Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب ١٩ / ح ٩٧٩
كتاب العيدين
العَشِيرَ)) الحديث(١)، فلا يَبعُدُ أن تكون هي التي أجابته أوَّلاً بنَعَم، فإنَّ القصَّةَ واحدة،
فلعلَّ بعضَ الرُّواة ذكر ما لم يَذكُرِه الآخرُ كما في نظائره، والله أعلم.
وقد روى الطَّبرانيُّ(٢) من وجهٍ آخرَ عن أُمِّ سَلَمةَ الأنصاريَّة - وهي أسماءُ المذكورةُ ـ:
أَّها كانت في النِّسْوة اللّاتي أخذَ عليهنَّ رسول الله وَِّ ما أخذَ ... الحديث، ولابن سعدٍ
(١١/٨-١٢) من حديثها: أخذَ علينا رسول الله وَّل أن لا نُشِرِكَ بالله شيئاً ولا نَسِرِقَ ...
الحدیث.
قوله: ((قال: فَتَصَدَّقْنَ)) هو فعلُ أمرٍ لهنَّ بِالصَّدَقة والفاءُ سببيَّة، أو داخلٌ على جواب
شرطٍ محذوفٍ تقديرُه: إن كنتُنَّ على ذلك فتَصَدَّقن، ومناسبتُه للآية من قوله: ﴿ وَلَا
يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فإنَّ ذلك من جُملة المعروف الذي أُمِرِنَ به.
قوله: ((ثمَّ قال: هَلُمَّ) القائل: هو بلال، وهو على اللُّغة الفُصحَى في التعبير بها للمُفرَدِ
والجمع.
قوله: ((لَكُنَّ)) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، وقوله: ((فِدَى)) بكسر الفاء والقَصْر.
قوله: ((قال عبدُ الرَّزّاق: الفَتَخُ: الخواتيمُ العِظامُ كانت في الجاهليَّةِ» لم يَذْكُر عبدُ الرزاق
في أيِّ شيءٍ كانت تُلبَسُ، وقد ذكر ثعلبُّ أَنَّ يَلبَسنَها في أصابع الأرجُل. انتهى، ولهذا
عَطَفَ عليها الخواتيم، لأنَّها عند الإطلاق تنصرفُ إلى ما يُلبَسُ في الأيدي، وقد وقع في
بعض طرقِه عند مسلم هنا ذِكرُ الخلاخيل(٣)، وحُكيَ عن الأصمعيِّ أنَّ الفَتَخَ: الخواتيمُ
التي لا قُصوصَ لها، فعلى هذا هو من عَطْف الأعمِّ على الأخصّ.
(١) أخرجه الحميدي (٣٦٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩١٢٧)، والطبراني في «الكبير» ٢٤/ (٤٢٦)، وشهر
ابن حوشب ضعيف لكنه قد توبع، تابعه المهاجر بن أبي مسلم عند البخاري في ((الأدب المفرد)»
(١٠٤٨)، والطبراني ٢٤/ (٤٦٤)، وإسناده حسن.
(٢) في («الكبير» ٢٤/ (٤١٧) و(٤٥٧)، ومداره عنده وعند ابن سعد أيضاً على شهر بن حوشب، وهو
ضعيف، وفي الموضع الأول عند الطبراني الحكمُ بن أبان، وهو متروك.
(٣) الحديث عند مسلم برقم (٨٨٤) وليس فيه ذكر الخلاخيل.

٦٢
باب ١٩ / ح ٩٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: استحبابُ وَعْظِ النِّساء وتعليمهنَّ أحكامَ الإسلام
وتذكيرهنَّ بما يجب عليهنَّ، ويُستَحَبُّ حَثُّهنَّ على الصَّدَقة وتخصيصُهنَّ بذلك في مجلسٍ
مُنفرٍد، ومَحَلُّ ذلك كلِّه إذا أُمِنَ الفتنةُ والمفسدة.
وفيه خروجُ النِّساء إلى المصلّى كما سيأتي في الباب الذي بعده. وفيه جوازُ التَّقدية بالأبِ
والأُم، ومُلاطَفَةُ العامل على الصَّدَقة بمَن يدفعها إليه.
واستدلَّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقّفٍ على إذن زوجها أو على
مِقدارٍ مُعيَّنٍ من مالها كالثُّلث خلافاً لبعض المالكيَّة، ووجه الدّلالة من القصّة تركُ
الاستفصال عن ذلك كلِّه، قال القُرطبيُّ: ولا يقال في هذا: إنَّ أزواجهنَّ كانوا حضوراً،
لأنَّ ذلك لم يُنقَل، ولو نُقِلَ فليس فيه تسليمُ أزواجهنَّ لهنَّ ذلك، لأَنَّ مَن ثَبَتَ له الحقُّ
فالأصلُ بقاؤُه حتَّى يُصرَّحَ بإسقاطه، ولم يُنقَل أنَّ القومَ صَرَّحوا بذلك. انتهى، وأمَّا كَونُه
من الثُّلث فما دونه، فإن ثَبَتَ أنَهنَّ لا يجوز لهنَّ التصرُّفُ فيما زاد على الثَّلث، لم يكن في هذه
القصّة ما يدلُّ على جواز الزِّيادة.
وفيه أنَّ الصَّدَقَةَ من دوافع العذاب، لأنَّه أمرهنَّ بالصَّدَقة ثمَّ عَلَّلَ بأنَّهَنَّ أكثرُ أهل
النار، لمَا يقعُ منهنَّ من كُفْران النِّعَم وغير ذلك كما تقدَّم في كتاب الحيض (٣٠٤) من
حديث أبي سعيد، ووقع نحوه عند مسلم (٨٨٥/ ٤) من وجهٍ آخرَ في حديث جابر، وعند
البيهقيِّ(١) من حديث أسماء بنت يزيد كما تقدَّمت الإشارةُ إليه.
وفيه بذلُ النصيحة والإغلاظُ بها لمن احتيجَ في حَقِّه إلى ذلك، والعِنایةُ بذِكْر ما يُتَاجُ
٤٦٩/٢ إليه لتلاوة آية الممتحنة/ لكَوْنها خاصَّةً بالنِّساء. وفيه جوازُ طلب الصَّدَقة من الأغنياء
للمحتاجينَ ولو كان الطالبُ غيرَ محتاج، وأخذَ منه الصوفيَّةُ جواز ما اصطَلَحوا عليه من
الطََّب، ولا يخفى ما يُشتَرطُ فيه من أنَّ المطلوب له يكون غيرَ قادرٍ على التكسُّبِ مُطلَقاً،
أو لمَا لا بدَّ له منه. وفي مُبادَرة تلك النِّسْوة إلى الصَّدَقة بما يَعِزُّ عليهنَّ من حُلِيِّهنَّ مع ضِيقِ
(١) في ((شعب الإيمان)) (٩١٢٧).

٦٣
باب ٢٠ / ح ٩٨٠
كتاب العيدين
الحال في ذلك الوقت، دلالةٌ على رفيع مَقامهنَّ في الدِّينِ وحِرصِهنَّ على امتثال أمر الرسول
وَلَه وطاعتِهِنَّ(١). وقد تقدَّمت بقيَّةُ فوائد هذا الحديث في كتاب الحيض (٣٠٤).
٢٠ - باب إذا لم يكن لها جِلبابٌ في العيد
٩٨٠- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن حفصةً بنتٍ
سِيرِينَ قالت: كنّا نَمنَعُ جوارِيَنا أن يَخْرُجْنَ يومَ العيدِ، فجاءَتِ امرأةٌ فَزَلَت قَصْرَ بني خَلَفٍ،
فأتيتُها فحدَّثتْ: أنَّ زوجَ أَخْتِها غَزَا مع النبيِّ وَ ثِنْتَي عشرةَ غَزْوةً، فكانت أُختُها معه في سِتِّ
غَزَواتٍ، فقالت: فكنّا نقومُ على المرضَى ونُداوِي الكَلْمَى، فقالت: يا رسولَ الله، على إحدانا
بأسٌِّ إذا لم يكن لها جِلْبابٌ أن لا تَخْرُجَ؟ فقال: ((لِتُلِسْها صاحبتُها من جِلْبابها، فلْيَشْهَدْنَ الخيرَ
ودَعْوةَ المؤمنين)» قالت حفصةُ: فلمَّا قَدِمَت أمُّ عَطِيَّةَ أتيتُها فسألتها: أسمعتِ في كذا وكذا؟
قالت: نعم بأَبَا، وَقَلَّما ذَكَرَتِ النبيَّ ◌َّهِ إِلا قالت: بأَبا، قال: (اليَخرُجِ العَواتقُ ذواتُ الخُدُورِ
والخُيَّصُ، ويَعتزِلُ الخُيَّضُ المصلَّى، ولَيَشْهَدْنَ الخيرَ ودَعْوةَ المؤمنين)) قالت: فقلتُ لها:
الخُيَّض؟ قالت: نعم، أليس الحائضُ تَشْهَدُ عَرَفاتٍ، وتَشْهَدُ كذا وتَشْهَدُ كذا.
قوله: ((باب إذا لم يكن لها جِلْبابٌ)) بكسر الجيم وسكون اللّام ومُوخَّدتَين، تقدَّم تفسیرُه
في كتاب الحيض (٣٢٤) في ((باب شهودِ الحائض العيدين))، قال الَّينُ بن المنيِّر: لم يَذْكُر
جوابَ الشَّرطِ في الترجمة حَوَالةً على ما وَرَدَ في الخبر. انتهى، والذي يَظهَرُ لي أنَّه حَذَفَه لمَا
فيه من الاحتمال، فقد تقدَّم في الباب المذكور أنَّه يحتملُ أن يكون للجنس، أي: تُعِيرُها من
جنسِ ثيابها، ويؤيِّده روايةُ ابن خُزَيمةَ (١٤٦٧): ((من جَلابِها))، وللتِّرمِذيِّ (٥٣٩):
(فلتُعِرْها أُختُها من جَلابِها))، والمراد بالأُخت الصَّاحبةُ، ويحتملُ أن يكون المراد: تُشْرِكُها
معها في ثوبها، ويؤيِّده روايةُ أبي داود (١١٣٦): ((تُلِسُها صاحبتُها طائفةً من ثوبها)) يعني:
إذا كان واسعاً، ويحتملُ أن يكون المراد بقوله: ((ثوبها)) جنسَ الِّياب، فيَرجِعُ للأوَّل.
ويُؤْخَذُ منه جوازُ اشتمال المرأتين في ثوبٍ واحدٍ عند التستُّ، وقيل: إنَّه ذُكِرَ على سبيل
(١) هكذا في (ع)، وفي (أ) و(س): ورضي عنهن.

٦٤
باب ٢١ / ح ٩٨١
فتح الباري بشرح البخاري
المبالغة، أي: يَخْرُ جنَ على كلِّ حالٍ ولو اثنتَينِ في چِلْباب.
قوله: ((قالت: نعم بأَبا» بمُوحَّدتَينِ بينهما همزةٌ مفتوحةٌ والثانية خفيفة، وفي رواية گَرِیمةً
وأبي الوَقْت: ((بأبي)) بكسر الثانية على الأصل، أي: أَفِیه بأبي، وقد تقدَّم (٣٢٤) في الباب
المذكور بلفظ: ((بِي)) بإبدال الهمزة ياءً تحتانيَّةً، ووقع عند أحمد (٢٠٧٩٣) من طريق
حفصةَ عن أُمِّ عَطيَّة قالت: أمرنا رسول الله وَلي بأبي وأُمّي.
قوله: (ليَخرُجِ العَواتقُ ذواتُ الخُدُور)) كذا للأكثر على أنَّه صفتُه، وللكُشمِيهَنيِّ: ((أو
قال: العَواتقُ وذواتُ الخُدور، شَكَّ أيوب)) يعني: هل هو بواو العَطف أو لا، وقد تقدَّم
نحۇُه في الباب المذكور.
قوله: ((فقلت لها)) القائلةُ المرأة،/ والمَقُولُ لها أمُّ عَطيَّة، ويحتمل أن تكون القائلةُ حفصةً
٤٧٠/٢
والمَقُول لها المرأة، وهي أُختُ أُمِّ عطيّة، والأوَّلُ أرجحُ(١)، والله أعلم.
٢١ - باب اعتزال الخُيَّض المصلَّى
٩٨١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ: عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ قال:
قالت أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنا أن نَخرُجَ فتُخرِجَ الخُيَّضَ والعَواتقَ وذواتِ الخُدُورِ - قال ابنُ عَوْنٍ:
أو العَواتِقَ ذواتِ الخُدُورِ - فَأَمَّا الخُيَّضُ فيَشهَدْنَ جماعةَ المسلمينَ ودَعْوتَهم ويَعتزِلْنَ
مُصلاهم.
قوله: ((بابُ اعتزال الخُيَّضِ المصلَّى)) مضمونُ هذه الترجمة بعضُ ما تَضمَّنه الحديثُ
الذي في الباب الماضي، وكأنَّه أعاد هذا الحكمَ للاهتمام به، وقد تقدَّم مضموماً إلى الباب
المذكور في كتاب الحيض (٣٢٤).
قوله: ((عن ابن عَوْنٍ)) هو عبدُ الله، ومحمدٌ: هو ابن سِيرِين، وقد شَكَّ ابن عَوْنٍ في
العَواتق كما شَكَّ أيوبُ في الذي قبلَه، ووقع في رواية منصور بن زاذانَ عن ابن سِيرِين عند
(١) لا ندري ما مُستَنَد الحافظ ابن حجر في ترجيح أن تكون القائلةُ المرأةَ، فسياق الحديث لا يدلُّ عليه، وفي
الموضع السالف برقم (٣٢٤) التصريح بأن القائلة هي حفصة، والراجح أن المقول لها هي أمُّ عطيّة.

٦٥
باب ٢١/ ح ٩٨١
كتاب العيدين
التِّرمِذيِّ (٥٣٩): ((تخرجُ الأبكارُ والعَواتقُ وذواتُ الخُدور)).
وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ مُداواة المرأة للرّجال الأجانبِ إذا كانت بإحضار
الدَّواء مثلاً والمعالجةِ بغير مُباشَرة، إلَّا إن احتيجَ إليها عند أمنِ الفتنة. وفيه أنَّ من شأنٍ
العَوَاتقِ والمخذَّراتِ عَدَمُ البُروزِ إلَّا فيما أُذِنَ لهنَّ فيه. وفيه استحباب إعداد الجِلْباب
للمرأة، ومشروعيَّةُ عارِيَّة النِّاب.
واستدلَّ به على وجوب صلاة العيد، وفيه نظرٌّ، لأنَّ من جُملة مَن أُمِرَ بذلك مَن ليس
بمُكلَّف، فظَهَرَ أنَّ القصدَ منه إظهارُ شِعَار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع ولتَعُمَّ الجميعَ
البركةُ، والله أعلم.
وفيه استحبابُ خروج النِّساء إلى شهودِ العيدين، سواءٌ كنَّ شَوَابَّ أم لا، وذواتِ
هيئاتٍ أم لا، وقد اختلف فيه السلف، ونقل عياضٌ وجوبَه عن أبي بكر وعليٍّ وابن عمر،
والذي وقع لنا عن أبي بكر وعليٌّ ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٨٢) وغيرُه عنهما قالا: حقٌّ
على كلِّ ذات نطاقٍ الخروجُ إلى العيدين، وقد وَرَدَ هذا مرفوعاً بإسنادٍ لا بأسَ به أخرجه
أحمد (٢٧٠١٤) وأبو يَعْلى (٧١٥٢) وابن المنذر(١) من طريق امرأةٍ من عبد القيسِ عن أُخت
عبد الله بن رَوَاحَةَ به والمرأةُ لم تُسَمَّ، والأُختُ اسمها عَمْرةُ صحابيَّةٌ، وقوله: ((حَقٌّ)) يحتمل
الوجوبَ ويحتمل تأكُّدَ الاستحباب، وروى ابن أبي شَيْبة أيضاً (١٨٢/٢) عن ابن عمرَ:
أنَّه كان يُخْرِجُ إلى العيدين مَن استطاع من أهلِه، وهذا ليس صريحاً في الوجوب أيضاً، بل
قد رُوِيَ عن ابن عمر المنعُ(٢)، فيحتملُ أن يُحمَلَ على حالین.
ومنهم مَن حَمَلَه على النَّبِ، وجَزَمَ بذلك الجُرْجانيُّ من الشافعيَّة وابن حامدٍ (٣) من
(١) ليس في المطبوع من ((الأوسط)) لابن المنذر ٢٦٢/٤ سوى الموقوف على أبي بكر وعلي، والله تعالى أعلم.
وأما المرفوع فإسناده ضعيف لجهالة المرأة من عبدٍ قيس، وانظر تتمة الكلام على إسناده في التعليق على
«مسند أحمد)».
(٢) عند ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٣، والرواية الأولى عنه أصحُّ إسناداً، وهذه لا بأس بإسنادها.
(٣) في الأصلين: وأبو حامد، وهو تحريف، وابن حامد: هو شيخ الحنابلة ومفتيهم، أبو عبد الله الحسن بن =

٦٦
باب ٢١ / ح ٩٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الحنابلة، ولكنَّ نَصَّ الشافعيِّ في ((الأُمّ)) يقتضي استثناءَ ذوات الهيئات، قال: وأُحِبُّ
شهودَ العجائز وغير ذوات الهيئة الصلاةَ، وإنَّا لشهودِهنَّ الأعياد أشدُّ استحباباً. وقد
سَقَطَت واوُ العطف من رواية المُزَنِيِّ في ((المختصر)) فصارت: غير ذوات الهيئة، صفةً
للعجائز، فمشى على ذلك صاحبُ ((النِّهاية)) ومَن تَبِعَه، وفيه ما فيه، بل قد روى البيهقيُّ
في ((المعرفة)) عن الرَّبيع قال: قال الشافعيُّ: قد رُوِيَ حديثٌ فيه أنَّ النِّساءَ يُترَكنَ إلى
العيدين، فإن كان ثابتاً قلتُ به، قال البيهقيُّ: قد ثَبَتَ وأخرجه الشيخان؛ يعني: حديثَ
أُمَّ عَطَّة هذا، فيلزمُ الشافعيَّةَ القولُ به، ونقله ابن الرِّفْعة عن البَندَنيجيّ، وقال: إنَّه ظاهرُ
كلام التَّنبيه.
وقد ادَّعَى بعضُهم النَّسَخَ فيه، قال الطَّحَاويُّ: وأمرُه عليه السلام بخروج الخُيَّص
وذوات الخُدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أوَّل الإسلام والمسلمون قليلٌ، فأُريدَ التَّكثيرُ
بحضورِهنَّ إرهاباً للعدو، وأمَّا اليوم فلا يُحتاجُ إلى ذلك. وتُعُقِّبَ بأنَّ النَّسَخَ لا يَثْبُتُ
بالاحتمال.
قال الكِرْمانيُّ: تاريخُ الوقت لا يُعرَفُ. قلت: بل هو معروفٌ بدلالة حديث ابن
عَبَّاسٍ(١): أنَّه شَهِدَه وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكَّةً، فلم يَتِمَّ مُرادُ الطَّحَاوي، وقد
٤٧١/٢ صَرَّحَ في حديث / أُمِّ عَطيَّة بعِلَّة الحكم: وهو شهودُهنَّ الخيرَ ودعوةَ المسلمين، ورجاءُ بركة
ذلك اليوم وطُهَرَتِه، وقد أفتَت به أمُّ عَطيَّة بعد النبيِّ نَّهِ بِمُدَّةٍ كما في هذا الحديث، ولم
يَثْبُت عن أحدٍ من الصحابة مخالفتُها في ذلك، وأمَّا قولُ عائشة: لو رأى النبيُّ وَلِّ ما
أحدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهِنَّ المساجد(٢)، فلا يعارضُ ذلك لنُدوره إن سَلَّمْنا أنَّ فيه دلالةً على
أنَّها أفتَت بخلافه، مع أنَّ الدّلالةَ منه بأنَّ عائشة أفتَت بالمنع ليست صريحةً.
وفي قوله: ((إرهاباً للعدوّ)) نظرٌ، لأنَّ الاستنصار بالنِّساء والتكتُّرَ بهنَّ في الحرب دالٌّ
= حامد البغدادي، توفي سنة ٤٠٣ هـ. ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠٣/٧.
(١) السالف عند البخاري برقم (٩٧٧).
(٢) سلف برقم (٨٦٩).

٦٧
باب ٢٢ - ٢٣ / ح ٩٨٢ -٩٨٥
كتاب العيدين
على الضَّعف، والأَولى أن يُخْصَّ ذلك بمَن يُؤمَنُ عليها وبها الفتنةُ، ولا يترتَّبُ على
حضورها محذورٌ، ولا تُزاحِمُ الرجالَ في الطّرق ولا في المَجامع. وقد تقدَّمت بقيَّةُ فوائد
هذا الحديث في الباب المشار إليه من كتاب الحيض (٣٢٤).
٢٢ - باب النَّحْر والذَّبح بالمصلَّى يوم النحر
٩٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثْنِ كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ كَان يَنْحَرُ - أو يَذْبِحُ - بالمصلَّى.
[أطرافه في: ١٧١٠، ١٧١١، ٥٥٥١، ٥٥٥٢]
قوله: ((بابُ النَّحْرِ والذَّبْح بالمصلَّى يومَ النَّحْرِ)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر في ذلك، قال
الَّينُ بن المنيِّر: عطفُ الذَّبح على النَّحرِ في الترجمة وإن كان حديثُ الباب وَرَدَ بـ((أو))
المقتضية للتَّردُّدِ، إشارةٌ إلى أنَّه لا يَمتنِعُ أن يُجمَعِ يومَ النَّحرِ بين نُسُكَينِ أحدُهما ممَّا يُنحَرُ
والآخرُ مَّا يُذْبَحُ، وليُفهَم اشتراكُهما في الحكم. انتهى، ويحتملُ أن يكون أشار إلى أنَّه وَرَدَ
في بعض طرقِه بواو الجمع كما سيأتي في كتاب الأضاحيِّ (٥٥٥٢)، ويأتي الكلامُ هناك على
فوائده إن شاء الله تعالى.
٢٣ - باب كلام الإمام والنَّاس في خطبة العيد، وإذا سُئِل
الإمامُ عن شيءٍ وهو يَخِطُب
٩٨٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحوَصِ، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ المُعتَمِر، عن
الشَّعْبِيِّ، عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ، قال: خَطَبَنا رسول الله ◌َّهِ يومَ النَّحْرِ بعدَ الصلاةِ فقال: ((مَن
صلَّ صلاتَنا، ونَسَكَ نُسُكَنا، فقد أصابَ النُّسُك، ومَن نَسَكَ قبلَ الصلاةِ فتلك شاةُ لحم)) فقامَ
أبو بُرْدَةَ بنُّ نيارٍ، فقال: يا رسول الله، والله لقد نَسَكْتُ قبلَ أن أخرُجَ إلى الصلاةِ، وعَرَفتُ أنَّ
اليومَ يومُ أكلٍ وشُرْبٍ، فَتَعجَّتُ وأكلتُ وأطعَمتُ أهلي وجِيراني، فقال رسول الله إِليه:
(تلك شاةُ لحم)) قال: فإنَّ عندي عَناقَ جَذَعةٍ هي خيرٌ من شاتَيْ لحم، فهل تَجْزِي عنِّي؟ قال:

٦٨
باب ٢٣ / ح ٩٨٣-٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
(نَعَم، ولن تَجِزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ)). [انظر: ٩٥١]
٩٨٤- حدَّثْنا حامدُ بنُ عمرَ، عن حَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ
قال: إنَّ رسول الله وَّهِ صلَّى يومَ النَّحْرِ ثمَّ خَطَبَ، فأمَرَ مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ أن يُعيدَ ذبحَه، فقامَ
رجلٌ مِن الأنصارِ فقال: يا رسول الله، جِيرانٌ لي - إمَّا قال: بهم خَصَاصةٌ، وإِمَّا قال: فقرٌ - وإنِّي
٤٧٢/٢ ذَبَحتُ قبلَ الصلاةِ، وعندي عَناقٌ لي/ أحبُّ إليَّ من شاتَيْ لحم، فَرَخَّصَ له فيها. [انظر: ٩٥٤]
٩٨٥ - حدَّثْنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأسوَدِ، عن جُنْدُبٍ، قال: صلَّى النبيُّ ◌ِله
يومَ النَّحْرِ ثمَّ خَطَب، ثمَّ ذَبَح، وقال: ((مَن ذَبَحَ قبلَ أن يُصلِيَّ فَلَيَذْبَحْ أُخرى مكانَها، ومَن لم
يذبحْ فلینبَحْ باسمِ الله».
[أطرافه في: ٥٥٠٠، ٥٥٦٢، ٦٦٧٤، ٧٤٠٠]
قوله: ((بابُ كلام الإمام والنَّاس في خُطْبةِ العيد، وإذا سُئِلَ الإمامُ عن شيءٍ وهو يَخْطُب)»
في هذه الترجمة حُكْمان، وظَنَّ بعضُهم أنَّ فيها تَكراراً وليس ذلك، بل الأوَّلُ أعمُّ من
الثاني، ولم يَذكُر المصنِّفُ الجوابَ استغناءً بما في الحديث، ووجهُه من حديث البراء أنَّ
المراجعةَ الصَّادرةَ بين أبي بردةَ وبين النبيِّ وَِّدِالَّةٌ على الحكم الأوَّل، وسؤالُ أبي بُردةَ عن
حُكم العَناقِ دالٌّ على الحكم الثاني.
قوله: ((عن الأسوَد)): هو ابن قيسٍ لا ابن يزيد، لأنَّ شُعبةً لم يَلحَق ابن يزيد، وجُندُبٌ:
هو ابن عبد الله البجليّ.
قوله: ((وقال: مَن ذَّبَحَ)) هو من ◌ُملة الخطبة وليس معطوفاً على قوله: (ثمَّ ذَبَح)) لئلا
يلزمَ تخلُّلُ الذَّبح بين الخطبة وهذا القول، وليس الواقعُ ذلك على ما بيَّنْه حديثُ البَراء
الذي قبلَه، وسيأتي الكلامُ عليهما في كتاب الأضاحيِّ إن شاء الله تعالى(١).
٢٤ - باب من خالَفَ الطريقَ إذا رجع يوم العيد
٩٨٦- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا أبو تُمَيلةَ يحيى بنُ واضِحٍ، عن فُلَبِحِ بنِ سليمانَ، عن
(١) سيأتي حديث البراء برقم (٥٥٥٦)، وحديث جندب برقم (٥٥٦٢)، وسيأتي فيه حديث أنس أيضاً
برقم (٥٥٤٩).

٦٩
باب ٢٤ / ح ٩٨٦
كتاب العيدين
سعيدِ بنِ الحارثِ، عن جابرٍ، قال: كان النبيُّ ◌ََّ إذا كان يومُ عيدٍ خالَفَ الطريقَ.
تابَعَه يونسُ بنُ محمَّدٍ عن فُلیحِ. وحدیثُ جابٍ أُصحُّ.
قوله: ((بابُ مَن خالَفَ الطريقَ)) أي: التي تَوجَّهَ منها إلى المصلَّى.
قوله: ((حدَّثنا محمَّدٌ)) كذا للأكثر غيرُ منسوبٍ، وفي رواية أبي عليٍّ بن السَّكَن: حدَّثنا
محمد بن سَلَام، وكذا للحَفْصِيِّ وجَزَمَ به الكَلَاباذيُّ وغيرُه، وفي نسخةٍ من ((أطراف)»
خَلَفٍ أنَّه وَجَدَ في حاشيةٍ أَنَّه محمد بن مُقاتِل. انتهى، وكذا هو في رواية أبي عليٍّ بن شَّويه،
والأوَّلُ هو المعتمَدُ، وقد رواه عن أبي تُمَيلةَ أيضاً - مَمَّن اسمه محمدٌ - محمد بن حُميدِ الرّازيُّ
لكنَّه خالَفَ في اسم صاحبيه كما سيأتي، وليس هو ممَّن خَرَّجَ عنهم البخاريُّ في
((صحيحه)، وأبو تُمَيلةَ بالمثنَّة مُصغَّراً مَروَزيّ، قيل: إنَّ البخاريَّ ذكره في ((الضُّعَفاء)»،
لكن لم يُوجَد ذلك في التصنيف المذكور، قاله الذَّهَبِيُّ، ثمَّ إِنَّه لم يَنفَرِد به كما سيأتي، نعم
تَفرَّدَ به شيخُه فُلَيحٌ وهو مُضغَّفٌ عند ابن مَعِينٍ والنَّسائيِّ وأبي داود ووثَّقه آخرون،
فحديثه من قَبِيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وسعدِ القَرَظ وأبي رافع
وعثمان بن عبيد الله النَّيْميِّ وغيرهم یَعضُد بعضها بعضاً(١)، فعلى هذا هو من القسم الثاني
من قِسمَي الصحيح.
قوله: ((عن سعيد بن الحارث)): هو ابن أبي سعيد بن المُعلَّ الأنصاريُّ.
قوله: ((إذا كان يومُ عيدٍ خالَفَ الطريق)) ((كان)) تامّة، أي: إذا وَقَع، وفي رواية الإسماعيليّ:
كان إذا خرج إلى العيد رَجَعَ من غير الطريق الذي ذهبَ فيه. قال التِّرمِذيّ: أخذَ بهذا بعض
أهل العلم فاستَحَبَّ للإمام، وبه يقول الشافعيّ. انتهى، والذي في ((الأُمّ)): أنَّه يُستَحَبّ
للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعيَّة، وقال الرَّافعيّ: لم يَتعرَّض في ((الوجيز)) إلَّا للإمام.
(١) حديث ابن عمر عند أحمد (٥٨٧٩)، وأبي داود (١١٥٦)، وابن ماجه (١٢٩٩)، وحديث سعدِ القَرَظ
عند ابن ماجه (١٢٩٨)، وحديث أبي رافع عند ابن ماجه أيضاً (١٣٠٠)، وحديث عثمان بن عبيد الله
التيمي عند الشافعي في ((الأم)) ٢٦٧/١، ومن طريقه البيهقي في («السنن)) ٣٠٩/٣.

٧٠
باب ٢٤ / ح ٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤٧٣/٢ انتهى،/ وبالتَّعميم قال أكثر أهل العلم، ومنهم مَن قال: إن عُلِمَ المعنى وبَقِيَت العِلَّة بقيَ
الحكم وإلَّا انتَفَى بانتفائها، وإن لم يُعلَم المعنى بقيَ الاقتداء، وقال الأكثر: يبقى الحكم ولو
انتَفَت العِلَّة للاقتداء كما في الرَّمل(١) وغيره.
وقد اختُلِفَ في معنى ذلك على أقوال كثيرة اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخّصتُها
وبَيَّنت الواهي منها، قال القاضي عبد الوهّاب المالكيّ: ذُكِرَ في ذلك فوائد بعضها قريب
وأكثرها دعاوى فارغة. انتهى، فمن ذلك أنَّه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: سُكّانهما
من الجِنّ والإنس، وقيل: ليُسوَّى بينهما في مَزِيَّة الفضل بمُروره أو في التبرُّك به، أو ليُشَمَّ
رائحة المسك من الطريق التي يَمُرّ بها، لأنَّه كان معروفاً بذلك، وقيل: لأنَّ طريقه للمُصلَّى
كانت على اليمين فلو رَجَعَ منها لَرَجَعَ على جهة الشِّمال فَرَجَعَ من غيرها، وهذا يحتاج إلى
دليل، وقيل: لإظهار شِعار الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذِكْر الله، وقيل: ليَغِيظَ المنافقين أو
اليهود، وقيل: ليُرهِبهم بكثرة مَن معه، ورَجَّحَه ابن بَطَّل، وقيل: حَذَراً من كَيْد الطائفتين أو
إحداهما، وفيه نظر، لأنَّه لو كان كذلك لم يُكرِّره، قاله ابن الِّين، وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يلزم من
مواظَبَتُه على مخالفة الطريق المواظبة على طريق منها مُعيَّن، لكن في رواية الشافعيِّ (١/ ٢٦٧)
من طريق المطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب مُرسَلاً: أَنَّه ◌َ ل﴿ كان يَغْدو يوم العيد إلى المصلَّى من
الطريق الأعظم ويَرجِع من الطريق الأُخرى، وهذا لو ثَبَتَ لَقَوَّى بحث ابن التِّين.
وقيل: فعل ذلك ليَعُمَّهم في السُّرور به، أو التبرُّك بمُرورِهِ وبرؤيته والانتفاع به في قضاء
حوائجهم في الاستفتاء أو التعلّم والاقتداء والاسترشاد أو الصَّدَقة أو السلام عليهم وغير
ذلك، وقيل: ليزورَ أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليَصِلَ رَحِمَه، وقيل: ليتفاءَل بتغُّر
الحال إلى المغفرة والرِّضا، وقيل: كان في ذهابه يتصدَّق فإذا رَجَعَ لم يَبْقَ معه شيء، فیَرجِع
من طريق أُخرى لئلّا يَرُدَّ مَن يسأله، وهذا ضعيف جدّاً مع احتياجه إلى الدليل.
(١) تحرف في (س) إلى: الرملي. والرَّمَل: الهرولة، ويشير بذلك إلى الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من
الطواف حول الكعبة على ما سيأتي في حديث ابن عباس عند البخاري (١٦٠٢)، وحديث عمر عنده
أيضاً برقم (١٦٠٥).

٧١
باب ٢٤ / ح ٩٨٦
كتاب العيدين
وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزِّحام، وهذا رَجَّحَه الشيخ أبو حامد وأيَّدَه المحِبّ
الطَّبَرُّ بما رواه البيهقيُّ (٣٠٩/٣) في حديث ابن عمر، فقال فيه: ليَسَع الناس، وتُعُقِّبَ
بأنَّه ضعيف، وبأنَّ قوله: ليَسَع الناسَ، يحتمل أن يُفسَّر ببَرَكتِه وفضله، وهذا الذي رَجَّحَه
ابن التِّين، وقيل: كان طريقه التي يتوجَّه منها أبعدَ من التي رجع فيها، فأراد تكثير الأجر
بتكثير الخُطَا في الذَّهاب، وأمَّا في الرجوع فِلِيُسرِعَ إلى منزله، وهذا اختيار الرَّافعي، وتُعُقِّبَ
بأنَّه يحتاج إلى دليل، وبأنَّ أجر الخُطا يُكتَب في الرجوع أيضاً كما ثَبَتَ في حديث أُبِيِّ بن
كعب عند التِّرمِذيّ (١) وغيره، فلو عُكِسَ ما قال لكان له اتّجاه، ويكون سلوك الطريق
القريب للمُبادَرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أوَّل الوقت، وقيل: لأنَّ الملائكة تَقِف في
الطُّرقات فأراد أن یشهد له فریقان منهم.
وقال ابن أبي جَمْرة: هو في معنى قول يعقوب لبَنِيه: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ ﴾
[يوسف: ٦٧]. فأشار إلى أنَّه فعل ذلك حَذَرَ إصابة العين، وأشار صاحب ((الهَدْي))(٢) إلى أنَّه
فعل ذلك لجميع ما ذُكِرَ من الأشياء المحتملة القريبة، والله أعلم.
قوله: (تابعَہ یونس بن محمّد عن فُلَیح، وحدیث جابر اصحّ)» کذا عند جمهور رواة
البخاري عن طريق الفِرَبْري، وهو مُشكِل، لأنَّ قوله: ((أصحّ)) يُبايِن قوله: ((تابَعَه)) إذ لو
تابَعَه لَساواه، فكيف تَتَّجِه الأصحيَّة الدّالّة على عَدَم المساواة. وذكر أبو عليّ الجَيَّانيّ أنَّه
سَقَطَ قوله: ((وحديث جابر أصحّ)) من رواية إبراهيم بن مَعقِل النَّسَفيِّ عن البخاري، فلا
إشكال فيها، قال: ووقع في رواية ابن السَّكَن: ((تابَعَه يونس بن محمد، عن فُليح، عن
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فحديث أبيٌّ لم يخرجه الترمذي، وأخرجه مسلم (٦٦٣)، وأبو داود
(٥٥٧)، وابن ماجه (٧٨٣)، وهو في الرجل الذي كان منزله بعيداً من المسجد، فقال: إني أريد أن
يُكتَب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال رسول الله وَّ: «قد جمعَ الله لك ذلك
کلَّه)).
(٢) يريد الإمامَ ابنَ القيِّم رحمه الله، المتوفى سنة ٧٥١ هـ، صاحب كتاب ((زاد المعاد في هدي خير العباد)»،
وحيثما أطلق الحافظُ صاحب «اهدي» فهو هو.

٧٢
باب ٢٤ / ح ٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
سعيد، عن أبي هريرة» وفي هذا توجيه قوله: أصح.
ويبقى الإشكال في قوله: تابَعَه، فإنَّه لم يتابعه بل خالَفَه، وقد أزال هذا الأشكال أبو
نُعَيم في ((المستخرَج)) فقال: أخرجه البخاري عن محمد عن أبي تُمَيلةَ، وقال: تابَعَه يونس
ابن محمد عن فُلَيح، وقال محمد بن الصَّلت: عن فُلَيحِ عن سعيد عن أبي هريرة، وحديث
جابر أصحّ. وبهذا جَزَمَ أبو مسعود في ((الأطراف))، وكذا أشار إليه البَرْقَانُّ، وقال
٤٧٤/٢ البيهقيُّ:/ إنَّه وقع كذلك في بعض النُّسَخ؛ وكأنَها رواية حَمَّاد بن شاكر عن البخاريّ، ثمَّ
راجعتُ رواية النَّسَفيِّ فلم يَذكُر قوله: ((وحديث جابر أصحّ) فسَلِمَ من الإشكال، وهو
مُقْتَضى قول التِّرمِذيّ: رواه أبو تُمَيلةَ ويونس بن محمد عن فُلَيح عن سعيد عن جابر(١)،
فعلى هذا يكون سَقَطَ من رواية الفِرَبْريِّ قولُه: ((وقال محمد بن الصَّلْت عن فُلَيح)) فقط
وبَقيَ ما عَدَا ذلك، هذا على رواية أبي عليّ بن السَّكّن، وقد وقع كذلك في نسختي من
رواية أبي ذرِّ عن مشايخه، وأمَّا على رواية الباقين فيكون سَقَطَ إسناد محمد بن الصَّلْت كلُّه.
وقال أبو عليّ الصَّدَفيّ في حاشية نسخته التي بخَطِّه من البخاريّ: لا يَظهَر معناه من
ظاهر الكتاب، وإنَّما هي إشارة إلى أنَّ أبا تُمَيلةَ ويونس المتابع له خُولِفا في سند الحديث،
وروايتهما أصح، ومخالفُهما - وهو محمد بن الصَّلْت - رواه عن فُلَيح شيخهما فخالَفَهما في
صحابيِّه فقال: عن أبي هريرة. قلت: فيكون معنى قوله: ((وحديث جابر أصحُ)) أي: من
حدیث مَن قال فيه: عن أبي هريرة.
وقد اعتَرَضَ أبو مسعود في ((الأطراف)) على قوله: تابَعَه يونس، اعتراضاً آخر، فقال: إنَّما
رواه يونس بن محمد عن فُلَيح عن سعيد عن أبي هريرة لا جابر. وأُجيبَ بمَنْع الحَصْر، فإنَّه
ثابت عن يونس بن محمد كما قال البخاري، أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم في ((مُستخرَجَيهما))
من طريق أبي بكر بن أبي شَيْبة عن يونس، وكذا هو في ((مسنده) و((مصنَّفْه))(٢)، نعم رواه ابن
(١) ذكره الترمذي بإثر حديث أبي هريرة برقم (٥٤١).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع منهما.

٧٣
باب ٢٥
كتاب العيدين
خُزَيمةَ (١٤٦٨) والحاكم (٢٩٦/١) والبيهقيُّ (٣٠٨/٣) من طريق أُخرى عن يونس بن
محمد كما قال أبو مسعود، وكأنَّه اختُلِفَ عليه فيه، وكذا اختُلِفَ فيه على أبي تُمَيلةً فأخرجه
البيهقيُّ (٣٠٨/٣) من وجه آخر عنه فقال: عن أبي هريرة.
وأمَّا رواية محمد بن الصَّلْت المشار إليها، فوَصَلها الدّارميُّ (١٦١٣) وسَمّويه كلاهما
عنه، والتِّرمِذيّ (٥٤١) وابن السَّكَن والعُقَيليّ كلَّهم من طريقه بلفظ: كان إذا خرج يوم
العيد في طريق رَجَعَ في غيره. وذكر أبو مسعود أنَّ الهيثم بن جميل رواه عن فُليح - كما قال
ابن الصَّلْت - عن أبي هريرة، والذي يَغلِب على الظنّ أنَّ الاختلاف فيه من فُلَيح، فلعلَّ
شيخه سمعه من جابر ومن أبي هريرة، ويُقوِّي ذلك اختلافُ اللَّفْظَين، وقد رَجَّحَ
البخاري أنَّه عن جابر، وخالَفَه أبو مسعود والبيهقيُّ فَرَجَّحا أنَّه عن أبي هريرة، ولم يَظهَر
لي في ذلك ترجيح، والله أعلم.
٢٥ - باب إذا فاته العيدَ يصلِّي ركعتين وكذلك النساءُ
ومن كان في البيوت والقرى
لقول النبيِّ وَّ: «هذا عِيدُنا أهلَ الإسلام)).
وأمَرَ أنسُ بنُ مالكِ مَوْلاهُ ابنَ أبي غَنِيَّةَ بالزَّاوِيَةِ، فجمع أهلَه وبَنِيهِ وصلَّى كصلاةِ أهلِ
الِضْرِ وتکبیرهم.
وقال عِكْرمةُ: أهلُ السَّوادِ يجتمعونَ في العيدِ يُصلُّونَ رَكْعتَينِ كما يَصْنَعُ الإمامُ.
وقال عطاء: إذا فاتَّه العيدُ صلَّى رَكْعتَينِ.
قوله: ((باب إذا فاته العيدُ)) أي: مع الإمام ((يُصلِّ ركعتين)). في هذه الترجمة ◌ُكْمان:
مشروعيَّة استدراك صلاة/ العيد إذا فاتَت مع الجماعة، سواء كان بالاضطرار أو بالاختيار، ٤٧٥/٢
وكَوْنُها تُقضَى ركعتين كأصلها، وخالَفَ في الأوَّل جماعة منهم المُزَنِيُّ فقال: لا تُقضَى، وفي
الثاني الثَّوريّ وأحمد وقالا: إن صلَّها وحدَه صلَّى أربعاً، ولهما في ذلك سلفٌ، قال ابن

٧٤
باب ٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
مسعود: مَن فاتَه العيدُ مع الإمام فليُصلِّ أربعاً، أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح،
وقال إسحاق: إن صلَّاها في الجَبَّانة(١) فركعتين وإلَّا فأربعاً.
قال الزَّين بن المنيِر: كأنَّهم قاسُوها على الجمعة، لكنَّ الفرق ظاهر، لأنَّ مَن فاتَتْه
الجمعةُ يعود لفرضِه من الظُّهر، بخلاف العيد. انتهى، وقال أبو حنيفة: يَتَخَّر بين القضاء
والتَّرك، وبين الثِّتَينِ والأربع.
وأورَدَ البخاري في هذا الباب حديث عائشة في قصَّة الجاريتَينِ المغنِّيتَين، وأشكَلَت
مُطابقُته للترجمة على جماعة، وأجاب ابن المنيِرِ بأنَّ ذلك يُؤخَذ من قوله ◌ََّ: ((إنَّهَا أيام عيدٍ))
فأضاف نسبة العيد إلى اليوم فيستوي في إقامتها الفَذُّ والجماعة، والنِّساء والرجال، قال ابن
رُشَيد: وتَتِمَّته أن يقال: إنَّها أيام عيد، أي: لأهل الإسلام، بدليل قوله في الحديث الآخر:
((عيدُنا أهلَ الإسلام))، ولهذا ذكره البخاري في صَدْر الباب، وأهل الإسلام شامل
لجميعهم إفراداً وجمعاً، وهذا يُستَفاد منه الحكم الثاني لا مشروعيّة القضاء، قال: والذي
يَظهَر لي أنَّه أخذَ مشروعيَّة القضاء من قوله: ((فإنَّها أيام عيد)) أي: أيام مِنَّى، فلمَّا سَمّاها
أيامَ عيد كانت مَحَلَّا لأداء هذه الصلاة، لأنَّهَا شُرِعَت ليوم العيد، فيُستَفاد من ذلك أنّها
تقع أداءً، وأنَّ لوقتِ الأداء آخِراً وهو آخر أيام مِنَّى، قال: ووجدتُ بخَطِّ أبي القاسم بن
الوَرْد: لمَّا سَوَّغَ وَِّ لِلنِّساء راحة العيد المباحة، كان آكَدَ أن يَنْدُبَهَنَّ إلى صلاته في بيوتهنَّ
فِيَلْتَمُ (٢) قولُه في الترجمة ((وكذلك النِّساء)) مع قوله في الحديث: ((دَعْهما فإنَّها أيام عيد)).
قوله: ((ومَن كان في البيوت والقُرَى)) يشير إلى مخالَفة ما رُوِيَ عن عليٍّ: لا جمعة ولا تشريق
إلّا في مِصر جامع، وقد تقدَّم في ((باب فضل العمل في أيام التَّشْرِيقِ))(٣)، وعن الزُّهْريِّ: ليس
على المسافر صلاة عيد، ووجه مخالفته كَوْن عموم الحديث المذكور يخالف ذلك.
(١) هكذا في الأصلين، وفي (س): الجماعة، وكلاهما صحيح، فإن الجماعة في صلاة العيد كانت في الجبانة،
وهي الصحراء أو الأرض الواسعة المستوية.
(٢) قوله: ((فيلتئم)) سقط من (س).
(٣) سلف الباب برقم (١١).

٧٥
باب ٢٥
كتاب العيدين
قوله: ((لقول النبيِّ ◌َّ: هذا عِيدُنا أهلَ الإسلام)) هذا الحديث لم أرَه هكذا، وإنَّما أوَّله في
حديث عائشة في قصَّة المغنِّيتَين، وقد تقدَّم في ثالث الترجمة من كتاب العيدين (٩٥٢) بلفظ: ((إنّ
لكلِّ قوم عيداً وهذا عيدنا))، وأمَّا باقيه فلعلَّه مأخوذ من حديث عُقْبة بن عامر مرفوعاً: ((أيام
مِنِى عيدنا أهل الإسلام)) وهو في ((السُّنَن)) وصحَّحه ابن خُزَيمةَ(١)، وقوله: ((أهلَ الإسلام))
بالنصب على أنَّه مُنادى مضاف حُذِفَ منه حرف النِّداء، أو بإضمار: أعني أو أخُص، وجَوَّزَ فيه
أبو البقاء في ((إعراب المسنَد)) الجرّ على أنَّه بدل من الضَّمير في قوله: ((عیدنا)).
قوله: ((وَأَمَرَ أنسُ بن مالك مَوْلاه)» في رواية المُستَمْلي: مولاهم.
قوله: ((ابن أبي غَنِيَّة)) كذا لأبي ذرِّ بالمعجَمة والنُّون بعدها تحتانيَّة مُثقَّلة، وللأكثر بضمِّ
المهمَلة وسكون المثنَّاة بعدها مُوخَّدة وهو الراجح.
قوله: ((بالزّاوية)) بالزّاي: موضع على فَرسَخَينٍ من البصرة كان به لأنسٍ قصر وأرض،
وكان يقيم هناك كثيراً، وكانت بالزّاوية وقعة عظيمة بين الحجّاج وابن الأشعث. وهذا
الأثر وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٨٣) عن ابن عُليَّة عن يونس - هو ابن عُبيد - حدَّثني
بعض آل أنس: أنَّ أنساً كان ربّما جمع أهله وحَشَمه يوم العيد فيُصلِّ بهم عبد الله بن أبي
عُتبةَ مولاه ركعتين، والمراد بالبعض المذكور عبد الله بن أبي بكر بن أنس، روى البيهقيُّ
(١٠٥/٣) من طريقه قال: كان أنس إذا فاتَه العيد مع الإمام، جمع أهله فصلّى بهم مثل
صلاة الإمام في العيد.
قوله: ((وقال عِكْرمة)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٩١) من طريق قَتَادة عنه قال في القوم
يكونون في السَّواد وفي السَّفَر في يوم عيد فطر أو أضحى قال: يَجتمِعون ويَؤُمّهم أحدهم.
قوله: ((وقال عطاء)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((وكان عطاء)) والأوَّل أصح، فقد رواه
الفِرِيابيُّ في ((مصنَّفه)) عن الثَّوريّ، عن ابن جُرَيج، عن عطاء قال: مَن فاتَه العيد فليُصلِّ
(١) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٣٠٠٤)، وابن خزيمة (٢١٠٠)، وابن حبان
(٣٦٠٣).

٧٦
باب ٢٥/ ح ٩٨٧-٩٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٧٦/٢ ركعتين، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٨٣) من وجه آخر عن ابن جُرَيج/ وزاد: ((ويُكبِّر))،
وهذه الزِّيادة تُشير إلى أنَّها تُقضَى كهيئتِها لا أنَّ الرَّكعتين مُطلَق نَفْل.
٩٨٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوة،
عن عائشةَ: أنَّ أبا بكرٍ ﴾ دَخَل عليها وعندها جاريتانِ في أيام مِنّى، تُدفِّفانٍ وتَضْرِبانٍ والنبيُّ
وَ مُتَغَشِّ بثوبِهِ، فَانتَهَرَهما أبو بكرٍ فَكَشَفَ النبيُّ وَّهِ عن وجهِه، فقال: ((دَعْهما يا أبا بكرٍ،
فإِنَّها أيامُ عيدٍ)) وتلك الأيامُ أيامُ مِنِّى.
٩٨٨- وقالت عائشةُ: رأيتُ النبيَّ وَّهِ يَستُرُني وأنا أَنظُرُ إلى الحَبَشةِ وهم يَلعَبونَ في
المسجدِ، فَزَجَرَهُم، فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((دَعْهُم، أَمْناً بني أَرْفِدةً) يعني: مِن الأمنِ.
وأمَّا حديث عائشة فتقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في أوائل كتاب العيدين (٩٤٩)، وقوله
فيه: ((وقالت عائشة)) معطوف على الإسناد المذكور كما تقدَّم بيانُه.
وقوله: ((فَزَجَرَهم فقال النبيُّ ◌َّهِ: دَعْهم)) كذا في الأُصول بحذف فاعل ((زَجَرَهم)»،
ووقع في رواية كَرِيمة: ((فَرَجَرَهم عمر)) كذا هنا، وسيأتي بهذا الإسناد في أوائل المناقب
(٣٥٢٩) بحذفِه أيضاً للجميع، وضَبَّبَ النَّسَفيُّ بين ((زَجَرهم)) وبين ((فقال)) إشارةً إلى
الحذف، وقد ثَبَتَ بلفظ عمر في طرق أُخرى كما تقدَّم في أوائل العيدين.
وقوله: (أمْناً)) بسكون الميم ((يعني من الأمن)) يشير إلى أنَّ المعنى: اترُكهم من جهة أنَّا
آمَنَّاهم أمناً، أو أراد أنَّه مُشتَقّ من الأمن لا من الأمان الذي للكفَّار، والله أعلم.
٢٦ - باب الصلاة قبل العيد وبعدها
وقال أبو المُعلَّى: سمعتُ سعيداً عن ابنِ عبَّاسٍ: كَرِهَ الصلاةَ قبلَ العيدِ.
٩٨٩- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنِي عَدِيُّ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ وََّ خِرِجَ يومَ الفِطْرِ، فصَلَّى رَكْعَتَينِ لم يُصلِّ قبلَها
ولا بعدها، ومعه بلالٌ.

٧٧
باب ٢٦ / ح ٩٨٩
كتاب العيدين
قوله: ((باب الصلاة قبل العيد وبعدها)) أورَدَ فيه أثر ابن عبّاس أنَّه كرِه الصلاة قبل
العيد وحديثه المرفوع في ترك الصلاة قبلها وبعدها ولم يَجِزِم بحُكم ذلك، لأنَّ الأثر يحتمل
أن يُرادَ به منعُ التنقّل أو نفي الرّاتبة، وعلى المنع فهل هو لكَوْنه وقت كراهة أو لأعمَّ من
ذلك، ويؤيِّد الأوَّلَ الاقتصار على القَبْل، وأمَّا الحديث فليس فيه ما يدلّ على المواظَبة
فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في
جميع ذلك، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنَّه قال: الكوفيُّون يُصلُّون بعدها لا قبلها،
والبصريُّون يُصلُّون قبلها لا بعدها، والمدنيُّون لا قبلها ولا بعدها. وبالأوَّل قال الأوزاعيُّ
والثَّوريُّ والحنفيَّة، وبالثاني قال الحسن البصريّ وجماعة، وبالثالث قال الزُّهْرِيُّ وابن
جُرَيج وأحمد، وأمَّا مالك فمَنَعَه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان.
وقال الشافعيّ في ((الأُمّ)) - ونقله البيهقيُّ عنه في ((المعرفة)) (٦٩٣٩) بعد أن روى
حديث ابن عبّاس حديث الباب - ما نَصُّه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفَّل قبلها ولا
بعدها، وأمَّا المأموم فمخالف له في ذلك. ثمَّ بَسَطَ الكلام في ذلك، وقال الرَّافعيّ: يُكرَه
للإمام التنفُّل قبل العيد وبعدها، وقَيَّدَه في البُوَيطيّ بالمصلَّى، وجَرَى على ذلك الصَّيمَريّ،
فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مُطلَقاً إلَّا للإمام في موضع الصلاة، وأمَّا النَّوَويّ في
(شرح مسلم)) فقال: قال الشافعيُّ وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا
بعدها؛ فإن ◌ُمِلٍ كلامه على المأموم وإلّا فهو مخالف لنَصِّ الشافعيّ المذكور، ويؤيِّد ما في
الْبُوَيطيّ حديث أبي سعيد: أنَّ النبيَّ وََّ كان لا يُصلِّ قبل العيد شيئاً، فإذا رَجَعَ إلى منزله
صلَّى ركعتين، أخرجه ابن ماجَهْ (١٢٩٣) بإسنادٍ حسن(١)، وقد صحَّحه الحاكم (١/
٢٩٧)، وبهذا قال إسحاق.
ونقل بعض المالكيَّة الإجماع على أنَّ الإمام لا يتنفَّل في المصلَّى، وقال ابن العربيّ: التنفّل
(١) في الإسناد عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وهو سيئ الحفظ، وقد تفرَّد بهذا الحديث! وهو في ((مسند أحمد»
برقم (١١٢٢٦).

٧٨
باب ٢٦ / ح ٩٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
في المصلَّى لو فُعِلَ لِنُقِل، ومَن أجازه رأى أنَّه وقت مُطلَق للصلاة، ومَن تركه رأى أنَّ النبيَّ
وَلّ لم يفعله، ومَن اقتَدَى فقد اهتَدَى. انتهى، والحاصل أنَّ صلاة العيد لم يَتْبُت لها سُنَّةً
قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسَها على الجمعة، وأمَّا مُطلَق النَّفْل فلم يَثْبُت فيه منعٌ بدليل
خاصّ، إلَّا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم.
قوله: ((وقال أبو المُعلَّى)) بضمِّ الميم وتشديد اللّام المفتوحة: اسمه يحيى بن ميمون
٤٧٧/٢ العَطّار الكوفي، / وليس له عند البخاري سوى هذا الموضع، ولم أقفْ على أثره هذا
موصولاً. وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس المرفوع بأتمَّ من هذا السياق في ((باب الخطبة بعد
العيد)) (٩٦٤).
خاتمة: اشتمل كتاب العيدين من الأحاديث المرفوعة على خمسة وأربعين حديثاً، المعلّق
منها أربعة والبقيّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى سنَّة وعشرون والبقيَّة خالصة،
وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس في أكل التَّمر قبل صلاة عيد الفِطْر، وحديث
ابن عمر في قِصَّته مع الحَجَّاج، وحديث ابن عبّاس في العمل في ذي الحِجَّة، وحديث ابن
عمر في الذَّبح بالمصلَّى، وحديث جابر في مخالَفة الطريق، وأمَّا حديث عُقْبة بن عامر المشار
إليه في الباب الماضي فإن كان مُراداً زادت العِدَّة واحداً مُعلَّقاً، وليس هو في مسلم.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعينَ ثلاثة وعشرون أثراً مُعلَّقة إلَّا أثر أبي بكر وعمر
وعثمان في الصلاة قبل الخطبة، فإنَّها موصولة في حديث ابن عبّاس، والله الهادي إلى
الصواب.

٧٩
باب ١/ ح ٩٩٠-٩٩١
أبواب الوتر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب الوثر
١ - باب ما جاء في الوتر
٩٩٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ وعبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن
ابنِ عمرَ: أنَّ رجلاً سألَ رسولَ الله وَِّ عن صلاةِ الليلِ، فقال رسولُ الله عليه السلام: ((صلاةُ
الليلِ مَثْنِى مَثْنى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصُّبْحَ، صلَّى رَكْعَةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صَلَّى)).
٩٩١- وعن نافعٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان يُسلِّمُ بين الرَّكْعةِ والرَّكْعتَينِ في الوِتْرِ، حتَّى
یأمرَ ببعضِ حاجَتِه.
((بسم الله الرحمن الرحيم. أبواب الوِتْر)) كذا عند المُستَمْلي، وعند الباقين: ((باب ما
جاء في الوتر))، وسَقَطَت البسملة عند ابن شَبّويه والأَصِيلي وكَرِيمة. والوِتْر بالكسر:
الفَرْد، وبالفتح: الثَّر، وفي لغةٍ مُتَرادفان. ولم يَتعرَّض البخاري -حُكْمِه، لكن إفراده بترجمةٍ
عن أبواب التهجُّد والتطوُّع يقتضي أنَّه غير مُلحَق بها عنده، ولولا أنَّه أورَدَ الحديث الذي
فيه إيقاعه على الدابّة إلَّ المكتوبة(١)، لكان في ذلك إشارة إلى أنَّه يقول بوجوبه.
وأورَدَ البخاري فيه ثلاثة أحاديث مرفوعة: حديث ابن عمر من وجهَين، وحديث
ابن عبّاس، وحديث عائشة، فأمَّا حديث ابن عمر فأخرجه من «الموطَّأ)» (١٢٣/٤) ولم
يُخْتَلَف على مالك في إسناده إلَّ أنَّ في رواية مَكِّيّ بن إبراهيم عن مالك أنَّ نافعاً وعبد الله
ابن دينار أخبراه، كذا في ((الموطََّت)) للدَّارَ قُطني، وأورَدَه الباقون بالعنعنة.
فائدة: قال ابن التِّين: اختُلِفَ في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعَدَده، واشتراط
(١) يشير إلى حديث ابن عمر الآتي برقم (٩٩٩) و(١٠٠٠).

٨٠
باب ١ / ح ٩٩٠-٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
النّيَّة فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شَفْع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السَّفَر على
الدابَّة. قلت: وفي قضائه، والقُنوت فيه، وفي مَحَلِّ القُنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله
ووَصْله، وهل تُسَنّ ركعتان بعده، وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير يَنبَني علی کَوْنه
مندوباً أو لا. وقد اختلفوا في أوَّل وقته أيضاً، وفي كَوْنه أفضل صلاة التطوُّع، أو الرَّواتب
أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. وقد تَرجَمَ البخاري لبعض ما ذكرناه، ويأتي الكلام
على ما لم يُتَرجِم له في أثناء الكلام على أحاديث الباب وما بعدها.
قوله: ((أنَّ رجلاً) لم أقف على اسمه، ووقع في ((المعجم الصغير)) للطَّبرانيِّ (٢٨٦) أنَّ
السائل هو ابن عمر، لكن يُعكِّر عليه رواية عبد الله بن شَقِيق عن ابن عمر: أنَّ رجلاً سأل
النبيَّ ◌َ﴿ وأنا بينَه وبين السائل ... فذَكَر الحديث، وفيه: ثمَّ سأله رجل على رأس الحَوْل
وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجل أو غيره(١)، وعند النَّسائيِّ (١٦٩١)
من هذا الوجه أنَّ السائل المذكور من أهل البادية، وعند محمد بن نصر في كتاب ((أحكام
الوِتر)» وهو كتاب نفيس في مُجُلَّدة من رواية عَطيَّة عن ابن عمر: أنَّ أعرابيّاً سأل، فيحتمل
أن يُجمَع بتعدُّدِ مَن سأل، وقد سَبَقَ في ((باب الحلَق في المسجد)) (٤٧٢) أنَّ السُّؤال المذكور
وقع في المسجد والنبيُّ وَله على المنبر.
قوله: ((عن صلاة الليل)) في رواية أيوب عن نافع في ((باب الحلق في المسجد)) (٤٧٣):
أنَّ رجلاً جاء إلى النبيّ وَلّهِ وهو يَخْطُب فقال: كيف صلاة الليل؟ ونحوه في رواية سالم عن
أبيه في أبواب التطوُّع (١١٣٧)، وقد تَبيَّنَ من الجواب أنَّ السُّؤال وقع عن عَدَدها أو عن
الفَصْلِ والوَصْل، وفي رواية محمد بن نصر من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:
٤٧٩/٢ قال رجل: يا رسول الله كيف/ تأمُرنا أن نُصلّيَ من الليل؟ وأمَّا قول ابن بَزِيزَ: جوابه
بقوله: مَثْنى، يدلُّ على أنَّه فَهِمَ من السائل طلبَ كيفيَّة العدد لا مُطلَق الكيفيَّة. ففيه نظرٌ،
وأَولى ما فُشِّرَ به الحديث من الحديث.
(١) أخرجه مسلم (٧٤٩) (١٤٨).