Indexed OCR Text

Pages 741-760

٧٤١
باب ٨٣ / ح ١٣٦٣ - ١٣٦٥
كتاب الجنائز
مُستوقّ في الأيمان والنُّذور (٦٦٥٢). وخالد المذكور في إسناده: هو الحَذَّاء.
ثانيها: حديث جُندُب، وهو ابن عبد الله البَجَليّ، قال فيه: ((قال حَجّاج بن منهال
حدَّثنا جَرِير بن حازم)) وقد وَصَلَه في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٦٣) فقال: («حدَّثنا محمد،
حدَّثنا حَجّاج بن منهال)) فذكره، وهو أحد المواضع التي يُستدَلّ بها على أنَّه ربَّمَا عَلَّقَ عن
بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطة، لكنَّه أورَدَه هنا مختصراً وأورَدَه هناك مبسوطاً فقال
في أوله: ((كان فيمن كان قبلكم رجل» وقال فيه: «فجَزِعَ فأخذَ سِکَیناً فخَّ بها يده، فما رَقَاً
الدَّم حتَّى ماتَ))، وسيأتي الكلام عليه مُستوفّى هناك، ولم أقف على تسمية هذا الرجل.
ثالثها: حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يَحْنُقُ نفسه يَخْنُقُها في النار، والذي يَطعنها
يَطعُنها في النار)) وهو من أفراد البخاري من هذا الوجه، وقد أخرجه أيضاً في الطِّبّ
(٥٧٧٨) من طريق الأعمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة مطوّلاً، ومن ذلك الوجه
أخرجه مسلم (١٠٩) وليس فيه ذِكْر الخنق، وفيه من الزيادة ذِكْر السُّمّ وغيره، ولفظه:
((فهو في نار جهنّم خالداً مُلَّداً فيها أبداً)، وقد تَسَّك به المعتزلة وغيرهم ممَّن قال بتخليد
أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السُّنّة عن ذلك بأجوبةٍ:
منها: توهيم هذه الزيادة، قال التِّرمِذيّ بعد أن أخرجه (٢٠٤٤): رواه محمد بن
عَجْلان عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة؛ فلم يَذكُر: ((خالداً مُخُلَّداً))، وكذا رواه أبو الزِّناد
عن الأعرج عن أبي هريرة، يشير إلى رواية الباب، قال: وهو أصحُّ، لأنَّ الروايات قد
صَحَّت أنَّ أهل التوحيد يُعذَّبونَ ثمَّ يُخْرَجونَ منها ولا يُحُلَّدون.
وأجاب غيره بحمل ذلك على مَن استَحَلَّه، فإنَّه يصير باستحلاله كافراً، والكافر مُحُلَّد
بلا ريب.
وقيل: وَرَدَ مَورِدَ الزَّجر والتَّغليظ، وحقيقته غير مُرادَة. وقيل: المعنى أنَّ هذا جزاؤه،
لكن قد تَكَّمَ الله على الموحّدين فأخرجهم من النار بتوحيدِهم. وقيل: التقدير: مُلَّداً فيها
إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخُلودِ: طول المدّة لا حقيقة الدَّوام، كأنَّه يقول: يُحُلَّد مُدّة

٧٤٢
باب ٨٤ / ح ١٣٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
مُعيَّنة، وهذا أبعدُها. وسيأتي له مزيد بَسْط عند الكلام على أحاديث الشَّفاعة(١) إن شاء الله
تعالی.
٢٢٨/٣ واستدلَّ بقوله: ((الذي يَطعُن نفسه يَطعنها في النار)) على أنَّ القصاص من القاتل يكون
بما قتل به، اقتداءً بعقاب الله تعالی لقاتل نفسه، وهو استدلال ضعيف.
تنبيه: قوله في حديث الباب: ((يَطعُنُها)) هو بضم العين المهمَلة كذا ضبطه في الأُصول.
٨٤- باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين
رواه ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما عن النبيِّ ◌ٍَّ.
١٣٦٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنهم أنَّه قال: لمَّا ماتَ عبدُ الله بنُ أبيّ
ابنُ سَلُولَ دُعِيَ له رسولُ اللهِ وَيَ لِيُصلِّيَّ عليه، فلمَّا قامَ رسولُ الله ◌َّهِ وَثَبتُ إليه فقلتُ: يا
رسولَ الله، أتصلِّ على ابنٍ أُبيِّ وقد قال يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ أُعدِّدُ عليه قولَه، فَسَّمَ
رسولُ اللهِ وٍَّ وقال: ((أخِّرْ عَنِّي يا عمرُ)) فلمَّا أكثرتُ عليه قال: ((إِنِّي خيِّرتُ فاختَرْتُ، لو
أعلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ على السبعينَ يُغْفَرُ له لَزِدْتُ عليها)) قال: فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ﴾، ثمّ
انصَرَفَ فلم يَمكُثْ إلا يسيراً حتَّى نزلتِ الآيتانِ من براءةَ: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ
أَبَدًا﴾ إلى: ﴿وَهُمْ فَسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قال: فعَجِبتُ بعدُ من جُرْأتي على رسولِ اللهِ وَله
يومئذٍ، واللهُ ورسولُه أعلَمُ.
[طرفه في: ٤٦٧١]
قوله: ((باب ما يُكرَه من الصلاة على المنافقينَ والاستغفار للمشركينَ)) قال الزَّين بن المنيِّر:
عَدَلَ عن قوله: كراهة الصلاة على المنافقينَ، ليُنَبِّه على أنَّ الامتناع من طَلَب المغفرة لمن لا
يستحقُّها، لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعةً من
وجهٍ، معصیةً من وجهٍ، والله أعلم.
(١) انظر: ٥١ - باب صفة الجنة والنار، من كتاب الرقاق.

٧٤٣
باب ٨٥ / ح ١٣٦٧
كتاب الجنائز
قوله: ((رواه ابن عمر عن النبيِّ وَّ)) كأنَّه يشير إلى حديثه في قصَّة الصلاة على عبد الله
ابن أبيّ أيضاً، وقد تقدَّم (١٢٦٩) في ((باب القميص الذي يُكفّ))، ثمَّ أورَدَ المصنّف
الحديث المذكور من طريق ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب، وسيأتي من هذا الوجه أيضاً
في التفسير (٤٦٧١).
٨٥- باب ثناء الناس على الميِّت
١٣٦٧ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صهيبٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ
مالكٍ ﴾ يقول: مَُّّ بجنازةٍ فَأَثْنَوْا عليها خيراً، فقال النبيُّ ◌َّ: ((وَجَبَت)) ثمَّ مَرُّوا بأُخرى
فأثنَوْا عليها شَرّاً فقال: ((وَجَبَت)) فقال عمرُ بنُّ الخطّابِ ﴾: ما وَجَبَتْ؟ قال: «هذا أثْنَيْتُم
عليه خيراً فوَجَبَت له الجنَّةُ، وهذا أثنَيتُم عليه شَرّاً فوَجَبَت له النارُ، أَنتُمْ شُهَداءُ الله في
الأرضِ».
[طرفه في: ٢٦٤٢]
قوله: ((باب ثناء الناس على الميِّت)) أي: مشروعيَّتَه وجوازه مُطلَقاً، بخلاف الحيِّ فإنَّه ٢٢٩/٣
مَنهيٌّ عنه إذا أفضَى إلى الإطراء خَشْيَةً عليه من الزَّهْو، أشار إلى ذلك الزَّين بن المنیِر.
قوله: ((مَُّ)) بضم الميم على البناء للمجهول.
قوله: ((فأثنَوْا عليها خيراً) في رواية النَّضْرِ بن أنس عن أبيه عند الحاكم (١/ ٣٧٧):
كنت قاعداً عند النبيّ وَ ﴿ فمُرَّ بجنازةٍ فقال: ((ما هذه الجنازة؟» قالوا: جنازة فلان الفلانيّ،
كان يُحِبُّ الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله ويَسعَى فيها. وقال ضِدّ ذلك في التي أثنوا عليها
شَرّاً. ففيه تفسير ما أُبِهِمَ من الخير والشّرّ في رواية عبد العزيز. وللحاكم أيضاً (٢٦٨/٢)
من حديث جابر: فقال بعضهم: لَنِعمَ المرءُ، لقد كان عفيفاً مسلماً، وفيه أيضاً: فقال
بعضهم: بئسَ المرء كان، إن كان لَفَظّاً غَليظاً(١).
قوله: ((وَجَبَت)) في رواية إسماعيل ابن عُليَّة عن عبد العزيز عند مسلم (٦٠/٩٤٩):
(١) وفي سنده مصعب بن ثابت الزُّبيري، وليس بالقوي. وأما حديث النضر بن أنس عن أبيه فسنده قوي.

٧٤٤
باب ٨٥ / ح ١٣٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
((وَجَبَت وَجَبَت وَجَبَت)) ثلاث مرَّات. وكذا في رواية النَّضر المذكورة، قال النَّوَويّ: والتكرار
فيه لتأكيد الكلام المبهم ليُحفَظَ ويكون أبلغَ.
قوله: ((فقال عُمَر)) زاد مسلم: «فِداءٌ لك أبي وأُمّي)) وفيه جواز قول مثل ذلك.
قوله: ((قال: هذا أثنَيتُم عليه خيراً فوَجَبَت له الجنَّة)) فيه بيان أنَّ المراد بقوله: ((وَجَبَت))
أي: الجنَّة لذي الخير، والنار لذي الشَّ، والمراد بالوجوب الثُّبوت، إذ هو في صِحَّة الوقوع
كالشيء الواجب، والأصل أنَّه لا يجب على الله شيء، بل الثَّواب فضلُه، والعقاب عَدُه، لا
يُسأل عمَّا يفعل. وفي رواية مسلم (٩٤٩/ ٦٠): ((مَن أثنَيْتُم عليه خيراً وَجَبَت له الجنَّة))،
ونحوه للإسماعيليِّ من طريق عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة، وهو أبيَن في العموم من رواية
آدم، وفيه رٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ ذلك خاصٌّ بالميتين المذكورَينِ لغَيبِ أطلَعَ اللهُ نبيَّه عليه،
وإنَّما هو خبر عن حُكم أعلمَه الله به.
قوله: ((أنتُم شُهَداء الله في الأرض)) أي: المخاطَبونَ بذلك من الصحابة ومَن كان على
صفتهم من الإيمان.
وحكى ابن التّین: أنَّ ذلك مخصوص بالصحابة، لأنّهم كانوا يَنطِقونَ بالحكمةِ بخلاف
مَن بعدهم، قال: والصواب أنَّ ذلك يختصّ بالثِّقات والمنَّقِينَ. انتهى، وسيأتي في الشَّهادات
(٢٦٤٢) بلفظ: ((المؤمنون شُهَداء الله في الأرض))، ولأبي داود (٣٢٣٣) من حديث أبي
هريرة في نحو هذه القصّة: ((إنَّ بعضكم على بعض لَشهيدٌ))، وسيأتي مزيد بَسطٍ فيه في
الكلام على الحديث الذي بعده.
قال النَّوَويّ: والظاهر أنَّ الذي أثنَوْا عليه شرّاً كان من المنافقين. قلت: يُرشِد إلى
ذلك ما رواه أحمد (٢٢٥٥٥) من حديث أبي قَتَادة بإسناد صحيح: أنَّه وَلّه لم يُصلِّ على
الذي أثنوا علیه شَرّاً، وصَلَّى على الآخر.
١٣٦٨ - حدَّثنا عَفّانُ بنُ مسلم، حدَّثنا داودُ بنُ أبي الفُراتِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدة، عن
أبي الأسوَدِ قال: قَدِمتُ المدينةَ وقد وَقَعَ بها مرضٌ، فجلستُ إلى عمرَ بنِ الخطَّب ﴾ فمَرَّت

٧٤٥
باب ٨٥ / ح ١٣٦٨
كتاب الجنائز
بهم جنازةٌ فأَثْنِيَ على صاحبِها خيراً، فقال عمرُ﴾: وَجَبَت، ثمَّ مُرَّ بأخرى فأَثنيَ على صاحبِها
خيراً، فقال عمرُ : وَجَبَت، ثمَّ مُرَّ بالثالثةِ فأَثْنِيَ على صاحبِها شرّاً فقال: وَجَبَت، فقال أبو
الأسودِ: فقلتُ: وما وَجَبَت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيُّ وَّ: ((أيُّما مسلمٍ شَهِدَ له
أربعةٌ بخير، أدخَلَه اللهُ الجنَّةَ)) فقلنا: وثلاثةٌ؟ قال: ((وثلاثةٌ)) فقلنا: واثنانٍ؟ قال: ((واثنانٍ)) ثمَّ لم
نَسأله عن الواحدِ.
[طرفه في: ٢٦٤٣]
قوله: ((حدّثنا عمَّان)) كذا للأكثر، وذكر أصحاب ((الأطراف)) أنَّه أخرجه قائلاً فيه:
((قال عَفّان))، وبذلك جَزَمَ البيهقيُّ (٧٥/٤). وقد وَصَلَه أبو بكر بن أبي شَيْبة في
((مسنده)(١) عن عَفّان به، ومن طريقه أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم.
قوله: ((حدَّثنا داود بن أبي الفُرات)) هو بلفظ النَّهر المشهور، واسمه عَمْرو، وهو کِنديٌّ ٢٣٠/٣
من أهل مَرْو. ولهم شيخ آخر يقال له: داود بن أبي الفُرات، اسم أبيه بكر، وأبو الفُرات
اسم جَدّه، وهو أشجَعيٌّ من أهل المدينة، أقدم من الكنديّ.
قوله: ((عن أبي الأسوَد)) هو الدِّيليّ التابعيّ الكبير المشهور، ولم أرَه من رواية عبد الله بن
بُرَيدة عنه إلَّ مُعَنعَناً. وقد حكى الدارَ قُطْنيُّ في كتاب ((التََّبُّع)) عن علي بن المَدِينِيّ: أنَّ
ابن بُرَيدة إنَّما يروي عن يحيى بن يَعمَر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت
أبا الأسود.
قلت: وابن بُرَيدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرَك أبا الأسود بلا ريب، لكنَّ البخاري لا
يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهداً واكتَفَى للأصلِ بحديث أنس الذي قبله، والله أعلم.
قوله: «قَدِمتُ المدینة وقد وَقَعَ بها مرض) زاد المصنّف في الشهادات (٢٦٤٣) عن موسی
ابن إسماعيل عن داود: ((وهم يموتونَ موتاً ذريعاً)) وهو بالذّال المعجَمة، أي: سريعاً.
قوله: ((فأَثْنِيَ على صاحبها خيراً) كذا في جميع الأُصول ((خيراً)) بالنصب، وكذا ((شَرّاً))،
(١) وهو في ((مصنفه)) أيضاً ٣٦٨/٣.

٧٤٦
باب ٨٥ / ح ١٣٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد غَلِطَ مَن ضَبَطَ ((أثنَى)) بفتح الهمزة على البناء للفاعل، فإنَّه في جميع الأُصول مبنيٌّ
للمفعول، قال ابن التِّين: والصواب الرَّفع وفي نصبه بُعْد في اللِّسان. ووَجَّهَه غيره بأنَّ
الجارّ والمجرور أُقيمَ مقامَ المفعول الأول و((خيراً)) مقام الثاني، وهو جائز وإن كان المشهور
عكسه، وقال النَّوَويّ: هو منصوب بنزع الخافض، أي: أُثنيَ عليها بخيرٍ. وقال ابن
مالك: ((خيراً)) صفة لمصدرٍ محذوف فأُقيمَت مقامَه فنُصِبَت، لأنَّ ((أُثنيَ)) مسند إلى الجارّ
والمجرور، قال: والتَّفاوت بين الإسناد إلى المصدر والإسناد إلى الجارّ والمجرور قليل.
قوله: «فقال أبو الأسود» هو الراوي، وهو بالإسناد المذكور.
قوله: ((فقلت: وما وَجَبَت؟)) هو معطوف على شيء مُقدَّر، أي: قلت: هذا شيء
عجيب، وما معنى قولك: لكلٍّ منهما: وَجَبَت، مع اختلاف الثَّاء بالخيرِ والشّرِّ.
قوله: ((قلت كما قال النبيّ وَّهِ: أَيُّما مسلم ... )) إلى آخره، الظاهر أنَّ قوله: ((أيّما مسلم))
هو المَقُول، فحينئذٍ يكون قول عمر لكلٍّ منهما: ((وَجَبَت) قاله بناءً على اعتقاده صِدْق
الوَعْد المستفاد من قوله بَّهِ: ((أدخَلَه الله الجنَّة))، وأمَّا اقتصار عمر على ذِكْر أحد الشِّقَّينِ
فهو إمَّا للاختصار وإمَّا لإحالتِه السامع على القياس، والأول أظهَر، وعُرِفَ من القصّة أنَّ
المُثْني على كلٍّ من الجنائز المذكورة كان أكثر من واحد، وكذا في قول عمر: «قلنا: وما
وَجَبَت؟)) إشارة إلى أنَّ السائل عن ذلك هو وغيره. وقد وقع في تفسير قوله تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في البقرة [١٤٣] عند ابن أبي حاتم (١٣٣٤) من حديث أبي
هريرة: أنَّ أُبيّ بن كعب ممَّن سألَ عن ذلك.
قوله: ((فقلنا: وثلاثة؟)) فيه اعتبار مفهوم الموافقة لأنَّه سألَ عن الثلاثة ولم يسأل عنَّا
فوق الأربعة كالخمسةِ مثلاً، وفيه أنَّ مفهوم العدد ليس دليلاً قَطعيّاً، بل هو في مقام
الاحتمال.
قوله: (ثمَّ لم نسأله عن الواحد)) قال الزّين بن المنيِّر: إنَّما لم يسأل عمر عن الواحد
استبعاداً منه أن يُكتَفَى في مثل هذا المقام العظيم بأقلّ من النِّصاب.

٧٤٧
باب ٨٥ / ح ١٣٦٨
كتاب الجنائز
وقال أخوه في ((الحاشية)): فيه إيماء إلى الاكتفاء بالتَّزكية بواحدٍ. كذا قال، وفيه غُموض،
وقد استدلَّ به المصنِّف على أنَّ أقلَّ ما يُكتفى به في باب الشَّهادة اثنان كما سيأتي في كتاب
الشَّهادات (٢٦٤٣) إن شاء الله تعالى.
قال الداووديّ: المعتبَر في ذلك شهادة أهل الفضل والصِّدق، لا الفَسَقة، لأنَّهم قد
يُثْنُونَ على مَن يكون مثلهم، ولا مَن بينه وبين الميِّت عداوة، لأنَّ شهادة العدوّ لا تُقبَل.
٢٣١/٣
وفي الحديث فضيلة هذه الأُمّة، وإعمال الحُكْم بالظاهر.
ونقل الطِّييُّ عن بعض شُرّاح ((المصابيح)) قال: ليس معنى قوله: ((أنتُم شُهَداء الله في
الأرض)) أنَّ الذي يقولونه في حقِّ شخص يكون كذلك حتَّى يصيرَ مَن يستحقُّ الجنَّةَ من
أهل النار بقولهم، ولا العكس، بل معناه: أنَّ الذي أثنَوْا عليه خيراً رأَوه منه كان ذلك
علامة گونه من أهل الجنَّة، وبالعكس.
وتعقَّبه الطِّييُّ بأنَّ قوله: ((وَجَبَت)) بعد الثَّاء حُكم عَقَّبَ وصفاً مُناسباً فأشعَرَ
بالعِلِّيَّة. وكذا قوله: ((أنتُم شُهَداء الله في الأرض)) لأنَّ الإضافة فيه للتَّشريفِ، لأنَّهم
بمنزلةٍ عالية عند الله، فهو كالتَّزكيةِ للأُمّةِ بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثر. قال:
وإلى هذا يُومِئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في البقرة.
قلت: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لمَّا روى عن جابر نحوَ حديث أنس
بهذه الآية، أخرجه الحاكم (٢٦٨/٢)، وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيره عند ابن أبي
حاتم في ((التفسير)) (١٣٣٤) (١)، وفيه أنَّ الذي قال للنبيِّ وَّ: ((ما قولك: وَجَبَت)) هو
◌ُبيّ بن كعب.
(١) كلا الحديثين في إسنادهما ضعف، أما حديث جابر عند الحاكم ففي إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله
ابن الزبير، وهو ليس بالقوي، وأما حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم ففي إسناده عبد الله بن أبي
الفضل المدني لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير وهو مجهول، وذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))
١٣٧/٥ ونقل عن أبيه قوله فيه: لا نعرفه، وحديثه هذا ذكره البخاري في ترجمته من ((التاريخ الكبير))
١٦٩/٥.

٧٤٨
باب ٨٥ / ح ١٣٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال النَّوَويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أنَّ الثَّناء بالخيرِ لمن أثنى عليه أهل الفضل
وكان ذلك مطابقاً للواقع فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال:
والصحيح أنَّه على عمومه، وأنَّ مَن مات منهم فأهَمَ الله تعالى الناسَ الثَّناء عليه بخيرٍ، كان
دليلاً على أنَّه من أهل الجنَّة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإنَّ الأعمال داخلة تحت
المشيئة، وهذا إلهام يُستدَلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثَّناء، انتهى.
وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيِّده ما رواه أحمد (١٣٥٤١) وابن حِبَّان (٣٠٢٦)
والحاكم (٣٧٨/١) من طريق حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس مرفوعاً: ((ما من مسلم
يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنَينَ أنَّهم لا يعلمونَ منه إلَّا خيراً، إلَّا قال الله تعالى:
قد قَبِلتُ قولكم وغَفَرتُ له ما لا تعلمونَ))(١)، ولأحمد (٨٩٨٩) من حديث أبي هريرة
نحوه وقال: ((ثلاثة)) بدل أربعة، وفي إسناده مَن لم يُسمَّ، وله شاهد من مراسيل بشير بن
کعب أخرجه أبو مسلم الگجِّيّ.
وأمَّا جانب الشرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ مَن غَلَبَ
شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر (٢) المشار إليها أولاً في آخر حديث أنس: ((إنَّ لله
ملائكة تَنطِقُ على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرِّ)).
واستدلَّ به على جواز ذِكْر المرء بما فيه من خير أو شرّ للحاجة، ولا يكون ذلك من
الغِيبة. وسيأتي البحث عن ذلك في ((باب النَّهي عن سَبّ الأموات)) آخر الجنائز (١٣٩٣)،
وهو أصل في قَبُول الشَّهادة بالاستفاضة، وأنَّ أقلّ أصلها اثنان.
وقال ابن العربيّ: فيه جواز الشَّهادة قبل الاستشهاد، وقَبُولها قبل الاستفصال. وفيه
استعمال الثَّناء في الشّ للمؤاخاةِ والمشاكَلة، وحقيقته إنَّما هي في الخير، والله أعلم.
(١) وإسناده ضعيف، فيه مؤمل بن إسماعيل وهوسيئ الحفظ، والحديث بهذه السياقة غير محفوظ عن أنس،
فقد رواه الثقات من أصحاب حماد بن سلمة بنحو رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس كما هو مبيَّن في
(«المسند» بتحقيقنا.
(٢) وهي عند الحاكم ٣٧٧/١، وسندها قوي.

٧٤٩
باب ٨٦
كتاب الجنائز
٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر
وقوله تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ اٌلَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ
أَنْفُسَكُمِّ أَلْيُوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] هو الهَوَانُ، والهَوْنُ: الرِّفق.
وقولِه جَلَّ ذِكرُه: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ ٥ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّاً
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥-٤٦].
قوله: ((باب ما جاء في عذاب القبر)) لم يَتَعرَّض المصنّف في الترجمة لكونٍ عذاب القبر ٢٣٣/٣
يقع على الرُّوح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شَهِير عند المتكلِّمين، وكأنَّه تَرَكَه
لأَنَّ الأدلَّة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرينِ، فلم يَتَقَلَّد الحُكْم في ذلك واكتَفَى
بإثبات وجوده، خلافاً لمن نَفاه مُطلَقاً من الخوارج وبعض المعتزلة كضِرار بن عَمْرو وبشر
المَرِيسيِّ ومَن وافقهما، وخالَفَهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السُّنّة وغيرهم وأكثروا
من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة كالجُبَّائي إلى أنَّه يقع على الكفّار دون المؤمنين،
وبعض الأحاديث الآتية تَرُدّ عليهم أيضاً.
قوله: ((وقولِه تعالى)) بالجرِّ عَطفاً على عذاب القبر، أي: ما وَرَدَ في تفسير الآيات
المذكورة. وكأنَّ المصنِّ قَدَّمَ ذِكْر هذه الآيات ليُبِّه على ثُبُوت ذِكْره في القرآن، خلافاً من
رَدَّه وزَعَمَ أنَّه لم يَرِدْ ذِكْره إلَّا من أخبار الآحاد. فأمَّا الآية التي في الأنعام فروى الطََّري
(٧/ ٢٧٥) وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ المَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيَدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،
والبَسْط: الضرب، يضربونَ وجوههم وأدبارهم. انتهى، ويشهد له قوله تعالى في سورة
القتال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧] وهذا وإن
كان قبل الدَّفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة، وإنَّما أُضيفَ العذاب إلى القبر
لكَونِ مُعظَمه يقع فيه، ولكَونِ الغالب على الموتى أن يُقْبَروا، وإلّا فالكافر ومَن شاءَ الله

٧٥٠
باب ٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
تعذيبه من العُصاة يُعذّب بعد موته ولو لم يُدفَن، ولكنَّ ذلك محجوب عن الخلق إلَّا مَن
شاءَ الله.
قوله: ((وقولِه جَلَّ ذِكْره: ﴿سَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) وروى الطبريُّ (١١/ ١٠) وابن أبي
حاتم والطَّبَرانيُّ في (الأوسط)) أيضاً (٧٩٢) من طريق السُّدِّيّ عن أبي مالك عن ابن عبّاس
قال: خَطَبَ رسول الله وَّ يوم الجمعة فقال: ((اخرُج يا فلان فإنَّك منافق)) فذكر الحديث،
وفيه: ((ففَضَحَ الله المنافقينَ))(١)، فهذا العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر. ورَوَيا
أيضاً من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة نحوه، ومن طريق محمد بن ثَوْر عن مَعمَر
عن الحسن ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾: عذاب الدنيا وعذاب القبر، وعن محمد بن إسحاق قال:
(بَلَغَني) فذكر نحوه. وقال الطبريُّ بعد أن ذكر اختلافاً عن غير هؤلاء: والأغلب أنَّ
إحدى المرّتين عذاب القبر، والأُخرى تحتمل أحدَ ما تقدَّم ذِكْره من الجوع أو السَّبْي أو
القتل أو الإذلال أو غير ذلك.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية))، روى الطبريُّ (٢٤/ ٧١) من طريق
الثَّوريّ عن أبي قيس عن هُزَيل بن شُرَحبيل قال: أرواح آل فِرِعَون في طُيُور سود تَغدُو
وتَرُوح على النار فذلك عَرضُها. ووَصَله ابن أبي حاتم من طريق ليث عن أبي قيس فذكر
عبد الله بن مسعود فیه، ولیث ضعيف، وسيأتي بعد بابين في الكلام على حديث ابن عمر
(١٣٧٩) بيان أنَّ هذا العَرْض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة.
قال: القُرطبيّ: الجمهور على أنَّ هذا العَرض يكون في البَرزَخ، وهو حُجّة في تثبيت
عذاب القبر. وقال غيره: وقع ذِكْر عذاب الدارَينِ في هذه الآية مُفسَّراً مُبيّناً، لكنَّه حُجّة
على مَن أنكَرَ عذاب القبر مُطلَقاً لا على مَن خَصَّه بالكفَّار. واستدلَّ بها على أنَّ الأرواح
باقية بعد فِراق الأجساد، وهو قول أهل السُّنّة كما سيأتي.
واحتُجَّ بالآية الأولى على أنَّ النَّفس والرُّوح شيء واحد، لقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوّا
(١) إسناده ضعيف، فيه الحسين بن عمرو العنقزي وهو ضعيف.

٧٥١
باب ٨٦ / ح ١٣٦٩
كتاب الجنائز
أَنْفُسَكُمُ ﴾ [الأنعام: ٩٣] والمراد الأرواح، وهي مسألة مشهورة فيها أقوال كثيرة، وستأتي
الإشارة إلى شيء منها في التفسير (٤٧٢١) عند قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية
[الإسراء: ٨٥].
ثُمَّ أورَدَ المصنّف في الباب ستَّة أحاديث:
١٣٦٩ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْتَد، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ،
عن البراء بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((إذا أُقْعِدَ المؤمنُ في قبِرِهِ أُنْيَ ثمَّ شَهِدَ
أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فذلكَ قولُه: ﴿ يُتَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّاِتِ
[إبراهيم: ٢٧]».
حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثْنَا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبة ... بهذا، وزادَ: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
نَزْلَتْ في عذابِ القيرِ.
[طرفه في: ٤٦٩٩]
أولها: حديث البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وقد
أورَدَه المصنّف في التفسير (٤٦٩٩) عن أبي الوليد الطَّيالسيّ عن شُعْبة، وصَرَّحَ فيه
بالإخبار بين شُعْبة وعَلْقمة، وبالسماع بين عَلْقمة وسعد بن عُبيدة.
قوله: ((إذا أُقِدَ المؤمن في قبره أُتيَّ ثمَّ شَهِدَ)) في رواية الْحَقُّوِيّ والمُستَمْلِي: ((ثمَّ يشهد)) ٢٣٤/٣
هكذا ساقه المصنّف بهذا اللفظ، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن أبي خليفة عن حفص بن عمر
شيخ البخاري فيه بلفظ أبينَ من لفظه قال: ((إنَّ المؤمن إذا شَهِدَ أن لا إله إلّا الله وعَرَفَ
محمداً في قبره، فذلك قوله ... )) إلى آخره، وأخرجه ابن مردويه من هذا الوجه وغيره بلفظ:
أنَّ النبيّ ◌َِّ ذكر عذاب القبر فقال: ((إنَّ المسلم إذا شَهِدَ أن لا إله إلَّ الله وعَرَفَ أنَّ محمداً
رسول الله)) الحدیث.
قوله في الطَّريق الثانية: ((بهذا وزادَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ نَزَلَت في عذاب القبر))
يُوهِم أنَّ لفظ غُندَر كلفظ حفصٍ وزيادة، وليس كذلك، وإنَّما هو بالمعنى، فقد أخرجه

٧٥٢
باب ٨٦ / ح ١٣٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
مسلم (٢٨٧١/ ٧٣) والنَّسائيُّ (٢٠٥٧) وابن ماجَهْ (٤٢٦٩) عن محمد بن بشار شيخ
البخاري فيه، والقَدْر الذي ذكره هو أول الحديث، وبقيَّته عندهم: ((يقال له: مَن رَبُّك؟
فيقول: رَبِّي الله ونبّ محمد))، والقَدْر المذكور أيضاً أخرجه مسلم (٢٨٧١/ ٧٤) والنَّسائيُّ
(٢٠٥٦) من طريق خَيْئمةَ عن البراء، وقد اختصر سعد وخَيْئمة هذا الحديث جدّاً، لكن
أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خَيْئمةَ فزاد فيه: ((إن كان صالحاً وُفِّق، وإن كان لا
خير فيه وُجِدَ أبله)) وفيه اختصار أيضاً، وقد رواه زاذانُ أبو عمر عن البَرَاء مطوَّلاً مُبيّناً
أخرجه أصحاب السُّنَن وصحَّحه أبو عَوَانة(١) وغيره، وفيه من الزيادة في أوله: ((استعيذوا
بالله من عذاب القبر)) وفيه: ((فتُرَدُّ روحه في جسده)) وفيه: ((فيأتيه مَلَكان فيُجلسانِهِ
فيقولان له مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّيَ الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام.
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما
يُدريك؟ فيقول: قرأتُ القرآن كتاب الله فآمنت به وصَدَّقت. فذلك قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّارِتِ﴾)) وفيه: ((وإنَّ الكافر تُعاد روحه في جسده، فيأتيه مَلَكان
فيُجلِسانه فيقولان له: مَن رَبّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري)) الحديث. وسيأتي نحو هذا في
حديث أنس سادس أحاديث الباب، ويأتي الكلام عليه مُستوفَّى هناك إن شاء الله تعالى.
قال الكِرْمانيُّ: ليس في الآية ذِكْر عذاب القبر، فلعلَّهِ سمَّى أحوالَ العبد في قبره عذابَ
القبر تغليباً لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف، ولأنَّ القبر مَقام الهَوْل والوَحْشة،
ولأنَّ مُلاقاة الملائكة ممّا يَهاب منه ابن آدم في العادة.
١٣٧٠ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثني أَبي، عن صالحٍ،
حدَّثني نافعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَه قال: اطَّلَعَ النبيُّ نَّهِ على أهلِ القَلِيبِ فقال:
((وَجَدتُم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟)) فقيلَ له: أتدعُو أمواتاً؟ فقال: ((ما أنتُم بأسمعَ منهم، ولكن لا
يُجِيبونَ)).
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) و(٤٧٥٤)، وأبو عوانة في الجنائز كما في («إتحاف المهرة)) ٤٥٩/٢، والحاكم
٣٧/١-٤٠ وصححه ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً ابن القيم في ((تهذيب السنن)).

٧٥٣
باب ٨٦ / ح ١٣٧٠ - ١٣٧١
كتاب الجنائز
[طرفاه في: ٣٩٨٠، ٤٠٢٦]
١٣٧١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها قالت: إنَّما قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّهم ليعلمونَ الآنَ أنَّ ما كنتُ أقولُ حقٌّ)) وقد قال
اللهُ تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى﴾ [الروم: ٥٢].
[طرفاه في: ٣٩٧٩، ٣٩٨١]
ثانيها: حديث ابن عمر في قصَّة أصحاب القَلِيب قليب بدر، وفيه قوله وَّه: «ما أنتُم
بأسمعَ لمَا أقول منهم)) أورَدَه هنا مختصراً، وسيأتي مطوّلاً في المغازي (٣٩٨٠ و٤٠٢٦).
وصالح المذکور في الإسناد: هو ابن گیْسان.
ثالثها: حديث عائشة قالت: إنَّما قال النبيّ وَّهِ: إنَّهم لَيعلمونَ الآن أنَّ ما كنت أقول لهم
حَقّ)) وهذا مَصِير من عائشة إلى رَدِّ رواية ابن عمر المذكورة. وقد خالَفَها الجمهور في ذلك
وقَبِلوا حديث ابن عمر لموافقةٍ مَن رواه غيره عليه. وأمَّا استدلالها بقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا
تُْمِعُ الْمَوْقَ﴾ فقالوا: معناها: لا تُسمِعهم سماعاً ينفعهم، أو لا تُسمِعهم إلا أن يشاء الله.
وقال السُّهَيليّ: عائشة لم تَحَضُر قولَ النبيّ وَّهِ، فغيرها مَّن حَضَرَ أحفَظُ للفظ النبيَِّّه
وقد قالوا له: يا رسول الله أتُخاطبُ قوماً قد جَيَّفوا؟ فقال: ((ما أنتُم بأسمَعَ لمَا أقول منهم))،
قال: وإذا جازَ أن يكونوا في تلك الحال عالمينَ، جازَ أن يكونوا سامعينَ إمَّا بآذان رُؤوسهم
كما هو قول الجمهور، أو بآذان الرُّوح على رأي مَن يوجِّه السُّؤال إلى الرّوح من غير رجوع
إلى الجسد. قال: وأمَّا الآية فإنَّا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الصُّوَّ أَوْ تَهْدِى أُلْعُمْىَ﴾
[الزخرف: ٤٠] أي: إنَّ الله هو الذي يُسمِع ويَهدي. انتهى، وقوله: إنَّها لم تَحَضُر، صحيح، لكن
لا يَقدَح ذلك في روايتها لأنَّه مُرسَل صحابيّ وهو محمول على أنَّها سمعت/ ذلك ممَّن حَضَرَه ٢٣٥/٣
أو من النبيّ ◌َّه بعدُ، ولو كان ذلك قادحاً في روايتها لقَدَحَ في رواية ابن عمر، فإنَّه لم يَحَضُر
أيضاً، ولا مانع أن يكون النبيّ ﴿ قال اللفظَينِ معاً فإنَّه لا تعارض بينهما.
وقال ابن التِّين: لا مُعارَضة بين حديث ابن عمر والآية، لأنَّ الموتى لا يسمعونَ بلا

٧٥٤
باب ٨٦ / ح ١٣٧٠ - ١٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
شكّ، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ الآية [فصلت: ١١]،
وسيأتي في المغازي (٣٩٧٦) قول قَتَادة: إنَّ الله أحياهم حتَّى سَمِعوا كلام نبيّه توبيخاً
ونقمة، انتهى.
وقد أخذَ ابن جَرِير وجماعة من الكَرّاميَّة من هذه القصَّة: أنَّ السُّؤال في القبر يقع على
البَدَن فقط، وأنَّ الله يَخْلُق فيه إدراكاً بحيثُ يسمع ويعلم ويَلَذُّ ويألَم، وذهب ابن حَزْم وابن
هُبِيرة إلى أنَّ السُّؤال يقع على الرُّوح فقط من غير عَوْد إلى الجسد، وخالَفَهم الجمهور فقالوا:
تُعاد الرّوح إلى الجسد أو بعضه كما ثَبَتَ في الحديث، ولو كان على الرّوح فقط لم يكن للبَدَنِ
بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كونُ المَيِّت قد تَتَفَرَّق أجزاؤه، لأنَّ الله قادر أن يعيد
الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السُّؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءَه.
والحامل للقائلينَ بأنَّ السُّؤال يقع على الرّوح فقط: أنَّ الميّت قد يُشاهَد في قبره حالَ
المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سَعَة، وكذلك غير المقبور
كالمصلوب. وجوابهم: أنَّ ذلك غير مُمتنِعٍ في القُدرة، بل له نَظِير في العادة وهو النائم، فإنَّه
يَجِدٍ لَذّة وأَلَماً لا يُدرِكه جليسه، بل اليقظان قد يُدرِكُ ألَماً أو لَذّة لما يسمعه أو يُفكِّر فيه ولا
يُدرِكُ ذلك جليسه، وإنَّما أتى الغلطُ من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت
على ما قبله، والظاهر أنَّ الله تعالى صَرَفَ أبصار العباد وأسماعهم عن مُشاهَدة ذلك وسَتَرَه
عنهم إبقاءً عليهم لئلّا يَتَدافَنوا، وليست للجوارح الدُّنيَويَّة قُدرة على إدراك أُمور الملكوت
إلَّا مَن شاءَ الله.
وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله: ((إنَّه ليسمعُ خَفْق ◌ِنِعالهم))(١)، وقوله:
((تختلف أضلاعه)) لضَمَّة القبر (٢)، وقوله: ((يسمع صوته إذا ضَرَبَه بالمِطراق))(٣)، وقوله:
(١) وهو الحديث الآتي عند البخاري برقم (١٣٧٤) عن أنس بن مالك.
(٢) روي ذلك في حديث البراء بن عازب عند أحمد (١٨٥٣٤)، وأبي داود (٤٧٥٣)، وسنده صحيح.
(٣) هو معنى حديث أنس بن مالك الآتي عند البخاري برقم (١٣٧٤).

٧٥٥
باب ٨٦ / ح ١٣٧٢
كتاب الجنائز
(يُضرَب بين أُذْنَيْه))(١)، وقوله: ((فيُقْعِدانه))، وكلّ ذلك من صِفات الأجساد، وذهب أبو
الهُذَيلِ ومَن تَبِعَه إلى أنَّ المَيِّت لا يَشعُر بالتعذيبِ ولا بغيره إلَّ بين النَّفْخَتَين، قالوا: وحاله
كحال النائم والمغشيّ عليه، لا يُحِسّ بالضربِ ولا بغيره إلَّا بعد الإفاقة، والأحاديث الثابتة
في السُّؤال حالة تَوَلّي أصحاب المَيِّت عنه تَرُدُّ عليهم.
تنبيه: وجه إدخال حديث ابن عمر وما عارَضَه من حديث عائشة في ترجمة عذاب
القبر أنَّه لمَّ ثَبَتَ من سماع أهل القليب كلامَه وتوبيخه لهم، دَلَّ إدراكهم الكلامَ بحاسّة
السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقيَّة الحواسّ بل بالذّات، إذ الجامع بينهما وبين
بقيّة الأحاديث، أنَّ المصنّف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثَي ابن عمر وعائشة
بحملٍ حديث ابن عمر على أنَّ مُخاطَبة أهل القليب وقعت وقتَ المسألة، وحينئذٍ كانت
الرّوح قد أُعيدت إلى الجسد، وقد تَبيَّن من الأحاديث الأُخرى أنَّ الكافر المسؤول يُعذّب،
وأمَّا إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة، فيَتَّفِق الخبران. ويظهر من هذا التقرير
وجه إدخال حديث ابن عمر في هذه الترجمة، والله أعلم.
١٣٧٢ - حدَّثْنا عَبْدانُ، أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، سمعتُ الأشعَثَ، عن أبيه، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ يهوديَّةً دَخَلَت عليها فَذَكَرَت عذابَ القبر، فقالت لها: أعاذَكِ
اللهُ من عذاب القبرِ، فسألتْ عائشةُ رسولَ اللهِ وَِّ عن عذابِ القيرِ، فقال: ((نَعَم، عذابُ القِ)»
قالت عائشةُ رضي الله عنها: فما رأيتُ رسولَ الله وَلَه بعدُ صلَّى صلاةً إلا تَعوَّذَ من عذابِ القبر.
زادَ غُندَر: ((عذابُ القبر حَقٌّ)).
رابع أحاديث الباب: حديث عائشة في قصة اليهودية.
قوله: ((سمعت الأشعَث)) هو ابن أبي الشَّعثاء سُليم بن الأسود المُحَاربيّ.
قوله: ((عن أبيه)) في روية أبي داود الطيالسي (١٥١٤) عن شعبة عن أشعث: سمعت أبي.
قوله: ((أنَّ يهوديَّة دَخَلَت عليها فَذَكَرَت عذاب القبر)) وقع في رواية أبي وائل عن مسروق
(١) هو في حديث أنس في الرواية السالفة عند البخاري برقم (١٣٣٨)، وكذلك الإقعاد.

٧٥٦
باب ٨٦ / ح ١٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
عند المصنِّ في الدَّعَوات (٦٣٦٦): دَخَلَت عجوزان من عُجُزِ يهود المدينة فقالتا: إنَّ أهل
القبور يُعذَّبونَ في قبورهم. وهو محمول على أنَّ إحداهما تكلَّمَت وأقرَّتها الأُخرى على
ذلك، فنَسَبَت القول إليهما مجازاً، والإفراد يُحمَل على المتكلِّمة، ولم أقف على اسم واحدة
منهما. وزاد في رواية أبي وائل: ((فكذَّبتُهما))، ووقع عند مسلم (١٢٣/٥٨٤) من طريق ابن
شِهاب عن عُرْوة عن عائشة قالت: دَخَلَت عليّ امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتٍ
٢٣٦/٣ أنَّكم تُفْتَنونَ في القبور. / قالت: فارتاعَ رسولُ اللهِ وَّ وقال: ((إنَّما يُفْتَن يهود)» قالت عائشة:
فلَبِثِنا لياليَ، ثمَّ قال رسول الله وَّهِ: ((هل شعرتِ أنَّه أوحيَ إليَّ أنَّكم تُفْتَنَونَ في القبور))
قالت عائشة: فسمعت رسول الله وي ويستعيذ من عذاب القبر.
وبين هاتين الروايتين مُالَفة، لأنَّ في هذه أنَّه بَّهِ أَنكَرَ على اليهودِيَّة، وفي الأولى أنَّه
أقرَّها، قال النَّوَويّ تَبَعاً للطَّحَاويّ وغيره: هما قِصَّتان، فأنكَرَ النبيّ ◌َ له قول اليهوديَّة في
القصَّة الأولى، ثمَّ أَعْلِمَ النبيّ وَّ بذلك ولم يُعلِم عائشة، فجاءت اليهوديّة مرّة أخرى
فذكرت لها ذلك فأنكَرَت عليها مُستَنِدةً إلى الإنكار الأول، فأعلمَها النبيُّ نَّهِ بأَنَّ الوحي
نزل بإثباته، انتهى.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أنَّه وَ لَه كان يَتعوَّذ ◌ِرّاً، فلمَّا رأى استغرابَ عائشة حين
سمعت ذلك من اليهوديّة أعلَنَ به. انتهى، وكأنَّه لم يَقِف على رواية الزُّهْريّ عن عُرْوة
التي ذكرناها عن صحيح مسلم، وقد تقدَّم في ((باب التعوُّذ من عذاب القبر)) في الكسوف
(١٠٤٩) من طريق عَمْرة عن عائشة: أنَّ يهوديَّة جاءت تسألها فقالت لها: أعاذَك الله من
عذاب القبر، فسألَت عائشة: رسولَ اللهِ وَلَ ايُعذَّبُ الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله
وَلّ عائذاً بالله من ذلك. ثمَّ رَكِبَ ذاتَ غداة مَركَباً فخَسَفَت الشمس ... فذكر الحديث،
وفي آخره: ثمَّ أَمَرَهم أن يَتعوَّذوا من عذاب القبر. وفي هذه موافقة لرواية الزّهْريّ وأنَّه ◌ِه.
لم یکن عَلِمَ بذلك.
وأصرح منه ما رواه أحمد (٢٤٥٢٠) بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عَمْرو

٧٥٧
باب ٨٦ / ح ١٣٧٢
كتاب الجنائز
ابن سعيد الأُمَويّ عن عائشة: أنَّ يهوديَّة كانت تَخْدُمها، فلا تَصنَع عائشة إليها شيئاً من
المعروف إلَّا قالت لها اليهوديّة: وقاكِ الله عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسولَ الله هل
للقبرِ عذاب؟ قال: ((كَذَبَت يهودُ، لا عذاب دون يوم القيامة)). ثمَّ مَكَثَ بعد ذلك ما شاءَ
الله أن يَمكُث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: ((أيّها الناس،
استَعيذوا بالله من عذاب القبر، فإنَّ عذاب القبر حَقّ))، وفي هذا كلّه أَنَّهِ لهَ إِنَّمَا عَلِمَ بِحُكْم
عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدَّم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استُشكِلَ ذلك بأنَّ الآية المتقدِّمة مكيَّة وهي قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَمَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأُخرى المتقدِّمة وهي قوله تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. والجواب: أنَّ عذاب القبر إنَّما يُؤخَذ من الأولى بطريق
المفهوم في حقّ مَن لم يَتَّصِف بالإيمان، وكذلك بالمنطوقِ في الأُخرى في حقّ آل فِرِعَون وإن
التَحَقَ بهم مَن كان له حكمهم من الكفّار، فالذي أنكَرَه النبيّ وَّ إنَّما هو وقوع عذاب
القبر على الموحِّدين، ثمَّ أُعلِمَ نَّ﴿ أَنَّ ذلك قد يقع على مَن يشاء الله منهم، فجَزَمَ به وحَذَّرَ
منه وبالَغَ في الاستعاذة منه تعليماً لأُمَّتِه وإرشاداً، فانتفى التَّعارُض بحمد الله تعالى.
وفيه دلالة على أنَّ عذاب القبر ليس بخاصٍّ بهذه الأُمّة بخلاف المسألة، ففيها اختلاف
سيأتي ذكره آخر الباب.
قوله: ((قال: نَعَم عذاب القبر)) كذا للأكثر، زاد في رواية الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((حَقٌ))
وليس بجيِّد، لأنَّ المصنّف قال عَقِب هذه الطَّريق: زاد غُندَر: ((عذاب القبر حَقّ))، فَتَبيَّن أنَّ
لفظ ((حَقّ)) ليست في رواية عَبْدان عن أبيه عن شُعْبة، وأنَّها ثابتة في رواية غُندَر عن شُعْبة،
وهو كذلك، وقد أخرج طريق غُندَر النَّسائيُّ (١٣٠٨) والإسماعيليّ كذلك، وكذلك
أخرجه أبو داود الطَّيالسيّ في «مسنده)) (١٥١٤) عن شُعْبة.
تنبيه: وقع قوله: ((زاد غُندَر ... )) إلى آخره، في رواية أبي ذرِّ وحده، ووقع ذلك في بعض
النُّسَخ عَقِبَ حدیث أسماء بنت أبي بكر، وهو غلط.

٧٥٨
باب ٨٦ / ح ١٣٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٧٣ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ،
أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير، أنَّه سَمِعَ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما تقولُ: قامَ رسولُ الله ◌ِه
خطيباً فَذَكَرَ فِتْنَةَ القبرِ التي يَفتَتِنُ فيها المرءُ، فلمَّا ذَكَرَ ذلكَ ضَجَّ المسلمونَ ضَجّةً.
خامسها: حديث أسماء بنت أبي بكر، أورَدَه مختصراً جدّاً بلفظ: ((قام رسول الله وَل
خطيباً فذكر فتنة القبر التي يَفتِن فيها المرء، فلمَّا ذكر ذلك ضَجَّ المسلمونَ ضَجّة)» وهو
مختصر، وقد ساقه النَّسائيُّ (٢٠٦٢) والإسماعيليّ من الوجه الذي أخرجه منه البخاري
فزاد بعد قوله ((ضَجّة)): حالت بيني وبين أن أفهَمَ آخر كلام رسول الله وَّةِ، فلمَّا سَكَتَ
٢٣٧/٣ ضَجيجُهم قلت لرجلٍ قريب منِّي: / أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله وٍَّ في آخر
كلامه؟ قال: قال: ((قد أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنونَ في القبور قريباً من فتنة الدَّجّال)) انتهى.
وقد تقدَّم هذا الحديث في كتاب العلم (٨٦) وفي الكسوف (١٠٥٣) من طريق فاطمة
بنت المنذر عن أسماء بتمامه، وفيه من الزيادة: ((يُؤتَى أحدكم فيقال له: ما علمُك بهذا
الرجل؟)) الحديث، فلم يُبيِّن فيه ما بيَّن في هذه الرواية من تفهيم الرجل المذكور لأسماءَ
فيه. وأخرجه في كتاب الجمعة (٩٢٢) من طريق فاطمة أيضاً وفيه: أنَّه لمَّا قال: ((أمَّا بعد))
لَغَطَ نِسوة من الأنصار، وأنَّها ذهبت لتُسكِتَهُنَّ فاستفهَمَت عائشةَ عمَّ قال. فيُجمَع بين
مُختلف هذه الروايات أنَّها احتاجت إلى الاستفهام مرَّتين، وأنَّه لمَّا حدَّثت فاطمةَ لم تُبيِّ لها
الاستفهام الثاني. ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهَمَت منه عن ذلك إلى الآن.
ولأحمد (٢٦٩٧٦) من طريق محمد بن المنكَدِر عن أسماء مرفوعاً: ((إذا دخل الإنسانُ
قبره فإن كان مُؤمِناً احتَفَّ به عملُه، فيأتيه الملَك فتَرُدّه الصلاة والصيام، فيناديه الملك:
اجلِس، فيجلس فيقول: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهَد أنَّه رسول الله. قال:
على ذلك ◌ِشتَ وعليه مُتَّ وعليه تُبعَث)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في
الحديث الذي يليه. وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة فوائد حديث أسماء في كتاب العلم (٨٦)،
ووقع في بعض النُّسَخ هنا: ((زاد غُندَر: عذاب القبر)) وهو غلط، لأنَّ هذا إنَّما هو في آخر
حديث عائشة الذي قبله، وأمَّا حديث أسماء فلا رواية لغُندَرٍ فيه.

٧٥٩
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
كتاب الجنائز
١٣٧٤ - حدَّثْنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ
ابنِ مالكٍ ، أَنَّه حدَّثهم أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبِهِ وتَوَلَّى عنه
أصحابه، وإِنَّه لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعالِهِم، أتاهُ مَلَكانٍ فِيُقعِدانِهِ فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا
الرجلِ؛ لمحمَّدٍ وَّهِ؟ فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهَدُ أَنَّه عبدُ الله ورسولُه، فيقال له: انظُرُ إلى مَقْعَدِكَ
مِن النارِ قد أبدَلَكَ اللهُ به مَفْعَداً مِن الجنَّةِ، فيراهما جميعاً)).
قال قَتَادٌ: وذُكِرَ لنا أنَّه يُفْسَحُ له في قبره.
ثَّ رجعَ إلى حديثٍ أنسٍ: قال: ((وأمَّا المنافقُ والكافرُ فيقال له: ما كنتَ تقولُ في هذا
الرجلِ؟ فيقولُ: لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقال: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضرَبُ
بِمَطارِقَ من حديدٍ ضَرْبَةً، فيَصِيحُ صَيحَةً يَسمَعُها مَن يَلِيه غيرَ الثَّقَلَيْنِ)).
سادس أحاديث الباب: حديث أنس، وقد تقدَّم بهذا الإسناد في ((باب خَفْق النِّعال))
(١٣٣٨). وعبد الأعلى المذكور فيه: هو ابن عبد الأعلى السامِيّ - بالمهمَلة - البصريّ،
وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة.
قوله: ((إنَّ العبد إذا وُضِعَ في قبره)) كذا وقع عنده مختصراً، وأوله عند أبي داود (٤٧٥١)
من طريق عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بهذا السَّند: أنَّ نبيّ اللهَ وَ ◌ّل﴿ دخل نَخلاً لبني
النَّجّار، فسمع صوتاً ففَزِعَ فقال: ((مَن أصحاب هذه القبور؟)) قالوا: يا رسولَ الله ناس
ماتوا في الجاهليَّة، فقال: ((تَعَوَّذوا بالله من عذاب القبر ومن فتنة الدَّجّال)) قالوا: وما ذاك
يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّ العبد» فذكر الحديث، فأفاد بيان سبب الحدیث.
قوله: ((وإِنَّه لَيَسمَع قَرْع ◌ِنِعالهم)) زاد مسلم (٧١/٢٨٧٠): ((إذا انصَرَفوا))، وفي رواية له:
((يأتيه مَلكان))، زاد ابن حِبَّان (٣١١٧) والتِّرمِذيّ (١٠٧١) من طريق سعيد المقبُريّ عن
أبي هريرة: ((أسودانِ أزرَقانِ يقال لأحدِهما: المنكر، وللآخر: النَّكير))، وفي رواية ابن
حِبَّان: ((يقال لهما: مُنكَر ونَكير))، زاد الطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٤٦٢٩) من طريق أُخرى عن
أبي هريرة: ((أعينهما مثل قُدور النُّحاس، وأنيابهما مثل صَيَاصي البقر، وأصواتهما مثل

٧٦٠
باب ٨٦ / ح ١٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
الرَّعد))(١)، ونحوه لعبد الرزاق (٦٧٣٨) من مُرسَل عَمْرو بن دينار وزاد: ((يَحِفِران بأنيابهما
ويَطَآنِ في أشعارهما، معهما مِرزَّة لو اجتمع عليها أهل مِنّى لم يُقِلّوها)»، وأورَدَ ابن
الجَوْزيّ في ((الموضوعات)) (٢٣٤/٣) حديثاً فيه: ((أنَّ فيهم رومان وهو كبيرهم))، وذكر
بعض الفقهاء أنَّ اسم اللَّذَينِ يسألان المذنِب مُنكَر ونكير، وأنَّ اسم اللَّذَينِ يسألان المطيع
بشر(٢) وبشير.
قوله: ((فِيُقْعِدانه)) زاد في حديث البراء: ((فتُعاد روحه في جسده)) كما تقدَّم في أول
أحاديث الباب، وزاد ابن حِبَّان (٣١١٣) من طريق أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة: ((فإذا كان
مُؤمِناً كانت الصلاة عند رأسه، والزّكاة عن يمينه، والصوم عن شِماله، وفعل المعروف من
قِبَلِ رِجِلَيه، فيقال له: اجلِس، فيجلس وقد مُثَِّت له الشمس عند الغُروب))، زاد ابن
ماجَهْ (٤٢٧٢) من حديث جابر: «فيجلس فيَمسَحِ عَينَه ويقول: دَعُوني أُصلِّى)).
قوله: «فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمَّد» زاد أبو داود (٤٧٥١) في أوله: «ما
كنت تَعبُد؟ فإن هَداه الله قال: كنت أعبد الله. فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل))
ولأحمد (٢٥٠٩٠) من حديث عائشة: «ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟»، وله (١١٠٠٠)
من حديث أبي سعيد: «فإن كان مُؤمِناً قال: أشهد أن لا إله إلَّ الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله.
٢٣٨/٣ فيقال له: / صَدَقتَ))، زاد أبو داود (٤٧٥١): ((فلا يُسأل عن شيء غيرهما))، وفي حديث
أسماء بنت أبي بكر المتقدِّم في العلم (٨٦) والطَّهارة (١٨٤) وغيرهما: ((فأمَّا المؤمن أو الموقِن
فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبيِّنَات والهُدَى، فأجَبْنا وآمَنّا واتَّبَعنا. فيقال له: نَمْ
صالحاً)، وفي حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور: ((فيقال له: نَمْ نومة العروس، فيكون
في أحلى نومةَ نامها أحد حتَّى يُبعَث))، وللِّرمِذيّ (١٠٧١) في حديث أبي هريرة: ((ويقال له:
نَمْ، فينام نومة العروس الذي لا يُوقِظه إلَّا أحبُّ أهله إليه حتَّى يبعثه الله من مَضجَعه
ذلكَ))، ولابن حِبّانَ (٣١١٣) وابن ماجَهْ (٤٢٦٨) من حديث أبي هريرة، وأحمد (٢٥٠٩٠)
(١) وإسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ.
(٢) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): مبشر، بزيادة الميم في أوله.