Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب ١ / ح ١٠٨٠ أبواب التقصير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أبواب التَّقَصِير قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. أبواب التقصير)) ثبتت هذه الترجمة للمُستَمْلي، وفي رواية أبي الوَقْت: ((أبواب تقصير الصلاة))، وثبتت البسملة في رواية كَرِيمة والأَصِيليّ. ١ - باب ما جاء في التقصير و کم یقیم حتَّى يَقصُر ٥٦١/٢ ١٠٨٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن عاصمِ وحُصَينٍ، عن عِكْرمة، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: أقامَ النبيُّ وَلّ تسعةَ عَشَرَ يَقصُرُ، فنحنُ إذا سافَرْنا تسعةَ عَشَرَ قَصَرْنا، وإن زِدْنا أَتمَمْنا. [طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩] قوله: ((باب ما جاء في التقصير)) تقول: قَصَرَتُ الصلاةَ - بفتحتين مُفَّفاً - قَصْراً، وقَصَّرتُها - بالتَّشديد - تقصيراً، وأقصَرتُها إقصاراً، والأوَّل أشهَرُ في الاستعمال. والمراد به: تخفيف الرُّباعيّة إلى ركعتين. ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب، وقال النَّوَويّ: ذهب الجمهور إلى أنَّه يجوز القصر في كلّ سفر مُباح، وذهب بعض السَّلَف إلى أنَّه يُشتَرط في القَصْر الخوف في السَّفَر، وبعضهم كَوْنُه سفرَ حجٍّ أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كَوْنُه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثَّوريِّ: في كلِّ سفر، سواء كان طاعة أو معصية. قوله: ((وكَم يقيم حتَّى يَقصُر)) في هذه الترجمة إشكال، لأنَّ الإقامة ليست سبباً للقصر، ولا القصرُ غاية للإقامة، قاله الكِرْمانيُّ، وأجاب بأنَّ عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها ومنع الزِّيادة عليها، وأجاب غيره بأنَّ المعنى: وكم إقامتُه المُغيَّة بالقصر؟ وقيل: ٢٤٢ باب ١ / ح ١٠٨٠ فتح الباري بشرح البخاري بمُكْث(١)، وحاصله: كم يقيم مُقْصِر؟ وقيل: المراد: كم يَقصُر حتَّى يقيم؟ أي: حتَّى يُسمَّى مُقيماً، فانقَلَبَ اللَّفظ، أو ((حتَّى)) هنا بمعنى: حين، أي: كم يقيم حين يَقصُر؟ وقيل: فاعل (يقيم)) هو المسافر، والمراد: إقامتُه في بلدٍ ما غايتُها التي إذا حَصَلَت يَقْصُر. قوله: ((عن عاصم)) هو ابن سليمان، وحُصَين بالضَّمِّ: هو ابن عبد الرحمن. قوله: «تسعةَ عَشَر)) أي: يوماً بلیلتِه، زاد في المغازي (٤٢٩٨) من وجه آخر عن عاصم وحده: ((بمَّة)»، وكذا رواه ابن المنذر (٣٤٣/٤) من طريق عبد الرحمن بن الأصبهانيّ عن ◌ِكْرمة، وأخرجه أبو داود (١٢٣٢) من هذا الوجه بلفظ: ((سبعة عشر)) بتقديم السِّين، وكذا أخرجه (١٢٣٠) من طريق حفص بن غياث عن عاصم قال: وقال عبَّاد بن منصور عن عِكْرمة: ((تسع عشرة)) كذا ذكرها مُعلَّقة، وقد وَصَلَها البيهقيُّ (٣/ ١٥٠)، ولأبي داود ٥٦٢/٢ أيضاً (١٢٢٩) من حديث عمران بن حُصَين: غَزَوتُ مع رسول الله وَّرِ عامَ الفتح / فأقامَ بمكَّة ثماني عشرةَ ليلة لا يُصلِّ إلَّا ركعتين، وله (١٢٣١) من طريق ابن إسحاق عن الزّهْريِّ عن عبيد الله عن ابن عبّاس: أقامَ رسول الله وَله بمكّة عام الفتح خمسة عشر يَقصُر الصلاة. وجمع البيهقيُّ بين هذا الاختلاف بأنَّ مَن قال: تسعَ عشرةَ، عَدَّ يَومَي الدُّخول والخروج، ومَن قال: سبع عشرة، حَذَفَهما، ومَن قال: ثماني عشرة، عَدَّ أحدهما. وأمَّا رواية ((خمسة عشر)) فضَعَّفَها النَّوَويّ في ((الخُلاصة))، وليس بجيِّدٍ، لأنَّ رواتها ثقات، ولم يَنفَرِدْ بها ابنُ إسحاق، فقد أخرجها النَّسائيُّ (١٤٥٣) من رواية عِرَاك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثَبَتَ أنَّها صحيحة، فليُحمَل على أنَّ الراوي ظَنَّ أنَّ الأصل رواية ((سبعة عشر))، فحَذَفَ منها يَومَي الدُّخول والخروج فذكر أنَّها خمسة عشر، واقتَضَى ذلك أنَّ رواية ((تسعة عشر)) أرجحُ الروايات، وبهذا أخذَ إسحاق بن راهويه، ويُرجِّحها أيضاً أنَّها أكثر ما وَرَدَت به الروايات الصحيحة، وأخذَ الثَّوريّ وأهل الكوفة برواية ((خمسةَ عشرَ)) لكَوْنها أقلّ ما وَرَدَ، فيُحمَل ما زاد على أنَّه وقع اتِّفاقاً. (١) قوله: ((وقيل: بمكث)) من (أ) وحدها. ٢٤٣ باب ١ / ح ١٠٨١ أبواب التقصير وأخذَ الشافعيُّ بحديث عِمْران بن حُصَين، لكن مَحَلّه عنده فيمَن لم يُزمِع الإقامة، فإنَّه إذا مضت عليه المدَّة المذكورة، وَجَبَ عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أوَّل الحال على أربعة أيام أتمَّ، على خلافٍ بين أصحابه في دخول يومَي الدُّخول والخروج فيها أو لا، وحُجّته حديث أنس الذي يليه. قوله: ((فنحنُ إذا سافرْنا تسعة عَشَر قَصَرْنا، وإن زِدْنا أتمَمْنا)) ظاهره أنَّ السَّفَر إذا زاد على تسعة عشر لَزِمَ الإتمام، وليس ذلك المراد، وقد صَرَّحَ أبو يَعْلى (٢٣٦٨) عن شَيْبانَ عن أبي عَوَانة في هذا الحديث بالمراد ولفظه: إذا سافرنا فأقَمْنا في موضع تسعة عشر، ويؤيِّده صدر الحديث، وهو قوله: ((أقامَ))، وللتِّرمِذيِّ (٥٤٩) من وجه آخر عن عاصم: فإذا أقَمنا أكثر من ذلك صَلَّينا أربعاً. ١٠٨١ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي إسحاق، قال: سمعتُ أنساً يقول: خَرَجْنا مع النبيِّوَلَّ مِن المدينةِ إلى مَّة، فكان يُصلِّ رَكْعتَينِ رَكْعتَيْنِ حتَّى رَجَعْنا إلى المدينةِ، قلتُ: أَقَمْتُم بمكَّة شيئاً؟ قال: أَقَمْنا بها عَشْراً. [طرفه في: ٤٢٩٧] قوله في حديث أنس: ((خَرَجْنا من المدينة)) في رواية شُعْبة عن یحیی بن أبي إسحاق عند مسلم (٦٩٣): إلى الحجّ. قوله: ((فكان يُصلِّ رَكْعتَينِ رَكْعتَين)) في رواية البيهقيِّ (١٤٥/٣) من طريق عليّ بن عاصم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: إلَّا في المغرب. قوله: ((أَقَمْنا بها عَشْرًا)) لا يُعارض ذلك حديث ابن عبّاس المذكور، لأنَّ حديث ابن عبّاس كان في فتح مگّة، وحديث أنس في حَجَّة الوداع، وسيأتي بعد بابٍ (١٠٨٥) من حديث ابن عبّاس: قَدِمَ النبيّ ◌ٍَّ وأصحابه لصُبح رابعة ... الحديث، ولا شَكَّ أنَّه خرج من مكَّة صُبحَ الرابع عشر، فتكون مُدَّة الإقامة بمكَّة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، وتكون مُدَّة إقامته بمَّة أربعة أيام سواء، لأنَّه خرج منها في اليوم الثامن فصلَّ الظُّهر بِمِنَّى، ومن ثَمَّ قال الشافعيّ: إنَّ المسافر إذا أقامَ ببلدةٍ قَصَرَ بها أربعة أيام، وقال ٢٤٤ باب ١ / ح ١٠٨١ فتح الباري بشرح البخاري أحمد: إحدى وعشرين صلاة(١). وأمَّا قول ابن رُشَيْد: أراد البخاري أن يُبيِّن أنَّ حديث أنس داخل في حديث ابن عبَّاس، لأنَّ إقامة عشرٍ داخل في إقامة تسعَ عشرةَ، فأشار بذلك إلى أنَّ الأخذ بالزّائد مُتَعَيِّن. ففيه نظر، لأنَّ ذلك إنَّما يجيء على اتّحاد القِصَّتَين، والحقّ أنَّهما مختلفتان، فالمدَّة التي في حديث ابن عبّاس يَسُوغ الاستدلال بها على مَن لم يَنِ الإقامة، بل كان مُتَردِّداً متى يَتَهِيَّأْ له فراغُ حاجته يرحلْ، والمدَّة التي في حديث أنس يُستَدَلّ بها على مَن نَوَى الإقامة، لأنَّه وَّه في أيام الحجّ كان جازماً بالإقامة تلك المدَّة، ووجه الدَّلالة من حديث ابن عبّاس لمَّا كان الأصل في المقيم الإتمامَ، فلمَّا لم يَجِئْ عنه بَّهِ أَنَّه أقامَ في حال السَّفَر أكثر من تلك المدَّة جعلها غايةً للقصر، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة كما سيأتي. وفيه أنَّ الإقامة في أثناء السَّفَر تُسمَّى إقامة، وإطلاق اسم البلد على ما جاوَرَها وقَرُبَ منها، لأَنَّ مِنَّى وعَرَفة ليستا من مَّة، أمَّا عَرَفة فلأنَّها خارج الحَرَم فليست من مكَّة قطعاً، وأمَّا مِنَّى ففيها احتمال، والظاهر أنَّها ليست من مكَّة إلَّا إن قلنا: إنَّ اسم مكَّة يَشمَل جميع الحَرَم. قال أحمد بن حَنبَل: ليس لحديث أنس وجه إلَّا أنَّه حَسَبَ أيام إقامته وَ لّهِ فِي حَجَّته منذُ ٥٦٣/٢ دخل مكَّة إلى أن خرج منها،/ لا وجه له إلَّ هذا. وقال المحِبُّ الطَّبَرَيُّ: أُطلِقَ على ذلك إقامةٌ بمكَّة، لأنَّ هذه المواضع مواضع النُّسُك وهي في حُكْم التّابع لمكَّة، لأنَّها المقصود بالأصالة لا يَتَّجِه سوى ذلك كما قال الإمام أحمد، والله أعلم. وزَعَمَ الطَّحَاوُّ أنَّ الشافعيّ لم يُسبَقّ إلى أنَّ المسافر يصير بنيَّة إقامته أربعة أيام مُقيماً، وقد قال أحمد نحوَ ما قال الشافعي، وهي رواية عن مالك. ٢ - باب الصلاة بمنَّی ١٠٨٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن عبدِ الله (١) في (أ) و(ع): إحدى وعشرين ليلةً، وهو خطأ، والمثبت على الصواب من (س)، وهو المعروف في مذهب الإمام أحمد، انظر ((الكافي)) لابن قدامة ١/ ٢٠٠. ٢٤٥ باب ٢ / ح ١٠٨٢ أبواب التقصير قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ وَّ بِمِنَّى رَكْعَتَينِ وأبي بكرٍ وعمرَ، ومع عثمانَ صَدْراً من إمارَتِهِ، ثمَّ أنَّها. [طرفه في: ١٦٥٥] قوله: ((باب الصلاة بمِنَّى)) أي: في أيام الرَّمْي، ولم يَذكُر المصنّف حُكْم المسألة لقوّة الخلاف فيها، وخَصَّ مِنَّى بالذِّكرِ، لأنَّها المحَّ الذي وقع فيها ذلك قديماً. واختَلَفَ السَّلَف في المقيم بمِنَّى: هل يَقصُر أو يُتِّمُّ، بناء على أنَّ القصر بها للسَّفَرِ أو للنُّسُكِ؟ واختار الثاني مالك، وتَعقَّبَه الطَّحَاويُّ بأنَّه لو كان كذلك لكان أهل مِنَّى يُتِمّون، ولا قائل بذلك. وقال بعض المالكيَّة: لو لم يَجُز لأهل مكَّة القصر بمِنّى لقال لهم النبيّ ◌َّ: أتِمُّوا، وليس بين مكَّة ومِنَى مسافة القصر، فدَلَّ على أنَّهم قَصَروا للنُّسُك. وأُجيبَ بأنَّ القِّرمِذيّ روی من حدیث عمران بن حُصَین: أنَّه ێ کان يُصلِّ بمگَّة ركعتين ويقول: ((يا أهل مكَّة أتِمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ))(١)، وكأنَّه تركَ إعلامهم بذلك بمِنَّى استغناءً بما تقدَّم بمكّة. قلت: وهذا ضعيف، لأنَّ الحديث من رواية عليّ بن زيد بن جُدْعان وهو ضعيف، ولو صَحَّ فالقصّة كانت في الفتح، وقصَّة ◌ِمِنّی في حَجَّة الوَدَاعِ، وكان لا بدَّ من بیان ذلك لبُعدِ العهد. ولا يخفى أنَّ أصل البحث مبنيٌّ على تسليم أنَّ المسافة التي بين مكَّة ومِنَّى لا یُقصَر فیها، وهو من محالِّ الخلاف كما سيأتي بعد بابٍ. قوله: ((بمِنَّی)) زاد مسلم (١٦/٦٩٤) في رواية سالم عن أبيه: بمِنَّی وغيره. قوله: ((ثُمَّ أنَّها)» في رواية أبي أسامة عن عبيد الله عند مسلم (٦٩٤ / ١٧): ثمَّ إِنَّ عثمان صلَّى أربعاً،/ فكان ابن عمر إذا صلَّى مع الإمام صلَّى أربعاً، وإذا صلَّى وحده صلَّى ركعتين. ٥٦٤/٢ وسيأتي (١٠٩٠) ذِكْر السبب في إتمام عثمان بمِنَّى في ((باب يَقصُر إذا خرج من موضعه)). (١) عزو هذا الحديث إلى الترمذي ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، وإنما الذي أخرجه بهذا اللفظ هو أبو داود برقم (١٢٢٩)، وأما الترمذي فقد أخرج من حديث عمران قوله: حججتُ مع رسول الله وَل﴿ فصلَّى رکعتین، وهو عنده برقم (٥٤٥). وقوله: ((سَفْر)) جمع سافٍ، كصاحبٍ وصَحْب، والمسافرون جمع مُسافِرٍ، والسَّفْر والمسافرون بمعنّى. قاله ابن الأثير في ((النهاية)). ٢٤٦ باب ٢ / ح ١٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٠٨٣ - حدّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، أنبأنا أبو إسحاق، قال: سمعتُ حارثةَ بنَ وَهْبٍ قال: صلَّى بنا النبيُّ ◌ََّ آمَنَ ما كان بمِنَّى رَكْعتَينِ. [طرفه في: ١٦٥٦] قوله: ((أنبأنا أبو إسحاق)) كذا هو بلفظ الإنباء، وهو في عُرْف المتقدِّمينَ بمعنى الإخبار والتّحدیث، وهذا منه. قوله: ((سمعت حارِثَةَ بن وَهْب)) زاد البَرْقانيُّ في ((مُستخرجه)): رجلاً من خُزَاعة، أخرجه من طريق أبي الوليد شيخ البخاري فيه. قوله: ((آمَن)) أفعلُ تفضيلٍ من الأمن. قوله: ((ما كان)) في رواية الكُشمِيهَنيٍّ والحَقُّوِيِّ: ((كانت)) أي: حالة كَوْنها آمنَ أوقاته. وفي رواية مسلم (٢١/٦٩٦): (والناس أكثر ما كانوا))، وله شاهد من حديث ابن عبّاس عند التِّرمِذيّ (٥٤٧) وصحَّحه النَّسائيُّ (١٤٣٥) بلفظ: خرج من المدينة إلى مكَّة لا يخاف إلَّ اللهَ، يُصلِّ ركعتين. قال الطِّييُّ: ((ما)) مصدريَّة، ومعناه الجمع، لأنَّ ما أُضيفَ إليه أفعل يكون جمعاً، والمعنى: صلَّى بنا والحال أنَّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمناً. وسيأتي في ((باب الصلاة بمِنَّى)) من كتاب الحج (١٦٥٦) عن آدم عن شُعْبة بلفظ: ((عن أبي إسحاق))، وقال في روايته: ((ونحنُ أكثرُ ما كنّا قَطُّ وآمَنُه))، وكَلِمة ((قَطُ)) مُتعلِّقة بمحذوفٍ تقديره: ونحنُ ما كنّا أكثرَ منَّا في ذلك الوقت ولا أكثر أمناً. وهذا يُستَدرَك به على ابن مالك حيثُ قال: استعمال قَطُّ غير مسبوقة بالنَّفي ممَّا يخفى على كثير من النَّحوِيِّين؛ وقد جاء في هذا الحديث بدون النَّفي. وقال الكِرْمانيُّ: قوله: ((وآمَنُه)) بالرَّفع، ويجوز النصب بأن يكون فعلاً ماضياً وفاعله (الله)) وضمير المفعول: النبيّ وَّهِ، والتقدير: وآمَنَ اللهُ نبيَّه حينئذٍ. ولا يخفى بُعْدُ هذا الإعراب. ٢٤٧ باب ٢ / ح ١٠٨٤ أبواب التقصير وفيه ردٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ القصر مُختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسّكَ بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَيُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَغْيِّنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأنَّ شرط مفهوم المخالَفة أن لا يكون خرج تَخَرَجَ الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شُرِعَ الحُكْم فيها بسببٍ ثمَّ زال السبب وبقيَ الحُكْم كالرَّمَل، وقيل: المراد بالقَصْر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر لما رواه مسلم (٦٨٦) من طريق يَعْلى بن أُميَّة - وله صُحْبة - أنَّه سألَ عمر عن قصر الصلاة في السَّفَر، فقال: إنَّه سألَ رسول الله وَّهِ عن ذلك فقال: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بها عليكم))، فهذا ظاهر في أنَّ الصحابة فهموا من ذلك قصرَ الصلاة في السَّفَر مُطلَقاً، لا قصرَها في الخوف خاصَّة، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني. وروى السَّراج (١٣٩٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حَنظَلَة - وهو الخَذَّاء لا يُعرَف اسمه - قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السَّفَر، فقال: ركعتان، فقلت: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿إِنْ خِفْتٌ﴾ ونحنُ آمِنون، فقال: سُنَّة النبيِّي وَل﴾(١). وهذا يُرجِّح القول الثاني أيضاً. ١٠٨٤- حذَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ، عن الأعمَشِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ، قال: سمعتُ عبدَ الرحمن بنَ يزيدَ يقول: صلَّى بنا عثمانُ بنُ عَفّانَ ﴾ بمِنَّى أربعَ رَكَعاتٍ فقيلَ ذلك العبدِ الله بن مسعودٍ ﴾، فاستَرْجَعَ ثمّ قال: صَلَّيتُ مع رسول الله وَلَ بِمِنَّى رَكْعتَينِ، وصَلَّيْتُ مع أبي بكر بمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، وصَلَّيتُ مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴾ بمِنَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي من أربعٍ رَكَعاتٍ رَكْعتانٍ مُتَقبَّلَتَانِ. [طرفه في: ١٦٥٧] قوله: ((حدّثنا إبراهيم)) هو النَّخَعيُّ لا التَّيْمَيّ. قوله: ((صَلَّى بنا عثمان بمِنَّى أربع رَكَعات)) كان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحج في (١) وأخرجه أحمد في «المسند» (٤٧٠٤) من الطريق نفسه، فكان الأَولى العزوَ له، وإسناده حسنٌ. ٢٤٨ باب ٢ / ح ١٠٨٤ فتح الباري بشرح البخاري حال إقامته بمِنَّى للرَّمي كما سيأتي ذلك في رواية عبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير في قصَّة معاوية بعد بابینِ(١). قوله: ((فقيلَ ذلكَ)) في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيليّ: فقيل في ذلك. قوله: ((فاستَرْجَعَ)) أي: فقال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون. قوله: ((ومع عمر رَكْعتَين)) زاد الثَّوريّ عن الأعمَش: ثمَّ تَفرَّقَت بكم الطَّرق، أخرجه المصنّف في الحج (١٦٥٧) من طريقه. قوله: ((فليتَ حَظّي من أربع رَكَعاتِ رَكْعتان)» لم يَقُلِ الأَصِيلِيُّ: رَكَعات، و ((مِن)) للبدليَّة مثل قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وهذا يدلّ على أنَّه كان يرى الإتمام جائزاً وإلّا لما كان له حَظّ من الأربع ولا من غيرها، فإنَّها كانت تكون فاسدة كلّها، وإنَّما استَرجَحَ ابن مسعود لما وقع عنده من مُخالَفة الأولى، ويؤيِّده ما روى أبو داود (١٩٦٠): أنَّ ابن مسعود صلَّى أربعاً، فقيل له: عِبتَ على عثمان ثمَّ صَلَّيتَ أربعاً! فقال: الخلاف شَرّ، وفي رواية البيهقيِّ (١٤٤/٣): إنّي لأكره الخلاف، ولأحمد (٢١٤٦٠) ٥٦٥/٢ من حديث / أبي ذرِّ مثل الأوَّل، وهذا يدلّ على أنَّه لم يكن يعتقد أنَّ القصر واجبٌ كما قال الحنفيَّة، ووافَقَهم القاضي إسماعيل من المالكيَّة، وهي رواية عن مالك وعن أحمد. قال ابن قدامةَ: المشهور عن أحمد أنَّه على الاختيار، والقصرُ عنده أفضل، وهو قول جمهور الصحابة والّابعين، واحتجَّ الشافعيّ على عَدَم الوجوب بأنَّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلَّى أربعاً باتِّفاقهم، ولو كان فرضُه القصرَ لم يأتمَّ مسافر بمُقيمٍ، وقال الطَّحَاويُّ: لمَّا كان الفرض لا بدَّ لمن هو عليه أن يأتي به، ولا يتخيَّر في الإتيان ببعضه، وكان التَّخيير مُختصّاً بالتطوُّع، دَلَّ على أنَّ المصلِّي لا يتخيَّر في الاثنتَينِ والأربع. وتَعقَّبَه ابن بَطَّل بأنَّا وَجَدْنا واجباً يتخيَّرَ بين الإتيان بجميعِه أو ببعضه، وهو الإقامة بمِنَّى. انتهى. ونقل الدَّاووديُّ عن ابن مسعود: أنَّه كان يرى القصر فرضاً، وفيه نظرٌ لما ذكرته، ولو (١) عند شرح الحديث (١٠٩٠). ٢٤٩ باب ٣ / ح ١٠٨٥ أبواب التقصير كان كذلك لمَا تَعَمَّدَ تركَ الفرض حيثُ صلَّى أربعاً، وقال: إنَّ الخلاف شرٌّ، ويَظهَر أثر الخلاف فيما إذا قامَ إلى الثالثة عمداً، فصلاته عند الجمهور صحيحة، وعند الحنفيّة فاسدة ما لم يكن جَلَسَ للتَّشَهُّد، وسيأتي ذِكْر السبب في إتمام عثمان بعد بابَينِ (١٠٩٠) إن شاء الله تعالی. ٣- باب كم أقام النبيُّ ◌َلّ فِي حَجّته ١٠٨٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي العاليَةِ البَرّاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َ لَه وأصحابُه لصُبْحِ رابعةٍ يُلَبُّونَ بالحجِّ، فأمَرَهم أن يَجِعلُوها عُمْرةً إلا مَن معه الهَدْيُ. تابَعَه عطاءٌ عن جابرٍ. [أطرافه في: ١٥٦٤، ٣٨٣٢،٢٥٠٥] قوله: ((باب كم أقامَ النبيّ وَلَّ في حَجَّته)) أي: من يوم قُدومه إلى أن خرج منها، وقد تقدَّم بيان ذلك في الكلام على حديث أنس في الباب الذي قبله. والمقصود بهذه الترجمة بيان ما تقدَّم من أنَّ المحقَّق فيه نيَّةُ الإقامة هي مُدَّة المُقَام بمَّة قبل الخروج إلى مِنَّى ثمَّ إلى عرفة وهي أربعة أيام مُلفَّقة، لأنَّه قَدِمَ في الرابع وخرج في الثامن، فصلًّ بها إحدى وعشرين صلاة من أوَّل ظُهر الرابع إلى آخر ظُهر الثامن(١)، وقيل: أراد مُدَّة إقامته إلى أن تَوجَّهَ إلى المدينة، وهي عشرة كما في حديث أنس، وإن كان لم يُصرِّح في حديث ابن عبّاس بغايتِها فإنَّهَا تُعرَف من الواقع، فإنَّ بين دخوله وخروجه يوم النَّفْر الثاني من مِنَّى إلى الأبطَح عشرة أيام سواءٌ. قوله: ((عن أبي العالية البرّاء)» هو بتشديد الرّاء، کان یَېْري النَّبْل، واسمه زیاد، وقيل (١) فيما قاله الشارح هنا نظر، وسبق أنه صلى الظهر يوم الثامن بمنی، کما صحَّ ذلك من حديث جابر وغيره، وعليه يكون المحفوظ أنه صلى بمكة قبل التوجه إلى منى عشرين صلاةً فقط، أولها ظهر اليوم الرابع وآخرها فجر اليوم الثامن، وأما فجر اليوم الرابع فقد اختلف فيه هل صلاه بمكة أو في الطريق، والله أعلم. (س). ٢٥٠ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري غير ذلك، وهو غير أبي العالية الرِّياحي، وقد اشتركا في الرواية عن ابن عبّاس. وسيأتي الكلام على هذا الحديث وعلى مُتابعة عطاء عن جابر في كتاب الحج إن شاء الله تعالى(١). ٤ - باب في كم يقصر الصلاة؟ وسَمَّى النبيُّ ◌َ لَ يوماً وليلةً سَفَراً. وكان ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم يَقصُران ويُفطِران في أربعةِ بُدٍ، وهي سِتّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً. ٥٦٦/٢ قوله: ((باب في كم يَقصُر الصلاة؟)) يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر ولا يَسُوغ له في أقلَّ منها، وهي من المواضع التي انتَشَرَ فيها الخلاف جدّاً، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحواً من عشرين قولاً، فأقلُّ ما قيل في ذلك يوم وليلة، وأكثره ما دامَ غائباً عن بلده. وقد أورَدَ المصنّف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورَدَ ما يدلّ على أنَّ اختياره أنَّ أقلّ مسافة القصر يوم وليلة. قوله: ((وسَمَّى النبيُّ ◌َّه يوماً وليلة سَفَراً)» في رواية أبي ذَرّ: («السَّفَر يوماً وليلة)» وفي كلِّ منهما تَجُّز، والمعنى: سَمَّى مُدَّة اليوم والليلة سَفراً، وكأنَّه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب، وقد تُعُقِّبَ بأنَّ في بعض طُرُقه: ((ثلاثة أيام)) كما أورَدَه هو من حديث ابن عمر، وفي بعضها: ((يوم وليلة))، وفي بعضها: ((يوم))، وفي بعضها: ((ليلة))، وفي بعضها: (بَرِيد))(٢)، فإن ◌ُلَ اليوم المطلَق أو الليلة المطلَقة على الكامل، أي: يوم بلیلتِه، أو ليلة بيومِها، قَلَّ الاختلاف واندرجَ في الثلاث، فيكون أقلُّ المسافة يوماً وليلة، لكن يُعكّر (١) انظر كتاب الحج (١٥٦٤) و(١٥٦٨)، وكتاب الشركة (٢٥٠٥)، وكتاب الاعتصام (٧٣٦٧). (٢) رواية ((يوم)) عند مسلم (١٣٣٩) (٤٢٠)، وابن ماجه (٢٨٩٩)، وأحمد (٧٤١٤)، ورواية («ليلة)) عند مسلم (١٣٣٩) (٤١٩)، وأبي داود (١٧٢٣)، وابن حبان (٢٧٢٨)، وأحمد (٨٤٨٩)، ورواية ((بَريد)» عند أبي داود (١٧٢٥)، وابن حبان (٢٧٢٧)، كلها من حديث أبي هريرة. وفي رواية لأبي سعيد الخدري: (يومين)) ستأتي برقم (١١٩٧). والبريد: اثنا عشر ميلاً، وهو مسيرة نصف يوم، والرواية التي فيها ذِكْر البريد رواية شاذّة. ٢٥١ باب ٤ أبواب التقصير عليه رواية ((بَرِيد)) ويُجاب عنه بما سيأتي قريباً. قوله: ((وكان ابن عمر وابن عبَّاس ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن المنذر (٣٤٧/٤) من رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رَبَاح: أنَّ ابن عمر وابن عبَّاس كانا يُصلّيان ركعتين ويُفطِران في أربعة بُرُد فما فوق ذلك، وروى السَّاج من طريق عَمْرو بن دينار عن ابن عمر نحوه، وروى الشافعيّ (٢١٢/١) عن مالك عن ابن شهاب(١) عن سالم: أنَّ ابن عمر رَكِبَ إلى ذات النُّصُب فقَصَرَ الصلاة، قال مالك: وبينها وبين المدينة أربعة بُرُد، ورواه عبد الرزاق عن مالك هذا فقال: بين المدينة وذات النُّصُب ثمانية عشر ميلاً(٢). وفي ((الموطَّأ)) (١/ ١٤٧ و١٤٨) عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنَّه كان يَقصُر في مَسيِرِه اليومَ الّامَّ، ومن طريق عطاء: أنَّ ابن عبّاس سُئِلَ: أنقصُرُ الصلاة إلى عَرَفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسْفان أو إلى جُدَّة أو الطائف، وقد رُوِيَ عن ابن عبّاس مرفوعاً أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (١٤٤٧) وابن أبي شَيْبة من طريق عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء، عن ابن عبّاس، أنَّ رسول الله وَّةٍ قال: ((يا أهل مكَّة، لا تَقصُروا الصلاة في أدنى من أربعة بُرُد؛ من مكَّة إلى عُسفان))، وهذا إسناد ضعيف من أجل عبد الوهّاب، وروى عبد الرزاق (٤٢٩٦) عن ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبَّاس قال: لا تَقصُروا الصلاة إلَّا في اليوم التام، ولا تُقصَر فيما دون اليوم، ولابنِ أبي شَيْبة (٢/ ٤٤٣) من وجه آخر صحيح عنه قال: تُقصَر الصلاة في مَسِيرة يوم وليلة. ويُمكِن الجمع بين هذه الروايات بأنَّ مسافة أربعة بُرُد يُمكِن سيرُها في يوم وليلة، وأمَّا حديث ابن عمر الدّالَّ على اعتبار / الثلاث، فإمَّا أن يُجمَع بينه وبين اختياره بأنَّ المسافة ٥٦٧/٢ (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم، والصواب أنه عن مالك عن نافع، وهو كذلك عند مالك في (الموطأ)) ١/ ١٤٧، على أن مالكاً روى عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنه ركب إلى ريمٍ فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعة بُرُد. وهو في ((الموطأ)) ١/ ١٤٧، وعنه الشافعي في ((الأم)) ١ / ٢١٢. (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) برقم (٤٣٠١) وليس في المطبوع منه قول مالك. ٢٥٢ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري واحدة ولكنَّ السَّير يختلف، أو أنَّ الحديث المرفوع ما سِيقَ لأجل بيان مسافة القصر، بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها، ولذلك اختَلَفَت الألفاظ في ذلك. ويؤيِّد ذلك أنَّ الْحُكْم في نهي المرأة عن السَّفَر وحدها مُتَعلِّق بالزمان، فلو قَطَعَت مَسِيرة ساعة واحدة مثلاً في يوم تام لتَعَلَّقَ بها النَّهي، بخلاف المسافر فإنَّه لو قَطَعَ مسيرة نصف يوم مثلاً في يومين لم يَقصُر فافتَرَقا، والله أعلم. وأقلُّ ما وَرَدَ في ذلك لفظ ((بَرِيد)) إن كانت محفوظة، وسنذكرها في آخر هذا الباب، وعلى هذا ففي تمسُّك الحنفيّة بحديث ابن عمر على أنَّ أقلّ مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال، ولا سيَّما على قاعدتهم بأنَّ الاعتبار بما رأى الصحابيُّ لا بما روى، فلو كان الحديث عنده لبيان أقلِّ مسافة القصر، لمَا خالَفَه وقَصَرَ في مسيرة اليوم التامّ. وقد اختُلِفَ عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافاً غير ما ذُكِر، فروى عبد الرزاق (٤٣٠٢) عن ابن جُرَيج، أخبرني نافع: أنَّ ابن عمر كان أدنى ما يَقصُر الصلاةَ فيه مالٌ له بخيبرَ. وبين المدينة وخيبر ستَّة وتسعون ميلاً، وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر أنَّه قال: يَقصُر من المدينة إلى السُّوَيداء. وبينهما اثنان وسبعون ميلاً. وروى عبد الرزاق (٤٣٠١) عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنَّه سافرَ إلی ریمِ فَقَصَرَ الصلاة، قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثينَ ميلاً من المدينة. وروى ابن أبي شَيْبة (٤٤٥/٢) عن وكيع عن مِسعَر(١) عن محارِب: سمعت ابن عمر يقول: إنِّي لَأُسافر الساعةَ من النهار فأقصر. وقال الثَّوريّ: سمعت جَبَلَةَ بن سُحَيم، سمعت ابن عمر يقول: لو خرجتُ ميلاً قَصَرتُ الصلاة. إسناد كلٍّ منهما صحيح، وهذه أفعال متغايرةٌ جدّاً، فالله أعلم. قوله: ((وهيَ)) أي: الأربعة بُرُد ((سنَّة عشر فَرسَخاً) ذكر الفَرّاء أنَّ الفَرسَخ فارسيّ مُعَرَّب، وهو ثلاثة أميال، والمِيل من الأرض: مُنتَهى مَدّ البصر، لأنَّ البصر يَمِيل عنه على (١) كذا وقع هنا عند الحافظ: مسعر، وهو كذلك في ((الأوسط)) لابن المنذر ٤ / ٣٥٠ حيث رواه عن أبي بكر ابن أبي شيبة بإسناده، لكن وقع في نسخ ((مصنف ابن أبي شيبة)) المطبوعة كلها مكان ((مسعر)»: سفيان، فالله أعلم. ٢٥٣ باب ٤ أبواب التقصير وجه الأرض حتَّى يَفْنَى إدراكه، وبذلك جَزَمَ الجوهريُّ، وقيل: حَدُّه أن يَنظُر إلى الشَّخص في أرض مُسطَّحة فلا يُدرَى أهو رجل أو امرأة، أو هو ذاهب أو آتٍ، قال النَّوَويّ: الميل: ستّة آلاف ذِراع، والذّراع: أربعة وعشرون إصبَعاً مُعتَرِضة مُعتَدِلة، والإصبَعِ: ستُّ شَعِیراتٍ مُعتَرِضة مُعتَدِلة. انتھی. وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم مَن عَبَّرَ عن ذلك باثنَي عشر ألف قَدَم بقَدَمِ الإنسان، وقيل: هو أربعة الآف ذِراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذِراع، نَقَلَه صاحب ((البيان))، وقيل: وخمسُ مئةٍ، صحَّحه ابن عبد البَرِّ، وقيل: هو ألفا ذِراع، ومنهم مَن عَبَّرَ عن ذلك بألفِ خُطْوة للجَمَل، ثمَّ إِنَّ الذِّراع الذي ذكر النَّوَويّ تحديده قد حَرَّرَه غيره بذراع الحديد المستَعمَل الآن في مِصْر والحِجاز في هذه الأعصار، فوَجَدَه يَنقُص عن ذراع الحديد بقَدْر الثُّمُن، فعلى هذا فالمِيل بذراع الحديد على القول المشهور: خمسة آلاف ذِراع ومئتان وخمسون ذِراعاً، وهذه فائدة نفيسة قَلَّ مَن نبَّه عليها. وحكى النَّوَويّ أنَّ أهل الظاهر ذهبوا إلى أنَّ أقلَّ مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنَّهم احتجُّوا في ذلك بما رواه مسلم (٦٩١) وأبو داود (١٢٠١) من حديث أنس قال: كان رسول الله وَّ﴿ إذا خرج مَسِيرة ثلاثة أميال - أو فراسخ - قَصَرَ الصلاة، وهو أصحُ حديث وَرَدَ في بيان ذلك وأصرحه، وقد حَمَلَه مَن خالَفَه على أنَّ المراد به المسافة التي يُبْتَدَأ بها القصر لا غاية السَّفَر، ولا يخفى بعدُ هذا الحمل، مع أنَّ البيهقيَّ ذكر في روايته (١٤٦/٣) من هذا الوجه: أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنساً عن قَصْر الصلاة، وكنت أخرُج إلى الكوفة - يعني: من البصرة - فأُصلِّ ركعتين ركعتين حتَّى أرجِعَ، فقال أنس ... فذكر الحديث، فَظَهَرَ أنَّه سألَه عن جواز القصر في السَّفَرِ، لا عن الموضع الذي يُبْتَدَأ القصر منه. ثمّ إنَّ الصحيح في ذلك أنَّه لا يَتَقَيَّد بمسافةٍ بل بمُجاوَزَة البلد الذي يَخْرُج منها، ورَدَّه القُرطُبيّ بأنَّه مشكوك فيه فلا يُحْتَجُّ به، فإن كان مراده أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة ٢٥٤ باب ٤ / ح ١٠٨٦ - ١٠٨٨ فتح الباري بشرح البخاري أميال فمسلَّم، لكن لا يمتنع أن يُحتَجَّ به(١) في التَّحديد بثلاثة فراسخ، فإنَّ الثلاثة أميال ٥٦٨/٢ مُدرَجة فيها فيُؤْخَذ بالأكثر احتياطاً،/ وقد روى ابن أبي شَيْبة (٤٤٩/٢) عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حَرمَلَة قال: قلت لسعيد بن المسيِّب: أأقصُرُ الصلاة وأُفطِر في بَرِيد من المدينة؟ قال: نَعَم. والله أعلم. تنبيه: اختُلِفَ في معنى الفَرسَخ، فقيل: السُّكون، ذكره ابن سِيدَه، وقيل: السَّعَة، وقيل: المكان الذي لا فُرْجة فيه، وقيل: الشيء الطَّويل. ١٠٨٦ - حدَّثنا إسحاقُ قال: قلتُ لأبي أُسامةَ: حدَّثكُم عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ وَ ◌َّ قال: ((لا تُسافرِ المرأةُ ثلاثةَ أيامٍ إلا مع ذي تَحرَمٍ). [طرفه في: ١٠٨٧] ١٠٨٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا تُسافِرِ المرأةُ ثلاثاً إلا مع ذي تَحَرَمِ)). تابَعَه أحمدُ عن ابنِ المبارَكِ، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ◌َّ. ١٠٨٨ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْب، قال: حدَّثنا سعيدٌ المَقُيُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((لا تَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن تُسافَرَ مَسِيرةَ يومٍ وليلةٍ ليس معها حُرْمٌ)). تابَعَه يحيى بنُ أبي كَثِير وسُهَيلٌ ومالكٌ، عن المَقيُرِيِّ، عن أبي هريرةَ ﴾. قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) قال أبو عليّ الجَيَّانيّ: حيثُ قال البخاري: ((حدَّثنا إسحاق)) فهو إمَّا ابن راهويه، وإمَّا ابن نَصْرِ السَّعدي، وإمَّا ابن منصور الكَوسَج، لأنَّ الثلاثة أخرج عنهم عن أبي أُسامة. قلت: لكن إسحاق هنا هو ابن راهويه، لأنَّه ساقَ هذا الحديث في ((مُسنَده)) بهذه (١) من قوله: ((فإن كان مراده)) إلى هنا سقط من (س). ٢٥٥ باب ٤ / ح ١٠٨٦ - ١٠٨٨ أبواب التقصير الألفاظ سنداً ومَتناً، ومن عادته الإتيان بهذه العبارة دون الأخيرَينِ. قوله: ((حدَّثْكُم ◌ُبيد الله) هو ابن عمر العُمَري، واستدلَّ به على أنَّه لا يُشتَرط في صِحَّة التَّحَمُّل قول الشيخ: ((نَعَم)) في جواب مَن قال له: حدَّثكم فُلان بكذا، وفيه نظر، لأنَّ في ((مُسنَد إسحاق)) في آخره: فأقرَّ به أبو أُسامة وقال: نَعَم. قوله: ((لا تُسافِرِ المرأة ثلاثة أيام)) في رواية مسلم (١٣٣٨) من طريق الضَّحّاك بن عثمان عن نافع: ((مَسِيرة ثلاث لَيالٍ))، والجمع بينهما أنَّ المراد ثلاثة أيام بلياليها أو ثلاث لَيالٍ بأيامها. قوله: ((إلَّا مع ذي تحرَم)) في رواية أبي ذرِّ والأَصِيلِيّ: ((إلَّا معها ذو ◌َرَم))، والمَحرَم بفتح الميم: الحَرَامِ، والمراد به: مَن لا يَحِلُّ له نكاحها. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (١٣٤٠) وأبي داود (١٧٢٦): ((إلَّا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو تَحَرَم منها»، أخرجاه من طريق الأعمش عن أبي صالح عنه. قوله: ((تابَعَه أحمد)) هو ابن محمد المروَزيُّ أحد شيوخ البخاري، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه أحمد ابن حَنبَل، لأنَّه لم يسمع من عبد الله بن المبارك. ونقل الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)) (٥٣/١٣) عن يحيى القَطّان قال: ما أنكَرتُ على عبيد الله بن عمر إلَّا هذا الحديث، ورواه أخوه عبد الله موقوفاً(١). قلت: وعبد الله ضعيف، وقد تابَعَ عُبيدَ الله الضَّحّاكُ كما تقدَّم، فاعتَمَدَه البخاري لذلك. قوله: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِن بالله واليوم الآخِرِ)) مفهومه أنَّ النَّهي المذكور يَخْتَصّ بالمؤمنات، فتَخرُج الكافرات كتابيّة كانت أو حَرْبيَّة، وقد قال به بعض أهل العلم. وأُجيبَ بأنَّ الإيمان هو الذي يَستَمِرّ للمُتَّصِفِ به خطابُ الشَّارِع، فيَنتَفِعِ به وينقادُ له، فلذلك قُيِّدَ به، أو أنَّ الوصف ذُكِرَ لتأكيد التَّحريم ولم يُقصد به إخراج ما سواه، والله أعلم. قوله: ((مَسِيرةَ يوم وليلة ليس معها محُرْمة)) أي: مَحَرَم، واستُدلَّ به على عَدَم جواز السَّفَر للمرأة بلا تَحَرَم، وهو إجماع في غير الحج والعُمْرة والخروج من دار الشِّرك، ومنهم مَن (١) وأخرج قولَ يحيى القطان وروايةَ عبد الله الموقوفة أحمدُ في ((المسند)) (٦٢٩٠). ٢٥٦ باب ٤ / ح ١٠٨٦ - ١٠٨٨ فتح الباري بشرح البخاري جعل ذلك من شرائط الحج كما سيأتي البحث فيه في موضعه إن شاء الله تعالى(١). تنبيه: قال شيخنا ابن الملقِّن تَبَعاً لشيخِه مُغَلْطاي: الهاء في قوله: ((مَسِيرة يوم وليلة)) للمَرَّة الواحدة، والتقدير: أن تُسافر مَرَّة واحدة مخصوصة بيومٍ وليلة. ولا سَلَفَ له في هذا الإعراب، ومَسِيرة إنَّما هي مصدر سارَ، كقوله: سَيراً، مثل: عاشَ مَعِيشة وعَيشاً. قوله: ((تابَعَه يحيى بن أبي كثير وسُهَيل ومالك عن المَقْبُريّ)) يعني: سعيداً ((عن أبي هريرة)) يعني: لم يقولوا: ((عن أبيه)) فعلى هذا فهي مُتَابَعة في المتن لا في الإسناد، على أنَّه قد اختُلِفَ على سُهَيل وعلى مالك فيه، وكأنَّ الرواية التي جَزَمَ بها المصنِّف أرجحُ عنده عنهم، وَرَجَّحَ الدّارَ قُطنيُّ أنَّه عن سعيد عن أبي هريرة، ليس فيه ((عن أبيه)) كما رواه مُعظَم رواة (الموطَّأ)(٢)، لكن الزِّيادة من الثِّقة مقبولة ولا سيَّما إذا كان حافظاً، وقد وافَقَ ابنَ أبي ذِئْب على قوله: ((عن أبيه)) الليثُ بن سعد عند أبي داود (١٧٢٣)، والليث وابن أبي ذِئْب من أثبتِ الناس في سعید. فأمَّا رواية يحيى فأخرجها أحمد (٩٤٤٨) عن الحسن بن موسى عن شَيْبانَ النَّحْويّ عنه، ولم أجِدْ عنه فيه اختلافاً إلّا أنَّ لفظه: ((أن تُسافر يوماً إلَّا مع ذي مَحرَم)) ويُحمَل قوله: ((يوماً)) على أنَّ المراد به اليوم بليلتِهِ، فيوافق رواية ابن أبي ذِئْب. ٥٦٩/٢ وأمَّا رواية سُهَيل فذكر ابن عبد البَرِّ أنَّه اضطَرَبَ في إسنادها ومتنها، وأخرجه ابن خُزَيمةَ (٢٥٢٦) من طريق خالد الواسطيِّ وحَمَّاد بن سَلَمةَ(٣)، وأخرجه أبو داود (١٧٢٥) وابن حِبَّان والحاكم (١/ ٤٤٢) من طريق جَرِير، كلاهما عن سُهَيل بن أبي صالح عن سعيد عن أبي هريرة كما عَلَّقَه البخاري، إلّا أنَّ جَرِيراً قال في روايته: ((بريدا)) بدل: يوماً، (١) انظر: باب حج النساء (١٨٦٠ - ١٨٦٤). (٢) وهو كذلك في رواية يحيى الليثي ٢ / ٩٧٩. (٣) ذَهَلَ الحافظُ في تخريج طريق هذا الحديث، فإن ابن خزيمة لم يخرجه من طريق حماد بن سلمة، وإنما الذي أخرجه من طريقه هو ابن حبان برقم (٢٧٢٧)، وقال فيه: ((بريد)) بدل ((يوم وليلة))، كما أن ابن حبان لم يخرجه من طريق جرير كما ذكر الحافظ رحمه الله. ٢٥٧ باب ٥ أبواب التقصير وقال بشر بن المفضَّل عن سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة؛ أبدَلَ سعيداً بأبي صالح، وخالَفَ في اللَّفظ أيضاً فقال: ((تسافر ثلاثاً)) أخرجه مسلم (٤٢٢/٣٣٩)، ويحتمل أن يكون الحديثان معاً عند سُهَيل، ومن ثَمَّ صَخَّحَ ابن حِبَّان الطريقين عنه (٢٧٢٧/٢٧٢١)، لكن المحفوظ عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد كما تقدَّمت الإشارة إليه. وأمَّا رواية مالك فهي في ((الموطَّأ)) (٩٧٩/٢) كما قال البخاري، وأخرجها مسلم وأبو داود وغيرهما (١)، وهو المشهور عنه. ورواها بِشْر بن عمر الزَّهرانيُّ عنه فقال: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود (١٧٢٤) والِّرمِذيّ (١١٧٠) وأبو عَوَانة وابن خُزَيمةَ (٢٥٢٣) من طريقه، وقال ابن خُزَيمةَ: إِنَّه تَفرَّدَ به عن مالك. وفيه نظرٌ، لأنَّ الدّارَ قُطنيَّ أخرجه في ((الغرائب)) من رواية إسحاق بن محمد الفَرْويّ عن مالك كذلك، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق الوليد بن مسلم عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه قوله: ((عن أبيه))، والله أعلم. ٥- بابٌ يقصر إذا خرج من موضعه وخرج عليٌّ ﴾ فقَصَرَ وهو يَرَى البيوتَ، فلمَّا رَجَعَ قيلَ له: هذه الكُوفةُ، قال: لا، حتَّی نَدخُلَها. قوله: ((بابٌ يَقصُر إذا خرج من موضعه)) يعني: إذا قَصَدَ سفراً تُقَصَر في مثله الصلاة، وهي من المسائل المختلف فيها أيضاً، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ لمن يريد السَّفَر أن يَقْصُر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يَخْرُج منها، واختَلَفُوا فيما قبل الخروج عن البيوت، فذهب الجمهور إلى أنَّه لا بدَّ من مُفارَقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيّينَ إِلى (١) أخرجه أحمد (٧٢٢٢)، ومسلم (١٣٣٩) (٤٢١)، وأبو داود (١٧٢٤)، وابن خزيمة (٢٥٢٥) من طريق مالك عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. وقد وقع في المطبوع من مسلم: سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وهو كذلك في بعض النسخ كما قال المزي في ((تحفة الأشراف)) (١٣٠١٠) حيث ذكر هذا الحديث في ترجمة سعيد عن أبي هريرة، وعزاه إلى مسلم من هذا الطريق، ثم أعاده (١٤٣١٧) في ترجمة سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وعزاه إلى مسلم أيضاً من هذا الطريق. ٢٥٨ باب ٥ / ح ١٠٨٩ - ١٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري أنَّه إذا أراد السَّفَر يُصلِّ ركعتين ولو كان في منزله، ومنهم مَن قال: إذا رَكِبَ قَصَرَ إن شاء. ورَجَّحَ ابن المنذِر الأوَّل بأَّهم اتَّفَقوا على أنَّه يَقصُر إذا فارَقَ البيوت، واختَلَفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمامُ على أصل ما كان عليه حتَّى يَثْبُت أنَّ له القصر، قال: ولا أعلم النبيَّ وَلّ قَصَرَ في شيء من أسفاره إلَّا بعد خروجه عن المدينة. قوله: ((وخرج عليٌّ فقَصَرَ وهو يَرَى البيوت، فلمَّا رَجَعَ قيلَ له: هذه الكوفةُ، قال: لا، حتَّى نَدخُلَها)) وَصَلَه الحاكم(١) من رواية الثَّوريّ عن وِقاءَ بن إياس، وهو بكسر الواو وبعدها قاف ثمَّ مَدَّة، عن عليّ بن ربيعة قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب فقَصَرْنا الصلاة ونحنُ نَرَى البيوت، ثمَّ رَجَعنا فقَصَرْنا الصلاة ونحنُ نَرَى البيوت، وأخرجه البيهقيُّ ٥٧٠/٢ (١٤٦/٣) من / طريق يزيد بن هارون عن وِقاء بن إياس بلفظ: خرجنا مع عليّ مُتوجِّهينَ هاهنا - وأشار بيده إلى الشَّام - فصلَّ ركعتين ركعتين، حتَّى إذا رَجَعْنا ونَظَرنا إلى الكوفة حَضَرَت الصلاة فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الكوفة، أتِمَّ الصلاة. قال: لا، حتَّى نَدخُلها. وفَهِمَ ابن بَطَّال من قوله في التَّعليق: ((لا، حتَّى نَدخُلها)) أنَّه امتَنَعَ من الصلاة حتَّى يدخل الكوفة، قال: لأنَّه لو صلَّى فقَصَرَ ساغ له ذلك، لكنَّه اختار أن يُتِمّ لاتِّساع الوقت. انتهى، وقد تَبيَّنَ من سياق أثر عليٍّ أنَّ الأمر على خلاف ما فهمَه ابن بَطَّل، وأنَّ المراد بقولهم: ((هذه الكوفة)) أي: فأتِمَّ الصلاة، فقال: ((لا، حتَّى نَدخُلها)) أي: لا نَزالُ نَقْصُر حتَّى نَدخُلها، فإنَّا ما لم نَدخُلها في حُكم المسافرين. ١٠٨٩ - حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّدٍ بنِ المُنكَدِرِ وإِبراهيمَ بنِ مَيسَرة، عن أنسٍ ﴾ قال: صَلَّيتُ الظَّهرَ مع النبيِّوَّهِ بِالمدينةِ أربعاً، وبِذِي الحُلَيفةِ رَكْعتَينِ. [أطرافه في: ١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٤٨، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦] ١٠٩٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوة، عن عائشةً (١) أي: في ((المستدرك)) كما قيَّده الشارح في كتابه ((التغليق)) ٤٢١/٢، لكن لم نقف عليه فيه، ولا الشارح نفسه عزاه إليه في كتابه الآخر («إتحاف المهرة))! لكن أخرجه عن الحاكم بإسناده البيهقيُّ في ((السنن)) ١٤٦/٣. ٢٥٩ باب ٥ / ح ١٠٨٩ - ١٠٩٠ أبواب التقصير رضي الله عنها قالت: الصلاةُ أوَّلُ ما فُرِضَت رَكْعَتَينٍ، فَأُقِرَّت صلاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّت صلاةٌ الحَضَرِ. قال الزُّهْريُّ: فقلتُ لعُرْوةَ: ما بالُ عائشةَ تُثِمُّ؟ قال: تَأوَّلَت ما تَأْوَّلَ عثمانُ. قوله في حديث أنس: ((صَلَّيت الظّهر مع النبيّ ◌َّهِ بِالمدينةِ أربعاً وبِذِي الحُلَيفَة رَ كْعتَین)» في رواية الكُشمِيهَنِيِّ: ((والعصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين))، وهي ثابتة في رواية مسلم (٦٩٠)، وكذا في رواية أبي قِلابةَ عن أنس عند المصنِّف في الحج (١٥٤٧ و١٥٤٨ و١٥٥١)، واستُدَّ به على استباحة قصر الصلاة في السَّفَر القصير، لأنَّ بين المدينة وذي الحُلَيفة ستَّة أميال، وتُعُقِّبَ بأنَّ ذا الْحُلَيفة لم تكن مُنتَهى السَّفَر، وإنَّما خرج إليها حيثُ كان قاصداً إلى مكَّة، فاتَّفَقَ نزولُه بها وكانت أوَّل صلاة حَضَرَت بها العصر فقَصَرَها، واستمرَّ يَقصُر إلى أن رَجَع. ومُناسَبة أثر عليٍّ لحديث أنس ثمَّ لحديث عائشة: أنَّ حديث عليّ دالٌّ على أنَّ القصر يُشرَعُ بفِراق الحَضَر، وكَوْنه بَّهِ لم يَقصُر حتَّى رأى ذا الْحُلَيفة، إنَّما هو لكَونِهِ أَوَّلَ منزل نزله ولم يَحِضُر قبله وقتُ صلاة، ويؤيِّده حديث عائشة، ففيه تعليق الحُكْم بالسَّفَرِ والحَضَر، فحيثُ وُجِدَ السَّفَرِ شُرِعَ القصر، وحيثُ وُجِدَ الحَضَرِ شُرِعَ الإتمام. واستدلَّ به على أنَّ مَن أراد السَّفَر لا يَقصُر حتَّى يَبرُز من البلد، خلافاً لمن قال من السَّلَف: يَقصُر ولو في بيته. وفيه حُجَّة على مجاهد في قوله: لا يَقصُر حتَّى يدخل الليلُ. قوله في حديث عائشة: ((الصلاةُ أوَّلُ ما فُرِضَتْ)) في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ: ((الصَّلَوات)) بصيغة الجمع، وأوَّلُ بالرَّفع على أنَّه بدل من الصلاة، أو مُبتَدَأ ثانٍ، ويجوز النصب على أنَّه ظرف، أي: في أوَّل. قوله: ((رَكْعتَين)) في رواية كَرِيمة: ركعتين ركعتين. قوله: ((فأُقِرَّت صلاة السَّفَر)) تقدَّم الكلام عليه في أوَّل الصلاة (٣٥٠)، واستدلَّ بقوله: (فُرِضَت ركعتين)) على أنَّ صلاة المسافر لا تجوز إلَّا مقصورة، ورُدَّ بأنَّه مُعارض بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ﴾ [النساء: ١٠١]، ولأنَّه دالٌّ على أنَّ الأصل الإتمام، ٢٦٠ باب ٥ / ح ١٠٨٩ - ١٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ومنهم مَن حَمَلَ قولَ عائشة: ((فُرِضَت)) أي: قُدِّرَت، وقال الطَّبَريُّ: معناه: أنَّ المسافر إذا اختار القصر فهو فرضُه، ومن أدَلِّ دليل على تَعُّن تأويل حديث عائشة هذا كَونُها كانت تُتِمّ في السَّفَرِ، ولذلك أورَدَه الزُّهْرِيُّ عن عُرْوة. قوله: ((تَأوَّلَت ما تَأوَّلَ عثمانُ)) هذا فيه ردٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ عثمان إنَّما أتمَّ لكَونِهِ تأهَّلَ بمكَّة، أو لأنَّه أمير المؤمنين وكلُّ موضع له دار، أو لأنَّه عَزَمَ على الإقامة بمكَّة، أو لأنَّه استَجَدَّ له أرضاً مِنَّى، أو لأنَّه كان يَسبِقِ الناس إلى مكَّة، لأنَّ جميع ذلك مُنتَفٍ في حَقّ عائشة، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممّن قالها، ويَرُدّ الأوَّل: أنَّ النبيّ ◌َ ل﴿ كان يسافر بزوجاته ويَقصُّر، والثاني: أنَّ النبيّ وَّهِ كان أولى بذلك، والثالث: أنَّ الإقامة بمكَّة على المهاجرين حرام كما سيأتي تقريره في الكلام على حديث العلاء بن الحضرميّ في كتاب المغازي (٣٩٣٣)، والرابع والخامس: لم يُنقَلا فلا يكفي التَّخَرُّص في ذلك، والأوَّل وإن كان نُقِلَ وأخرجه أحمد (٤٤٣) والبيهقيُّ(١) من حديث عثمان، وأنَّه لمَّا صلَّى بمِنَّى أربع رَكَعات أنكَرَ الناس عليه فقال: إنِّ تأهَّلت بمكّة لمَّا قَدِمتُ، وإنِّي سمعت رسول الله وَله يقول: ((مَن تأهَّلَ ببلدٍ فإنَّه يُصلِّي صلاة مُقِيم)»، فهذا الحديث لا يَصِحّ لأَنَّه مُنقطِعٍ، وفي رواته مَن لا يُحْتَجّ به، ويَرُدّه قول عُرْوة: إنَّ عائشة تأوَّلَت ما تأوَّلَ عثمان، ولا جائز أن تَتأهَّل عائشةُ أصلاً، فدلَّ على وَهْنٍ ذلك الخبر. ٥٧١/٢ ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه يُمكِن أن يكون مرادُ عُزوة بقوله: ((کما تأوَّلَ عثمان» التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل لا اتّحادَ تأويلهما، ويُقوِّيه أنَّ الأسباب اختَلَفَت في تأويل عثمان فتكاثَرَت، بخلاف تأويل عائشة. وقد أخرج ابن جَرِير في تفسير سورة النِّساء (٢٤٥/٥): أنَّ عائشة كانت تُصلِّي في السَّفَر أربعاً، فإذا احتجُّوا عليها تقول: إنَّ النبيّ ◌َێے کان في حرب و کان یخاف، فهل تخافون أنتُم؟ وقد قيل في تأويل عائشة: إنَّما أتمَت في سفرها إلى البصرة إلى قتال عليّ (١) لم نقف عليه مسنداً متصلاً عند البيهقي، ورواه معلَّقاً في كتابه ((معرفة السنن والآثار)» (٦٠٩٩).