Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَبَةُ الْتَّى بشرح صحيح البخاريّ تأليف الِحَّامِالْحَافِظِ شِهَابِ الِّينِ أُحَ بَنْ عَلَيِّ بْنِ حَرِ العَسِّقَلَا فِيٌّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاحَعه شُعُيِبٌ الأهتُوُوطُ عَادكٌ مُّشْد شارك في تخريج نصوصه حقّق هَذَا الجزءوضّجَهُ وعَلّ عَلَيْ سِلِيمِ عَامِرْ أُخْمَدُ بُرْهُومٌ مَعَبْ اللَّطِيفُ صِ الَّه الجزءُ الخَامِسْ الرسالة العالمية -3 فَيُ النَِّي بشرّع صِحِيُّح البُخاريّ ۵ دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalahonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112-319039- 818615 P.O. BOX:117460 نِـ جميع الحقوق محفوظَة للنّاشِرْ الطبعة الأولىُ ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م ٥ باب ١ / ح ١٣٩٥ كتاب الزكاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الزَّكَاة ١ - باب وجوب الزكاة ٢٦١/٣ وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: حدَّثني أبو سفيانَ ﴾، فَذَكَرَ حديثَ النبيِّ وَِّ، فقال: يأمرُنا بالصلاةِ والزكاةِ والصِّلةِ والعَفافِ. ١٣٩٥ - حدَّثنا أبو عاصم الضَّحّاكُ بنُ تخلّدٍ، عن زكريًّا بنِ إسحاق، عن يحيى بنِ عبدِ الله ابنِ صَيفِيٍّ، عن أبي مَعَبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّهِ بَعْثَ معاذاً﴾ إلى اليمنٍ، فقال: ((ادْعُهم إلى شهادة أن لا إلهَ إلا الله وأنِّي رسولُ الله، فإن هم أطاعُوا لذلك، فأعلِمْهم أنَّ اللهَ افَتَرَضَ عليهم خمسَ صَلَواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعُوا لذلك، فأعلِمْهم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم صدقةً في أموالهم؛ تُؤْخَذُ من أغنيائِهِم وتُرَدُّ على فُقرائِهم)). الوافد [أطرافه في: ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢] قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الزكاة)) البسملة ثابتة في الأصل، ولأکثر الزُّواة: ٢٢٢/٣ ((باب)) بدل: ((كتاب))، وسَقَطَ ذلك لأبي ذرٍّ فلم يقل: باب، ولا: كتاب، وفي بعض النُّسَخ: «کتاب الزكاة -باب وجوب الزكاة)). والزكاة في اللُّغة: النَّماء، يقال: زَكَا الَّرع: إذا نَما، وتَرِدُ أيضاً في المال، وتَرِد أيضاً بمعنى التطهير. وشرعاً بالاعتبارَينِ معاً: أمّا بالأول، فلأنَّ إخراجها سبب للنّماء في المال، أو بمعنى: أنَّ الأجر بسببها يَكثُر، أو بمعنى: أنَّ مُتَعلَّقها الأموال ذات النَّماء كالتِّجارة والزراعة. ودليل الأول: ((ما نَقَصَ مال من صدقة))(١)، ولأنَّها يُضاعَف ثوابها كما جاء: ((إنّ الله (١) أخرجه مسلم (٢٥٨٨)، وأحمد في ((مسنده)) برقم (٧٢٠٦)، وانظره فیه. ٦ باب ١ / ح ١٣٩٥ فتح الباري بشرح البخاري يُرَبِّ الصَّدَقة))(١). وأمَّا بالثاني، فلأنَّهَا طُهْرة للنَّفْسِ من رَذِيلة البخل، وتطهير من الذُّنوب. وهي الرُّكن الثالث من الأركان التي بُنيَ الإسلام عليها كما تقدَّم في كتاب الإيمان (٨). وقال ابن العربيّ: تُطلَق الزكاة على الصَّدَقة الواجبة والمندوبة والنَّفقة والحقّ والعفو. وتعريفها في الشّرع: إعطاء جزء من النِّصاب الحَوْلِيّ إلى فقير ونحوه غير هاشميٍّ ولا مُطَّلِيٍّ. ثمَّ لها رُكْزٌ: وهو الإخلاص، وشرطٌ هو السبب: وهو مِلْك النِّصاب الحَوْلِيّ، وشرط مَن تجب عليه: وهو العقل والبلوغ والحرِّيَّة. ولها حُكْم: وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثَّواب في الأُخرى. وحِكْمة: وهي التطهير من الأدناس ورفع الدَّرَجة واسترقاق الأحرار. انتهى، وهو جيِّد لكن في شرط مَن تجب عليه اختلاف. والزكاة أمر مقطوع به في الشّرع يُستَغنى عن تكلُّف الاحتجاج له، وإنَّما وقع الاختلاف في بعض فروعه. 1 وأمَّا أصل فَرْضيّة الزكاة فمَن جَحَدَها كفر. وإنَّما ترجم المصنِّف بذلك على عادته في إيراد الأدلَّة الشرعيَّة المتَّفَق عليها والمختلف فيها. قوله: «وقول الله)) هو بالرفع. قال الزَّین بن المنیِر: مبتدأ وخبره محذوف، أي: هو دلیل على ما قلناه من الوجوب. ٢٦٣/٣ ثمَّ أورَدَ المصنّف في الباب ستّة أحاديث: أولها: حديث أبي سفيان - هو ابن حَرْب - الطّويل في قصَّة هِرَقل(٢)، أورَدَه هنا مُعلَّقاً واقتَصَرَ منه على قوله: ((يأمر بالصلاة والزكاة والصِّلَة والعَفَاف))، ودلالته على الوجوب ظاهرة. ثانيها: حديث ابن عبّاس في بَعْث معاذ إلى اليمن، ودلالته على وجوب الزكاة أوضح من الذي قبله. (١) سيأتي بنحوه برقم (١٤١٠). (٢) سلف حديث هرقل برقم (٧). ٧ باب ١ / ح ١٣٩٥ كتاب الزكاة ثالثها: حديث أبي أيوب في سؤال الرجل عن العمل الذي يَدخُل به الجنَّة، وأُجيبَ عنه بأن ((تُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتَصِلُ الرَّحِم))، وفي دلالته على الوجوب غُموض، وقد أُجيبَ عنه بأجوبةٍ: أحدها: أنَّ سؤاله عن العمل الذي يُدخِل الجنَّة يقتضي أن لا يُجابَ بالنَّوافلِ قبل الفرائض، فتُحمَل على الزكاة الواجبة. ثاني الأجوبة: أنَّ الزكاة قَرِينة الصلاة كما سيأتي في الباب من قول أبي بكر الصِّدّيق، وقد قَرَنَ بينهما في الذِّكر هنا. ثالثها: أنَّه وقَفَ دخول الجنَّة على أعمال من جملتها أداء الزكاة، فيَلزَم أنَّ مَن لم يَعمَلها لم يَدخُل، ومَن لم يَدخُل الجنَّة دخل النار، وذلك يقتضي الوجوب. رابعها: أنَّه أشارَ إلى أنَّ القصّة التي في حديث أبي أيوب والقصَّة التي في حديث أبي هريرة الذي يَعقُبه واحدة، فأراد أن يُفسِّر الأول بالثاني لقوله فيه: ((وتُؤَدّي الزكاة المفروضة))، وهذا أحسن الأجوبة. وقد أكثرَ المصنّف من استعمال هذه الطَّريقة. رابع الأحاديث: حديث أبي هريرة، وقد أوضحناه. خامسها: حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، وهو ظاهرٌ أيضاً. سادسها: حديث أبي هريرة في قصَّة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة، واحتجاجه في ذلك بقوله ◌َّ أنَّ عِصمة النَّس والمال تَتَوقَّف على أداء الحقّ، وحَقُّ المال الزكاة. وأمّا حديث أبي سفيان فقد تقدَّم الكلام عليه مستوقَ في بدء الوحي (٧). وأمّا حديث ابن عباس في بَعْث معاذٍ فسيأتي الكلام عليه في أواخر كتاب الزَّكاة قبل أبواب صدقة الفطر بستة أبواب (١٤٩٦). وقوله في أوله: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ بَعَثَ معاذاً إلى اليمن فقال: ادعُهم)) هكذا أورَدَه في التوحيد (٧٣٧١) مختصراً في أوله، واختصر أيضاً من آخره، وأورَدَه في التوحيد (٧٣٧٢/٧٣٧١) ٨ باب ١ / ح ١٣٩٦ فتح الباري بشرح البخاري عن أبي عاصم مثله، لكنَّه قَرَنَه برواية غيره، وقد أخرجه الدارميُّ في ((مسنده)) (١٦١٤) عن أبي عاصم ولفظه في أوله: أنَّ النبيَّ نَّهِ لمَّا بَعَثَ معاذاً إلى اليمن قال: ((إنَّك ستأتي قوماً أهلَ كتاب، فادعُهم))، وفي آخره بعد قوله: ((فقرائهم): ((فإن هم أطاعوا لك في ذلك فإيّاك وكرائمَ أموالهم، وإيّاك ودعوة المظلوم، فإنّها ليس لها من دون الله حجاب)) وكذا قال في المواضع كلِّها: ((فإن أطاعوا لك في ذلك))، والذي عند البخاري هنا: «فإن هم أطاعوا لذلك)»، وستأتي هذه الزيادة (١٤٩٦/ ٤٣٤٧) من وجه آخر مع شرحها إن شاء الله تعالى. ١٣٩٦ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن ابنِ عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بنِ طَلْحةَ، عن أبي أيوبَ ﴾، أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّةِ: أَخْبِرْني بعملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ؟ قال: ما له؟ ما له؟ وقال النبيُّ بَّهِ: ((أَرَبِّ ما لَه، تَعبُّدُ اللهَ ولا تُشِرِكُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصلاةَ، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الَّحِمَ)). وقال بَهْزٌّ: حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عثمانَ وأبوه عثمانُ بنُ عبدِ الله: أنَّها سمعا موسى ابنَ طَلْحَةَ، عن أبي أيوبَ، عن النبيِّ ◌َِِّ، بهذا. قال أبو عبدِ الله: أخشى أن يكونَ ((محمَّدٌ)) غيرَ محفوظٍ، إنَّما هو عَمرٌو. [طرفاه في: ٥٩٨٢، ٥٩٨٣] وأمَّا حديث أبي أيوب فقوله فيه: ((عن ابن عثمان)) الإبهام فيه من الراوي عن شُعْبة، وذلك أنَّ اسم هذا الرجل عَمْرو، وكان شُعْبة يُسمِّيه محمداً، وكان الخُذّاق من أصحابه يُنْهِمونَہ کما وقع في رواية حفص بن عمر كما سيأتي في الأدب (٥٩٨٢) عن أبي الوليد، عن شُعْبة، وكان بعضهم يقول: محمد، كما قال شُعْبة، وبيان ذلك في طريق بَهْز التي عَلَّقَها المصنِّف هنا ووَصَله في كتاب الأدب (٥٩٨٣) الآتي عن عبد الرحمن بن بَشِير، عن بَهْز بن أسَد، وكذا أخرجه مسلم (١٣/ ١٣) والنَّسائيُّ (٤٦٨) من طريق بَهْز. قوله: ((عن موسى بن طَلْحة عن أبي أيوب)) هو الأنصاريّ. ووقع في رواية مسلم (١٢/١٣) الآتي ذِكْرها: حدَّثنا موسى بن طلحة، حدَّثني أبو أيوب. : ٩ باب ١ / ح ١٣٩٦ كتاب الزكاة قوله: ((أنَّ رجلاً)) هذا الرجل حكى ابن قُتَيبة في ((غريب الحديث)) له (١/ ٤٥٧) أنَّه أبو أيوب الراوي، وغَلَّطَه بعضهم في ذلك فقال: إنَّما هو راوي الحديث. وفي التَّغليط نظر، إذ لا مانع أن يُبهم الراوي اسمَه (١) لغَرَضٍ له، ولا يقال: يَبْعُد، لوصفِه في رواية أبي هريرة (١٣٩٧) التي بعد هذه بكَونِه أعرابيّاً، لأنّا نقول: لا مانع من تعدُّد القصَّة فيكون السائل في حديث أبي أيوبَ هو نفسُه لقوله: أنَّ رجلاً، والسائل في حديث أبي هريرة/ أعرابيّ آخر ٢٦٤/٣ قد سُمّيَ فيما رواه البَغَويُّ وابن السَّكَن والطبرانيُّ في ((الكبير)) (٢٠٩/١٩) وأبو مسلم الكَجِّيّ في ((السُّنَن)) من طريق محمد بن جُحَادة وغيره عن المغيرة بن عبد الله اليَشكُريّ أنَّ أباه حدَّثه قال: انطلقت إلى الكوفة فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له ابن المُنتَفِق وهو يقول: وُصِفَ لي رسول الله ◌َ ﴿ فطلبته فَلَقِيتُهُ بِعَرَفات، فزاحمتُ علیه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: ((دَعُوا الرجل، أرَبِّ ما له؟)) قال: فزاحمتُ عليه حتَّى خَلَصتُ إليه، فأخذتُ بخِطام راحلته فما غَيَّر عليَّ، قال: شيئَينِ أسألك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخِلني الجنَّة؟ قال: فنَظَرَ إلى السماء ثمَّ أقبَلَ عليَّ بوجهه الكريم، فقال: ((لَئِن كنت أوجَزت المسألة لقد أعظَمتَ وطَوَّلتَ، فاعِقِلْ عليَّ: اعبدِ الله لا تُشِرِكْ به شيئاً، وأقم الصلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزكاة المفروضة، وصُمْ رمضان)). وأخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٣٨/٥) من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة ابن عبد الله اليَشكُريّ، عن أبيه قال: ((غَدَوت فإذا رجل يُحدِّثهم)). قال: وقال جَرِير عن الأعمش، عن عَمْرو بن مرَّة، عن المغيرة بن عبد الله قال: ((سألَ أعرابيُّ النبيَّ ◌َِّ)، ثمَّ ذكر الاختلاف فيه على الأعمَش، وأنَّ بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرَم عن أبيه، والصواب: المغيرة بن عبد الله اليَشگريّ. وزَعَمَ الصَّيرَفيّ أنَّ اسم ابن المُنْتَّفِقِ هذا لَقِيط بن صَبِرة وافد بني المُنتَفِقِ، فالله أعلم. وقد يُؤخَذ من هذه الرواية أنَّ السائل في حديث أبي هريرة هو السائل في حديث أبي (١) في (س): نفسه، وما أثبتناه من الأصلين. ١٠ باب ١ / ح ١٣٩٦ فتح الباري بشرح البخاري أيوب، لأنَّ سياقه شبيه بالقصَّة التي ذكرها أبو هريرة، لكن قوله في هذه الرواية: ((أَرَبٌّ ما له؟» في رواية أبي أيوب دون أبي هريرة، وكذا حديث أبي أيوب وقع عند مسلم (١٢/١٣) من رواية عبد الله بن ثُمَير، عن عَمْرو بن عثمان بلفظ: أنَّ أعرابيّاً عَرَضَ لرسول الله وَيه وهو في سَفَر، فأخذَ بخطام ناقته ثمَّ قال: يا رسول الله، أخبرني ... فذكره. وهذا شبيه بقصَّة سؤال ابن المُنتَقِقِ، وأيضاً فأبو أيوب لا يقول عن نفسه: ((أنَّ أعرابيّا))، والله أعلم. وقد وقع نحوُ هذا السُّؤال لصَخْر بن القعقاع الباهليّ، ففي حديث الطبرانيّ أيضاً (٧٢٨٤) من طريق قَزَعة بن سُوَيدِ الباهليّ: حدَّثني أبي، حدَّثني خالي، واسمه صَخْر ابن القَعْقاع قال: لَقِيتُ النبيَّ ◌َه بين عَرَفة ومُزدَلِفة، فأخذتُ بخطام ناقته فقلت: يا رسول الله، ما يُقرِّبني من الجنَّة ويُباعِدُني من النار؟ فذكر الحديث، وإسناده حسن. قوله: ((قال: ما له؟ ما له؟ فقال رسول الله وَالت: أَرَبِّ ما له؟)) كذا في هذه الرواية لم يذكُر فاعل ((قال: ما له؟ ما له؟))، وفي رواية بَهْز المعلّقة هنا الموصولة في كتاب الأدب (٥٩٨٣): قال القوم: ما له؟ ما له؟ قال ابن بَطَّل: هو استفهام، والتكرار للتأكید. وقوله: ((أَرَبِّ)) بفتح الهمزة والراء مُنوّناً، أي: حاجة، وهو مُبتَدَأ وخبره محذوف، استفهَمَ أولاً ثمَّ رَجَعَ إلى نفسه فقال: (له أرَب)). انتهى، وهذا بناء على أنَّ فاعل ((قال)) النبيُّ وَّة، وليس كذلك لمَا بيَّنّه، بل المستَفهِم الصحابةُ، والمجيبُ النبيُّوَلِّ، و((ما)) زائدة كأنَّه قال: له حاجةٌ ما. وقال ابن الجَوْزيّ: المعنى: له حاجة مُهمّة مُفيدة جاءت به، لأنَّه قد عَلِمَ بالسُّؤال أنَّ له حاجةً. ورُوِيَ بكسر الراء وفتح الموحّدة بلفظ الفعل الماضي، وظاهره الدُّعاء، والمعنى التَّعَجُّب من السائل. وقال النَّضر بن شُمَيلٍ: يقال: أَرِبَ الرجل في الأمر: إذا بَلَغَ فيه جهدَه. وقال الأصمَعيّ: أَرِبَ في الشيء: صار ماهراً فيه، فهو أَرِيبٌ، وكأنَّه تَعَجَّبَ من حُسْن ١١ باب ١ / ح ١٣٩٦ كتاب الزكاة فِطِنَتَه والتَّهَدّي إلى موضع حاجته. ويؤيِّده قوله في رواية مسلم المشار إليها (١٢/١٣): فقال النبيّ ◌َّ: ((لقد وُفِّق، أو: لقد هُديَ)). وقال ابن قُتَيبة (٤٥٧/١): قوله: ((أرِبَ)) من الآراب: وهي الأعضاء، أي: سَقَطَت أعضاؤه وأُصيبَ بها، كما يقال: تَرِبَت يَمِينُك، وهو ممَّا جاء بصيغة الدُّعاء ولا يُراد حقيقتُه. وقيل: لمَّا رأى الرجلَ يُزاحمه دَعَا عليه، لكن دعاءَه على المؤمن طُهْر له كما ثَبَتَ في ((الصحيح)) (١). ورُوِيَ بفتح أوله وكسر الراء والتنوين، أي: هو أرِبٌّ، أي: حاذِقٌ فَطِنٌّ، ولم أقف على صِحَّة هذه الرواية، وجَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّها ليست محفوظة. وحكى القاضي عن رواية لأبي ذرٍّ: أرَب بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قلت: ٢٦٥/٣ وقعت في الأدب من طريق الگُشْمِیهنيّ وحده. وقوله: ((يُدخِلُني الجنَّة)) بضم اللَّام، والجملة في موضع جَرّ صفة لقوله: ((بعملٍ))، ويجوز الجزم جواباً للأمر. ورَدَّه بعض شُرّاح ((المصابيح)) لأنَّ قوله: (بعملِ)) يصير غيرَ موصوف مع أنَّه نَكِرة فلا يفيد. وأُجيبَ بأنَّه موصوف تقديراً (٢)، لأنَّ التنكير للتعظيمِ فأفاد، ولأنَّ جزاء الشَّرط محذوف والتقدير: إنْ عَمِلته يُدخِلني. قوله: ((وتَصِل الرَّحِم)) أي: تُواسي ذَوِي القَرابة في الخيرات. وقال النَّوَويّ: معناه أن تُحسِن إلى أقاربك ذوي رَحِك بما تيسَّر على حَسَب حالك وحالهم من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعة أو غير ذلك. وخَصَّ هذه الخَصْلة من بين خِلال الخير نظراً إلى حال السائل، كأنَّه كان لا يَصِل رحمه فأمَرَه به، لأنَّه المهمُّ بالنِّسبة إليه. ويُؤخَذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضِّ عليها بحَسَبِ حال المخاطَب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر ممّا سواها، إمّا لَشَقَّتها عليه وإمّا لتسهيله في أمرها. (١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٦٣٦١)، وأخرجه مسلم برقم (٢٦٠١)، وانظره في ((المسند)) (٨١٩٩)، وأخرجه مسلم من حديث جابر برقم (٢٦٠٢)، وانظره في ((المسند)) (١٤٥٧٠). (٢) أي: محذوف، وتقديره: بعمل عظيم، أو ذي شأنٍ كبير يدخلني الجنة. ١٢ باب ١ / ح ١٣٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف. قوله: ((أخشى أن يكون محمَّد غيرَ محفوظ، إنَّما هو عَمْرو)) وجَزَمَ في ((التاريخ))(١) بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شُعْبة، والدارَقُطنيّ في ((العِلَل)) (١٠١٢) وآخرون: المحفوظ عَمْرو بن عثمان. وقال النَّوَويّ: اَنَّفَقوا على أنَّه وهمٌ من شُعْبة، وأنَّ الصواب عَمْرو، والله أعلم. ١٣٩٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيم، حدَّثنا عَفّانُ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن يحيى ابنِ سعيد بنِ حَيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ أعرابيّاً أتى النبيَّ ◌َّةِ، فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عَمِلْتُه دخلتُ الجنَّةَ، قال: ((تَعبُّدُ اللهَ لا تُشِرِكُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤَدّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ)) قال: والَّذي نفسي بيدِه! لا أَزِيدُ على هذا. فلمَّا وَلَّى قال النبيُّ ◌َّ: ((مَن سَرَّه أن يَنظُرُ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّةِ، فَلْيَنظُرُ إلى هذا)). حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن أبي حيَّانَ، قال: أخبرني أبو زُرْعةً، عن النبيِّ وَِّ، بهذا. وأمَّا حديث أبي هريرة فقد تقدَّم الكلام عليه في كَوْن الأعرابيّ السائل فيه هل هو السائل في حديث أبي أيوب أو لا؟ والأَعرابيُّ بفتح الهمزة: مَن سَكَنَ الباديةَ، كما تقدَّم. قوله: ((عن يحيى بن سعيد بن حيَّان عن أبي زُرْعة)) قال أبو عليّ: وقع عند الأَصِيلِيّ عن أبي أحمد الجُرْجانيّ هنا: عن يحيى بن سعيد بن أبي حيَّان، أو: عن يحيى بن سعيد عن أبي حيَّان، وهو خطأ، إنَّما هو يحيى بن سعيد بن حيَّان كما لغيره من الرّواة. قوله: ((وتُقيم الصلاة المكتوبة وتُؤَدّي الزكاة المفروضة)) قيل: فَرَّقَ بين القَيدَينِ كراهيةً لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عَبَّرَ في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوُّع، فإنَّهَا زكاة لُغَويَّة، وقيل: احتَرَزَ من الزكاة المعجَّة قبل الحَوْل، فإنّها زكاة وليست مفروضة. قوله فيه: ((وتصوم رمضان)) لم يَذكُر الحَجَّ، لأنَّه كان حينئذٍ حاجًّاً، ولعلَّه ذكره له فاختصره. (١) في ((التاريخ الأوسط)) للبخاري (المطبوع خطأً باسم ((الصغير))) ٤/٢-٥، وقال: وأنا أحسبه ــ أي: شعبة ۔ أراد عمراً، لأن حديثه هذا مشهور عن عمرو بن عثمان. ١٣ باب ١ / ح ١٣٩٧ كتاب الزكاة قوله: ((قال: والَّذي نفسي بيده لا أزيد على هذا)) زاد مسلم (١٥/١٤) عن أبي بكر بن إسحاق عن عَفّان بهذا السنَد: ((شيئاً أبداً، ولا أَنْقُص منه))، وباقي الحديث مثله. وظاهر قوله: ((مَن سَرَّه أن يَنظُرُ إلى رجل من أهل الجنَّة فلْيَنظُر إلى هذا)) إمّا أن يُحمَل على أنَّه ◌َوَ اطَّلِعَ على ذلك فأخبر به، أو في الكلام حذف تقديره: إن دام على فعل الذي أُمِرَ به. ويؤيِّده قوله في حديث أبي أيوب عند مسلم أيضاً (١٣/ ١٤): ((إن تمسّك بما أُمِرَ به دخل الجنَّة)). قال القُرطُبيّ: في هذا الحديث، وكذا حديث طلحة في قصَّة الأعرابيّ وغيرهما(١)، دلالة على جواز تَرك التطوُّعات، لكن مَن داوَمَ على تَرْك السُّنَن كان نقصاً في دِينه، فإن كان تَرَكَها تَهَاؤُناً بها ورَغبةً عنها كان ذلك فِسقاً، يعني: لوُرود الوعيد عليه حيثُ قال ◌َّ: ((مَن رَغِبَ عن سُتَّتَي فليس مِنِّي)(٢)، وقد كان صَدْر الصحابة ومَن تَبِعَهم يُواظِبونَ على السُّنَن مواظَبَتَهم على الفرائض، ولا يُفرِّقونَ بینھما في اغتنام ثوابهما. وإنَّما احتاجَ الفقهاء إلى التفرقة لمَا يَتَرتَّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الَّرْك ونَفْيِهِ، ولعلَّ أصحاب هذه القِصَص كانوا حديثي عَهدٍ بالإسلام، فاكتَفَى منهم بفعلِ ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال لئلا يَتْقُل ذلك عليهم فيَمَلُوا، حتَّى إذا انشَرَحَت صدورُهم للفَهْمِ عنه والحِرْص على تحصيل ثواب المندوبات سَهُلَت عليهم. انتهى، وقد تقدَّم الكلام على شيء من هذا في شرح حديث طلحة في كتاب الإيمان (٤٦). قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد، عن يحيى)) هو القَطّان. قوله: ((عن أبي حيَّان)) هو يحيى بن سعيد بن حيَّان المذكور في الإسناد الذي قبله. وأفادت هذه الرواية تصريح أبي حيَّان بسماعه/ له من أبي زُرْعة، وبَطَلَ التردُّد الذي وقع ٢٦٦/٣ عند الجُرْجانيّ، لكن لم يَذكُر يحيى القَطّنُ في هذا الإسناد أبا هريرة کما هو في رواية أبي ذرِّ (١) سلف برقم (٤٦)، وأخرجه مسلم (١١). (٢) سيأتي ضمن حديث برقم (٥٠٦٣)، وأخرجه مسلم (١٤٠١) (٥). ١٤ باب ١ / ح ١٣٩٨ - ١٤٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وغيرها من الروايات المعتمَدة، وثَبَتَ ذِكرُه في بعض الروايات، وهو خطأ، فقد ذكر الدارَ قُطنيُّ في ((التتبّع))(١) أنَّ رواية القَطّان مُرسَلة، كما تقدَّم ذلك في المقدِّمة. ١٣٩٨ - حدَّثنا حَجّاجٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أبو جَمْرةَ، قال: سمعتُ ابنَ عبّاسِ رضي الله عنهما، يقول: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيسِ على النبيِّ وَّةِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّا هذا الحيَّ من رَبِيعةَ قد حالَتْ بيننا وبينَكَ كَفَّارُ مُضَرَ، ولسنا نَخلُصُ إليكَ إلا في الشهرِ الحرام، فمُرْنا بشيءٍ نأْخُذُه عنكَ ونَدْعُو إليه مَن وراءَنا، قال: ((آمرُكم بأربعٍ وأنهاكم عن أربعٍ: الإيمانِ بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله - وعَقَدَ بيدِه هكذا - وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وأن تُؤَدُّوا خُمُسَ ما غَنِمتُم، وأنهاكم عن الدُّبَاءِ، والحَنتَم، والنَّقِيرِ، والمُزَقَّت)). وقال سليمانُ وأبو النُّعْمان عن حَمَّادٍ: ((الإيمانِ بالله: شهادة أن لا إله إلا الله)). ١٣٩٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: لمَّا تُوفِّيَ رسولُ اله ◌ِه وكان أبو بكرٍ ﴾ وكفرَ مَن كفرَ من العربِ، فقال عمرُ ﴾: كيفَ تقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا الله، فمَن قالها، فقد عَصَمَ منّي مالَه ونفسَه إلا بحَقِّه، وحِسابُه على الله)»؟ [أطرافه في: ١٤٥٧، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤] ١٤٠٠ - فقال: والله لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعُونِي عَنَاقاً كانوا يُؤدُّونَها إلى رسولِ الله وَّ لَقاتَلْتُهم على مَنْعِها. قال عمرُ ﴾: فوالله ما هو إلا أنْ قد شَرَحَ الله صَدْرَ أبي بكرٍ ﴾، فعَرَفتُ أنَّه الحقُّ. [أطرافه في: ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥] وأمّا حديث ابن عبّاس في قصَّة وفد عبد القيس فقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفّ في أواخر كتاب الإيمان (٥٣). و((حَجّاج)) شيخ البخاري هنا: هو ابن مِنْهال. (١) ((الإلزامات والتتبع)) ص ٢٠٤. ١٥ باب ١ / ح ١٣٩٨ - ١٤٠٠ كتاب الزكاة قوله: ((وقال سليمان وأبو النُّعْمان: عن حمّاد)) يعني: ابن زيد، بالإسناد المذكور في طريق حَجّاج: ((الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلّا الله)) أي: وافَقًا حَجّاجاً على سياقه إلَّا في إثبات الواو في قوله: ((وشهادة أن لا إله إلَّ الله)) فحَذَفاها وهو أصوَبُ، فأمَّا سليمان: فهو ابن حَرْب، وقد وَصَلَ المصنِّف حديثه هذا عنه في المغازي (٤٣٦٩). وأمَّا أبو النُّعمان: فهو محمد بن الفضل. وقد وَصَلَ المصنِّ حديثه هذا عنه في الخُمس (٣٠٩٥). وأمّا حديث أبي هريرة في قصَّة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة، فقد تقدَّم الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر (٢٥) في باب قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ﴾ [التوبة: ١١]، ويأتي الكلام على بقيَّة ما يَخْتَصُّ به في كتاب أحكام المرتدِّينَ إن شاء الله (٦٩٢٤). وقوله في هذه الرواية: «لمَّا تُوُفّيَ رسول الله وَفيهِ وكان أبو بَكْر)) ((كان)) تامّة بمعنى حَصَلَ، والمراد به: قام مقامَه. تكميل: اختُلِفَ في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنَّه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشارَ إليه النَّوَويّ في باب السِّيَر من ((الرَّوضة))، وجَزَمَ ابن الأثير في ((التاريخ)) بأنَّ ذلك كان في التاسعة، وفيه نظرٌ، فقد تقدَّم في حديث ضِمام بن ثَعْلبة (٦٣) وفي حديث وفد عبد القيس (٥٣) وفي عِدّة أحاديث ذِكرُ الزكاة، وكذا مُخاطَبة أبي سفيان مع هِرَقل، وكانت في أول السابعة وقال فيها: ((يأمرُنا بالزکاة»(١)، لکن یُمکِن تأويل كلِّ ذلك كما سيأتي في آخر الكلام. وقَوَّى بعضهم ما ذهب إليه ابنُ الأثير بما وقع في قصَّة ثَعْلبة بن حاطب المطوّلة ففيها: لمَّا أُنزِلَت آية الصَّدَقة بَعَثَ النبيّ ◌َيرِ عاملاً فقال: ما هذه إلَّ جِزْية، أو أُخت الجِزْية. والجِزية إنَّما وَجَبَت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، لكنَّه حديث ضعيف لا يُحْتَجِّ به(٢). (١) سبقت الإشارة إلى حدیث هرقل في أول شرح هذا الباب وأنه سلف برقم (٧)، وليس فيه هناك ذکر للزكاة، لكن سيأتي ذكرها فيه برقم (٤٥٥٣) بلفظ: ((يأمرنا بالصلاة والزكاة)) وهو كذلك عند مسلم (١٧٧٣). (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٧٨٧٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٣٥٧) وغيرهما من حديث أبي أمامة الباهلي، وإسناده ضعيف جداً، فلا يحتجُّ به كما قال الحافظ. ١٦ باب ١ / ح ١٣٩٩ - ١٤٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وادَّعَى ابن خُزيمةَ في ((صحيحه)) أنَّ فرضها كان قبل الهجرة، واحتَجَّ بما أخرجه (٢٢٦٠) من حديث أُمّ سَلَمةَ في قصَّة هِجرَتهم إلى الحَبَشة، وفيها: أنَّ جعفر بن أبي طالب قال للنَّجاشيِّ في جملة ما أخبَرَه به عن النبيّ وَّ: ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى، وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأنَّ الصلوات الخمس لم تكن فُرِضَت بعدُ، ولا صيامُ رمضان، فيحتمل أن تكون مُراجَعة جعفر لم تكن في أول ما قَدِمَ على النَّجاشيّ، وإنَّما أخبَرَه بذلك بعد مُدّة قد وقع فيها ما ذُكِرَ من قصَّة الصلاة والصيام، وبَلَغَ ذلك جعفراً فقال: ((یأمرنا)» بمعنى: يأمر به ◌ُمَّته، وهو بعيد جدّاً. وأَولى ما ◌ُلَ عليه حديث أُمّ سَلَمَةَ هذا - إن سَلِمَ من قَدْح في إسناده - أنَّ المراد بقوله: ((يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام)) أي: في الجملة، ولا يَلزَم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة: الصلوات الخمس، ولا بالصيام: صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه: الزكاة المخصوصة ذات النِّصاب والحَوْل، والله أعلم. ومَّاً يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس المتقدِّم في العلم (٦٣) في قصَّة ضِمام بن ثَعْلبة وقوله: ((أنشُدُك اللهَ، اللهُ أمَرَك أن تأخذ هذه الصَّدَقة من أغنيائنا فَتَقسِمها على فقرائنا؟))، وكان قدوم ضِمام سنة خمس كما تقدَّم. وإنَّما الذي وقع في التاسعة بَعثُ العُمَال لأخذ الصَّدَقات، وذلك يستدعي تقدُّم فريضة الزكاة قبل ذلك. وعمّا يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتِّفاقهم على أنَّ صيام رمضان إِنَّمَا فُرِضَ بعد الهجرة، لأنَّ الآية الدالّة على فرضيَّته مدنيَّة بلا خلاف، وثَبَتَ عند أحمد (٢٣٨٤٠) و(٢٣٨٤٣) وابن خُزيمةَ أيضاً (٢٣٩٤) والنَّسائيّ (٢٥٠٧) وابن ماجَهْ (١٨٢٨) والحاكم (٤١٠/١) من حديث قيس بن سعد بن عُبادةَ قال: أمَرَنا رسول الله وَّه بصدقة الفِطْر قبل ٢٦٧/٣ أن تَنزِل الزكاة، ثمَّ نزلت فريضة/ الزكاة فلم يأمرنا ولم يَنْهَنا ونحنُ نفعلُه. إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح إلَّ أبا عمَّر الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيٌّ اسمه عَرِيب - بالمهمَلة المفتوحة - بن حُميدٍ، وقد وَثَّقَه أحمد وابن مَعِين، وهو دالٌّ على أن فرض صدقة ١٧ باب ٢-٣ / ح ١٤٠١ كتاب الزكاة الفِطْر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعَها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب. ووقع في ((تاريخ الإسلام): في السنة الأولى فُرِضَت الزكاة، وقد أخرج البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ٣٠١- ٣٠٦) حديث أُمّ سَلَمَةَ المذكور من طريق ((المغازي)) لابنِ إسحاق من رواية يونس بن بُكَير عنه، وليس فيه ذِكرُ الزكاة، وابن خُزيمةَ أخرجه (٢٢٦٠) من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سَلَمةَ بن الفضل عنه، وفي سَلَمة مَقالٌ، والله أعلم. ٢ - باب البيعة على إيتاء الزكاة ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوْةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ١٤٠١ - حدَّثنا ابنُ نُمَيٍ، قال: حدَّثَنِي أَبي، حدَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ، قال: قال جَرِيرُ بنُ عبدِ الله: بايعتُ النبيَّ ◌َِّ على إقام الصلاةِ، وإيتاء الزكاةِ، والنُّصْحِ لكُلِّ مُسلِم. قوله: ((باب البيعة على إيتاء الزكاة)) قال الزَّين بن المنيِر: هذه الترجمة أخصّ من التي قبلها، لتَضَمُّنِها أنَّ بيعة الإسلام لا تَتِمّ إلَّ بالتزام إيتاء الزكاة، وأنَّ مانِعَها ناقضٌ لعهدِه مُبطِلٌ لبيعَتِه، فهو أخصّ من الإيجاب لأنَّ كلّ ما تَضَمَّنَتَه بيعةُ النبيّ ◌َلُ﴿ واجبٌ، ولیس كلٌّ واجب تَضَمَّنَتَه بيعتُه، وموضع التخصيص الاهتمام والاعتناء بالذِّكرِ حالَ البيعةِ. قال: وأتَبَعَ المصنِّف الترجمةَ بالآية مُعتَضِداً بحُكمِها، لأنَّها تَضَمَّنَت أنَّه لا يَدخُل في التوبة من الكفر ويَنال أُخوّة المؤمنين في الدِّين إلَّا مَن أقام الصلاة وآتى الزكاة. انتهى. وقد تقدَّم الكلام على حديث جَرِير مُستوقَّ في آخر كتاب الإيمان (٥٨). ٣- باب إثم مانع الزكاة وقولِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَفِظُهُورُهُمّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥]. ١٨ باب ٣ / ح ١٤٠٢ فتح الباري بشرح البخاري ١٤٠٢ - حدَّثْنَا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، أنَّ عبد الرحمن بنَ هُرْمُزَ الأعرَجَ حدَّثه، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ، يقول: قال النبيُّ ◌َله: «تأتي الإبلُ على صاحبِها على خيرِ ما كانت إذا هو لم يُعْطِ فيها حَقَّها، تَطَؤه بأخفافِها، وتأتي الغنمُ على صاحبها على خيرٍ ما كانت إذا لم يُعْطِ فيها حَقَّها، تَطَؤُّه بأظْلافِها، وتَنْطِحُه بِقُرونها)). قال: ((ومِن حَقِّها أن تُحُلَبَ على الماء)) قال: ((ولا يأتي أحدُكم يومَ القيامةِ بشاةٍ تَحِمِلُها على رَقَتِهِ لها يُعَارٌ، فيقولُ: يا محمَّدُ! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد بَلَّغْتُ، ولا يأتي ببعيرٍ يَحمِلُهُ على رَقَبَتِهِ له رُغَاءٌ، فيقولُ: يا محمَّدُ! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئاً، قد بَلَّغْتُ)). [أطرافه في: ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٩٦٥٨] ٢٦٨/٣ قوله: (باب إثْم مانع الزكاة)) قال الزّين بن المنيِر: هذه الترجمة أخصّ من التي قبلها لتَضَمُّنِ حديثها تعظيمَ إثمٍ مانع الزكاة والتنصيص على عظيم عقوبته في الدار الآخرة، وتَبرِّي نِبِّهَ بَّ منه بقوله: ((لا أملك لك من الله شيئاً)، وذلك مُؤذِن بانقِطاع رَجَائه، وإِنَّما تَتْفاوَت الواجبات بتفاوت المَثُوبات والعقوبات، فما شُدِّدَت عقوبته كان إيجابه آكَد ممَّا جاء فيه مُطلَق العقوبة، وعَبَّرَ المصنِّف بالإثمِ ليَشمَل مَن تَرَكَها جَحداً أو بُخلاً، والله أعلم. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ ﴾ الآية)) فيه تلميح إلى تَقْوية قول من قال من الصحابة وغيرهم: إنَّ الآية عامّة في حقّ الكفّار والمؤمنين، خلافاً لمن زَعَمَ أنَّها خاصَّة بالكفَّار، وسيأتي ذِكرُ ذلك في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى (١٤١٠)، وذلك مأخوذٌ من قوله في حديث أبي هريرة ثاني حديثَي الباب: «أنا مالُكَ، أنا كَنُزُك))، وقد وقع نحو ذلك أيضاً في الحديث الأول عند النَّسائيّ (٢٤٤٨) والطبرانيِّ في ((مسند الشاميّينَ)) (٣٢٣٣) من طريق شعيب أيضاً في آخر الحديث، وأفرَدَ البخاريُّ الجملة المحذوفة فذكرها في تفسير ((براءة)) بهذا الإسناد باختصارٍ (٤٦٥٩). تنبيه: المراد بسبيل الله في الآية: المعنى الأَعمّ، لا خُصوصُ أحد السِّهام الثَّمانية التي هي مصارف الزكاة، وإلّا لاختَصَّ بالصَّرفِ إليه بمُقتَضى هذه الآية. ١٩ باب ٣ / ح ١٤٠٢ كتاب الزكاة قوله: ((تأتي الإبل على صاحبها)) يعني: يوم القيامة كما سيأتي. قوله: ((على خير ما كانت)) أي: من العِظَم والسِّمَن ومن الكَثْرة، لأنَّها تكون عنده على حالات مُختلفة، فتأتي على أكملها ليكون ذلك أنكَى له لشِدّة ثِقَلها. قوله: ((إذا هو لم يُعْطِ فيها حَقّها)) أي: لم يُؤدِّ زكاتها. وقد رواه مسلم (٩٩٠/ ٣٠) من حديث أبي ذرِّ بهذا اللفظ. قوله: ((تَطَؤُه بأخفافِها)) في رواية همَّام عن أبي هريرة في تَرْك الحِيَل (٦٩٥٧): ((فَتَخِط وجهه بأخفافها))، ولمسلم (٢٤/٩٨٧) من طريق أبي صالح عنه: ((ما من صاحب إبل لا يُؤدّي حَقَّها منها إلَّا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قَرَر أوفَر ما كانت، لا يَفِقِد منها فَصِيلاً واحداً، تَطَؤُه بأخفافها، وتَعَضُّه بأفواهها، كلَّما مرَّت عليه أُولاها رُدَّت عليه أُخراها، في يوم كان مِقدارُه خمسين ألف سنة، حتَّى يقضيَ الله بين العباد، ويَرَى سبيلَه إمّا إلى الجنَّة وإمّا إلى النار))، وللمصنّف من حديث أبي ذرِّ (١٤٦٠): ((إلَّا أُتيَ بها يومَ القيامة أعظَمَ ما كانت وأسمَنَه)). تنبيه: كذا في أصل مسلم (٢٤/٩٨٧): ((كلَّما مرَّت عليه أُولاها، رُدَّت عليه أُخراها)»، قال عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابُه ما في الرواية التي بعده من طريق سُهَيل عن أبيه (٢٦/٩٨٧): ((كلَّما مرَّ عليه أُخراها، رُدَّ عليه أُولاها))، وبهذا يَنتَظِمِ الكلامُ، وكذا وقع عند مسلم (٩٩٠/ ٣٠) من حديث أبي ذرِّ أيضاً. وأقرَّه النَّوَويّ على هذا. وحكاه القُرطُبيّ وأوضحَ وَجهَ الردِّ: بأنَّه إنَّما يُرَدّ الأول الذي قد مرَّ قبلُ، وأمَّا الآخَر فلم يَمُرَّ بعدُ، فلا يقال فيه: رُدَّ، ثمَّ أجاب بأنَّه يحتمل أنَّ المعنى: أنَّ أول الماشية إذا وَصَلَت إلى آخرها تمشي عليه تَلاحَقَت بها أُخراها، ثمَّ إذا أرادت الأُولى الرُّجوع بَدَأت الأُخرى بالرُّجوع، فجاءت الأُخرى أولَ حتَّى تنتهيَ إلى آخر الأولى. وكذا وَجَّهَه الطِّيبيّ فقال: إنَّ المعنى: أنَّ أُولاها إذا مرَّت على التَّابُع إلى أن تنتهيَ إلى الأُخرى، ثمَّ رُدَّت الأُخرى من هذه الغاية / وتَبِعَها ما يليها إلى أن تنتهيَ أيضاً إلى الأولى، ٢٦٩/٣ والله أعلم. ٢٠ باب ٣ / ح ١٤٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله في الغنم: ((تَطَؤُّه بأظْلافِها وتَنْطِحه بقُرونها)) بكسر الطاء من (تَنطِحه)) ويجوز الفتح. زاد في رواية أبي صالح المذكورة(١): ((ليس فيها عَقْصاء ولا جَلْحاء ولا عَضْباء، تَنْطِحه بِقُرونها))، وزاد فيه ذِكرَ البقر أيضاً، وذَكَر في البقر والغنم ما ذَكَرَ في الإبل، وسيأتي ذِكرُ البقر في حديث أبي ذرِّ أيضاً في بابٍ مُفرَد (١٤٦٠). قوله: «قال: ومن حَقّها أن تُحلَب على الماء)» بحاءٍ مُهمَلة، أي: لمن يَحَضُرها من المساكين، وإِنَّا خَصَّ الحلبَ بموضع الماء ليكون أسهَلَ على المحتاج من قَصْد المنازل وأرفَقَ بالماشية. وذكره الداووديّ بالجيم وفَسَّرَه بالإحضار إلى المُصدِّق. وتعقَبه ابن دِحْية وجَزَمَ بأنَّه تصحيف. ووقع عند أبي داود(٢) من طريق أبي عمر الغُدَانيّ عن أبي هريرة ما يُوهِم أنَّ هذه الجملة مرفوعة ولفظه: قلنا: يا رسول الله، ما حَقُّها؟ قال: ((إِطراقُ فَحْلها، وإعارةُ دَلْوِها، ومِنْحَتها (٣) وحَلَبِها على الماء، وحَملِّ عليها في سبيل الله))، وسيأتي في أواخر الشِّرب هذه القطعة وحدها مرفوعة من وجه آخر عن أبي هريرة(٤). قوله: (ولا يأتي أحدُكم)) في رواية النَّسائيّ (٢٤٤٨) من طريق عليّ بن عيَّاش عن شعيب: ((ألا لا يأتيَنَّ أحدكم))، وهذا حديث آخر مُتعلِّق بالغُلولِ من الغنائم، وقد أخرجه المصنّف مُفرَداً من طريق أبي زُرْعة عن أبي هريرة، ويأتي الكلام عليه في أواخر الجهاد (٣٠٧٣) إن شاء الله تعالى. (١) أي: عند مسلم (٩٨٧) (٢٤). (٢) لم يقع هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ عند أبي داود، وإنما وقع مرفوعاً عند مسلم (٩٨٨) (٢٨)، وأحمد (١٤٤٤٢) من طريق أبي الزبير عن جابر، وأما لفظ طريق أبي عمر الغُدَاني عن أبي هريرة عند أبي داود (١٦٦٠) فهو: ((فقال له - يعني لأبي هريرة -: فما حقُّ الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغَزِيرة، وتُفُقِرِ الظَّهر، وتُطرِق الفحلَ، وتَسْقي اللبن)). (٣) كذا وقع في (س) والأصلين، وفي المصادر التي أشرنا إليه في تخريجه: ((ومنيحتها)) بالياء، وكلاهما صحيح. (٤) برقم (٢٣٧٨) بلفظ: ((من حقِّ الإبل أن تحلب على الماء)) فحسب كما قال.