Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ باب ٦٧ / ح ١٣٣٨ كتاب الجنائز واستُدلَّ بخبر الباب على ردِّ التفصيل بين مَن صلَّى عليه فلا يُصلَّى عليه، بأنَّ القصّة وَرَدَت فيمَن صُلَّيَّ عليه، وأُجِيبَ بأنَّ الخصوصيَّة تنسحبُ على ذلك. واختَلَفَ مَن قال بشرع الصلاة لمن لم يُصلِّ، فقيل: يُؤخَّر دفنه ليُصلِّيَّ عليها مَن كان لم يُصلِّ، وقيل: يُبادَر بدفنِها ويُصلِّيّ الذي فاتَتْه على القبر، وكذا اختُلِفَ في أمَدِ ذلك: فعند بعضهم إلى شهر، وقيل: ما لم يَبلَ الجسد، وقيل: يَخْتَصّ بمَن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وهو الراجح عند الشافعيّة، وقيل: يجوز أبداً. ٦٧ - باب الميِّت يسمع خَفْق النِّعال ١٣٣٨ - حدَّثنا عيَّاشٌ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثْنا سعيدٌ. قال: وقال لي خَلِيفةُ: حَدَّثنا ابنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، عن النبيِّ وَلَّه قال: ((العبدُ إذا وُضِعَ في قبِه وتَوَلَّى وذهبَ أصحابُه حتَّى إنَّه لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعالِهم، أتاه مَلَكانٍ فَأَفْعَدَاهُ فيقولانٍ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ محمَّدٍ وََّ؟ فيقول: أشهدُ أنَّه عبدُ الله ورسولُه، فيقال: انظُرُ إلى مَقعَدِكَ مِن النارِ، أبدَلَكَ اللهُ به مَفْعَداً مِن الجنَّةِ)) قال النبيُّ وَّه ((فَيَرَاهُما جميعاً، وأمَّا الكافرُ أو المنافقُ فيقول: لا أَدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقال: لا دَرَيتَ ولا تَلَيَتَ، ثمَّ يُضرَبُ بِمِطْرَقةٍ من حديدٍ ضَرْبةً بين أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صيحةً يَسمَعُها مَن يَلِيهِ إلا الثَّقَلَيْنِ)». [طرفه في: ١٣٧٤] قوله: ((باب المَيِّت يَسمَع خَفْق النِّعال)) قال الزَّين بن المنيِر: جَرَّدَ المصنّف ما ضَمَّنَه هذه ٢٠٦/٣ الترجمة ليجعله أول آداب الدَّفن من التزام الوَقَار واجتناب اللَّغَط وقَرْع الأرض بشِدَّة الوَطْء عليها كما يلزمُ ذلك مع الحيِّ النائم، وكأنَّه اقتَطَعَ ما هو من سماع الآدميّينَ عن سماع ما هو من الملائكة. وترجم بالخَفْقِ ولفظ المتن بالقَرْع إشارةً إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه بلفظ الخَفْق، وهو ما رواه أحمد (١٨٦١٤) وأبو داود (٤٧٥٣) من حديث البراء بن عازب في أثناء حديث ٧٠٢ باب ٦٧ / ح ١٣٣٨ فتح الباري بشرح البخاري طويل فيه: ((وإنَّه ليسمعُ خَفْق نِعالهم))، وروى إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيّ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ المِيِّت ليسمعُ خفقَ نِعالهم إذا وَلَّوْا مُدِرينَ)) أخرجه البَزّار (٩٧١٥) وابن حِبَّان في «صحيحه)) (٣١١٨) هكذا مختصراً، وأخرج ابن حِبَّان أيضاً (٣١١٣) من طريق محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة: أنَّ النبيّ وَِّ، نحوه في حديث طويل. واستدلَّ به على جواز المشي بين القبور بالنِّعال، ولا دلالة فيه، قال ابن الجَوْزيّ: ليس في الحديث سوى الحكاية عمَّن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي إباحةً ولا تحريماً. انتهى، وإنَّما استدلَّ به مَن استدلَّ على الإباحة، أخذاً من كَونِهِ وَّهِ قاله وأقرَّه، فلو كان مكروهاً لَبِيَّنه، لكن يُعكِّر عليه احتمالُ أن يكون المراد سماعه إيَّها بعد أن يُجاوِزَ المقبرة، ويدلّ على الكراهة حديث بشير بن الخصاصِيَة: أنَّ النبيّ ◌َله رأى رجلاً يمشي بين القبور وعليه نَعْلان ◌ِبْتَّتان فقال: ((يا صاحب السِّبْتَّتين، ألقِ نَعلَيك)) أخرجه أبو داود (٣٢٣٠) والنَّسائيُّ (٢٠٤٨) وصحَّحه الحاكم (١/ ٣٧٣). وأغرَبَ ابن حَزْم فقال: يَجِرُم المشي بين القبور بالنِّعال السِّبتِيَّة دون غيرها، وهو جمودٌ شدید. وأمَّا قول الخطَّبي: يُشبِه أن يكون النَّهي عنهما لمَا فيهما من الخُيَلاء. فإنَّه مُتعقَّب بأنَّ ابن عمر كان يَلبَس النِّعال السِّبتيَّة ويقول: إنَّ النبيّ وَ لِ﴿ كان يلبسها، وهو حديث صحيح كما سيأتي في موضعه (٥٨٥١)(١). وقال الطَّحَاويّ: يُحِمَل نهي الرجل المذكور على أنَّه كان في نَعلَيهِ قَذَرٌ، فقد كان النبيُّ وَ يُصلِّي فِي نَعَلَيه ما لم يَرَ فيهما أذِّى. قوله: ((حدَّثْنا عيَّاش)) هو ابن الوليد الرَّام كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وهو بتحتائيَّةٍ ومعجمة، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى، وساق حديثه مقروناً برواية خليفةً (١) وقد سلف شرح النعال السِّبتية عند الحديث رقم (١٦٦). ٧٠٣ باب ٦٨ / ح ١٣٣٩ كتاب الجنائز عن يزيد بن زُرَيع على لفظ خليفة، وسيأتي مُفرَداً في باب عذاب القبر (١٣٧٤) عن عيَّاش ابن الوليد بلفظه وما فيه من زيادة، ويأتي الكلام عليه مُستوفّ هناك إن شاء الله تعالى. وقوله هنا: ((إذا وُضِعَ في قبره وتَولَّ وذهب أصحابه)) كذا ثَبَتَ في جميع الروايات، فقال ابن التِّين: إنَّه كَرَّرَ اللفظ والمعنى واحدٌ، ورأيته أنا مضبوطاً بخطٌّ مُعتَمَد ((وتُوُلَّ)) بضم أوله وكسر اللَّام على البناء للمجهول، أي: تُولَّ أمرُه، أي: الميِّت(١)، وسيأتي في رواية عيَّاش (١٣٧٤) بلفظ: ((وتَوَلَّ عنه أصحابه))، وهو الموجود في جميع الروايات عند مسلم (٢٨٧٠) وغيره. ٦٨ - باب من أحبَّ الدّفنَ في الأرض المقدَّسة أو نحوِها ١٣٣٩ - حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، أخبرنا معمر، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: ((أُرسِلَ مَلَكُ الموتِ إلى موسى عليهما السَّلام، فلمَّا جاءه صَگَّه فرجعَ إلى ربِّه فقال: أرسَلْتَني إلى عبدٍ لا يُرِيدُ الموتَ، فَرَدَّ الله عليه عَيْنَه وقال: ارجِعْ فقُلْ له: يَضَعُ يدَه على مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَه بكُلِّ ما غَطَّتْ به يدُه بكُلِّ شعرةٍ سَنَّةٌ، قال: أيْ ربِّ، ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ الموتُ، قال: فالآنَ، فسألَ اللهَ أن يُدْنيَه مِن الأرضِ المقدَّسةِ رَمْيَةً بحَجَرٍ)) قال: قال رسولُ الله وَلَّ: ((فلو كنتُ ثَمَّ لَأَرَيتُكم قبرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكَثِيبِ الأحمرِ)). [طرفه في: ٣٤٠٧] قوله: (باب مَن أحبَّ الدَّفْن في الأرض المقدَّسة أو نحوِها)) قال الزّين بن المنيِر: المراد ٢٠٧/٣ بقوله: ((أو نحوها)) بقيّة ما تُشَدُّ إليه الرِّحَال من الحرمين، وكذلك ما يُمكِن من مدافن الأنبياء وقبور الشُّهَداء والأولياء، تَيمُّناً بالجوار وتَعرُّضاً للرّحمة النازلة عليهم اقتداءً بموسى (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٤٤/٨: قوله: ((وتَولَّ)) أي: أَعرض ((وذهب أصحابه)) وهو من باب تنازُع العاملين. ثم ردَّ على ابن التِّين مقالتَه فقال: لا نسلِّم أن المعنى واحد، لأن التولِّ هو الإعراض ولا يستلزم الذهاب، ثم ذكر العينيُّ كلام الحافظ ابن حجر - دون أن يسميه - في ضبط ((تُولي)) على البناء للمجهول وقال: لا يُعتمد على هذا، والمعنى ما ذكرناه. ٧٠٤ باب ٦٨ / ح ١٣٣٩ فتح الباري بشرح البخاري عليه السلام. انتهى، وهذا بناء على أنَّ المطلوب القُرب من الأنبياء الذين دُفِنوا ببيت المقدس، وهو الذي رَجَّحَه عياض، وقال المهلَّب: إِنَّمَا طَلَبَ ذلك لَيَقْرُبَ عليه المشيُ إلى المحشَر، وتَسقُط عنه المشقّة الحاصلة لمن بَعُدَ عنه! ثم أوردَ المصنّف حديث أبي هريرة: ((أُرسلَ مَلَك الموت إلى موسى)) الحديث بطوله، أورَدَه المصنِّف بطوله من طريق مَعمَر عن ابن طاووس عن أبيه عنه، ولم يَذكُر فيه الرَّفع، وقد ساقه في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٧) من هذا الوجه ثمَّ قال: وعن مَعمَر عن همَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ نحوه، وقد ساقه مسلم (١٥٧/٢٣٧٢-١٥٨) من طريق مَعمَر بالسَّندینِ کذلك. وقوله فيه: (رَميةً بحَجَرٍ)) أي: قَدْر رمية حَجَر، أي: أدنِني من مكاني إلى الأرض المقدَّسة هذا القَدْر، أو أدنِني إليها حتَّى يكون بيني وبينها هذا القَدْر، وهذا الثاني أظهَر، وعليه شَرَحَ ابن بَطَّال وغيره، وأمَّا الأول فهو وإن رَجَّحَه بعضهم فليس بجيِّد، إذ لو كان كذلك لَطَلَبَ الدُّنوَّ أكثر من ذلك، ويحتمل أن يكون القدرُ الذي كان بينه وبين أول الأرض المقدَّسة كان قَدْر رمية فلذلك طَلَبَها، لكن حكى ابن بَطَّال عن غيره: أنَّ الِحِكْمة في أنَّه لم يَطلُب دخولها ليُعمي موضع قبره، لئلا تعبُدَه الجُهّال من مِلَّته. انتهى. ويحتمل أن يكون سِرُّ ذلك أنَّ الله لمَّا مَنَعَ بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتَرَكَهم في التِّيه أربعينَ سنة إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل الأرض المقدَّسة مع يُوشَع إلّا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد ممَّن امتَنَعَ أولاً أن يدخلها كما سيأتي شرح ذلك في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٧)، ومات هارون ثمَّ موسى عليهما السلام قبل فتح الأرض المقدَّسة على الصحيح كما سيأتي واضحاً أيضاً، فكأنَّ موسى لمَّا لم يَتهيّا له دخولها لغَلَبة الجَبَّارِينَ عليها، ولا يُمكِن نَبَشْه بعد ذلك ليُنقَلَ إليها، طَلَبَ القُربَ منها، لأنَّ ما قارَبَ الشيء يُعطَی حکمه. وقيل: إنَّما طَلَبَ موسى الدُّنوَّ، لأنَّ النبيَّ يُدفَن حيثُ يموت ولا يُنقَل، وفيه نظرٌ، لأنَّ ٧٠٥ باب ٦٩ / ح ١٣٤٠ كتاب الجنائز موسى قد نقل يوسف عليهما السلام معه لمَّا خرج من مصر كما سيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى، وهذا كلَّه بناء على الاحتمال الثاني، والله أعلم. واختُلِفَ في جواز نقل المِّت من بلد إلى بلد، فقيل: يُكرَه لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهَتْكِ حُرْمته، وقيل: يُستَحبّ، والأَولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنعُ حيثُ لم يكن هناك غَرَض راجح كالدَّفن في البِقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تَبلُغ التحريم، والاستحبابُ حيثُ يكون ذلك بقُربٍ مكان فاضل، كما نَصَّ الشافعيُّ على استحباب نقل الميِّت إلى الأرض الفاضلة كمكَّة وغيرها، والله أعلم. ٦٩ - باب الدَّفن بالليل ودُفِنَ أبو بكرٍ ﴾ليلاً. ١٣٤٠ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: صلَّى النبيُّ ◌َّهِ على رجلٍ بعدَما دُفِنَ بليلةٍ، قامَ هو وأصحابُه وكانَ سألَّ عنه، فقال: ((مَن هذا؟)) فقالوا: فلانٌ دُفِنَ البارحةَ، فصَلَّوْا عليه. قوله: ((باب الدَّفْن بالليل)) أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على مَن مَنَعَ ذلك مُخْتَجّاً بحديث ٢٠٨/٣ جابر: أنَّ النبيّ وَّهِ زَجَرَ أن يُقْبَر الرجل ليلاً إلَّا أن يُضطَرّ إلى ذلكَ، أخرجه ابن حِبَّان (٣١٠٣)، لكن بيَّن مسلم (٩٤٣) في روايته السبب في ذلك ولفظه: أنَّ النبيّ ◌َّ خَطَبَ يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قُبِضَ وكُفِّنَ في كَفَن غير طائل وقُبِرَ ليلاً، فَجَرَ أن يُقْبَر الرجلُ بالليل حتَّى يُصلِّيَّ عليه، إلّا أن يُضطَرَّ إنسان إلى ذلك، وقال: ((إذا وليَ أحدُكم أخاه فليُحسِّنْ كَفَنَه))، فدَلَّ على أنَّ النَّهي بسبب تحسين الكَفَن، وقوله: ((حتَّى يُصلَِّّ عليه)) مضبوط بكسر اللَّام، أي: النبيّ ◌َّهِ، فهذا سبب آخر يقتضي أنَّه إن رُجيَ بتأخير المَيِّت إلى الصَّباح صلاةٌ مَن تُرجَى بركته عليه استُحِبَّ تأخيره، وإلا فلا، وبه جَزَمَ الطَّحَاويّ. واستدلَّ المصنّف للجواز بما ذكره من حديث ابن عبّاس، ولم يُنكِرِ النبيُّ ◌َِّدفنهم إِيَّاه بالليل، بل أنكَرَ عليهم عدمَ إعلامهم بأمره، وأَيَّدَ ذلك بما صَنَعَ الصحابة بأبي بكر، وكان ٧٠٦ باب ٧٠ / ح ١٣٤١ فتح الباري بشرح البخاري ذلك كالإجماع منهم على الجواز. وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عبّاس قريباً (١٢٤٧). وأمَّا أثر أبي بكر فوَصَله المصنّف في أواخر الجنائز في ((باب موت يوم الاثنين)) من حديث عائشة (١٣٨٧) وفيه: ودُفِنَ أبو بكر قبل أن يُصبِح، ولابن أبي شَيْبة (٣٤٦/٣) من حديث القاسم بن محمد قال: دُفِنَ أبو بكر ليلاً، ومن حديث عُبيد بن السَّاق: أنَّ عمر دَفَنَ أبا بكر بعد العِشاء الآخرة، وصَحَّ أنَّ عليّاً دَفَنَ فاطمة ليلاً كما سيأتي في مكانه (٤٢٤٠). ٧٠ - باب بناء المسجد على القبر ١٣٤١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا اشتكَى النبيُّ نَِّ ذَكَرَت بعضُ نسائِهِ كَنِيسةً رَأَيْنَها بأرضِ الحبشةِ يقال لها: مارِيَةُ، وكانت أُّ سَلَمَةَ وأُّ حَبِيبةَ رضي الله عنهما أَتَتَا أرضَ الحبشةِ، فَذَكَرَتا من حُسْنِها وتَصاوِيرَ فيها، فَرَفَعَ رأسَه فقال: ((أُولئكِ إذا ماتَ منهم الرجلُ الصَّالِحُ بَنَوْا على قبره مسجداً، ثُمَّ صَوَّروا فيه تلكَ الصُّورةَ، أُولئكَ شِرارُ الخلقِ عندَ الله)). قوله: ((باب بناء المسجد على القبر)) أورَدَ فيه حديث عائشة في لَعْن مَن بنى على القبر مسجداً، وقد تقدَّم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب (١٣٣٠). قال الزَّين بن المنيِر: كأنَّه قَصَدَ بالترجمة الأولى اتّخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيثُ لولا تجدُّد القبر ما التّخِذَ المسجد، ويؤيِّده(١) بناء المسجد في المقبرة على حِدَته، لئلا يُحتاجَ إلى الصلاة فيُوجَد مكان يُصلَّى فيه سوى المقبرة، فلذلك نَحَا به مَنحَى الجواز. انتهى، وقد تقدَّم أنَّ المنع من ذلك إنَّما هو حال خَشْية أن يُصنَع بالقبر كما صنع أولئك الذين لُعِنوا، وأمّا إذا أُمِنَ ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنعِ مُطلَقاً مَن يرى سدَّ الذَّريعة، وهو هنا مُتَّجِه قويّ(٢). (١) هكذا في (س)، وهذه الكلمة غير واضحة في (أ) فكتب قارئ هذه النسخة على هامشها: ((لعله: ويؤيده))، وفي (ع): ولهذا بني المسجد. (٢) هذا هو الحق، لعموم الأحاديث الواردة بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن مَن فعل ذلك، ولأن بناء = ٧٠٧ باب ٧١ / ح ١٣٤٢ كتاب الجنائز ٧١ - باب من يدخل قبر المرأة ١٣٤٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حَدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن أنسِ ﴾، قال: شَهِدْنا بنتَ رسولِ الله وَّه ورسولُ اللهِوَّةِ جالسٌ على القيرِ، فرأيتُ عَينَيْهِ تَدمَعانٍ، فقال: ((هل فيكم مِن أحدٍ لم يُقارِفِ الليلةَ؟» فقال أبو طَلْحة: أنا، قال: «فانزِلْ في قيِها» فنزلَ في قیرِها، فقَبرها. قال ابنُّ مُبارَكٍ: قال فُلَيحُ: أُراه يعني الذَّنْبَ. قال أبو عبدِ الله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ [الأنعام: ١١٣] أي: ليَكتَسِبوا. قوله: ((باب مَن يَدخُل قبر المرأة» أورد فیه حديث أنس في دفن بنت رسول الله ◌َالت، ٢٠٩/٣ ونزول أبي طلحة في قبرها، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوقَّى (١٢٨٥) في ((باب الميِّت يُعذّب ببعض بکاء أهله عليه)). قوله: ((قال ابن المبارك)) تقدَّم هناك أنَّ الإسماعيليّ وَصَلَه من طريقه. ووقع في رواية أبي الحسن القابِسيّ هنا: ((قال أبو المبارَك)) بلفظ الكُنية، ونقل أبو عليٍّ الجَيَّانيّ عنه أنَّه قال: أبو المبارَك كُنية محمد بن سِنان، يعني: راوي الطَّريق الموصولة، وتعقَّبه بأنَّ محمد بن سِنان يُكْنى أبا بكر بغير خلاف عند أهل العلم بالحديث، والصواب: ابن المبارَك، كما في بقيَّة الطُرق. قوله: (﴿ وَلِيَقْتِقُواْ ﴾: لیکتَسِبوا)) ثَبَتَ هذا في روایة الگُشْمِیهنيّ، وهذا تفسير ابن عبّاس أخرجه الطَّبري(١) (٨/٨) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم ◌ُقْتَرِفُونَ﴾: ليَكتَسِبوا ما هم مُکتَسِبون. وفي هذا مَصِير من البخاري إلى تأييد ما قاله ابن المبارك عن فُلَيح، أو أراد أن يوجِّه الكلام المذكور، وأنَّ لفظ المقارَفة في الحديث أُريدَ به ما هو أخصُّ من ذلك وهو الجماع. = المساجد على القبور من أعظم وسائل الشرك بالمقبورين فيها، والله أعلم. (س). (١) تحرف في (س) إلى: الطبراني. ٧٠٨ باب ٧٢ / ح ١٣٤٣ فتح الباري بشرح البخاري ٧٢- باب الصلاة على الشّهيد ١٣٤٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني ابنُ شِهابٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ ◌َل يَجمَعُ بين الرجلينِ من قتلَى أَحَدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقول: ((أيُّها أكثرُ أخْذاً للقرآنِ؟)) فإذا أُشِيرَ له إلى أحدِهما قَدَّمَه في اللَّحْدِ، وقال: «أنا شَهِيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ)) وأُمَرَ بدَفْنِهم في دمائهم ولم يُغسَّلُوا، ولم يُصلَّ عليهم. [أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩] قوله: ((باب الصلاة على الشهيد)) قال الزَّين بن المنيِر: أراد: باب حُكم الصلاة على الشَّهيد، ولذلك أورَدَ فيه حديثَ جابر الدالَّ على نفيها، وحديثَ عُقْبة الدالَّ على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد: باب مشروعيَّة الصلاة على الشَّهيد في قبره لا قبل دفنه، عملاً بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشَّهيدِ: قتيل المعركة في حرب الكفّار. انتهى، وكذا المراد بقوله بعدُ: ((مَن لم يَرَ غُسل الشَّهيد))، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، صغيراً أو كبيراً، حُرّاً أو عبداً، صالحاً أو غير صالح، وخرج بقوله: ((المعركة)) مَن جُرِحَ في القتال وعاشَ بعد ذلك حياةً مُستَقِرّة، وخرج بحرب الكفَّار مَن مات بقتال المسلمين كأهل البَغْي، وخرج بجميع ذلك مَن سُمّيَ شهيداً بسببٍ غير السبب المذكور، وإنَّما يقال له: شهيد، بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كلّه على الصحيح من مذاهب العلماء. ٢١٠/٣ والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفَّار مشهور،/ قال التِّرمِذيّ: قال بعضهم: يُصلَّى على الشّهيد، وهو قول الكوفيِّين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يُصلَّى علیه، وهو قول المدنيّينَ والشافعيّ وأحمد. وقال الشافعيُّ في ((الأُمّ)): جاءت الأخبار كأنّها عيانٌ من وجوه متواترة: أنَّ النبيَّ وَه لم يُصلِّ على قتلى أُحد، وما رُوِيَ أنَّه صلَّى عليهم وكَبَّرَ على حمزة سبعينَ تكبيرة لا يصحُّ(١)، (١) انظر التعليق على حديث ابن مسعود من ((مسند أحمد)) برقم (٤٤١٤). = ٧٠٩ باب ٧٢ / ح ١٣٤٣ كتاب الجنائز وقد كان ينبغي لمن عارَضَ بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه. قال: وأمّا حديث عُقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحدیث أنَّ ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني: والمخالف يقول: لا يُصلَّى على القبر إذا طالت المدَّة. قال: وكأنَّه وَل ◌َدَعَا لهم واستَغفَرَ لهم حين عَلِمَ قُربَ أجله مودِّعاً لهم بذلك، ولا يدلُّ ذلك على نسخ الحكم الثابت. انتهى. وما أشار إليه من المدَّة والتوديع قد أخرجه البخاري أيضاً كما سننبِّه عليه بعد هذا. ثَّ إنَّ الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصحّ عند الشافعيَّة، وفي وجه أنَّ الخلاف في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة، قال المُرُّوذي عن أحمد: الصلاة على الشَّهيد أجوَدُ، وإن لم يُصلّوا عليه أجزاً. قوله: ((عن عبد الرحمن بن كَعْب بن مالك عن جابر)) كذا يقول الليث عن ابن شهاب، قال النَّسائيُّ (ك٢٠٩٣): لا أعلم أحداً من ثقات أصحاب ابن شِهاب تابَعَ الليثَ على ذلك. ثمَّ ساقه (ك٢١٤٠) من طريق عبد الله بن المبارك، عن مَعمَر، عن ابن شِهاب، عن عبد الله بن ثَعْلبة، فذكر الحديث مختصراً، وكذا أخرجه أحمد (٢٣٦٥٧) من طريق محمد بن إسحاق، والطَّبَرَانُّ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعَمْرو بن الحارث، كلّهم عن ابن شِهاب عن عبد الله بن ثَعْلبة، وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيثُ السماع مُرسَل، وقد رواه عبد الرزاق (٦٦٣٣) عن مَعمَر فزاد فيه جابراً، وهو ممَّا يُقوِّي اختيار البخاريّ، فإنَّ ابن شهاب صاحب حديث، فيُحمَل على أنَّ الحديث عنده عن شيخين، ولا سيَّما أنَّ في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثَعْلبة. وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر، رواه أُسامة بن زيد الليثيّ عنه عن أنس، أخرجه أبو داود (٣١٣٥) والتِّرمِذيّ (١٠١٦)، وأُسامة سيِّئ الحفظ، وقد حكى الثِّرمِذيّ في ((العِلَل)) (١/ ٤١١) عن البخاري: أنَّ أُسامة غَلِطَ في إسناده. وأخرجه البيهقيُّ (١١/٤) من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاريّ عن ابن شهاب فقال: ((عن عبد الرحمن بن كعب، = وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) ٢٩٥/٤: والصواب في المسألة أنه مخيَر بين الصلاة عليهم وتركها، لمجيء الآثار بكل واحدٍ من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليَقُ بأصوله ومذهبه. ٧١٠ باب ٧٢ / ح ١٣٤٤ فتح الباري بشرح البخاري عن أبيه)) وابن عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: ((عن أبيه)). وقد ذكر البخاري فيه اختلافاً آخر كما سيأتي بعد بابين (١٣٤٨). قوله: ((ثُمَّ يقول: أيُّهما)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أيّهم)). قوله: ((ولم يُصلَّ عليهم)) هو مضبوط في روايتنا بفتح اللَّام، وهو اللَّائق بقوله بعد ذلك(١): ((ولم يُغسَّلوا))، وسيأتي بعد بابينٍ من وجه آخر عن الليث (١٣٤٧) بلفظ: ((ولم يُصلِّ عليهم ولم يُغسِّلهم)) وهذه بكسر اللَّام، والمعنى: ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره. وفي حديث جابر هذا مباحث كثيرة يأتي استيفاؤها في غزوة أُحُد من المغازي (٤٠٧٩) إن شاء الله تعالى. وفيه جواز تكفين الرجلينِ في ثوب واحد لأجل الضَّرورة، إمَّا بجَمعِهما فيه، وإمَّا بقَطعِه بينهما، وعلى جواز دفن اثنين في لَحْد، وعلى استحباب تقديم أفضلهما لداخل اللَّحد، وعلى أنَّ شهيد المعركة لا يُغسَّل، وقد ترجم المصنّف لجميع ذلك. تنبيه: وقع في رواية أُسامة المذكورة(٢): ((لم يُصلَّ عليهم)) كما في حديث جابر، وفي رواية عنه عند الشافعيّ (٣٠٥/١) والحاكم (١ /٣٦٥): ((ولم يُصلِّ على أحد غيره))(٣) يعني حمزة، وقال الدارَقُطنيُّ: هذه اللفظة غير محفوظة - يعني: عن أسامة - والصواب الرواية الموافقة لحديث الليث، والله أعلم. ١٣٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللیثُ، حدَّثنی یزیدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبةَ بنِ عامٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّهُ خرج يوماً فصَلَّى على أهلِ أُحُدٍ صلاتَه على الميِّت، ثمّ انصَرَفَ إلى المنيرِ فقال: ((إِّ فَرَطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم، وإنِّي والله لَأَنظُرُ إلى حَوْضي الآنَ، وإنِّي أُعطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرضِ - أو مفاتيحَ الأرضِ - وإنِّ والله ما أخافُ عليكم أن (١) كذا وقع هنا، وهو سبق قلم، والصواب: قبل ذلك، لأن ذكر التغسيل في الحديث وقع قبل الصلاة عليهم. (٢) أسامة هذا: هو ابن زيد الليثي كما سبق، وروايته هذه عند أبي داود برقم (٣١٣٥) و(٣١٣٦)، والترمذي برقم (١٠١٦). (٣) هذا الحرف ليس عند الشافعي، وهو عند الحاكم وحده. ٧١١ باب ٧٢ / ح ١٣٤٤ كتاب الجنائز تُشِرِكُوا بعدي، ولكنْ أخافُ عليكم أن تَنافَسُوا فيها)). [أطرافه في: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٥٩٠،٦٤٢٦] قوله: ((عن أبي الخير)) هو اليَزَنيّ، والإسناد كلّه مصريُّون(١)، وهذا معدود من أصحّ الأسانيد. قوله: ((صلاتَه)) بالنصب، أي: مثلَ صلاته. زاد في غزوة أُحُد (٤٠٤٢) من طريق حَيْوة ابن شُرَيح عن يزيد: بعد ثمان سنينَ كالمودِّع الأحياء والأموات، وزاد فیه: فكانت آخر نَظْرة نَظَرتُها إلى رسول الله وَل﴾. وسيأتي الكلام على الزيادة هناك إن شاء الله تعالى. وكانت أُحُد في شوَّال سنة ثلاث، ومات ◌َ له في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ٢١١/٣ ففي قوله: ((بعد ثمان سنينَ)) تجوُّز على طريق جَبْر الكسر، وإلَّ فهي سبع سنينَ ودون النِّصف. واستُدلَّ به على مشروعيَّة الصلاة على الشُّهَداء، وقد تقدَّم جوابُ الشافعيّ عنه بما لا مزید علیه. وقال الطَّحَاويّ: معنى صلاته وَّل عليهم لا يَخْلُو من ثلاثة مَعانٍ: إمَّا أن يكون ناسخاً لمَا تقدَّم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سُنَّهم أن لا يُصلَّى عليهم إلَّا بعد هذه المدّة المذكورة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنَّها واجبة. وأيّها كان فقد ثَبَتَ بصلاته عليهم الصلاةُ على الشُّهَداء، ثمَّ كان الكلام بين المختلِفِينَ في عصرنا إنَّما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدَّفن كانت قبل الدَّفن أولى. انتهى. وغالب ما ذكره بصَدَد المنع - لا سيَّما في دعوى الحصر - فإنَّ صلاته عليهم تَحْتَمِل أُموراً أُخَر، منها: أن تكون من خصائصه، ومنها: أن تكون بمعنى الدُّعاء كما تقدَّم. ثمَّ هي واقعة عينٍ لا عموم فيها، فكيف يَنتِهِض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تَقرَّرَ؟ ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره، والله أعلم. قال النَّوَويّ: المراد بالصلاة هنا: الدُّعاء، وأمَّا كَونُه مثل الذي على الميِّت، فمعناه: أنَّه دعا لهم بمثل الدُّعاء الذي كانت عادته أن يدعوَ به للموتى. (١) تحرف في (س) إلى: بصريون، بالباء في أوله، والصواب أنهم مصريون من مصر. ٧١٢ باب ٧٣ / ح ١٣٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إِي فَرَطٌ لكم)) أي: سابِقُكم. قوله: ((وإنِّي والله)) فيه الخَلِف لتأكيد الخبر وتعظيمه. قوله: (لَأَنْظُرُ إلى حَوْضي)» هو على ظاهره، وكأنَّه كُشِفَ له عنه في تلك الحالة. وسيأتي الكلام على الحوض مُستوفَى في كتاب الرِّقاق (٦٥٩٠) إن شاء الله تعالى، وكذا على المنافَسة في الدنیا. قوله: ((ما أخاف عليكم أن تُشِرِكُوا)) أي: على مجموعكم، لأنَّ ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالی. وفي هذا الحديث مُعجِزات للنبيِّ وََّ، ولذلك أورَدَه المصنِّف في ((علامات النُّبُوّة)) (٣٥٩٦) كما سيأتي بقيَّة الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. ٧٣- باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر ١٣٤٥ - حدّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا الليثُ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عبد الرحمن بنِ كَعْب، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ النبيَّ وَّهِ كَانَ تَجِمَعُ بين الرجلينِ من قَتْلی أُحُدٍ. قوله: ((باب دَفْن الرجلين والثَّلاثة في قبر)) أورَدَ فيه حديث جابر المذكور مختصراً بلفظ: کان یُجمع بین الرجلینِ من قتلى أُحُد. قال ابن رُشَيد: جَرَى المصنِّ على عادته إمَّا بالإشارةِ إلى ما ليس على شرطه، وإمَّا بالاكتفاء بالقياس، وقد وقع في رواية عبد الرزاق (٦٦٣٣) - يعني: المشار إليها قبلُ - بلفظ: وكان يَدِفِنُ الرجلينِ والثلاثةَ في القبر الواحد. انتهى. ووَرَدَ ذِكْر الثلاثة في هذه القصّة عن أنس أيضاً عند التِّرمِذيّ (١٠١٦) وغيره(١)، وروى أصحاب ((السُّنَن)) عن هشام بن عامر الأنصاريّ قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله وَ له (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٢٣٠٠)، وأبو داود (٣١٣٦)، وهو حديث حسن لغيره، ولتمام الفائدة انظره في «المسند». ٧١٣ باب ٧٤ / ح ١٣٤٦ كتاب الجنائز يوم أُحُد فقالوا: أصابَا قَرْح وجَهْد، قال: ((احِفِروا وأوسِعوا، واجعلوا الرجلينِ والثلاثةَ في القبر))(١) صحَّحه التِّرمِذيّ، والظاهر أنَّ المصنّف أشار إلى هذا الحديث. وأمَّا القياس ففيه نظرٌ، لأنَّه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة، بل كان يقول مثلاً: دَفْن الرجلین فأكثر. ويُؤخَذ من هذا جواز دفن المرأتينِ في قبر، وأمَّا دفنُ الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق (٦٣٧٨) بإسناد حسن عن وائلةَ بن الأسقَع: أنَّه كان يَدفِنُ الرجل والمرأة في القبر الواحد فيُقدِّم الرجل ويجعل المرأة وراءَه؛ وكأنَّه كان يجعل بينهما حائلاً من تراب ولا سيّما إن كانا أجنبيّين، والله أعلم. ٧٤ - باب من لم ير غَسْل الشُّهداء ٢١٢/٣ ١٣٤٦ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حذَّثنا ليثٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن عبدِ الرحمن بنِ کَعْب، عن جابرٍ، قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((ادْفِنُوهم في دمائِهم)) يعني: يومَ أَحدٍ، ولم يُغسِّلْهم. قوله: ((باب مَن لم يَرَ غَسْل الشُّهَداء)) في نسخة: ((الشَّهيد)) بالإفراد. أشار بذلك إلى ما رُوِيَ عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال: يُغسَّل الشَّهيد، لأنَّ كلّ ميِّت مُجِنِب فيجب غسلُه، حكاه ابن المنذر (٣٤٧/٥)، قال: وبه قال الحسن البصريّ. ورواه ابن أبي شَيْبة (٢٥٣/٣) عنهما أي: عن سعيد والحسن، وحُكيَ عن ابن سُرَيج من الشافعيَّة وعن غيره، وهو من الشُّذوذ. وقد وقع عند أحمد (١٤١٨٩) من وجه آخر عن جابر: أنَّ النبيَّ وَّ قال في قتلى أُحُد: ((لا تُغْسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جُرْح - أو كلَّ دم - يَفُوح مِسكاً يومَ القيامة)، ولم يُصلِّ عليهم. فبيَّن الحكمة في ذلك. ثُمَّ أوردَ المصنِّف حديث جابر المذكور قبلُ مختصراً بلفظ: ((ولم يُغسِّلهم))، واستَدلَّ بعمومِه على أنَّ الشَّهيد لا يُغسَّل حتَّى ولا الجُنُب والحائض، وهو الأصحُّ عند الشافعيَّة، (١) أخرجه أبو داود (٣٢١٥) و(٣٢١٦) و(٣٢١٧)، وابن ماجه (١٥٦٠)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٠) و(٢٠١١) و(٢٠١٥-٢٠١٨). ٧١٤ باب ٧٥ / ح ١٣٤٧ - ١٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: يُغسَّل للجنابة لا بنيَّةِ غسل المِيِّت، لمَا رُوِيَ في قصَّة حنظلة بن الرّاهب: أنَّ الملائكة غَسَّلَتِه يوم أُحد لمَّا استُشهِدَ وهو جُنُب، وقِصَّته مشهورة رواها ابن إسحاق وغيره(١)، وروى الطََّرانيّ (١٢٠٩٤) وغيره من حديث ابن عبّاس بإسناد لا بأس به عنه قال: أُصيبَ حمزة بن عبد المطَّلِب وحنظلة بن الرّاهب وهما جُنُب، فقال رسول الله وَله: ((رأيت الملائكة تُغسِّلهما)» غريب في ذِكْر حمزة، وأُجيبَ بأنَّه لو كان واجباً ما اكتُفيَ فيه بغَسْل الملائكة، فدَلَّ على سقوطه عمَّن يَتَولَّى أمر الشَّهيد، والله أعلم. ٧٥ - باب من يقدَّم في اللَّحْد وسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّه في ناحيةٍ، وكلُّ جائٍ: مُلحِدٌ. ﴿ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]: مَعدِلاً، ولو كانَ مستقيماً لكانَ ضَرِيحاً. ١٣٤٧ - حدَّثنا ابنُ مُقاتِل، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا ليثُ بنُ سعدٍ، حدَّثني ابنُ شِهابٍ، عن عبد الرحمن بنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ِّ كانَ يَجِمَعُ بين الرجلينِ من قَتْلِى أُحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقول: ((أيُّهم أكثرُ أَخْذاً للقرآنِ؟)) فإذا أُشِيرَ له إلى أحدِهما قَدَّمَه في اللَّحْدِ، وقال: ((أنا شهيدٌ على هؤلاءٍ)) وأمَرَ بدَفْنِهِم بدمائِهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسِّلْهم. ١٣٤٨ - وأخبرنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: كانَ رسولُ اللهَِّ يقول لقَتْلى أُحدٍ: «أيُّ هؤلاءِ أكثرُ أخْذاً للقرآنِ؟)) فإذا أُشِيرَ له إلى رجلٍ، قَدَّمَه في اللَّحْدِ قبلَ صاحبِهِ. وقال جابرٌ: فكُفِّنَ أَبي وعمِّي في نَمِرَةٍ واحدةٍ. وقال سليمانُ بنُ كثيرٍ: حدَّثني الزُّهْرِيُّ، حدَّثني مَن سَمِعَ جابراً ﴾. قوله: «باب مَن يُقدّم في اللَّخْد» أي: إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دَلَّ حديث الباب على تقديم مَن كان أكثر قرآناً من صاحبه، وهذا نَظِيرُ تقديمه في الإمامة. قوله: ((وسُمّيَ اللَّحْدَ لأنَّه في ناحية)) قال أهل اللُّغة: أصل الإلحاد: المَيْل والعُدول عن ٢١٣/٣ (١) وأخرجه ابن حبان برقم (٧٠٢٥)، وانظر تمام تخريجه فيه، وانظر ((السيرة)) لابن هشام ٧٩/٣. ٧١٥ باب ٧٥ / ح ١٣٤٧ - ١٣٤٨ كتاب الجنائز الشيء، وقيل للمائلِ عن الدِّين: مُلحِد، وسُمّيَ اللَّحدَ لأنَّه شَقٌ يُعمَل في جانب القبر فَيَمِيل عن وَسَط القبر إلى جانبه، بحيثُ يَسَعُ المِّت فيُوضَع فيه ويُطبَق عليه اللَّبِن. وأمَّا قول المصنّف بعدُ: ((ولو كان مُستَقِيماً لكان ضَريحاً) فلأنَّ الضَّريح شَقٌّ يُشَقُّ في الأرض على الاستواء ویُدفَن فیه. قوله: ((﴿مُلْتَحَدًا﴾: مَعْدِلاً)) هو قول أبي عبيدة بن المثنَّى في كتاب ((المجاز))، قال: قوله ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: مَعِدِلاً. وقال الطبريُّ (٢٣٣/١٥): معناه: ولن تَجِدَ من دونه مَعِدِلاً تَعدِل إليه عن الله، لأنَّ قُدرة الله محيطة بجميع خلقه. قال: والملتَحَد مُفتَعَل من اللَّحد، يقال منه: لَحَدْتُ إلى كذا: إذا مِلْت إليه. انتهى، ويقال: لَدْتُه وألحَدتُه، قال الفَرّاء: الرُّباعيّ أجود، وقال غيره: الثُّلائيّ أكثر. ويؤيِّده حديث عائشة في قصَّة دفن النبيّ وَّهِ: فأرسَلُوا إلى الشَّقّاق واللَّاحد ... الحديث، أخرجه ابن ماجَهْ (١٥٥٨). ثمَّ ساق المصنِّف حديث جابر من طريق ابن المبارك عن الليث مُتَّصِلاً، وعن الأوزاعيِّ مُنقطِعاً لأنَّ ابن شِهاب لم يسمع من جابر. زاد ابن سعد في ((الطَّقات)) (٥٦٢/٣-٥٦٣) عن الوليد بن مسلم: حدَّثني الأوزاعيُّ بهذا الإسناد قال: ((زَمِّلوهم بجِراحهم، فإنِّ أنا الشَّهيد عليهم، ما من مسلم يُكلَم في سبيل الله إلَّا جاء يوم القيامة یسیل دَماً)) الحديث. قوله في رواية الأوزاعيّ: ((فَكُفِّنَ أبي وعَمّي في نَمِرة)) هي بفتح النون وكسر الميم: بُرْدة من صوف أو غيره مُطَّطة. وقال الفَرّاء: هي دُرّاعة فيها لونان سواد وبياض، ويقال للسحابة إذا كانت كذلك: نَمِرة، وذكر الواقديّ في ((المغازي)) وابن سعد (٥٦٢/٣): أنَّهما كُفِّنا في نَمِرتَين، فإن ثَبَتَ ◌ُِلَ على أنَّ النَّمِرة الواحدة شُقّت بينهما نصفين، وسيأتي مزيد لذلك بعد بابين (١٣٥٣). والرجل الذي كُفِّنَ معه في النَّمِرة كأنَّه هو الذي دُفِنَ معه كما سیأتي الكلام على تسميته بعد باب (١٣٥١). ٧١٦ باب ٧٦ / ح ١٣٤٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال سليمان بن كثير ... )) إلى آخره، هو موصول في ((الزُّهْرِيّات)) للذُّهليّ، وفي رواية سليمان المذكور إبهام شيخ الزُّهْريّ وقد تقدَّم البحث فيه قبل بابين (١٣٤٣)، قال الدارَ قُطْنِيُّ في ((الَّبُّع)): اضطَرَبَ فيه الزُّهْرِيُّ، وأُجيبَ بمنع الاضطِراب، لأنَّ الحاصل من الاختلاف فيه على الثِّقات أنَّ الزُّهْريَّ حمله عن شيخين، وأمَّا إبهام سليمان لشيخ الزُّهْريِّ وحذف الأوزاعيِّ له فلا يُؤْثِّر ذلك في رواية مَن سمّاه، لأنَّ الحُجّة لمن ضَبَطَ وزاد إذا كان ثقةً لا سيّما إذا كان حافظاً، وأمَّا رواية أُسامة وابن عبد العزيز فلا تَقدَحُ في الرواية الصحيحة لضعفِهما، وقد بيّنّا أنَّ البخاري صَرَّحَ بغلطِ أُسامة فيه. وسيأتي الكلام على بقيَّة فوائد حديث جابر في المغازي (٤٠٩٠)، وفيه فضيلة ظاهرة لقارئ القرآن، ويلحقُ به أهل الفقه والزُّهد وسائر وجوه الفضل. ٧٦ - باب الإذْخِر والحشيش في القبر ١٣٤٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثنا عبدُ الوهَاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((حَرَّمَ الله مكَّةَ، فلم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا لأَحدٍ بعدي، أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، لا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يُعضَدُ شجرُها، ولا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا تُلتَقَطُ لُقَطَّئُها إِلَّ لِمُعرِّفٍ)) فقال العَبَّاسُ : إِلَّ الإذْخِرَ لصاغَتِنا وقُبُورِنا، فقال: ((إلَّا الإذْخِرَ)). وقال أبو هريرةَ﴾ عن النبيِّ وَّ: «القُبُورِنا وبُيوتِنا)). وقال أبانُ بنُ صالحٍ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن صَفِيَّةً بنت شَيْبَةَ: سمعتُ النبيَّ وَِّهِ مِثلَه. وقال مجاهدٌ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((لِقَيْنهم وبيوتهم)). ٢١٤/٣ [أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ١٢٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٤٣١٣،٣١٨٩] قوله: «باب الإذْخِر والحشیش في القبر)) أورد فيه حدیث ابن عبّاس في تحریم مگَّة، وفيه: فقال العبّاس: إلَّا الإذخِر لصاغَتِنا وقبورنا. وسيأتي الكلام على فوائده في كتاب الحج (١٨٣٤) إن شاء الله تعالى. ٧١٧ باب ٧٧ / ح ١٣٥٠ كتاب الجنائز وجَوَّزَ ابن مالك في قوله: ((إلَّا الإذخِر)) الرَّفع والنصب، وترجم ابن المنذر(١) على هذا الحديث: طَرْح الإذخِر في القبر وبَسْطه فيه. وأراد المصنّف بذِكْر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخِرِ، وأنَّ المراد باستعمال الإذخر البَسْط ونحوه لا التطيُّب، ومراده بالحشيش: ما يجوز حَثُّه من الحَرَم، إذ لم يُقيِّده في الترجمة بشيءٍ. وقد تقدَّم في ((باب إذا لم يَجِدْ كَفَناً)) (١٢٧٦) في قصَّة مصعب بن عُمَير لمَّا قَصُرَ كفنُه أن يُغطّى رأسه وأن يُجعَل على رِجلَيه من الإذخر، ولأحمد (٢١٠٧٢) من حديث خبَّاب أيضاً: أنَّ حمزة لم يُوجَد له كَفَن إلَّا بُرْدة، إذا جُعِلَت على رأسه قَلَصَت عن قَدَمَيه، وإذا جُعِلَت على قدميه قَلَصَت عن رأسه، حتَّى مُدَّت على رأسه وجُعِلَ على قدمیه الإذخِرُ. قوله: ((وقال أبو هريرة ... )) إلى آخره، هو طرف من حديث طويل فيه قصَّة أبي شاهٍ، وقد تقدَّم موصولاً في كتاب العلم (١١٢). قوله: ((وقال أبانُ بن صالح ... )) إلى آخره، وَصَله ابن ماجه (٣١٠٩) من طريقه وفيه: فقال العبَّاس: إلَّ الإذخِر، فإنَّه للبيوتِ والقبور. قوله: ((وقال مجاهد ... )) إلى آخره، هو طرف من الحديث الأول، وسيأتي موصولاً في كتاب الحج (١٨٣٤)، وأورَدَه لقوله فيه: (لقَيْنهم)) بدلَ ((لقبورهم))، والقَيْن بفتح القاف وسكون التحتائيَّة بعدها نون: هو الحَدّاد، وكأنَّه أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقةٍ رواية أبي هريرة وصفيَّة. وسيأتي الكلام عليه مُستوفّ في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. ٧٧- باب هل يُخْرَج الميّت من القبر واللَّحد لعِلَّة؟ ١٣٥٠ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمرٌّو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: أَتَى رسولُ الله ◌َّهِ عبدَ الله بنَ أُيِّ بعدَما أُدخِلَ حُفْرَتَه، فأمُرَ به فأُخرِجَ، فَوَضَعَه على رُكْبَتَهِ ونَفَثَ عليه من رِيقِهِ، وألبَسَه قميصَه، فاللهُ أعلَمُ، وكانَ كَسَا عبَّاساً قميصاً. (١) في كتابه ((الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف)) ٤٥٥/٥. ٧١٨ باب ٧٧ / ح ١٣٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قال سفيانُ: وقال أبو هارونَ: وكانَ علی رسول الله ◌َّ﴿ قمیصانٍ، فقال له ابنُ عبدِ الله: یا رسولَ الله، ألِبِسْ أَبِي قميصَكَ الَّذِي يَلِي جِلدَكَ، قال سفيانُ: فَيَرَوْنَ أنَّ النبيَّ وَّهِ أَلْبَسَ عبدَ الله قميصَه مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. ٢١٥/٣ قوله: ((باب هل يُخْرَج الميّت من القبر واللَّحْد لعِلَّةٍ؟)) أي: لسببٍ، وأشار بذلك إلى الردِّ على مَن مَنَعَ إخراج الميِّت من قبره مُطلَقاً أو لسببٍ دون سبب، كمَن خَصَّ الجواز بما لو دُفِنَ بغير غُسل أو بغير صلاة، فإنَّ في حديث جابر الأول دلالةً على الجواز إذا كان في نَبْشه مصلحة تتعلَّق به من زيادة البَرَكة له، وعليه يَتنزَّل قولُه في الترجمة: من القبر. وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمرٍ يَتعلَّق بالحيِّ، لأنَّه لا ضَرَرَ على الميِّت في دفن ميِّت آخر معه، وقد بيَّن ذلك جابر بقوله: ((فلم تَطِبْ نفسي)) وعليه يُنَزَّل قوله: ((واللَّحد)) لأنَّ والد جابر كان في لحدٍ. وإنَّما أورَدَ المصنّف الترجمة بلفظ الاستفهام لأنَّ قصَّة عبد الله بن أُبيِّ قابلة للتخصيص، وقصَّة والد جابر ليس فيها تصريح بالرَّفع، قاله الَّين بن المنیِرِ. ثمَّ أورَدَ المصنِّف فيه حديث عَمْرو - وهو ابن دينار - عن جابر في قصَّة عبد الله بن أُبيّ، وقد سَبَقَ ذِكْره (١٢٧٠) في ((باب الكَفَن في القميص)) وزاد في هذه الطَّريق: وكان كَسَا عبَّاساً قميصاً، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: قميصه، والعبّاس المذكور: هو ابن عبد المطَّلِب عمّ النبيّ ◌َلّ. قوله: ((قال سفيان: وقال أبو هارون ... )) إلى آخره، كذا وقع في رواية أبي ذرِّ وغيرها، ووقع في كثير من الروايات: وقال أبو هريرة، وكذا في ((مُستخرَج أبي نُعَيم))، وهو تصحيف، وأبو هارون المذكور جَزَمَ الِزِّيُّ بأنَّه موسى بن أبي عيسى الحنَّاط - بمُهمَلة ونون - المدنيُّ، وقيل: هو الغَنَويّ، واسمه إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين، فالحديث مُعضَل، وقد أخرجه الحميدي في ((مسنده)) (١٢٤٨) عن سفيان فسمَّه عيسى ولفظه: حدَّثنا عيسى بن أبي موسى(١)، فهذا هو المعتمَد. (١) الذي بين أيدينا من ((مسند الحميدي)): موسى بن أبي عيسى، كما ذكر الشارح آنفاً، وهو الصواب في = ٧١٩ باب ٧٧ / ح ١٣٥١ -١٣٥٢ كتاب الجنائز قوله: ((قال سفيان: فيَرَوْنَ أنَّ النبيَّ نَّهِ ألبَسَ عبدَ الله قميصَه مكافأةً لمَا صَنَعَ)) [أي]: بالعبَّاس، هذا القَدْرُ مُتَصِل عند سفيان، وقد أخرجه البخاري في أواخر الجهاد (٣٠٠٨) في ((باب كسوة الأُسارَى)) عن عبد الله بن محمد عن سفيان بالسَّند المذكور، قال: لمَّا كان يوم بدر أُتيَ بأُسارى وأُتيَ بالعبّاس ولم يكن عليه ثوب، فوجدوا قميص عبد الله بن أُبيّ يَقْدُر عليه، فَكَسَاه النبيُّ وَّهِ إِيَّاه، فلذلك نَزَعَ النبيّ ◌َِّ قميصه الذي ألبَسَه. ويحتمل أن يكون قوله: ((فلذلكَ)) من كلام سفيان أُدْرِجَ في الخبر، بيَّنته روايةٌ عليّ بن عبد الله التي في هذا الباب، وسأستوفي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. ١٣٥١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، أخبرنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا حسينٌ المعلِّمُ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ، قال: لمَّا حَضَرَ أُحدٌ دَعَانِي أَبي مِن الليلِ فقال: ما أُراني إلا مقتولاً في أوَّلِ مَن يُقْتَلُ من أصحابِ النبيِّ وَّةِ، وإنِّي لا أتْرُكُ بعدي أعزَّ عليَّ منكَ غيرَ نفسِ رسولِ اللهِ وَّه وإنَّ عليَّ دَيناً فاقْضٍ واستَوصٍ بأخَواتِكَ خيراً، فأصبَحْنا، فكانَ أوَّلَ قتيلٍ ودُفِنَ معه آخَرُ في قبٍ، ثمَّ لم تَطِبْ نَفْسي أن أنُكَه مع الآخَرِ، فاستَخْرجتُهُ بعدَ سنَّةِ أشهُرٍ، فإذا هو كيومَ وَضَعتُهُ هُنيَةً غیرَ أُذُنِهِ. [طرفه في: ١٣٥٢] ١٣٥٢ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سعيدُ بنُ عامٍ، عن شُعْبةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ﴾، قال: دُفِنَ مع أَبي رجلٌ، فلم تَطِبْ نَفْسي حتَّى أخرجتُه، فجعلتُه في قیر على حِدَةٍ. قوله: ((حدَّثنا حسين المعلِّم عن عطاء)) هو ابن أبي رَبَاح ((عن جابر)) هكذا أخرج البخاري هذا الحديث عن مُسَّد عن بشر بن المفضَّل عن حسين، ولم أرَه بعد التَُّّع الكثير في شيء من كتب الحديث بهذا الإسناد إلى جابر إلَّا في البخاريّ، وقد عَزَّ على الإسماعيليّ تَخَرَجُه فأخرجه في ((مُستخرَجه)) من طريق البخاريّ، وأمَّا أبو نُعَيم فأخرجه من طريق أبي الأشعَث عن بشر بن المفضَّل فقال: عن سعيد بن يزيد عن أبي نَضْرة عن جابر، وقال = اسمه ولم يُذكَر فيه خلاف، وقوله: هذا هو المعتمد، عجيبٌ ولعله ذهولٌ منه رحمه الله، والله أعلم. ٧٢٠ باب ٧٧ / ح ١٣٥١ - ١٣٥٢ فتح الباري بشرح البخاري بعده: ليس أبو نَضْرة من شرط البخاريّ، قال: وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدّاً. قلت: وطريق سعيد مشهورة عنه، أخرجها أبو داود (٣٢٣٢) وابن سعد (٥٦٣/٣) والحاكم (٣/ ٢٠٣) والطَّبرانيُّ من طريقه عن أبي نَضْرة عن جابر، واحتَمَلَ عندي أن يكون لِشْر بن المفضَّل فيه شيخان، إلى أن رأيته في ((المستدرَك)) للحاكم (٢٠٣/٣) قد أخرجه ٢١٦/٣ عن أبي بكر بن إسحاق، عن معاذ بن المثنَّى،/ عن مُسدّد، عن بشرِ كما رواه أبو الأشعَث عن بشر، وكذا أخرجه في ((الإكليل)) بهذا الإسناد إلى جابر ولفظه لفظ البخاري سواء، فغَلَبَ على الظنِّ حينئذٍ أنَّ في هذه الطَّريق وهماً، لكن لم يَتَبيَّن لي مَّن هو، ولم أرَ مَن نَبَّه على ذلك، وكأنَّ البخاري استَشعَر بشيءٍ من ذلك فعَقَّبَ هذه الطَّريق بما أخرجه من طريق ابن أبي نَجِيح عن عطاء عن جابر مختصراً، ليوضح أنَّ له أصلاً من طريق عطاء عن جابر، والله أعلم. قوله: ((ما أُراني)) بضم الهمزة بمعنى: الظنّ، وذكر الحاكم في ((المستدرَك)) (٢٠٤/٣) عن الواقديّ: أنَّ سبب ظنّه ذلك منامٌ رآه: أنَّه رأى مُبشِّر بن عبد المنذر - وكان ممَّن استُشهِدَ ببدرٍ - يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقَصَّها على النبيِّ وَّ فقال: ((هذه الشَّهادة)). وفي رواية أبي نَضْرة المذكورة عند ابن السَّكَن عن جابر أنَّ أباه قال له: إنِّي مُعرِّض نفسي للقتل ... الحديث، وقال ابن التِّين: إنَّما قال ذلك بناءً على ما كان عَزَمَ عليه، وإنَّما قال: من أصحاب رسول الله وَّهِ، إشارةً إلى ما أخبر به النبيُّ وَّ أنَّ بعض أصحابه سيُقْتَل كما سيأتي واضحاً في المغازي (٤٠٨١). قوله: ((وإنَّ عليَّ دَيناً)) سيأتي مقداره في علامات النُّبوّة(١). قوله: ((فاقضٍ)) كذا في الأصل بحذف المفعول، وفي رواية الحاكم: فاقضِه(٢). قوله: ((بأخواتِك)) سيأتي الكلام على ذِكْر عِدَّتهنَّ ومَن عُرِفَ اسمها منهُنَّ في كتاب النِّكاح إن شاء الله تعالى(٣). (١) بل في الاستقراض برقم (٢٣٩٦). (٢) هو في ((مستدرك)) الحاكم ٢٠٣/٣، لكن بلفظ: فاقضي عني ديني. (٣) عند شرح الحديث رقم (٥٠٧٩)، لكن قال هناك: لم أقف على تسميتهنَّ. وأحال الكلام على ذِكْر عدَّتهنَّ =