Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ٦ / ح ١٢٥١
كتاب الجنائز
الْمُرْسَلُونَ ) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠-١١]، والأول قول الجمهور، وبه جَزَمَ أبو عُبيد
وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، قال الخطَّبيُّ:
معناه: لا يدخل النار ليُعاقَب بها، ولكنَّه يدخلها مجتازاً ولا يكون ذلك الجواز إلَّا قَدْر ما
يُحِلِّل به الرجل يمينه، ويدلُّ على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق (٢٠١٣٩) عن مَعمَر عن
الزُّهْريّ في آخر هذا الحديث: ((إلَّا تَحِلّة القَسَم)) يعني: الوُرود.
وفي ((سُنَن سعيد بن منصور)) عن سفيان بن عُيَينَةَ في آخره: ثمَّ قرأ سفيان: ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ
إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق / زَمْعة بن صالح عن الزُّهْريّ في آخره: قيل: وما تَحِلّة القسم؟ ١٢٤/٣
قال: قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. وكذا وقع في رواية كريمة في الأصل: قال أبو
عبد الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك في تفسير
هذا الحديث، ووَرَدَ نحوه من طريق أُخرى في هذا الحديث رواه الطََّرانيّ من حديث
عبد الرحمن بن بَشِير الأنصاريّ مرفوعاً: ((مَن مات له ثلاثة من الولد لم يَبلُغوا الحِنثَ لم يَرِدِ
النار إلَّا عابر سبيل)) يعني: الجواز على الصِّراط (١)، وجاء مثله من حديث آخر أخرجه
الطَّبَرانيّ (٤٠٣/٢٠) من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجُهَنيّ عن أبيه مرفوعاً: ((مَن
حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل الله مُتَطَوِّعاً، لم يَرَ النارَ بعَينِهِ إلَّا تَحِلّةَ القسم، فإنَّ الله عزَّ
وجلَّ قال: ﴿وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾))(٢).
واختُلِفَ في موضع القَسَم من الآية، فقيل: هو مُقدَّر، أي: والله إنْ منكم، وقيل:
معطوف على القَسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] أي: وربِّك
إنْ منكم، وقيل: هو مُستَفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أي: قَسماً واجباً،
كذا رواه الطبري(٣) وغيره من طريق مُرّة عن ابن مسعود، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن
(١) حديث عبد الرحمن هذا ليس في القسم المطبوع من الطبراني، وأخرجه عنه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
(٤٦٤٧)، ورجال إسنادہ لا بأس بهم.
(٢) وسنده ضعيف.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني، وما أثبتناه من (أ) و(ع) وهو الصحيح، فقد أخرج هذا المعنى بهذه الطرق =

٥٤٢
باب ٦ / ح ١٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
مجاهد، ومن طريق سعيد عن قَتَادة في تفسير هذه الآية.
وقال الطِّييُّ: يحتمل أن يكون المراد بالقَسَم ما دلَّ على القَطْع والبَتّ من السياق، فإنَّ
قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [مريم: ٧١] تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾ فهذا بمنزلة القَسَم،
بل أبلَغُ لمجيء الاستثناء بالنَّفي والإثبات.
واختَلَفَ السلف في المراد بالوُرودِ في الآية، فقيل: هو الدُّخول، وروى عبد الرزاق(١)
عن ابن عُيَينةَ عن عَمْرو بن دينار: أخبرني مَن سمع من ابن عبّاس، فذكره، وروى أحمد
(١٤٥٢٠) والنَّسائيُّ والحاكم (٥٨٧/٤) من حديث جابر مرفوعاً: ((الوُرود الدُّخول، لا
يبقى بَرِّ ولا فاجرٌ إلَّا دخلها، فتكون على المؤمنين بَرْداً وسلاماً)(٢)، وروى التِّرمِذيّ
(٣١٦٠) وابن أبي حاتم من طريق السُّدّيّ: سمعت مُرّةَ يُحدِّث عن عبد الله بن مسعود
قال: يَرِدُونها أو يَلِجُونها ثمَّ يَصدُرونَ عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن بنُ مهديّ: قلت
لشُعْبة: إنَّ إسرائيل يَرفَعه، قال: صَدَقَ وعمداً أدَعُه. ثمَّ رواه التِّرمِذيّ (٣١٥٩) عن عبد
ابن حُميدٍ عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل مرفوعاً(٣).
وقيل: المراد بالورود المرور عليها، رواه الطبريُّ (١٦/ ١١٢) وغيره من طريق بُشْر بن
سعيد عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود (١٦/ ١١٠)، ومن
طريق مَعمَر وسعيد عن قَتَادة (١٦/ ١١٠)، ومن طريق كعب الأحبار (١٠٩/١٦) وزاد:
يستوونَ كلَّهم على متنها، ثمَّ ينادي مُنادٍ: أمسِكي أصحابك ودَعِي أصحابي، فيخرج
المؤمنونَ نَديّةً أبدائُهم. وهذان القولان أصحّ ما وَرَدَ في ذلك ولا تَنافيَ بينهما، لأنَّ مَن عَبَّرَ
بالدُّخول تجوَّز به عن المرور، ووجهه: أنَّ المارَّ عليها فوق الصِّراط في معنى مَن دخلها،
= ابن جرير الطبري في «تفسيره)) ١٦/ ١١٤، إلا أنه جاء عنده من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قوله: ((حتم))
قال: قضاءً.
(١) في «تفسيره)) ٢/ ١١.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((سنن النسائي))، وسند الخبر ضعيف.
(٣) وأخرجه أحمد في «المسند)) (٤١٢٨) و(٤١٤١)، وسنده حسن.

٥٤٣
باب ٧ / ح ١٢٥٢
كتاب الجنائز
لكن تختلف أحوال المارّة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجة مَن يَمُرّ كلَمْع البرق كما سيأتي
تفصيل ذلك عند شرح حديث الشَّفاعة في الرِّقاق (٦٥٦٥ و٦٥٧٣) إن شاء الله تعالى.
ويؤيِّد صِحَّة هذا التأويل ما رواه مسلم (٢٤٩٦) من حديث أُمّ مُبشِّر: أنَّ حفصة قالت
للنبيِّ وََّ لمَّا قال: ((لا يدخل أحد شَهِدَ الحُدَيبية النار)): أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا﴾؟ فقال لها: ((أليس الله تعالى يقول: ﴿ ثُمَّ تُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَواْ ﴾ الآية [مريم: ٧٢]))، وفي
هذا بيان ضعف قول مَن قال: الوُرود مُخْتَصّ بالكفَّار، ومَن قال: معنى الوُرود الدُّنوّ منها،
ومَن قال: معناه الإشراف عليها، ومَن قال: معنى وُرودِها: ما يصيب المؤمنَ في الدنيا من
الْحُمَّى، على أنَّ هذا الأخير ليس ببعيدٍ ولا يُنافيه بقيّة الأحاديث، والله أعلم.
وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة لأنَّه يَبعُد أنَّ الله
يَغْفِرِ للآباء بفَضْلِ رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء، قاله المهلَّب.
وكَوْن أولاد المسلمين في الجنَّة قاله الجمهور ووَقَفَت طائفة قليلة، وسيأتي البحث في
ذلك في أواخر كتاب الجنائز (١٣٨١) إن شاء الله تعالى.
وفيه أنَّ مَن حَلَفَ أن يفعل(١) كذا ثمَّ فعل منه شيئاً ولو قَلَّ، بَرَّتْ يمينُه خلافاً لمالك، ١٢٥/٣
قاله عیاض وغيره.
٧- باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري
١٢٥٢ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: مَرَّ النبيُّ وَله
بامرأةٍ عند قَبْرٍ وهي تبكي فقال: ((اتَّقي اللهَ واصبِرِي)).
[أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤]
قوله: ((باب قول الرجل للمرأةِ عند القبر: اصبري)» قال الزَّين بن المنيِّر ما مُحصَّله: عَبَّرَ
بقوله: ((رجل)) ليوضح أنَّ ذلك لا يَخْتَصّ بالنبيِّ وَّةِ، وعَبَّرَ بالقول دون الموعظة ونحوها
(١) في الاصلين و(س): أن لا يفعل، بزيادة حرف النفي، وهو خطأ، ولا يصحُّ الكلام إلا بإسقاطها، والله
تعالى أعلم.

٥٤٤
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
لكَونِ ذلك الأمر يقع على القَدْر المشتَرَك من الوَعْظ وغيره، واقتَصَرَ على ذِكْرِ الصَّبر دون
التقوى لأنَّه المتيسِّرِ حينئذٍ المناسب لمَا هي فيه.
قال: وموضع الترجمة من الفقه: جواز مُخاطَبة الرجال النِّساءَ في مثل ذلك بما هو أمر
بمعروفٍ أو نهي عن مُنكَر أو موعظة أو تعزية، وأنَّ ذلك لا يَخْتَصُّ بعجوزٍ دون شابّة لمَا
يَتَرتَّب عليه من المصالح الدّينيَّة، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا آدم)) سيأتي هذا الحديث بهذا الإسناد بعَينِه أتمَّ من هذا في ((باب زيارة
القبور)) (١٢٨٣) بعد زيادةٍ على عشرين باباً، وسيأتي الكلام عليه هناك مُستوقَى إن شاء
الله تعالى.
ومُناسَبة هذه الترجمة لما قبلها لجامع ما بينهما من مُخاطَبة الرجل المرأةَ بالموعظة، لأنَّ في
الأول جواز مُخاطَبتها بما يُرغِّبها في الأجر إذا احتَسَبَت مُصيبتَها، وفي هذا مُخاطَبتُها بما يُرهِّبها
من الإثم لمَا تضمَّنَه الحديث من الإشارة إلى أنَّ عَدَم الصَّبر يُنافي التقوى، والله أعلم.
٨- باب غُسْل الميّت ووضوئه بالماء والسِّدْر
وخَنَّطَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما ابناً لسعيدِ بنِ زيدٍ، وحَمَلَه وصَلَّى ولم يتوضَّأ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: المسلمُ لا يَنجَسُ حَيّاً ولا ميِّناً.
وقال سعدٌ: لو كانَ نَجِساً ما مَسِستُه.
وقال النبيُّ ◌َّ: ((المؤمنُ لا يَنْجَسُ)).
قوله: ((باب غُسْل الميّت ووُضوئِه)) أي: بيان حُكْمه، وقد نقل النَّوَويّ الإجماع على أنَّ
غُسل المِيِّت فرض كِفاية، وهو ذهولٌ شديد، فإنَّ الخلاف مشهور جداً عند المالكيَّة، حتَّى
إن القُرطبيّ رَجَّحَ في ((شرح مسلم)) أنَّه سُنّة، ولكنَّ الجمهور على وجوبه.
١٢٦/٣
وقد رَدَّ ابن العربيّ على مَن لم يقل بذلك، وقال: قد تَوارَدَ به القول والعمل، وغُسِّلَ
الطاهر المطهّر فكيف بمَن سواه.

٥٤٥
باب ٨
كتاب الجنائز
وأمَّا قوله: ((ووُضُوئِه)) فقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): ترجم بالوضوءِ ولم يأتِ له
بحديثٍ، فيحتمل أن يريد انتزاعَ الوضوء من الغُسل، لأنَّه مُزَّل على المعهود من
الأغسال كغُسْل الجنابة، أو أراد وضوءَ الغاسل، أي: لا يَلزَمُه وضوءٌ، ولهذا ساق أثرَ
ابن عمر. انتهى.
وفي عَوْد الضَّمير على الغاسِلِ ولم يتقدَّم له ذِكْر بُعدٌ، إلّا أن يقال: تقدير الترجمة: باب
غُسل الحىِّ المَيِّتَ، لأنَّ المَيِّت لا يَتَولَى ذلك بنفسه، فيعود الضَّمير على المحذوف فيَتَّجِه،
والذي يَظهَر أنَّه أشار كعادته إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث، فسيأتي قريباً في حديث أُمّ
عَطيّة أيضاً (١٢٥٤): ((ابدَأنَ بمَيامنِها ومواضع الوضوء منها))، فكأنَّه أراد أنَّ الوضوء لم
يَرِد الأمر به مجرَّداً، وإنَّما وَرَدَ البِداءةُ بأعضاء الوضوء كما يُشرَع في غُسل الجنابة، أو أراد أنَّ
الاقتصار على الوضوء لا يُجْزِئ لو وَرَدَ الأمر بالغُسل.
قوله: ((بالماء والسِّدْر)) قال الزَّين بن المنيِّر: جعلهما معاً آلة لغُسل الميِّت، وهو مطابق
لحديث الباب، لأنَّ قوله: ((بماءٍ وِدْر)) يَتَعلَّق بقوله: ((اغسِلنَها))، وظاهره أنَّ السِّدر يُخْلَط
في كلّ مرَّة من مرَّات الغُسل، وهو مُشعِرٍ بأنَّ غُسل المَيِّت للتنظيفِ لا للتَّطهير، لأنَّ الماء
المضاف لا يُتَطَهَّر به. انتهى، وقد يُمنَع لزومُ كون الماء يصير مضافاً بذلك، لاحتمال أن لا
يُغيِِّ السِّدْر وصف الماء بأن يُمَعَّك بالسِّدرِ ثمَّ يُغسَل بالماء في كلِّ مرَّة، فإنَّ لفظ الخبر لا
یأتی ذلك.
وقال القُرطبيّ: يُجُعَل السِّدر في ماء ويُخْضخَض إلى أن تَخْرُج رَغْوته ويُدلَك به جسده
ثُمَّ يُصَبّ عليه الماء القَرَاحِ، فهذه غَسْلة.
وحكى ابن المنذر أنَّ قوماً قالوا: تُطرَح ورقات السِّدر في الماء، أي: لئلا يُمازج الماءَ
فيتغيَّر وصفه المطلَق.
وحُكيَ عن أحمد أنَّه أنكَرَ ذلك وقال: يُغسَل في كلّ مرَّة بالماء والسِّدر.
وأعلى ما وَرَدَ في ذلك ما رواه أبو داود (٣١٤٧) من طريق قَتَادة عن ابن سِيرِينَ: أنَّه

٥٤٦
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
كان يأخُذ الغُسلَ عن أُمّ عَطيّة فيَغسِل بالماء والسِّدر مرَّتين والثالثةَ بالماء والكافور.
قال ابن عبد البَرّ: كان يقال: كان ابن سِيرِينَ من أعلم التابعينَ بذلك.
وقال ابن العربيّ: مَن قال: الأولى بالماء القَرَاح، والثانية بالماء والسِّدر أو العكس،
والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث. انتهى، وكأنَّ قائله أراد أن تقع إحدى
الغَسَلات بالماء الصِّرف المطلَق لأنَّه المطهّر في الحقيقة، وأمَّا المضاف فلا.
وتَسَّك بظاهر الحديث ابن شَعْبان وابن الفَرَضيّ وغيرهما من المالكيَّة فقالوا: غُسل
الميّت إنَّما هو للتنظيفِ فيُجزِئ بالماء المضاف كماء الوَرْد ونحوه، قالوا: وإنَّما يُكرَه من جهة
السرَف، والمشهور عند الجمهور أنَّه غُسل تَعبُّديّ يُشتَرط فيه ما يُشتَرط في بقيّة الأغسال
الواجبة والمندوبة. وقيل: شُرِعَ احتياطاً لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر، لأنَّ
لازمه أن لا يُشرَع غُسل مَن هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع.
قوله: ((وخَنَّطَ ابنُ عمر ابناً لسعيدٍ بن زيد وحملَه وصلَّى ولم يتوضَّأ) حَنَّطَ بفتح المهمَلة
والنون الثَّقيلة، أي: طيَّبه بالحَنُوطِ: وهو كلُّ شيء خُلِطَ من الطِّيب للميِّتِ خاصَّة، وقد
وَصَلَه مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٢٥) عن نافع: أنَّ عبد الله بن عمر حَتَّطَ ابناً لسعيدٍ بن زيد
وحمله ثمَّ دخل المسجد فصَلَّى ولم يتوضَّأ. انتهى، والابن المذكور اسمه عبد الرحمن، كذلك
رُوِّيناه في نسخة أبي الجَهْم العلاء بن موسى عن الليث عن نافع: أنَّه رأی عبد الله بن عمر
حَنَّطَ عبد الرحمن بن سعيد بن زيد، فذكره.
قيل: تعلُّق هذا الأثر وما بعده بالترجمة من جهة أنَّ المصنّف يرى أنَّ المؤمن لا يَنجَس
بالموت، وأنَّ غُسله إنَّما هو للتعبُّدِ، لأنَّه لو كان نَجِساً لم يُطهِّره الماء والسِّدر ولا الماء وحده،
١٢٧/٣ ولو / كان نَجِساً ما مَسَّه ابن عمر ولَغَسَلَ ما مَسَّه من أعضائه، وكأنَّه أشار إلى تضعيف ما
رواه أبو داود (٣١٦١) من طريق عَمْرو بن عُمَير عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن غَسَّلَ المَيِّت
فليَغْتَسِل، ومَن حمله فليتوضَّأ)) رواته ثقات إلَّا عَمْرو بن عُمَير فليس بمعروفٍ.
وروى التِّرمِذيّ (٩٩٣) وابن حِبَّان (١١٦١) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه

٥٤٧
باب ٨
كتاب الجنائز
عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول لأنَّ أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة ﴾(١)، وقال ابن
أبي حاتم عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوف. وقال أبو داود بعد تخريجه (٣١٦٢):
هذا منسوخ؛ ولم يُبيِّ ناسخه، وقال الذَّهليُّ فيما حكاه الحاكم في ((تاريخه)): ليس فيمَن غَسَّلَ
ميِّتاً فليَغتَسِل حديثٌ ثابت.
قوله: ((وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور: حدَّثنا
سفيان، عن عَمْرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: لا تُنَجِّسوا
موتاكم، فإنَّ المؤمن ليس يَنجَس حيّاً ولا مَيِّئاً. إسناده صحيح، وقد رُوِيَ مرفوعاً أخرجه
الدارَ قُطنيُّ (١٨١١) من رواية عبد الرحمن بن يحيى المخزوميّ عن سفيان، وكذلك أخرجه
الحاكم (١/ ٣٨٥) من طريق أبي بكر وعثمان ابنَي أبي شَيْبة عن سفيان، والذي في ((مُصنَّف
ابن أبي شَيْبة)) (٢٦٧/٣) عن سفيان موقوف كما رواه سعيد بن منصور، وروى الحاكم
(٣٨٦/١) نحوه مرفوعاً أيضاً من طريق عَمْرو بن أبي عَمْرو عن عِكْرمة عن ابن عبّاس
رضي الله عنهما. وقوله: ((لا تُنَجِّسوا موتاكم)) أي: لا تقولوا: إنَّهم نَجَسُ.
وقوله: (یَنجَس)) بفتح الجيم(٢).
قوله: ((وقال سعد: لو كانَ نَجِساً ما مَسِسْته)) بكَسْرِ السِّين(٣)، وقع في رواية الأَصِيلِيّ
وأبي الوَقْت: ((وقال سعيد)) بزيادة ياء، والأول أولى، وهو سعد بن أبي وَقَّاص، كذلك
أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٦٧/١ -٢٦٨) من طريق عائشة بنت سعد قالت: أوذِنَ سعد -
تعني أباها - بجنازةٍ سعيد بن زيد بن عَمْرو وهو بالعَقِيق، فجاءه فغَسَّله وكَفَّنَه وحَنَّطَه، ثمَّ
أتى داره فاغتَسَلَ ثمَّ قال: لم أغتَسِل من غُسله، ولو كان نَجِساً ما مَسِسته، ولكنِّي اغتسلتُ
من الحرّ. وقد وجدت عن سعيد بن المسيّب شيئاً من ذلك أخرجه سَمّويه في ((فوائده) من
طريق أبي واقد المدنيّ قال: قال سعيد بن المسيّب: لو عَلِمت أنَّه نجسٌ لم أمَسَّه.
(١) انظر بيان ذلك والكلام على الحديث تفصيلاً في ((مسند أحمد)) (٧٦٨٩).
(٢) وضمِّها أيضاً كما في ((إرشاد الساري) ٣٨٣/٢.
(٣) قوله: ((بكسر السين)) ليس في (س).
ء

٥٤٨
باب ٨ / ح ١٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفي أثر سعد من الفوائد: أنَّه ينبغي للعالم إذا عَمِلَ عملاً يخشى أن يلتبسَ على مَن رآه
أن يُعلِمَهم بحقيقة الأمر، لئلّا يَحمِلوه على غير مَحَمَله.
قوله: ((وقال النبيّ وَّ: المؤمن لا يَنجَس)) هذا طرف من حديث لأبي هريرة تقدَّم
موصولاً في ((باب الجُنُب يمشي في السوق)) من كتاب الغُسل (٢٨٥)، ووجه الاستدلال
به أنَّ صفة الإيمان لا تُسلَب بالموتِ وإذا كانت باقيةً فهو غير نَجِس، وقد بيَّن ذلك حديث
ابن عبّاس المذكور قبل. ووقع في نسخة الصَّغَانيّ هنا: قال أبو عبد الله: النَّجَس: القَذَر.
انتهى، وأبو عبد الله: هو البخاريُّ، وأراد بذلك نفيَ هذا الوصف - وهو النَّجَس - عن
المسلم حقيقة ومجازاً.
١٢٥٣ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن
محمَّدٍ بنِ سِيرِين، عن أُمِّ عَطِيَّةَ الأنصاريّةِ رضي الله عنها قالت: دخلَ علينا رسولُ الله ◌َّهِ حِينَ
تُوقِّيَتِ ابتُه فقال: ((اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثرَ من ذلكِ إن رأيتُنَّ ذلكَ بماءٍ وِدْرٍ،
واجعَلْنَ في الآخرةِ كافُوراً - أو شيئاً من كافُورٍ - فإذا فَرَغُنَّ فَآَذِنَني)) فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه فأعطانا
حَقْوَه فقال: ((أَشعِرْ نَها إِيَّاهُ)) تعني: إزارَه.
قوله: ((عن أيوب عن محمَّد بن سِيرِينَ)) في رواية ابن جُرَيج: عن أيوب سمعت ابن
سِيِرِينَ، وسيأتي (١٢٦١) في ((باب كيف الإشعار))، وقد رواه أيوب أيضاً عن حفصة بنت
سیرینَ كما سيأتي بعد أبواب (١٢٥٨).
ومَدَار حديث أُمّ عطيّة على محمد وحفصة ابنَي سيرين، وحَفِظَت منه حفصة ما لم
يحفظه محمد كما سيأتي مُبيّناً. قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغُسل للميِّتِ أعلى من
حديث أُمّ عطيّة، وعليه عَوَّلَ الأئمّة.
قوله: ((عن أُمَ عَطيَّ الأنصاريَّة)) في رواية ابن جُرَيج (١٢٦١) المذكورة: جاءت أُمُّ عطيّة
امرأةٌ من الأنصار اللَّاتي بايعنَ رسولَ الله وَِّ، قَدِمَت البصرة تُبادر ابناً لها فلم تُدرِكه. وهذا
الابن ما عرفتُ اسمه وكأنَّه كان غازياً، فقَدِمَ البصرة فبلغَ أُمَّ عطيّة وهي بالمدينة قدومُه وهو

٥٤٩
باب ٨ / ح ١٢٥٣
كتاب الجنائز
مريض، فَرَحَلَت إليه فمات قبل أن تلقاه، وسيأتي في الإحداد ما يدلّ على أنَّ قُدومها كان بعد
موته بيومٍ أو يومين، وقد تقدَّم في المقدِّمة: أنَّ اسمها نُسَيبة بنونٍ ومُهمَلة وموخَّدة، والمشهور
فيها التصغير، وقيل: بفتح أوله، وقع ذلك في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وكذا ضَبَطَه
الأَصِيلِيّ عن يحيى بن مَعِين، وطاهر بن عبد العزيز في ((السيرة الهشاميّة)).
قوله: ((حين تُوفّيَت ابنتُه)) في رواية الثَّقفيّ عن أيوب (١٢٥٤) وهي التي تلي هذه، وكذا ١٢٨/٣
في رواية ابن جُرَيج (١٢٦١): ((دخل علينا ونحنُ نُغسِّل ابنتَه)) ويُجمَع بينهما بأنَّ المراد أنَّه
دخل حين شَرَعَ النِّسوة في الغُسل، وعند النَّسائيِّ (١٨٨٥): أنَّ مَجَيتَهُنَّ إليها كان بأمره،
ولفظه من رواية هشام بن حَسَّان عن حفصة: ماتَت إحدى بنات رسول الله وَّهِ فأرسَلَ
إلينا فقال: ((اغِلنَها)).
قوله: «ابنتُه)» لم تقع في شيء من روايات البخاري مُسمّاه، والمشهور أنّها زینب زوج أبي
العاص بن الربيع والدة أُمامةَ التي تقدَّم ذِكْرها في الصلاة (٥١٦)، وهي أكبر بنات النبيّ
وَّ﴾، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبريُّ في ((الذَّيل)) في أول سنة ثمان، وقد وَرَدَت مُسماة في
هذا عند مسلم (٩٣٩/ ٤٠) من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أُمّ عطيّة قالت: لمَّا
ماتت زينب بنت رسول الله ﴿﴿ قال لنا رسول الله و الجر: ((اغسِلنَها)) فذكر الحديث، ولم
أَرَها في شيء من الطُّرق عن حفصة ولا عن محمد مُسمّاة إلَّا في رواية عاصم هذه، وقد
خُولِفَ في ذلك، فحكى ابن التِّين عن الداووديّ الشارح أنَّه جَزَمَ بأنَّ البنت المذكورة أمُّ
كُلْثوم زوج عثمان، ولم يَذكُر مُستنَده، وتعقَّبه المنذريُّ بأنَّ أمّ كُلْثوم تُوفَِّت والنبيُّ ◌َّ ببدرٍ
فلم يشهدها، وهو غلطٌ منه، فإنَّ التي تُوفَِّت حينئذٍ رُقيَّة، وعَزَاه النَّوَويّ تَبَعاً لعياضٍ
لبعض أهل السِّير، وهو قُصور شديد، فقد أخرجه ابن ماجَهْ (١٤٥٨) عن أبي بكر بن أبي
شَيْبة عن عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن أيوب ولفظه: دخل علينا ونحنُ نُغسِّل ابنتَه أمَّ كُلْثوم.
وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظرٌ سيأتي في ((باب كيف الإشعار)) (١٢٦١)،
وكذا وقع في ((المبهَمات)) لابن بَشكُوال (١/ ٧٣) من طريق الأوزاعيِّ عن محمد بن سِيرِين
عن أمّ عطيّة قالت: كنت فيمَن غَسَّلَ أمّ كُلْثوم ... الحديث.

٥٥٠
باب ٨ / ح ١٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي: زَعَمَ التِّرمِذيّ أنَّها أمّ كُلْثوم، وفيه نظرٌ. كذا قال، ولم أرَ في
التِّرمِذيّ شيئاً من ذلك، وقد روى الدُّولابيُّ في ((الذُّرِّيّة الطاهرة)) (٨٤) من طريق أبي
الرجال عن عَمْرة: أنَّ أمّ عطيّة كانت ممَّن غَسَّلَ أمّ كُلْثوم ابنة النبيّ وََّ، الحديث، فيُمكِن
دعوى ترجيح ذلك لمجيئه من طرق مُتعدِّدة، ويُمكِن الجمع بأن تكون حَضَرَتهما جميعاً،
فقد جَزَمَ ابن عبد البَرِّ رحمه الله في ترجمتها بأنَّها كانت غاسلة الميِّات.
ووقع لي من تسمية النِّسوة اللَّاتي حَضَرنَ معها ثلاث غيرها، ففي ((الذُّرِّيّة الطاهرة)»
أيضاً (٨٣) من طريق أسماء بنت عُمَيس أنَّها كانت ممَّن غَسَّلها قالت: ومعنا صَفيّة بنت
عبد المطَّلِّب. ولأبي داود (٣١٥٧) من حديث ليلى بنت قانف ـ بقافٍ ونون وفاء - الثَّقَفيّة
قالت: كنت فيمَن غَسَّلها. وروى الطََّرَانُّ من حديث أمّ سُلَيم شيئاً يُومِئ إلى أنَّهَا حَضَرَت
ذلك أيضاً(١)، وسيأتي بعد خمسة أبوابٍ (١٢٦١) قولُ ابن سِيرِين: ولا أدري أيَّ بناته.
وهذا يدلّ على أنَّ تسميتها في رواية ابن ماجَهْ وغيره ثمَّن دون ابن سِيرِينَ، والله أعلم.
قوله: ((اغسِلْنَها)) قال ابن بَزِيزَة: استُدلَّ به على وجوب غُسْل الميِّت، وهو مبنيٌّ على أنَّ
قوله فيما بعد: ((إن رأيتُنَّ ذلكَ)) هل يَرجِع إلى الغُسل أو العدد، والثاني أرجح، فثَبَتَ
المدَّعَى. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ((ثلاثاً)) ليس للوجوب على المشهور من مذاهب
العلماء، فيَتَوقَّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيَينِ المختلِفَين بلفظٍ واحد، لأنَّ قوله:
(ثلاثاً)) غير مُستَقِلٌّ بنفسه، فلا بدَّ أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر، فيُراد بلفظ الأمر
الوجوب بالنّسبة إلى أصل الغُسل، والنَّدب بالنّسبة إلى الإيتار. انتهى، وقواعد الشافعيَّة لا
تأبى ذلك، ومن ثَمَّ ذهب الكوفيُّونَ وأهل الظاهر والمُزَنيّ إلى إيجاب الثلاث وقالوا: إن
خرج منه شيء بعد ذلك يُغسَل موضعه ولا يُعاد غسل الميِّت، وهو مخالف لظاهر الحديث.
وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق (٦٠٩٦) عن هشام بن حَسَّان عن ابن ◌ِيِرِينَ
قال: يُغسَّل ثلاثاً فإن خرج منه شيء بعدُ فخمساً، فإن خرج منه شيء غُسِّلَ سبعاً. قال
هشام: وقال الحسن: يُغسَّل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء غُسِلَ ما خرج ولم يزدْ على الثلاث.
(١) انظر (المعجم الكبير)) للطبراني ٢٥/ (٣٠٤).

٥٥١
باب ٨ / ح ١٢٥٣
كتاب الجنائز
قوله: ((ثلاثاً أو خمساً)) في رواية هشام بن حسان عن حفصة (١٢٦٣): «اغسِلنَها وتراً ١٢٩/٣
ثلاثاً أو خمساً)، و((أو)) هنا للتَّرتیبِ لا للتخيير.
قال النَّوَويّ: المراد: اغسِلنَها وتراً وليكن ثلاثاً، فإن احتَجنَ إلی زیادة فخمساً، وحاصله
أنَّ الإيتار مطلوب والثلاث مُستحَبّة، فإن حَصَلَ الإنقاء بها لم يُشرَع ما فوقها، وإلَّا زِيدَ وِتراً
حتَّى يَحَصُل الإنقاء، والواجب من ذلك مرَّة واحدة عامَّة للبدن. انتهى، وقد سَبَقَ بحث ابن
دَقِيق العيد في ذلك. وقال ابن العربيّ: في قوله: ((أو خمساً) إشارة إلى أنَّ المشروع هو الإيتار،
لأنَّه نقلهنَّ من الثلاث إلى الخمس، وسَكَتَ عن الأربع.
قوله: ((أو أكثرَ من ذلكَ)) بكسر الكاف لأنَّه خطاب للمؤنَّث، في رواية أيوب عن
حفصة كما في الباب الذي يليه (١٢٥٤): ((ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً)) ولم أرَ في شيء من
الروايات بعد قوله: ((سبعاً)) التعبير بـ((أكثرَ من ذلك)) إلَّا في رواية لأبي داود (٣١٤٦)(١)،
وأمَّا ما سواها فإمَّا ((أو سبعاً)) وإمَّا ((أو أكثر من ذلكَ))، فيحتمل تفسير قوله: ((أو أكثر من
ذلك)) بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع.
وقال ابن عبد البَرّ (٢): لا أعلم أحداً قال بمُجاوَزة السبع؛ وساق من طريق قَتَادة أنَّ
ابن سِيرِينَ كان يأخذ الغُسل عن أمّ عطيّة ثلاثاً وإلَّا فخمساً وإلا فأكثر، قال: فرأينا أنَّ
أكثر من ذلك سبع. وقال الماوَرْديّ: الزيادة على السبع سَرَفُ.
وقال ابن المنذر: بَلَغَني أنَّ جسد الميّت يسترخي بالماء، فلا أُحِبُّ الزيادة على ذلك.
قوله: ((إن رأيتُنَّ ذلكَ)) معناه التفويض إلى اجتهادهنَّ بحَسَب الحاجة لا الَّشَهِّي.
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فهذا التعبير موجود أيضاً عند البخاري فيما سيأتي قريباً برقم (١٢٥٩)
من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية، ومن هذا الطريق بهذا التعبير
أخرجه أيضاً مسلم (٩٣٩) (٣٩)، والنسائي (١٨٨٨).
(٢) في ((التمهيد)) ٣٧٣/١، وأما قوله: ((وساق من طريق قتادة أن ابن سيرين)) فذهولٌ من الشارح رحمه الله،
والذي ساقه ابنُ عبد البر فمن طريق قتادة عن أنس: أنه كان يأخذ ... وأما رواية قتادة عن ابن سيرين،
فقد سلفت في أول الباب معزوَّة لأبي داود برقم (٣١٤٧).

٥٥٢
باب ٨ / ح ١٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنذر: إنَّمَا فَوَّضَ الرَّأيَ إليهنَّ بالشَّرط المذكور وهو الإيتار، وحكى ابن
التِّين عن بعضهم قال: يحتمل قوله: ((إن رأيتُنَّ)) أن يَرجِعَ إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن
يكون معناه: إن رأيتُنَّ أن تفعلنَ ذلك، وإلّا فالإنقاء يكفي.
قوله: ((بماءٍ وسِذْر)) قال ابن العربيّ: هذا أصل في جواز التطهُّر بالماء المضاف إذا لم
يُسلَب الماءُ الإطلاقَ. انتهى، وهو مبنيٌّ على الصحيح أنَّ غُسل المِيِّت للتَّطهير كما تقدَّم.
قوله: ((واجعَلْنَ في الآخرة كافُوراً، أو شيئاً من كافُور)) هو شكٌّ من الرّاوي أيَّ اللفظتَين
قال، والأول محمول على الثاني لأنَّه نَكِرة في سياق الإثبات فيَصدُق بكلِّ شيء منه، وجَزَمَ
في الرواية التي تلي هذه بالشِّقّ الأول، وكذا في رواية ابن جُرَيج (١٢٦١)، وظاهره جعلُ
الكافور في الماء، وبه قال الجمهور، وقال النَّخَعيُّ والكوفُّون: إنَّما يُجُعَل الكافورُ في
الحَنُوط، أي: بعد إنهاء الغُسْل والتَّجفيف، قيل: الحِكْمة في الكافور مع كونه يُطيِّب رائحة
الموضع لأجلِ مَن يَضُر من الملائكة وغيرهم، أنَّ فيه تخفيفاً وتبريداً وقوَّة نُفوذ، وخاصّة
في تصليب بَدَن المَيِّت وطرد الهوامّ عنه، ورَدْعِ ما يَتَحَلَّل من الفَضَلات ومنع إسراع الفساد
إليه، وهو أقوى الأرابيح الطيِّبة في ذلك، وهذا هو السُّ في جعله في الأخيرة، إذ لو كان في
الأولى مثلاً لأذهبه الماء.
وهل يقوم المِسِكُ مثلاً مقامَ الكافور؟ إن نُظِرَ إلى مجرَّد التطيُّب، فنَعَم، وإلَّ فلا، وقد
يقال: إذا عُدِمَ الكافور قام غيره مما يقوم مقامَه مِثلَه(١) ولو بخاصِّيّةٍ واحدة مثلاً.
قوله: ((فإذا فَرَغتُنَّ فَآَذِنَّني)) أي: أعلِمنَني.
قوله. ((فلمَّا فَرَغْنا)) كذا للأكثر بصيغة الخطاب من الحاضر، وللأَصِيلِيّ: «فلمَّا فَرَغنَ»
بصيغة الغائب.
قوله: «فأعطانا حَقْوه)) بفتح المهمَلة - ويجوز كسرها وهي لغة هُذَيل - بعدها قاف
ساكنة، والمراد به هنا: الإزار، كما وقع مُفسَّراً في آخر هذه الرواية، والحَقْو في الأصل:
(١) في (س): قام غيره مقامه، بإسقاط ((مما يقوم)) و((مثله)).

٥٥٣
باب ٩ / ح ١٢٥٤
كتاب الجنائز
مَعِقِد الإزار، وأُطلِقَ على الإزار مجازاً، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب من رواية ابن عَوْن عن
محمد بن سِيرِينَ (١٢٥٧) بلفظ: ((فَنَزَعَ من حَقوِه إزارَه))، والحَقْو في هذا على حقيقته.
قوله: ((أشعِرْنَها إيّاه)) أي: اجعَلنَه شِعارَها، أي: الثوب الذي يلي جسدها، وسيأتي
الكلام على صفته في باب مُفرَد (١٢٦١).
قيل: الحِكْمة في تأخير الإزار معه إلى أن يَفرُغنَ من الغُسل، ولم يُناوِلهنَّ إيّاه أولاً
ليكون قريب العهد من جسده الکریم، حتَّى لا يكون بین انتقاله من جسده إلى جسدها
فاصل، وهو أصل في التبرُّك بآثار الصالحينَ (١). وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل،
وسيأتي الكلام عليه في باب مُفرَد (١٢٥٦).
٩ - باب ما يستحبُّ أن يُغسَل وتراً
١٣٠/٣
١٢٥٤ - حدَّثْنا محمَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ النَّقَفِيُّ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أُمِّ عطِيَّةً
رضي الله عنها قالت: دخلَ علينا رسولُ اللهِ وَّهِ ونحنُ نَغْسِلُ ابنتَه فقال: «اغسِلْتَها ثلاثاً أو
خمساً أو أكثرَ من ذلكَ بماءٍ وسِدْرٍ، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافُوراً، فإذا فَرَغتُنَّ فَاذِنَّنِي)) فلمَّا فَرَغْنا
آذَنَّاه فألْقَى إلينا حَقْوَه فقال: ((أشعِرْنَهَا إِيَّاه)).
١٢٥٤ م- فقال أيوبُ: وحدَّثتني حَفْصةُ بمِثلِ حديثٍ محمَّدٍ، وكانَ في حديثٍ حَفْصَةَ:
((اغسِلْنَها وِتْرًا) وكانَ فيه: ((ثلاثاً أو خمساً أو سَبْعاً) وكانَ فيه أنَّه قال: ((ابدَؤُوا بمَيامنِها،
ومواضعِ الوضوءِ منها)»، وكانَ فيه أنَّ أُمَّ عطيَّةً قالت: ومَشَطْناها ثلاثةَ قُرُونٍ.
قوله: ((باب ما يُستحَبّ أن يُغسَل وِتْراً)) قال الزَّين بن المنيِر: يحتمل أن تكون ((ما))
مصدريّة أو موصولة، والثاني أظهَر. كذا قال، وفيه نظرٌّ، لأنَّه لو كان المراد ذلك لوقع
التعبير بـ((مَن)) التي لمن يَعقِل.
(١) قد سبق غير مرة في الحاشية: أن التبرك بآثار الصالحين غير جائز، وإنما يجوز ذلك بالنبي وَله خاصةً
لما جعل الله في جسده وما ماسَّه من البركة، وأما غيره فلا يقاس عليه لوجهين: أحدهما: أن الصحابة
رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك مع غير النبي وَّةٍ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، الثاني: أنَّ فعل ذلك مع
غيره وَّ من وسائل الشرك، فوَجَبَ منعُه، والله أعلم. (س).

٥٥٤
باب ١٠ / ح ١٢٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ أورَدَ المصنِّ فيه حديث أمّ عطيّة أيضاً من رواية أيوب عن محمد، وليس فيه التصريح
بالوتر، ومن رواية أيوب قال: حدَّثتني حفصة، وفيه ذلك، وقد تقدَّم الكلام فيه قبلُ.
ومحمد شيخه لم يُنسَب في أكثر الروايات، ووقع عند الأَصِيليّ: ((حدَّثنا محمد بن
المثنَّى))، وقال الجَيَّانيّ: يحتمل أن يكون محمد بن سَلام. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية
محمد بن الوليد - وهو البُشْريّ - عن عبد الوهّاب، وهو من شيوخ البخاري أيضاً.
قوله: ((فقال أيوب)) كذا للأكثر بالفاء، وهو بالإسناد المذكور، ووقع عند الأَصِيليّ:
((وقال)) بالواو فربَّما ظُنَّ مُعلَّقاً وليس كذلك، وقد رواه الإسماعيليّ بالإسنادينِ معاً
موصولاً. وسيأتي الكلام على ما في رواية حفصة من الزيادة فيما بعد (١).
وقوله: فيه ((وِتراً ثلاثاً أو خمساً)) استُدلَّ به على أنَّ أقلّ الوتر ثلاث، ولا دلالة فيه لأنَّه
سِيقَ مساقَ البيان للمراد، إذ لو أُطلِقَ لَتناولَ الواحدة فما فوقها.
١٠ - باب يُبدأ بميامن الميِّت
١٢٥٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنا خالدٌ، عن حَفْصَةَ،
عن أُمّ عطيّةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله وَّهِ فِي غَسْلِ ابنِهِ: «ابدَأْنَ بِمَيامنِها،
ومواضعِ الوضوءِ منها)).
قوله: ((باب يُبدَأ بمَيامِن الميِّت)) أي: عند غُسله، وكأنَّه أطلقَ في الترجمة ليُشعِر بأنَّ غير
الغُسل یَلحَق به قياساً عليه.
قوله: «حدّثنا خالد)) هو الخذَّاء، وحفصة: هي بنت سِیرین.
قوله. ((في غُسْل ابنته)) في رواية هُشَيم عن خالد عند مسلم (٤٢/٩٣٩): أنَّ رسولَ الله
وَّ حِيثُ أمَرَها أن تُغسِّل ابنتَه قال لها ... فذكره.
١٣١/٣
قوله: ((ابدَأْنَ بمَيامنِها ومواضع الوضوء منها)» ليس بين الأمرينِ تَنافٍ، لإمكان البِدَاءة
بمواضع الوضوء وبالميامنِ معاً.
(١) انظر (١٢٥٦) و(١٢٦٣).

٥٥٥
باب ١١ -١٢ / ح ١٢٥٦ -١٢٥٧
كتاب الجنائز
قال الزَّين بن المنِّر: قوله: ((ابدَأنَ بمَيامنِها)) أي: في الغَسَلات التي لا وضوء فيها
((ومواضع الوضوء منها)) أي: في الغسلة المتَّصِلَة بالوضوء، وكأنَّ المصنّف أشار بذلك إلى
مُاَلَفة أبي قِلابةَ في قوله: يُبدَأ بالرأسِ ثمَّ باللِّحية. قال: والحِكْمة في الأمر بالوضوءِ تجديد
أثر سِمَة المؤمنين في ظهور أثر الغُرّة والتَّحجيل.
١١ - باب مواضع الوضوء من الميّت
١٢٥٦ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن حَفْصَةَ
بنتِ سِيرِين، عن أُمِّ عطيَّةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا غَسَّلْنا بنتَ النبيِّ وَِّ قال لنا ونحنُ
تَغْسِلُها: ((ابدَؤُوا بمَيامنِها ومواضعِ الوضوءِ)).
قوله: ((باب مواضع الوضوء من الميّت)) أي: يُستَحَبّ البِدَاءة بها.
قوله: ((سفيان)) هو الثّوريّ.
قوله: ((ابدَؤُوا)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني: ((ابدَأْنَ)) وهو الوجه لأنَّه خطاب للنِّسوة.
قوله: ((ومواضع الوضوء)) زاد أبو ذرٍّ: ((منها)). واستدلَّ به على استحباب المضمضة
والاستنشاق في غُسل الميِّت خلافاً للحنفيَّة، بل قالوا: لا يُستحَبُّ وضوؤُه أصلاً، وإذا قلنا
باستحبابه فهل يكون وضوءاً حقيقيّاً بحيث يُعاد غسل تلك الأعضاء في الغُسل، أو جُزءاً
من الغُسل بُدِئَت به هذه الأعضاء تشريفاً؟ الثاني أظهَر من سياق الحديث، والبِدَاءة
بالميامنِ وبمواضع الوضوء مَّ زادته حفصة في روايتها عن أمّ عطيّة على أخيها محمد، وكذا
المَشْطِ والضَّفْر كما سيأتي (١٢٦٣).
١٢ - باب هل تكفَّن المرأة في إزار الرجل
١٢٥٧- حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ حَمَّدٍ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ، عن أُمِّ عطيَّةً قالت:
تُوقَِّت بنتُ النبيِّ وَّةِ، فقال لنا: ((اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثرَ من ذلكَ إن رأيتُنَّ، فإذا
فَرَغُنَّ فَآفِتَنِي). فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّه، فَزَعَ من حَقْوِهِ إزارَه وقال: ((أَشْعِرْ نَهَا إِيَّه)).

٥٥٦
باب ١٣ / ح ١٢٥٨ -١٢٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب هل تُكفَّن المرأة في إزار الرجل)) أورَدَ فيه حديث أمّ عطيّة أيضاً. وشاهد
الترجمة قوله فيه: فأعطاها إزاره.
قال ابن رُشَيد: أشار بقوله: ((هل)) إلى تَردُّدٍ عنده في المسألة، فكأنَّه أومأ إلى احتمال
اختصاص ذلك بالنبيِّ وَّ، لأنَّ المعنى الموجود فيه من البَرَكة ونحوها قد لا يكون في
غيره، ولا سيَّما مع قُرب عهده بعَرقِهِ الكريم، ولكنَّ الأظهَر الجواز، وقد نقل ابن بَطَّل
الاتّفاق على ذلك، لكن لا يَلزَم من ذلك التعقّب على البخاري، لأنَّه إنَّما ترجم بالنَّظَر إلى
سياق الحديث وهو قابلٌ للاحتمال.
وقال الزَّين بن المنيِر نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمَحرَم، أو بمَن يكون في مثل
إزار النبيّ وَّهِ وجسده من تحقَّق النَّظافة، وعَدَمِ نُفْرة الزَّوج وغَيْرته أن تَلبَسَ زوجتُه
لباس غیرہ.
١٣ - باب يُجعَل الكافور في الأخيرة
١٣٢/٣
١٢٥٨ - حدَّثنا حامدُ بنُ عمرَ، حذَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أُمّ عطيّةً
قالت: تُوقِّيَت إحدى بناتِ النبيِّ وَل ◌َ فخرجَ فقال: ((اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثرَ من ذلكَ إن
رأيتُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافُوراً - أو شيئاً من كافُورٍ - فإذا فَرَغتُنَّ فَآَذِنَّني)) قالت:
فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه، فَألْقَى إلينا حَقْوَه فقال: ((أَشِعِرْنَها إِيَّاه)).
١٢٥٩ - وعن أيوبَ، عن حَفْصة، عن أُمّ عطيّة رضي الله عنهما بنحوه، وقالت: إنَّه قال:
((اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو سَبْعاً أو أكثرَ من ذلكَ إن رأيتُنَّ). قالت: حَفْصةُ: قالت أُمُّ عطيَّةً
رضي الله عنها: وجَعَلْنا رأسَها ثلاثةَ قُرُونٍ.
قوله: ((باب يُجُعَل الكافورُ في الأخيرة)» أي: في الغسلة الأخيرة، قال الزَّين بن المنيِّر: لم
يُعيِّ حكم ذلك لاحتمال صيغة ((اجعلنَ)) للوجوب والنَّدب.
قوله: ((وعن أيوب)) هو معطوف على الإسناد الأول، وقد تقدَّم الكلام علیه فيما قبل.
واختُلِفَ في هيئة جعله في الغَسْلة الأخيرة فقيل: يُجْعَل في ماء ويُصَبّ عليه في آخر غسلة وهو

٥٥٧
باب ١٤ / ح ١٢٦٠
كتاب الجنائز
ظاهر الحديث، وقيل: إذا أُكملَ غسلُه طُيِّبَ بالكافور قبل التكفين، وقد وَرَدَ في رواية
النَّسائيّ (١٨٩٤) بلفظ: ((واجعَلنَ في آخر ذلك كافوراً».
تنبيه: قيل: ما مُناسَبة إدخال هذه الترجمة - وهي مُتعلِّقة بالغُسلِ - بين ترجمتين مُتعلِّقْتَينٍ
بالكَفَن؟ أجاب الزّين بن المنيِرِ: أنَّ العُرف تقديم ما يحتاج إليه الميّت قبل الشُّروع في الغسل
أو قبل الفراغ منه ليتيسَّر غُسله، ومن جملة ذلك الحَنُوط. انتهى مُلخَّصاً، ويحتمل أن يكون
أشار بذلك إلى (١) خلاف مَن قال: إنَّ الكافور يختصُّ بالحَنُوطِ ولا يُجُعَل في الماء، وهو عن
الأوزاعيِّ وبعض الحنفيَّة، أو يُعَل في الماء، وهو قول الجمهور كما تقدَّم قريباً. ولفظة
(الأخيرة)) صفة موصوف، فيحتمل أن يكون التقدير: الغَسْلة، وهو الظاهر، ويحتمل أن
يكون الخِرْقة التي تَلِي الجسدَ.
١٤ - باب نَقْض شعر المرأة
وقال ابنُ سِيرِين: لا بأسَ أن يُنقَضَ شعرُ المرأةِ.
١٢٦٠ - حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال أيوبُ: وسمعتُ
حَفْصةَ بنتَ سِيرِينَ قالت: حدَّثتنا أُمُّ عطيَّةَ رضي الله عنها: أنَّهَنَّ جَعَلْنَ رأسَ بنتِ رسولِ الله
وَّه ثلاثةَ قُرُونٍ نَقَضْنَه، ثمَّ غَسَلْنَه، ثمَّ جَعَلْنَه ثلاثةَ قُرونٍ.
قوله: ((باب نَقْض شعر المرأة)) أي: الميّتة عند الغُسل، والتقييد بالمرأة خرج تَخَرَجَ الغالب
أو الأكثر، وإلَّا فالرجل إذا كان له شعر يُنقَضُ لأجل التنظيف وليَبلُغ الماء البَشَرة، وذهب
مَن مَنَعَه إلى أنَّه قد يُفضي إلى انتاف شعره، وأجاب مَن أثبَتَه بأنَّه يُضَم إلى ما انَثَرَ منه.
قوله: (وقال ابن سِیرینَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعید بن منصور من طريق أيوب عنه.
قوله: ((حدَّثنا أحمد)) كذا للأكثر غير منسوب، ونَسَبَه أبو عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبريّ:
أحمد بن صالح.
(١) من هنا إلى آخر الفقرة أثبتناه من (س) لتوجُّهه ووضوحه، وفي (أ) و(ع): أشار بذلك إلى منشأ الخلاف
في جعل الكافور: هل المراد بقوله: ((الأخيرة)» الغَسْلة أو الخرقة، والأول أَظهر.

٥٥٨
باب ١٥ / ح ١٢٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال أيوب)) في رواية الإسماعيليّ من طريق حَرْمَلة عن ابن وَهْب عن ابن جُرَيج:
أنَّ أيوب بن أبي تَمِيمة أخبره.
قوله: «وسمعتُ)) هو معطوف على محذوف، تقديره: سمعت كذا وسمعت حفصة،
وسيأتي بيانه في الباب الذي بعده.
قوله: ((أَنَهُنَّ جَعَلْنَ رأسَ بنت رسول الله وَّهِ ثلاثة قُرُون نَقَضْنَه ثمَّ غَسَلْنَه)» في رواية
الإسماعيليّ: ((قالت: نَقَضتُه)) والظاهر أنَّ القائلة أمّ عطيَّة، ولعبد الرزاق عن معمر عن أيوب
١٣٣/٣ في هذا الحديث: فقلت: نَقَضَته فغَسَلَته / فجعلته ثلاثة قُرُون؟ قالت: نَعَم(١). والمراد بالرأسِ
شعر الرأس، فهو من تجاز المجاورة، وفائدة النَّقض تبليغ الماء البَشَرة وتنظيف الشَّعر من
الأوساخ. ولمسلم (٣٩/٩٣٩) من رواية أيوب، عن حفصة، عن أمّ عطيّة: ((مَشَطْناها ثلاثة
قُرون)) وهو بتخفيف المعجَمة، أي: سَرَّ حناها بالمُشْط، وفيه حُجّة للشافعيِّ ومَن وافقه على
استحباب تسريح الشَّعر، واعتَلَّ مَن كرهه بتقطيع الشَّعر، والرِّفق يُؤمّن معه ذلك.
١٥ - باب کیف الإشعار للميِّت
وقال الحسنُ: الخِرْقَةُ الخامسةُ تَشُدُّ بها الفَخِذَينِ والوَرِكَينِ تحتَ الدُّرْع.
١٢٦١ - حذَّثنا أحمدُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، أخبرنا ابنُ جُرَيج، أنَّ أيوبَ أخبَرَه قال:
سمعتُ ابنَ سِيرِينَ يقول: جاءت أُمُّ عطيّةَ رضي الله عنها - امرأةٌ مِن الأنصار مِن اللَّاتي
بايَعْنَ. قَدِمَتِ البصرةَ تُبادِرُ ابناً لها فلم تُدرِكْه، فحدَّثَتنا قالت: دخلَ علينا النبيُّ ◌َّهِ ونحنُ
نَغْسِلُ ابنتَه فقال: ((اغسِلْتَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثرَ من ذلكَ إن رأيتُنَّ ذلكَ بماءٍ وسِذْرٍ، واجعَلْنَ
في الآخرةِ كافُوراً، فإذا فَرَغتُنَّ فَآَذِنَّني)). قالت: فلمَّا فَرَغْنا ألْقَى إلينا حَقْوَه فقال: ((أشعِرْنَها
إيَّه)) ولم يَزِدْ على ذلكَ، ولا أدري أيُّ بناتِهِ، وزَعَمَ أنَّ الإِشْعارَ: الفُفْتَها فيه.
وكذلكَ كانَ ابنُ سِيرِينَ يأمرُ بالمرأةِ أن تُشعَرَ ولا تُؤَزَّرَ.
(١) وقعت هذه الرواية عند عبد الرزاق (٦٠٩٣) عن ابن جريج عن أيوب، وأما رواية معمر عن أيوب عنده
برقم (٦٠٨٩) ففيها: قالت: جعلنا رأسَها ثلاثة قرون وأرسلناها من خلفها.

٥٥٩
باب ١٥ / ح ١٢٦١
كتاب الجنائز
قوله: ((باب كيف الإشعار للميِّت)) أورَدَ فيه حديث أمّ عطيّة أيضاً، وإنَّما أفرَدَ له هذه
الترجمة لقوله في هذا السياق: ((وزَعَمَ أنَّ الإشعار الفُفنَها فيه)) وفيه اختصار والتقدير:
وزَعَمَ أنَّ معنى قوله: ((أشعِرنَها إِيَّها)): الفُفنَها، وهو ظاهر اللفظ، لأنَّ الشِّعار ما يلي
الجسد من الِياب. والقائل في هذه الرواية: ((وزَعَمَ)) هو أيوب، وذكر ابن بَطَّال أنَّه ابن
سِيرِين، والأول أَولى، وقد بيَّنه عبد الرزاق (٦٠٩٣) في روايته عن ابن جُرَيج قال: قلت
لأيوب: قوله: أشعِرتَها: تُؤْزَّر به؟ قال: لا، ما أُراه إلَّ قال: الفُفْنَها فيه)).
قوله: ((وقال الحسن: الخِرْقة الخامسة ... )) إلى آخره، هذا يدلُّ على أنَّ أول الكلام أنَّ المرأة
تُكفَّن في خمسة أثواب، وقد وَصَلَه ابن أبي شَيْبة نحوه (٢٦٢/٣)، وروى الجَوزَقيّ من
طريق إبراهيم بن حبيب بن الشَّهيد عن هشام بن حسّانَ عن حفصة عن أمّ عطيّة قالت:
((فكَفَّنّاها في خمسة أثواب وخَمَّرناها كما يُحْمَّر الحيّ)) وهذه الزيادة صحيحة الإسناد.
وقول الحسن في الخِرْقة الخامسة قال به زُفَر، وقالت طائفة: تُشدُّ على صدرها لتضمَّ
أكفانها، وكأنَّ المصنّف أشار إلى موافقة قول زُفَر: ولا يُكرَه القميص للمرأةِ على الراجح
عند الشافعيّة والحنابلة.
قوله: ((حدّثنا أحمد)» كذا للأكثر غیر منسوب، وقال أبو عليّ بن شَبّویه في روايته: حدّثنا
أحمد، يعني: ابن صالح.
فائدة: قوله: ((ولا أدري أيُّ بناته)) هو مَقُول أيوب، وفيه دليل على أنَّه لم يسمع تسميتها
من حفصة، وقد تقدَّم قريباً من وجه آخر عنه أنَّها أمّ كُلْثوم(١).
١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرونٍ
١٢٦٢ - حذَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أُمِّ الهُدَيل، عن أُمّ عطيَةَ رضي الله
عنها قالت: ضَفَرْنا شعرَ بنتِ النبيِّ وَِّ، تعني: ثلاثةَ قُرُونٍ.
وقال وكيعٌ: قال سفيانُ: ناصِيَتَها وقَرْنَيها.
(١) عند شرح الحديث رقم (١٢٥٣).

٥٦٠
باب ١٦ / ح ١٢٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب يُجْعَل شعرُ المرأة ثلاثة قرون» أي: ضفائر.
١٣٤/٣
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوريّ، وهشام: هو ابن حسَّان، وأُمّ الهُذَيلِ: هي حفصة
بنت سیرین.
قوله: ((ضَفَرْنا)) بضاد ساقطة وفاء خفيفة ((شعرَ بنت النبيِّ ◌َلُ﴾، تعني ثلاثة قُرون، وقال
وكيع: قال سفيان)) أي: بهذا الإسناد ((ناصيتَها وقَرْنَيها)) أي: جانبَي رأسها، ورواية وكيع
وَصَلَها الإسماعيليّ بهذه الزيادة وزاد: ((ثمَّ ألقَيناه خلفها))، وسيأتي الكلام على هذه الزيادة
في الباب الذي يليه. واستدلَّ به على ضَفْر شعر الميِّت خلافاً لمن مَنَعَه، فقال ابن القاسم: لا
أعرف الضَّفْر بل يُكَفُّ، وعن الأوزاعيِّ والحنفيّة: يُرسَل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها
مُفرَّقاً.
قال القُرطبيّ: وكأنَّ سبب الخلاف أنَّ الذي فعلته أمُّ عطيّة هل استَنَدَت فيه إلى النبيِّ
﴿َّ فيكون مرفوعاً، أو هو شيء رأته ففعلَته استحساناً؟ كلا الأمرينِ مُحْتَمَل، لكن الأصل
أن لا يُفعَل في الميّت شيء من جنس القُرَب إلَّا بإذنٍ من الشَّرع مُحقَّق ولم يَرِدْ ذلك مرفوعاً،
کذا قال.
وقال النَّوَويّ: الظاهر اطِّلاع النبيّ ◌َّل وتقريره له. قلت: وقد رواه سعيد بن منصور
بلفظ الأمر من رواية هشام عن حفصة عن أمّ عطيّة قالت: قال لنا رسول الله وَله:
((اغسِلنَها وِتراً واجعَلْنَ شعرها ضفائر)).
وقال ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٣٠٣٣): ذكر البيان بأنَّ أمّ عطيّة إنَّما مَشَطَت ابنة النبيّ
وَال﴿ بأمره لا من تلقاء نفسها، ثمَّ أخرج من طريق حمّاد عن أيوب قال: قالت حفصة عن أمّ
عطيّة: اغسِلنَها ثلاثة أو خمساً أو سبعاً، واجعَلنَ لها ثلاثة قُرون.
تنبيه: قوله: ((ثلاثة قُرونٍ)) مع قوله: ((ناصيتها وقَرنَيها)) لا تَضادَّ بينهما، لأنَّ المراد
بالثلاثة قرون الضَّفائر، والمراد بالقَرنَين الجانبان.