ من سبيل الله. وقد تقدَّم أثرُ ابن عبّاس،
وقال ابنُ عمرَ: أمَا إنَّ الحَجَّ من سبيل الله، أخرجه أبو عُبيد (١٩٧٧) بإسنادٍ صحيحٍ عنه.
(١) في («تفسيره)) ٢/ ٩٨.

١٤٦
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنذر: إن ثَبَتَ حديثُ أبي لاسٍ - يعني: الآتي في هذا الباب - قلتُ بذلك.
وتُعقّبَ بأنَّه يحتملُ أنَّهم كانوا فقراءَ وحُمِلوا عليها خاصَّة ولم يَتَمَلَّكوها.
قوله: ((وقال الحسن ... )) إلى آخِرِه، هذا صحيح عنه، أخرج أوله ابن أبي شَيْبة (١٧٩/٣)
من طريقه، وهو مَصِيرٌ منه إلى القول بالمسألتَينِ معاً: الإعتاقِ من الزكاة، والصَّرفِ منها في
الحجِّ، إلَّا أنَّ تَنصيصَه على شراء الأبِ لم يُوافقْهُ عليه الباقون، لأنَّه يَعْتِقُ عليه ولا يصيرُ
ولاؤُه للمسلمينَ، فيستعيدُ المنفَعة ويوفِّرُ ما كان يُخْرِجُه من خالص مالِهِ لدَفْع عارِ
استِرقاق أبيه.
وقوله: ((في أيُّها أعطَيَتَ جَزَتْ)) كذا في الأصلِ بغير همز، أي: قَضَت، وفيه مَصيرٌ منه إلى
أَنَّ اللَّام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ لبيان المصرِفِ لا للتَّمليك، فلو صَرَفَ الزكاةَ في صِنْفٍ
واحدٍ ◌ُفِي.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: إنَّ خالداً ... )) إلى آخره، سيأتي موصولاً في هذا الباب.
قوله: ((ويُذكَر عن أبي لاسٍ)) بسِينٍ مُهمَلة، خُزاعيٌّ اختُلِفَ في اسمه، فقيل: زياد،
وقيل: عبد الله بن عَنَمة - بمُهمَلة ونون مفتوحتَين - وقيل غير ذلك، له صحبةٌ وحديثان
هذا أحدهما.
وقد وَصَلَه أحمد (١٧٩٣٨) وابن خُزيمة (٢٣٧٧ و٢٥٤٣) والحاكمُ (٤٤٤/١) وغيرُهم
من طريقه، ولفظ أحمدَ: على إبلٍ من إبل الصَّدَقة ضِعافٍ للحَجّ، فقلنا: يا رسول الله، ما
نَرى أن تَحمِلَ هذه، فقال: ((إنَّما يَحمِلُ اللهُه الحديثَ، ورجاله ثقات، إِلَّ أنَّ فيه عَنْعَنة ابن
إسحاق، ولهذا توقّف ابن المنذر في ثُبُوتِه.
قوله: ((عن الأعرج)) في رواية النَّسائي (٢٤٦٤) من طريق عليّ بن عيَّاش، عن شعيب
ثمّا حدَّثه عبدُ الرحمن الأعرج، ممَّا ذَكَر أنَّه سمع أبا هريرة يقول: قال: قال عمر ... فذكره،
صَرَّحَ بالتحديث في الإسناد وزاد فيه عُمرَ، والمحفوظ أنَّه من مسند أبي هريرة، وإنَّما جَرَى
لعمرَ فیه ذِکرٌ فقط.

١٤٧
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
كتاب الزكاة
قوله: ((أمَرَ رسولُ الله ◌َّ بِالصَّدَقة)) في رواية مسلم (٩٨٣) من طريق وَرْقاءَ عن أبي ٣٣٣/٣
. H
الزِّناد: «بَعَثَ رسول الله وََّ عمرَ ساعياً على الصَّدَقة)) وهو مُشعِرٌ بأنَّها صدقة الفَرْض،
لأَنَّ صدقةَ التطوُّع لا يُبعَثُ عليها السُّعاة.
وقال ابن القَصَّار المالكي: الأليَقُ أنَّها صدقةُ التطوُّع، لأنَّه لا يُظَنُّ بهؤلاء الصحابة
أَّهم مَنَعوا الفَرْضَ. وتُعقِّبَ بأنَّهم ما مَنَعوه كلُّهم جَحْداً ولا عِناداً، أمَّا ابن جميل فقد قيل:
إنَّه كان مُنافقاً ثمَّ تابَ بعدَ ذلك، كذا حكاه المهلَّب، وجَزَمَ القاضي حسين في ((تعليقِه)) أنَّ
فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. انتهى، والمشهورُ أنَّها نزلت في ثَعْلبة(١)،
وأمَّا خالدٌ، فكان مُتأوّلاً بإجزاء ما حَبَسَه عن الزكاة، وكذلك العبّاس لاعتقاده ما سيأتي
التصريحُ به، ولهذا عَذَرَ النبيُّ وَلَ خالداً والعبّاس ولم يَعِذِر ابنَ جميل.
قوله: ((فقيل: مَنَعَ ابنُ جَمِيل)) قائلُ ذلك عمرُ كما سيأتي في حديث ابن عبّاس في الكلام
على قصَّة العبَّاس، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عُبيد (١٨٩٨): ((فقال بعض مَن
یَلمِزُ)) أي: يَعِیب.
وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في ((تعليق)) القاضي الحسين
المروَزي الشافعي وتَبِعَه الرّوياني: أنَّ اسمَه عبد الله، ووقع في ((شرح)) الشَّيخِ سِراج الدِّين
ابن المُلقِّن: أنَّ ابن بَزِيزَةَ سمّاه ◌ُميداً، ولم أرَ ذلك في كتاب ابن بَزِيزة. ووقع في رواية ابن
جُرَيج (٢): أبو جَهم بن حُذَيفة بدلَ ابن جميل، وهو خطأٌ لإطباق الجميع على ابن جميل،
وقول الأكثر أنَّه كان أنصاريّاً، وأمَّا أبو جَهم بن حُذَيفةَ فهو قُرَشي، فافتَرَقا، وذكر بعضُ
المتأخّرينَ أنَّ أبا عُبيد البكري ذكر في ((شرح الأمثال)) له: أنَّه أبو جَهْم بن جميل.
قوله: ((والعبّاس)) زاد ابن أبي الزِّناد عن أبيه عند أبي عُبيد (١٨٩٨): أن يُعطُوا الصَّدَقة،
قال: فخَطَبَ رسولُ الله ◌َِّ فِذَبَّ عن اثنين: العبّاس وخالد.
(١) سلفت الإشارة إلى حديثه ص١٥ من هذا الجزء، وأنه حديث ضعيف جداً لا يحتجُّ به.
(٢) رواية ابن جريج أخرجها عنه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٦٨٢٦) من حديث أبي هريرة.

١٤٨
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ما يَنْقِم)) بكسر القاف، أي: ما يُنكِرُ أو يَكرَه.
وقوله: ((فأغناه اللهُ ورسولُه)) إِنَّمَا ذَكَر رسولُ اللهِ وَّهِ نَفْسَه؛ لأنَّه كان سَبباً لدخوله في
الإسلام، فأصبح غَنِيّاً بعدَ فَقْرِه بما أفاءَ الله على رسولِه وأباحَ لأُمَّتِه من الغنائم، وهذا
السِّياق من باب تأكيد المدح بما يُشبِهِ الذَّمَّ؛ لأنَّه إذا لم يكن له عُذرٌ إلَّا ما ذَكَر من أنَّ الله
أغناه فلا عُذرَ له، وفيه التعريضُ بكُفْران النِّعَم، وتقريعٌ بسُوء الصَّنيع في مُقابلة الإحسان.
قوله: «احتبس» أي: حَبَس.
قوله: ((وأعتُدَه)) بضمِّ المثنَّاة جمعُ عَتَدٍ بفتحتَينٍ، ووَقَعَ في رواية مسلم (٩٨٣): ((أعتادَه))
وهو جمعُه أيضاً، قيل: هو ما يُعِدُّه الرجلُ من الدَّوابِ والسِّلاح، وقيل: الخيل خاصَّة،
يقال: فرس عَتِيد، أي: صُلْب أو مُعَدُّ للرُّكُوب أو سريع الوُثُوب، أقوال، وقيل: إنَّ لبعضٍ
رُواة البخاري: ((وأعبُدَه)) بالموخَّدة جمع عبدٍ حَكَاه عياض، والأوَّل هو المشهور.
قوله: «فهي عليه صدقةٌ ومِثلُها معها)) كذا في رواية شعيب، ولم يقل وَرْقاءُ(١) ولا موسى
ابن عُقْبة(٢): ((صدقةٌ))، فعلى الرواية الأولى يكون وَّهِ ألزَمُه بتضعيفِ صَدَقِتِه ليكون أرفَع
لقَدْرِه وأنبَهَ لِذِكْرِه وأَنْفى للذَّمِّ عنه، فالمعنى: فهي صدقةٌ ثابتةٌ عليه سَيَصَّدَّقُ بها ويُضيفُ
إليها مثلَها كَرَماً، ودَلَّت رواية مسلمٍ على أنَّه وَّهِ الّزَمَ بإخراج ذلك عنه لقوله: ((فهي عليّ»،
وفيه تنبيه على سببٍ ذلك وهو قوله: ((إنَّ العَمَّ صِنْوُ الأبِ)) تفضيلاً له وتَشريفاً، ويحتملُ أن
يكون تَحمَّلَ عنه بها، فيُستفادُ منه أنَّ الزكاةَ تَتَعلَّقُ بالذِّمّة كما هو أحدُ قولي الشافعي.
وجمع بعضُهم بين رواية: ((عليَّ) ورواية: ((عليه)) بأنَّ الأصلَ رواية: ((عليَّ)) ورواية:
((عليه)) مثلُها، إلَّا أنَّ فيها زيادة هاء السكت، حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر.
وقيل: معنى قوله: ((عليَّ)) أي: هي عندي قَرْضٌ، لأنَّني استَسلَفتُ منه صدقةَ عامينٍ،
وقد وَرَدَ ذلك صريحاً فيما أخرجه التِّرمِذي (٦٧٩) وغيره من حديث عليٍّ، وفي إسناده مقالٌ.
(١) عند مسلم (٩٨٣).
(٢) عند ابن خزيمة (٢٣٢٩).

١٤٩
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
كتاب الزكاة
وفي الدارَ قُطني من طريق موسى بن طلحة أنَّ النبيِ وَ ◌ّه قال: ((إنّا كنَّا احتَجْنا فتَعَجَّلنا
من / العبَّاس صدقةَ مالِهِ سنتَينٍ)) وهذا مُرسَل، وروى الدارَقُطْني أيضاً (٢٠١١) موصولاً ٣٣٤/٣
بذِكْر طلحة فيه، وإسنادُ المرسَلِ أصُ، وفي الدارَقُطني أيضاً (٢٠١٢) من حديث ابن
عبَّاس: أنَّ النبي ◌َِّ بَعَثَ عمر ساعياً، فأتى العبَّاسَ فأغلَظَ له، فأخبر النبيُّ ◌َلِّ فقال: ((إنَّ
العبّاس قد أسلَفَنا زكاة مالِه العامَ، والعامَ المقبِلَ))، وفي إسناده ضعفٌ، وأخرجه أيضاً هو
(٢٠١٤) والطبراني(١) من حديث أبي رافع نحوَ هذا، وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث
ابن مسعود(٢): أنَّ النبي ◌ََّ تَعَجَّلَ من العبَّاس صَدَقَتَه سنتَين، وفي إسناده محمد بن
ذَكْوانَ، وهو ضعيف، ولو ثَبَتَ لكان رافعاً للإِشكال ولرَجَحَ به سياقُ رواية مسلمٍ على
بقيَّة الروايات، وفيه ردٌّ لقول مَن قال: إنَّ قصَّة التعجيل إِنَّمَا وَرَدَت في وقتٍ غيرِ الوقتِ
الذي بَعَثَ فيه عمرَ لأَخْذِ الصَّدَقة، وليس ثبوتُ هذه القصّة في تَعجيل صدقة العبّاس
بَبَعيدٍ في النَّظَرِ بمجموع هذه الطُّرق، والله أعلم.
وقيل: المعنى: استَسلَفَ منه قَدْر صَدَقة عامين، فأمَرَ أن يُقاصَّ به من ذلك، واستُبعِدَ
ذلك بأنَّه لو كان وقع لكان ◌َِّ أعلمَ عمرَ بأنَّه لا يُطالبُ العبّاس، وليس ببعيدٍ.
ومعنى ((عليه)) على التأويل الأولِ، أي: لازمة له، وليس معناه أنَّه يَقِضُها، لأنَّ
الصَّدَقَةَ عليه حرام لكَونِهِ مَن بني هاشم، ومنهم مَن حمل روايةَ الباب على ظاهرها فقال:
كان ذلك قبلَ تحريم الصَّدَقة على بني هاشم، ويؤيِّدُه رواية موسى بن عُقْبة عن أبي الزِّناد
عند ابن خُزيمة (٢٣٢٩) بلفظ: ((فهي له)) بدَلَ: عليه.
وقال البيهقي: اللَّامُ هنا بمعنى ((على)) لتَّفِقَ الروايات، وهذا أَولى لأنَّ المخرَجَ واحد،
وإلیه مالَ ابن حِبَّان.
وقيل: معناها: فهي له، أي: القَدْر الذي كان يُرادُ منه أن يُحْرِجَه لأنَّني التَّزَمت عنه
بإخراجه، وقيل: إنَّه أخّرَها عنه ذلك العامَ إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين، قاله
(١) في ((الأوسط)) (٧٨٦٢).
(٢) عند الطبراني في ((الأوسط)) أيضاً برقم (١٠٠٠).

١٥٠
باب ٤٩ / ح ١٤٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
أبو عُبيد، وقيل: إنَّه كان استَدانَ حينَ فادى عَقِيلاً وغيرَه، فصار من جملة الغارمينَ، فساغَ
له أخذُ الزكاة بهذا الاعتبار.
وأبعَدُ الأقوال كلِّها قولُ مَن قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزَمَ
العَبَّاسَ بامتناعِه من أداء الزكاة بأن يُؤدّيَ ضِعفَ ما وَ جَبَ علیه لعَظَمة قَدْرِه وجلالتِه کما في
قوله تعالى في نساء النبي وَالّ: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقد
تقدَّم بعضُه في أول الكلام.
واستُدِلَّ بقصَّة خالدٍ على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السِّلاح وغيره من آلات
الحربِ والإعانة بها في سبيل الله، بناءً على أنَّه عليه الصلاة والسلام أجازَ لخالدٍ أن يُحاسبَ
نفسَه بما حَبَسَه فيما يجبُ عليه كما سَبَق، وهي طريقة البخاري.
وأجاب الجمهورُ بأجوبة:
أحدها: أنَّ المعنى: أنَّه وَلِّ لم يَقبَلْ إخبارَ مَن أخبَرَه بمنع خالدٍ، حَمَلاً على أنَّه لم يُصرِّح
بالمَنْعِ، وإِنَّمَا نَقَلوه عنه بناءً على ما فَهِموه، ويكون قوله: ((تَظْلِمونَه)) أي: بنسبَتِكم إيّاه إلى
المَنْعِ وهو لا يَمْنِع، وكيف يَمْنعُ الفَرْضَ وقد تَطَوَّعَ بتحبيس سلاحه وخيله؟
ثانيها: أنَّهم ظنُّوا أنَّها للتِّجارة، فطالَبوه بزكاة قِيمَتِها، فأعلمَهم عليه الصلاة والسلام
بأنَّه لا زكاةَ عليه فيما حَبَس، وهذا يحتاجُ لنقلٍ خاصٍّ، فيكون فيه حُجَّةٌ لمن أسقَطَ الزكاةَ
عن الأموال المُحبَّسة، ولمن أوجَبَها في عُروض التِّجارة.
ثالثها: أنَّه كان نَوَى بإخراجها عن مِلكِه الزكاةَ عن مالِهِ، لأنَّ أحدَ الأصناف سبيلُ الله:
وهم المجاهدون، وهذا يقوله مَن يُجيزُ إخراج القِيَم في الزكاة كالحنفيَّة، ومَن يُحِيزُ التَّعجيلَ
كالشافعية، وقد تقدَّم استدلال البخاري به على إخراج العُروضِ في الزكاة.
واستُدِلَّ بقصَّة خالدٍ على مشروعية تحبيس الحيوان والسِّلاح، وأنَّ الوقفَ يجوزُ بَقاؤُه
تحتَ يد مُخْتَبِسِه، وعلى جواز إخراج العُروضِ في الزكاة وقد سَبَقَ ما فيه، وعلى صَرْف
الزكاة إلى صِنفٍ واحدٍ من الثّانية.

١٥١
باب ٥٠ / ح ١٤٦٩
كتاب الزكاة
وتعقّب ابن دَقِيق العيد جميعَ ذلك بأنَّ القصَّةَ واقعةُ عَين، مُحتمِلةٌ لمَا ذُكِرَ ولغيره، فلا
يَنْهَضُ الاستدلال بها على شيءٍ مَّا ذُكِرٍ، قال: ويحتملُ أن يكون تحبيس خالد إرصاداً
وعَدَمَ تصرُّف، ولا يَبعُدُ أن يُطلَقَ على ذلك التحبيسُ، فلا يَتَعيَّنُ الاستدلالُ بذلك لمَا
ذُکِر.
وفي الحديث بَعْثُ الإمامِ العُمَالَ لِجِباية الزكاة، وتَنبيهُ الغافلِ على ما أنعَمَ الله به من ٣٣٥/٣
نِعمة الغِنى بعدَ الفقر، ليقومَ بحَقّ الله عليه، والعَتَبُ على مَن مَنَعَ الواجبَ، وجواز ذِكْره
في غَيْبَتِه بذلك، وتحمُّلُ الإمام عن بعض رَعيتِه ما يجبُ عليه، والاعتذارُ عن بعض الَّعية
بما يَسوغُ الاعتذارُ به. والله سبحانه وتعالى أعلمُ بالصواب.
٥٠- باب الاستِعْفاف عن المسألة
١٤٦٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ
الليثيِّ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ﴾: أنَّ ناساً من الأنصار سألُوا رسولَ الله وَِّ فَأَعطاهُم، ثُمَّ
سألُوه فَأَعطاهُم، ثمَّ سَأَلُوهُ فَأَعطاهُم حتَّى نَفِدَ ما عندَه، فقال: ((ما يكونُ عندي من خيرٍ فلَن
أذَّخِرَه عنكُم، ومَن يَسْتَغْفِفْ يُعِقَّه الله، ومَن يَستَغنِ يُغْنِهِ الله، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصبِّرْه الله، وما
أُعْطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسَعَ من الصَّبْ)).
[طرفه في: ٦٤٧٠]
قوله: ((باب الاستِعْفاف عن المسألة)) أي: في شيءٍ من غير المصالح الدِّينيّة.
وذکر في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي سعيد.
قوله: ((إنَّ ناساً من الأنصار)) لم يَتَعيَّن لي أسماؤهم، إلَّا أنَّ النَّسائي (٢٥٩٥) روى من
طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري، عن أبيه ما يدلُّ على أنَّ أبا سعيد راوي هذا
الحديث خُوطِبَ بشيءٍ من ذلك ولَفْظِهِ، ففي حديثه: سَرَّحَتْني أُمّي إلى النبي ◌َّ، يعني:
لأَسأَله من حاجةٍ شديدة، فأتيتُه وقعدتُ، فاستَقبَلَني، فقال: ((مَن استغنى أغناه الله))

١٥٢
باب ٥٠ / ح ١٤٧٠ - ١٤٧١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديثَ، وزاد فيه: ((ومَن سألَ وله أُوقِيَّةٌ فقد أَلْفَ. فقلت: ناقتي خيرٌ مِن أُوقِيَّة،
فَرَجَعتُ ولم أَسأَلَّه))، وعند الطبراني (٣٠٩١ و٣٠٩٢ و٣٠٩٣) من حديث حَكِيم بن حِزَام:
أنَّه ممَّن خُوطِبَ ببعض ذلك، ولكنَّه ليس أنصاريّاً إلَّا بالمعنى الأعمِّ.
قوله: ((حتَّى نَفِدَ)) بكسر الفاء، أي: فَرَغ.
قوله: ((فلن أدَّخِرَه عنكُم)) أي: أحبِسُه وأَخبَؤُه وأمنَعُكم إيّاه مُنفَرِداً به عنكم.
وفيه ما كان عليه من السَّخاء وإنفاذ أمرِ الله، وفيه إعطاءُ السائلِ مرَّتين، والاعتذارُ إلى
السائل، والحضُّر على التعفُّف. وفيه جوازُ السُّؤال للحاجة وإن كان الأولى تَرْكُه والصَّبرُ
حتَّى يأتيَه رِزُه بغير مسألة.
وقوله: ((ومَن يَسْتَعِفِفْ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يستعِفّ)).
١٤٧٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَأَنْ يأْخُذَ أحدُكم حَبْلَه، فَيَحْتَطِبَ على
ظَهْرِهِ، خيرٌ له من أن يأتيَ رجلاً فَيَسْأَلَه، أعطاهُ أو مَنَعَه)).
[أطرافه في: ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤]
١٤٧١ - حدَّثْنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌّ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن الزُّبَيرِ بنِ العَوّام
عن النبيِّ وَّه قال: ((لَأَنْ يأْخُذَ أحدُكم حَبْلَه، فيأتيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ على ظَهْرِهِ، فَبِيعَها فِيَكُفَّ
الله بها وَجْهَه، خيرٌ له من أن يَسْألَ الناسَ أعطَوْه أو مَنَعُوه)).
[طرفاه في: ٢٠٧٥، ٢٣٧٣]
ثانيها: حديثُ أبي هريرة والزُّبَير بن العَوّام بمعناه. وفي رواية الزُّبَير زيادة: ((فِيَبِيعَها
فيَكُفَّ اللهُ بها وجهَه)) وذلك مرادٌ في حديث أبي هريرة، وحُذِفَ لدلالة السِّياق عليه.
وفي رواية أبي هريرة: ((يأتي رجلاً))، وفي حديث الزُّبَير: ((يَسألَ الناسَ)) والمعنى واحد.
وزاد في أول حديث أبي هريرة قوله: ((والذي نفسي بيده)) ففيه القَسَمُ على الشيء المقطوع
بصِدِقِهِ لتأكيدِه في نَفْس السامع.

١٥٣
باب ٥٠ / ح ١٤٧٢
كتاب الزكاة
وفيه الحضُّ على التعفُّفِ عن المسألة والتنُّه عنها، ولو امتَهَنَ المرءُ نَفْسَه في طَلَب
الرِّزق وارتَكَبَ المشَقَّةَ في ذلك، ولولا قُبحُ المسألة في نَظَرِ الشَّرع لم يُفَضَّل ذلك عليها،
وذلك لمَا يَدخُلُ على السائلِ مَن ذلِّ السُّؤال ومن ذلِّ الردِّ إذا لم يُعطَ، ولمَا يَدخُلُ على
المسؤول من الضّيق في ماله إن أعطى كلَّ سائل.
وأمَّا قولُهُ: ((خير له)) فليست بمعنى أفعَل التَّفْضيل، إذ لا خيرَ في السُّؤال مع القُدرة
على الاكتِساب، والأصحُّ عند الشافعية أنَّ سؤال مَن هذا حالُه حرام، ويحتملُ أن يكون
المراد بالخير فيه بحَسَب اعتقاد السائلِ وتَسْميتِه الذي يُعطاه خيراً، وهو في الحقيقة شَرٌّ،
والله أعلم.
قوله: ((إنَّ هذا المالَ خَضِرة)) أنَّثَ الخبرَ، لأنَّ المراد الدُّنيا.
ثالثها: حديث حَکِیم بن حِزَام:
١٤٧٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير
وسعيدٍ بنِ المسيّب، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامِ ﴾، قال: سألتُ رسولَ الله وَّرِ فأعطاني، ثمَّ سألتُهُ
فَأَعطاني، ثمَّ سألتُهُ فَأَعطاني، ثمّ قال: ((يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أخذَه
بسَخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَن أخذَه بإِشْرافٍ نَفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، كالَّذِي يأكلُ ولا يَشْبَعُ،
اليدُ العُلْيا خيرٌ من اليدِ السُّفْلَى)). قال حَكِيمٌ: فقلتُ: يا رسولَ الله، والَّذِي بَعَثَكَ بالحقِّ لا أرزَاً
أحداً بعدَكَ شيئاً حتَّى أُفارقَ الذُّنْيا.
فكان أبو بكرِ يَدْعُو حَكِيماً إلى العطاءِ، فيأْبَى أن يَقْبَلَه منه، ثمّ إنَّ عمرَ ﴾ دَعَاه
لِيُعْطِيَه، فأبى أن يَقْبلَ منه شيئاً، فقال عمرُ: إنّ أُشهِدُكم يا مَعْشرَ المسلمينَ على حَكِيمٍ أَنّ
أعرِضُ عليه حَقَّه من هذا الفَيءٍ فيأبى أن يأخُذَه. فلم يَرْزَأْ حَكِيمٌ أحداً من الناس بعدَ
رسولِ الله ◌َُّ حتَّى تُوقِّيَ.
[أطرافه في: ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١]
قوله: ((خَضِرة حُلْوَة)) شَبَّهَه بالرَّغْبةِ فيه والمَيْلِ إليه وحِرْص النُّفوس عليه بالفاكهة ٣٣٦/٣

١٥٤
باب ٥٠ / ح ١٤٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
الخضراء المُستَلَذَّة، فإنَّ الأخضَرَ مرغوبٌ فيه على انفراده بالنّسبة إلى اليابس، والحُلْوَ
مرغوبٌ فيه على انفراده بالنِّسْبة للحامض، فالإعجابُ بهما إذا اجتَمَعا أشدُّ.
قوله: ((بسَخاوَةٍ نَفْسٍ)) أي: بغير شَرَهٍ ولا إلحاحِ، أي: مَن أَخذَه بغير سؤال، وهذا
بالنِّسبة إلى الآخِذِ، ويحتملُ أن يكون بالنّسبة إلى المُعْطي، أي: بسَخاوة نفس المُعْطي،
أي: انشراحه بما يُعطيه.
قوله: ((كالذي يأكلُ ولا يَشْبَع)) أي: الذي يُسمَّى جوعُه كذّاباً، لأنَّه من عِلّةٍ به وسَقَم،
فكلّما أكل ازداد سَقَماً ولم يَجِدْ شِبَعاً.
قوله: ((اليد العُلْيا)) تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في ((بابٍ لا صدقةَ إلَّا عن ظَهرِ غِنّى))
(١٤٢٧).
قوله: ((لا أَرْزَاً)) بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزّاي بعدَها همزة، أي: لا أنقُصُ مالَه
بِالطَّلَبِ منه، وفي روايةٍ لإسحاق: قلت: فوالله لا تكون يدي بعدَك تحتَ يَدٍ من أيدي
العرب. وإنَّما امتَنَعَ حكيمٌ من أَخْذ العطاء مع أنَّه حَقُّه؛ لأنَّه خشِيَ أن يَقبلَ من أحدٍ شيئاً
فيَعتادُ الأخذ، فتَتَجاوَزُ به نَفسُه إلى ما لا يُرِيدُه، ففَطَمَها عن ذلك وتَرَكُ ما يَرِيبُه إلى ما لا
يَرِيبُه، وإنَّما أشهَدَ عليه عمرُ؛ لأنَّه أراد أن لا يَنسُبَه أحد لم يَعِرِف باطنَ الأمر إلى مَنْع حكيمٍ
من حَقِّه.
قوله: ((حتَّى تُوُقّ)) زاد إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) من طريق عمر بن عبد الله بن
عُرْوة مُرسلاً: أنَّه ما أخذَ من أبي بكر ولا عمرَ ولا عثمانَ ولا معاويةَ ديواناً ولا غيرَه حتَّى
مات لعشِرٍ سِنِينَ مع إمارة معاويةً.
قال ابن أبي جَمْرة: في حديث حكيمٍ فوائدُ، منها: أنَّه قد يقعُ الزُّهد مع الأَخْذ، فإنَّ
سَخاوةَ النَّفْس هو زُهدُها، تقولُ: سَخَتْ بكذا، أي: جادَتْ، وسَخَتْ عن كذا، أي: م/
٣٣٧/٣ تَلتَفِت إليه. ومنها أنَّ الأخذَ مع سَخاوة النَّفْس يُحْصِّلُ أجر الزُّهد والبَرَكة في الرِّزق، فتَبيَّن
أنَّ الزُّهدَ يُحُصِّلُ خيرَي الدنيا والآخرة.

١٥٥
باب ٥١ / ح ١٤٧٣
كتاب الزكاة
وفيه ضربُ المثَل لمَا لا يَعْقِلُهُ السامعُ من الأمثلة، لأنَّ الغالبَ من الناس لا يَعِرِفُ
البَرَكة إلَّ في الشيء الكثير، فبيَّن بالمثال المذكور أنَّ البَرَكةَ هي خَلقٌ من خَلق الله تعالى،
وضَرَبَ لهم المثَل بما يَعْهَدون، فالآكِلُ إِنَّما يأكلُ ليَشبَعَ، فإذا أُكَلَ ولم يَشَبَع كان عَناءً في حَقِّه
بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عَيْنِهِ، وإنَّما هي لمَا يَتَحَصَّلُ به من المنافع، فإذا
كَثُرَ عند المرءِ بغير تحصيلٍ مَنْفَعةٍ كان وجوده كالعَدَم.
وفيه أنَّه ينبغي للإمام أن لا يُبيِّنَ للطّلبِ ما في مسألتِهِ من المفسَدة إلَّ بعدَ قضاء
حاجته لتَفَعَ مَوعِظَتُه له الموقِعَ، لئلا يَتَخَيَّلَ أنَّ ذلك سببٌّ لمَنْعِه من حاجته.
وفيه جوازُ تكرار السُّؤال ثلاثاً، وجوازَ المَنْع في الرّابعة، والله أعلم.
وفي الحديث أيضاً أنَّ سؤال الأعلى ليس بعار، وأنَّ ردَّ السائلِ بعدَ ثلاثٍ ليس
بمكروه، وأنَّ الإجمالَ في الطََّبِ مقرونٌ بالبَرَكة. وقد زاد إسحاق بن راهَوَيهِ في ((مسنده))
من طريق مَعمَر، عن الزُّهْري في آخره: فمات حينَ مات، وإنَّه ◌ِمِنْ أكثرِ قُرَيشٍ مالاً.
وفيه أيضاً سَببُ ذلك: وهو أنَّ النبي ◌َّهِ أعطى حَكيمَ بن حِزَام دونَ ما أعطى
أصحابَه، فقال حكيمٌ: يا رسولَ الله، ما كنتُ أظنُّ أن تَقصُرَ بي دونَ أحدٍ من الناس،
فزادَه، ثمَّ اسْتَزَادَه حتَّى رَضِيَ ... فذكر نحوَ الحديث.
٥١- باب من أعطاه الله شيئاً من غیر مسألةٍ ولا إشرافٍ نفس
﴿ وَفِيَّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآَيْلِ وَاَْحْرُومِ ﴾ [الذاريات: ١٩].
١٤٧٣ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّثنا الليثُ، عن يونسَ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، أنَّ
عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ عمرَ يقول: كان رسولُ اللهِ وَلاَ يُعْطيني العطاءَ،
فأقولُ: أَعطِهِ مَن هو أفقَرُ إليه منّي، فقال: ((خُذْهُ، إذا جاءكَ من هذا المال شيءٌ وأنتَ غيرُ
مُشْرِفٍ ولا سائلٍ، فَخُذْهُ، وما لا، فلا تُتِعْهُ نَفْسَكَ)).
[طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]

١٥٦
باب ٥١ / ح ١٤٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن أعطاه الله شيئاً من غيرِ مسألةٍ ولا إِشْرافِ نفس ﴿ وَفِيَ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآَيِلِ
وَاَْخْرُومِ ﴾)) في رواية المُستَمْلي تقديم الآية، وسَقَطَت للأكثر، ومُطابَقَتُها لحديث الباب
من جهة دلالتها على مَدْحِ مَن يُعطي السائلَ وغيرَ السائل، وإذا كان المُعْطي تَمْدوحاً
فعَطيَّتُه مقبولة وآخذُها غيرُ مَلُوم.
وقد اختَلَفَ أهل العلم بالتفسير في المراد بالمَحْروم: فروى الطَّبَري (٢٠٢/٢٦) من
طريق ابن شِهاب: أنَّه المتعفِّفُ الذي لا يَسأل. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجهٍ آخرَ عن
ابن شِهاب أنَّه بَلَغَه، فذَكَر مثلَه، وأخرجه الطَّبَري (٢٠٢/٢٦) عن قَتَادة مثلَه، وأخرج
فيه أقوالاً أُخَر، وعلى التفسير المذكور تَنطَبِقُ الترجمة.
والإشرافُ - بالمعجَمة -: التعرُّض للشيءٍ والحِرْص عليه، من قولهم: أشرفَ على كذا:
إذا تَطاوَلَ له، وقيل للمكان المرتَفِع: شَرَفُ لذلك.
وتقديرُ جواب الشَّرط: فليَقبَلْ، أي: مَن أعطاه الله مع انتِفاء القَيدَين المذكورَينِ
فليقبل. وإِنَّمَا حَذَفَه للعلمِ به، وأورَدَها بلفظ العُموم، وإن كان الخبر وَرَدَ في الإعطاء من
بيت المال، لأنَّ الصَّدَقَةَ للفقير في معنى العطاء للغَنيّ إذا انتَفى الشَّرطان.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النَّفْس، فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد:
سألت أحمدَ عنه، فقال: هو أن يقولَ مع نفسِه: يَبعَثُ إليَّ فلان بكذا. وقال الأثرَمِ: يَضيقُ
عليه أن يَرُدَه إذا كان كذلك.
قوله: ((فأقولُ: أعطِهِ مَن هو أفقرُ إليه مِنّي)) زاد في رواية شعيب عن الزُّهْري الآتية في
الأحكام (٧١٦٤): ((حتَّى أعطاني مرَّة مالاً، فقلت: أَعطِهِ مَن هو أفقَرُ إليه منِّي، فقال:
٣٣٨/٣ خُذْه فَتَمَوَّلْه وتَصدَّق به)) وذكر / شعيب فيه عن الزُّهْري إسناداً آخرَ (٧١٦٣) قال: أخبرني
السائب بن يزيدَ أنَّ حُوَيطِبَ بن عبد العُزَّى أخبَرَه، أنَّ عبد الله بن السَّعْدي أخبَرَه: أنَّه
قَدِمَ على عمرَ في خلافَتِهِ، فذكر قصَّةً فيها هذا الحديث. والسائبُ فمَن فَوقَه صحابة، ففيه
أربعةٌ من الصحابة في نَسَق. وقد أخرجه مسلم (١١١/١٠٤٥) من رواية عَمْرو بن

١٥٧
باب ٥١ / ح ١٤٧٣
كتاب الزكاة
الحارث عن الزُّهْري بالإسنادين، لكن قال فيه: عن سالم عن أبيه: أنَّ رسولَ الله وَّةِ كان
يُعطي عمرَ ... فذكره، جعله من مسند ابن عمر.
وأخرجه مسلم أيضاً (١١٢/١٠٤٥) من وجهٍ آخرَ عن ابن السَّعدي عن عمرَ، لكن
قال فيه: ابن الساعدي، وزاد فيه: أنَّ عطيّة النبيِّي وَّهِ لعمرَ بسبب العَمَالَة، ولهذا قال
الطَّحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصَّدَقات، وإنَّما هو في الأموال التي يَقْسِمُها
الإمام، وليست هي من جهة الفقرِ ولكن من الحقوق، فلمَّا قال عمرُ: أعطِهِ مَن هو أفقَرُ
إليه منِّي لم يَرضَ بذلك، لأنَّه إنَّما أعطاه لمعنّى غير الفقر، قال: ويؤيِّدُه قولُه في رواية
شعيب: (خُذْه فَتَمَوَّلْه)) فدَلَّ ذلك على أنَّه ليس من الصَّدَقات.
وقال الطَّبَري: اختلفوا في قوله: ((فخُذْه)) بعدَ إجماعهم على أنَّه أمرُ نَذْب، فقيل: هو
نَذْبٌ لكلِّ مَن أُعطيَ عطيَّةً أَبِى قَبُولها كائناً من كان، وهذا هو الراجحُ، يعني: بالشَّرطَين
المتقدِّمَين. وقيل: هو مخصوصٌ بالسُّلطان، ويؤيِّدُه حديث سَمُرة في السُّنَن(١): ((إلّا أن
يَسألَ ذا سُلطان)) وكان بعضُهم يقول: يَحِرُمُ قَبُول العطيّة من السُّلطان، وبعضهم يقول:
يُكرَه، وهو محمولٌ على ما إذا كانت العطيَّة من السُّلطان الجائر، والكراهة محمولةٌ على
الوَرَع، وهو المشهورُ من تصرُّف السَّلَف، والله أعلم.
والتحقيقُ في المسألة: أنَّ مَن عُلِمَ كَونُ مالِهِ حلالاً فلا تُرَدُّ عَطيتُهُ، ومَن عُلِمَ كُونُ مالِهِ
حراماً فتَحُرُمُ عَطِيتُه، ومَن شُكَّ فيه فالاحتياط ردُّه وهو الوَرَع، ومَن أباحَه أخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتَجَّ مَن رَخَّصَ فيه بأنَّ الله تعالى قال في اليهودِ: ﴿سَمَّعُونَ لِلِكَذِبِ
أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقد رَهَنَ الشارع دِرعَه عند يهوديٌّ مع علمِه بذلك(٣)،
وكذلك أخَذَ الجِزيةَ منهم مع العلم بأنَّ أكثرَ أموالهم من ثمن الخَمرِ والخنزير والمعاملات
الفاسدة.
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٩)، والترمذي (٦٨١)، والنسائي (٢٥٩٩).
(٢) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٠٨) و(٢٥٠٩).

١٥٨
باب ٥٢ / ح ١٤٧٤ - ١٤٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي حديث الباب أنَّ للإمام أن يُعطيَ بعضَ رَعيَّتِه إذا رأى لذلك وَجْهاً، وإن كان
غيرُه أحوَجَ إليه منه، وأنَّ ردَّ عطيّة الإمام ليس من الأدبِ ولا سيَّما من الرَّسولِ بَّه لقوله
تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ الآية [الحشر: ٧].
٥٢- باب من سأل النَّاس تكثُّراً
١٤٧٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا الليثُ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفرٍ، قال: سمعتُ
حمزةَ بنَ عبدِ الله بن عمرَ، قال: سمعتُ عبد الله بنَ عمَرَ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((ما يزالُ
الرجلُ يَسْألُ الناسَ، حتَّى يأتي يومَ القِيامةِ ليس في وَجْهِه مُزْعةُ لحمٍ)).
١٤٧٥ - وقال: ((إنَّ الشَّمسَ تَدْنُو يومَ القِيامةِ حتَّى يَبلُغَ العَرَقُّ نِصْفَ الأذُنِ، فَبَيْنا هم
كذلك استغاثُوا بآدمَ ثمَّ بموسى، ثمَّ بمحمَّدٍ شَێ».
وزادَ عبدُ الله بن صالح: حدَّثني الليثُ، حدَّثني ابنُ أبي جعفرٍ: ((فِيَشْفَعُ لِيُقضَى بين الخَلْقِ،
فيمشي حتَّى يأخُذَ بحَلْقةِ البابِ، فيومئذٍ يَبْعَثُه الله مَقاماً محموداً تَحمَدُه أهلُ الجمع كلّهم)).
وقال مُعَلَّى: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن النُّعْمان بنِ راشدٍ، عن عبدِ الله بنِ مُسلِمٍ أخي الزُّهْريِّ، عن
حمزةَ، سمعَ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ يَّ في المسألةِ.
[طرفه في: ٤٧١٨]
قوله: ((باب مَن سألَ الناس تكثُّراً)) أي: فهو مذمومٌ.
٣٣٩/٣
قال ابن رُشَيْد: حديثُ المغيرة في النَّهي عن كَثْرة السُّؤال الذي أورَدَه في الباب الذي
يَليه أصرَحُ في مقصود الترجمة من حديث الباب، وإنَّما آثرَه عليه، لأنَّ من عادتِه أن يُترجِمَ
بالأَخفى، أو لاحتمال أن يكون المراد بالسُّؤال في حديث المغيرة النَّهي عن المسائل المشكلة
كالأُغْلُوطات، أو السُّؤال عمَّا لا يَعْني، أو عمَّا لم يقع ممَّا يُكرَه وُقوعُه، قال: وأشارَ مع ذلك
إلى حديثٍ ليس على شرطِهِ، وهو ما أخرجه التِّرمِذي (٦٥٣) من طريق حُبْشي بن جُنَادةَ
في أثناء حديثٍ مرفوع وفيه: ((ومَن سألَ الناسَ ليُثريّ مالَه كان مُوشاً في وجهه يومَ
القيامة، فمن شاء فليُقِلَّ ومَن شاءً فليُكثِرْ))، انتھی.

١٥٩
باب ٥٢ / ح ١٤٧٤ - ١٤٧٥
كتاب الزكاة
وفي ((صحيح مسلم)) (١٠٤١) من طريق أبي زُرْعةً عن أبي هريرة ما هو مُطابقٌ للفظ
الترجمة، فاحتمال كَونِه أشارَ إليه أَوْلى، ولفظُه: ((مَن سألَ الناسَ تكثُّراً، فإنَّما يَسألُ جَراً)»
الحديث، والمعنى: أنَّه يَسألُ ليجمَع الكثيرَ من غير احتياجٍ إليه.
قوله: ((عن عُبيد الله بن أبي جعفر)) في رواية أبي صالح الآتية: حدَّثنا عُبيد الله.
قوله: (مُزْعة لَحْمٍ)) مُزعة بضم الميم، وحُكي كسرها، وسكون الزّاي بعدَها مُهمَلة، أي:
قِطعة، وقال ابن التِّين: ضَبَطَه بعضهم بفتح الميمِ والزّاي، والذي أحفظُه عن المحدِّثين الضمّ.
قال الخطّابي: يَحتملُ أن يكون المراد أنَّه يأتي ساقطاً لا قَدْرَ له ولا جاهَ، أو يُعذّبُ في
وَجهِه حتَّى يَسقُطَ لحمُه لمُشاكَلة العقوبة في مواضع الجِناية من الأعضاء، لكَونِه أذَلَّ وَ جهَه
بالسُّؤال، أو أنَّه يُبعَثُ ووجهُه عَظمٌ كلُّه، فیکون ذلك شِعاره الذي يُعرَفُ به، انتھی.
والأولُ صَرفٌ للحديث عن ظاهره، وقد يؤيِّدُه ما أخرجه الطبراني (٢٠/ ٧٩٠)
والبَزَّار(١) من حديث مسعود بن عَمْرو مرفوعاً: ((لا يزالُ العبدُ يَسألُ وهو غنيٌّ، حتَّى
يَخْلَقَ وجهُه، فلا يكون له عند الله وجهٌ».
وقال ابن أبي جَمْرة: معناه: أنَّه ليس في وَجههِ من الحُسْنِ شيء، لأنَّ حُسنَ الوَجِهِ هو
بما فيه من اللَّحم.
ومالَ المهلَّب إلى حَملِه على ظاهره، وإلى أنَّ السِّ فيه أنَّ الشَّمسَ تَدنو يومَ القيامة، فإذا
جاء لا لحمَ بوَجِهِه كانت أَذَّةُ الشَّمسِ له أكثرَ من غيره، قال: والمرادُ به: مَن سألَ تَكَثُّراً
وهو غَنِيٌّ لا تَحِلُّ له الصَّدَقة، وأمَّا مَن سألَ وهو مُضطَرُّ فذلك مُباح له، فلا يُعاقبُ عليه.
انتهى، وبهذا تَظْهَرُ مُناسَبة إيراد هذا الطَّرَفِ من حديث الشَّفاعة عَقِبَ هذا الحديث.
قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): لفظُ الحديث دالٌّ على ذَمِّ تكثير السُّؤال، والترجمة لمن سألَ
تَكَثُراً، والفرق بينهما ظاهرٌ، لكن لمَّا كان المتَوَعَّد عليه على ما تَشْهَدُ به القواعدُ هو السائلَ
عن غِنَّى، وأنَّ سؤالَ ذي الحاجة مُباح نَزَّلَ البخاريُّ الحديثَ على مَن يَسألُ ليُكثِّر مالَه.
(١) برقم (٩١٩ - كشف الأستار عن زوائد البزار).

١٦٠
باب ٥٢ / ح ١٤٧٤ -١٤٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بآدم ثمَّ بموسى)) هذا فيه اختصار، وسيأتي في الرِّقاق (٦٥٦٥) في حديث
الشَّفاعة الطّويلِ ذكر مَن يَقصِدونه بين آدم وموسى، وبين موسى ومحمدٍ بَّةٍ، وكذا الكلام
على بقيّة ما في حديث الشَّفاعة ممّاً يحتاجُ إلى الشَّرح.
قوله: (وزادَ عبدُ الله بن صالح)) كذا عند أبي ذرٍّ، وسَقَطَ قوله: ((ابن صالح)) من رواية
الأكثر، ولهذا جَزَمَ خَلَف وأبو نُعَيم بأنَّه ابن صالح، وقد رُوّيناه في ((الإيمان)) لابن مَندَهْ من
طريق أبي زُرْعة الرّازي عن يحيى بن بُكَير وعبد الله بن صالح جميعاً عن الليث، وساقه بلفظ:
((عبد الله بن صالح))، وقد رواه موصولاً من طريق عبد الله بن صالح وحدَه البَزَّارُ عن محمد
ابن إسحاق الصَّغَاني، والطبرانيُّ في «الأوسط» (٨٧٢٥) عن مُطَّلِب بن شعيب، وابن مَندَه
في كتاب ((الإيمان)) (٨٨٤) من طريق يحيى بن عثمان، ثلاثتهم عن عبد الله بن صالح، فذكره
وزاد بعدَ قوله: ((استَغاثوا بآدم)): ((فيقول: لستُ بصاحبٍ ذلك))، وتابَعَ عبدَ الله بن صالح
على هذه الزيادة عبدُ الله بن عبد الحَكَم عن الليث، أخرجه ابن مَندَه أيضاً(١).
قوله: ((بحَلْقةِ الباب)) أي: باب الجنَّة، أو هو مَجَازٌ عن القُربِ إلى الله تعالى، والمَقَام
المَحْمود: هو الشَّفاعة العُظمى التي اختُصَّ بها، وهي إراحةُ أهل الموقِف من أهوال
٣٤٠/٣ القضاء بينهم والفَراغ من حسابهم، والمراد بأهل الجَمْعِ: أهل الحَشْر / لأنَّه يوم يُجِمَعُ فيه
الناسُ كلُّهم. وسيأتي بقيَّةُ الكلام على المَقام المَحمود في تفسير سورة ((سبحانَ))
(٤٧١٨) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال مُعلَّى)) بضم الميم وفتح المهمَلة وتشديد اللَّام المفتوحة: وهو ابن أَسَد،
وقد وَصَلَه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) (١/ ٣٧٠) عنه، ومن طريقه البيهقي
(٤/ ١٩٦)، وآخِرُ حديثه: ((مُزْعة لحم))(٢)، وفيه قصَّةٌ لحمزة بن عبد الله بن عمر مع أبيه
في ذلك، ولهذا قَيَّدَه المصنِّف بقوله: ((في المسألة)) أي: في الشِّ الأولِ من الحديث دونَ
(١) طرق ابن منده في ((الإيمان)) لم نقف عليها في المطبوع منه سوى طريق يحيى بن عثمان!
(٢) وهي أيضاً عند أحمد (٤٦٣٨)، ومسلم (١٠٤٠) (١٠٣) من حديث معمر عن عبد الله بن مسلم أخي
الزهري.