Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب ٣ / ح ١٢٤١ - ١٢٤٤
كتاب الجنائز
وقال نافعُ بنُ يزيدَ عن عُقَيلِ: ((ما يُفْعَلُ به)). وتابَعَه شعيبٌ وعَمُرُو بنُ دِينارٍ ومَعمَرٌ.
[أطرافه في: ٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠١٨،٧٠٠٤]
١٢٤٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ محمَّدَ بنَ
المُنكَدِر، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: لمَّا قُتِلَ أَبي جعلتُ أَكْثِفُ
الثوبَ عن وَجِهِهِ أَبَكي ويَنْهَوْني عنه، والنبيُّ ◌ََّ لا يَنْهاني، فَجَعَلَتْ عَمَّتي فاطمةُ تَبْكي فقال
النبيُّ وَِّ: (تَبِكِينَ أو لا تَبكِين، فما زالَتِ الملائكةُ تُظِلُّه بأجنِحَتها حتَّى رَفَعْتُمُوه)).
تابَعَه ابنُ جُرَيجٍ: أخبرني ابنُ المُنكَدِرِ سَمِعَ جابراً ﴾.
[أطرافه في: ١٢٩٣، ٤٠٨٠،٢٨١٦]
قوله: ((باب الدُّخول على المَيِّت بعد الموت إذا أُدْرِجَ في أكفانه)) أي: لُفَّ فيها، قال ابن
رُشَيد: موقع هذه الترجمة من الفقه أنَّ الموت لمَّا كان سبب تغيير محاسن الحيِّ التي عُهِدَ
عليها - ولذلك أُمِرَ بتغميضِه وتغطيتِه - كان ذلك مَظِنَّةً للمنع من كَشْفه، حتَّى قال
النَّخَعيُّ: ينبغي أن لا يَطَّلِع عليه إلَّا الغاسلُ له ومَن يليه. فترجم البخاريُّ على جواز
ذلك، ثمَّ أورَدَ فیه ثلاثة أحاديث:
أولها: حديث عائشة في دخول أبي بكر على النبيِّ وَّ بعد أن مات، وسيأتي مُستوفَّى في
باب الوفاة آخر المغازي (٤٤٥٢ -٤٤٥٣)، ومُطابَقَته للترجمة واضحة كما سنبيِّنْه، وأشدُّ ما
فيه إشكالاً قول أبي بكر: لا يجمع الله عليك موتتَينٍ، وعنه أجوبة:
فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّه سيَحْيا فيقطع أيديَ
رجال، لأنَّه لو صَحَّ ذلك لَلَزِمَ أن يموت موتة أُخرى، فأخبر أنَّه أكرَمُ على الله من أن يجمع
عليه موتَتَينِ كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذي مَرَّ على
قرية، وهذا أوضَحُ الأجوبة وأسلمُها.
وقيل: أراد: لا يموت موتة أُخرى في القبر كغيره إذ يحيا ليُسأل ثمَّ يموت، وهذا
جواب الداووديّ.

٥٢٢
باب ٣ / ح ١٢٤١ - ١٢٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: لا يجمع اللهُ موت نفسك وموت شريعتك.
وقيل: كَنَّى بالموت الثاني عن الكَرْب، أي: لا تَلقَی بعد گربِ هذا الموت گَرباً آخر.
١١٥/٣
ثانيها: حديث أُمّ العلاء الأنصاريّة في قصَّة عثمان بن مظعون، وسيأتي بأتمَّ من هذا
السياق في ((باب القُرعة)) في آخر الشَّهادات (٢٦٨٧)، وفي التعبير (٧٠٠٣).
ثالثها: حديث جابر في موت أبيه، وسيأتي في كتاب الجهاد (٢٨١٦).
ودلالة الأول والثالث مُشكِلة، لأنَّ أبا بكر إنَّما دخل قبل الغُسْل فضلاً عن التَّكفين
وعمر حينئذٍ يُنكِرِ أن يكون مات، ولأنَّ جابراً كَشَفَ الثوب عن وجه أبيه قبل تكفينه.
وقد يقال في الجواب عن الأول: إنَّ الذي وقع دخولُ أبي بكر على النبيِّ بَّه وهو مُسجَّى،
أي: مُغطّى، فيُؤخَذ منه أنَّ الدُّخول على الميّت يمتنع إلَّا إن كان مُدرَجاً في أكفانه أو في
حُكم المدرَجِ، لَلَّا يُطَّلَعَ منه على ما يُكرَه الاطّلاع عليه.
وقال الزَّين بن المنيِّر ما مُحصَّله: كان أبو بكر عالماً بأنَّه ◌َلِّ لا يزال مَصُوناً عن كلّ أذّى،
فساغَ له الدُّخول من غير تنقيب عن الحال، وليس ذلك لغيره.
وأمَّا الجواب عن حديث جابر، فأجاب ابن المنيِرِ أيضاً: بأنَّ ثياب الشَّهيد التي قُتِلَ
فيها هي أكفانه فهو كالمدرَج، ويُمكِن أن يقال: نهيهم له عن كشف وجهه يدلُّ على المنع
من الاقتراب من المِيِّت، ولكن يُتَعقَّب بأنَّه ◌ِ له لم يَنْهَه، ويُجاب بأنَّ عَدَم نهيهم عن نهيه يدلُّ
على تقرير نهيهم، فتَبيَّن أنَّ الدُّخول الثابت في الأحاديث الثلاثة كان في حالة الإدراج، أو
في حالة تقوم مقامها.
قال ابن رُشَيد: المعنى الذي في الحديثين من كشف الميِّت بعد تَسْجيَتَه مُساوٍ لحاله بعد
تکفینه، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث: جوازُ تقبيل المَيِّت تعظيماً وتَبرُّكاً(١). وجواز التفدية بالآباء والأُمَّهات،
(١) قوله: ((تبركاً)) هذا في حقٌّ النبي ◌َّهه جائز لما جعل الله في جسده من البركة، وأما من سواه من الأموات
فلا يجوز أن يقبَّل للتبرك، لأن غير النبي ◌َّ لا يقاس عليه، ولأن فعل ذلك مع غيره وسيلة إلى الشرك =

٥٢٣
باب ٣ / ح ١٢٤١ - ١٢٤٤
كتاب الجنائز
وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها ولا تَقصِد معناها الحقيقيّ، إذ حقيقة التفدية
بعد الموت لا تُتْصَوَّر. وجواز البكاء على المِيِّت، وسيأتي مبسوطاً.
قوله في حديث عائشة: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، ومَعمَر: هو ابن راشد، ويونس:
هو ابن يزيد، والسُّنْح بضم المهمَلة وسكون النون بعدها حاء مُهمَلة: منازل بني الحارث بن
الخَزْرَج، وكان أبو بكر متزوِّجاً فيهم.
قوله: (فَتَمَّمَ)) أي: قَصَد.
و((بُرْد حِبَرَة)) بكسر المهمَلة وفتح الموحّدة بوزنِ عِنَبَة، ويجوز فيه التنوين على الوصف،
وعَدَمه على الإضافة، وهي نوع من بُرود اليمن مُطَّطة غالية الثَّمَن.
قوله: (فقَبَّلَه)) أي: بين عَيْنَه، وقد ترجم عليه النَّسائيُّ وأورَدَه صريحاً (١٨٤١).
وقوله: ((التي كَتَبَ الله)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((التي كُتِبَ)) بضم أوله على البناء
للمجهول.
قوله في حديث أُم العلاء: ((أنَّه اقتُسِمَ)) الهاء ضمير الشَّأن و((اقتُسِمَ)) بضم المثنَّاة،
والمعنى: أنَّ الأنصار اقتَرَعوا على سُكنَى المهاجرينَ لمَّا دَخَلوا عليهم المدينة.
وقولها: ((فطارَ لنا)) أي: وقع في سَهْمنا، وذكره بعض المغاربة بالصاد فصَيَّرَه(١): ((فصار
لنا»، وهو صحيح من حيثُ المعنى إن ثبتت الرواية.
وقولها: ((أبا السائب)) تعني: عثمان المذكور.
قوله: ((ما يُفْعَل بي)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((به)) وهو غلط منه، فإنَّ المحفوظ في رواية
الليث هذا، ولذلك عَقَّبَه المصنِّف برواية نافع بن يزيد عن عُقيل التي لفظها: ((ما يُفعَل به))
وعَلَّقَ منها هذا القَدْر فقط إشارة إلى أنَّ باقي الحديث لم يُخْتَلَف فيه.
= فيمنع، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا مثل هذا مع غير النبي ◌َّ للتبرك، وهم أعلم الناس بما
يجيزه الشرع، والله أعلم. (س).
(١) لفظة ((فصيره)) سقطت من (س).

٥٢٤
باب ٣ / ح ١٢٤١ - ١٢٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
ورواية نافع المذكورة وَصَلَها الإسماعيليّ، وأمَّا مُتابَعة شعيب فستأتي في أواخر
الشَّهادات (٢٦٨٧) موصولة. وأمَّا مُتابَعة عَمْرو بن دينار فَوَصَلها ابن أبي عمر في
((مسنده)) عن ابن عُيَينةَ عنه. وأمَّا مُتابعة مَعمَر فَوَصَلها المصنِّ في التعبير (٧٠١٨) من
طريق ابن المبارَك عنه، وقد وَصَلَها عبد الرزاق (٢٠٤٢٢) عن مَعمَر أيضاً، ورُوّيناها في
((مسند عبد بن حُميدٍ)) (١٥٩٣) قال: أخبرنا عبد الرزاق ولفظه: ((فوالله ما أدري وأنا
رسولُ الله ما يُفعَل بي ولا بكم)) وإنَّما قال رسول الله وَ ◌ّل ذلك موافقةً لقوله تعالى في سورة
الأحقاف: ﴿قُلّ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ ﴾ [الأحقاف: ٩]، وكان
١١٦/٣ ذلك/ قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لأنَّ
الأحقاف مكيّة، وسورة الفتح مدنيّة بلا خلاف فيهما، وقد ثَبَتَ أَنَّه وَ لَّه قال: «أنا أول مَن
يدخل الجنَّة))(١) وغير ذلك من الأخبار الصَّريحة في معناه، فيحتمل أن يُحمَل الإثبات في
ذلك على العلم المجمَل، والنَّفي على الإحاطة من حيثُ التفصيل.
قوله في حديث جابر: ((ويَنْهَوْني)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ويَنهَونَني)) وهو أوجَهُ، وفاطمة
عمَّة جابر وهي شقيقة أبيه عبد الله بن عَمْرو، و((أو)) في قوله: ((تبكينَ أو لا تبكينَ))
للتخيير، ومعناه أنَّه مُكرَّم بصنيع الملائكة وتَزاحُهم عليه لصُعودِهم بروحِه، ويحتمل أن
يكون شكّاً من الرّاوي. وسيأتي البحث فيه في كتاب الجهاد (٢٨١٦).
قوله: ((تابَعَه ابن جُرَيج ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٢) من طريق عبد الرزاق عنه،
وأوله: جاء قومي بأبي قتيلاً يوم أُحُد.
٤ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميّت بنفسه
١٢٤٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن
(١) أخرجه مسلم (١٩٦) (٣٣١) من حديث أنس بن مالك بلفظ: ((أنا أول من يقرع باب الجنة))، وانظر
«مسند أحمد» (١٢٤١٩).
(٢) عند مسلم برقم (٢٤٧١)، لكن من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج، وإسحاق بن إبراهيم عن
عبد الرزاق عن معمر. وليس فيه هذه اللفظة.

٥٢٥
باب ٤ / ح ١٢٤٥ - ١٢٤٦
كتاب الجنائز
أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ الله وََّ نَعَى النَّجاشيَّ في اليومِ الَّذي ماتَ فيه، خرجَ إلى المصلَّى
فصَفَّ بهم وكَبَّرَ أربعاً.
[أطرافه في: ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١]
١٢٤٦ - حدّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن مُميدِ بنِ هلالٍ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّ: «أخذَ الرّايةَ زيدٌ فَأُصِيبَ، ثمَّ أخذها جعفرٌ فأُصِيبَ،
ثُمَّ أخذَها عبدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وإنَّ عَينَيْ رسول الله وََّ لَتَذْرِ فَانِ - ثمَّ أخذَها خالدُ
ابنُ الوليدِ من غيرِ إِمْرةٍ ففُتِحَ له».
[أطرافه في: ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠، ٣٧٥٧، ٤٢٦٢، ٦٢٤٢]
قوله: ((باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميّت بنفسِه)) كذا في أکثر الروايات، ووقع عند
الكُشْمِيهنيّ بحذف الموخَّدة، وفي رواية الأَصِيليّ بحذف ((أهل))، فعلى الرواية المشهورة
يكون المفعول محذوفاً والضَّمير في قوله: ((بنفسه)) للرّجل الذي يَنعَى المَيِّت إلى أهل الميِّت
بنفسِه.
وقال الزّين بن المنيِر: الضَّمير للميِّتِ، لأنَّ الذي يُنكَر عادةً هو نَعْي النَّفْس لمَا يدخل
على القلب من هَول الموت. انتهى، والأول أولى.
وأشار المهلَّب إلى أنَّ في الترجمة خَلَلاً قال: والصواب: الرجل يَنعَى إلى الناس الميِّتَ
بنفسه. كذا قال، ولم يصنع شيئاً إلَّا أنَّه أبدَلَ لفظ الأهل بالناس، وأثبَتَ المفعول
المحذوف، ولعلَّه كان ثابتاً في الأصل فسَقَطَ، أو حُذِفَ عمداً لدلالة الكلام عليه، أو لفظ
(يُنْعَى)) بضم أوله، والمراد بالرجل الميّتُ، والضَّمير حينئذٍ له كما قال الزَّين بن المنيِرِ،
ويستقيم عليه رواية الكُشْمِيهنيّ. وأمَّا التَّعبير(١) بالأهل، فلا خَلَل فيه، لأنَّ مراده به هاهنا
ما هو أعمُّ من القَرابة وهو أُخوّة الدِّين، وهو أَولى من التعبير بالناس لأنَّه يُرِج مَن ليس
له به أهليَّةٌ كالكفّار.
(١) تحرف في (س) إلى: التفكير.

٥٢٦
باب ٤ / ح ١٢٤٥ - ١٢٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا رواية الأَصِيليّ فقال ابن رُشَيد: إنَّها فاسدة، قال: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى
أنَّ النَّعي ليس ممنوعاً كلّه، وإنَّما نُهُيَ عمَّا كان أهل الجاهليّة يصنعونَه، فكانوا يُرسِلونَ مَن
يُعلِن بخيرٍ موت المَيِّت على أبواب الدُّور والأسواق.
١١٧/٣
وقال ابن المرابط: مراده أنَّ النَّعي الذي هو إعلام الناس بموتٍ قريبهم مُباحٌ وإن كان
فيه إدخال الكَرْب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسَدة مصالحُ جَمَّة، لمَا يَتَرَّب على
معرفة ذلك من المبادرة لشهود جِنازَته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدُّعاء له والاستغفار،
وتنفيذ وصاياه وما يَتَرتَّب على ذلك من الأحكام.
وأمَّا نَعيُ الجاهليّة، فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليَّة عن ابن عَوْن قال: قلت
الإبراهيم: أكانوا يكرهون النَّعيَ؟ قال: نعم. قال ابن عَوْن: كانوا إذا تُوفِّيَ الرجل رَكِبَ
رجل دابَّة ثمَّ صاحَ في الناس: أَنْعَى فلاناً. وبه إلى ابن عَوْن قال: قال ابن سيرين: لا أعلم
بأساً أن يُؤْذِنَ الرجلُ صديقه وحميمَه. وحاصله أنَّ محضَ الإعلام بذلك لا يُكرَه، فإن زاد
على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يُشدِّد في ذلك حتَّى كان حُذَيفة إذا ماتَ له المَيِّت
يقول: لا تُؤذِنُوا به أحداً، إنِّي أخاف أن يكون نَعياً، إنِّي سمعت رسول الله ◌َّهِ بِأُذُنيَّ هاتَينِ
ینھی عن النّعي. أخرجه الترمذيّ (٩٨٦) وابن ماجه (١٤٧٦) بإسناد حسن.
قال ابن العربيّ: يُؤخَذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنّة.
الثانية: دَعوة الحَفْل للمُفاخَرةِ، فهذه تُكرَه.
الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنِّياحةِ ونحو ذلك، فهذا يَحِرُم.
ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث أبي هريرة في الصلاة على النَّجاشيّ، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في
کتاب الجنائز (١٣١٨).
ثانيهما: حديث أنس في قصَّة قتل الأُمراء بمُؤْتة، وسيأتي الكلام عليه في المغازي

٥٢٧
باب ٥ / ح ١٢٤٧
كتاب الجنائز
(٤٢٦٢). ووَرَدَ في علامات النُّبوّة (٣٦٣٠) بلفظ: أنَّ النبيّ وَّ نَعَى زيداً وجعفراً ...
الحدیث.
قال الزَّين بن المنيِر: وجه دخول قصَّة الأُمراء في الترجمة أنَّ نَعْيهم كان لأقاربِهِم
وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدِّين، ووجه دخول قصَّة النَّجاشيّ كَونُه كان غريباً
في ديار قومه، فكان للمسلمين من حيثُ الإسلام أخاً، فكانوا أخصَّ به من قَرابتِه.
قلت: ويحتمل أن يكون بعض أقرباء النَّجاشيّ كان بالمدينة حينئذٍ ممَّن قَدِمَ مع جعفر
ابن أبي طالب ه من الحبشة، كذي مِخْمَرِ ابن أخي النَّجاشيّ، فيستوي الحديثان في إعلام
أهل كلٌّ منهما حقيقةً ومجازاً.
٥ - باب الإذن بالجنازة
وقال أبو رافعٍ عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((ألا كنتُمْ آذَنْتُمُوني؟».
١٢٤٧ - حدَّثْنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، عن أبي إسحاقَ الشَّيْبانيِّ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ماتَ إنسانٌ كانَ رسولُ اللهِ وَ يَعُودُه، فماتَ بالليل فدَفَنُوه ليلاً،
فلمَّا أصبَحَ أخبَرُوه فقال: ((ما مَنَعَكم أن تُعلِمُوني؟» قالوا: كانَ الليلُ فكَرِهْنا - وكانت ظُلْمٌ -
أن نَشُقَّ عليكَ، فأتى قَبْرَه فصَلَّى عليه.
قوله: ((باب الإذْن بالجنازة)) قال ابن رُشَيد: ضبطناه بكسر الهمزة وسكون المعجَمة،
وضَبَطَه ابن المرابط بمَدّ الهمزة وكسر الذّال على وزن الفاعل.
قلت: والأول أوجه، والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها ليُصلَّى عليها. قيل: هذه
الترجمة تُغاير التي قبلها من جهة أنَّ المراد بها الإعلامُ بالنَّفْسِ وبالغير.
قال الَّين بن المنيِر: هي مُرتَبة على التي قبلها، لأنَّ النَّعي إعلامُ مَن لم يتقدَّم له علم
بالميِّت، والإذن إعلامُ مَن عَلِمَ بتهيئة أمره وهو حسنٌ.
قوله: ((قال أبو رافع عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ وَّ: ألا كنتُمْ آذَنْتُمُوني)) هذا طرف

٥٢٨
باب ٥ / ح ١٢٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
من حديث تقدَّم الكلام عليه مُستوفّى (٤٥٨) في ((باب كَنس المسجد))، ومُناسَبته للترجمة
ظاهرةٌ.
قوله: ((حدَّثني محمّد)) هو ابن سَلَام كما جَزَمَ به أبو عليّ بن السَّكَن في روايته عن
الفِرَبريّ، وأبو معاوية: هو الضَّرير.
قوله: ((ماتَ إنسان كانَ رسول اللهَوَّلِ يَعُودُه)) وقع في شرح الشيخ سِراج الدِّين عمر بن
١١٨/٣ الملقِّن أنَّه الميِّت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يَقُمّ المسجد،/ وهو وهمٌّ منه لتَغايُر
القِصَّتَين، فقد تقدَّم (١) أنَّ الصحيح في الأول: أنَّها امرأة وأنَّهَا أُمُّ مِحْجَن، وأمَّا هذا فهو
رجل واسمه طلحة بن البراء بن عُمَير البَلَويّ حليف الأنصار، روی حديثه أبو داود
مختصراً (٣١٥٩) والطَّبَرانيّ (٣٥٥٤) من طريق عُرْوة بن سعيد الأنصاريّ عن أبيه عن
حُصَين(٢) بن وَحوَحِ الأنصاريّ، وهو بمُهمَلتينِ بوزن جعفر: أنَّ طلحة بن البَراء مَرِضَ
فأتاه النبيّ وَِّ يعوده فقال: ((إنِّ لا أُرَى طلحةَ إلَّا قد حَدَثَ فيه الموت، فأذِنُوني به
وعَجِّلُوا)) فلم يَبلُغِ النبيُّ ◌َّر بني سالم بن عَوْف حتَّى تُونِيّ، وكان قال لأهلِه لمَّ دخل
الليل: إذا مُتُّ فادفِنوني ولا تَدْعوا رسول الله وَّهِ، فإنّي أخاف عليه يهودَ أن يُصاب
بسببي، فأُخبِرَ النبيُّ نَّهِ حين أصبح، فجاء حتَّى وَقَفَ على قبره فصَفَّ الناس معه، ثمَّرَفَعَ
يديه فقال: ((اللهمَّ القَ طلحةَ يَضحَك إليك وتَضحَك إليه)).
قوله: ((كانَ الليل)» بالرَّفع، وكذا قوله: ((وكانت ظُلمةٌ))، فـ((كان)) فيهما تامَّة، وسيأتي
الكلام على حكم الصلاة على القبر (١٣٢١) في ((باب صفوف الصِّبيان مع الرجال على
الجنازة)) مع بقيَّة الكلام على هذا الحديث.
٦ - باب فضل من مات له ولدٌ فاحتَسَب
وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
(١) انظر: كتاب الصلاة باب رقم (٧٢): باب كنس المسجد، وباب رقم (٧٤): باب الخدم للمسجد.
(٢) تحرف في (س) إلى: حسین.

٥٢٩
باب ٦ / ح ١٢٤٨
كتاب الجنائز
١٢٤٨ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾ قال: قال
النبيُّ ◌َّمَ: ((ما مِن الناسِ من مسلم يُتَوَلَّ له ثلاثةٌ لم يَبلُغُوا الحِنْثَ، إلا أدخَلَه اللهُ الجنَّةَ بِفَضْلٍ
رحمته إياهم)).
[طرفه في: ١٣٨١]
قوله: ((باب فضل مَن ماتَ له ولد فاحتَسَبَ)) قال الزّين بن المنيِر: عَبَّرَ المصنِّف بالفضلِ
ليجمع بين مُتِلِف الأحاديث الثلاثة التي أورَدَها، لأنَّ في الأول دخولَ الجنَّة، وفي الثاني
الحَجْبَ عن النار، وفي الثالث تقييدَ الوُلوج بتَحِلّة القسم، وفي كلٍّ منها ثبوتُ الفضل لمن
وقع له ذلك.
ويُجمَع بينها بأن يقال: الدُّخول لا يستلزم الحجبَ،/ ففي ذِكْر الحجب فائدة زائدة ١١٩/٣
لأنَّهَا تَستَلِزِم الدُّخول من أول وَهْلة، وأمَّا الثالث فالمراد بالولوج الورود، وهو المرور على
النار كما سيأتي البحث فيه عند قوله: ((إلَّا تَحِلّة القَسَم))، والمارُّ عليها على أقسام: منهم مَن
لا يسمع حَسيسَها، وهم الذين سَبَقَت لهم الحُسنَى من الله كما في القرآن، فلا تَنافيَ مع هذا
بين الؤُلُوج والحجب.
وعَبَّرَ بقوله: ((ولد)) ليتناول الواحد فصاعداً، وإن كان حديث الباب قد قُيِّدَ بثلاثةٍ
أو اثنين، لكن وقع في بعض طرقه ذِكْر الواحد، ففي حديث جابر بن سَمُرة مرفوعاً:
((مَن دَفَنَ ثلاثة فصَبَرَ عليهم واحتَسَبَ، وَجَبَت له الجنَّة)) فقالت أُمّ أيمَن: أو اثنين؟
فقال: ((أو اثنين)). فقالت: وواحد؟ فسَكَتَ ثمّ قال: ((وواحد)) أخرجه الطَّبَرانيُّ في
(«الأوسط)» (٢٤٨٩).
وحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((مَن قَدَّمَ ثلاثة من الولد لم يَبلُغوا الحِنثَ، كانوا له
حِصناً حصيناً من النار)) قال أبو ذَرّ: قَدَّمتُ اثنين، قال: ((واثنين)) قال أبيُّبن كعب: قَدَّمت
واحداً، قال: ((وواحداً)) أخرجه التِّرمِذيّ (١٠٦١) وقال: غريب(١)، وعنده (١٠٦٢) من
(١) وأخرجه أيضاً أحمد (٣٥٥٤)، وابن ماجه (١٦٠٦).

٥٣٠
باب ٦ / ح ١٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((مَن كان له فَرَطانِ من أُمَّتِي أدخَلَه الله الجنَّة)) فقالت عائشة:
فمَن كان له فَرَطٌ؟ قال: ((ومَن كان له فَرَطٌ)) الحديث.
وليس في شيء من هذه الطّرق ما يَصلُح للاحتجاج(١)، بل وقع في رواية شَرِيك التي
عَلَّقَ المصنّف إسنادها كما سيأتي (١٢٥٠) ولم يسأله عن الواحد.
وروى النَّسائيُّ (١٨٧٢) وابن حِبَّان (٢٩٤٣) من طريق حفص بن عبيد الله عن أنس:
أنَّ المرأة التي قالت: واثنان؟ قالت بعد ذلك: يا لَيتَني قلت: وواحد(٢).
وروى أحمد (١٤٢٨٥) من طريق محمود بن لَبيدٍ عن جابر رَفَعَه: ((مَن ماتَ له ثلاثة
من الولد فاحتَسَبَهم دخل الجنَّة)) قلنا: يا رسولَ الله، واثنان؟ قال: ((واثنان))(٣) قال محمود:
قلت لجابر: أُراكم لو قلتُم: وواحد، لقالَ: وواحد، قال: وأنا أظنُّ ذلكَ. وهذه الأحاديث
الثلاثة أصحّ من تلك الثلاثة، لكن روى المصنّف من حديث أبي هريرة كما سيأتي في
الرِّقاق (٦٤٢٤) مرفوعاً: ((يقول الله عزَّ وجلّ: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قَبَضتُ
صَفِيَّه من أهل الدنيا ثمَّ احتَسَبَه إلَّ الجنَّة))، وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو أصحُّ ما
وَرَدَ في ذلك، وقوله: ((فاحتَسَبَ)) أي: صَبَرَ راضياً بقضاء الله راجياً فضله، ولم يقع التقييد
بذلك أيضاً في أحاديث الباب، وكأنّه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضاً كما في حديث
جابر بن سَمُرة المذكور قبلُ (٤)، وكذا في حديث جابر بن عبد الله.
وفي رواية ابن حِبَّان (٢٩٤٣) والنَّسائيّ (١٨٧٢) من طريق حفص بن عبيد الله بن
أنس عن أنس رَفَعَه: ((مَن احتَسَبَ من صُلْبه ثلاثة دخل الجنَّة)) الحديث، ولمسلم
(١٥١/٢٦٣٢) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا
يموت لإحداكُنَّ ثلاثة من الولد فتحتَسِبهم إلَّا دَخَلَت الجنَّة)) الحديث، ولأحمد (١٧٢٩٨)
(١) بل حديث ابن عباس عند الترمذي إسناده حسن، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (٣٠٩٨).
(٢) هو عند ابن حبان دون ذِكْر المرأة.
(٣) قوله: ((قال: واثنان)) سقط من (س).
(٤) وهو عند الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٨٩).

٥٣١
باب ٦ / ح ١٢٤٨
كتاب الجنائز
والطََّرانيّ(١) من حديث عُقْبة بن عامر رَفَعَه: ((مَن أعطَى ثلاثة من صُلْبه فاحتَسَبَهم على
الله، وَجَبَت له الجنَّةُ))، وفي ((الموطَّ)) (٢٣٥/١) عن أبي النَّضر السُّلَمَيّ رَفَعَه: ((لا يموت
لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد فيَحتَسِبهم إلَّا كانوا له جُنّة من النار)) الحديث.
وقد عُرِفَ من القواعد الشَّرعيّة أنَّ الثَّواب لا يَتَرَتَب إلَّا على النيّة، فلا بدَّ من قيد
الاحتساب، والأحاديث المطلَقة محمولة على المقيَّدة، ولكن أشار الإسماعيليّ إلى اعتراضٍ
لفظيّ فقال: يقال في البالغ: احتَسَبَ، وفي الصغير: افتَرَطَ. انتهى، وبذلك قال الكثير من
أهل اللُّغة، لكن لا يَلزَم من كون ذلك هو الأصل أن لا يُستَعمَل هذا موضعَ هذا، بل ذكر
ابن دُرَيد وغيره: احتَسَبَ فلان بكذا: طَلَبَ أجراً عند الله، وهذا أعمُّ من أن يكون لكبير
أو صغير، وقد ثَبَتَ ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حُجّة في صِحَّة هذا الاستعمال.
قوله: ((وقول الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾)) في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ: ((وقال الله))
وأراد بذلك الآية التي في البقرة، وقد وُصِفَ فيها الصابرونَ بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَاَ
أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، فكأنَّ المصنِّ أراد تقييد ما أُطلِقَ
في الحديث بهذه الآية الدالّة على تَرْك / القَلَق والجَزَع، ولفظ ((المصيبة)) في الآية وإن كان ١٢٠/٣
عامّاً، لكنَّه يتناول المصيبة بالولدِ فهي من أفراده.
قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز)) هو ابن صُهَيب، وصَرَّحَ به في رواية ابن ماجَهْ (١٦٠٥)
والإسماعيليّ من هذا الوجه، والإسناد كلّه بصریُّون.
قوله: ((ما من الناس من مسلم)) قَيَّدَه به ليخرج الكافر، و((مِن)) الأولى بيانيّة والثانية
زائدة، وسَقَطَت ((من)) في رواية ابن عُليَّة عن عبد العزيز كما سيأتي في أواخر الجنائز
(١٣٨١)، و((مسلم)) اسم ((ما))، والاستثناء وما معه الخبر.
والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، لكن هل يَحَصُل ذلك لمن ماتَ له أولاد
في الكفر ثمَّ أسلمَ؟ فيه نظرٌ، ويدلَّ على عَدَم ذلك حديث أبي ثَعْلبة الأشجعي قال: قلت:
(١) في ((الكبير)) ١٧/ (٨٢٩).

٥٣٢
باب ٦ / ح ١٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
يا رسولَ الله، ماتَ لي ولدان، قال: «مَن ماتَ له وَلَدان في الإسلام أدخَلَه الله الجنَّة»
أخرجه أحمد (٢٧٢٢٠) والطََّرانيُّ (٩٥٦/٢٢ و٩٥٧)، وعن عَمْرو بن عَبَسة مرفوعاً: ((مَن
ماتَ له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يَبلُغوا أدخله الله الجنَّة)) أخرجه أحمد
(١٩٤٣٧) أيضاً، وأخرج أيضاً عن رجاء الأسلميّة (٢٠٧٨٢) قالت: جاءت امرأة إلى
رسول الله ◌َ﴿ فقالت: يا رسولَ الله، ادعُ الله لي في ابنٍ لي بالبَرَكة، فإنَّه قد تُوقُ لي ثلاثة،
فقال: ((أمنذُ أسلمتِ؟)) قالت: نَعَم ... فذكر الحديث(١).
قوله: ((يُوَلَّى له)) بضم أوله، ووقع في رواية ابن ماجَهْ المذكورة: ((ما من مسلمَينِ يُتَوَّى
لهم)» والظاهر أنَّ المراد من وَلَدَه الرجلُ حقيقة، ويدلُّ عليه رواية النَّسائيّ (١٨٧٢) المذكورة
من طريق حفص عن أنس ففيها: ((ثلاثة من صُلبه))، وكذا حديث عُقْبة بن عامر(٢)، وهل
يدخل في الأولاد أولادُ الأولاد؟ محلُّ بحث، والذي يَظهَر أنَّ أولادَ(٣) أولاد الصُّلب
يدخلونَ، ولا سيَّما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، وفي التَّقييد بكونهم من صُلْبه ما
يدلّ على إخراج أولاد البنات.
قوله: ((ثلاثة)) كذا للأكثر وهو الموجود في غير البخاري، ووقع في رواية الأَصِيلِيّ
وكَرِيمة: ((ثلاث)) بحذف الهاء، وهو جائز لكون المميَّز محذوفاً.
قوله: (لم يَبلُغُوا الحِنْث)) كذا للجميع بكسر المهمَلة وسكون النون بعدها مُثَّثة، وحكى
ابن قُرقولٍ عن الداووديّ أنَّه ضَبَطَه بفتح المعجَمة والموخَّدة (٤)، وفَشَّرَه بأنَّ المراد: لم يَبلُغوا
أن يعملوا المعاصي، قال: ولم يَذكُره كذلك غيره، والمحفوظ الأول، والمعنى: لم يَبلُغوا
الحُلُم فتُكتَب عليهم الآثام. قال الخليل: بَلَغَ الغلامُ الحِنثَ: إذا جَرَى عليه القلمُ، والحِنث:
الذَّنب، قال الله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]، وقيل: المراد: بَلَغَ إلى
(١) وفي أسانيد هذه الأحاديث الثلاثة مقال، لكنها تتقوى ببعضها.
(٢) عند أحمد (١٧٢٩٨)، والطبراني في «الكبير)) ١٧/ (٨٢٩).
(٣) قوله: ((أولاد)) من (ع)، وسقط من (أ) و(س)، وبوجودها يستقيم السياق.
(٤) يعني: الخَبَث.

٥٣٣
باب ٦ / ح ١٢٤٨
كتاب الجنائز
زمان یُؤاخذ بیمینِه إذا حَنِثَ.
وقال الراغب: عَبَّرَ بالخِنْث عن البلوغ لمَّا كان الإنسان يُؤاخذ بما يرتكبه فیه بخلاف
ما قبله، وخُصَّ الإثم بالذِّكرِ لأنَّه الذي يَحصُل بالبلوغ، لأنَّ الصبيَّ قد يُئاب، وخُصَّ
الصغير بذلك لأنَّ الشَّفَقة عليه أعظم، والحبُّ له أشدّ، والرَّحمة له أوفَر.
وعلى هذا فمَن بَلَغَ الِحِنثَ لا تَحَصُل لمن فَقَدَه ما ذُكِرَ من هذا الثَّواب، وإن كان في فَقْدِ
الولد أجر في الجملة، وبهذا صَرَّحَ كثير من العلماء، وفَرَّقوا بين البالغ وغيره بأنَّه يُتصوَّر منه
العُقوق المقتضي لعَدَم الرَّحمة، بخلاف الصغير، فإنَّه لا يُتصوَّر منه ذلك إذليس بمُخاطَبٍ.
وقال الزَّين بن المنيِر: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفَحْوَى، لأنَّه إذا ثَبَتَ ذلك
في الطّفل الذي هو كَلٌّ على أبويه، فكيف لا يَئْبُت في الكبير الذي بَلَغَ معه السعيَ، ووَصَلَ
له منه النَّفْع وتَوجَّهَ إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعلَّ هذا هو السُّ في إلغاء البخاري
التقييد بذلك في الترجمة. انتھی.
ويُقوِّي الأولَ قولُه في بقيّة الحديث: ((بفَضلِ رحمته إيّاهم)) لأنَّ الرَّحمة للصِّغار أكثر
لعَدَمِ حصول الإثم منهم، وهل يَلتَحِقِ بالصِّغار مَن بَلَغَ مَجنوناً مثلاً واستمرَّ على ذلك
فماتَ؟ فيه نظر، لأنَّ كونهم لا إثمَ عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يَخِفُّ
بموتهم يقتضي عَدَمَه، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشِدّة الحُبّ ولا عَدَمه، وكان
القياس يقتضي ذلك لمَا يُوجَد من كراهة بعض الناس / لولدِه وتَبُّمه منه، ولا سيّما مَن ١٢١/٣
كان ضيِّقَ الحال، لكن لمَّا كان الولد مَظِنَّةُ المحبَّة والشَّفَقة، نِيطَ به الحُكْم وإن تَخَلَّفَ في
بعض الأفراد.
قوله: ((إلَّا أدخَلَه الله الجنَّة)) في حديث عُتبة بن عبدٍ(١) السُّلَميّ عند ابن ماجَهْ (١٦٠٤)
بإسناد حسن نحو حديث الباب لكن فيه: ((إلَّا تَلَقَّوه من أبواب الجنَّة الثّانية من أيّها شاءَ
دَخَلَ))، وهذا زائد على مُطلَق دخول الجنَّة، ويشهد له ما رواه النَّسائيُّ (١٨٧٠) بإسناد
(١) في (س): ((عبد الله)) بزيادة لفظ الجلالة، وهو خطأ.

٥٣٤
باب ٦ / ح ١٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
صحيح من حديث معاوية بن قُرّة عن أبيه مرفوعاً في أثناء حديث: ((ما يَسُرُّك أن لا تأتي
باباً من أبواب الجنَّة إلَّا وجدتَه عنده يَسعَى يَفتَح لك)).
قوله: ((بفَضْل رحمته إِيَّاهم)) أي: بفَضلِ رحمة الله للأولاد، وقال ابن التِّين: قيل: إنَّ
الضَّمير في ((رحمته)) للأب لكَونِه كان يرحمهم في الدنيا، فيُجازَى بالرّحمةِ في الآخرة،
والأول أَولى، ويؤيِّده أنَّ في رواية ابن ماجَهْ (١٦٠٥) من هذا الوجه: ((بفَضلِ رحمة الله
إيّاهم))، وللنَّسائيّ (١٨٧٤) من حديث أبي ذرٍّ: ((إلَّا غَفَرَ الله لهما بفَضلِ رحمته))، وللطََّرانيّ
(٣٣٥٩ -٣٣٦١) وابن حِبَّان(١) من حديث الحارث بن أُقَيش - وهو بقافٍ ومعجمة مصغّر -
مرفوعاً: ((ما من مسلمَينِ يموت لهما أربعة أولاد إلَّا أدخَلهما الله الجنَّة بفضلٍ رحمته، وكذا
في حديث عمرو بن عَبَسة كما سنذكره قريباً.
وقال الكِرْمانيُّ: الظاهر أنَّ المراد بقوله: ((إيّاهم)) جنس المسلم الذي ماتَ أولاده لا
الأولاد، أي: بفَضلِ رحمة الله لمن ماتَ لهم، قال: وساغَ الجمع لكَونِهِ نَكِرَةً في سياق النَّفي
فَتَعُمُّ. انتهى، وهذا الذي زَعَمَ أنَّه ظاهر ليس بظاهرٍ، بل في غير هذا الطَّريق ما يدلُّ على أنَّ
الضَّمير للأولاد، ففي حديث عَمْرو بن عَبَسة عند الطََّرانيّ(٢): ((إلَّا أدخَلَه الله برحمته هو
وإِيّاهم الجنَّة))، وفي حديث أبي ثَعْلبة الأشجَعيّ(٣) المقدَّم ذِكْره: ((أدخله الله الجنَّة بفَضْلٍ
رحمته إيّاهما)) قاله بعد قوله: ((مَن ماتَ له ولدان))، فوَضَحَ بذلك أنَّ الضَّمير في قوله:
((إيّاهم) للأولاد لا للآباء، والله أعلم.
١٢٤٩ - حدَّثْنا مسلمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُّ الأصبهانيِّ، عن ذَكْوانَ، عن
(١) لم نقف عليه عند ابن حبان ولم يعزه الحافظ في ((إتحاف المهرة)) إليه، وأخرجه أيضاً أحمد برقم (١٧٨٥٩)،
وفي سنده ضعفٌ.
(٢) في ((الأوسط)) (٩٠٨٠) ولفظه: ((إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) دون واو في كلمة ((إياهم))، فإن
كان ما في نسخة الحافظ منه صحيحاً، فقد سقطت الواو من النسخ المطبوعة من ((الأوسط)) للطبراني،
والله أعلم.
(٣) عند أحمد (٢٧٢٢٠)، والطبراني في «الكبير)) ٢٢/ (٩٥٦) و(٩٥٧).

٥٣٥
باب ٦ / ح ١٢٤٩
كتاب الجنائز
أبي سعيدٍ﴾: أنَّ النِّساءَ قلنَ للنبيِّ وَّهِ: اجعَلْ لنا يوماً فوَعَظَهُنَّ فقال: ((أيُّما امرأةٍ ماتَ لها
ثلاثةٌ مِن الولدِ كانوا لها حِجاباً مِن النارِ)) قالت امرأةٌ: واثنانٍ؟ قال: ((واثنانٍ)).
قوله: ((حدَّثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ)) في رواية الأَصِيلِيّ: ((أخبرنا)) واسم والد
عبد الرحمن المذكور عبد الله، قال البخاري في ((التاريخ)): إنَّ أصله من أصبهان لمَّا فتحها
أبو موسى. وقال غيره: كان عبد الله يَتَّجِر إلى أصبهان فقيل له: الأصبهانيّ، ولا مُنافاة بين
القولين فيما يَظْهَر لي.
قوله: ((عن ذَكْوانَ)) هو أبو صالح السَّمّان المذكور في الإسناد المعلَّق الذي يليه، وقد
تقدَّم في العلم (١٠٢) من رواية ابن الأصبهانيّ أيضاً عن أبي حازم عن أبي هريرة، فتَحَصَّلَ
له روايتُه عن شيخين، ولشيخِه أبي صالح روايتُه عن شيخين.
قوله: ((أن النساء)) تقدَّم أنَّ في رواية مسلم (٢٦٣٢/ ١٥١) أنهنَّ كنَّ من نساء الأنصار.
قوله: ((اجعَلْ لنا يوماً)) تقدَّم في العلم (١٠١) بأتمَّ من هذا السياق مع الكلام منه على ما
لا یتکرَّر هنا إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أيُّما امرأةٍ) إنَّمَا خَصَّ المرأة بالذِّكرِ لأنَّ الخطاب حينئذٍ كان للنِّساء، وليس له
مفهوم لمَا في بقيَّة الطُّرق.
قوله: ((ثلاثة)) في رواية أبي ذرٍّ: ((ثلاث)) وقد تقدَّم توجيهه(١).
قوله: ((من الوَلَد)) بفتحتين، وهو يَشمَل الذَّكر والأُنثَى، والمفرد والجمع.
قوله: ((كانوا)) في رواية المُستَمْلي والحَقُّوِيّ: ((كُنَّ)) بضم الكاف وتشديد النون، وكأنَّه
أَنَّثَ باعتبار النَّس أو النَّسَمة، وفي رواية أبي الوَقْت: ((إلَّا كانوا لها حِجاباً)».
قوله: ((قالت امرأة)) هي أُمّ سُلَيم الأنصاريّة والدة أنس بن مالك كما رواه الطَّبَرَانُّ
(٣٠٥/٢٥) بإسناد جيِّد عنها قالت: قال رسول الله وسلم ذات يوم وأنا عنده: ((ما من
(١) في شرح الحديث السابق.

٥٣٦
باب ٦ / ح ١٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
مسلمَينٍ يموت لهما ثلاثة لم يَبلُغوا الحِنْثَ (١) إلَّا أدخَلهم الجنَّة بفَضْلٍ رحمته إيّاهم)) فقلت:
واثنان؟ قال: ((واثنان))، وأخرجه أحمد (٢٧١١٣) لكن الحديث دون القصَّة، ووقع لأُمِّ
مُبشِّر الأنصاريّة أيضاً السُّؤال عن ذلك، فروى الطََّرانيُّ أيضاً من طريق ابن أبي ليلى عن
أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ النبيّ وَّهِ دخل على أُمّ مُبشّر فقال: ((يا أُمّ مُبِشِّر، مَن ماتَ له ثلاثة
من الولد دخل الجنَّة) فقلت: يا رسولَ الله، واثنان؟ فسَكَتَ ثمّ قال: ((نعم واثنان))(٢)، وقد
تقدَّم من حديث جابر بن سَمُرة (٣) أنَّ أُمّ أيمَن ممَّن سألَ عن ذلك، ومن حديث ابن
١٢٢/٣ عبَّاس(٤) أنَّ عائشة أيضاً منهُنّ، وحكى ابن بَشكُوال (٥) أنَّ/ أُمّ هانئ أيضاً سألَت عن ذلك،
ويحتمل أن يكون كلٌّ منهُنَّ سألَ عن ذلك في ذلك المجلس.
وأمَّا تعدُّد القصَّة ففيه بُعْد، لأنَّهِ وَّهِ لِمَّ سُئِلَ عن الاثنين بعد ذِكْرِ الثلاثة وأجاب بأنَّ
الاثنين كذلك، فالظاهر أنَّه كان أوحيَ إليه ذلك في الحال، وبذلك جَزَمَ ابن بَطَّال وغيره،
وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مُستَبعَداً جدّاً، لأنَّ مفهومه يُخْرِج
الاثنين اللَّذَينِ ثَبَتَ لهما ذلك الحُكْم بالوحي بناءً على القول بمفهوم العدد، وهو مُعتَبَرَ هنا
كما سيأتي البحث فيه، نعم قد تقدَّم في حديث جابر بن عبد الله (٦) أنَّه مَمَّن سألَ عن ذلك
أيضاً، وروى الحاكم (١/ ٣٨٣- ٣٨٤) والبَزّار (٤٤٠١) من حديث بُرَيدةَ: أنَّ عمر سألَ
عن ذلك أيضاً ولفظه: ((ما من امرئ ولا امرأة يموت لهما ثلاثة أولاد إلَّا أدخله الله الجنَّة)»
(١) في (س): الحلم، وما أثبتناه من (أ) و(ع) وهو الموافق لمَا في الطبراني.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من معاجم الطبراني من هذا الوجه، والذي وقفنا عليه هو ما أخرجه الطبراني في
((الكبير)) ٢٥/ (٢٧٠) بنحوه من طريق عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن أم مبشر: أن رسول الله
وَيّ قال لها ... وأما هذا الطريق الذي ذكره الحافظ فقد أخرجه ابن بَشكُوال في كتابه ((غوامض الأسماء
المبهمة)) ١/ ١٣٧ بسنده ولفظه.
(٣) عند الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٨٨).
(٤) عند الترمذي (١٠٦٢).
(٥) في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ١٣٨/١، إلا أنه لم يذكر مستندَه في ذلك.
(٦) وحديثه في ((مسند أحمد)) برقم (١٤٢٨٥)، وابن حبان (٢٩٤٦).

٥٣٧
باب ٦ / ح ١٢٤٩
كتاب الجنائز
فقال عمر: يا رسولَ الله، واثنان؟ قال: ((واثنان))، قال الحاكم: صحيح الإسناد. وهذا لا
بُعْد في تعدُّده، لأنَّ خطاب النِّساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به.
قوله: ((واثنانٍ)) قال ابن التِّين تَبَعاً لعياضٍ: هذا يدلّ على أنَّ مفهوم العدد ليس بحُجّةٍ،
لأنَّ الصحابيّة من أهل اللِّسان ولم تَعتَبِه، إذ لو اعتبَرَته لانتفى الْحُكْم عندها عمَّا عَدَا
الثلاثة، لكنَّها جَوَّزَت ذلك فسألَته. كذا قال والظاهر أنَّها اعتبَرَت مفهوم العدد، إذ لو لم
تَعتَبِرِه لم تَسأل، والتحقيق أنَّ دلالة مفهوم العدد ليست يقينيَّة إنَّما هي مُتَمَلة، ومن ثَمَّ وقع
السُّؤال عن ذلك.
قال القُرطبيّ: وإِنَّمَا خَصَّت الثلاثة بالذِّكرِ لأنَّها أولُ مراتب الكَثْرة، فِعِظَم المصيبة
يَكثُر الأجر، فأمَّا إذا زاد عليها فقد يَخْفُّ أمر المصيبة، لأنَّها تصير كالعادة كما قيل:
رُوِّعتُ بِالبَيْنِ حتَّى ما أُرَاعُ لهُ (١). انتهى
وهذا مَصِير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثمَّ في الاثنين بخلاف الأربعة
والخمسة، وهو جمودٌ شديد، فإنَّ مَن مات له أربعة فقد مات له ثلاثة ضرورة، لأنَّهم إن
ماتوا دُفْعة واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خَفاءَ بأنَّ المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا
واحداً بعد واحد، فإنَّ الأجر يَحصُل له عند موت الثالث بمُقتَضى وَعْد الصادق، فيَلَم
على قول القُرطبيّ أنَّه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر مع تجدُّد المصيبة، وكفى
بهذا فساداً، والحقُّ أنَّ تَناوُل الخبر الأربعةَ فما فوقها من باب أولى وأحرَى، ويؤيِّد ذلك
أنَّهم لم يسألوا عن الأربعة ولا ما فوقها، لأنَّه كالمعلوم عندهم، إذ المصيبة إذا كَثُرَت كان
(١) القائل هو المؤرِّج بن عمرو السَّدُوسي النحوي البصري المتوقّ سنة ١٩٥ هـ، وهذا من بيتين أنشدهما له
هارون بن علي المنجّم في كتابه ((البارع)) فيما قاله ابن خلّكان في ((وفيات الأعيان)) ٣٠٤/٥، وهذان
البيتان من أملح ما قيل في معناهما كما قال ابن المنجِّم، وهما:
رُوِّعتُ بِالْبَيْنِ حتى ما أُراعُ لهُ وبالمصائبِ من أهلي وچِيراني
لم يترك الدهرُ لي عِلْقاً أَضَنُّ بهِ إلا اصطفاهُ بنَأْىٍ أو بِهِجرانِ

٥٣٨
باب ٦ / ح ١٢٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
الأجر أعظم، والله أعلم.
وقال القُرطبيّ أيضاً: يحتمل أن يفترق الحالُ في ذلك بافتراق حال المصاب من زيادة
رِقَّة القلب وشِدَّة الحُبّ ونحو ذلك، وقد قَدَّمنا الجواب عن ذلك.
تنبيه: قوله: ((واثنان)) أي: وإذا مات اثنان ما الحُكْم؟ فقال: ((واثنان))، أي: وإذا مات
اثنان فالحكم كذلك. ووقع في رواية مسلم (٢٦٣٣) من هذا الوجه: ((واثنين)» بالنصب،
أي: وما حُكم اثنين؟ وفي رواية سُهيل(١) المتقدِّم ذِكْرها: ((أو اثنان))، وهو ظاهر في التَّسوية
بين حُكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدَّم النَّل عن ابن بَطَّال أنَّه محمول على أنَّه أوحيَ إليه
بذلك في الحال، ولا بُعْد أن ينزل عليه الوحي في أسرعَ من طَرْفة عَين، ويحتمل أن يكون
كان العلم عنده بذلك حاصلاً لكنَّه أشفَقَ عليهم أن يَتَّكِلوا، لأنَّ موت الاثنين غالباً أكثر
من موت الثلاثة كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشَّهادة بالتوحيد(٢)، ثمَّ لمَّا سُئِلَ عن
ذلك لم يكن بُدُّ من الجواب، والله أعلم.
١٢٥٠ - وقال شَرِيكٌ، عن ابنِ الأصبَهانيِّ: حدَّثني أبو صالح، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ؛ قال أبو هريرة: ((لم يَبلُغُوا الْحِنْثَ)».
قوله: ((وقال شَريك ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٥٢/٣) عنه بلفظ: حدَّثنا
عبد الرحمن بن الأصبهانيّ قال: أتاني أبو صالح يُعزِّيني عن ابنٍ لي، فأخذَ يُحدِّث عن أبي
سعيد وأبي هريرة أنَّ النبيّ ◌َّه قال: ((ما من امرأة تَدفِنُ ثلاثة أفراط إلَّا كانوا لها حجاباً من
النار)) فقالت امرأة: يا رسولَ الله، قَدَّمتُ اثنين، قال: ((واثنين)) ولم تسأله عن الواحد، قال
أبو هريرة: مَن لم يَبلُغ الحِنث. وهذا السياق ظاهره أنَّ هذه الزيادة عن أبي هريرة موقوفة،
ويحتمل أن يكون المراد أنَّ أبا هريرة وأبا سعيد اتَّفَقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة
١٢٣/٣ في حديثه هذا القَيْد وهو مرفوع أيضاً، وقد تقدَّم في العلم (١٠٢)/ من طريق أُخرى عن
(١) تحرف في (س) إلى: سهل، بالتكبير، وسهيل هذا: هو ابن أبي صالح السمان، وحديثه عند مسلم برقم
(٢٦٣٢) (١٥١) عن أبيه عن أبي هريرة، لكن فيه: ((أو اثنين)) منصوباً.
(٢) سلف حديثا معاذٍ وأنس في ذلك عند البخاري برقم (١٢٨) و(١٢٩).

٥٣٩
باب ٦ / ح ١٢٥١
كتاب الجنائز
شُعْبة بالإسناد الأول وقال في آخره: وعن ابن الأصبهانيّ: سمعت أبا حازم عن أبي هريرة
وقال: ثلاثة لم يَبلُغوا الحنث. وهذه الزيادة في حديث أبي سعيد من رواية شَرِيك، وفي
حفظه نظرٌ، لكنَّها ثابتة عند مسلم (٢٦٣٤) من رواية شُعْبة عن ابن الأصبَهانيّ.
وقوله: ((ولم تسأله عن الواحد))(١) تقدَّم ما يتعلَّق به في أول الباب، ويأتي مزيد لذلك في
(باب ثناء الناس على المِيِّت)) في أواخر كتاب الجنائز (١٣٦٨)، ويأتي زيادةٌ على ذلك في
كتاب الرِّقاق (٦٤٢٤) في الكلام على الحديث الذي فيه موت الصَّفِيِّ(٢)، وأنَّ الصَّفيَّ(٢)
يتناول الولد الواحد.
الحديث الثالث:
١٢٥١ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، عن أبي
هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَّةِ قال: ((لا يموتُ لمسلم ثلاثةٌ مِن الولدِ فِيَلِجَ النارَ إِلا تَجِلَّةَ القَسَم)».
[طرفه في: ٦٦٥٦]
قوله: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِينيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينة.
قوله: ((لا يموت لمسلم ثلاثةٌ من الولد)) وقع في ((الأطراف)) للمِزِّيّ (١٣١٣٣) هنا: ((الم
يَبلُغوا الحِنث)) وليست في رواية ابن عُيَينَةَ عند البخاري ولا مسلم، وإنَّما هي في متن
الطَّريق الآخر، وفائدة إيراد هذه الطَّريق الأخيرة عن أبي هريرة أيضاً ما في سياقها من
العموم في قوله: ((لا يموت لمسلم ... )) إلى آخره، لشُمولِه النِّساء والرجال، بخلاف روايته
الماضية فإنَّهَا مُقيَّدة بالنِّساء.
قوله: ((فَيَلِجَ النارَ)) بالنصب، لأنَّ الفعل المضارع يُنصَب بعد النَّفي بتقدير ((أنْ))، لكن
حكى الطِّييُّ أنَّ شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببيَّة، ولا سبيَّة هنا، إذ لا
يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عَدَمُه سبباً لولوج مَن ولَدَهم النار، قال: وإنَّما الفاء بمعنى
(١) أراد ما جاء في رواية ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٢.
(٢) تحرف في (س) إلى: الصبي.

٥٤٠
باب ٦ / ح ١٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
الواو التي للجَمْعِ وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من وَلده ووُلوجُه النارَ، لا مَحِيدَ عن
ذلك إن كانت الرواية بالنصب. وهذا قد تَلَقّاه جماعة عن الطِّيبيّ وأقرُّوه عليه، وفيه نظر، لأنَّ
السبّة حاصلة بالنَّظَر إلى الاستثناء، لأنَّ الاستثناء بعد النَّفي إثبات، فكأنَّ المعنى: أنَّ تخفيف
الوُلوج مُسبَّب عن موت الأولاد، وهو ظاهر لأنَّ الوُلوج عامٌّ وتخفيفه يقع بأمورٍ، منها موت
الأولاد بشرطِهِ، وما ادَّعاه من أنَّ الفاء بمعنى الواو التي للجَمعِ فيه نظر، ووجدتُ في ((شرح
المشارق)) للشيخ أكمَل الدِّين: المعنى أنَّ الفعل الثاني لم يَحَصُل عَقِبَ الأول، فكأنَّه نَفَى
وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عَقِبَ الأول، لأنَّ المقصود نفيُ الوُلوج عَقِبَ الموت.
قال الطِّيبيّ: وإن كانت الرواية بالرَّفعِ فمعناه: لا يُوجَد وُلوجُ النار عَقِب موت الأولاد
إلَّا مِقداراً يسيراً، انتهى.
ووقع في رواية مالك عن الزُّهْريّ كما سيأتي في الأيمان والنُّذور (٦٦٥٦) بلفظ: ((لا
يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثة من الولد تَمَسُّه النار إلَّا تَحِلّة القَسَم)) وقوله: ((تَمَسّه))
بالرَّفع جزماً، والله أعلم.
قوله: ((إلَّا تَحِلَّةُ القَسَم) بفتح المثنَّة وكسر المهمَلة وتشديد اللَّام، أي: ما يَنحَلُّ به القَسَم
وهو اليمين، وهو مصدر: حَلَّلَ اليمين، أي: كَفَّرَها، يقال: حَلَّلَ تحليلاً وتَحِلّةً وتَحِلَّا بغير
هاء، والثالث شاذٌّ، وقال أهل اللُّغة: يقال: فعلتُه تحلَّةَ القَسَم، أي: قَدْر ما حَلَلتُ به يميني
ولم أُبالغ، وقال الخطَّبيُّ: حَلَلتُ القسمَ تَحَلَّةً، أي: أبَرَرتُها.
وقال القُرطبيّ: اختُلِفَ في المراد بهذا القَسَم فقيل: هو مُعيَّن، وقيل: غير مُعيَّن،
فالجمهور على الأول، وقيل: لم يُعنَ به قَسمٌّ بعَينِه وإنَّما معناه التقليل لأمر وُرودها، وهذا
اللفظ يُستَعمَل في هذا، تقول: لا ينام هذا إلَّا لتحليل الألِيَّة، وتقول: ما ضربتُه إلَّا تحليلاً:
إذا لم تُبالغ في الضرب، أي: قَدراً يصيبه منه مكروه.
وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي: لا تَمَسُّه النار قليلاً ولا كثيراً ولا تحلّةَ القسم، وقد
جَوَّزَ الفَرّاء والأخفَش مجيء ((إلَّا)) بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَىَّ