Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٦ / ح ١٢٣١
أبواب السهو
قوله: ((تابعه ابن ◌ُرَیج عن ابن شهاب في التّكْبیر)) وَصَله عبد الرزاق (٣٤٥٠) عنه، ومن
طريقه الطَّبَرانيّ ولفظه: ((يُكبِر في كلّ سجدة))، وأخرجه أحمد (٢٢٩٣٠) عن عبد الرزاق
ومحمد بن بكر كلاهما عن ابن جُرَيج بلفظ: فكَبَّرَ فسجد ثمَّ كَبَّرَ فسجد ثمَّ سَلَّمَ.
٦ - باب إذا لم يدرِ كم صلَّى ثلاثاً أو أربعاً
سجد سجدتین وهو جالس
١٢٣١ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالة، حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله الدَّسْتُوائيُّ، عن يحيى بنِ أبي
كثيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا نُودِيَ بالصلاةِ أَدْبَرَ
الشيطانُ وله ضُراطٌ حتَّى لا يَسْمِعَ الأذانَ، فإذا قُضِيَ الأذانُ أقبلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أدبَرَ، فإذا قُضِيَ
التَّوِيبُ أقبلَ حتَّى يَخْطِرَ بين المرءِ ونفسِه يقول: اذكُرْ كذا وكذا، ما لم يكن يَذكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ
الرجلُ إِنْ يَدرِي كم صَلَّى، فإذا لم يَدْرِ أحدُكم كم صلَّى ثلاثاً أو أربعاً، فليَسجُدْ سَجْدتَينٍ وهو
جالس)).
قوله: ((باب إذا لم يَدْرِ كم صَلَّى ثلاثاً أو أربعاً، سَجَدَ سَجْدتَينِ وهو جالس)) تقدَّم الكلام
على ما يَتعلَّق بأول المتن في أبواب الأذان (٦٠٨).
وأمّا قوله: ((حَتَّى يَظَلَّ الرجل إن يدري)) فقوله: ((إنْ)) بكسر الهمزة وهي نافية.
وقوله: (فإذا لم يَدرِ أحدكم كم صَلَّى ... )) إلى آخره، مُساوٍ للترجمة من غير مزيدٍ، وظاهره ١٠٤/٣
أنَّه لا يبني على اليقين لأنَّه أعمُّ من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها، وقد تقدَّم الكلام
على خارجها في أواخر الباب الذي قبله، وأمَّا داخلها فهو مُعارض بحديث أبي سعيد
الذي عند مسلم (٥٧١)، فإنَّه صريح في الأمر بطَرْح الشَّكّ والبناء على اليقين، فقيل: يُجمَع
بينهما بحملٍ حديث أبي هريرة على مَن طَرأَ عليه الشَّقُّ وقد فَرَغَ قبل أن يُسلِّم، فإنَّه لا
يَلْتَفِت إلى ذلك الشَّكِّ ويَسجُد للسهوِ، كمَن طَرأ عليه بعد أن سَلَّم، فلو طرأَ عليه قبل
ذلك بنی علی الیقین کما في حديث أبي سعيد.
وعلى هذا فقوله فيه: ((وهو جالس)) يَتعلَّق بقوله: ((إذا شكَّ)) لا بقوله: ((سَجَدَ))، وهذا

٥٠٢
باب ٦ / ح ١٢٣١
فتح الباري بشرح البخاري
أَولى من قول مَن سَلَكَ طريق الترجيح فقال: حديث أبي سعيد اختُلِفَ في وصله وإرساله،
بخلاف حديث أبي هريرة وقد وافقه حديث ابن مسعود (١) فهو أرجحُ، لأنَّ لمخالفِه أن
يقول: بل حديث أبي سعيد صحَّحه مسلم والذي وَصَلَه حافظٌ، فزيادته مقبولة، وقد
وافقه حديث أبي هريرة الآتي قريباً(٢) فيَتَعارَض الترجيح، وقيل: يُجمَع بينهما بحملٍ
حديث أبي هريرة على حُكم ما يجبُر به الساهي صلاته، وحديث أبي سعيد على ما يصنعه
من الإتمام وعَدَمه.
تنبيه: لم يقع في هذه الرواية تعيين محلّ السجود، ولا في رواية الزّهْريّ التي في الباب
الذي یلیه، وقد روى الدارقطنيُّ (١٤٠٣) من طريق عكرمة بن عمَّار عن يحيى بن أبي كثير
بهذا الإسناد مرفوعاً: ((إذا سَهَا أحدكم فلم يَدرِ أزاد أو نَقَصَ، فليَسجُد سجدتين وهو
جالس ثمَّ يُسلِّم)) إسناده قويّ، ولأبي داود (١٠٣١) من طريق ابن أخي الزّهْريّ عن عمِّه
نحوه بلفظ: ((وهو جالس قبل التَّسليم))، وله (١٠٣٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدَّثني
الزُّهْريّ بإسناده وقال فيه: ((فليَسجُد سجدتين قبل أن يُسلِّم ثمَّ يُسلِّم))، قال العَلَائِيّ:
هذه الزيادة في هذا الحديث بمجموع هذه الطّرق لا تنزل عن درجة الحسن المحتَجِّ به،
والله أعلم.
٧- بابٌ السَّهو في الفرض والتطوُّع
وسَجَدَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما سَجْدتَنِ بعدَ وِتْرِه.
١٢٣٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ
عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَليهِ قال: ((إنَّ أحدكم إذا قامَ يُصلِّي، جاءَ
(١) سلف عند البخاري برقم (٤٠١).
(٢) سيأتي حديث أبي هريرة برقم (١٢٣٢)، لكن ليس فيه ما يوافق حديث أبي سعيد، والله تعالى أعلم.
ولعله يشير إلى حديث إدريس الأودي عن أبيه عن أبي هريرة قال: في الوهم يتحرَّى، أخرجه الطحاوي
في «شرح معاني الآثار)» ١/ ٤٣٤، وابن الأعرابي في ((معجمه)) (٦٠٧)، وسنده حسن، وهو موقوف على
أبي هريرة من قوله.

٥٠٣
باب ٧ / ح ١٢٣٢
أبواب السهو
الشيطانُ فَلَبَسَ عليه حتَّى لا يَدرِيَ كم صَلَّى، فإذا وَجَدَ ذلكَ أحدُكم، فلْيَسجُدْ سَجْدتَيْنِ
وهو جالسٌ)).
قوله: «بابٌ)) بالتنوين.
قوله: ((السَّهْو في الفَرْض والتطوُّع)) أي: هل يفترق حكمُه أم يَتَّحِد؟ إلى الثاني ذهب
الجمهور، وخالَفَ في ذلك ابنُ سِيرِين وقَتَادة، ونُقِلَ عن عطاء.
ووجه أخذه من حديث الباب من جهة قوله: ((وإذا صَلَّى)) أي: الصلاة الشَّرعيّة، وهو
أعمُّ من أن تكون فريضةً أو نافلةً.
وقد اختُلِفَ في إطلاق الصلاة عليهما، هل هو من الاشتراك اللفظيّ أو المعنويّ؟ وإلى
الثاني ذهب جمهور أهل الأُصولِ لجامع ما بينهما من الشُّروط التي لا تَنفَكّ، ومالَ الفخرُ
الرّازيُّ إلى أنَّه من الاشتراك اللفظيّ لمَا بينهما من التَّايُن في بعض الشُّروط، ولكنَّ طريقة
الشافعيّ ومَن تَبِعَه في إعمال المشتَرَك في معانيه عند التَّجَرُّد، تقتضي دخولَ النافلة أيضاً في
هذه العبارة.
فإن قيل: إنَّ قوله في الرواية التي قبل هذه: ((إذا نوديَ للصلاة)) قرينةٌ في أنَّ المراد
الفريضة، وكذا قوله: ((إذا ثُوِّبَ)).
أُجيبَ بأنَّ ذلك لا يمنع تناول النافلة، لأنَّ الإتيان حينئذٍ بها مطلوب لقوله ◌َّه: ((بين
كلّ أذانَينِ صلاة))(١).
قوله: ((وسَجَدَ ابن عبَّاس سَجْدتَينِ بعدَ وِتْره)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٨٣/٢) بإسناد ١٠٥/٣
صحیح عن أبي العالية قال: رأيت ابن عبّاس یسجُد بعد وتره سجدتین.
وتعلُّقُ هذا الأثر بالترجمة من جهة أنَّ ابن عبّاس كان يرى أنَّ الوتر غير واجب، ويَسجُد
مع ذلك فيه للسهو. وقد تقدَّم الكلام على المتن في الباب الذي قبله.
(١) سلف عند البخاري برقم (٦٢٤) و(٦٢٧).

٥٠٤
باب ٨ / ح ١٢٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
٨- باب إذا كُلِّم وهو يصلّي فأشار بيده واستمع
١٢٣٣ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمَرٌو، عن بُكَيرِ،
عن كُرَيْبٍ: أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ والِسوَرَ بنَ تَخْرَمَةَ وعبد الرحمن بنَ أزهَرَ رضي الله عنهم أرسَلُوه إلى
عائشةَ رضي الله عنها فقالوا: اقرَأْ عليها السَّلامَ منَّا جميعاً، وسَلْها عن الرَّكْعتَينِ بعدَ صلاةٍ
العصرِ وقُل لها: إنَّا أُخبِرْنا أنَّكِ تُصلِّينَهما، وقد بَلَغَنَا أَنَّ النبيَّ ◌َّل ◌َهَى عنها، وقال ابنُ عَّاسٍ:
وكنتُ أضرِبُ الناسَ مع عمرَ عنها.
قال كُرَيبٌ: فدخلتُ على عائشةَ رضي الله عنها فبلَّغْتُها ما أرسَلُوني، فقالت: سَلْ أُمَّ
سَلَمة، فخرجْتُ إليهم فأخبرتُهُم بقولها، فَرَدُوني إلى أُمّ سَلَمَةَ بِمِثلٍ ما أرسَلُوني به إلى عائشة،
فقالت أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يَنْهَى عنها، ثمَّ رأيتُهُ يُصلِّهما حينَ صلَّى
العصرَ، ثمَّ دخلَ وعندي نِسْوةٌ من بني حَرَامٍ من الأنصار، فأرسَلْتُ إليه الجاريةَ فقلتُ: قُومي
بجَنْبِهِ قولي له: تقولُ لكَ أُمُّ سَلَمة: يا رسولَ الله، سمعتُكَ تَنَهَى عن هاتَينٍ، وأراكَ تُصلِّيهِما؟
فإنْ أشارَ بيدِه فاستأخِرِي عنه، ففَعَلَتِ الجاريةُ، فأشارَ بيدِه فاستأخَرَت عنه، فلمَّا انصَرَفَ
قال: ((يا بنتَ أبي أُميَّة، سألتِ عن الرَّكْعتَينِ بعدَ العصرِ، وإِنَّه أتاني ناسٌ من عبدِ القَيسِ
فَشَغَلُوني عن الرَّكْعتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعدَ الظّهرِ، فهما هاتانٍ)).
[طرفه في: ٤٣٧٠]
قوله: ((باب إذا كُلِّمَ)) بضم الكاف، في الصلاة ((واستَمَعَ)) أي: المصلِّي، لم تفسُد صلاته.
قوله: ((أخبَرني عَمْرو)) هو ابن الحارث، وبُكَير بالتصغير: هو ابن عبد الله بن الأشَجّ،
ونصف هذا الإسناد المبدأ به مِصريُّونَ، والثاني مدنُّون.
قوله: ((وقد بَلَغَنا)) فيه إشارة إلى أنَّهم لم يسمعوا ذلك منه
فأمَّا ابن عبّاس فقد سمَّى الواسطة، وهو عمر كما تقدَّم في المواقيت (٥٨١) من قوله:
(شَهِدَ عندي رجال مَرْضيُّونَ وأرضاهم عندي عمر ... الحديث.
وأمَّا الِسوَر وابن أزهَرَ فلم أقف عنهما على تسمية الواسطة.

٥٠٥
باب ٨ / ح ١٢٣٣
أبواب السهو
وقوله قبل ذلك: ((وإنَّا أُخبِرنا)) بضم الهمزة، ولم أقف على تسمية المخبر، وكأنَّه عبد الله
ابن الزُّبیر، فسیأتي في الحج (١٦٣١) من روايته عن عائشة ما یشهد لذلك، وروى ابن أبي
شَيْبة (٢/ ٣٥١ -٣٥٢) من طريق عبد الله بن الحارث قال: دخلتُ مع ابن عبّاس على
معاوية فأجلَسَه على السرير ثمَّ قال: ما ركعتان يُصلِّيهما الناس بعد العصر؟ قال: ذلك ما
يُفتي به الناسَ ابنُ الزُّبَيرِ، فأرسَلَ إلى ابن الزُّبَير فسأله فقال: أخبرتني بذلك عائشة،
فأرسَلَ إلى عائشة فقالت: أخبرَتني أُمّ سَلَمة، فأرسَلَ إلى أُمّ سَلَمَةَ فانطلقتُ مع الرسول ...
فذكر القصّة، واسم الرسول المذكور كثير بن الصَّلْت، سمّاه الطَّحَاويّ (٣٠٢/١) بإسناد
صحيح إلى أبي سَلَمةَ: أنَّ معاوية قال وهو على المنبر لكثير بن الصلت: / اذهب إلى عائشة ١٠٦/٣
فاسألها، فقال أبو سَلَمة: فقمت معه، وقال ابن عبّاس لعبد الله بن الحارث: اذهب معه،
فچِئناها فسألناها ... فذكره.
قوله: ((تُصلّينَهما)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((تُصلّيهِما)) بحذف النون وهو جائز.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: كنت أضرِب الناس مع عُمَر عنها)) أي: لأجلها، وفي رواية
الكُشمِيهَنيّ: ((عنه))، وكذا في قوله: ((نَهَى عنها)) وكأنَّه ذكر الضَّمير على إرادة الفعل. وهذا
موصول بالإسناد المذكور، وقد روى ابن أبي شَيْبة (٢/ ٣٥٠-٣٥١) من طريق الزُّهْريّ
عن السائب - هو ابن يزيد - قال: رأيت عمر يضرب المنكَدِرَ على الصلاة بعد العصر.
قوله: «قال گریب» هو موصول بالإسناد المذكور.
قوله: ((فقالت: سَلْ أُمّ سَلَمةَ)) زاد مسلم (٨٣٤) في روايته من هذا الوجه: فخرجتُ
إليهم فأخبرتهم بقولها، فرَدُّوني إلى أُمّ سَلَمة، وفي رواية أُخرى للطّحَاويّ (٣٠٢/١)
فقالت عائشة: ليس عندي، ولكن حدَّثتني أُمّ سَلَمة.
:
قوله: ((ثمَّ رأيته يُصلِّيهما حين صلَّى العصر ثمَّ دخل عليَّ) أي: فصلاهما حينئذٍ بعد
الدُّخول، وفي رواية مسلم: ثمَّ رأيته يُصلِّيهِما، أمَّا حين صلَّاهما فإنَّه صلَّى العصر ثمَّ دخل
عندي فصلاهما.

٥٠٦
باب ٨ / ح ١٢٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((من بني حَرامَ)) بفتح المهملتين.
قوله: ((فأرسلتُ إليه الجاريةَ)) لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون بنتَها زينب، لكن في
رواية المصنّف في المغازي (٤٣٧٠): فأرسلتُ إليه الخادم.
قوله: ((فقال: يا بنتَ أبي أُميَّةً)) هو والد أُمّ سَلَمة، واسمه حُذَيفة - وقيل: سُهَيل - بن
المغيرة المخزوميّ.
قوله: ((عن الرَّكْعتَين)) أي: اللَّتَيْنِ صَلَّيْتَهما الآن.
قوله: ((وإنَّه أتاني ناس من عبد القيس)) زاد في المغازي (٤٣٧٠): ((بالإسلام من قومهم
فشَغَلوني))، وللطَّحَاويّ (٣٠٢/١) من وجه آخر: «قَدِمَ عليَّ قَلائصُ من الصَّدَقة فنسيتُهما
ثمَّ ذكرتهما، فكرهت أن أُصلِّيَهما في المسجد والناس يَرَونَ، فصَلَّيتهما عندكِ))، وله من وجه
آخر: ((فجاءني مال فشَغَلَني))، وله من وجه آخر: «قَدِمَ عليَّ وفدٌ من بني تميم، أو جاءتني
صَدَقة)) وقوله: ((من بني تميم)) وهمٌّ وإنَّما هم من عبد القيس، وكأنَّهم حَضَروا معهم بمال
المصالحة من أهل البحرينِ كما سيأتي في الجِزية (٣١٥٨) من طريق عَمْرو بن عَوْف: أنَّ
النبيّ ◌َّ﴿ كان صالَحَ أهل البحرَينِ وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحَضْرميّ، وأرسَلَ أبا عبيدة
فأتاه بجِزِيَتِهم؛ ويؤيِّده أنَّ في رواية عبد الله بن الحارث(١) المتقدِّم ذِكْرها: أنَّه كان بَعَثَ
ساعياً وكان قد أهمَّه شأنُ المهاجرين، وفيه: فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: (شَغَلَني أمرُ
الساعي)).
قوله: ((فهما هاتان)) في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن أُمّ سَلَمةَ عند الطَّحَاويّ
(٣٠١/١) من الزيادة: ((فقلت: أُمِرتَ بهما؟ فقال: ((لا، ولكن كنت أُصلِّيهما بعد الظُّهر
فشُغِلتُ عنهما فصَلَّيتهما الآن))، وله من وجه آخر عنها: «لم أرَه صلَّاهما قبلُ ولا بعدُ» لكن
هذا لا ينفي الوقوع، فقد ثَبَتَ في مسلم (٢٩٨/٨٣٥) عن أبي سَلَمة أنَّه سألَ عائشة عنهما
فقالت: كان يُصلِّيهما قبل العصر فشُغِلَ عنهما أو نَسِيَهما، فصلاهما بعد العصر ثمَّ أثبَتَهما،
(١) عند ابن أبي شيبة ٣٥١/٢-٣٥٢.

٥٠٧
باب ٨ / ح ١٢٣٣
أبواب السهو
وكان إذا صلَّى صلاة أثبَتَها؛ أي: داوَمَ عليها، ومن طريق عُرْوة عنها (٢٩٩/٨٣٥): ما
تَرَك ركعتين بعد العصر عندي قَطُّ.
. ومن ثَمَّ اختَلَفَ نظرُ العلماء فقيل: تُقضَى الفوائت في أوقات الكراهة لهذا الحديث،
وقيل: هو خاصٍّ بالنبيِّ وََّ، وقيل: هو خاصٍّ بمَن وقع له نَظِيرُ ما وقع له. وقد تقدَّم
البحث في ذلك مبسوطاً في أواخر المواقيت (٥٩٠).
وفي الحديث من الفوائد سوى ما مضى: جواز استماع المصلِّي إلى كلام غيره وفَهْمه له
ولا يَقدَحُ ذلك في صلاته. وأنَّ الأدب في ذلك أن يقوم المتكلِّم إلى جنبه لا خلفه ولا
أمامه، لئلا يُشوِّش عليه بأن لا تُمكِنَه الإشارة إليه إلَّا بمَشَقّةٍ، وجواز الإشارة في الصلاة،
وسيأتي في باب مُفرَد (١٢٣٤).
وفيه البحث عن عِلَّة الحُكْم وعن دليله، والترغيب في عُلوّ الإسناد، والفَحْص عن
الجمع بين المتعارِضَين، وأنَّ الصحابيَّ إذا عَمِلَ بخلاف ما رواه لا يكون كافياً في الحُكُم
بنسخ مَرويِّه، وأنَّ الْحُكْم إذا ثَبَتَ لا يُزِيله إلَّ شيء مقطوع به، وأنَّ الأصل اتِّباع النبيِّ وَيه
في أفعاله، وأنَّ الجليل من الصحابة/ قد يخفى عليه ما الطَّلَعَ عليه غيرُه، وأنَّه لا يُعدَل إلى ١٠٧/٣
الفتوى بالرَّأي مع وجود النصّ، وأنَّ العالم لا نقص عليه إذا سُئِلَ عمَّا لا يدري فوَكَلَ
الأمرَ إلى غيره.
وفيه قَبُول أخبار الآحاد والاعتماد عليه في الأحكام ولو كان شخصاً واحداً، رجلاً أو
امرأةً، لاكتِفاء أُمّ سَلَمةَ بإخبار الجارية.
وفيه دلالة على فِطْنة أُمّ سَلَمَةَ وحُسْن تأتِّيها بمُلاطَفةِ سؤالها واهتمامها بأمر الدِّين،
وكأنّها لم تباشر السُّؤال لحال النِّسوة اللَّتي كُنَّ عندها، فيُؤخَذ منه إكرام الضَّيف
واحترامه.
وفيه زيارة النِّساء المرأةً ولو کان زوجها عندها، والتنفّل في البیت ولو کان فیه مَن لیس
منهم، وكراهة القُرْب من المصلِّي لغير ضرورة، وترك تفويت طلب العلم وإن طَرأَ ما

٥٠٨
باب ٩ / ح ١٢٣٤ - ١٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
يَشغَلُ عنه، وجواز الاستنابة في ذلك، وأنَّ الوكيل لا يُشتَرط أن يكون مثل موكِّله في
الفضل، وتعليم الوكيل التصرُّف إذا كان ممَّن يجهل ذلك.
وفيه الاستفهام بعد التَّحَقُّق لقولها: ((وأراك تُصلّيهِما))، والمبادرة إلى معرفة الحُكْم المشكِل
فِراراً من الوسوسة، وأنَّ النِّسيان جائز على النبيِّ نَّهِ لأنَّ فائدة استفسار أُمّ سَلَمَةَ عن ذلك
تجويزُها، إمَّا النِّسيانَ، وإمَّا النَّسْخَ، وإمَّا التخصيصَ به، فظَهَرَ وقوع الثالث، والله أعلم.
٩ - باب الإشارة في الصلاة
قاله كُرَيبٌ، عن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ ◌َّ.
١٢٣٤ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ
ابنِ سعدِ السَّاعِدِيِّ﴾: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ بَلَغَه أنَّ بني عَمِرٍو بنِ عَوْفٍ كانَ بينهم شيءٌ،
فخرجَ رسولُ اللهِ وَليهِ يُصلِحُ بينهم في أُناسٍ معه، فحُبِسَ رسولُ اللهِّهِ، وحانتِ الصلاةُ،
فجاء بلالٌ إلى أبي بكرٍ ﴾ فقال: يا أبا بكرٍ، إنَّ رسولَ الله ◌َّه قد حُبِسَ، وقد حانتِ الصلاةُ،
فهل لكَ أن تَؤُمَّ الناسَ؟ قال: نعم إن شِئْتَ، فأقامَ بلالٌ وتقدَّمَ أبو بكرٍ ﴾ فكَبَّرَ للناسِ، وجاءَ
رسولُ الله ◌َِّ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قامَ في الصفِّ، فأخذَ الناسُ في التَّصْفِيقِ، وكانَ أبو
بكرٍ ﴿ لا يَلتَفِتُ في صلاتِهِ، فلمَّا أكثَرَ الناسُ الْتَفَتَ فإذا رسولُ اللهِ وَّةِ، فأشار إليه
رسولُ الله ◌َِّ يأمرُه أن يُصلِّيَّ، فَرَفَعَ أبو بكرٍ ﴾ يديه فحَمِدَ الله ورجعَ القَهْقَرَى وراءَه حتَّى
قامَ في الصفِّ، فتقدَّمَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِصَلَّى للناسِ، فلمَّا فَرَغَ أقبلَ على الناسِ فقال: ((أيُّها
الناسُ، ما لكم حينَ نابَكُم شيءٌ في الصلاةِ أخذْتُم في التَّصفِيقِ، إِنَّا التَّصفِيقُ للِّساءِ، مَن نابَه
شيءٌ في صلاتِه فليَقُلْ: سبحانَ الله، فإنَّه لا يَسمَعُه أحدٌ حينَ يقول: سبحانَ الله إلا الْتَفَتَ. يا
أبا بكرٍ، ما مَنَعَكَ أن تُصلِّيَّ للناسِ حينَ أشَرْتُ إليكَ؟)) فقال أبو بكرٍ ﴾: ما كانَ يَنبَغي لابنِ
أبي قُحَافةَ أن يُصلِّيَّ بين يَدَيْ رسولِ الله وَلّهِ.
١٢٣٥ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، حدَّثنا الثَّوْريُّ، عن هشامٍ، عن
فاطمةَ، عن أسماءَ قالت: دخلتُ على عائشةَ رضي الله عنها وهي تُصلِّي قائمةً والناسُ قيامٌ

٥٠٩
باب ٩ / ح ١٢٣٤ - ١٢٣٦
أبواب السهو
فقلتُ: ما شأنُ الناسِ؟ فَأَشَارَت برأسِها إلى السماءِ، فقلتُ: آيةٌ؟ فقالت برأسِها، أي: نَعَمْ.
١٢٣٦ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله ١٠٨/٣
عنها زوجِ النبيِّ وَّرِ أنَّهَا قالت: صلَّى رسولُ الله ◌َّهِ في بيتِه وهو شاكٍ جالساً، وصَلَّى وراءَه
قومٌ قياماً فأشارَ إليهم أنِ اجلِسُوا، فلمَّا انصَرَفَ قال: ((إِنَّا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا رَكَعَ
فاركَعُوا، وإذا رَفَعَ فارفَعُوا)).
قوله: ((باب الإشارة في الصلاة)) قال ابن رُشَيد: هذه الترجمة أعمُّ من كونها مُرتَّبة على
استدعاء ذلك أو غير مُرتَّبة، بخلاف الترجمة التي قبلها، فإنَّ الإشارة فيها لَزِمَت من
الكلام واستماعِه فهي مُرتَّبة.
قوله: «قالہ ◌ُرَیب عن أُمّ سَلَمَ» یشیر إلی حدیث الباب الذي قبله.
ثم أورد المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث سهل بن سعد في الإصلاح بين بني عَمْرو بن عَوْف، وفيه إرادة أبي
بکر الصلاة بالناس.
وشاهد الترجمة قوله فيه: ((فأخذَ الناس في التصفيق)) فإنَّه وََّ وإن كان أنكَرَه عليهم،
لكنَّه لم يأمرهم بإعادة الصلاة، وحَرَ كة اليد بالتصفيقِ كحَرَگتها بالإشارة، وأخَذَه من جهة
الالتفات والإصغاء إلى كلام الغير، لأنَّه في معنى الإشارة.
وأمَّا قوله: ((يا أبا بكر، ما مَنَعَك أن تُصلّيَ بالناس حين أشرتُ إليك)) فليس بمطابقٍ
للترجمة، لأنَّ إشارته صَدَرَت منه وَ ◌ّه قبل أن يُحِرِم بالصلاة كما تقدَّم في الكلام على حديث
سهل مُستوقّ في أبواب الإمامة (٦٨٤)، ويحتمل أن يكون فَهِمَ من قوله: ((قام في الصفّ))
الدُّخولَ في الصلاة لعُدولِهِ وََّ عن الكلام الذي هو أدلَّ من الإشارة، ولمَا يُفهِمه السياق
من طول مُقامه في الصفّ قبل أن تقع الإشارة المذكورة، ولأنَّه دخل بنيّة الائتمام بأبي بكر،
ولأنَّ السُّنّة الدُّخول مع الإمام على أيّ حالة وَجَدَه لقوله ◌ِّهِ: ((فما أدرَكتُم فصَلُّوا)).
ثانيها: حديث أسماء في الصلاة في الكسوف، أورَدَه مختصراً جدّاً، وشاهد الترجمة قولها

٥١٠
باب ٩ / ح ١٢٣٤ -١٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
فيه: فأشارَت برأسِها. وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في الكسوف (١٠٥٣).
ثالثها: حديث عائشة في صلاة النبيّ چل# في بيته جالساً، وشاهدها قوله فيه: «فأشار
إليهم أن اجلِسوا))، وقد تقدَّم مُستوفَى في أبواب الإمامة أيضاً (٦٨٨)، وفيه رَدٌّ على مَن مَنَعَ
الإشارةَ بالسلام وجَوَّزَ مُطلَق الإشارة، لأنَّه لا فرق بين أن يشير آمِراً بالجلوس أو يشير
مُبِراً برَدِّ السلام، والله أعلم.
خاتمة: اشتملت أبواب السهو من الأحاديث المرفوعة على تسعةَ عشرَ حديثاً، منها
اثنان مُعلَّقان بمُقتَضى حديث كُرَيب عن أُمّ سَلَمَةَ وابن عبّاس وعبد الرحمن بن أزهَرَ
والمِسِوَر بن مَخْرمةَ أربعة أحاديث، لقولهم فيه - سوى أُمّ سَلَمَةَ -: ((بَلَغَنا أنَّ رسولَ الله
وَّ نَهَى عنها))، وجميعها مُكرَّرة فيه وفيما مضى سواه، إلَّا أنَّه تكرَّر منه في المواقيت طرف
مختصر عن أُمّ سَلَمة، وسوی حديث أبي هريرة: ((فليسجُد سجدتين وهو جالس))، وقد
وافقه مسلم على تخريجها جميعها.
وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم خمسة آثار، منها أثر عُرْوة الموصول في آخر
الباب(١)، ومنها أثر عمر في ضربه على الصلاة بعد العصر. والله الهادي إلى الصواب، ومنه
المبدَأ وإليه المآب.
(١) يريد الباب رقم (٣): إذا سلَّم في ركعتين أو في ثلاثٍ ... إلى آخره.

٥١١
باب ١
كتاب الجنائز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الجنائز
١٠٩/٣
١ - ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله
وقبلَ لوَهْب بنِ مُنِّهِ: أليس مِفْتَاحُ الجنَّةِ لا إلهَ إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مِفْتَاحٌ إلا له
أسنانٌ، فإن جئتَ بمِفْتَاحِ له أسنانٌ فُتِحَ لكَ، وإلا لم يُفتَحْ لكَ.
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الجنائز)) كذا للأَصِيلِيِّ وأبي الوَقْت، والبسملة من
الأصل، ولگرِیمةً: ((باب في الجنائز))، وكذا لأبي ذرِّ لكن بحذف ((باب)).
والجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لُغَتان، قال ابن قُتَيبة وجماعة:
الكسر أفصحُ، وقيل: بالكسرِ للنَّعشِ وبالفتح للميِّت، وقالوا: لا يقال: نَعْش إلَّا إذا كان
عليه الميِّت.
تنبيه: أورَدَ المصنِّف وغيره كتاب الجنائز بين الصلاة والزَّكاة لتعلَّقِها بهما، ولأنَّ الذي
يُفعَل بالميِّت من غُسل وتكفين وغير ذلك أهمُّه الصلاة عليه، لما فيها من فائدة الدُّعاء له
بالنَّجاةِ من العذاب، ولا سيَّما عذاب القبر الذي سيُدفَنُ فيه.
قوله: ((ومَن كانَ آخرَ كلامه لا إله إلَّا الله)) قيل: أشار بهذا إلى ما رواه أبو داود (٣١١٦)
والحاكم (١/ ٣٥١ و٥٠٠) من طريق كثير بن مُرَّة الحَضْرميّ عن معاذ بن جبل قال: قال
رسول الله وَله: ((مَن كان آخر كلامه لا إله إلَّ الله دخل الجنَّة)).
قال الزّين بن المنيِر: حَذَفَ المصنِّف جواب ((مَن)) من الترجمة مُراعاةً لتأويلِ وهب بن مُنَبِّهِ،
فأبقاه إمَّا ليوافقه أو ليُبقيَ الخبر على ظاهره. وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زُرْعة(١): أنَّه
(١) في ((الجرح والتعديل)) ٣٤٥/١-٣٤٦.

٥١٢
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
لمَّا احتُضِرَ أرادوا تلقينَه، فتذاكَرُوا(١) حديث معاذ، فحدَّثهم به أبو زُرْعة بإسناده، وخرجت
روحه في آخر قوله: لا إله إلّا الله.
تنبيه: كأنَّ المصنّف لم يَثْبُت عنده في التَّلقين شيء على شرطه فاكتَفَى بما دَلَّ عليه، وقد
أخرج مسلم (٩١٧) من حديث أبي هريرة من وجه آخر بلفظ: ((لَقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا
الله»، وعن أبي سعيد كذلك (٩١٦).
قال الزّين بن المنيِر: هذا الخبر يتناول بلفظه مَن قالها فبَغَتَه الموت، أو طالَت حياتُه لكن
لم يتكلّم بشيءٍ غيرها، ويخرج بمفهومِه مَن تكلَّمَ لكن استصحَبَ حُكمَها من غير تجديد
نُطِقٍ بها، فإن عَمِلَ أعمالاً سيِّئة كان في المشيئة، وإن عَمِلَ أعمالاً صالحة فقضيَّة سَعَة رحمة
الله أن لا فرق بين الإسلام النُّطقيّ والحُكْميّ المستصحب، والله أعلم. انتهى.
وحكى التِّرمِذيّ(٢) عن عبد الله بن المبارك: أنَّه لُقِّنَ عند الموت فأُكثِرَ عليه فقال: إذا
قلت مرَّةً فأنا على ذلك ما لم أتكلّم بكلام. وهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى التفرقةَ في هذا
المقام، والله أعلم.
قوله: ((وقيلَ لوَهْب بن مُنبِّه: أليسَ مِفْتاح الجنَّة لا إله إلَّ الله ... )) إلى آخره، يجوز نصب
((مِفتاح)) على أنَّه خبر مُقدَّم، ورفعه على أنَّه مُبتَدَأ. كأنَّ القائل أشار إلى ما ذكر ابن إسحاق في
(السّيرة): أنَّ النبيّ وَّه لمَّا أرسَلَ العلاء بن الحَضْرميّ قال له: ((إذا سُئِلتَ عن مِفتاح الجنَّة
فقل: مِفتاحُها لا إله إلّ الله)(٣)، ورُوِيَ عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه أخرجه البيهقيُّ في
(الشُّعَب)) وزاد: ((ولكن مِفتاحٌ بلا أسنان، فإن جئت بمِفتاح له أسنان فُتِحَ لك وإلّا لم يُفتَح
لك))(٤)، وهذه الزيادة نظِیر ما أجاب به وهبٍّ، فیحتمل أن تكون مُدرجة في حديث معاذ.
(١) في (س): فتذكروا، وهو خطأ.
(٢) في ((سننه)) تحت حديث رقم (٩٧٧).
(٣) لم نقف على سنده، فالله أعلم بصحته.
(٤) لم نقف على حديث معاذ هذا عند البيهقي في ((الشعب))، لكن أخرج أحمد (٢٢١٠٢)، والبزار (٢٦٦٠)
وغيرهما بسند ضعيف عن معاذ بن جبل مرفوعاً مختصراً بلفظ: ((مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله)).

٥١٣
باب ١
كتاب الجنائز
وأمَّا أثر وهب فوَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ)) (٩٥/١) وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) (٦٦/٤)
من طريق محمد بن سعيد بن رُمّانة بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف نون قال: أخبرني
أبي قال: قيل لوَهْب بن مُنبِّه، فذكره.
والمراد بقوله: ((لا إله إلَّا الله)) في هذا الحديث وغيره كَلِمَتَا الشَّهادة، فلا يَرِدُ إشكال ١١٠/٣
ترك ذِكْر الرِّسالة.
قال الزّين بن المنيِّر: قول: لا إله إلَّ الله، لَقَبٌّ جَرَى على النُّطْق بالشَّهادتين شرعاً.
وأمَّا قول وهب فمراده بالأسنان: التزام الطاعة، فلا يَرِدُ إشكال موافقة الخوارج
وغيرهم: أنَّ أهل الكبائر لا يدخلون الجنَّة.
وأمَّا قوله: ((لم يُفتَح له)) فكأنَّ مراده: لم يُفتَح له فتحاً تامًاً، أو لم يُفتَح له في أول الأمر،
وهذا بالنّسبة إلى الغالب، وإلَّا فالحقُّ أنَّهم في مشيئة الله تعالى. وقد أخرج سعيد بن منصور
بسندٍ حسن عن وهب بن مُنبِّ قريباً من كلامه هذا في التَّهليل، ولفظه: عن سِماك بن
الفضل، عن وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الداعي بلا عمل مَثَل الرّامي بلا وَتَر(١).
قال الداووديُّ: قول وهب محمول على التشديد، ولعلَّه لم يَبلُغه حديث أبي ذرِّ - أي:
حديث الباب(٢) - والحقُّ أَنَّ مَن قال: لا إله إلَّا الله ◌ُخلِصاً، أَتى بمفتاح وله أسنان، لكن مَن
خَلَطَ ذلك بالكبائر حتَّى مات مُصِرّاً عليها، لم تكن أسنانه قويّة، فربّما طال علاجُه.
وقال ابن رُشَيد: يحتمل أن يكون مراد البخاري الإشارة إلى أنَّ مَن قال: لا إله إلَّ الله
تُخلِصاً عند الموت، كان ذلك مُسقِطاً لما تقدَّم له، والإخلاص يستلزم التوبة والنَّدَم، ويكون
النُّطْقِ عَلَماً على ذلك، وأدخَلَ حديث أبي ذرٍّ ليُبيِّنَ أنَّه لا بدَّ من الاعتقاد، ولهذا قال عَقِب
حديث أبي ذرِّ في كتاب اللباس (٥٨٢٧): قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تابَ
(١) وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٢٢)، وكذا أحمد بن حنبل فيه ص ٣٧٢ من طريق معمر عن سماك،
وسنده صحيح.
(٢) وانظر لفظه فيما سيأتي برقم (٥٨٢٧).

٥١٤
باب ١ / ح ١٢٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
ونَدِم. ومعنى قول وهب: إن جئت بمفتاح له أسنان جياد، فهو من باب حذف النَّعت إذا
دَلَّ عليه السياق، لأنَّ مُسمَّى المفتاح لا يُعقَل إلَّا بالأسنان، وإلَّ فهو عود أو حديدة.
١٢٣٧ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّنا مَهْدِيُّ بنُ ميمونٍ، حدَّثنا واصلٌ الأحدَبُ،
عن المعْرُورِ بنِ سُوَيدٍ، عن أبي ذرِّ﴾ قال: قال رسولُ الله وَّهِ: «أتاني آتٍ من رَبّ فأخبَرَني. أو
قال: بَشَّرَني - أنَّه مَن ماتَ من أُمَّتي لا يُشِرِكُ بالله شيئاً دخلَ الجنَّةَ)) قلتُ: وإن زَنَى وإن سَرَّقَ؟
قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ)).
[أطرافه في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧]
قوله: ((أتاني آتٍ)) سمّاه في التوحيد (٧٤٨٧) من طريق شُعْبة عن واصل ((جبريل)) وجَزَمَ
بقوله: ((فَشَّرَني))، وزاد الإسماعيليّ من طريق مهديّ في أوله قصَّةً قال: كنّا مع رسول الله وَيه
في مَسِير له، فلمَّا كان في بعض الليل تَنَخَّى فلَبِثَ طويلاً، ثمَّ أتانا فقال ... فذكر الحديث.
وأورَدَه المصنِّف في اللباس (٥٨٢٧) من طريق أبي الأسود عن أبي ذرِّ قال: أتيت النبيَّ وَّهُ
وعليه ثوبٌّ أبيض وهو نائم، ثمَّ أتيته وقد استَقَظَ؛ فدَلَّ على أنَّهَا رُؤيا منام.
قوله: ((من أُمَّتي)) أي: من أُمّة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعمَّ من ذلك، أي: أُمّة
الدَّعوة، وهو مُتَّجِه.
قوله: ((لا يُشرِك بالله شيئاً) أورَدَه المصنّف في اللباس بلفظ: ((ما من عبد قال: لا إله إلَّا
الله، ثمَّ ماتَ على ذلكَ)) الحديث، إنَّما لم يُورِده المصنِّف هنا جَرياً على عادته في إيثار الخفيِّ
على الجَليّ، وذلك أنَّ نفي الشِّرك يستلزم إثباتَ التوحيد، ويشهد له استنباط عبد الله بن
١١١/٣ مسعود في ثاني/ حديثَي الباب من مفهوم قوله: ((مَن ماتَ يُشرك بالله شيئاً دخل النار)).
وقال القُرطبيّ: معنى نفي الشِّرك أن لا يَتَّخِذَ مع الله شريكاً في الإلهيّة، لكنَّ هذا
القول صار بحكم العُرْف عبارة عن الإيمان الشَّرعيِّ.
قوله: ((فقلت: وإن زَّنَى وإن سَرَقَ؟)) قد يتبادر إلى الذِّهن أنَّ قائل ذلك هو النبيّ وََّ،
والمَقُول له الملَك الذي بَشَّرَه به، وليس كذلك، بل القائل هو أبو ذرٍّ والمَقُول له هو النبيُّ وَيه

٥١٥
باب ١ / ح ١٢٣٧
كتاب الجنائز
كما بيَّنْه المؤلِّف في اللباس (٥٨٢٧)، وللِّرمِذيّ: ((قال أبو ذَرّ: يا رسولَ الله))(١)، ويُمكِن أن
يكون النبيّ وَّهِ قاله مُستَوضِحاً وأبو ذرٍّ قاله مُستَبَعِداً، وقد جمع بينهما في الرِّقاق
(٦٤٤٣ و ٦٤٤٤) من طریق زید بن وهب عن أبي ذرٍّ.
قال الزَّين بن المنيِّر: حديث أبي ذرٍّ من أحاديث الرَّجاء التي أفضَى الاتِّكال عليها
ببعض الجَهَلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإنَّ القواعد استَقرَّت على
أنَّ حقوق الآدميّينَ لا تَسقُط بمجرَّد الموت على الإيمان، ولكن لا يَلزَم من عَدَم سقوطها
أن لا يَتَكَفَّل الله بها عمَّن يريد أن يُدخِلَه الجنَّة، ومن ثَمَّ رَدَّ ◌َِّ على أبي ذرِّ استبعادَه.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((دخل الجنَّة)) أي: صار إليها إمَّا ابتداءً من أول الحال، وإمَّا
بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية.
وفي هذا حديث: ((مَن قال: لا إله إلَّ الله، نَفَعَته يوماً من الدَّهر، أصابه قبل ذلك ما
أصابه))(٢)، وسيأتي بیان حاله في کتاب الرِّقاق.
وفي الحديث أنَّ أصحاب الكبائر لا يُحُلَّدونَ في النار، وأنَّ الكبائر لا تَسلُب اسم
الإيمان، وأنَّ غير الموحِّدينَ لا يدخلونَ الجنَّة.
والحِكْمة في الاقتصار على الزّنى والسرقة الإشارة إلى جنس حقِّ الله تعالى وحقٍّ
العباد، وكأنَّ أبا ذرِّ استَحضَرَ قوله وَّهِ: ((لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مُؤْمِن))(٣) لأنَّ
ظاهره مُعارِض لظاهر هذا الخبر، لكنَّ الجمع بينهما على قواعد أهل السُّنّة بحملِ هذا على
الإيمان الكامل، وبحملٍ حديث الباب على عَدَم التخلید في النار.
قوله: ((على رَغْم أنف أبي ذرِّ))(٤) بفتح الراء وسكون المعجَمة، ويقال بضمها وكسرها،
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٤٤)، وليس فيه ما قاله الشارح!
(٢) أخرجه البزار في ((مسنده)) (٨٢٩٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٠٠٤) من حديث أبي هريرة ـ
ـه،
مرفوعاً ورجاله ثقات، وروي موقوفاً على أبي هريرة، أخرجه عبد الرزاق (٦٠٤٥)، والمرفوع أرجح.
(٣) سيأتي عند البخاري برقم (٢٤٧٥) من حديث أبي هريرة.
(٤) قوله ◌َّة: ((على رغم أنف أبي ذر)) شرحه الحافظ هنا، وليس هو في متن الحديث في هذا الموضع من نسخ =

٥١٦
باب ١ / ح ١٢٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
وهو مصدر رَغَمَ بفتح الغين وكسرها، مأخوذ من الرَّغْم: وهو التُّراب، وكأنَّه دَعَا عليه
بأن يُلصَق أنفه بالتُّراب.
١٢٣٨ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمشُ، حدَّثنا شَقِيقٌ، عن عبدِ الله
قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (مَن ماتَ يُشْرِكُ بالله شيئاً دخلَ النّارَ)) وقلتُ أنا: مَن ماتَ لا
يُشِرِكُ بالله شيئاً دخل الجنَّةَ.
[طرفاه في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣ ]
قوله: ((حدَّثْنا عُمَر بن حَفْص)) أي: ابن غياث، وشَقِيق: هو أبو وائل، وعبد الله: هو
ابن مسعود، وكلّھم کوفیُّون.
قوله: ((مَن ماتَ يُشرك بالله)) في رواية أبي حمزة عن الأعمَش في تفسير البقرة (٤٤٩٧):
((مَن ماتَ وهو يدعو من دون الله نِدّا))، وفي أوله: قال النبيُّ ◌َّل كلمة وقلت أنا أُخرى، ولم
تختلف الروايات في ((الصحيحين)) في أنَّ المرفوع الوعيد، والموقوف الوَعْد.
وَزَعَمَ الْحُميدي في ((الجمع)) وتَبِعَه مُغَلْطاي في شرحه ومَن أخذَ عنه أنَّ في رواية مسلم
(٩٢) من طريق وكيع وابن نُمَير بالعكسِ بلفظ: ((مَن ماتَ لا يُشِرِكُ بالله شيئاً دخل الجنَّة،
وقلت أنا: مَن ماتَ يُشِرِكُ بالله شيئاً دخل النار))، وكأنَّ سبب الوَهْم في ذلك ما وقع عند
أبي عَوَانة (٣٠) والإسماعيليّ من طريق وكيع بالعكس، لكن بيَّن الإسماعيليُّ أنَّ المحفوظ
عن وكيع كما في البخاريّ، قال: وإنَّما المحفوظ أنَّ الذي قَلَبَه أبو معاوية وحده، وبذلك
جَزَمَ ابن خُزيمةَ في ((صحيحه))(١)، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد (٣٨١١
و٣٨٦٥) من طريق عاصم، وابن ◌ُزَيمةَ من طريق سيّار، وابن حِبَّان (٢٥١) من طريق
المغيرة، كلّهم عن شَقِيق، وهذا هو الذي يقتضيه النَّظَر، لأنَّ جانب الوعيد ثابت بالقرآنِ
وجاءت السُّنّة على وَفْقه فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوَعْد، فإنَّه في محلّ البحث
= ((الصحیح))، وإنما سيأتي برقم (٥٨٢٧).
(١) وهو في كتاب ((التوحيد)) ٨٤٩/٢، وطريق سيَّار عنده في هذا الموضع أيضاً.

٥١٧
باب ٢ / ح ١٢٣٩ - ١٢٤٠
كتاب الجنائز
إذ لا يَصِحّ حملُه على ظاهره كما تقدَّم. وكأنَّ ابن مسعود لم يَبلُغه حديث جابر الذي أخرجه
مسلم (٩٣) بلفظ: قيل: يا رسولَ الله، / ما الموجِبَتان؟ قال: ((مَن ماتَ لا يُشرِك بالله شيئاً ١١٢/٣
دخل الجنَّة، ومَن ماتَ يُشرِك بالله شيئاً دخل النار)).
وقال النَّوَويّ: الجيِّد أن يقال: سمع ابن مسعود اللفظتَينِ من النبيّ وَّهِ، ولكنَّه في
وقتٍ حَفِظَ إحداهما وتَيقَّنَها ولم يحفظ الأُخرى، فَرَفَعَ المحفوظة وضَمَّ الأُخرى إليها، وفي
وقتٍ بالعكس، قال: فهذا جمعٌ بين روايتَي ابن مسعود وموافقته لرواية غيره في رفع
اللفظتَين. انتهى، وهذا الذي قاله مُتَمَل بلا شكّ، لكن فيه بُعْد مع التَّحاد تَخَرَج الحديث،
فلو تَعدَّدَ مَخَرَجُه إلى ابن مسعود لكان احتمالاً قريباً، مع أنَّه يُستَغرَب من انفراد راوٍ من
الرُّواة بذلك دون رُفقَته وشيخهم ومَن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى
من هذا التَّعَسُّف.
فائدة: حكى الخطيب في ((المدرَج)) (٢١٨/١) أنَّ أحمد بن عبد الجبّار رواه عن أبي بكر
ابن عيَّاش عن عاصم مرفوعاً كلَّه، وأنَّه وَهِمَ في ذلك، وفي حديث ابن مسعود دلالة على
أنَّه كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أثر ابن مسعود أخذَه من ضرورة انحصار
الجزاء في الجنَّة والنار. وفيه إطلاق الكلمة على الكلام الكثير. وسيأتي البحث فيه في
الأيمان والنُّدور (٦٦٨٣).
٢- باب الأمر باتباع الجنائز
١٢٣٩- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأشعَثِ، قال: سمعتُ معاويةَ بنَ سُوَیدٍ
ابنِ مُقرِّنٍ، عن البَرَاء ﴾ قال: أمَرَنا النبيُّ وَهَ بِسَبْعِ ونهانا عن سَبْعٍ: أَمَرَنا باتِّباع الجنائزِ،
وعِيادَة المريضِ، وإجابةِ الدَّاعِي، ونَصْرِ المظلومِ، وإبرار القَسَمِ، وَرَدِّ السَّلام، وتَشمِيتِ
العاطسِ، ونهانا عن آنية الفِضَّة، وخاتَمِ الذَّهبِ، والحريرِ والدِّيباج، والقَسِّيِّ والإستَبَرَقِ.
[أطرافه في: ٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨، ٥٨٤٩، ٥٨٦٣، ٦٢٢٢، ٦٢٣٥، ٦٦٥٤]
١٢٤٠- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا عَمرُو بنُ أبي سَلَمة، عن الأوزاعيِّ، قال: أخبرني ابنُ

٥١٨
باب ٢ / ح ١٢٣٩ - ١٢٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
شِهَاب، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيِّب، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ الله وَل يقول:
((حَقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وعِيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدَّعْوة،
وتَشمِيتُ العاطسِ)).
تابَعَه عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرنا مَعمَرٌ. ورواه سَلَامةُ عن عُقَبَلٍ.
قوله: ((باب الأمر باتِّباع الجنائز)) قال الزّين بن المنيِر: لم يُفصِح بحُكْمه لأنَّ قوله:
((أمَرَنا)) أعمُّ من أن يكون للوجوب أو للنَّدب.
قوله: ((عن الأشعَث)) هو ابن أبي الشَّعثاء المُحارِبيّ.
قوله: ((عن البراء بن عازِب)) أورَدَه في المظالم (٢٤٤٥) عن سعيد بن الربيع عن شُعْبة
عن الأشعَث فقال فيه: سمعت البراء بن عازب، ولمسلم (٣/٢٠٦٦) من طريق زهير بن
معاوية عن الأشعَث عن معاوية بن سُوَيدٍ قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته
يقول ... فذكر الحديث.
قوله: ((أمَرَنا رسول الله وَّهِ بِسَبْعِ وَهانا عن سَبْع)) أمَّا المأمورات فسنذكر شرحها في
كتابي الأدب (٦٢٢٢) واللباس (٥٨٤٩)، والذي يَتعلَّق منها بهذا الباب اتِّباع الجنائز. وأمَّا
المنهيَّات فمحلّ شرحها كتاب اللباس (٥٨٣٨) وسيأتي الكلام عليها فيه، وسَقَطَ من
المنهيَّات في هذا الباب واحدة سهواً إمَّا من المصنّف أو من شيخه(١).
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) كذا في جميع الروايات غير منسوب، وقال الكَلَاباذيّ: هو الذُّهلِيُّ،
وعَمْرو بن أبي سَلَمةَ: هو التِّنِّيسُّ، وقد ضَعَّفَه ابن مَعِين بسبب أنَّ في حديثه عن الأوزاعيِّ
مُناوَلة وإجازة، لكن بيَّن أحمد بن صالح المصريّ أنَّه كان يقول فيها سمعه: ((حدَّثنا)) ولا
١١٣/٣ يقول ذلك فيما لم يسمعه،/ وعلى هذا فقد عَنعَنَ هذا الحديثَ فدَلَّ على أنَّه لم يسمعه،
والجواب عن البخاري أنَّ يَعتَمِد على المناوَلة ويحتجُ بها، وقُصَارى هذا الحديث أن يكون
(١) وهي النهي عن المياثر الحُمْر: وهي أكسية من حرير أو ديباج توضع على سَرْج الفرس أو رَحْل البعير،
وكانت من مراكب العجم.

٥١٩
باب ٢ / ح ١٢٣٩ - ١٢٤٠
كتاب الجنائز
منها، وقد قوَّاه بالمتابَعة التي ذكرها عَقِبَه، ولم يَنْفَرِد به عَمْرو مع ذلك(١) فقد أخرجه
الإسماعيليّ من طريق الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعيّ، وكأنَّ البخاري اختار طريق
عَمْرو لوقوع التصريح فيها بالإخبار بين الأوزاعيِّ والزُّهْريّ.
ومُتَابَعة عبد الرزاق التي ذكرها وَصَلَها مسلم (٤/٢١٦٢) وقال في آخره: كان مَعمَر
يُرسِل هذا الحديث وأسنَدَه مَرَّة عن ابن المسيِّب عن أبي هريرة. وقد وقع لي بعُلُوِّ(٢) في
((جُزء الذُّهليّ)) قال: أخبرنا عبد الرزاق ... فذكر الحديث.
وأمَّا رواية سَلَامة - وهو بتخفيف اللَّام - وهو ابن أخي عَقيل، فأظنّها في ((الزُّهْرِيّات))
للذُّهليّ، وله نسخة عن عمِّه عن الزُّهْريّ، ويقال: إنَّه کان یرویها من كتاب.
قوله: ((حَقُّ المسلم على المسلم خمس)) في رواية مسلم (٤/٢١٦٢) من طريق عبد الرزاق:
((خمس تجبُ للمسلم على المسلم)»، وله (٥/٢١٦٢) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة: ((حقُّ المسلم على المسلم ستُّ)) وزاد: ((وإذا استَنَصَحَك فانصَحْ له))، وقد
تَبيَّن أنَّ معنى ((الحقّ)) هنا الوجوب، خلافاً لقول ابن بَطَّال: المراد حقُّ الحُرْمة والصُّحبة،
والظاهر أنَّ المراد به هنا وجوبُ الكِفاية.
قوله: ((رَدُّ السَّلام)) يأتي الكلام على أحكامه في الاستئذان (٦٢٣٥)، وعيادة المریض یأتي
الكلام عليها في المرضَى (٥٦٥٠)، وإجابة الداعي يأتي الكلام عليها في الوليمة (٥١٧٥)،
وتشميت العاطس يأتي الكلام عليه في الأدب (٦٢٢٢)، وأمَّا اتّباع الجنائز فسيأتي الكلام
عليه في (باب فضل اتِّباع الجنائز)) في وَسَط كتاب الجنائز (١٣٢٣)، والمقصود هنا إثبات
مشروعيّته فلا تكرار.
٣- باب الدُّخول على الميّت بعد الموت إذا أُدرج في أكفانه
١٢٤١، ١٢٤٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرني مَعمَرٌ ويونسُ،
(١) في (أ) و(س): عمرو ومع ذلك، بزيادة الواو، وإسقاطها أقومُ للعبارة فيما نُرى.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: معلَّقاً. وقد رواها الحافظ بسنده متصلاً عالياً جداً عن الذهلي في ((تغليق التعليق))
٤٥٤/٢-٤٥٥.

٥٢٠
باب ٣ / ح ١٢٤١ - ١٢٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمة: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَّ أخبَرَتْه قالت:
أقبلَ أبو بكرٍ ﴾ على فرسِه من مَسكّتِهِ بالسُّنْحِ حتَّى نزلَ، فدخلَ المسجدَ فلم يُكلِّمِ الناسَ
حتَّى دخلَ على عائشةَ رضي الله عنها، فتَمَّمَ النبيَّ وَّهِ وهو مُسجِّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عن
وجهِهِ ثمَّ أَكَبَّ عليه فقَبَّلَه، ثمَّ بَكَى فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي يا نبيَّ الله، لا يَجمَعُ الله عليكَ
مَوْتَينٍ، أمَّا الموتةُ التي كَتَبَ اللهُ عليكَ فقد مُتَّها.
قال أبو سَلَمة: فأخبرني ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ أبا بكرٍ﴾ خرجَ وعمرُ ﴾ يُكلِّمُ
الناسَ فقال: اجلِسْ، فأبَى فقال: اجلِسْ فأبَى، فَتَشَهَّدَ أبو بكرِ ه، فمالَ إليه الناسُ وتَرَكُوا
عمرَ، فقال: أمَّا بعدُ، فمَن كانَ منكم يَعْبُدُ محمَّداً وَّةِ، فإنَّ محمَّداً وَِّ قد ماتَ، ومَن كانَ
يَعِبُّدُ اللهَ، فإنَّ اللهَ حِيٌّ لا يموتُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاُ وَسَيَجْزِى
اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فوالله لكأنَّ الناسَ لم يكونُوا يعلمونَ أنَّ اللهَ أنزَلها حتَّى
ثَلاها أبو بكرٍ ، فَتَلَفّاها منه الناسُ فما يُسمَعُ بَشَرٌّ إِلَّا يَتْلُوها.
[أطرافه في: ٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٥٧١٠]
[أطرافه في: ٣٦٦٨، ٣٦٧٠، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١]
١١٤/٣ ١٢٤٣ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابتٍ: أنَّ أُمَّ العلاءِ امرأةً مِن الأنصارِ بايعَتِ النبيَّ ◌َِّ أخبَرَتْه: أنَّه اقْتُسِمَ
المهاجرونَ قُرْعةً فطارَ لنا عثمانُ بنُ مَظْعونٍ، فَأَنزَلْناه في أبياتِنا، فوَجِعَ وَجَعَه الَّذِي تُوقِّ فيه، فلمَّا
تُوِّيَّ وغُسِّلَ وكُفِّنَ في أثوابِهِ، دخلَ رسولُ الله ◌َّهِ فقلتُ: رحمةُ الله عليكَ أبا السائبِ، فشَهادَتي
عليكَ لقد أكرَمَكَ الله، فقال النبيُّ ◌َ ◌ّهِ: ((وما يُدرِيكِ أنَّ اللهَ أكرَمَه؟)) فقلتُ: بأَبي أنتَ يا
رسولَ الله! فمَن يُكْرِمُه الله؟ فقال: ((أمَّا هو فقد جاءَه اليَقِينُ، والله إنِّي لأرجُو له الخيرَ، والله ما
أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعَلُ بي)» قالت: فوالله لا أُزَكّي أحداً بعده أبداً.
حذَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا الليث، مِثلَه.