Indexed OCR Text

Pages 721-740

٧٢١
باب ٧٧ / ح ١٣٥١ - ١٣٥٢
كتاب الجنائز
قوله: ((ودُفِنَ معه آخَر)) هو عَمْرو بن الجَمُوح بن زيد بن حَرَام الأنصاريّ، وكان
صديقَ والد جابر وزوجَ أُخته هند بنت عَمْرو، وكأنَّ جابراً سمَّه عمَّه تعظيماً(١). قال ابن
إسحاق في ((المغازي))(٢): حدَّثني أَبي عن رجال من بني سَلِمة: أنَّ النبيَّ وَّ قال حين
أُصيبَ عبد الله بن عَمْرو وعَمْرو بن الجَمُوحِ: ((اجَمَعُوا بينهما، فإنَّهما كانا مُتصادقَينٍ في
الدنيا))، وفي ((مغازي الواقديّ)) عن عائشة: أنَّها رأت هند بنت عَمْرو تَسُوق بعيراً لها عليه
زوجها عَمْرو بن الجَمُوح وأخوها عبد الله بن عَمْرو بن حرام لتَدِفِنَهما بالمدينة، ثمَّ أمَرَ
رسول الله وَ﴿ بردِّ القتلى إلى مَضاجعِهم.
وأمَّا قول الدِّمياطيّ: إنَّ قوله: ((وعَمّي)) وهمٌّ، فليس بجيِّد، لأنَّ له مَحَمَلاً سائغاً،
والتجوُّز في مثل هذا يقع كثيراً، وحكى الكِرْمانيُّ عن غيره أنَّ قوله: ((وعَمّي)) تصحيف
من ((عَمْرو))، وقد روى أحمد (٢٢٥٥٣) بإسناد حسن من حديث أبي قَتَادة قال: قُتِلَ
عَمْرو بن الجَمُوح وابن أخيه يوم أُحد، فأمَرَ بهما رسول الله وَّ فِجُعِلا في قبر واحد. قال
ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)): ليس هو ابنَ أخيه وإنَّما هو ابن عَمّه. وهو كما قال، فلعلَّه كان
أسَنَّ منه.
قوله: ((فاستَخْرجتُه بعد ستَّة أشهر)) أي: من يوم دفنه، وهذا يخالف في الظاهر ما وقع
في ((الموطَّأ)) (٢/ ٤٧٠) عن عبد الرحمن بن أبي صَعصَعة: أنَّه بَلَغَه أنَّ عَمْرو بن الجَمُوح
وعبد الله بن عَمْرو الأنصاريَّينِ كانا قد حَفَرَ السيلُ قبِرَهما، وكانا في قبر واحد، فحُفِرَ عنهما
ليُغيَّرا من مكانهما، فوُجِدا لم يتغيّرا كأنَّهما ماتا بالأمس، وكان بين أُحد ويوم حُفِرَ عنهما
ستُّ وأربعون سنة.
وقد جمع بينهما ابن عبد البَرِّ بتعدُّد القصّة، وفيه نظرٌ، لأنَّ الذي في حديث جابر أنَّه
دَفَنَ أباه في قبر وحده بعد ستَّة أشهر، وفي حديث ((الموطَّأ)) أنَّهما وُجِدا في قبر واحد بعد
= إلى المغازي، وذلك عند الحديث رقم (٤٠٥٢).
(١) سماه جابر عمَّه في الرواية السالفة برقم (١٣٤٨).
(٢) انظر ((السيرة)) لابن هشام ٩٨/٢.

٧٢٢
باب ٧٧ / ح ١٣٥١ - ١٣٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ستّ وأربعينَ سنة، فإمَّا أن يكون المراد بكَوضهما في قبر واحد قُربَ المجاورة، أو أنَّ السيل
خَرَقَ أحد القبرین فصارا کقیرٍ واحد.
وقد ذكر ابن إسحاق القصَّة في ((المغازي)) فقال: حدَّثني أَبي عن أشياخ من الأنصار
قالوا: لمَّا ضَرَبَ معاويةُ عينَه التي مَرَّت على قبور الشُّهَداء، انفَجَرَت العين عليهم فجئنا
فأخرجناهما - يعني عَمراً وعبد الله - وعليهما بُردَتان قد غُطّيَ بهما وجوههما وعلى أقدامهم
شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يَتَننَّان تشنِّیاً کأنَّهما دُفِنا بالأمس. وله شاهد بإسناد
صحيح عند ابن سعد (٥٦٣/٣) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر.
قوله: ((فإذا هو كيوم وضَعتُهُ هُنيَّةً غيرَ أُذُنه)) وقال عياض: في رواية ابن السَّكَن
والنَّسَفيّ: ((غير هُنَيَّة في أذُنه)) وهو الصواب بتقديم ((غير)) وزيادة ((في))، وفي الأول تغيير،
٢١٧/٣ قال: ومعنى قوله: ((هُنَيَّة)) أي: شيئاً يسيراً،/ وهو بنونٍ بعدها تحتانيَّة مصغَّراً، وهو تصغير
((هَنَةِ)) أي: شيء، فصَغَّرَه لكونه أثراً يسيراً. انتهى.
وقد قال الإسماعيليّ عَقِبَ سياقه بلفظ الأكثر: إنَّما هو ((عند))(١).
قلت: و کذا وقع في رواية أبي ذر عن الگُشْمِیھنیّ، لکن یبقی في الكلام نقص، ويُبِّه ما في
رواية ابن أبي خَيْئمةَ والطَّبَرانيِّ من طريق غسان بن مُضَر عن أبي مَسْلَمة بلفظ: ((وهو كيوم
دَفَتُه، إلَّا هُنَيَّة عند أُذُنه)) وهو موافق من حيثُ المعنى لرواية ابن السَّكَن التي صَوَّبَها عياض.
وجمع أبو نُعَيم في روايته من طريق أبي الأشعَث بين لفظ ((غير)) ولفظ ((عند)) فقال: غير
هُنِيَّة عند أُذُنُه، ووقع في رواية الحاكم (٢٠٣/٣) المشار إليها: فإذا هو كيوم وَضَعتُه غير
أُذُنه، سَقَطَ منها لفظ ((هُنَيَّة)) وهو مُستَقيم المعنى، وكذلك ذكره الحميدي في ((الجمع))
(١٥٨٥) في أفراد البخاريّ، والمراد بالُذُن بعضُها.
وحكى ابنُ التِّين أنَّه في روايته بفتح الهاء وسكون التحتانيَّة بعدها همزة ثمَّ مُثنَّة
منصوبة ثمَّ هاء الضَّمير، أي: على حالته.
(١) أي: ((عند أذنه)) بدل: ((غير أذنه))، لكنه لا يتم بها الكلام كما قال الشارح، والله أعلم. (س).

٧٢٣
باب ٧٧ / ح ١٣٥١ - ١٣٥٢
كتاب الجنائز
وقد أخرجه ابن السَّكَن من طريق شُعْبة عن أبي مَسلَمة بلفظ: غير أنَّ طرف أُذُن
أحدهم تَغَيَّرَ، ولابن سعد (٥٦٣/٣) من طريق أبي هلال عن أبي مَسَمة: إلَّا قليلاً من
شَحْمة أُذُنه، ولأبي داود (٣٢٣٢) من طريق حمَّد بن زيد عن أبي مَسلَمة: إلَّا شعرات كُنَّ
من لحيته ممّا يلي الأرض؛ ويُجمَع بين هذه الرواية وغيرها بأنَّ المراد الشَّعَرات التي تَتَّصِل
بشحمة الأُذن، وأفادت هذه الرواية سبب تغيُّر ذلك دون غيره، ولا يُعگِّر على ذلك ما
رواه الطَّبَرانيُّ(١) بإسناد صحيح عن محمد بن المنكَدِر عن جابر: أنَّ أباه قُتِلَ يومٍ أُحد ثمَّ
مَثَّلوا به، فجَدَعوا أنفه وأُذُنَيه ... الحديث، وأصله في مسلم (٢٤٧١)، لأنَّه محمول على
أنَّهم قَطَعوا بعض أُذُنيه لا جميعهما، والله أعلم.
قوله: ((عن ابن أبي نَجيح عن عطاء)) كذا للأكثر، وحكى أبو عليّ الجَيَّانيّ أنَّه وقع عند
أبي عليّ بن السَّكَن ((عن مجاهد)) بدلَ ((عطاء)) قال: والذي رواه غيره أصحُ.
قلت: وكذا أخرجه ابن سعد (٥٦٣/٣) والنَّسائيُّ (٢٠٢١) والإسماعيليّ وآخرون
كلُّهم من طريق سعيد بن عامر بالسَّند المذكور فيه، وهو الصواب.
وفي قصَّة والد جابر من الفوائد: الإرشاد إلى برِّ الأولاد بالآباء خصوصاً بعد الوفاة،
والاستعانة على ذلك بإخبارهم بمكانتهم من القلب.
وفيه قوَّة إيمان عبد الله المذكور لاستثنائه النبيَّ نَّه ◌َمَّن جعل ولدَه أعزَّ عليه منهم.
وفيه كرامته بوقوع الأمر على ما ظَنَّ، وكرامته بكَونِ الأرض لم تُبلِ جسده مع لُبْئه فيها،
والظاهر أنَّ ذلك لمكان الشَّهادة.
وفيه فضيلة جابر لعمله بوصيّة أبيه بعد موته في قضاء دينه كما سيأتي بيانه في مكانه
(٢٣٩٥).
٧٨- باب اللَّحد والشَّقّ في القبر
١٣٥٣ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني ابنُ شِهابٍ،
(١) في ((الأوسط)) برقم (١٠٤٢).

٧٢٤
باب ٧٨ -٧٩ / ح ١٣٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
عن عبد الرحمن بنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ ◌ِله
يَجِمَعُ بين رجلينٍ من قتلَى أُحُدٍ ثَّ يقول: ((أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآنِ؟)) فإذا أُشِيرَ له إلى أحدِهما
قَدَّمَه في اللَّحْدِ فقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ)) فأُمَرَ بدَفْنِهم بدمائِهم، ولم يُغسِّلْهم.
قوله: «باب الأخد والشَّق في القبر» أورَدَ فیه حدیث جابر في قصَّة قتلی أُحد ولیس فیه
للشَّقِّ ذِكْر.
قال ابن رُشَيد: قوله في حديث جابر: ((قَدَّمَه في اللَّحد)» ظاهر في أنَّ المِيِّتَين جميعاً في
٢١٨/٣ اللَّحد، ويحتمل أن يكون المقدَّم في اللَّحد/ والذي يليه في الشَّقّ لمَشَقّة الحَفْر في الجانب
لمكان اثنين، وهذا يؤيِّد ما تقدَّم توجيهه (١٣٤٨) أنَّ المراد بقوله: ((فكُفِّنَ أبي وعمِّي في
نَمِرَة واحدة)) أي: شُقَّت بينهما، ويحتمل أن يكون ذكرُ الشَّقّ في الترجمة ليُنَبِّه على أنَّ اللَّحد
أفضل منه، لأنَّه الذي وقع دفنُ الشُّهَداء فيه مع ما كانوا فيه من الجَهْد والمشقّة، فلولا
مَزِيدُ فضيلة فيه ما عانَوْه. وفي ((السُّنَن)) لأبي داود (٣٢٠٨) وغيره(١) من حديث ابن
عبَّاس مرفوعاً: ((اللَّحْد لنا والشَّقُّ لغيرنا))، وهو يؤيِّد فضيلة اللَّحد على الشَّ، والله أعلم.
٧٩- باب إذا أسلم الصبيُّ فمات ھل یصلَّى عليه،
وهل يُعرَض على الصبيِّ الإسلام؟
وقال الحسنُ وشُرَيحٌ وإبراهيمُ وقَتَادةُ: إذا أسلمَ أحدُهما فالولدُ مع المسلمِ.
وكانَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مع أُمِّه مِن المستضعَفِينَ، ولم یکن مع أبيه علی دینِ قومِه،
وقال: الإسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى.
٢١٩/٣
قوله: ((باب إذا أسلمَ الصبيُّ فمات هل يُصلَّى عليه؟ وهل يُعرَض على الصبيّ الإسلام؟))
هذه الترجمة معقودة لصِحّة إسلام الصبيّ، وهي مسألة اختلاف كما سنبيِّنْه.
وقوله: ((وهل يُعرَض عليه)) ذكره هنا بلفظ الاستفهام، وترجم في كتاب الجهاد
(٣٠٥٥) بصيغةٍ تدلَّ على الجزم بذلك فقال: ((كيف يُعرَض الإسلام على الصبيّ))، وكأنَّه
(١) أخرجه أيضاً ابن ماجه (١٥٥٤)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٢٠٠٩)، والحديث حسن بشواهده.

٧٢٥
باب ٧٩
كتاب الجنائز
لمَّا أقام الأدلَّة هنا على صِحَّة إسلامه استَغنى بذلك، وأفاد هناك ذِكْر الكيفيّة.
قوله: ((وقال الحسن ... )) إلى آخره، أمَّا أثر الحسن فأخرجه البيهقيُّ (٢٦٩/١٠) من
طريق محمد بن نَصْر - أظنُّه في كتاب ((الفرائض)) له - قال: حدَّثنا يحيى بن يحيى، حدَّثنا
يزيد بن زُرَيع، عن يونس، عن الحسن في الصغير، قال: مع المسلم من والدَيهِ.
وأمَّا أثر إبراهيم فوَصَلَه عبد الرزاق (٩٨٩٩) عن مَعمَر، عن مُغيرة، عن إبراهيم قال
في نَصرانيّين بينهما ولد صغير فأسلمَ أحدهما، قال: أولاهما به المسلم.
وأمَّا أثر شُرَيح فأخرجه البيهقيُّ (٢٦٩/١٠) بالإسناد المذكور إلى يحيى بن يحيى: ٢٢٠/٣
حدَّثنا هُشَيم، عن أشعَث، عن الشَّعبيّ، عن شُرَيح: أنَّه اختُصِمَ إليه في صبيّ أحد أبويه
نصرانيّ، قال: الوالد المسلم أحَقّ بالولد.
وأمَّا أثر قَتَادة فَوَصَله عبد الرزاق (٩٩٠٠) عن مَعمَر عنه، نحو قول الحسن.
قوله: ((وكانَ ابن عبّاس مع أُمّه من المستضعفينَ)) وَصَلَه المصنّف في الباب من حديثه
(١٣٥٧) بلفظ: كنت أنا وأُمّي من المستَضعَفِين، واسم أُمّه لُبابة بنت الحارث الهلاليّة.
قوله: ((ولم يكن مع أبيه على دين قومه)) هذا قاله المصنِّف تَفَقُّهاً، وهو مبنيٌّ على أنَّ إسلام
العبَّاس كان بعد وقعة بدر، وقد اختُلِفَ في ذلك فقيل: أسلمَ قبل الهجرة وأقام بأمر النبيِّ
وَالّ له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد (٣١/٤) من حديث ابن عبّاس،
وفي إسناده الكَلْبُّ وهو متروك، ويَرُدُّه أنَّ العبّاس أُسِرَ ببدٍ، وقد فَدَی نفسه كما سيأتي في
المغازي واضحاً (٤٠١٨)، ويَرُدّه أيضاً أنَّ الآية التي في قصَّة المستضعفينَ نزلت بعد بدر
بلا خلاف، فالمشهور أنَّه أسلمَ قبل فتح خيبر، ويدلّ عليه حديث أنس في قصّة الحجّاج بن
عِلَاط كما أخرجه أحمد (١٢٤٠٩) والنَّسائيُّ (٨٥٩٢)، وروى ابن سعد (١٧/٤-١٨) من
حديث ابن عبّاس: أنَّه هاجَرَ إلى النبيّ ◌َه بخيبرَ، ورَدَّه بقصَّة الحجاج المذكور، والصحيح
أنَّه هاجَرَ عامَ الفتح في أول السنة، وقَدِمَ مع النبيّ ◌َِّهِ فِشَهِدَ الفتح، والله أعلم.
قوله: ((وقال: الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلى)) كذا في جميع نُسَخ البخاري لم يُعيَّن القائل، وكنت

٧٢٦
باب ٧٩ / ح ١٣٥٤ - ١٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
أظنّ أنَّه معطوف على قول ابن عبّاس فيكون من كلامه، ثمَّ لم أجِدْه من كلامه بعد الشَُّّع
الكثير، ورأيته موصولاً مرفوعاً من حديث غيره أخرجه الدارَ قُطْنيُّ (٣٦٢٠) ومحمد بن
هارون الرُّويانيّ في («مسنده)) (٧٨٣) من حديث عائذ بن عَمْرو المُزَنِيِّ بسندٍ حسن،
ورُوِّيناه في ((فوائد)) أبي يعلى الخليليّ من هذا الوجه، وزاد في أوله قصَّة وهي: أنَّ عائذ بن
عَمْرو جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حَرْب، فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن
عَمْرو، فقال رسول الله بَّ: «هذا عائذ بن عَمْرو وأبو سفيان، الإسلام أعزُّ من ذلك،
الإسلام يَعْلو ولا يُعلَى)).
وفي هذه القصَّة أنَّ للمُبدَأ به في الذِّكر تأثيراً في الفضل لما يفيدُه من الاهتمام، ولیس
فيه حُجّة على أنَّ الواو تُرتِّب. ثمَّ وجدته من قول ابن عبّاس كما كنت أظنُّ، ذكره ابن حَزْم
في ((المحلَّ)) (٧/ ٣١٤) قال: ومن طريق حمَّد بن زيد، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن
عبَّاس قال: إذا أسلمَت اليهوديّة أو النصرانيَّة تحت اليهوديّ أو النَّصرانيّ يُفرَّق بينهما،
الإسلام يَعلُو ولا يُعلَى(١).
١٣٥٤ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونسَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ
عبدِ الله، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبره: أنَّ عمرَ انطلقَ مع النبيِّ وَّهُ فِي رَهْطِ قِبَلَ ابنِ
صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوه يلعبُ مع الصِّبْيان عند أُطُمِ بنِي مَغَالَةَ، وقد قارَبَ ابنُ صَيَّادِ الخُلُمَ، فلم
يَشِعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النبيُّ ◌َّه بِيدِه، ثمَّ قال لابنِ صَيَّادٍ: ((تَشْهَدُ أَنِّي رسولُ الله؟)) فَتَظَرَ إليه ابنُ
صَيَّدٍ فقال: أشهَدُ أنَّكَ رسولُ الأمَّيِّينَ، فقال ابنُ صَيَّادٍ للنبيِّ وَّهِ: أتشهدُ أنّ رسولُ الله؟
فَرَفَضَه وقال: ((آمنتُ بالله وبرُسُلِه)) فقال له: ((ماذا تَرَى؟)) قال ابنُ صيّادٍ: يأتيني صادقٌ
وكاذبٌّ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((خُلِّطَ عليكَ الأمرُ)) ثمّ قال له النبيُّ ◌َ: ((إنِّ قد خَبَأْتُ لكَ خَبِيْئاً))
فقال ابنُ صَيَّادٍ: هو الدُّخُّ، فقال: ((اخسَأْ، فَلَن تَعدُوَ قَدْرَكَ)) فقال عمرُ ﴾: دَعْني يا رسولَ الله
(١) وأعلى من هذا إخراجُ الطحاوي له في ((شرح معاني الآثار)) ٣/ ٢٥٧ عن رَوْح بن الفَرَج، عن يحيى بن
عبد الله بن بكير، عن حماد بن زيد، بالإسناد المذكور. وقد فات الحافظ رحمه الله عزؤُه له هنا، لكن عاد
فاستدرك تخريجه منه فيما سيأتي في كتاب الطلاق باب رقم (٢٠)، بین یدي الحديث رقم (٥٢٨٨).

٧٢٧
باب ٧٩ / ح ١٣٥٤ - ١٣٥٥
كتاب الجنائز
أضرِبْ عُنُقَه، فقال النبيُّ وَلِّ: ((إِنْ يَكُنْهُ فلن تُسلَّطَ عليه، وإن لم يَكُنْهُ فلا خيرَ لك في قتلِهِ)).
[أطرافه في: ٣٠٥٥، ٦٦١٨،٦١٧٣]
١٣٥٥ - وقال سالمٌ: سمعتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما، يقول: انطلق بعدَ ذلكَ رسول الله
وَه وأُبُّ بن كعبٍ إلى النَّخْلِ التي فيها ابنُ صَيَّادٍ، وهو يَخْلُ أن يسمعَ مِنِ ابنِ صَيَّدٍ شيئاً قبلَ
أن يراه ابنُ صَيَّدٍ، فرآه النبيُّ ◌َّه وهو مُضطَجِعٌ - يعني: في قَطِيفةٍ له فيها رَمْزةٌ أو زَمْرةٌ - فرأت
أُّ ابنِ صَيَّدٍ رسول اللهَوَّه وهو يَتَّقِي بِجُذُّوعِ النَّخْلِ، فقالت لابنِ صَيَّدٍ: يا صافٍ - وهو اسمُ
ابنِ صَيَّدٍ - هذا محمَّدٌ وَّهِ، فثارَ ابنُ صَيَّدٍ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((لو تَرَكَتْه بَيَّنَ)).
وقال شعيبٌ: زَمْزَمٌ فَرَفَصَه.
وقال إسحاقُ الكَلْبِيُّ وعُقَيِلٌ: رَمْرَمةٌ، وقال مَعمَرٌ: رَمْزٌ.
[أطرافه في: ٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤]
٠,
ثُمَّ أوردَ المصنف في الباب أحاديثَ ترجِّح ما ذهب إليه من صحّة إسلام الصبي.
أولها: حديث ابن عمر في قصَّة ابن صَيَّاد، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في الباب المشار
إليه في الجهاد (٣٠٥٥)، ومقصود البخاري منه الاستدلالُ هنا بقوله وَلَه لابن صَيَّاد:
((أتشهَدُ أنّي رسول الله؟)) وكان إذ ذاك دون البلوغ.
قوله: ((أُطُم)) بضمَّتين بناءٌ كالِحِصْن و((مَغَالةٌ)) بفتح الميم والمعجَمة الخفيفة: بطن من
الأنصار، و(ابن صَيَّد)) في رواية أبي ذرٍّ: ((صائد)) وكِلا الأمرينِ كان يُدعَى به.
وقوله: ((فَرَفَضَه)) للأكثر بالضّاد المعجَمة، أي: تَرَكَه. قال الَّين بن المنيِّر: أنكَرَها
القاضي. ولبعضهم بالمهملة، أي: دَفَعَه برِ جله، قال عیاض: کذا في رواية أبي ذرِّ عن غیر
المُستَمْلي، ولا وجه لها، قال المازَرِيّ: لعلَّه ((رَفَسه)) بالسّين المهمَلة، أي: ضَرَبَه برجلِه،
قال عياض: لم أجِدْ هذه اللفظة في جماهير اللُّغة - يعني: بالصاد - قال: وقد وقع في رواية
الأَصِيليّ بالقاف بدل الفاء، وفي رواية عبدوس: ((فَوَقَصَه)) بالواو والقاف.
وقوله: ((وهو يَخْتِلُ)) بمعجمة ساكنة بعدها مُثنَّاة مكسورة، أي: يَخْدَعه، والمراد أنَّه كان

٧٢٨
باب ٧٩ / ح ١٣٥٤ - ١٣٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
يريد أن یستغفله لیسمعَ كلامه وهو لا یَشعُر.
قوله: ((له فيها رَمْزَة أو زَمْرة)) كذا للأكثر على الشَّكّ في تقديم الراء على الزّاي أو
تأخيرها، ولبعضهم: ((رَمَرَمة أو زَمزَمة)) على الشكِّ هل هو برائینٍ أو بزايين مع زيادة میم
فيهما، ومعاني هذه الكلمات المختلفة مُتقارِبة، فأمَّا التي بتقديم الراء وميم واحدة فهي فَعْلة
٢٢١/٣ من الرَّمز: وهو الإشارة، وأمَّا التي بتقديم الزّاي كذلك فمن الزَّمْر،/ والمراد حكاية
صوته، وأمَّا التي بالمهمَلتينِ وميمَين، فأصله من الحركة، وهي هنا بمعنى الصوت الخفيّ،
وأمَّا التي بالمعجمَتَينِ كذلك، فقال الخطَّبيُّ: هو تحريك الشَّفتين بالكلام، وقال غيره: وهو
كلام العُلُوج: وهو صوت يُصوَّت من الخياشيم والحَلْق.
قوله: ((فثارَ ابن صيّاد)) أي: قام، كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((فئابَ)) بموخَّدةٍ، أي:
رجعَ عن الحالة التي كان فيها.
قوله: ((وقال شعيب: زَمْزَمَة فَرَفَصَه)) في رواية أبي ذرِّ بالزّايينِ وبالصاد المهمَلة، وفي
رواية غيره: ((وقال شعيب في حديثه: فَرَفَصه رَمَرَمة أو زَمزَمة )» بالشكِّ. وسيأتي في الأدب
(٦١٧٣) موصولاً من هذا الوجه بالشكِّ، لكن فيه ((فَرَضَّه)) بغير فاء وبالتشديد، وذكره
الخطَّبيُّ في ((غريبه)) بمُهمَلةٍ، أي: ضَغَطَه وضَمَّ بعضه إلى بعض.
قوله: ((وقال إسحاق الكَلْبِيّ وعُقَيل: رَمْرَمَة)) يعني: بمُهمَلتينِ ((وقال مَعمَر: رَمْزَة))
يعني: براءٍ ثمَّ زاي، أمَّا رواية إسحاق فوَصَلَها الذُّهلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))، وسَقَطَت من رواية
المُستَمْلي والكُشْمِيهنيّ وأبي الوَقْت، وأمَّا رواية عُقَيل فَوَصَلها المصنّف في الجهاد
(٣٠٣٣) وكذا رواية مَعمَر (٣٠٥٥).
١٣٥٦ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ - وهو ابنُ زيدٍ - عن ثابتٍ، عن أنسٍ ـ
قال: كانَ غلامٌ يهوديٌّ يَخِدُمُ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ فَمَرِضَ، فأتاه النبيُّ ◌َّهِ يعودُه، فقَعَدَ عند رأسِه فقال له:
((أسلِمْ)) فَنَظَرَ إلى أبيه وهو عندَه، فقال له: أَطِعْ أبا القاسمَِّ، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ ◌ٍَّ وهو
يقول: ((الحمدُ لله الَّذي أنقَذَه مِن النارِ)).
[طرفه في: ٥٦٥٧]

٧٢٩
باب ٧٩ / ح ١٣٥٦ -١٣٥٩
كتاب الجنائز
١٣٥٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال عُبيدُ الله: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما يقول: كنتُ أنا وأُمِّي مِن المستضعَفِينَ، أنا مِن الوِلْدان وأُمِّي مِن النِّساءِ.
[أطرافه في: ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧]
١٣٥٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، قال ابنُ شِهابٍ: يُصلَّى على كلِّ مولودٍ مُتَوَّ،
وإن كانَ لغَيَّةٍ من أجلِ أنَّه وُلِدَ على فِطْرةِ الإسلامِ، يَدَّعي أَبَوَاه الإسلامَ أو أبوه خاصَّةً، وإن
كانت أُمُّه على غيرِ الإِسلام، إذا استَهَلَّ صارخاً صُلِيّ عليه، ولا يُصلَّى على مَن لا يَستَهِلُّ من
أجلِ أَنَّه ◌ِقْطٌّ، فإنَّ أبا هريرةَ ﴾ كانَ يُحدِّثُ، قال النبيُّ ◌َّةِ: ((ما من مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرة،
فأبَوَاه يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمةُ بهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاءَ؟».
ثمَّ يقول أبو هريرةَ﴾: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠].
[أطرافه في: ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩]
١٣٥٩ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أبو سَلَمَةَ
ابنُ عبدِ الرحمن: أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ما من مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ
فأبَوَاه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمَجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البَهِيمةُ بهيمةً بَجْعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من
جَدْعاءَ؟)). ثمَّ يقول أبو هريرةَ﴾: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
اٌلْدِيْرُ الْقَبِّمُ﴾.
ثاني الأحاديث: حديثُ أنس: ((كانَ غلامٌ يهوديٌّ يَخِدُم)) لم أقف في شيء من الطُّرق
الموصولة على تسميته، إلَّا أنَّ ابن بَشكُوال(١) ذكر أنَّ صاحب ((العُتبيَّة)) حكى عن زياد
شَبْطون (٢) أنَّ اسم هذا الغلام عبد القُدّوس، قال: وهو غريب ما وجدتُه عند غيره.
(١) في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٢/ ٦٤٦، ووقع في المطبوع منه نقل هذا الكلام عن العُتْبي نفسه وليس فيه
ذكرٌ لزياد شبطون!
(٢) تصحف في (أ) و(س) إلى: شيطون، بالياء المثناة، ولم يُنقط في (ع)، والصواب كما أثبتنا: شَبْطون، بالباء
الموحدة الساكنة كحَمْدُون، هكذا ضبطه صاحب ((تاج العروس)) (شبط)، وهو زياد بن عبد الرحمن
الأندلسي فقيه ومفتي الأندلس، صاحب الإمام مالك، توفي سنة نيِّف وتسعين ومئة. انظر ((سير أعلام =

٧٣٠
باب ٧٩ / ح ١٣٥٦ - ١٣٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وهو عنده)) في رواية أبي داود (٣٠٩٥): ((عند رأسه)) أخرجه عن سليمان بن
خرب شیخ البخاري فیه، و کذا للإسماعيليِّ عن أبي خلیفة عن سليمان.
قوله: ((فأسلمَ)) في رواية النَّسائيّ (ك٨٥٣٤) عن إسحاق بن راهويه عن سليمان
المذكور فقال: ((أشهد أن لا إله إلَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله)).
قوله: ((أنقَذَه من النار)) في رواية أبي داود (٣٠٩٥) وأبي خليفة: ((أنقَذَه بي من النار)).
وفي الحديث جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، وفيه حُسْن العهد.
وفيه استخدام الصغير، وعَرْض الإسلام على الصبيِّ ولولا صِحَّتُه منه ما عَرَضَه
عليه، وفي قوله: ((أنقَذَه بي من النار)) دلالة على أنَّه صَحَّ إسلامه، وعلى أنَّ الصبيّ إذا عَقَلَ
الكفرَ ومات عليه أنَّه يُعذَّب(١). وسيأتي البحث في ذلك في حديث سَمُرة الطَّويل في
الرُّؤيا الآتي في ((باب أولاد المشركين)) في أواخر الجنائز (١٣٨٦).
ثالثها: حديث ابن عبّاس: ((كنت أنا وأُمِّ من المستضعَفِين)) وقد تقدَّم الكلام عليه
في الترجمة.
رابعها: حديث أبي هريرة في أنَّ ((كلّ مولود يُولَد على الفِطْرة)»، أخرجه من طريق ابن
شِهاب عن أبي هريرة مُنقطِعاً، ومن طريق آخر عنه عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، فالاعتماد
في المرفوع على الطَّريق الموصولة، وإنَّما أورَدَ المنقطِعةَ لقول ابن شِهاب الذي استَنَبَطَه من
الحديث، وقول ابن شهاب: ((لِغَيَّةٍ)) بكسر اللَّام والمعجَمة وتشديد التحتائيَّة، أي: من
زِنّى، ومراده أنَّه يُصلَّى على ولد الزِّنى ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه، لأنَّه محكوم بإسلامه
تَبَعاً لأُمِّه، وكذلك مَن كان أبوه مسلماً دون أُمِّه. وقال ابن عبد البَرّ: لم يقل أحد: إنَّه لا
يُصلَّى على ولد الزِّنى، إلَّا قَتَادة وحده.
= النبلاء)) ٣١١/٩-٣١٢.
(١) في هذه الفائدة نظر، لأنه ليس في الحديث المذكور دلالة صريحة على أن الغلام المذكور لم يبلغ، وقد صحّ
عن النبي ◌َّ أنه قال: ((رُفع القلم عن ثلاثة)) وذكر منهم ((الصغير حتى يبلغ))، والله أعلم. (س).

٧٣١
باب ٨٠ / ح ١٣٦٠
كتاب الجنائز
واختُلِفَ في الصلاة على الصبيّ، فقال سعيد بن جُبَیر: لا يُصلَّى عليه حتى يبلُغ، وقيل:
حتَّى يُصلِّي، وقال الجمهور: يُصلَّى عليه حتَّى السِّقْط إذا استَهلَّ(١)، وقد تقدَّم في ((باب
قراءة فاتحة الكتاب))(٢) ما يقال في الصلاة على جنازة الصبيّ، ودخل في قوله: ((كلّ مولود)»
السِّقط/ فلذلك قَيَّدَه بالاستهلال، وهذا مَصِير من الزُّهْريّ إلى تسمية الزَّاني أباً لمن زنى ٢٢٢/٣
بأُمِّه، فإنَّه يَتبَعُه في الإسلام، وهو قول مالك، وسيأتي الكلام على المتن المرفوع وعلى ذِكْر
الاختلاف على الزُّهْريّ فيه في ((باب أولاد المشركين)) (١٣٨٥) إن شاء الله تعالى.
٨٠- باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلَّ الله
١٣٦٠ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني أَبي، عن صالح، عن
ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيِّب، عن أبيه، أنَّه أخبره: أنَّه لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ
الوفاة جاءه رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ، فَوَجَدَ عندَه أبا جهلٍ بنَ هشامٍ وعبدَ الله بنَ أبي أَميَّةَ بنِ المغيرةِ،
قال رسولُ اللهِ وَّهِ لأبي طالبٍ: ((يا عَمّ، قل: لا إلهَ إلا اللهُ، كَلِمَةً أَشهَدُ لك بها عندَ الله) فقال
أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أُميَّة: يا أبا طالبٍ، أترغَبُ عن مِلَّةِ عبد المطَّلِب؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله
وَ يَعِرِضُها عليه، ويَعُودانِ بتلك المَقَالَةِ، حتَّى قال أبو طالبٍ آخرَ ما كَلَّمَهم: هو على مِلَّةِ
عبد المطَّلِب، وأبى أن يقولَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((أمَا والله لَأَستَغْفِرَنَّ لكَ ما لم
أُنهَ عنه)». فأنزلَ الله فيه الآيَةَ.
[أطرافه في: ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١]
قوله: ((باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلّ الله)) قال الزَّين بن المنيِر: لم يأتِ بجواب
((إذا)) لأنَّهَ وَّهِ لمَّا قال لعمِّه: ((قل: لا إله إلَّ الله، أشهَد لك بها)) كان مُحْتَمِلاً لأن يكون
ذلك خاصّاً به، لأنَّ غيره إذا قالها وقد أيقَنَ بالوفاةِ لم ينفعه. ويحتمل أن يكون تَرَك جواب
((إذا)) ليَفهَم الواقفُ عليه أنَّه موضع تفصيل وفِكْر، وهذا هو المعتمد.
(١) انظر التعليق عند الحديث السالف برقم (١٣٣٢).
(٢) هو الباب السالف برقم (٦٥) من كتاب الجنائز هذا.

٧٣٢
باب ٨١
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ أورد المصنّف حديث سعيد بن المسيّب عن أبيه في قصَّة أبي طالب عند موته،
وسيأتي الكلام عليه مُستوفّ في تفسير ((براءة)) (٤٦٧٥).
وقوله في هذه الطَّريق: ((ما لم أَنْهَ عنه)) أي: الاستغفار، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عنك)).
وقوله: ((فأنزلَ الله فيه الآية)) يعني: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣] كما سيأتي، وقد ثَبَتَ لغير أبي ذرٍّ: فأنزلَ الله فيه:
﴿مَا كَانَ لِلنَِّ ﴾ الآية.
٨١ - باب الجريدة على القبر
وأَوْصَى بُرَيدةُ الأسلمِيُّ أن يُجْعَلَ في قِه جَرِیدتانِ.
ورأَى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما فُسْطاطاً على قبرِ عبدِ الرحمن فقال: انزِعْه يا غلامُ، فإنّما
◌ُظِلُّه عملُه.
وقال خارجةُ بنُ زيدٍ: رأيتني ونحنُ شُبّانٌ في زمنٍ عثمانَ ﴾، وإنَّ أشدَّنا وَثْبَةَ الَّذِي يَئِبُ
قبرَ عثمانَ بنِ مَظْعونٍ حتَّى يُجاوِزَه.
وقال عثمانُ بنُّ حَكِيمٍ: أخذَ بيدي خارجةُ فأجلَسَني على قبرٍ، وأخبرني عن عَمِّه یزیدَ بنِ
ثابتٍ قال: إنَّما كُرِهَ ذلكَ لمن أُحدَثَ عليه.
وقال نافعٌ: كانَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يجلسُ على القبورِ.
٢٢٣/٣
قوله: ((باب الجريدة على القبر)) أي: وَضْعها أو غَرْزها.
قوله: ((وأوصَى بُرَيدة الأسلميّ ... )) إلى آخره، وقع في رواية الأكثر: في قبره، وللمُستَهْلِي:
على قبره، وقد وَصَلَه ابن سعد (٧/ ١١٧) من طريق مورِّق العِجليّ قال: أوصَى بُرَيدة أن
يُوضع في قبره جریدتان، ومات بأدنی خُراسان.
قال ابن المُرابِط وغيره: يحتمل أن يكون بُرَيدة أمَرَ أن يُغرَزا في ظاهر القبر اقتداء
بالنبيِّ نَّه في وضعه الجريدتَينِ في القبرَين، ويحتمل أن يكون أمَرَ أن يُجُعَلا في داخل القبر

٧٣٣
باب ٨١
كتاب الجنائز
لمَا في النَّخلة من البَرَكة لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَقِ طَتِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، والأول أظهَر،
ويؤيِّده إيراد المصنِّف حديث القبرَينِ في آخر الباب، وكأنَّ بُرَيدة حمل الحديث على عمومه
ولم يَرَه خاصّاً بِذَينِكَ الرجلين.
قال ابن رُشَيد: ويظهر من تَصرُّف البخاري أنَّ ذلك خاصٌّ بهما(١) فلذلك عَقَّبَه بقول
ابن عمر: إنَّا يُظِلّه عمله.
قوله: ((ورأى ابن عمر فُشْطاطاً على قبر عبد الرحمن)) الفُسْطاط بضم الفاء وسكون
المهمَلة وبطاءين مُهمَلتينٍ: هو البيت من الشَّعر، وقد يُطلَق على غير الشّعر، وفيه لغات
أُخرى بتثليث الفاء، وبالمثنَّاتين بدل الطاءين، وإبدال الطاء الأولى مُثنَّاة، وإدغامهما في
السّين، وكسر أوله في الثلاثة.
وعبد الرحمن: هو ابن أبي بكر الصِّدّیق بيَّنه ابن سعد في روايته له موصولاً من طريق
أيوب عن عبد الله بن يَسَار قال: مَرَّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أخي
عائشة وعليه فُسطاط مضروب، فقال: يا غلام انزِعْه، فإِنَّما يُظِلَّه عمله، قال الغلام:
تَضرِبني مولاتي، قال: كلًّا، فَنَزَعَه. ومن طريق ابن عَوْن عن رجل قال: قَدِمَت عائشة ذا
طَوَّى حين رفعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمَرَت بفُسطاطٍ فضُرِبَ على قبره
ووَكَّلَت به إنساناً وارتَحَلَت، فقَدِمَ ابن عمر ... فذكر نحوه. وقد تقدَّم توجيه إدخال هذا
الأثر تحت هذه الترجمة.
قوله: ((وقال خارجة بن زيد)) أي: ابن ثابت الأنصاريّ أحد ثقات التابعين، وهو أحد
السبعة الفقهاء من أهل المدينة ... إلى آخره. وَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ الصغير))(٢) من
(١) القول بالخصوصية هو الصواب، لأن الرسول و5 8* لم يغرز الجريدة إلا على قبور علم تعذيب أهلها، ولم
يفعل ذلك لسائر القبور، ولو كان سُنة لفعله بالجميع، ولأن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لم يفعلوا
ذلك، ولو كان مشروعاً لبادروا إليه، أما ما فعله بريدة فهو اجتهاد منه، والاجتهاد يخطئ ويصيب،
والصواب مع من ترك ذلك كما تقدم، والله أعلم. (س).
(٢) وهو أيضاً في ((التاريخ الأوسط)) له ١/ ٦٧، وهو المطبوع خطأً باسم ((التاريخ الصغير)).

٧٣٤
باب ٨١
فتح الباري بشرح البخاري
طريق ابن إسحاق: حدَّثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاريّ، سمعت خارجة
ابن زيد؛ فذكره، وفيه جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض.
وقوله: ((رأيتُني)) بضم المثنَّة، والفاعل والمفعول ضميران لشيءٍ واحد، وهو من خصائص
أفعال القلوب.
ومظعون والد عثمان بظاءٍ معجمة ساكنة ثمَّ مُهمَلة.
ومُناسَبته من وجه أنَّ وضع الجَريد على القبر يُرشِد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهرُ
القبر عن الأرض، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في آخر الجنائز (١٣٩٠).
قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): أراد البخاري أنَّ الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال
الصالحة، وأنَّ عُلوّ البناء والجلوس عليه وغير ذلك لا يضرُّ بصورَتِه، وإنَّما يضرُّ بمعناه إذا
تكلّمَ القاعدونَ علیه بما يضرّ مثلاً.
١٧٣/٣
قوله: ((وقال عثمان بن حكيم: أخذَ بيدي خارجة)) أي: ابن زيد بن ثابت ... إلخ، وَصَلَه
مُسدَّد في ((مسنده الكبير)) وبيَّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيمٍ بذلك ولفظه: حدَّثنا عيسى
ابن يونس، حدَّثنا عثمان بن حكيم، حدَّثنا عبد الله بن سَرِسَ وأبو سَلَمةَ بن عبد الرحمن،
أَهما سمِعا أبا هريرة يقول: لَأن أجلِسَ على جَمْرة فتَحرِق ما دون لحمي حتَّى تُفضي إليّ،
أحبّ إليَّ من أن أجلس على قبر. قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له
ذلك، فأخذ بيدي ... الحديث. وهذا إسناد صحيح.
وقد أخرج مسلم (٩٧١) حديث أبي هريرة مرفوعاً من طريق سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عنه، وروى الطَّحَاويُّ (٥١٧/١) من طريق محمد بن كعب قال: إنَّما قال أبو هريرة:
مَن جَلَسَ على قبر يبول عليه أو يَتَغَوَّط فكأنَّما جَلَسَ على جَمْرة؛ لكنَّ إسناده ضعيف.
قال ابن رُشَيد: الظاهر أنَّ هذا الأثر والذي بعده من الباب الذي بعد هذا وهو ((باب
موعظة المحدِّث عند القبر وقعود أصحابه حوله))، وكأنَّ بعض الرُّواة كَتَبه في غير
موضعه، قال: وقد يُتَكَلَّف له طريق يكون به من الباب، وهي الإشارة إلى أنَّ ضرب

٧٣٥
باب ٨١
كتاب الجنائز
الفُسْطاط إن كان لغَرَضٍ صحيح كالتستُرِ من الشمس مثلاً للحيِّ لا لإظلال الميّت فقط،
جاز، وكأنَّه يقول: إذا أُعليَ القبر لغَرَضٍ صحيح لا لقصد المباهاة، جازَ كما يجوز القعود
عليه لغَرَضٍ صحيح لا لمن أحدَثَ عليه.
قال: والظاهر أنَّ المراد بالحَدَثِ هنا التغوُّط، ويحتمل أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك من
إحداث ما لا يليق من الفُحْش قولاً وفعلاً لتأذّي الميِّت بذلك، انتهى.
ويُمكِن أن يقال: هذه الآثار المذكورة في هذا الباب تحتاج إلى بيان مُناسبتها للترجمة،
وإلى مُناسَبة بعضها لبعضٍ، وذلك أنَّه لم يذكُر حكم وضع الجريدة، وذكر أثر بريدة وهو
يُؤْذِن بمشروعيَّتها، ثمَّ أثر ابن عمر المشعِر بأنَّه لا تأثير لمَا يُوضَع على القبر، بل التأثير
للعمل الصالح، وظاهرهما التَّعارضُ، فلذلك أبهَمَ حُكْم وضع الجريدة.
قال الزّين بن المنيِر: والذي يظهر من تَصُّفه ترجيح الوَضْع، وُجاب عن أثر ابن عمر
بأنَّ ضرب الفُسطاط على القبر لم يَرِدْ فيه ما يَنتَفِع به الميِّت بخلاف وضع الجريدة، لأنَّ
مشروعيَّتها ثبتت بفعله ◌َ﴿ وإن كان بعض العلماء قال: إنَّها واقعة عينٍ يحتمل أن تكون
مخصوصة بمَن أطلَعَه الله تعالى على حال الميِّت، وأمَّا الآثار الواردة في الجلوس على القبر
فإنَّ عموم قول ابن عمر: ((إنَّما يُظِلّه عمله) يدخل فيه أنَّه كما لا يَنتِفِعُ بتظليلِه ولو كان
تعظيماً له، لا يَتَضَرَّر بالجلوس عليه ولو كان تحقيراً له، والله أعلم.
قوله: ((وقال نافع: كانَ ابن عمر يجلس على القبور)) وَصَله الطَّحَاويُّ (٥١٧/١) من
طريق بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ: أنَّ نافعاً حدَّثه بذلك، ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن
أبي شَيْبة (٣٣٨/٣) بإسناد صحيح عنه قال: لَأن أطأَ على رَضْف أحبُّ إليَّ من أن أطأ على
قبر. وهذه من المسائل المختَلَف فيها، ووَرَدَ فيها من صحيح الحديث ما أخرجه مسلم
(٩٧٢) عن أبي مَرَد الغَنَويّ مرفوعاً: ((لا تَجلِسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها)).
قال النَّوَويّ: المراد بالجلوس: القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود:
الحَدَث، وهو تأويل ضعيف أو باطل. انتهى، وهو يُوهِم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهَمَه

٧٣٦
باب ٨١
فتح الباري بشرح البخاري
كلام ابن الجَوْزيّ حيثُ قال: جمهور الفقهاء على الكراهة خلافاً لمالكٍ، وصَرَّحَ النَّوَويّ
في ((شرح المهذَّب)) بأنَّ مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة
وأصحابه كقول مالك كما نقله عنهم الطَّحَاويُّ واحتجَّ له بأثر ابن عمر المذكور، وأخرج
(٥١٧/١) عن عليٍّ نحوه، وعن زيد بن ثابت مرفوعاً: إنَّما نَهَى النبيُّ وَّه عن الجلوس على
القبور لحَدَثٍ غائط أو بول؛ ورجال إسناده ثقات.
ويؤيِّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد (٢٤٠٠٩/ ٤٣) من حديث عَمْرو بن حَزْم
الأنصاريّ مرفوعاً: ((لا تَقعُدوا على القبور))، وفي رواية له عنه (٣٩/٢٤٠٠٩): رآني
٢٣٥/٣ رسول الله وَ له وأنا مُتَّكِئ على قبر فقال: ((لا تُؤْذِ صاحب القبر)) إسناده صحيح، وهو دالٌ
على أنَّ المراد بالجلوس القعودُ على حقيقته، ورَدَّ ابن حَزْم التأويل المتقدِّم بأنَّ لفظ حديث
أبي هريرة عند مسلم (٩٧١): ((لَأن يجلس أحدكم على جَمْرة فَتَحرِق ثيابه فتَخلُص إلى
جِلده)) قال: وما عَهِدْنا أحداً يَقعُد على ثيابه للغائط، فدَلَّ على أنَّ المراد القعود على حقيقته.
وقال ابن بَطَّل: التأويل المذكور بعيد، لأنَّ الحَدَث على القبر أقبَح من أن يُكرَه، وإنَّما يُكرَه
الجلوس المتعارَف(١).
١٣٦١ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ: أنَّه مَرَّ بقبرَينٍ يُعذَّبان فقال: ((إِنَّمَا لَيُعذَّبان وما يُعذَّبان
في كبيرٍ، أمَّا أحدُهما فكانَ لا يَستَثِرُ مِن البَوْل، وأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشي بالنَّمِيمَةِ)»، ثمَّ أخذَ
جَرِيدةً رَطْبةً فشَقَّها بنصفين، ثمَّ غَرَزَ في كلِّ قبٍ واحدةً، فقالوا: يا رسولَ الله، لِمَ صَنَعتَ
(١) ويؤيد ما ذهب إليه الجمهورُ من النهي عن القعود على القبور مطلقاً ما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن جابر
قال: ((نهى رسول الله وَله أن يُجُصّص القبر وأن يُقعد عليه وأن يبنى عليه)). وهذا الحديث الصحيح وما جاء
في معناه يدل على تحريم تجصيص القبور والبناء عليها، لأن ذلك من تعظيمها وهو من وسائل الشرك كما
وقع ذلك في كثير من الأمصار. فالواجب على أهل العلم وعلى جميع المسلمين إنكاره والتحذير منه، وإذا
كان البناء على القبر مسجداً صارت المعصية أعظم، والوسيلة به إلى الشرك أظهر، ولهذا صح عن رسول الله
وتيه أنه لعن من اتخذ القبور مساجد، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)). (س).

كتاب الجنائز
باب ٨١-٨٢ / ح ١٣٦١ - ١٣٦٢
٧٣٧
هذا؟ فقال: ((لَعَلَّه أن يُحُفَّفَ عنهما ما لم يَيبَسا)).
قوله: ((حذَّثنا يحيى)) قال أبو عليّ الجَيَّانيّ: لم أرَه منسوباً لأحدٍ من المشايخ. قلت: قد
نَسَبَه أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)): يحيى بن جعفر، وجَزَمَ أبو مسعود في ((الأطراف)) وتَبِعَه
المِزِّيّ بأنَّه يحيى بن يحيى، ووقع في رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبريّ: ((حدَّثنا يحيى بن
موسى)) وهذا هو المعتمَد. وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عبّاس في كتاب الوضوء
(٢١٦) بما فيه مَقْنَع بعون الله تعالى، والله أعلم.
٨٢- باب موعظة المحدِّث عند القبر وقعود أصحابه حوله
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] الأجداثُ: القبورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:٤]: أُثِيرَت،
بَعْثَرَتُ حَوْضي، أي: جعلتُ أسفلَه أعلاه، الإيفاض: الإسراعُ، وقرأ الأعمشُ: ((إلى نَصْبٍ))
[المعارج: ٤٣]: إلى شيءٍ منصوبٍ يَستبِقونَ إليه، والنُّصْبُ واحدٌ، والنَّصْبُ مصدرٌ، ﴿يَوْمُ
اْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] من القبورِ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]: يخرجونَ.
١٣٦٢ - حدَّثنا عثمانُ، قال: حدَّثني جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي
عبد الرحمن، عن عليٍّ ﴾ قال: كنّا في جِنازةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ فأتانا النبيُّ وَّةِ، فَقَعَدَ وقَعَدْنا
حَوْلَه ومعه مِخْصَرةٌ، فنَكَّسَ فجَعَلَ يَنكُتُ بِمِخْصَرِهِ، ثمّ قال: ((ما منكم مِن أحدٍ، ما من
نفسٍ منفوسةٍ، إلا كُتِبَ مكانُها مِن الجنَّةِ والنارِ، وإلا قد ◌ُتِبَتْ شَقيَّةً أو سعيدةً) فقال رجلٌ: يا
رسولَ الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابِنا ونَدَعُ العملَ؟ فمَن كانَ منَّا من أهلِ السَّعادةِ، فسيصيرُ إلى
عملِ أهلِ السَّعادةِ، وأمَّا مَن كانَ منَّا من أهلِ الشَّقاوةِ فسيصيرُ إلى عملِ أهلِ الشَّقاوةِ، قال:
((أمَّا أهلُ السَّعادةِ فِيُيسَّرُونَ لعملِ السَّعادةِ، وأَمَّا أهلُ الشَّقاوةِ، فَيُسَّرُونَ لعملِ الشَّقاوةِ)» ثمَّ
قرأَ ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى﴾ الآيةَ [الليل: ٥].
[أطرافه في ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٩،٤٩٤٨، ٦٢١٧، ٧٥٥٢،٦٦٠٥]
قوله: ((باب موعظة المحدِّث عند القبر وتُعُود أصحابه حَوْله)) كأنَّه يشير إلى التفصيل بين
أحوال القعود، فإن كان لمصلحةٍ تتعلَّق بالحيِّ أو الميّت لم يُكرَه، ويُحمَل النَّهي الوارد عن
١

٧٣٨
باب ٨٢ / ح ١٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك على ما يخالف ذلك.
٢٢٦/٣
قوله: (﴿يَخْرُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: الأجداثُ: القبور)) أي: المراد بالأحداثِ في الآية القبور.
وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم وغيره من طريق قَتَادة والسُّدِّيّ وغيرهما، واحدها: جَدَثٌ، بفتح
الجيم والمهملة.
قوله: ((﴿بُعْثِرَتْ﴾: أثيِرَت، بَعثَرَتُ حَوْضي: جعلتُ أسفلَه أعلاه)) هذا كلام أبي عبيدة في
كتاب ((المجاز)). وقال السُّدّيّ: ﴿بُعْثِرَتْ ﴾ أي: حُرِّكَت، فخرج ما فيها. رواه ابن أبي حاتم.
قوله: ((الإيفاض)) بياءٍ تحتائيَّة ساكنة قبلها كسرة وبفاءٍ ومعجمة ((الإسراع)) كذا قال
الفَرّاء في ((المعاني)). وقال أبو عبيدة: ﴿يُوفِضُونَ﴾ أي: يُسرِعون.
قوله: ((وقرأ الأعمشُ: نَصْبٍ» يعني بفتح النون كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرِّ بالضمّ،
والأول أصحّ. وكذا ضَبَطَه الفَرّاء عن الأعمَش في كتاب ((المعاني)) وهي قراءة الجمهور،
وحكى الطبريّ(١) أنَّه لم يقرأه بالضمّ إلَّا الحسن البصريّ. وقد حكى الفَرّاء عن زيد بن
ثابت ذلك، ونقلها غيره عن مجاهد وأبي عِمْران الجَوْنيّ، وفي كتاب ((السبعة)) لابن مجاهد:
قرأها ابن عامر بضمَّتين - يعني: بلفظ الجمع - وكذا قرأها حفص عن عاصم. ومن هنا
يظهر سبب تخصيص الأعمش بالذِّكر لأنَّه كوفيٌّ، وكذا عاصم، ففي انفراد حفص عن
عاصم بالضمِّ شذوذٌ، قال أبو عبيدة: النَّصْب بالفتح: هو العَلَم الذي نَصَبوه ليَعبُدوه،
ومَن قرأ ﴿ إِلَى نُصُدٍ﴾ بالضمِّ فهي جماعة، مثل: رَهْن ورُهُن.
قوله: ((يُوفِضُونَ إلى شيء منصوب: يَستبِقونَ)) قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي حدَّثنا
مسلم بن إبراهيم، عن قُرّة، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَى نُصٍُ يُوفِضُونَ﴾ أي: يَبْتَدِرونَ أيُّهُم
يستلمه أولَ.
قوله: ((والنُّصْب واحدٌ، والنَّصْب مصدر)) كذا وقع فيه، والذي في ((المعاني)) للفرَّاء:
النُّصْب والنَّصْب واحد، وهو مصدر، والجمع: أنصاب. وكأنَّ التَّغيير من بعض النَّقَلة.
(١) في («تفسيره)) ٨٨/٢٩. وقد تحرف الطبري في (ع) و(س) إلى: الطبراني.

٧٣٩
باب ٨٣ / ح ١٣٦٣
كتاب الجنائز
قوله: ((﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من قبورهم(١)) أي: خروج أهل القبور من قبورهم.
قوله: ((﴿يَنْسِلُونَ﴾: يخرجونَ)) كذا أورَدَه عبد بن حميدٍ وغيره عن قَتَادة، وسيأتي له
معنَى آخر إن شاء الله تعالى. وفي نسخة الصَّغَانيّ بعد قوله: ((يخرجونَ)): من النَّسَلان.
وهذه التَّفاسير أورَدَها لتعلَّقِها بذِكْر القبر استطراداً، ولها تعلُّق بالموعظةِ أيضاً.
وقال الزَّين بن المنِر: مُناسَبة إيراد هذه الآيات في هذه الترجمة للإشارة إلى أنَّ المناسب
لمن قَعَدَ عند القبر أن يَقصُر كلامه على الإنذار بقُرب المصير إلى القبور، ثمَّ إلى النَّشر
لاستيفاء العمل.
ثمَّ أوردَ المصنِّف حديث عليّ بن أبي طالب مرفوعاً: ((ما من نفس منفوسة إلَّا كُتِبَ
مكانُها من الجنَّة والنار)) الحديث. وسيأتي مبسوطاً (٦٦٠٥) في تفسير: ﴿وَّلِ إِذَا يَغْشَى﴾،
وهو أصل عظيم في إثبات القَدر.
وقوله فيه: ((اعمَلوا)) جَرَى مَجَرَى أُسلوب الحكيم، أي: الزَمُوا ما يجب على العبد من
العُبوديَّة، ولا تتصرَّفوا في أمر الرُّبوبيَّة.
وعثمانُ شيخه: هو ابن أبي شَيْبة، وجرير: هو ابن عبد الحميد. وموضع الحاجة منه:
((فقَعَدَ وقعدنا حوله)).
وقوله: ((فقال رجل)) هو عمر أو غيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى(٢).
٨٣- باب ما جاء في قاتل النّفس
١٣٦٣ - حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قلابةَ، عن ثابتِ بنِ
الضَّحّاكِ ﴾ه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَن خَلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذباً مُتعمِّداً، فهو كما قالَ،
ومَن قَتَلَ نفسَه بحَدِيدٍ، عُذِّبَ به في نارٍ جهنَّمَ)).
[أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦٦٥٢،٦١٠٥]
(١) كذا وقع هنا في ((الفتح)) وكذلك هو في ((إرشاد الساري)) ٢/ ٤٥٤، والذي في نسخ اليُونينية: من القبور.
(٢) تحت شرح حديث رقم (٦٦٠٥).

٧٤٠
باب ٨٣ / ح ١٣٦٣ - ١٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢٧/٣
١٣٦٤ - وقال حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن الحسنِ، حدَّثنا جُندُبٌ ﴾
في هذا المسجدِ، فما نَسِينا، وما نَخافُ أن يَكذِبَ جُندُبٌّ على النبيِّ وَّةِ، قال: ((كانَ برجلٍ
جِراحٌ فقَتَلَ نفسَه، فقال الله: بَدَرَني عَبْدي بنفسِهِ، حَرَّمتُ عليه الجنَّةَ)).
[طرفه في: ٣٤٦٣]
١٣٦٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
ه قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((الَّذِي يَخْتُقُ نفسَه يَحْنُقُها في النار، والَّذي يَطْعُنُها يَطْعُنُها في النارِ)).
[طرفه في: ٥٧٧٨]
قوله: ((باب ما جاء في قاتل النَّفْس)) قال ابن رُشَيد: مقصود الترجمة حُكْم قاتل النَّفس،
والمذكور في الباب حُكم قاتلَ نفسه، فهو أخصُّ من الترجمة، ولكنَّه أراد أن يُلحِقِ بقاتلِ
نفسه قاتلَ غيره من باب الأَولى، لأنَّه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يَتَعدَّ ظُلْمَ نفسه ثَبَتَ فيه
الوعيد الشَّديد، فأَولِى مَن ظَلَمَ غیرہ بافاتةِ نفسه.
قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): عادة البخاري إذا توقَّف في شيء ترجم عليه ترجمة مُبهَمة،
كأنَّه يُنبِّه على طريق الاجتهاد، وقد نُقِلَ عن مالك: أنَّ قاتل النَّفْس لا تُقبَل توبته، ومُقتَضاه
أن لا یُصلَّی علیه، وهو نفس قول البخاريّ.
قلت: لعلَّ البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السُّنَن(١) من حديث جابر بن
سَمُرة: أنَّ النبيّ ◌َ﴿ أُتيَ برجلٍ قتل نفسه بمَشاقصَ فلم يُصلِّ عليه، وفي رواية للنَّسائيّ
(١٩٦٤): ((أمَّا أنا فلا أُصلِي عليه))، لكنَّه لمَّا لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة،
وأورَدَ فيها ما يُشبِهه من قصَّة قاتل نفسه.
ثمَّ أورد المصنّ في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ثابت بن الضَّحّاك فيمَن قتل نفسه بحديدةٍ، وسيأتي الكلام عليه
(١) أبو داود (٣١٨٥)، وابن ماجه (١٥٢٦)، والترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (١٩٦٤)، والحديث عند
مسلم أيضاً برقم (٩٧٨).