Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣ -١٣٢٤
كتاب الجنائز
به الإجارة في ذلك الوقت، أو جَرَى ذلك مَجَرَى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل.
واستدلَّ بقوله: (مَن تَبِعَ)) على أنَّ المشي خلف الجنازة أفضلُ من المشي أمامها، لأنَّ
ذلك هو حقيقة الاتِّباع حِسّاً.
قال ابن دقيق العيد: الذين رَجَّحوا المشيَ أمامها حملوا الاتِّباع هنا على الاتِّباع المعنويّ،
أي: المصاحَبة، وهو أعمُّ من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهذا تجاز يحتاج إلى
أن يكون الدليل الدالّ على استحباب التقدُّم راجحاً. انتهى، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك
في («باب السُّرعة بالجنازة)) وذكرنا اختلاف العلماء في ذلك بما يُغني عن إعادته.
قوله: ((أكثرَ علينا أبو هريرة)) قال ابن التِّين: لم يَتَّهِمِه ابن عمر، بل خَشِيَ عليه السهو، أو
قال ذلك لكَونِه لم يُنقَل له عن أبي هريرة أنَّه رَفَعَه، فظَنَّ أنَّه قال برأيه فاستَنكَرَه. انتهى،
والثاني ◌ُود على سياق رواية البخاريّ، وقد بَيَّنًا أنَّ في رواية مسلم (٥٥/٩٤٥) أنَّه رَفَعَه،
وكذا في رواية خبَّاب عن أبي هريرة عند مسلم أيضاً (٥٦/٩٤٥).
وقال الكِرْمانيّ: قوله: ((أكثرَ علينا)) أي: في ذِكْر الأجر أو في كَثْرة الحديث، كأنَّه خَشَِ
لكثرةِ رواياته أن يَشتَبِهَ عليه بعض الأمر، انتهى.
ووقع في رواية أبي سَلَمَةَ عند سعيد بن منصور: فَبَلَغَ ذلك ابنَ عمر فَتَعاظَمَه(١)، وفي
رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد أيضاً ومُسدَّد وأحمد (٤٤٥٣) بإسناد صحيح: فقال
ابن عمر: يا أبا هريرة، انظُر ما تُحدِّث عن رسول الله وَلّ.
قوله: ((فصَدَّقَت - يعني - عائشةُ أبا هريرة)) لفظ ((يعني)) للبخاريّ، كأنَّه شكَّ
فاستَعمَلها، وقد رواه الإسماعيليّ من طريق أبي النُّعمان شيخه فلم يقلها، وفي رواية مسلم
(٥٥/٩٤٥): فبَعَثَ ابن عمر إلى عائشة يسألها فصَدَّقَت أبا هريرة، وفي رواية أبي سَلَمةَ عند
التِّرمِذيّ (١٠٤٠): فذُكِرَ ذلك لابن عمر، فأرسَلَ إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت:
صَدَقَ، وفي رواية خبَّب صاحب المقصورة عند مسلم (٥٦/٩٤٥): فأرسَلَ ابنُ عمر
(١) وهذه الرواية عند أحمد أيضاً في ((المسند)) (١٠٠٧٩) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة.
٦٨٢
باب ٥٧ / ح ١٣٢٣ - ١٣٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
خَبَاباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثمَّ يَرجِعُ إليه فيُخبِرِه بما قالت، حتَّى رجعَ إليه
الرسول فقال: قالت عائشة: صَدَقَ أبو هريرة، ووقع في رواية الوليد بن عبد الرحمن عند
سعيد بن منصور: فقام أبو هريرة فأخذَ بيدِه فانطَلَقا حتَّى أتيا عائشة فقال لها: يا أمّ
المؤمنين، أنشُدُكِ اللهَ، أسمعت رسول الله وَّل يقول ... فذكره، فقالت: اللهمَّ نَعَم(١).
ويُجمَع بينهما بأنَّ الرسول لمَّا رجعَ إلى ابن عمر بخيرٍ عائشة بَلَغَ ذلك أبا هريرة،
فمشى إلى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مُشافَهةً، وزاد في رواية الوليد: فقال أبو
هريرة: لم يَشغَلْني عن رسول اللهِوَ ﴿ غرسُ الوَدِيّ(٢) ولا صَفْقٌ بالأسواق، وإنّما كنت
أطلُب من رسول الله وَّلِ أُكْلة يُطعِمُنيها أو كلمة يُعلِّمُنيها، قال له ابن عمر: كنتَ ألزَمَنا
لرسول الله ◌َ ل﴾ وأعلمنا بحديثه.
قوله: ((لقد فَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ)) أي: من عَدَم المواظبة على حضور الدَّفن، بيَّن ذلك
مسلم (٩٤٥/ ٥٢) في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان
ابن عمر يُصلِّ على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بَلَغَه حديث أبي هريرة قال ... فذكره.
وفي هذه القصَّة دلالة على تميُّز أبي هريرة في الحِفْظ، وأنَّ إنكار العلماء بعضهم على
بعض قديم، وفيه استغراب العالم ما لم يَصِلْ إلى علمه، وعَدَم مُبالاة الحافظ بإنكار مَن
لم يحفظ.
١٩٦/٣ وفيه ما كان الصحابة عليه من التثبُّت في الحديث النَّبويّ والتَّحَرُّز فيه والتنقيب
عليه. وفيه دلالة على فضيلة ابن عمر من حِرْصه على العلم وتأسُّفِه على ما فاتَه من
العمل الصالح.
قوله: (﴿فَرَّطَتُ﴾: ضَيَّعتُ من أمرِ الله)) كذا في جميع الطّرق، وفي بعض النُّسَخ: ((فَرَّطت
من أمر الله، أي: ضَيَّعت)) وهو أشبه، وهذه عادة المصنِّف إذا أراد تفسير كلمة غريبة من
(١) وهو في هذه الرواية عند أحمد أيضاً (٤٤٥٣).
(٢) الوَدِيُّ: هو صغار النخل.
٦٨٣
باب ٥٨ / ح ١٣٢٥
كتاب الجنائز
الحديث ووافقت كلمةً من القرآن، فسَّرَ الكلمة التي من القرآن، وقد وَرَدَ في رواية سالم
المذكورة(١) بلفظ: لقد ضَيَّعنا قراريطَ كثيرة.
تكملة: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة: من
حديث ثوبان عند مسلم (٩٤٦)، والبَراء وعبد الله بن مُغفَّل عند النَّسائيّ (١٩٤٠
و١٩٤١)، وأبي سعيد عند أحمد (١١٢١٨)، وابن مسعود عند أبي عَوَانة، وأسانيد هؤلاء
الخمسة صِحاح. ومن حديث أُبيّ بن كعب عند ابن ماجَهْ (١٥٤١)، وابن عبَّاس عند
البيهقيِّ في («الشُّعَب)) (٩٢٤٥)، وأنس عند الطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٧١٢٨)، وواثلة بن
الأسقَع عند ابن عَديّ (٢٣٢٧/٦)، وحفصة عند حُميد بن زَنْجويه في ((فضائل الأعمال))،
وفي كلٍّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. وسأُشيرُ إلى ما فيها من فائدة زائدة في الكلام
على الحديث في الباب الذي يلي هذا.
٥٨- باب من انتظر حتّی تُدفَن
١٣٢٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، قال: قرأتُ على ابنِ أبي ذِئْب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد
المقبُريِّ، عن أبيه، أنَّه سألَ أبا هريرةَ﴾ فقال: سمعتُ النبيَّ ◌ََّ(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثني أَبي، حدَّثنا يونسُ، قال ابنُ شِهابٍ:
وحدَّثني عبدُ الرحمن الأعرجُ، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَن شَهِدَ الجِنازةَ
حتَّى يُصلَّى فَلَهُ قِيراطٌ، ومَن شَهِدَ حتَّى تُدفَنَ كانَ له قِيراطانٍ)) قيل: وما القِيراطان؟ قال: ((مِثلُ
الجبلَينِ العظيمَينِ».
قوله: ((باب مَن انتَظَرَ حتَّى تُدفَن)) قال الزَّين بن المنيِر: لم يَذكُر المصنّف جواب ((مَن)) إمَّا
(١) عند مسلم (٩٤٥) (٥٢).
(٢) على هامش اليُونِينية ما نصّه: في نسخة مسموعة (يعني من ((الصحيح))) من طريق الخلّال وغيره: قال
(يعني البخاري): وحدثني عبد الله بن محمد حدثنا هشام حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن
أبي هريرة أن النبي ◌َّ. وانظر ("إرشاد الساري)) للقسطلَّاني ٢/ ٤٢٧.
٦٨٤
باب ٥٨ / ح ١٣٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
استغناءً بما ذُكِرَ في الخبر، أو تَوقُّفاً على إثبات الاستحقاق بمجرَّد الانتظار، إن خَلَا عن اتِّباع.
قال: وعَدَلَ عن لفظ الشُّهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار، ليُنبِّه على أنَّ المقصود من
الشُّهود إنَّما هو مُعاضَدة أهل المَيِّت والتَّصَدّي لمَعُونِتِهم، وذلك من المقاصد المعتبرة، انتهى.
والذي يظهر لي أنَّه اختار لفظ الانتظار لكَونِه أعمَّ من المشاهَدة، فهو أكثر فائدةً،
وأشار بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليُفسِّر اللفظ الوارد بالمشاهَدةِ به،
ولفظ الانتظار وقع في رواية مَعمَر عند مسلم(١)، وقد ساق البخاري سندها ولم یذُر
لفظها، ووقعت هذه الطَّريق في بعض الروايات التي لم تَتَّصِل لنا عن البخاري في هذا
الباب أيضاً.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة)) هو القَعْنبيّ.
قوله: ((عن أبيه)) يعني: أبا سعيد كَيْسانَ المقبُريَّ، وهو ثابت في جميع الطُرق، وحكى
الكِرْمانيّ أنَّ سَقَطَ من بعض الطّرق. قلت: والصواب إثباته، وكذا أخرجه إسحاق بن
راهويه (٢) والإسماعيليّ وغيرهما من طريق ابن أبي ذِئْب، نعم سَقَطَ قوله: (عن أبيه) من
رواية ابن عَجْلان عند أبي عَوَانة، وعبد الرحمن بن إسحاق عند ابن أبي شَيْبة(٣)، وأبي
مَعشَر عند حُميدٍ بن زَنْجويه، ثلاثتهم عن سعيد المقبريّ.
تنبيه: لم يَسُق البخاري لفظ رواية أبي سعيد، ولفظه عند الإسماعيليّ: أنَّه سألَ أبا هريرة:
ما ينبغي في الجنازة؟ فقال: سأُخبِرُك بما قال رسول الله وَّ، قال: ((مَن تَبِعَها من أهلها حتَّى
(١) لم يسق مسلم (٩٤٥) (٥٢) لفظ رواية معمر، لكن هو كذلك في رواية معمر عند ابن أبي شيبة في
(مصنفه)» ٣٢٠/٣ عن عبد الأعلى عنه، ومسلم روى الحديث عن ابن أبي شيبة، لكنه لم يسق لفظه. وهو
کذلك في روایة معمر عند أحمد (٧٧٧٥)، والنسائي (١٩٩٤) من طريق عبد الرزاق عنه.
(٢) لم نقف في المطبوع من مسند أبي هريرة في ((مسند إسحاق)) على طريق ابن أبي ذئب، والحديث فيه برقم
(٤٣٤) من طريق عبد الملك بن عمير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه.
(٣) الذي في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٣٢٠ من طريق هشام، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ولعل
الطريق الذي أخرجه الحافظ في («مسند ابن أبي شيبة))، والله أعلم.
٦٨٥
باب ٥٨ / ح ١٣٢٥
كتاب الجنائز
يُصلَّى عليها فله قيراط مثل أُحُد، ومَن تَبِعَها حتَّى يُفرَغ منها فله قيراطان)).
قوله: ((وحدَّثني عبد الرحمن)) هو معطوف على مُقدَّر، أي: قال ابن شهاب: حدّ ثني فلان
بكذا، وحدَّثني عبد الرحمن الأعرج بكذا.
قوله: ((حتَّى يُصلَّى)) زاد الكُشْمِيهنيّ: ((عليه))، واللَّام للأكثر مفتوحة، وفي بعض ١٩٧/٣
الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها فإنَّ حصول القيراط مُتَوقّف على وجود
الصلاة من الذي يَحصُل له كما تقدَّم تقريره، وللبيهقيّ (٤١٢/٣) من طريق محمد بن عليّ
الصائغ عن أحمد بن شَبِيب شيخ البخاري فيه بلفظ: ((حتَّى يُصلَّى عليها))، وكذا هو عند
مسلم (٩٤٥/ ٥٢) من طريق ابن وَهْب عن يونس، ولم يُبيِّ في هذه الرواية ابتداء الحضور،
وقد تقدَّم بيانه في رواية أبي سعيد المقبريِّ حيثُ قال: ((من أهلها))، وفي رواية خبَّاب عند
مسلم (٥٦/٩٤٥): ((مَن خرج مع جنازةٍ من بيتها))، ولأحمد (١١٢١٨) في حديث أبي
سعيد الخُذْريّ: ((فمشى معها من أهلها)).
ومُقتَضاه أنَّ القيراط يَخْتَصّ بمَن حَضَرَ من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك
صَرَّحَ المحِبّ الطبريّ وغيره، والذي يظهر لي أنَّ القيراط يَحَصُل أيضاً لمن صلَّى فقط، لأنَّ
كلَّ ما قبلَ الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط مَن صلَّى فقط دون قيراط مَن شَيَّعَ مثلاً
وصَلَّى، ورواية مسلم (٥٣/٩٤٥) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((أصغَرهما
مثل أُحُد)) يدلُّ على أنَّ القراريط تَتَفاوَت. ووقع أيضاً في رواية أبي صالح المذكورة عند
مسلم: ((مَن صلَّى على جنازة ولم يَتَبَعْها فله قيراط))، وفي رواية نافع بن جُبَير عن أبي هريرة
عند أحمد (٧٦٩٠): ((ومَن صلَّى ولم يَتَبَع فله قيراط)»، فدَلَّ على أنَّ الصلاة تُحصِّل القيراط
وإن لم يقع اتِّباع، ويُمكِن أن يُحمَل الاتِّباع هنا على ما بعد الصلاة، وهل يأتي نَظِير هذا في
قيراط الدَّفن؟ فیه بحث.
قال النَّوَويّ في ((شرح البخاري)) عند الكلام على طريق محمد بن سِيرِينَ عن أبي هريرة
في كتاب الإيمان (٤٧) بلفظ: ((مَن اتَّبَعَ جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتَّى يُصلَّى
٦٨٦
باب ٥٨ / ح ١٣٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
عليها ويُفرَغ من دفنها، فإنَّه يَرجِع من الأجر بقيراطَين)) الحديث، ومُقتَضى هذا أنَّ
القيراطَيْنِ إِنَّا يَحَصُلان لمن كان معها في جميع الطَّريق حتَّى تُدفَن، فإن صلَّى مثلاً وذهب إلى
القبر وحده فحَضَرَ الدَّفن، لم يَحصُل له إلَّا قيراط واحد. انتهى، وليس في الحديث ما يقتضي
ذلك إلَّا من طريق المفهوم، فإن وَرَدَ منطوق بحصول القيراط لشهود الدَّفن وحده كان
مُقدَّماً، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، والذين أبَوْا ذلك جعلوه من باب المطلَق والمقيَّد،
نعم مُقْتَضى جميع الأحاديث أنَّ مَن اقتَصَرَ على التّشبيع فلم يُصلِّ ولم يشهد الدَّفن فلا قيراط
له إلَّ على الطّريقة التي قَدَّمناها عن ابن عَقِيل، لكن الحديث الذي أورَدْناه عن البَزَّار(١) في
ذلك ضعيف.
وأمَّا التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بدَّ منه، لأنَّ تَرَتُّب الثَّواب على العمل يستدعي سَبْقَ
النَّة فيه فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجرّدة، أو على سبيل المحاباة، والله أعلم.
قوله: ((ومَن شَهِدَ)) كذا في جميع الطّرق بحذف المفعول، وفي رواية البيهقيّ (٤١٢/٣)
التي أشرت إليها: ((ومَن شَهِدَها)).
قوله: ((فَلَهُ قيراطان)) ظاهره أنَّهما غير قيراط الصلاة، وهو ظاهر سياق أكثر الروايات،
وبذلك جَزَمَ بعض المتقدِّمين، وحكاه ابن التِّين عن القاضي أبي الوليد، لكن سياق رواية
ابن ◌ِيرِين(٢) يأبى ذلك، وهي صريحة في أنَّ الحاصل من الصلاة ومن الدَّفن قيراطان
فقط، وكذلك رواية خبّاب صاحب المقصورة عند مسلم (٥٦/٩٤٥) بلفظ: ((مَن خرج
مع جنازة من بيتها ثمَّ تَبِعَها حتَّى تُدفنَ كان له قيراطان من أجر، كلُّ قيراط مثل أُحُد،
ومَن صلَّى عليها ثمَّ رجعَ كان له قيراط))، وكذلك رواية الشَّعبيّ عن أبي هريرة عند
النَّسائيّ (١٩٩٧) بمعناه، ونحوه رواية نافع بن جُبیر(٣).
(١) تحرف في (س) إلى: البراء. والحديث المعنيّ عند البزار برقم (٨٣٨٧) عن أبي هريرة، وقد سلف ذكره في
الباب السابق عند شرح الحديث (١٣٢٣)، وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٢) التي سلفت برقم (٤٧) في كتاب الإيمان.
(٣) عند أحمد في ((المسند)) برقم (٧٦٩٠).
٦٨٧
باب ٥٨ / ح ١٣٢٥
كتاب الجنائز
قال النَّوَويّ: رواية ابن سِيرِينَ صريحة في أنَّ المجموع قيراطان، ومعنى رواية الأعرج
على هذا: كان له قيراطان، أي: بالأول، وهذا مثل حديث: ((مَن صلَّى العِشاءَ في جماعة
فكأنَّما قام نصف الليل، ومَن صلَّى الفجر في جماعة فكأنّما قام الليل كلَّه))(١) أي: بانضِمام
صلاة العشاء.
قوله: ((حتَّى تُدفَن)) ظاهره أنَّ حصول القيراط مُتَوقِّف على فراغ الدَّفن، وهو أصحُ
الأوجُه عند الشافعيَّة وغيرهم، وقيل: يَحَصُل بمجرَّد الوَضْع في اللَّحد، وقيل: عند انتهاء
الدَّفن قبل إهالة التُراب، وقد وَرَدَت الأخبار بكلِّ ذلك، ويَترجَّح الأول للزيادة، فعند
مسلم (٥٢/٩٤٥) من طريق / مَعمَر في إحدى الروايتين عنه: ((حتَّى يُفرَغ منها)»، وفي ١٩٨/٣
الأُخرى: ((حتَّى تُوضَع في اللَّحد))، وكذا عنده في رواية أبي حازم (٥٤/٩٤٥) بلفظ:
((حتَّى تُوضَع في القبر))، وفي رواية ابن سِيرِينَ والشَّعبيّ(٢): ((حتَّى يُفرَغ منها))، وفي رواية
أبي مُزاحم عند أحمد (١٠٧٥٨): ((حتَّى يُقضَى قَضاؤُها))، وفي رواية أبي سَلَمَةَ عند الِّرمِذيّ
(١٠٤٠): ((حتَّى يُقضَى دفنها))، وفي رواية ابن عبّاس(٣) عند أبي عَوَانة: ((حتَّى يُسوَّى
عليها)) أي: التُراب، وهي أصرح الروايات في ذلك. ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ من
ذلك، لكن يَتَفَاوَت القيراطُ كما تقدَّم.
قوله: ((قيلَ: وما القيراطان؟» لم يُعيَّن في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وقد بيَّن الثاني
مسلم (٩٤٥/ ٥٢) في رواية الأعرج هذه فقال: قيل: وما القيراطان يا رسولَ الله؟ وعنده
(٩٤٦) في حديث ثوبان: سُئِلَ رسول الله وَّهِ عن القيراط. وبيَّن القائلَ أبو عَوَانة من
طريق أبي مُزاحم عن أبي هريرة ولفظه: قلت: وما القيراط يا رسولَ الله؟ ووقع عند مسلم
(٩٤٥/ ٥٤): أنَّ أبا حازم أيضاً سألَ أبا هريرة عن ذلك.
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) برقم (٦٥٦) من حديث عثمان بن عفان، وانظر تمام تخريجه في ((مسند أحمد))
برقم (٤٠٨).
(٢) رواية ابن سيرين سلفت برقم (٤٧)، وهي عند مسلم برقم (٩٤٥)، ورواية الشعبي عند النسائي
(١٩٩٧).
(٣) تحرف في متن (س) إلى: ابن عياض.
٦٨٨
باب ٥٩ / ح ١٣٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مثل الجبلَينِ العظيمَين)) سَبَقَ أنَّ في رواية ابن سِيرِينَ وغيره: ((مثل أُحُد)»، وفي
رواية الوليد بن عبد الرحمن عند ابن أبي شَيْبة (٣/ ٣٢٠): ((القيراط مثل جبل أُحُد))، وكذا
في حديث ثوبان عند مسلم (٩٤٦)، والبَراء عند النَّسائيّ (١٩٤٠)، وأبي سعيد عند أحمد
(١١٢١٨). ووقع عند النَّسائيّ (١٩٩٧) من طريق الشَّعبيّ: ((فله قيراطان من الأجر كلّ
واحد منهما أعظم من أُحُد)»، وتقدَّم أنَّ في رواية أبي صالح عند مسلم (٥٣/٩٤٥):
((أصغرُهما مثل أُحُد))، وفي رواية أبيّ بن كعب عند ابن ماجَهْ (١٥٤١): ((القيراط أعظم من
أُحُد هذا» كأنَّه أشار إلى الجبل عند ذِكْر الحديث، وفي حديث واثلةَ عند ابن عَديّ
(٦/ ٢٣٢٧): ((كُتِبَ له قيراطان من أجرٍ أخفُّهما في ميزانه يوم القيامة أثقَل من جبل أُحُد))
فأفادت هذه الرواية بيان وجه التَّمثيل بجبلٍ أُحُد، وأنَّ المراد به زِنَة الثَّواب المرتَّب على
ذلك العمل.
وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: الترغيب في شهود الميِّت، والقيام بأمره،
والحضُّ على الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثَّواب
لمن يَتَوَّ أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إمَّا تقريباً للأفهام وإِمَّا على
حقيقته، والله أعلم.
٥٩- باب صلاة الصِّبيان مع الناس على الجنائز
١٣٢٦ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، حدَّثنا زائدةُ، حدَّثنا أبو
إسحاقَ الشَّيبانيُّ، عن عامٍ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: أتى رسولُ اللهِّهِ قبراً،
فقالوا: هذا دُفِنَ - أو دُفِنَتِ - البارحةَ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: فصَفَّنا خَلْفَه، ثمَّ صلَّى
علیها.
قوله: ((باب صلاة الصِّبْيان مع الناس على الجنائز)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس في صلاته
مع النبيّ وَّ على القبر، وقد تقدَّم توجيهه قبل ثلاثة أبواب (١٣٢١).
قال ابن رُشَيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفيَّة وقوف الصِّبيان مع الرجال وأنَّهم
٦٨٩
باب ٦٠ / ح ١٣٢٧ -١٣٢٩
كتاب الجنائز
يَصُفّونَ معهم لا يتأخّرونَ عنهم، لقوله في الحديث الذي ساقه فيها: ((وأنا فيهم))، وأفاد
بهذه الترجمة مشروعيَّة صلاة الصِّبيان على الجنائز، وهو وإن كان الأولُ دَلَّ عليه ضِمناً،
لكن أراد التنصيص عليه وأَخَّرَ هذه الترجمة عن فضل اتِباع الجنائز ليُبيِّن أنَّ الصِّبيان
داخلونَ في قوله: ((مَن تَبِعَ جنازة))، والله أعلم.
٦٠ - باب الصلاة على الجنائز بالمصلَّى والمسجد
١٣٢٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ ١٩٩/٣
المسيّبٍ وأبي سَلَمة، أنَّمَا حَدَّتاه عن أبي هريرةَ ﴾، قال: نَعَى لنا رسولُ اللهِوَّهِ النَّجَاشِيَّ
صاحب الحبشةِ یوم الذي مات فيه، فقال: ((استغفِرُوا لأخِیگُم)).
١٣٢٨ - وعن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُّ المسيّب، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: إنَّ النبيَّ
وَلَّهِ صَفَّ بهم بالمصلَّى، فكَبَّرَ عليه أربعاً.
١٣٢٩ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعِ،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى النبيِّ وَّهِ برجلٍ منهم وامرأةٍ زَنَّيا،
فأمَرَ بهما فُرُجِما قريباً من موضعِ الجنائزِ عند المسجدِ.
[أطرافه في: ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣]
قوله: ((باب الصلاة على الجنائز بالمصلَّى والمسجد)) قال ابن رُشَيد: لم يَتَعرَّض المصنِّف
لكون الميّت بالمصلَّى أو لا، لأَنَّ المصلَّى عليه كان غائباً، وأُلحِقَ حكمُ المصلَّى بالمسجد بدليل
ما تقدَّم في العيدين (٩٨١) وفي الحيض (٣٢٤) من حديث أمّ عطيَّة: ((ويَعتَزِل الخُيَّص
المصلّ)»، فدَلَّ على أنَّ للمُصلَّ حكمَ المسجد فیما ينبغي أن يُحتَنَب فيه ويلحق به ما سوى
ذلك. وقد تقدَّم الكلام على ما في قصَّة الصلاة على النَّجاشيّ قبل خمسة أبواب (١٣١٨).
وقوله هنا: ((وعن ابن شِهاب)) هو معطوف على الإسناد المصَدَّر به. وسيأتي الكلام
على عدد التكبير بعد ثلاثة أبواب (١٣٣٣).
٦٩٠
باب ٦٠ / ح ١٣٢٧ -١٣٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
ثم أوردَ المصنّف حديث ابن عمر في رَجْم اليهوديَّين، وسيأتي الكلام عليه مبسوطاً في
كتاب الحدود إن شاء الله تعالى (٦٨٤١).
وحكى ابن بَطَّل عن ابن حبيب: أنَّ مُصلَّى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبيِّ
وَّ من ناحية جهة المشرق. انتهى، فإن ثَبَتَ ما قال وإلَّا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد
هنا المصلَّى المتَّخَذ للعيدينِ والاستسقاء، لأنَّه لم يكن عند المسجد النّبويّ مكان يَتهيّا فيه
الرَّجم، وسيأتي في قصَّة ماعز (٥٢٧٢): فَرَجَناه بالمصلَّى.
ودَلَّ حديث ابن عمر المذكور على أنَّه كان للجنائزِ مكان مُعَدٌّ للصلاة عليها، فقد يُستَفاد
منه أنَّ ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمرٍ عارض، أو لبيان الجواز،
والله أعلم.
واستدلَّ به على مشروعيَّة الصلاة على الجنائز في المسجد، ويُقوِّيه حديث عائشة:
ما صلَّى رسول الله وَّه على سُهَيل ابن بيضاءَ إلَّا في المسجد، أخرجه مسلم (٩٧٣)، وبه
قال الجمهور، وقال مالك: لا يُعجِبني، وكرهه ابن أبي ذِئْب وأبو حنيفة وكلُّ مَن قال
بنجاسة الميِّت.
وأمَّا مَن قال بطهارته منهم فلِخَشْية التَّلويث، وحملوا الصلاة على سُهَيل بأنَّه كان
خارجَ المسجد والمصلّونَ داخله، وذلك جائز اتِّفاقاً، وفيه نظرٌ لأنَّ عائشة استدلَّت بذلك
لمَّا أنكَروا عليها أمرَها بالمرور بجنازةٍ سعد (١) على حُجْرتها لتُصلّيَ عليه.
واحتجَّ بعضهم بأنَّ العمل استَقرَّ على تَرْك ذلك، لأنَّ الذين أنكَرُوا ذلك على عائشة
كانوا من الصحابة، ورُدَّ بأنَّ عائشة لمَّا أنكَرَت ذلك الإنكار سَلَّموا لها فدَلَّ على أنَّها
حَفِظَت ما نَسُوه، وقد روى ابن أبي شَيْبة (٣/ ٣٦٤) وغيره: أنَّ عمر صلَّى على أبي بكر في
المسجد، وأنَّ صهيباً صلَّى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووُضِعَت الجنازة في المسجد
تُجاهَ المنبر؛ وهذا يقتضي الإجماعَ على جواز ذلك.
(١) هو سعد بن أبي وقاص ، توفي سنة ٥٥هـ على المشهور، وهو آخر العشرة وفاةً، رضي الله عنهم جميعاً.
٦٩١
باب ٦١ / ح ١٣٣٠
كتاب الجنائز
٢٠٠/٣
٦١ - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور
ولمََّ ماتَ الحسنُ بنُّ الحسنِ بنِ علِيٍّ رضي الله عنهم ضَرَبَتِ امرأتُه القُبَّةَ على قبِه سنةً، ثمَّ
رُفِعَتْ، فسَمِعُوا صائحاً يقول: ألا هل وَجَدُوا ما فَقَدُوا؟ فأجابَه الآخَرُ: بل يَئِسُوا فانقَلَبُوا.
١٣٣٠ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن شَيْبانَ، عن هلالٍ - هو الوَزّانُ - عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّر قال في مرضِه الَّذي ماتَ فيه: ((لَعَنَ الله اليهودَ
والنَّصارى، اتَّخُذُوا قبورَ أنبيائهم مسجداً)). قالت: ولولا ذلكَ لَأَبِرِزَ قبرُه، غيرَ أنّ أخْشَى أن
يُتَّخَذَ مسجداً.
قوله: ((باب ما يُكرَه من اتّخاذ المساجد على القبور)) ترجم بعد ثمانية أبواب: ((باب بناء
المسجد على القبر)) (١٣٤١).
قال: ابن رُشَيد: الاتِّخاذ أعمُّ من البناء، فلذلك أفرَدَه بالترجمة، ولفظها يقتضي أنَّ
بعض الاتِّخاذ لا يُكرَه، فكأنَّه يَفصِل بين ما إذا تَرَتَّبَت على الاتَِّاذ مَفسَدةٌ أو لا.
قوله: ((ولمَّا ماتَ الحسن بن الحسن)) هو ممَّن وافق اسمُه اسمَ أبيه، وكانت وفاته سنة
سبع وتسعين، وهو من ثقات التابعين، وروى له النَّسائيُّ، وله ولد يُسمَّى الحسن أيضاً،
فهم ثلاثة في نَسَقٍ، واسم امرأته المذكورة فاطمة بنت الحسين، وهي ابنة عمِّه.
قوله: ((القُبَّة)) أي: الخَيْمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ: الفُسطاط كما رُوِّيناه في الجزء
السادسَ عشرَ من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحامليِّ رواية الأصبهانيِّين
عنه، وفي كتاب ابن أبي الدنيا في القبور(١) من طريق المغيرة بن مِقسَم قال: لمَّامات الحسن
ابن الحسن ضَرَبَت امرأته على قبره فُسطاطاً فأقامت عليه سنة ... فذكر نحوه.
ومُناسَبة هذا الأثر لحديث الباب أنَّ المقيم في الفُسْطاط لا يخلُو من الصلاة هناك،
فيَلزَمِ اتّخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القِبْلة فتزداد الكراهة.
وقال ابن المنيِر: إنَّما ضُرِبَت الخيمة هناك للاستمتاع بالميِّت بالقُربِ منه تعليلاً للنَّفْس،
(١) بل هو في ((الهواتف)) له برقم (١٣١)، وتحرف الحسن بن الحسن فيه إلى: الحسين بن الحسين، بالتصغير.
٦٩٢
باب ٦١ / ح ١٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأُنس، ومُكابَرة للحِسّ، كما يُتعلَّل بالوقوف على
الأطلال البالية ومُخاطَبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفَينِ بتقبيح ما
صنعوا، وكأنَّهما من الملائكة، أو من مُؤمِني الجنِّ. وإنَّما ذكره البخاري لموافقتِه للأدلَّة
الشَّرعيَّة لا لأنَّه دليل برأسِه.
قوله: ((عن شَيْبانَ)) هو ابن عبد الرحمن النَّحْويّ، وهلال الوَزّان: هو ابن أبي حُميدٍ على
المشهور، وكذا وقع منسوباً عند ابن أبي شَيْبة (٣٧٦/٢) والإسماعيليّ وغيرهما، وقال
البخاري في ((تاريخه)): قال وكيع: هلال بن حُميدٍ، وقال مرَّة: هلال بن عبد الله، ولا يَصِحّ.
قوله: ((مسجداً)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مساجدَ)).
قوله: ((لَأُبِزَ قبرُه)) أي: لكُشِفَ قبر النبيّ ◌َّه ولم يُتَّخَذ عليه الحائل، والمراد: الدَّفن
خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يُوسَّع المسجد النَّبويّ، ولهذا لمَّا وُسِّعَ المسجد
جُعِلَت حُجْرتها مُثلَّثة الشَّكل محدَّدة حتَّى لا يتأتَى لأحدٍ أن يُصلِّىَ إلى جهة القبر مع
استقبال القِبلة.
قوله: ((غير أنَّ أخْشَى)) كذا هنا، وفي رواية أبي عَوَانة عن هلال الآتية في أواخر الجنائز
(١٣٩٠): ((غير أنَّه خَشِيَ أو خُشيَ) على الشَّكّ هل هو بفتح الخاء المعجَمة أو ضَمّها، وفي
رواية مسلم (١٩/٥٢٩): ((غير أنَّه خُشِيَ)) بالضمِّ لا غير، فرواية الباب تقتضي أنَّها هي
التي مَنَعَت من إبرازه، ورواية الضمّ مُبهَمة يُمكِن أن تُفسَّر بهذه، والهاء ضمير الشَّأن
وكأنَّها أرادت نفسَها ومَن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنَّهم فعلوه باجتهاد، بخلاف
رواية الفتح فإنَّها تقتضي أنَّ النبيّ وَّرَ هو الذي أمَرَهم بذلك. وقد تقدَّم الكلام على بقيّة
فوائد المتن في أبواب المساجد في ((باب هل تُنْبَش قبور المشركين))(١).
قال الكِرْمانيُّ: مُفاد الحديث منع اتّخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتّخاذ المسجد على
القبر، ومفهومهما مُتَغايِر، ويجاب بأنَّهما متلازمان وإن تَغايرَ المفهوم.
(١) ورقم هذا الباب (٤٨) من كتاب الصلاة، وتقدم في الجزء الثاني.
٦٩٣
باب ٦٢-٦٣ / ح ١٣٣١ - ١٣٣٢
كتاب الجنائز
٢٠١/٣
٦٢ - باب الصلاة على النُّفَساء إذا ماتت في نفاسها
١٣٣١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا حسينٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ، عن
سَمُرةَ ﴾، قال: صَلَّيْتُ وراءَ النبيِّ وَّ على امرأةٍ ماتت في نِفاسِها، فقامَ عليها وَسَطَها.
قوله: ((باب الصلاة على النُّفَساء إذا ماتت في نفاسها)) وقع في نسخة: ((من)) بدل ((في))،
أي: في مُدّة نفاسها أو بسبب نفاسها، والأول أعمُّ من جهة أنَّه يدخل فيه من ماتت منه أو
من غيره، والثاني أليَقُ بخبر الباب فإنَّ في بعض طرقه: أنَّها ماتت حاملاً، وتقدَّم الكلام
عليه في أثناء كتاب الحيض (٣٣٢).
وحسين المذكور في هذا الإسناد: هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم.
قال الزَّين بن المنيِر وغيره: المقصود بهذه الترجمة أنَّ النُّفَساء، وإن كانت معدودة من
جملة الشُّهَداء، فإنَّ الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة.
٦٣ - باب أين يقوم من المرأة والرجل؟
١٣٣٢ - حدَّثنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا حسينٌ، عن ابنِ بُرَيدةَ،
حدَّثْنَا سَمُرةُ بنُ جُندُبٍ ﴾، قال: صَلَّيْتُ وراءَ النبيِّ وَِّ على امرأةٍ ماتت في نِفاسِها فقامَ
علیھا وَسَطَها.
قوله: ((باب أينَ يقوم)) أي: الإمام ((من المرأة والرجل)).
أوردَ فيه حديث سَمُرة المذكور في الباب من وجه آخر عن حسين المعلِّم، وفيه
مشروعيَّة الصلاة على المرأة، فإنَّ كونها نُفَساء وصفٌ غير مُعتبَرَ، وأمَّا كونها امرأةً فيحتمل
أن يكون مُعتبَرَاً، فإنَّ القيام عليها عند وَسَطها لسَتْرها، وذلك مطلوب في حقِّها، بخلاف
الرجل، ويحتمل أن لا يكون مُعتبَراً وأنَّ ذلك كان قبل اتّخاذ النَّعش للنِّساء، فأمَّا بعد المّخاذه
فقد حَصَلَ السَّتر المطلوب، ولهذا أورَدَ المصنّف الترجمة مَورِدَ السُّؤال، وأراد عَدَم التَّفْرِقة
بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف(١) ما رواه أبو داود (٣١٩٤) والتِّرمِذيّ (١٠٣٤) من
(١) بل رجاله كلهم ثقات، وأبو غالب هذا قد شهد هذه الصلاة من أنس، وانظر ((مسند أحمد)) (١٢١٨٠) =
٦٩٤
باب ٦٤ / ح ١٣٣٣ -١٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
طريق أبي غالب عن أنس بن مالك: أنَّه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وصَلَّى على امرأة
فقام عند عَجِيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله وَّله يفعل؟ قال: نَعَم.
وحكى ابن رُشَيد عن ابن المُرابِطِ: أنَّه أبدَى لكونها نُفَساءَ عِلَّةً مُناسَبة، وهي
استقبال جنينها لينالَه من بَرَكة الدُّعاء. وتُعُقِّبَ بأنَّ الجنين كعُضوِ منها، ثمَّ هو لا يُصلَّى
عليه إذا انفرد وكان سِقطاً (١)، فأحرَى إذا كان باقياً في بطنها أن لا يُقصَد، والله أعلم.
تنبيه: روى حمَّد بن زيد عن عطاء بن السائب: أنَّ عبد الله بن مَعقِل بن مُقرِّن أُتيَ
بجنازةِ رجل وامرأة، فصَلَّ على الرجل ثمَّ صلَّى على المرأة. أخرجه ابن شاهين في ((الجنائز))
له، وهو مقطوع، فإنَّ عبد الله تابعيٌّ.
٢٠٢/٣
٦٤ - باب التكبير على الجنازة أربعاً
وقال مُميدٌ: صلَّى بنا أنسٌ ﴾ فكَبَّرَ ثلاثاً، ثمَّ سَلَّمَ، فقيلَ له، فاستَقْبلَ القِبْلةَ ثمَّ كَبَّرَ
الرابعةَ، ثمَّ سَلَّمَ.
١٣٣٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّب،
عن أبي هريرةَ ه: أنَّ رسولَ الله وََّ نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليومِ الَّذي ماتَ فيه، وخرج بهم إلى
المصلَّى، فصَفَّ بهم وكَبَّرَ عليه أربعَ تکبیراتٍ.
١٣٣٤ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا سَلِيمُ بنُ حَيّانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مِيناءَ، عن جابرٍ
به: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى على أَصْحَمَةَ النَّجاشيِّ، فَكَبَّرَ أربعاً.
وقال يزيدُ بنُ هارونَ وعبدُ الصمدِ، عن سَلِيم: أصْحَمةً.
قوله: ((باب التَّكْبير على الجنازة أربعاً)) قال الزَّين بن المنِر: أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ
التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يَذكُر ترجمة أُخرى ولا خبراً في الباب، وقد اختَلَفَ
= و (١٣١١٤).
(١) هذا إذا لم يستهلَّ صارخاً، وفيه خلاف بين أهل العلم، وأما إذا استهلَّ صارخاً فيُصلَّى عليه بالاتفاق.
وانظر ((المغني)) لابن قدامة ٤٥٨/٣ - ٤٦٠.
٦٩٥
باب ٦٤ / ح ١٣٣٣ -١٣٣٤
كتاب الجنائز
السلف في ذلك: فروى مسلم (٩٥٧) عن زيد بن أرقم: أنَّه يُكبِّر خمساً، ورَفَعَ ذلك إلى
النبيّ وَّ، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود (٤٣٢/٥): أنَّه صلَّى على جنازة رجل من بني
أسَد فكَبَّرَ خمساً، وروى ابن المنذر (٤٣٣/٥) وغيره عن عليّ: أنَّه کان یُکېِّ على أهل بدر
ستّاً، وعلى الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً، وروى أيضاً (٤٢٩/٥) بإسناد
صحيح عن أبي مَعبَد قال: صَلَّيت خلف ابن عبّاس على جنازة فكَبَّرَ ثلاثاً. وسنذكر
الاختلاف على أنس في ذلك.
قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ التكبير أربع، وفيه أقوال أُخَر. فذكر ما
تقدَّم، قال: وذهب بكر بن عبد الله المُزَنُّ إلى أنَّه لا يُنقَص من ثلاث ولا يُزاد على سبع،
وقال أحمد مثله لكن قال: لا يُنقَص من أربع، وقال ابن مسعود: كَبِّرْ ما كَبَّرَ الإمام. قال:
والذي نختاره ما ثَبَتَ عن عمر، ثمَّ ساق (٤٣٠/٥) بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب
قال: كان التكبير أربعاً وخمساً، فجمع عمر الناس على أربع، وروى البيهقيُّ (٤/ ٣٧)
بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: كانوا يُكبِّونَ على عهد رسول الله وَله سبعاً وستّاً وخمساً
وأربعاً، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة.
قوله: ((وقال مُميدٌ: صلَّى بنا أنس فكَبَّرَ ثلاثاً ثمَّ سَلَّمَ، فقيلَ له، فاستَقْبَلَ القِبْلةَ ثمَّ كَبَّرَ
الرابعة ثمَّ سَلَّمَ)) لم أرَه موصولاً من طريق حميدٍ، وروى عبد الرزاق (٦٤١٧) عن معمر
عن قَتَادة عن أنس: أنَّ كَبَّرَ على جنازة ثلاثاً ثمَّ انصَرَفَ ناسياً، فقالوا: يا أبا حمزة، إنَّك
كَبَّرتَ ثلاثاً فقال: فصُفُّوا، فصَفُّوا، فَكَبَّرَ الرابعة.
ورُوِيَ عن أنس الاقتصار على ثلاث، قال ابن أبي شَيْبة (٣٠٣/٣): حدَّثنا معاذ بن
معاذ عن عِمْران بن حُدَير قال: صَلَّيتُ مع أنس بن مالك على جنازة فكَبَّرَ عليها ثلاثاً لم
يَزِدْ عليها.
وروى ابن المنذر (٤٢٩/٥) من طريق حمّاد بن سَلَمةَ عن يحيى بن أبي إسحاق قال:
قيل لأنسٍ: إنَّ فلاناً كَبَّرَ ثلاثاً، فقال: وهل التكبير إلَّ ثلاثاً؟
٦٩٦
باب ٦٤ / ح ١٣٣٣ - ١٣٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال مُغَلْطاي: إحدى الروايتين وهمٍّ. قلت: بل يُمكِن الجمعُ بين ما اختُلِفَ فيه على
أنس إمَّا بأنَّه كان يرى الثلاث مُجْزِئَةً، والأربع أكمَلَ منها، وإمَّا بأنَّ مَن أطلقَ عنه الثلاث لم
٢٠٣/٣ يَذْكُر الأولى، / لأنَّها افتتاح الصلاة كما تقدَّم في ((باب سُنّة الصلاة))(١) من طريق ابن عُليَّة
عن يحيى بن أبي إسحاق أنَّ أنساً قال: أوَليس التكبير ثلاثاً؟ فقيل له: يا أبا حمزة، التكبير
أربعٌ، قال: أجل، غير أنَّ واحدة هي افتتاح الصلاة.
وقال ابن عبد البَرّ: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال: يزيد في التكبير على أربع إلَّا
ابن أبي لیلی. انتھی.
وفي ((المبسوط)) للحنفيَّة قيل: إنَّ أبا يوسف قال: يُكبّ خمساً. وقد تقدَّم القول عن أحمد
في ذلك.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف حديث أبي هريرة في الصلاة على النَّجاشيّ، وقد تقدَّم (١٣٢٠) الجواب
عن إيراد مَن تعقَّبه بأنَّ الصلاة على النَّجاشيّ صلاة على غائب لا على جنازة، ومُصَّل
الجواب: أنَّ ذلك بطريق الأَولى، وقد روى ابن أبي داود في ((الأفراد)) من طريق الأوزاعيّ،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: أنَّ النبيّ وَّهِ صلَّى على جنازة فكَبَّرَ
أربعاً، وقال: لم أرَ في شيء من الأحاديث الصحيحة: أنَّ كَبَّرَ على جنازة أربعاً إلّا في هذا.
قوله: ((وقال يزيد بن هارون وعبد الصَّمَد: عن سُلَيم)) يعني: بإسناده إلى جابر: ((أَصْحَمة))،
ووقع في رواية المُستَمْلي: ((وقال يزيد عن سَلِيم: أصحَمة، وتابَعَه عبد الصَّمَد))، أمَّا رواية
يزيد فوَصَلها المصنِّ في هجرة الحبشة (٣٨٧٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عنه، وأمّا رواية
عبد الصَّمَد فوَصَلها الإسماعيليّ من طريق أحمد بن سعيد عنه.
تنبيه: وقع في جميع الطّرق التي اتَّصَلَت لنا من البخاري: ((أصحَمة)) بمُهمَلتينِ بوزنٍ
أَفْعَلة مفتوح العين في المسند والمعلَّق معاً، وفيه نظرٌ، لأنَّ إيراد المصنِّ يُشعِر بأن يزيد
خالَفَ محمد بن سِنان، وأنَّ عبد الصمد تابَعَ يزيد، ووقع في ((مُصنَّف ابن أبي شَيْبة)»
(١) وهو الباب السالف برقم (٥٦) من هذا الكتاب.
٦٩٧
باب ٦٥ / ح ١٣٣٥
كتاب الجنائز
(٣٠٠/٣ و١٥٥/١٤) عن يزيد: ((صَحْمة)) بفتح الصاد وسكون الحاء، فهذا مُتَّجِه،
ويتحصَّل منه أنَّ الرُّواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها.
وحكى الإسماعيليّ: أنَّ في رواية عبد الصمد ((أصخَمة)) بخاءٍ معجمة وإثبات الألف،
قال: وهو غلطٌّ، فيحتمل أن يكون هذا محلّ الاختلاف الذي أشار إليه البخاريّ.
وحكى كثير من الشُّاح: أنَّ رواية يزيد ورفيقه ((صَحْمة)) بالمهمَلةِ بغير ألف، وحكى
الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض النُّسَخ في رواية محمد بن سنان: ((أصْحَبة» بموحّدةٍ بدل المیم.
٦٥ - باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة
وقال الحسنُ: يَقْرأُ على الطِّفْلِ بفاتحةِ الكِتَاب، ويقول: اللهمَّ اجعَلْه لنا فَرَطاً وسَلَفاً
وأَجراً.
١٣٣٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدٍ، عن طَلْحَةَ، قال:
صَلَّیتُ خَلْفَ ابنِ عبّاس رضي الله عنهما.
حدَّثنا محمَّدُ بنُ كثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن طَلْحةَ بنِ عبدِ الله بنِ
عَوْفٍ، قال: صَلَّيِتُ خَلْفَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على جِنازةٍ، فقرأ بفاتحةِ الكِتَاب، قال:
لِتَعَلَمُوا أنَّهَا سُنَّةٌ.
قوله: ((باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة)) أي: مشروعيَّتها، وهي من المسائل
المختَلَف فيها، ونقل ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن عليّ وابن الزُّبَير والمِسوَر بن
مَخْرمةَ مشروعيَّتَها، وبه قال الشافعيُّ وأحمد وإسحاق، ونُقِلَ عن أبي هريرة وابن عمر:
ليس فيها قراءة، وهو قول مالك والکوفیین.
قوله: ((وقال الحسن ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الوهّاب بن عطاء في كتاب ((الجنائز)) له
عن سعيد بن أبي عَرُوبة: أنَّه سُئِلَ عن الصلاة على الصبيّ، فأخبرَهم عن قَتَادة عن الحسن:
أنَّه كان يُكبِّ ثمَّ يقرأ فاتحة الكتاب، ثمَّ يقول: اللهمَّ اجعَلْه لنا سَلَفاً وفَرَطاً وأجراً.
٦٩٨
باب ٦٥ / ح ١٣٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وروى عبد الرزاق (٦٤٢٨) والنَّسائيُّ (١٩٨٩) عن أبي أُمامةَ بن سهل بن حُنَيف
قال: السُّنّ في الصلاة على الجنازة أن يُكبِِّ، ثمَّ يقرأ بأُمّ القرآن، ثمَّ يُصلِّ على النبيِّ ◌َِّ، ثمَّ
يُخْلِصِ الدُّعاء للميِّتِ ولا يقرأ إلَّا في الأولى. إسناده صحيح.
قوله: ((عن سعد)) هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزّهْريّ، وطلحة: هو ابن
٢٠٤/٣
عبد الله بن عَوْف الخُزَاعِيّ كما نَسَبَهما في الإسناد الثاني.
تنبيه: ليس في حديث الباب بيان محلّ قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح به في حديث
جابر، أخرجه الشافعيّ (٣٠٨/١) بلفظ: وقرأ بأُمّ القرآن بعد التكبيرة الأولى. أفاده
شيخنا (١) في ((شرح الِّرمِذيّ)) وقال: إنَّ سنده ضعيف.
قوله: ((لِتَعلَمُوا أنَّهَا سُنَّة)) قال الإسماعيليّ: جمع البخاريُّ بين روايتَي شُعْبة وسفيان،
وسیاقھما مختلف. انتهى.
فأمَّا رواية شُعْبة فقد أخرجها ابن خُزيمةَ في ((صحيحه)) والنَّسائيّ (١٩٨٨) جميعاً عن
محمد بن بشار شيخ البخاري فيه بلفظ: فأخذتُ بيدِه فسألته عن ذلك، فقال: نعم يا ابن
أخي، إنَّه حقٌّ وسُنّة، وللحاكم (١/ ٣٥٨) من طريق آدم عن شُعْبة: فسألته فقلت: يقرأ؟
قال: نَعَم، إنَّه حقٌّ وسُنّة.
وأمَّا رواية سفيان فأخرجها التِّرمِذيّ (١٠٢٧) من طريق عبد الرحمن بن مهديّ عنه
بلفظ: فقال: إنَّه من السُّنّة، أو من تمام السُّنّة، وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (١٩٨٧) من طريق
إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجَهَرَ حتَّى
أسمَعَنا، فلمَّا فَرَغَ أخذتُ بيدِه فسألته، فقال: سُنّة وحَقٌّ، وللحاكم (٣٥٨/١) من طريق
ابن عَجْلان أنَّه سمع سعيد بن أبي سعيد يقول: صَلَّ ابنُ عبَّاس على جنازة فجَهَرَ بالحمد،
ثمَّ قال: إِنَّمَا جَهَرتُ لتَعلَموا أنَّهَا سُنّة. وقد أجمعوا على أنَّ قول الصحابيّ: ((سُنّة)) حديث
(١) يريد الإمامَ الحافظَ أبا الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، والمتوفى سنة ٨٠٦ هـ، رحمه الله
تعالى وسائرَ علماء المسلمين.
٦٩٩
باب ٦٦ / ح ١٣٣٦ - ١٣٣٧
كتاب الجنائز
مُسنَد. كذا نَقَلَ الإجماع، مع أنَّ الخلاف عند أهل الحديث وعند الأُصوليّين شَهِير، وعلى
الحاكم فيه مأخذ آخر، وهو استدراكه له وهو في البخاريّ.
وقد روى التِّرمِذيّ (١٠٢٦) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌َّ قرأ على
الجنازة بفاتحة الكتاب، وقال: لا يَصِحّ هذا، والصحيح عن ابن عبّاس قوله: من السُّنّة.
وهذا مَصِير منه إلى الفرق بين الصّيغتَين، ولعلَّه أراد الفرقَ بالنِّسبة إلى الصَّراحة
والاحتمال، والله أعلم.
وروى الحاكم أيضاً (٣٥٩/١) من طريق شُرَحبيل بن سعد عن ابن عبّاس: أنَّه صلَّى
على جنازة بالأبواء فكَبَّر، ثمَّ قرأ الفاتحة رافعاً صوته، ثمَّ صلَّى على النبيِّ وَِّ ثُمَّ قال: اللهمَّ
عبدُك وابنُ عبدك، أصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غنيٌّ عن عذابه، إن كان زاكياً فزَكِّه، وإن
كان مُطِئاً فاغفِرْ له، اللهمَّ لا تَحِمْنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعدَه، ثمَّ كَبَّرَ ثلاث تكبيرات ثمَّ
انصَرَفَ فقال: يا أيّها الناس، إنِّي لم أقرأ عليها - أي: جَهراً - إلَّا لتَعلَموا أنَّهَا سُنّة. قال
الحاكم: شُرَحبيل لم يحتجَّ به الشيخان، وإنَّما أخرجتُه لأنَّه مُفسِّر للطّرق المتقدِّمة. انتهى،
وشُرَحبیل مُختلف في توثيقه.
واستدلَّ الطَّحَاويُّ على تَرْك القراءة في الأولى بتركِها في باقي التكبيرات وبترك
التشهُّد، قال: ولعلَّ قراءة مَن قرأ الفاتحةَ من الصحابة كان على وجه الدُّعاء لا على وجه
التِّلاوة، وقوله: ((إنَّها سُنّة)) يحتمل أن يريد أنَّ الدُّعاء سُنّة. انتهى، ولا يخفى ما يجيء على
كلامه من التعقُّب، وما يتضمَّنه استدلالُه من التَّعَشُّف.
٦٦ - باب الصلاة على القبر بعدما يُدفَن
١٣٣٦- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا شُعْبة، قال: حدَّثني سليمانُ الشَّيبانُّ، قال:
سمعتُ الشَّعْبِيَّ، قال: أخبرني مَن مَرَّ مع النبيِّ ◌ٍَّ على قبرٍ منبوذٍ فَأَمَّهُم وصَلَّوْا خَلْفَه. قلتُ:
مَن حدَّثكَ هذا يا أبا عَمْرٍو؟ قال: ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
١٣٣٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ الفَضْلِ، حَدَّثنا حَمَّدُ بنُّ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أبي رافعٍ، عن أبي
٧٠٠
باب ٦٦ / ح ١٣٣٦ - ١٣٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
٢٠٥/٣ هريرةَ :/ أنَّ أسوَدَ - رجلاً أو امرأةً - كانَ يَقُمُّ المسجدَ فماتَ ولم يَعلَمِ النبيُّ ◌َّ بموتِهِ،
فَذَكَرَه ذاتَ يومٍ فقال: ((ما فَعَلَ ذلكَ الإنسانُ؟)) قالوا: ماتَ يا رسولَ الله، قال: ((أفلا
آذَنْتُمُوني؟)) فقالوا: إِنَّه كانَ كذا وكذا؛ قِصَّتَه، قال: فحَقَرُوا شأنَه، قال: «فدُلُّوني على قبِه))
فأتی قبره فصَلَّى عليه.
قوله: ((باب الصلاة على القبر بعدَما يُدفَن)) وهذه أيضاً من المسائل المختَلَف فيها، قال
ابن المنذر: قال بمشروعيَّتِّه الجمهورُ، ومَنَعَه النَّخَعيُّ ومالك وأبو حنيفة، وعنهم: إن دُفِنَ
قبل أن يُصلَّى عليه شُرِعَ، وإلَّا فلا.
قوله: ((قلت: مَن حدَّثك هذا يا أبا عَمْرو؟)) القائل: هو الشَّيبانيُّ، والمَقُول له: هو
الشَّعْبيّ. وقد تقدَّم (١٢٤٧) في ((باب الإذن بالجنازة) بأتمَّ من هذا السياق، وفيه: عن
الشَّيبانيّ عن الشَّعبيّ عن ابن عبّاس، وتكلَّمنا هناك على ما وَرَدَ في تسمية المقبور المذكور.
ووقع في ((الأوسط)) للطََّرانيّ (٨٠٢) من طريق محمد بن الصَّح الدُّولابيّ عن إسماعيل
ابن زكريّا عن الشَّيبانيّ: أنَّه صلَّى عليه بعد دفنه بليلتين، وقال: إنَّ إسماعيل تَفَرَّدَ بذلك.
ورواه الدارَ قُطْنيُّ (١٨٤٦) من طريق هُرَيم بن سفيان عن الشَّيبانيّ فقال: بعد موته بثلاثٍ،
ومن طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثَّوريّ عن الشَّيبانيِّ فقال: بعد شهر.
وهذه روايات شاذَّة، وسياق الطُّرق الصحيحة يدلُّ على أنَّه صلَّى عليه في صَبِیحة دَفْنه.
قوله في حديث أبي هريرة: ((فأتى قبره فصَلَّى عليه)) زاد ابن حِبَّان (٣٠٨٦) في رواية حمّاد
ابن سَلَمة عن ثابت: ثمَّ قال: ((إنَّ هذه القبور مملوؤة ظُلمة على أهلها، وإنَّ الله يُنوِّرها
عليهم بصلاتي))، وأشار إلى أنَّ بعض المخالفينَ احتجَّ بهذه الزيادة على أنَّ ذلك من
خصائصه وَال*، ثمَّ ساق (٣٠٩٢) من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصّة
وفيها: ثمَّ أتى القبر فصَفَفنا خلفه وكَبَّرَ عليه أربعاً.
قال ابن حِبَّان: في ترك إنكاره ﴿ه على مَن صلَّى معه على القبر بيانُ جواز ذلك لغيره،
وأنَّه ليس من خصائصه. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي يقع بالتَّبعيَّةِ لا يَنهَضُ دليلاً للأصالة.