Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
باب ٤/ ح ١٠١١-١٠١٢
كتاب الاستسقاء
(١٢٦٨) وابن خُزَيمةَ (١٤٢٢) من هذا الوجه: ((والشِّمال على اليمين))، والمسعوديّ ليس
من شرط الكتاب وإنَّما ذكر زيادته استطراداً، وسيأتي بيان كَوْن زيادته موصولة أو مُعلَّقة
في الباب المذكور إن شاء الله تعالى.
وله شاهد أخرجه أبو داود (١١٦٣) من طريق الزُّبَيديّ، عن الزُّهْريّ، عن عبَّاد بلفظ:
فجعلَ عِطافَه الأيمن على عاتقه الأيسَر، وعِطافَه الأيسر على عاتقه الأيمن، وله (١١٦٤)
من طريق عُمارة بن غَزِيَّةَ عن عبَّاد: استَسقَى وعليه خَمِيصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفَلِها
فيجعله أعلاها، فلمَّا ثَقُلَت عليه قَلَبَها على عاتقه. وقد استَحَبَّ الشافعيّ في الجديد فعل ما
هَمَّ به ◌َّه من تنكيس الرِّداء مع التَّحويل الموصوف.
وزَعَمَ القُرطبيّ كغيره أنَّ الشافعيّ اختار في الجديد تنكيسَ الرِّداء لا تحويلَه، والذي في
((الأُمّ)) ما ذكرتُه، والجمهور على استحباب التَّحويل فقط، ولا ريبَ أنَّ الذي استَحَبَّه
الشافعيُّ أحوَطُ، وعن أبي حنيفة وبعض المالكيَّة: لا يُستَحَبّ شيء من ذلك.
واستَحَبَّ الجمهور أيضاً أن يُحوِّل الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد
(١٦٤٦٥) من طريق أُخرى عن عبَّاد في هذا الحديث بلفظ: ((وحَوَّلَ الناس معه))، وقال
الليث وأبو يوسف: يُحِوِّل الإمام وحدَه، واستثنى ابن الماحِشُونِ النِّساء، فقال: لا يُستَحَبّ
في حقّهنَّ.
ثمَّ إِنَّ ظاهر قوله: ((فقَلَبَ رِداءَه)) أنَّ التَّحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، وليس كذلك،
بل المعنى: فقَلَبَ رِداءَه في أثناء الاستسقاء، وقد بيَّنْه مالك في روايته المذكورة ولفظه: حَوَّلَ
رِداءَه حين استَقْبَلَ القِبْلة(١)، ولمسلم (٣/٨٩٤) من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن
محمد: وأنَّه لمَّا أراد أن يدعوَ استَقْبَلَ القِبْلة وحَوَّلَ رِداءَه. وأصله للمصنّف كما سيأتي بعد
أبواب (١٠٢٨)، وله (١٠٢٣) من رواية الزّهْريِّ عن عبَّاد: فقامَ فدعا الله قائماً، ثمَّ تَوجَّهَ قِبَل
القِبْلة وحَوَّلَ رِداءَه؛/ فعُرِفَ بذلك أنَّ التَّحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدُّعاء.
(١) وهي عند مسلم برقم (٨٩٤)(١).
٤٩٩/٢

١٢٢
باب ٤/ ح ١٠١١- ١٠١٢
فتح الباري بشرح البخاري
واختُلِفَ في حكمة هذا التَّحويل: فجَزَمَ المهلَّب بأنَّه للتَّفاؤُل بتحويل الحال عمَّا هي
عليه، وتَعقَّبَه ابن العربيّ بأنَّ من شرط الفَأل أن لا يُقصَد إليه، قال: وإنَّما التَّحويل أمَارة
بينه وبين ربِّه، قيل له: حَوِّ رِداءَك ليتحوَّل حالك. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي جَزَمَ به يحتاج إلى
نقل، والذي رَدَّه وَرَدَ فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الدَّارَقُطْنيُّ (١٧٩٨) والحاكم
(٣٢٦/١) من طريق جعفر بن محمد بن عليّ عن أبيه عن جابر، ورَجَّحَ الدَّارَ قُطنيُّ إرساله.
وعلى كلّ حال فهو أولى من القول بالظنّ. وقال بعضهم: إنَّما حَوَّلَ رِداءَه ليكون أثبتَ على
عاتقه عند رفع يديه في الدُّعاء فلا يكون سُنَّة في كلّ حال. وأُجيبَ بأنَّ التَّحويل من جهة
إلى جهة لا يقتضى الثَّبوت على العاتق، فالحمْل على المعنى الأوَّل أَولى، فإنَّ الاتِّباع أولى من
تركه لمجرَّدِ احتمال الخصوص، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)): هو ابن عُيَينَةَ.
قوله: ((قال عبد الله بن أبي بكر)) أي: قال: قال عبدُ الله بن أبي بكر، ويجوز أن يكون ابن
عُيَيْنَةَ حَذَفَ الصِّيغة مَرَّة، وجَرَتْ عادتهم بحذف إحداهما من الخط، وفي حذفها من اللَّفظ
بحث. ووقع عند الحَمِّوِيِّ والمُستَمْلي بلفظ: ((عن عبد الله))، وصَرَّحَ ابن خُزيمةَ
(١٤٠٦ و١٤١٤) في روايته بتحديث عبد الله به لابن عُيَينَ.
قوله: ((أَنَّه سَمِعَ عبَّاد بن تميم يُحدِّث أباه)) الضَّمير في قوله: ((أباه)) يعود على عبد الله بن أبي
بكر لا على عبَّاد، وضَبَطَه الكِرْمانيُّ بضمِّ الهمزة وراءٍ بدل الموحَّدة، أي: أظنّه، ولم أرَ ذلك في
شيء من الروايات التي اَّصَلَت لنا، ومُقتَضاه أنَّ الراوي لم يَجِزِم بأنَّ رواية عبَّاد له عن عمِّه.
ووقع في بعض النُّسَخ من ابن ماجه: عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبّاد بن تميم، عن أبيه، عن
عبد الله بن زيد، وقوله: ((عن أبيه)) زيادة وهي وهمٌّ، والصواب ما وقع في النُّسَخ المعتمَدة من
ابن ماجه (١٢٦٧م) عن محمد بن الصَّباح، وكذا لابن خُزَيمةَ (١٤٠٦ و١٤١٤) عن عبد الجبّار
ابن العلاء، كلاهما عن سفيان قال: حدَّثنا المسعوديّ ويحيى - هو ابن سعيد - عن أبي بكر؛
أي: ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، قال سفيان: فقلتُ لعبد الله - أي: ابن أبي بكر -: حديثٌ

١٢٣
باب ٤/ ح ١٠١١- ١٠١٢
كتاب الاستسقاء
حدَّثَناه يحيى والمسعوديُّ عن أبيك عن عبَّاد بن تميم، فقال عبدُ الله بن أبي بكر: سمعتُه أنا من
عبَّاد يُحدِّث أَبي عن عبد الله بن زيد(١) ... فذكر الحديث.
قوله: ((خرج إلى المصلّى فاستَشْقَى)) في رواية الزُّهْريِّ المذكورة: فخرج بالناس
يستسقي (٢)، ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا صفته
وَلّ حال الذَّهاب إلى المصلّ ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي
داود (١١٧٣) وابن حِبَّان (٩٩١) قالت: شَكَا الناسُ إلى رسول الله وَّةٍ فَحْطَ المطر، فأمر
بِمِنْبِرٍ فُوُضِعَ له بالمصلَّى، ووَعَدَ الناسَ يوماً يَخِرُجون فيه، فخرج حين بَدَا حاجب الشمس
فقَعَدَ على المنبر ... الحديث. وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد وأصحاب السُّنَن: خرج
النبيُّ وَِّ مُتبذٍّلاً متواضعاً مُتضرِّعاً حتَّى أتى المصلَّى فَرَقِيَ المنبر(٣)، وفي حديث أبي الدَّرداء
عند البَزَّار (٤١٠٢) والطَّبرانيِّ(٤): قَحَطَ المطرُ، فسألْنا نبيَّ الله ◌َّهِ أن يستسقيَ لنا، فغَدَا
نبيُّ الله ښلر ... الحديث.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنَّه لا وقت لها مُعيَّن، وإن كان
أكثر أحكامها كالعيد، لكنَّها تخالفه بأنَّها لا تَخْتَصّ بيومٍ مُعيَّن، وهل تُصنَع بالليل؟ استَنْبَطَ
بعضهم من كَوْنه وََّ جَهَرَ بالقراءة فيها بالنهار أنَّها نهاريَّة كالعيد، وإلَّا فلو كانت تُصلَّى
بالليل لَأسَرَّ فيها بالنهار وجَهَرَ بالليل كمُطلَق النَّوافل. ونقل ابن قُدامةَ الإجماع على أنَّها لا
تُصلَّى في وقت الكراهة، وأفاد ابن حِبَّن: أنَّ خروجه وَ لَه إلى المصلَّى للاستسقاء كان في
شهر رمضان سنة ستٍّ من الهجرة.
قوله: ((فاستَقْبلَ القِبْلة وحَوَّلَ ڕِداءه)) تقدَّم ما فيه قريباً.
(١) زاد في (س): بن أبي بكر، وهو خطأ، وسياق الإسناد هذا من عند ابن خزيمة.
(٢) ستأتي برقم (١٠٢٣).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، وابن ماجه (١٢٦٦)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي
(١٥٠٨).
(٤) وهو عنده أيضاً في ((مسند الشاميين)) (١١٠٢).

١٢٤
باب ٤/ ح ١٠١١- ١٠١٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وصَلَّى رَكْعتَين)) في رواية يحيى بن سعيد المذكورة عند ابن خُزَيمةَ (١٤٠٦
و١٤٠٧): ((وصلَّى بالناس ركعتين)) وفي رواية الزّهْريِّ الآتية (١٠٢٥) في ((باب كيف حَوَّلَ
٥٠٠/٢ ظَهْره)»: ((ثمَّ صلَّى لنا ركعتين)) واستدلَّ به على أنَّ الخطبة / في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو
مُقْتَضى حديث عائشة وابن عبَّاس المذكورين، لكن وقع عند أحمد (١٦٤٦٦) في حديث
عبد الله بن زيد التصريحُ بأنَّه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن
ماجَهْ (١٢٦٨) حيثُ قال: ((فصلَّى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة))، والمرجَّح عند الشافعيّة
والمالكيَّة الثاني، وعن أحمد روايةٌ كذلك، وروايةٌ: يُخِيَّر، ولم يقع في شيء من طرق حديث
عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها.
وقد أخرج الدَّارَ قُطنيُّ (١٨٠٠) من حديث ابن عبّاس: أنَّه يُكبِّر فيهما سبعاً وخمساً
كالعيد، وأنَّه يقرأ فيهما بـ((سَبِّح)) و((هل أتاكَ))، وفي إسناده مقال، لكن أصله في السُّنَن
بلفظ: ((ثمَّ صلَّى ركعتين كما يُصلِّي في العيد))(١)، فأخذَ بظاهره الشافعيّ، فقال: يُكبِّر فيهما.
ونقل الفاكهيُّ شيخ شيوخنا عن الشافعيّ استحباب التكبير حال الخروج إليها كما في
العيد، وهو غلط منه عليه، ويُمكِن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنَّهِ وَ لَ﴿ بدأ
بالدُّعاء ثمَّ صلَّى ركعتين ثمَّ خَطَب، فاقتَصَرَ بعض الرُّواة على شيء وبعضهم على شيء،
وعَبَّرَ بعضهم عن الدُّعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف. وأمَّا قول ابن بَطَّال: إنَّ رواية
أبي بكر بن محمد دالَّة على تقديم الصلاة على الخطبة وهو أضبَطُ من ولَدَيه عبد الله ومحمد،
فليس ذلك بالبيِّنِ من سياق البخاري ولا مسلم، والله أعلم.
وقال القُرطبيّ: يَعتَضِد القولُ بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتِها بالعيد، وكذا ما
تَقرَّرَ من تقديم الصلاة أمام الحاجة. وقد تَرجَمَ المصنّف لهذا الحديث أيضاً (١٠٢٣)
(الدُّعاء في الاستسقاء قائماً)) و((استقبال القِبْلة فيه)) (١٠٢٨)، وحَلَه ابن العربيّ على حال
الصلاة ثمَّ قال: يحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بدُعاء الاستسقاء. ولا يخفى ما فيه، وقد
تَرجَمَ له المصنِّ في الدَّعَوات (٦٣٤٣) بالدُّعاء مُستَقبِل القِبلة من غير قيدٍ بالاستسقاء،
(١) سلف تخريج حديث ابن عباس عند أحمد وأصحاب ((السنن)) قريباً قبل أسطر، وهو حديث حسن.

١٢٥
باب ٤/ ح ١٠١١- ١٠١٢
كتاب الاستسقاء
وكأنَّه الحَقَه به، لأنَّ الأصل عَدَم الاختصاص، وتَرجَمَ أيضاً لكَوْنها ركعتين (١٠٢٦)،
وهو إجماع عند مَن قال بها، ولكَوْنها في المصلَّى (١٠٢٧)، وقد استثنى الخَفَّاف من الشافعيَّة
مسجد مكَّة كالعيد، وبالجهرِ بالقراءة في الاستسقاء (١٠٢٤)، وبتحويل الظّهر إلى الناس
عند الدُّعاء (١٠٢٥)، وهو من لازم استقبال القِبْلة.
قوله: ((قال أبو عبد الله)): هو المصنّف.
وقوله: ((كان ابن عُيَينَةَ ... )) إلى آخره، يحتمل أن يكون تعليقاً، ويحتمل أن يكون سمع
ذلك من شيخه عليّ بن عبد الله المذكور، ويُرجِّح الثاني أنَّ الإسماعيليّ أخرجه عن جعفر
الفِريابيّ عن عليّ بن عبد الله بهذا الإسناد، فقال: عن عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ النِّداء،
وكذا أخرجه النَّسائيُّ (١٥٠٥) عن محمد بن منصور عن سفيان، وتَعقَّبَه بأنَّ ابن عُيَينةً
غَلِطَ فیه.
قوله: «لأنَّ هذا) يعني: راوي حديث الاستسقاء «عبد الله)) أي: هو عبد الله (بن زید
ابن عاصم))، فالتقدير: لأنَّ هذا - أي: عبد الله بن زيد - هو عبد الله بن زيد بن عاصم.
قوله: ((مازن الأنصار)) احتراز عن مازن تميم، وهو مازن بن مالك بن عَمْرو بن تميم، أو
مازن قيس، وهو مازن بن منصور بن الحارث بن خَصَفة - بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة مفتوحتین -
ابن قيس بن عَيْلان، ومازن بن صَعصَعة بن معاوية بن بكر بن ھَوازن، ومازن ضَبَّة: وهو
مازن بن كعب بن رَبِيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضَبَّة، ومازن شَيْيان: وهو مازن بن ذُهْل بن
ثعلبة بن شَيْبانَ وغيرهم.
قال الرُّشَاطيّ: مازن في القبائل كثير، والمازن في اللُّغة: بيض الثَّمل، وقد حَذَفَ
البخاري مُقابِلَه والتقدير: وذاكَ، أي: عبد الله بن زيد رائي الأذان: عبد الله بن زيد بن
عبد ربّه، وقد اتَّفَقا في الاسم واسم الأب والنِّسبة إلى الأنصاريّ ثمَّ إلى الخَزْرَج والصُحبة
والرواية، وافتَرَقا في الجدِّ والبطن الذي من الخَزْرَج، لأنَّ حفيد عاصم من مازن وحفيد
عبد ربّه من بَلْحارث بن الخَزْرَج، والله أعلم.

١٢٦
باب ٥-٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
٥٠١/٢
٥- باب انتقام الربِّ عزَّ وجلَّ من خلقه بالقحط
إذا انتُهكت محارمُه
قوله: (باب انتقام الرب عز وجل من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارمه)) هكذا وقعت
هذه الترجمة في رواية الحقُّوِيِّ وحده خاليةً من حديث ومن أثر، قال ابن رُشَيْد: كأنها في
رُقْعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليُدخِلَ تحتها حديثاً، وأَليَقُ شيء بها حديثُ
عبد الله بن مسعود - يعني: المذكور في ثاني باب من الاستقاء - وأخَّر ذلك ليقعَ له التغييرُ
في بعض سنده كما جَرَتْ به عادته غالباً، فعاقَهُ عن ذلك عائقٌ، والله أعلم.
٦- باب الاستسقاء في المسجد الجامع
١٠١٣ - حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا أبو ضَمْرةَ أنسُ بنُ عِياضٍ، قال: حدَّثنا شَرِيكُ بنُ
عبدِ الله بنِ أبي نَمِرٍ، أَنَّه سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يَذْكُر: أنَّ رجلاً دخل يومَ الجمعةِ من بابٍ كان
وِجاهَ المِنْبر ورسولُ اللهِ وَّه قائمٌ يَخْطُبُ، فاستَقْبَلَ رسول الله وَِّ قائماً، فقال: يا رسولَ الله،
هَلَكَتِ الأموالُ وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادعُ الله يُغِيثُنا، قال: فَرَفَعَ رسول الله وَّر يديه فقال:
((اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا، اللهمَّ اسقِنا» قال أنس: ولا والله ما نَرَى في السماءِ من سحابٍ ولا
قَزَعةٍ ولا شيئاً، وما بيننا وبين سَلْعِ من بيتٍ ولا دارٍ، قال: فطَلَعَت من وَرائِهِ سحابةٌ مِثلُ
التُّرْسِ، فلمَّا تَوَسَّطَتِ السماءَ انتَشَرَت، ثمَّ أمطَرَت، قال: والله ما رأينا الشمسَ سَبْتاً.
ثمَّ دخلَ رجلٌ من ذلك البابِ في الجمعةِ المُقبِلِةِ ورسولُ اللهِ وَِّ قائمٌ تَخْطُبُ، فاستَقْبَلَه
قائماً، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ الأموالُ وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ الله يُمسِكُها، قال: فَرَفَعَ
رسولُ اللهِ وَّ يديهِ، ثمَّ قال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا، اللهمَّ على الإحَامِ والجبالِ والظَّرَابِ،
والأوديةِ ومَنابتِ الشجرِ» قال: فانقَطَعَت وخَرَجْنا نَمْشي في الشمسِ.
قال شريكٌ: فسألتُ أنساً: أهو الرجلُ الأوَّل؟ قال: لا أدري.
قوله: ((باب الاستسقاء في المسجد الجامع)) أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ الخروج إلى المصلَّى
ليس بشرطٍ في الاستسقاء، لأنَّ الملحوظ في الخروج المبالغةُ في اجتماع الناس، وذلك

١٢٧
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
حاصل في المسجد الأعظم بناء على المعهود في ذلك الزمان من عَدَم تعدَّد الجوامع،
بخلاف ما حَدَثَ في هذه الأعصار في بلاد مِصر والشَّام، والله المستعان.
وقد تَرجَمَ له المصنِّف بعد ذلك: ((مَن اكتَفَى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء))
(١٠١٦)، وتَرجَمَ له أيضاً: ((الاستسقاء في خطبة الجمعة)) (١٠١٤) فأشار بذلك إلى أنَّه إن
اَنَّفَقَ وقوع ذلك يوم الجمعة اندرَجَت خطبةُ الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، ومَدَار الطّرق
الثلاثة على شَرِيك: فالأولى عن أبي ضَمْرة، والثانية عن مالك، والثالثة عن إسماعيل بن
جعفر، ثلاثتهم عن شَرِيك. وأخرجه أيضاً من طرق أُخرى عن أنس سنشيرُ إليها عند
النَّقل لزوائدها إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((أنَّ رجلاً)) لم أقف على تسميته في حديث أنس، وروى الإمام أحمد (١٨٠٦٤)
من حديث كعب بن مُرَّة ما يُمكِن أن يُفسِّر هذا المُبھم بأنَّه کعب المذکور، وسأذكرُ بعض
سياقه بعد قليل، وروى البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (١٤٣/٦ - ١٤٤) من طريق مُرسَلة ما يُمكِن
أن يُفسّر بأنَّه خارجة بن حِصْن بن حُذَيفة بن بدر الفَزَاريُّ، ولكن رواه ابن ماجَهْ (١٢٦٩)
من طريق شُرَحبيل بن السِّمطِ: أنَّه قال لكعب بن مُرَّة: يا كعب حَدِّثنا عن رسول الله وَل
واحذَرْ، قال: جاء رجل إلى رسول الله وَّ﴿ فقال: يا رسول الله، استَسقِ الله/ عزَّ وجلّ، ٥٠٢/٢
فرفع يديه فقال: ((اللهمَّ اسِقِنا)) الحديث، ففي هذا أَّه غير كعب، وسيأتي بعد أبواب
(١٠٢٠) في هذه القصَّة: «فأتاه أبو سفيان))، ومِن ثَمَّ زَعَمَ بعضهم أنَّه أبو سفيان بن حَرْب،
وهو وهمٌّ، لأنَّه جاء في واقعة أُخرى كما سنوضحُه إن شاء الله تعالى في ((باب إذا استَشفَعَ
المشركون بالمسلمين)) (١٠٢٠)، وقد تقدَّم في الجمعة (٩٣٣) من رواية إسحاق بن أبي
طلحة عن أنس: أصاب الناسَ سَنَةٌ - أي: جَدْب - على عهد رسول الله وَّته، فبينا
رسول الله وَل﴿ يَخْطُب يوم الجمعة قامَ أعرابيّ، وسيأتي (١٠٢٩) من رواية يحيى بن سعيد
عن أنس: أتى رجل أعرابيّ من أهل البَدْو.
وأمَّا قوله في رواية ثابت الآتية (١٠٢١) في ((باب الدُّعاء إذا كثُر المطر)) عن أنس: ((فقامَ
(١) انظر أطراف هذا الحديث عند الطريق السالفة برقم (٩٣٢).

١٢٨
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
الناس فصاحوا)) فلا يعارضُ ذلك، لأنَّه يحتمل أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنَّه
نَسَبَ ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النبيّ يَّ لهم، وقد
وقع في رواية ثابت أيضاً عند أحمد (١٣٠١٦): ((إذ قال بعضُ أهل المسجد))، وهي تُرجِّح
الاحتمال الأوَّل.
قوله: ((من بابٍ كان وِجاهَ المِبَرَ)) بكسر واو ((وِجَاه)) ويجوز ضمُّها، أي: مُواجِهَه، ووقع
في ((شرح ابن التِّين)) أنَّ معناه: مستدبر القِبْلة، وهو وهمٌّ، وكأنَّه ظَنَّ أنَّ الباب المذكور كان
مقابل ظَهْر المنبر، وليس الأمر كذلك.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر: من بابٍ كان نحو دار القضاء(١)، وفَسَّرَ بعضهم
دار القضاء بأنَّهَا دار الإمارة، وليس كذلك وإنَّما هي دار عمر بن الخَطَّاب، وسُمِّيَت دار
القضاء، لأنَّهَا بِيعَت في قضاء دَيْنه، فكان يقال لها: دار قضاء دَين عمر، ثمَّ طالَ ذلك فقيل
لها: دار القضاء، ذكره الزُّبَير بن بكّار بسنده إلى ابن عمر، وذكر عمر بن شَبَّة في ((أخبار
المدينة)) عن أبي غسَّان المدنيّ: سمعت ابن أبي فُدَيك عن عمِّه: كانت دار القضاء لعمر،
فأمر عبدَ الله وحفصةً أن يبيعاها عند وفاته في دَينٍ كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت
تُسمَّى دار القضاء، قال ابن أبي فُدَيك: سمعت عَمّي يقول: إن كانت لَتُسمَّى دار قضاء
الدَّين، قال: وأخبرني عَمّي: أنَّ الخَوْخَة الشَّارعة في دار القضاء غَربيّ المسجد هي خَوخَة
أبي بكر الصِّدّيق التي قال رسول الله وَّ: (لا يبقى في المسجد خَوْخَة إلَّا خَوْخة أبي
بكر)) (٢)، وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلّها شُبْهة من قال: إنَّها دار
الإمارة، فلا يكون غلطاً كما قال صاحب ((المطالع)) وغيره.
وجاء في تسميتها دارَ القضاء قولٌ آخر رواه عمر بن شَبَّة في «أخبار المدينة)) (٢٣٣/١)
عن أبي غسّان المدنيّ أيضاً، عن عبد العزيز بن عِمْران(٣)، عن راشد بن حفص، عن أُمّ
(١) وهي الرواية الآتية برقم (١٠١٤).
(٢) سلف برقم (٤٦٧).
(٣) تحرف في المطبوع من ((أخبار المدينة) إلى: عبد العزيز بن مروان، فزاد محققُه الطينَ بِلَّةً فعرّفه بأنه والد =

١٢٩
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
الحَكَم بنت عبد الله، عن عَمَّتها سَهْلة بنت عاصم قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن
ابن عَوْف، وإنَّما سُمِّيَت دارَ القضاء لأنَّ عبد الرحمن بن عَوْف اعْتَزَلَ فيها لياليَ الشُّورَى
حتَّى قُضِيَ الأمر فيها فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان. قال عبد العزيز:
فكانت فيها الدَّواوين وبيت المال، ثمَّ صَيَّرَها السَّفّاحِ رَحَبةً للمسجد.
وزاد أحمد (١٣٠١٦) في رواية ثابت عن أنس: ((إنِّي لقائمٌ عند المنبر)) فأفاد بذلك قوَّة
ضبطه للقصَّة لقُربِه، ومن ثَمَّ لم يَرِدْ هذا الحديث بهذا السياق كلّه إلَّا من روايته.
قوله: ((قائم يَخْطُب)) زاد في رواية قَتَادة في الأدب (٦٠٩٣): بالمدينة.
قوله: ((فقال: يا رسول الله)) هذا يدلّ على أنَّ السائل كان مسلماً فانتَفَى أن يكون أبا
سفیان، فإنَّه حین سؤاله لذلك کان لم يُسلِم كما سيأتي في حديث عبد الله بن مسعود قريباً
(١٠٢٠).
قوله: ((هَلَكَت الأموال)) في رواية كَرِيمة وأبي ذرِّ جميعاً عن الكُشمِيهَنيِّ: ((المواشي) وهو
المراد بالأموال هنا لا الصَّامت، وقد تقدَّم في كتاب الجمعة (٩٣٢) بلفظ: ((هَلَكَ الكُرَاعِ))
وهو بضمِّ الكاف يُطلَق على الخيل وغيرها، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية (١٠٢٩):
((هَلَكَت الماشية، هَلَكَ الْعِيَال، هَلَكَ الناس)) وهو من ذِكْر العامّ بعد الخاص، والمراد
بهلاكهم: عَدَمُ وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحَبْس المطر.
قوله: ((وانقَطَعَت السُّبُل)) في رواية الأَصِيلِيِّ: ((وتَقَطَّعَت)) بمُثنَّاةٍ وتشديد الطاء، والمراد
بذلك: أنَّ الإبل ضَعُفَت / لِقِلَّة القُوت عن السَّفَر، أو لكَوْنها لا تَجِد في طريقها من الكَلَأَ ما ٥٠٣/٢
يقيم أَوَدَها، وقيل: المراد نَفَاد ما عند الناس من الطَّعام أو قِلَّته، فلا يَجِدون ما يَحمِلونه
تَجلِبونه(١) إلى الأسواق.
= عمر بن عبد العزيز الخليفة! مع أنَّ آخر الخبر الذي ساقه ابنُ شبَّة عنه يبيِّن أنه كان في العهد العباسي بعد
زمن أبي العباس السَّفّاح، فأين عبد العزيز المَرْواني من هذا، وعبد العزيز بن عمران هذا زُهْريٌّ یرجع
نسبه إلى عبد الرحمن بن عوف ، مات سنة ١٩٧ هـ، وله ترجمة في ((تهذيب الكمال)) وفروعه.
(١) في (ع): ما يجلبونه وما يحملونه.

١٣٠
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في رواية قَتَادة الآتية (١٠١٥) عن أنس: ((قَحَطَ المطر)) أي: قَلَّ، وهو بفتح
القاف والحاء، وحُكيَ بضمٍّ ثمَّ كسر، وزاد في رواية ثابت الآتية عن أنس: ((واحمرَّت
الشجر)) واحمرارها كناية عن يُبْس ورقها لعَدَم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشجر
أعواداً بغير ورق. ووقع لأحمد (١٣٧٤٣) في رواية قَتَادة: ((وأمحَلَت الأرض))، وهذه
الألفاظ يحتمل أن يكون الرجل قالها كلّها، ويحتمل أن يكون بعض الرّواة روى شيئاً ممّاً
قاله بالمعنى لأنَّها متقاربة، فلا تكون غلطاً كما قال صاحب ((المطالع)) وغيره.
قوله: ((فادعُ الله يُغيثُنا)) أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرٍّ: ((أن يُغيشَنَا»، وفي
رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكُشمِيهَنيّ: ((يُغِثْنا)) بالجزم، ويجوز الضم(١) في («يُغيثنا))
على أنَّه من الإغاثة، وبالفتح على أنَّه من الغَيْث، ويُرجِّح الأوَّل قوله في رواية إسماعيل بن
جعفر: ((فقال: اللهمَّ أغثنا)). ووقع في رواية قَتَادة (١٠١٥): «فادعُ الله أن يَسقينا»، وله في
الأدب (٦٠٩٣): ((فاستَسِقِ رَبّك)) قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون: ((اللهمَّ
أغِثنا)) وجائز أن يكون من الغَوث أو من الغَيث، والمعروف في كلام العرب: غِثْنا، لأنَّه
من الغوث، وقال ابن القَطّاعِ: غاثَ اللهُ عبادَه غَيْئاً وغِياثاً: سقاهم المطر، وأغاثَهم: أجاب
دعاءَهم، ويقال: غاثَ وأغاثَ بمعنَى، والرُّباعيّ أعلى. وقال ابن دُرَيد: الأصل: غائَه الله
يَغُوثه غَوثاً فأُغيث، واستُعمِلَ: أغاثَه، ومَن فتح أوَّله فمن الغيث، ويحتمل أن يكون معنى
أغِثنا: أعطِنا غَوثاً وغَيئاً.
قوله: ((فَرَفَعَ يديه)) زاد النَّسائيُّ في رواية سعيد عن يحيى بن سعيد: ورفع الناسُ أيديهم
مع رسول الله وَّ يدعون(٢)، وزاد في رواية شَرِيك (١٥١٥): «حِذاءَ وجهه))، ولابن خُزيمةَ
(١٧٨٩) من رواية حُميدٍ عن أنس: ((حتَّى رأيت بياض إبطَيهِ))، وتقدَّم في الجمعة (٩٣٢)
بلفظ: ((فمَدَّ يديه ودعا»، زاد في رواية قَتَادة في الأدب (٦٠٩٣): «فنظرَ إلى السماء)).
(١) أي: في الياء الأولى.
(٢) هذه الزيادة عند المصنف برقم (١٠٢٩) من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس، وليست
عند النسائي، وسيكرّر الحافظ الإشارة إليها في آخر المبحث، وعزاها إلى البخاري على الصواب.

١٣١
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
قوله: ((فقال: اللهمَّ اسقِنا)) أعاده ثلاثاً في هذه الرواية، ووقع في رواية ثابت الآتية
(١٠٢١) عن أنس: ((اللهمَّ اسِقِنا» مرَّتين، والأخذ بالزِّيادة أولى، ويُرجِّحها ما تقدَّم في
العلم: أنَّه ◌َّ كان إذا دعا دعا ثلاثاً(١).
قوله: ((ولا والله)) كذا للأكثر بالواو، ولأبي ذرِّ بالفاء، وفي رواية ثابت المذكورة: وايمُ الله.
قوله: ((من سَحَاب)) أي: مُتَمِع ((ولا قَزَعة)) بفتح القاف والزّاي بعدها مُهمَلة، أي:
سحاب متفرِّق، قال ابن سِيدَهْ: القَزَع: قِطَع من السَّحاب رِقاق، زاد أبو عُبيد: وأكثر ما
يجيء في الخريف.
قوله: ((ولا شيئاً) بالنصب عطفاً على موضع الجارِّ والمجرور، أي: ما نَرَى شيئاً،
والمراد: نفي علامات المطر من ربح وغيره.
قوله: ((وما بيننا وبين سَلْع)) بفتح المهمَلة وسكون اللَّام: جبل معروف بالمدينة، وقد
حُكِيَ أنَّه بفتح اللام.
قوله: ((من بيت ولا دارٍ)) أي: يَحِجُبنا عن رُؤْيته، وأشار بذلك إلى أنَّ السَّحاب كان
مفقوداً لا مُستَتِراً ببيتٍ ولا غيره. ووقع في رواية ثابت في علامات النُّبَوَّة (٣٥٨٢) قال: قال
أنس: وإنَّ السماء لَفي مثل الزّجاجة؛ أي: لِشِدَّة صفائها، وذلك مُشعِرِ بعَدَم السَّحاب أيضاً.
قوله: ((فِطَلَعَت)) أي: ظَهَرَت ((من ورائه)) أي: سَلْع، وكأنَّهَا نَشَأت من جهة البحر، لأنَّ
وضع سلع يقتضي ذلك.
قوله: ((مِثْل التُّرْس)) أي: مُستَديرة، ولم يُرِدْ أنَّها مثله في القَدْر، لأنَّ في رواية حفص بن
عبيد الله عند أبي عَوَانة (٢٤٩٩): فنَشَأت سحابة مثل رِجل الطائر وأنا أنظر إليها، فهذا
يُشعِر بأنَّها كانت صغيرة، وفي رواية ثابت المذكورة: فهاجَتْ ريح أنشَأت سحاباً ثمَّ
(١) الذي في كتاب العلم (٩٤) في ((باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه)) عن أنس: أنه كان إذا سلَّم سلّم
ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً. أما قوله: كان إذا دعا دعا ثلاثاً، فهو قطعة من حديث ابن مسعود
في قصة دعائه ◌ّل على نفر من قريش عند مسلم (١٧٩٩) (١٠٧).

١٣٢
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
اجتمع، وفي رواية قَتَادة في الأدب (٦٩٣): فَتَشَأْ السَّحاب بعضه إلى بعض، وفي رواية
إسحاق الآتية (١٠٣٣): حتَّى ثار السَّحاب أمثالَ الجبال؛ أي: لكثرته، وفيه: ثمَّ لم يَنزِل
٥٠٤/٢ عن مِنْبره / حتَّى رأينا المطر يَتَحادرُ على لحيته، وهذا يدلّ على أنَّ السَّقف وَكَفَ (١) لكَوْنه
كان من جَرِيد النَّخل.
قوله: ((فلمَّا تَوَسَّطَت السماءَ انتَشَرَت)) هذا يُشعِر بأنَّها استمرَّت مُستَديرة حتَّى انتهت
إلى الأُفُقِ فانبَسَطَت حينئذٍ، وكأنَّ فائدته تعمیم الأرض بالمطر.
قوله: ((ما رأينا الشمس سَبْتاً) كناية عن استمرار الغَيْم الماطر، وهذا في الغالب، وإلّا
فقد يَستَمِرّ المطر والشمسُ بادية، وقد تُحُجَب الشمس بغير مطر. وأصرحُ من ذلك رواية
إسحاق الآتية (١٠٣٣) بلفظ: فمُطِرِنا يومَنا ذلك ومن الغَد ومن بعد الغَد والذي يليه
حتَّى الجمعة الأُخرى.
وأمَّا قوله: (سَبتاً)) فوقع للأكثر بلفظ السَّبت - يعني: أحد الأيام - والمراد به: الأسبوع،
وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: ◌ُمعة، قاله صاحب ((النِّهاية))، قال: ويقال:
أراد قِطعةً من الزمان. وقال الزّين بن المنيِر: قوله: ((سَبتا)) أي: من السَّبت إلى السَّبت، أي:
جمعة. وقال المحِبّ الطَّبَرُّ مثله وزاد: أنَّ فيه تَجوّزاً، لأنَّ السَّبت لم يكن مَبدَأُ ولا الثاني
مُنتَهَى، وإنَّما عَبَّرَ أنس بذلك، لأنَّه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوَرُوا اليهود فأخذوا
بكثيرٍ من اصطلاحهم، وإنَّما سَمَّوا الأسبوع سَبتاً، لأنَّه أعظمُ الأيام عند اليهود، كما أنَّ
الجمعة عند المسلمین كذلك.
وحكى النَّوَويّ تَبَعاً لغيره كثابتٍ في ((الدَّلائل)): أنَّ المراد بقوله ((سَبتاً) قِطعةٌ من
الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه: من سَبتٍ إلى سَبتٍ، وإنَّما السَّبت قِطعة من
الزمان. وأنَّ الدَّاووديّ رواه بلفظ ((ستّاً)، وهو تصحيف. وتُعُقِّبَ بأنَّ الدَّاووديّ لم يَنْفَرِد
بذلك، فقد وقع في رواية الحَقُّوِيِّ والمُستَمْلي هنا: ستّاً، وكذا رواه سعيد بن منصور عن
(١) يقال: وَكَفَ البيتُ والسقفُ بالمطر، وَكْفاً ووُكُوفاً ووَكِيفاً: سالَ قليلاً قليلاً.

١٣٣
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
الدَّراوَرْدِيّ عن شَرِيك، ووافَقَه أحمد من رواية ثابت عن أنس(١)، وكأنَّ مَن ادَّعَى أنَّه
تصحيف استَبعَدَ اجتماع قوله: ستّاً، مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية (١٠١٤):
سبعاً، وليس بمُستَبعَدٍ، لأنَّ مَن قال: ستّاً، أراد ستَّة أيام تامَّة، ومَن قال: سبعاً، أضاف
أيضاً يوماً مُلفَّقاً من الجمعتين.
وقد وقع في رواية مالك عن شَرِيك: فمُطِرنا من جمعة إلى جمعة (٢)، وفي رواية للنَّسَفيّ:
فدامَت جمعة، وفي رواية عَبْدوسٍ والقابِسيّ فيما حَكَاه عياض: ((سَبْتَنَا)) كما يقال: جُمعَتنا،
ووَهِمَ مَن عَزا هذه الرواية لأبي ذرٍّ، وفي رواية قَتَادة الآتية (١٠١٥): فمُطِرنا فما كِدْنا نَصِل
إلى منازلنا؛ أي: من كثرة المطر، وقد تقدَّم للمصنّف في الجمعة(٣) من وجه آخر بلفظ:
فخرجنا نَخُوض الماءَ حتَّى أتينا منازلنا، ولمسلم (١١/٨٩٧) في رواية ثابت: فأُمطِرنا حتَّى
رأيت الرجل تُهِمّه نفسه أن يأتي أهله، ولابن خُزَيمةَ (١٧٨٩) في رواية مُميدٍ: حتَّى أهمّ
الشَّابَّ القريبَ الدّارِ الرجوعُ إلى أهله، وللمصنِّف في الأدب (٦٠٩٣) من طريق قَتَادة:
حتَّى سالَت مَاعِبُ المدينة، ومَثاعِبُ: جمع مَثعَب، بالمثلَّثة وآخره مُوخَّدة: مَسِيل الماء.
قوله: ((ثُمَّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المُقبلة)) ظاهره أنَّه غير الأوَّل، لأنَّ
النَّكِرة إذا تَكَّرَت دَلَّت على التعدُّد، وقد قال شَرِيك في آخر هذا الحديث هنا: ((سألت
أنساً: أهو الرجل الأوَّل؟ قال: لا أدري)) وهذا يقتضى أنَّه لم يَزِم بالتَّغايُر، فالظاهر أنَّ
القاعدة المذكورة محمولة على الغالب، لأنَّ أنساً من أهل اللِّسان وقد تَعدَّدَت، وسيأتي في
رواية إسحاق (١٠٣٣) عن أنس: فقامَ ذلك الرجل أو غيره، وكذا لقَتَادة في الأدب
(٦٠٩٣)، وتقدَّم في الجمعة (٩٣٣) من وجه آخر كذلك، وهذا يقتضى أنَّه كان يَشُكّ فيه،
وسيأتي (١٠٢٩) من رواية يحيى بن سعيد: فأتى الرجلُ فقال: يا رسول الله، ومثله لأبي
(١) الذي في نسخنا من ((مسند أحمد)) في رواية ثابت برقم (١٣٠١٦): فمُطِرنا سبعاً، وبرقم (١٣٨٦٧):
فمُطِرنا إلى الجمعة الأخرى.
(٢) ستأتي برقم (١٠١٦) و(١٠١٧) و(١٠١٩).
(٣) بل سيأتي في المناقب برقم (٣٥٨٢).

١٣٤
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
عَوَانة (٢٤٩٩) من طريق حفص عن أنس بلفظ: ((فما زِلنا نُمطَر حتَّى جاء ذلك الأعرابيّ
في الجمعة الأُخرى، وأصله في مسلم (٨٩٧/ ١٢)، وهذا يقتضي الجزمَ بكَوْنه واحداً، فلعلَّ
أنساً تَذَكَّرَه بعد أن نَسِيَه، أو نَسِيَه بعد أن كان تَذَكَّره.
ويؤيِّد ذلك روايةُ البيهقيِّ في ((الدَّلائل)) (١٤٣/٦-١٤٤) من طريق يزيد بن عُبيد
٥٠٥/٢ السُّلَمَيّ قال: لمَّا قَفَلَ رسول الله ،وَّه من غزوة تَّبُوك، أتاه وَفْد بني فَزَارة وفيه/ خارجة
ابن حِصْن أخو عُيَينَةَ، قَدِمُوا على إبلٍ عِجَاف فقالوا: يا رسول الله، ادعُ لنا رَبّك أن
يُغيثَنَا ... فذكر الحديث وفيه: فقال: ((اللهمَّ اسِقِ بلدك وبهيمتَك، وانشُر بَرَكتك، اللهمَّ
اسِقِنا غَيثاً مُغيثاً مَريئاً مَريعاً طَبَقاً واسعاً عاجلاً غير آجِل نافعاً غير ضارِّ، اللهمَّ سُفْيا رحمةٍ
لا سُقْيا عذاب، اللهمَّ اسقِنا الغيثَ وانصرنا على الأعداء» وفيه: قال: فلا والله ما نرى في
السماء من قَزَعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسَلْع من بناء ... فذكر نحو حديث أنس
بتمامه وفيه: قال الرجل - يعني: الذي سأله أن يستسقي لهم -: هَلَكَت الأموال ...
الحديث(١)، كذا في الأصل، والظاهر أنَّ السائل هو خارجة المذكور لكَوْنه كان كبير الوَقْد
ولذلك سُمِّيَ من بينهم، والله أعلم. وأفادت هذه الروايةُ صفة الدُّعاء المذكور، والوقت
الذي وقع فيه.
قوله: ((هَلَكَت الأموال وانقَطَعَت السُّبُل)) أي: بسبب غير السبب الأوَّل، والمراد: أنَّ
كثرة الماء انقَطَعَ المرعَى بسببها فهَلَكَت المواشي من عَدَم الرَّعي، أو لعَدَم ما يُكِنُّها من
المطر، ويدلّ على ذلك قوله في رواية سعيد عن شَرِيك عند النَّسائيِّ (١٥١٥): ((من كثرة
الماء))، وأمَّا انقطاع السُّبُل فلِتَعذُّرِ سلوك الطُّرق من كثرة الماء. وفي رواية حُميدٍ عند ابن
خُزَيمةَ (١٧٨٩): ((واحتبَسَ الرُّكبان))، وفي رواية مالك عن شَرِيك: (تَهَدَّمَت البيوت))(٢)،
وفي رواية إسحاق الآتية (١٠٣٣): «هُدِمَ البناء وغَرِقَ المال)).
قوله: ((فادْعُ الله يُمسِكُها)) يجوز في ((يُمسِكها)) الضم والسُّكون، وللكُشمِيهَنيِّ هنا: ((أن
(١) هذا الحديث مرسَل، وهو على إرساله في سنده ضعفٌ.
(٢) ستأتي برقم (١٠١٦) و(١٠١٧) و(١٠١٩).

١٣٥
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
يُمسِكها))، والضَّمير يعود على الأمطار أو على السَّحاب أو على السماء، والعرب تُطلِقٍ على
المطر سَماءً، ووقع في رواية سعيد عن شَرِيك: أن يُمسِك عنَّا الماء، وفي رواية أحمد (١٣٠١٦)
من طريق ثابت: أن يَرفَعها عنَّا، وفي رواية قَتَادة في الأدب (٦٠٩٣): فادعُ رَبّك أن يَحِبِسها
عنَّا، فضَحِك، وفي رواية ثابت: فتبسَّم، زاد في رواية حُميدٍ: لِسُرعة مَلَال ابن آدم.
قوله: ((فَفَعَ رسول الله ێ یدیە)» تقدَّم الكلام علیه قريباً.
قوله: ((اللهمَّ حَوالَينا)) بفتح اللّام، وفيه حذف تقديره: اجعَل أو أمطِر، والمراد به
صرف المطر عن الأبنية والدُّور.
قوله: ((ولا علينا)) فيه بيان للمُراد بقوله: ((حَوالَينا)) لأنَّها تَشمَل الطّرق التي حولهم فأراد
إخراجها بقوله: ((ولا علينا)). قال الطِّييُّ: في إدخال الواو هنا معنَى لطيف، وذلك أنَّه لو
أسقَطَها لكان مُستَسقياً للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أنَّ طلب المطر على
المذكورات ليس مقصوداً لعَينِهِ، ولكن ليكون وقايةً من أذَى المطر، فليست الواو مُخُلَّصة
للعطف ولكنَّها للتَّعليل، وهو كقولهم: تجوعُ الحُرَّة ولا تأكلُ بِثَدْيَيها، فإنَّ الجوع ليس
مقصوداً لعَينِهِ، ولكن لكَوْنه مانعاً عن الرَّضاع بأُجرةٍ إذ كانوا يَكرَهون ذلك أنَفاً. انتهى.
قوله: ((اللهمَّ على الإحَام)) فيه بيان المراد بقوله: ((حَوالَينا))، والإحَام بكسر الهمزة وقد
تُفْتَح وتُمَدّ: جمع أَكَمة، بفَتَحات، قال ابن البَرْقيّ: هو التُراب المجتمع، وقال الدَّاووديُّ:
هي أكبر من الكُذْية، وقال القَزّاز: هي التي من حَجَر واحد، وهو قول الخليل، وقال
الخطَّبيُّ: هي الهَضْبة الضَّخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتَفَعَ من الأرض، وقال
الثَّعالبيّ: الأكَمَة أعلى من الرّابية، وقيل: دونها.
قوله: ((والظُّراب)) بكسر المعجَمة وآخره مُوخَّدة: جمع ظَرِب بكسر الرَّاء، وقد تُسَكَّن،
وقال القَزّاز: هو الجبل المنبسِط ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرَّابية الصغيرة.
قوله: ((والأودية)) في رواية مالك: ((بُطُون الأودية))(١)، والمراد بها ما يَتَحَصَّل فيه الماء
(١) انظر التعليق السابق.

١٣٦
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
ليُنتَفَع به، قالوا: ولم تُسمَع أفعِلَة جمع فاعلٍ إلَّا الأودية جمع وادٍ، وفيه نظر، وزاد مالك في
روایته: «ورُؤوس الجبال)).
قوله: ((فانقَطَعَت)) أي: السماء أو السَّحابة الماطرة، والمعنى: أنَّها أمسَكَت عن المطر على
المدينة، وفي رواية مالك: ((فانجابَتْ عن المدينة انجيابَ الثوب)) أي: خرجت عنها كما يَخْرُج
الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد عن شَرِيك: فما هو إلَّا أن تكلّمَ رسول الله وَّ بذلك
٥٠٦/٢ تَّقَ السَّحابُ حتَّى ما نَرَى منه شيئاً (١)، والمراد بقوله: ((ما نَرَى منه شيئاً) أي: / في المدينة،
ولمسلم (٨٩٧/ ١٢) في رواية حفص: فلقد رأيت السَّحاب يَتَمزَّق كأنَّه المُلاَء حين تُطوَى؛
والمُلاء بضمِّ الميم والقصر وقد يُمَدّ: جمع مُلاءة، وهو ثوب معروف، وفي رواية قَتَادة عند
المصنّف (١٠١٥): فلقد رأيت السَّحابَ ينقطع يميناً وشمالاً يُمطَرون - أي: أهل النَّواحي -
ولا يُمطَر أهل المدينة، وله في الأدب (٦٠٩٣): فجعلَ السَّحاب يتصدَّع عن المدينة، وزاد
فيه: يُريهم الله كرامةَ نبيّه وإجابة دَعَوته، وله (١٠٢١) في رواية ثابت عن أنس: فتكَشَّطَت
- أي: تكشَّفت - فجعلَت تُطِر حول المدينة ولا تُطِر بالمدينة قَطْرة، فنظرت إلى المدينة وإنَّها
لفي مِثْل الإكليل، ولأحمد (١٣٠١٦) من هذا الوجه: فَتَقَوَّرَ ما فوق رؤوسنا من السَّحاب
حتَّى كأنَّا في إكليل؛ والإكليل بكسر الهمزة وسكون الكاف: كلّ شيء دارَ من جوانبه،
واشتَهرَ لمَا يُوضَع على الرأس فُيُحيط به، وهو من ملابس الملوك كالتاج.
وفي رواية إسحاق عن أنس(٢): فما يشير بيده إلى ناحية من السَّحاب إلَّا تَفرَّجَت حتَّى
صارت المدينة في مثل الجَوْبة، والجَوْبة بفتح الجيم ثمَّ الموحّدة: وهي الحُفْرة المستديرة
الواسعة، والمراد بها هنا: الفُرْجة في السَّحاب.
وقال الخطَّبيُّ: المراد بالجَوبة هنا: التُّرس. وضَبَطَها الزَّين بن المنيِرِ تَبعاً لغيره بنونٍ بدل
الموخَّدة، ثمَّ فسَّرَه بالشمس إذا ظَهَرَت في خِلال السَّحاب، لكن جَزَمَ عياض بأنَّ مَن قاله
بالتُّون فقد صَخَّفَ.
(١) عند النسائي (١٥١٥).
(٢) الآتية برقم (١٠٣٣).

١٣٧
باب ٦ / ح ١٠١٣
كتاب الاستسقاء
وفي رواية إسحاق من الزّيادة أيضاً: وسالَ الوادي - وادي قَناة ــ شهراً؛ وقَناةٌ: بفتح
القاف والنُّون الخفيفة: عَلَمٌّ على أرض ذات مزارع بناحية أُحُد، وواديها أحد أودية المدينة
المشهورة، قاله الحازميّ، وذكر محمد بن الحسن المخزوميّ في ((أخبار المدينة)) إسنادٍ له: أنَّ
أوَّل مَن سَمّاه وادي قَناة تُبَّع اليَمَاني لمَّا قدمَ يَثِرِبَ قبل الإسلام. وفي رواية له: أنَّ تُبَّعاً
بَعَثَ رائداً يَنظُرُ إلى مزارع المدينة فقال: نظرت فإذا قَناةُ حَبٌّ ولا تِبِنٌ، والجُرُف حَبّ
وتبن، والحِرار -يعني: جمع حَرَّة بمُھمَلتینِ- لا حَبُّ ولا تِبن، انتھی.
وتقدَّم في الجمعة (٩٣٣) من هذا الوجه: وسالَ الوادي قَناةُ، وأُعرِبَ بالضَّمِّ على
البدل على أنَّ قَناةَ اسم الوادي، ولعلَّه من تسمية الشيء باسم ما جاوَرَه، وقرأت بخَطِّ
الرَّضيّ الشَّاطبيّ قال: الفقهاء تقوله بالنصب والتنوين، يَتَوهَّمونه قَناةً من القنوات، ولیس
كذلك. انتهى، وهذا الذي ذكره قد جَزَمَ به بعض الشُّاح وقال: هو على التشبيه، أي:
سالَ مثل القناة. وقوله في الرواية المذكورة: (إلَّا حدَّث بالجَوْدِ)) هو بفتح الجيم: المطر
الغزير، وهذا يدلّ على أنَّ المطر استمرَّ فيما سوى المدينة، فقد يُشكِل بأنَّه يستلزم أنَّ قول
السائل: ((هَلَكَت الأموال وانقَطَعَت السُّبُل)) لم يرتفع الإهلاك ولا القَطع(١)، وهو خلاف
مطلوبه، ويُمكِن الجواب بأنَّ المراد: أنَّ المطر استمرَّ حول المدينة من الإكام والظّراب
وبُطون الأودية لا في الطّرق المسلوكة، ووقوع المطر في بُقعة دون بُقعة كثيرٌ ولو كانت
تُجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يُوجَد للماشية أماكن تُكِنّها وتَرعَى فيها بحيثُ لا يَضُرّها
المطرُ، فيزول الإشكال.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه
القيام في الخطبة وأنَها لا تَنقَطِع بالكلام ولا تَنْقَطِع بالمطر، وفيه قيامُ الواحد بأمر الجماعة،
وإنَّما لم يباشِر ذلك بعض أكابر الصحابة، لأنَّهم كانوا يَسلُكون الأدب بالتَّسليم وترك
الابتداء بالسُّؤال، ومنه قول أنس: كان يُعجِبنا أن يجيءَ الرجل من البادية فيسأل
(١) في (ع): ولا انقطع المطر.

١٣٨
باب ٦ / ح ١٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله وَليه(١)، وسؤال الدُّعاء من أهل الخير ومَن يُرجَى منه القَبُول وإجابتهم لذلك،
ومن أدَبه بَثُّ الحال لهم قبل الطَّلَب لتحصيل الرِّقَّة المقتضية لصِحَّة التوجُّه فتُرجَى الإجابة
عنده، وفيه تكرار الدُّعاء ثلاثاً، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدُّعاء به
٥٠٧/٢ على / المنبر ولا تحويل فيه ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء،
وليس في السياق ما يدلّ على أنَّه نوَاها مع الجمعة.
وفيه عَلَمٌ من أعلام النَّبَوَّة في إجابة الله دعاء نبيّه عليه الصلاة والسلام عَقِبَه أو معه
ابتداءً في الاستسقاء وانتهاءً في الاستصحاء، وامتثال السَّحاب أمره بمُجرَّدِ الإشارة.
وفيه الأدب في الدُّعاء حيثُ لم يَدعُ برفع المطر مُطلَقاً، لاحتمال الاحتياج إلى استمراره
فاحتَرَزَ فيه بما يقتضي رفع الضَّرَر وبقاء النَّع، ويُستَنَبَط منه أنَّ مَن أنعَمَ الله عليه بنعمةٍ لا
ينبغي له أن يَتَسَخَّطها لعارضٍ يَعرِض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النِّعمة.
وفيه أنَّ الدُّعاء برفع الضَّرَر لا يُنافي التَّوُّل، وإن كان مَقامُ الأفضل التَّفويض(٢)، لأنَّه
وَيّه كان عالماً بما وقع لهم من الجَدْب، وأخَّرَ السُّؤال في ذلك تفويضاً لربِّه، ثمَّ أجابهم إلى
الدُّعاء لمَّا سألوه في ذلك بياناً للجواز وتقرير السُّنّة في هذه العبادة الخاصَّة، أشار إلى ذلك
ابن أبي جَمْرة نَفَعَ الله به. وفيه جواز تبسُّم الخطيب على المنبر تعجُّباً من أحوال الناس،
وجواز الصِّياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك. وفيه اليمين لتأكيد الكلام،
ويحتمل أن يكون ذلك جَرَى على لسان أنس بغير قَصْد اليمين.
واستُدلَّ به على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أنَّ الاستسقاء لا تُشرَع فيه
صلاة، فأمَّا الأوَّل: فقال به الشافعيّ وكرِهه سفيان الثَّوري، وأمَّا الثاني: فقال به أبو حنيفة
(١) أخرجه مسلم (١٠)، والترمذي (٦١٩)، والنسائي (٢٠٩١).
(٢) في هذا نظرٌ، والصواب أن الأخذ بالأسباب والبِدَار بالدعاء والاستغاثة عند الحاجة أَولى وأفضل من
التفويض، وسيرته وَّه وسيرة أصحابه رضي الله عنهم تدلُّ على ذلك، ولعلَّه إنما أخَّر الدعاء لأسباب
اقتضت ذلك غير التفويض، فلما سأله هذا السائلُ بادر بإجابته، وذلك عن إذن الله سبحانه وتشریعه،
لأنه وَّ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله أعلم. (س).

١٣٩
باب ٧ / ح ١٠١٤
كتاب الاستسقاء
كما تقدَّم(١)، وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي وقع في هذه القصَّة مُجَّد دعاءٍ لا يُنافي مشروعيَّة الصلاة لها،
وقد بيِّنَت في واقعة أُخرى كما تقدَّم.
واستدلَّ به على الاكتِفاء بدُعاء الإمام في الاستسقاء، قاله ابن بَطَّال، وتُعُقِّبَ بما سيأتي
في روایة یحیی بن سعید (١٠٢٩). ورفع الناس أیدیہم مع رسول الله آل﴾ يدعون، وقد
استدلَّ به المصنِّف في الدَّعَوات (٦٣٤١) على رفع اليدين في كلّ دعاء. وفي الباب عِدَّة
أحاديث جمعها المنذِريُّ في جُزء مُفرَد وأورَدَ منها النَّوَويّ في صفة الصلاة في ((شرح
المهذَّب)) قَدْر ثلاثينَ حديثاً، وسنذكر وجه الجمع بينها وبين قول أنس: ((كان لا يَرفَع يديه
إلَّا في الاستسقاء)) بعد أربعة عشر باباً (١٠٣١) إن شاء الله تعالى. وفيه جواز الدُّعاء
بالاستصحاء للحاجة، وقد تَرجَمَ له البخاري بعد ذلك (١٠١٧).
٧- باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة
١٠١٤ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن شَرِيكِ، عن أنسٍ بنِ
مالكٍ: أنَّ رجلاً دخل المسجدَ يومَ الجمعةِ من بابٍ كان نحوَ بابٍ دار القضاءِ ورسولُ الله ◌َه
قائمٌ يَخْطُبُ، فاستَقْبلَ رسولُ الله ◌ِّهِ قائماً، ثمَّ قال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الأموالُ وانقَطَعَتِ
السُّبُلُ، فادعُ الله يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رسولُ اللهَّهِ يديه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ أغِثْنا، اللهمَّ أغِتْنا، اللهمَّ
أغِثْنَا)) قال أنسُ: ولا والله ما نَرَى في السماءِ من سحابٍ ولا قَزَعةٍ، وما بيننا وبين سَلْعِ من بيتٍ
ولا دارٍ، قال: فطَلَعَت من ورائِهِ سحابةٌ مِثلُ الُّرْسِ، فلمَّا تَوَسَّطَتِ السماءَ انَشَرَت ثمَّ
أمطَرَت، فلا والله ما رأينا الشمسَ سبعاً.
ثَّ دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعةِ ورسولُ الله ◌َّهِ قائمٌ تَخْطُبُ، / فاستَقْبَلَه قائماً، ٥٠٨/٢
فقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الأموالُ وانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادعُ الله يُمسِكُها عنَّا، قال: فَرَفَعَ
رسول الله وَل﴿ يديه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا، اللهمَّ على الإحَام والظِّرَاب وبُطُونِ
الأوديةِ ومَنابتِ الشجر)) قال: فأقلَعَت وخَرَجْنا نَمْشي في الشمسِ. قال شَرِيكٌ: سألتُ أنسَ
ابنَ مالكٍ: أهو الرجلُ الأوَّل؟ فقال: ما أدري.
(١) عند شرح الحديث (١٠٠٥).

١٤٠
باب ٨-٩ / ح ١٠١٥ - ١٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الاستسقاء في خُطْبة الجمعة غير مُستَقِل القِبْلة)) أورَدَ فیه حديث أنس
المذكور من طريق إسماعيل بن جعفر عن شَرِيك المذكور، وقد تقدَّمت فوائده في الذي
قبله.
وقوله فيه: ((يوم الجمعة)) في رواية كَرِيمة: ((يوم جمعة)) بالتَّكير.
٨- باب الاستسقاء على المنبر
١٠١٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا أبو عَوَانة، عن قَتَادة، عن أنسٍ، قال: بينما رسولُ الله
وَ﴿ يَخِطُبُ يومَ جمعةٍ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، قَحَطَ المطرُ، فادعُ الله أن يَسْقِيَنا، فَدَعا
فمُطِرْنا، فما كِدْنا أن نَصِلَ إلى منازلِنا، فما زِلْنا نُمطَرُ إلى الجمعةِ المقبِلةِ، قال: فقامَ ذلك الرجلُ
أو غيرُه، فقال: يا رسول الله، ادْعُ الله أن يَصْرِفَه عنَّا، فقال رسول الله وَّ: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا
علينا)) قال: فلقد رأيتُ السَّحابَ يَتَقَطَّعُ يميناً وشمالاً، يُمطَرُونَ ولا يُمطَرُ أهلُ المدينةِ.
قوله: ((باب الاستسقاء على المِنْبَرَ)) أورَدَ فيه الحديث المذكور أيضاً من رواية قَتَادة عن
أنس، وقد تقدَّمت فوائده أيضاً (١٠١٣).
٩ - باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء
١٠١٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله، عن أنسٍ، قال:
جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: هَلَكَتِ المواشي وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَدَعَا، فمُطِرْنا مِن الجمعةِ إلى
الجمعةِ، ثمَّ جاءَ، فقال: تَهَدَّمَتِ البيوتُ وتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وهَلَكَتِ المواشي، فقامَ نَّ فقال:
((اللهمَّ على الإِحَام والظِّراب والأوديةِ ومَنابتِ الشجر)) فانجابَتْ عن المدينةِ انجِيابَ الثوبِ.
قوله: (باب مَن اكتفَى بصلاة الجمعة في الاستسقاء)) أورَدَ فيه الحديث المذكور أيضاً من
طريق مالك عن شَرِيك، وقد تقدَّم ما فيه أيضاً (١٠١٣).
وقوله فيه: («فدعا فمُطِرنا)) في رواية الأَصِيليِّ: ((فادعُ الله)) بدل: فدعا، وكلٌّ من اللَّفْظَينِ
مُقدَّر فيما لم يُذكَر فيه. وفيه تعقُّب على مَن استدلَّ به لمن يقول: لا تُشرَع الصلاة للاستسقاء،
لأنَّ الظاهر ما تضمَّنَتَه الترجمة.