Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ باب ١٥ / ح ٩٠٤ -٩٠٥ كتاب الجمعة قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َّه كان يُصلِّي الجمعة حين تَميل الشمس)) فيه إشعار بمواظَتِه ◌َ لّ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. أمَّا رواية حميدٍ التي بعد هذا عن أنس: كنَّا نُبَكِّر بالجمعة ونَقيل بعد الجمعة، فَظاهره أَهم كانوا يُصلُّون الجمعة باكرَ النهار، لكنَّ طريق الجمع أولى من دعوى التَّعارُض، وقد تَقَرَّرَ فيما تقدَّم أنَّ التَّبكير يُطلَق على فعل الشيء في أوَّل وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى أنَّهم كانوا يَبدَؤون بالصلاة قبل القَيلولة، بخلاف ما جَرَت به عادتهم في صلاة الظُّهر في الحّ، فإنَّهم كانوا يَقيلون ثمَّ يُصلَّون لمشروعيَّة الإبراد، ولهذه النُّكتة أورَدَ البخاري طريق حميدٍ عن أنس عَقِب طريق عثمان بن عبد الرحمن عنه، وسيأتي في الترجمة التي بعد هذه التعبير بالتَّبكيرِ، والمراد به الصلاة في أوَّل الوقت، وهو يؤيِّد ما قلناه. قال الزَّين بن المنِّر في ((الحاشية)): فسَّرَ البخاري حديث أنس الثاني بحديث أنس الأوَّل، إشارة منه إلى أنَّه لا تعارض بينهما. تنبيهان: الأوَّل: حكى ابن التِّين عن أبي عبد الملك أنَّه قال: إنَّما أورَدَ البخاري الآثار عن الصحابة لأنّه لم تَجِد حديثاً مرفوعاً في ذلك، وتعقّبه بحديث أنس هذا، وهو كما قال. الثاني: لم يقع التصريح عند المصنّف برفع حديث أنس الثاني، وقد أخرجه الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) (٨٠٨٨)(١) من طريق فُضَيل بن عياض عن حميدٍ فزاد فيه: مع النبيّ ◌َِّ، وكذا أخرجه ابن حِبَّان في «صحيحه)) (٢٨٠٩) من طريق محمد بن إسحاق: حدَّثني حميدٌ الطّويل، وله شاهد من حديث سهل بن سعد يأتي في آخر كتاب الجمعة (٩٠٥). وفيه رَدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ الساعات المطلوبة في الذَّهاب إلى الجمعة من عند الزَّوال، لأنَّهم كانوا يتبادرون إلى الجمعة قبل القائلة. (١) فات الحافظَ أن يعزوه إلى ((مسند أحمد)) (١٣٤٨٩) من طريق محمد بنِ إسحاق، قال: حدثني حميدٌ الطويل. ٦٤٢ باب ١٦ / ح ٩٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٦ - بابٌ إذا اشتد الحرُّ يوم الجمعة ٩٠٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّمِيُّ، قال: حدَّثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارة، قال: حدَّثنا أبو خَلْدة - هو خالدُ بنُ دِينارٍ - قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان النبيُّ ◌ٍَّ إذا اشتَّ البَرْدُ بَكَّرَ بالصلاة، وإذا اشتَّ الحُّ أَبَرَدَ بالصلاة، يعني: الجمعةَ. ٣٨٩/٢ قال يونسُ بنُ بُكَير: أخبرنا أبو خَلْدةَ، وقال: بالصلاة، ولم يَذكُرِ الجمعةَ. وقال بِشرُ بنُ ثابتٍ: حدّثنا أبو خَلْدَةَ، قال: صَلَّى بنا أميرٌ الجمعةَ، ثمَّ قال لأنسٍ ﴾: كيفَ كان النبيُّ وَلَ يُصِلِِّ الظُّهرَ؟ قوله: ((بابٌ إذا اشتدَّ الحرّ يوم الجمعة)) لمَّا اختلف ظاهر النَّقْل عن أنس، وتَقَرَّرَ أنَّ طريق الجمع أن يُحمَل الأمر على اختلاف الحال بين الظُّهر والجمعة كما قدَّمناه، جاءَ عن أنس حديثٌ آخرُ يوهم خلافَ ذلك، فتَرجَمَ المصنّف هذه الترجمة لأجلِه. قوله: ((حدَّثنا أبو خَلْدَة) بفتح المعجَمة وسكون اللَّام، والإسناد كلّه بصريُّون. قوله: ((بَكَّرَ بالصلاة)) أي: صلَّاها في أوَّل وقتها. قوله: ((وإذا اشتَدَّ الحرّ أبَدَ بالصلاة، يعني: الجمعة)) لم يَجِزِمِ المصنّف بحكم الترجمة للاحتمال الواقع في قوله: يعني الجمعة، لاحتمال أن يكون من كلام التابعيّ أو مَن دونه، وهو ظَنّ مَمَّن قاله، والتصريح عن أنس في رواية حميدٍ الماضية أنَّه كان يُبكِّر بها مُطلَقاً من غير تفصيل، ويؤيِّده الرواية المعلّقة الثانية فإنَّ فيها البيانَ بأنَّ قولِه: يعني الجمعة، إنَّما أخَذَه قائلُه ممّا فهمَه من التَّسوية بين الجمعة والظُّهر عند أنس، حيثُ استدلَّ لمَّا سُئِلَ عن الجمعة بقوله: كان يُصلِّي الظَّهر، وأوضح من ذلك رواية الإسماعيليّ(١) من طريق أُخرى عن حَرَميّ ولفظه: سمعت أنساً - وناداه يزيدُ الضَّبِّيّ يوم جمعةٍ: يا أبا حمزة، قد شَهِدتَ الصلاة مع رسول الله وَّة، فكيف كان يُصلِي الجمعة؟ - فذكره، ولم يقل بعده: يعني الجمعة. (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي ١٩١/٣، وهذا الحديث أخرجه أيضاً النسائيُّ بهذا اللفظ في كتاب ((الجمعة)) له (٤٩٩)، نبه علیه الحافظ ابن رجب في «شرحہ)» ٤٢٣/٥. ٦٤٣ باب ١٦ / ح ٩٠٦ كتاب الجمعة قوله: ((وقال يونس بن بُكَيْرِ)) وَصَلَه المصنَّف في ((الأدَب المفرَد)) (١١٦٢) ولفظه: سمعت أنس بن مالك وهو مع الحكم أمير البصرة على السَّرير يقول: كان النبيّ وَّ إذا كان الحرّ أبَدَ بالصلاة، وإذا كان البَرَد بَكَّرَ بالصلاة. وأخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن يونس، وزاد: يعني الظّهر. والحكم المذكور هو ابن أبي عَقيل الثَّقَفيّ (١) كان نائباً عن ابن عَمّه الحجّاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن عَمّه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتَّى يكاد الوقت أن يخرُج. وقد أورَدَ أبو يعلى (١٤١١) قصَّة يزيد الضّبِّيّ المذكور وإنكاره على الحكم هذا الصَّنيع، واستشهاده بأنسٍ واعتذار أنس عن الحكم بأنَّه أخَّرَ للإبراد، فساقها مُطوَّلة في نحو ورَقة. وعُرِفَ بهذا أنَّ الإبراد بالجمعة عند أنس إنَّما هو بالقياس على الظُّهر لا بالنَّص (٢)، لكنَّ أكثر الأحاديث تَدُلّ على التَّفْرِقة بينهما. قوله: ((وقال بشْر بن ثابت)) وَصَلَه الإسماعيليّ والبيهقيُّ (١٩٢/١) بلفظ: كان إذا كان الشِّتَاء بَكَّرَ بالظُّهر، وإذا كان الصَّيف أبَرَدَ بها. وعُرِفَ من طريق ((الأدب المفرد)) تسمية الأمير المبهم في هذه الرواية المعلّقة، ومن رواية الإسماعيليّ وغيره سبب تحديث أنس بن مالك بذلك حتَّى سمعه أبو خَلْدة. وقال الزَّين بن المنيِر: نَحا البخاري إلى مشروعيَّة الإبراد بالجمعة ولم يُثْبِتِ الحكمَ بذلك، لأنَّ قولَه: يعني الجمعة، يحتمل أن يكون قول التابعيّ مّ فهمَه، ويحتمل أن يكون من نَقله، فَرَجَحَ عنده إلحاقها بالظُّهر، لأنَّها إمَّا ظُهر وزيادة أو بدل عن الظُّهر، وأَيَّدَ ذلك قولُ أمير البصرة لأنسٍ يوم الجمعة: كيف كان النبيّ وَلِّ يُصلِّ الظَّهر؟ وجواب أنس من غير إنكار ذلك، وقال أيضاً: إذا تَقَرَّرَ أنَّ الإبراد يُشرَع في الجمعة أُخِذَ منه أنَّها لا تُشرَع قبل الزَّوال، لأنَّه لو شُرِعَ لمَا كان اشتداد الحرّ سبباً لتأخيرها، بل كان يُستَغنَى عنه بتعجيلها (١) هو الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي الحفيد، وهو الذي كان أميراً على البصرة في ولاية الحجّاج، وليس جدَّه، فكان من حقه أن يبيّنه الحافظ رحمه الله. (٢) ذكر الحافظ ابن رجب في ((شرحه)) ٤٢٥/٥ أن أنساً لم يَقِسِ الجمعة على الظهر، ولكنه فَرِقَ وخاف من الحكم بن أيوب لما سأله، والله تعالى أعلم. ٦٤٤ باب ١٧ فتح الباري بشرح البخاري قبل الَّوال. واستدلَّ به ابن بَطَّال على أنَّ وقت الجمعة وقتُ الظُّهر، لأنَّ أنساً سَوَّى بينهما في جوابه، خلافاً لمن أجاز الجمعة قبل الزَّوال، وقد تقدَّم الكلام عليه في الباب الذي قبله. وفيه إزالة التَّشويش عن المصلِّ بكلِّ طريق محافظةً على الخشوع، لأنَّ ذلك هو السَّبَب في مراعاة الإبراد في الحرّ دون البرد. ٣٩٠/٢ ١٧ - باب المشي إلى الجمعة وقولِ الله جَلَّ ذِكرُه: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ومَن قال: السَّعْيُ: العملُ والذَّهابُ، لقولِه تعالى: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَرُمُ البيعُ حينئذٍ. وقال عطاءٌ: تَحُرُمُ الصِّناعاتُ كلُّها. وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهْريّ: إذا أَّنَ المؤذِّنُ يومَ الجمعةِ وهو مسافرٌ، فعليه أنْ يشهدَ. قوله: ((باب المشي إلى الجمعة وقول الله جَلَّ ذِكْره: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ومَن قال: السَّعي العمل والذَّهاب لقوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾)) قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): لمَّا قابَلَ الله بين الأمر بالسَّعي والنَّهي عن البَيع دلَّ أنَّ المراد بالسَّعي العملُ الذي هو الطَّاعة، لأنَّه هو الذي يقابل بسَعي الدُّنيا كالبَيع والصِّناعة، والحاصل أنَّ المأمور به سَعيُ الآخرة، والمنهيَّ عنه سَعيُ الدُّنيا. وفي ((الموطَّا)) (١٠٦/١) عن مالك أنَّه سألَ ابن شهاب عن هذه الآية، فقال: كان عمر يَقرؤُها: ((إذا نوديَ للصلاة فامضُوا)). وكأنَّه فسَّرَ السَّعي بالذَّهاب. قال مالك: وإنَّما السَّعي العمل(١) لقول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقال: ﴿وَأَمَّا مَن جَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨] قال مالك: وليس السَّعي الاشتداد. انتهى، وقراءة عمر المذكورة سيأتي الكلام عليها في التفسير (٢). (١) عبارة مالك في ((الموطأ): وإنما السعيُ في كتاب الله العَملُ والفِعل. فقيّده بقوله: في كتاب الله. (٢) بين يدي الحديث رقم (٤٨٩٧). ٦٤٥ باب ١٧ كتاب الجمعة وقد أورَدَ المصنِّف في الباب حديث: ((لا تأتوها وأنتُم تَسعَونَ وأُتوها تمشُون)) إشارة منه إلى أنَّ السَّعي المأمورَ به في الآية غيرُ السَّعي المنهيِّ عنه في الحديث، والحُجَّة فيه أنَّ السَّعي في الآية فُسِّرَ بالمضي، والسَّعيَ في الحديث فُسِّرَ بالعَدْو، لمقابَلتِه بالمشي حيثُ قال: ((لا تأتوها تَسعَونَ وأُتُوها تمشون». قوله: ((وقال ابن عبّاسٍ: يَجِرُمِ البَيْع حينَئِذٍ)) أي: إذا نوديَ بالصلاة، وهذا الأثر ذكره ابن حَزْم(١) من طريق عِكرِمة عن ابن عبّاسٍ بلفظ: لا يَصلُح البيع يوم الجمعة حین ینادى للصلاة، فإذا قُضيت الصلاة فاشتَرٍ ویع، ورواه ابن مَرْدویه من وجه آخر عن ابن عبّاسٍ مرفوعاً(٢)، وإلى القول بالتحريم ذهب الجمهور، وابتداؤُه عندهم من حين الأذان بين يَدَي/ الإمام لأنَّه الذي كان في عهد النبيّ وَّ كما سيأتي قريباً. وروى عمر بن شَبَّة في ٣٩١/٢ («أخبار المدينة)) (٩٥٩/٣) من طريق مكحول: أنَّ النّداء كان على عهد رسول الله وَ لا يؤذِّن يوم الجمعة مؤذِّن واحد حين يَخِرُج الإمام، وذلك النِّداء الذي يَجِرُم عنده البيع. وهو مُرسَل يَعْتَضِد بشواهدَ تأتي قريباً. وأمَّا الأذان الذي عند الَّوال فيجوز عندهم البيع فيه مع الكراهة، وعن الحنفيَّة يُكرَه مُطلَقاً ولا يَحُرُم. وهل يَصِحّ البَيع مع القول بالتحريمِ؟ قولان مبنيّان على أنَّ النَّهي هل يقتضي الفساد مُطلَقاً أو لا؟ قوله: ((وقال عطاءٌ: تَحُرُم الصِّناعات كلّها)) وَصَلَه عبد بن حميدٍ في ((تفسيره)) بلفظ: إذا نوديَ بالأذان حَرُمَ اللهو والبيع والصِّناعات كلّها والزُّقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يَكتُب كتاباً. وبهذا قال الجمهور أيضاً. قوله: ((وقال إبراهيم بن سعد عن الزُّهريِّ ... )) إلى آخره، لم أرَه من رواية إبراهيم(٣)، وقد (١) أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) ٩/ ٢٧ من طريق القاضي إسماعيل الجهضمي، وهو في كتابه ((أحكام القرآن)) برقم (٣٣٠). (٢) ذكر إسناده الحافظُ في ((التغليق)) ٢/ ٣٦٠، وفيه محمد بن زياد اليشكري الطحان، كذاب يضع الحديث. (٣) أخرج عبد الرزاق (٥٢٠٥) عن معمر، عن الزهري، قال: سألتُه عن المسافر، يمرُّ بقرية فينزل فيها يوم = ٦٤٦ باب ١٧ / ح ٩٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ذكره ابن المنذر (٢٠/٤ - ٢١) عن الزُّهريِّ وقال: إنَّه اختُلِفَ عليه فيه فقيل عنه هكذا، وقيل عنه مثل قول الجماعة: إنَّه لا جمعة على مسافر، كذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعيِّ عن الزُّهري. قال ابن المنذر: وهو كالإجماع من أهل العِلم على ذلك، لأنَّ الزُّهريَّ اختُلِفَ عليه فيه. انتهى، ويُمكِن حمل كلام الُّهريِّ على حالَين، فحيثُ قال: لا جمعة على مسافر، أراد على طريق الوجوب، وحيثُ قال: فعليه أن يشهد، أراد على طريق الاستحباب. ويُمكِن أن تُحمَل رواية إبراهيم بن سعد هذه على صورة مخصوصة، وهو إذا اتَّفَقَ حضوره في موضعٍ تُقام فيه الجمعة فسمع النِّداء لها، لا أنَّها تَلزَم المسافر مُطلَقاً حتَّى يَحُرُم عليه السفر قبل الَّوال من البلد الذي يدخلها مجتازاً مثلاً، وكأنَّ ذلك رَجَحَ عند البخاري، ويتأيَّد عنده بعموم قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فلم يخصَّ مُقيماً من مسافر. وأمَّا ما احتَجَّ به ابن المنذر على سقوط الجمعة عن المسافر بكَونِهِ وَ لَ صلَّى الظُّهر والعصر جميعاً بعَرَفة وكان يوم جمعة(١)، فدلَّ ذلك من فعله على أنَّه لا جمعة على مسافر فهو عمل صحيح، إلّا أنَّه لا يَدِفَع الصورة التي ذكرتها. وقال الزَّين بن المنيِر: قَرَّرَ البخاري في هذه الترجمة إثبات المشي إلى الجمعة مع معرفته بقول مَن فسَّرَها بالذَّهاب الذي يتناول المشي والرُّكوب، وكأنَّه حمل الأمر بالسَّكينة والوَقَار على عمومه في الصَّلَوات كلّها فتَدخُل الجمعة كما هو مُقتَضى حديث أبي هريرة، وأمَّا حديث أبي قتادةَ فَيُؤْخَذ من قولِه: ((وعليكم السَّكينة))، فإنَّه يقتضي عدم الإسراع في حال السَّعي إلى الصلاة أيضاً. ٩٠٧- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي = الجمعة، قال: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة. (١) أما كونه وَّ- صلى الظهر والعصر جمعاً بعرفة، فثابت في حديث ابن عمر الآتي عند البخاري برقم (١٦٦٢)، وفي حديث جابر عند مسلم برقم (١٢١٨)، وأما كون يوم عرفة كان يوم جمعة فثابت من حديث عمر بن الخطاب السالف عند البخاري برقم (٤٥). ٦٤٧ باب ١٧ / ح ٩٠٧ -٩٠٨ كتاب الجمعة مريم، قال: حدَّثنا عَبايةُ بنُّ رِفاعةً، قال: أدرَكَني أبو عَبْسٍ وأنا أذْهَبُ إلى الجمعةِ، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ الله يقول: ((مَنِ اغبَرَّتْ قَدَماه في سَبِيل اللهُ حَرَّمَه اللهُ على النَّار)). [طرفه في: ٢٨١١] ٩٠٨ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، قال الزُّهْريُّ: عن سعيدٍ وأبي سَلَمة، عن أبي هريرةً ﴾، عن النبيِّ ◌َلّ. وحدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمة بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقول: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تأتُوها تَسْعَوْنَ، وأَتُوها تَمْثُونَ وعليكم السَّكِينَةُ، فما أدرَكتُمْ فصَلُّوا وما فاتَكمْ فَأَنِقُّوا)). قوله: ((حدَّثني عليّ بن عبد الله)) هو ابن المدينيّ. قوله: ((يزيد)) بالتَّحتائيَّة والزّاي، و((عَباية)) بفتح المهمَلة بعدها مُوحَّدة: وهو ابن رِفاعة ابن رافع بن خَدیج. قوله: ((أدرَكَني أبو عَبْس)) بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة، وهو ابن جَبر بفتح الجيم وسكون الموحّدة، واسمه عبد الرحمن على الصحيح، وليس له في البخاري سوى هذا الحدیث الواحد. قوله: ((وأنا أذْهَب)) كذا وقع عند البخاري أنَّ القصَّة وقعت لعَباية مع أبي عَبْس، وعند الإسماعيليّ من رواية عليّ بن بَحْر وغيره عن الوليد بن مسلم أنَّ القصَّة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عَباية، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (٣١١٦) عن الحسين بن حُرَيثٍ عن الوليد ولفظه: حدَّثني يزيد قال: لَقَني عباية بن رِفاعة وأنا ماشٍ إلى الجمعة، زاد الإسماعيليّ في روايته: وهو راكب، فقال: احتَسِب خُطاك هذه، وفي رواية النَّسائيِّ فقال: أبشِر فإنَّ خُطاك هذه في سبيل الله، فإنّي سمعت أبا عَبْس بن جَبْر، فذكر الحديث، فإن كان محفوظاً احتمل أن تكون القصَّة وقعت لكُلِّ منهما، وسيأتي الكلام على المتن في كتاب الجهاد (٢٨١١)، وأورَدَه هنا لعموم قوله: ((في سبيل الله)) فدخلت فيه الجمعة، ولكون راوي ٦٤٨ باب ١٧ / ح ٩٠٩ فتح الباري بشرح البخاري الحديث استدلَّ به على ذلك. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): وجه دخول حديث أبي عَبس في الترجمة من قولِه: أدرَكَني أبو عَبس، لأنَّه لو كان يَعْدو لَمَا احتمل الوقتُ(١) المحادثةَ لتَعَذَّرِها مع الجَري، ولأنَّ أبا عَبْس جَعَلَ حكم السَّعي إلى الجمعة حكم الجهاد، وَليس العَدْو من مَطالب الجهاد فكذلك الجمعة. انتهى، وحديث أبي هريرة تقدَّم الكلام عليه في أواخر أبواب الأذان (٦٣٦)، وقد سبق في أوَّل هذا الباب توجيه إيراده هنا. ٩٠٩- حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيَبة، قال: حدَّثنا عليٌّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى ابنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ - قال أبو عبد الله: لا أعلمُه إلا عن أبيه - عن النبيِّ وَّل قال: ((لا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني وعليكمُ السَّكِينُ)). ٣٩٢/٢ قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ - قال أبو عبد الله: لا أعلَمه إلّا عن أبيه)) انتهى، أبو عبد الله هذا هو المصنِّف، وقع قوله: ((قال أبو عبد الله)) في رواية المُستَمْلي وحده، وكأنَّه وقع عنده تَوَقُّف في وصله لگونه کتبه من حفظه أو لغير ذلك، وهو في الأصل موصول لا رَيْب فيه، فقد أخرجه الإسماعيليّ عن ابن ناجية عن أبي حفص - وهو عَمْرو بن عليّ، شیخ البخاري فيه - فقال: عن عبد الله بن أبي قتادةً عن أبيه، ولم يَشُكَّ. وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فقال: إنَّ هذا الإسناد منقطع، وإن حَكَمَ البخاري بکونِهِ موصولاً، لأنَّ شيخه لم يروِه إلَّا منقطعاً. انتهى، وقد تقدَّم في أواخر الأذان (٦٣٧) أنَّ البخاري علَّق هذه الطريق من جهة عليّ بن المبارَك ولم يَتَعَرَّض للشكِّ الذي هنا، وتقدَّم الكلام على المتن أيضاً، وموضع الحاجة منه هنا قوله: ((وعليكم السَّكينة)). قال ابن رُشَيد: والنُّكتة في النَّهي عن ذلك لئلا يكون مقامهم سبباً لإسراعه في الدُّخول إلى الصلاة فيُنافي مقصودَه من هيئة الوَقَار، قال: وكأنَّ البخاري استَشْعَرَ إيراد الفَرْق بين الراعي إلى الجمعة وغيرها بأنَّ السَّعي إلى الصلاة غيرِ الجمعة مَنهيّ لأجلِ ما يَلحَق ، (ب): لما احتمل وقت المحادثة. ٦٤٩ باب ١٨ / ح ٩١٠ كتاب الجمعة الساعي من التعب وضيق النَّفْس فيدخل في الصلاة وهو مُنبَهِر فيُنافي ذلك خشوعَه، وهذا بخلاف الساعي إلى الجمعة فإنَّه في العادة يَحِضُر قبل إقامة الصلاة فلا تُقام حتَّى يَستَريح ممّاً يَلحَقه من الانبهار وغيره، وكأنَّه استَشعَر هذا الفَرق فأخَذَ يستدِلّ على أنَّ كلّ ما آلَ إلى إذهاب الوَقَار مُنِعَ منه، فاشتركَتِ الجمعة مع غيرها في ذلك، والله أعلم. ١٨ - بابٌ لا يفرِّق بين اثنين يوم الجمعة ٩١٠ - حدَّثنا عبدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المقبُيِّ، عن أبيه، عن ابنٍ وَدِيعةَ، عن سَلْمانَ الفارسِيِّ قال: قال رسولُ اللهِوَالَ: ((مَنِ اغتَسَلَ يومَ الجمعةِ وتَطَهَّرَ بما استَطاعَ من طُهْرٍ، ثمَّ اذَّهَنَ أو مَسَّ من طِيبٍ، ثمَّ راحَ فلم يُفرِّقْ بِينَ اثنَينِ، فصَلَّى ما كُتِبَ له، ثمَّ إذا خرج الإمامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ له ما بينه وبينَ الجمعةِ الأُخرَى)). قوله: ((باب لا يُفرِّق)) أي: الدّاخل ((بين اثنين)) كذا تَرجَمَ ولم يُثبت(١) الحكم، وقد نقل الكراهة عن الجمهور ابن المنذر واختارَ التحريم، وبه جَزَمَ النَّوَويّ في ((زَوائد الرَّوضة)» والأكثر على أنَّها كراهة تنزيه، ونَقَلَه الشَّيخ أبو حامد عن النَّص(٢)، والمشهور عند الشافعيَّة الكراهة كما جَزَمَ به الرَّافعي، والأحاديث الواردة في الَّجر عن التَّخَطّي مُخُرَّجة في ((المسنَد)) والسُّنَن، وفي غالبها ضعف(٣)، وأقوى ما وَرَدَ فيه ما أخرجه أبو داود (١١١٨) والنَّسائيُّ (١٣٩٩)(٤) من طريق أبي الزّاهريَّة قال: كنَّا مع عبد الله بن بُسر، صاحب (١) في (أ): يَبُتّ، وكلاهما بمعنىً. (٢) يعنى عن نصِّ الإمام الشافعي، ونصُّه في ((الأم)) ١/ ٢٢٨: وأكره تخطِّي رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإمام وبعده لما فيه من الأذى لهم وسوء الأدب. (٣) منها ما أخرجه أحمد (١١٧٦٨)، وأبو داود (٣٤٣)، من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وأحمد (١٥٤٤٧) من حديث الأرقم بن أبي الأرقم، وأحمد (١٥٦٠٩)، والترمذي (٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦) من حديث معاذ بن أنس الجهني، وأحمد (٢١٧٢٩) من حديث أبي الدرداء، وابن ماجه (١١١٥) من حديث جابر بن عبد الله. وكلها ضعيفة عدا حديث أبي سعيد وأبي هريرة فحسنانِ. (٤) وهو أيضاً في («مسند أحمد)» (١٧٦٧٤). ٦٥٠ باب ١٩ / ح ٩١١ فتح الباري بشرح البخاري النبيّ وَّه، فذكر أنَّ رجلاً جاءَ يَتَخَطَّى والنبيّ وَِّ يَخْطُب فقال: ((اجلِس فقد آذَيت))، ولأبي داود (٣٤٧) من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه رفعه: ((ومَن تَخَطَّى رِقاب الناس كانت له ظُهراً». وقَيَّدَ مالك والأوزاعيُّ الكراهة بما إذا كان الخطيب على المِنْبَرَ. قال الزَّين بن المنيِر: التَّفْرِقة بين اثنين يتناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه، وقد يُطلَق على مُرَّد التَّخَطّي، وفي التَّخَطّي زیادةُ رفع رِجلیه على رؤوسهما أو أكتافهما، ورُبَّمَا عَلِقَ بثيابهما شيء ممّا بِرِ جلَیه. وقد استُثني من كراهة التَّخَطّي ما إذا كان في الصُّفوف الأُوَل فُرجةٌ فأراد الدّاخل سَدّها، فيُغتَفَر له لتقصيرهم. أورَدَ فيه حديث سلمان، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَى في ((باب الدُّهن للجمعة)) (٨٨٣). ١٩ - بابٌ لا يُقيم الرجلُ أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه ٣٩٣/٢ ٩١١- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: أخبرنا ◌َخَلَهُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: سمعتُ نافعاً يقول: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: نهى النبيُّ ◌ََّ أَنْ يُقِيمَ الرجلُ أخاه من مَقْعَدِه ويجلِسَ فیه. قلتُ لنافعٍ: الجمعةَ؟ قال: الجمعةَ وغَيْرَها. [طرفاه في: ٦٢٧٠،٦٢٦٩] قوله: ((باب لا يُقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويَقعُد مكانه)) هذه الترجمة المقيّدة بيوم الجمعة وَرَدَ فيها حديث صحيح لكنَّه ليس على شرط البخاري، أخرجه مسلم (٢١٧٨) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر بلفظ: ((لا يُقيمَنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثمَّ يخالف إلى مَقْعَده فيَقْعُدَ فيه، ولكن يقول: تَفَسَّحوا)). ويُؤخَذ منه أنَّ الذي يَتَخَطَّى بعد الاستئذان ٦٥١ باب ٢٠ / ح ٩١٢ كتاب الجمعة خارجٌ عن حكم الكراهة. وقولُه في الحديث: ((لا يُقيمَنّ الرجل أخاه)) لا مفهوم له، بل ذُكِرَ لمَزِيدِ التَّنفير عن ذلك لقُبحِه، لأنَّه إن فعَلَه من جهة الكِبر كان قبيحاً، وإن فعَلَه من جهة الأثَرة كان أقبَح، وكأنَّ البخاري اغتَنَى عنه بعموم حديث ابن عمر المذكور في الباب، وبالعموم المذكور احتَجَّ نافع حين سألَه ابن جُرَيج عن الجمعة، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الاستئذان (٦٢٧٠) إن شاء الله تعالى. وقد تقدَّم بيان دخول هذه الصورة في التَّرِقة التي قبلها. وشیخ البخاري فيه هو محمد بن سلام کما وقع منسوباً في رواية أبي ذرٍّ. ٢٠ - باب الأذان يوم الجمعة ٩١٢ - حذَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن السّائبِ بنِ يزيدَ قال: كان النِّدَاءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ النبيِّ وَّهِ وأبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما، فلمَّا كان عثمانُ ﴾ وكَثُرَ النَّاسُ زاد النِّداءَ الثالثَ على الزَّوْراء. قال أبو عبد الله: الزَّوراءُ مَوضعٌ بالسوق بالمدينة. [أطرافه في: ٩١٣، ٩١٥، ٩١٦] قوله: ((باب الأذان يوم الجمعة)) أي: مَتَى يُشرَع. قوله: ((عن السّائب بن يزيد)) في رواية عُقيل عن ابن شهاب: أنَّ السائب بن يزيد أخبره، وفي رواية يونس عن الزُّهريِّ: سمعت السائب، وسيأتيان بعد هذا (٩١٥ و٩١٦). قوله: ((كان النِّداء يوم الجمعة)) في رواية أبي عامر عن ابن أبي ذئب عند ابن خُزيمة (١٧٧٣): كان ابتداء(١) النِّداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة، وله (١٧٧٤)(٢) في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: كان الأذان على عهد رسول الله وَ ل﴿ وأبي بكر وعمر أذانَينِ يوم الجمعة. قال ابن خُزيمة: قوله: ((أذانين)) يريد الأذان والإقامة؛ يعني تغليباً، أو (١) كلمة ((ابتداء)) ليست في ((صحيح ابن خزيمة)) لا في المخطوط ولا في المطبوع. (٢) وهو عند أحمد أيضاً (١٥٧٢٨) عن وكيع. ٦٥٢ باب ٢٠ / ح ٩١٢ فتح الباري بشرح البخاري لاشتراكهما في الإعلام كما تقدَّم في أبواب الأذان. قوله: ((إذا جَلَسَ الإمام على المِنْبَرَ)) في رواية أبي عامر المذكورة: إذا خرج الإمام وإذا أُقيمَت الصلاة، وكذا للبيهقيِّ (٣/ ١٩٢) من طريق ابن أبي فُدَيك عن ابن أبي ذئب، وكذا في رواية الماحِشُون الآتية (٩١٣) عن الزُّهريِّ، ولفظه: وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني: على المِنبَر، وأخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن الماحِشُون بدون ٣٩٤/٢ قوله: يعني. / وللنَّسائيِّ (١٣٩٤) من رواية سليمان التَّيميِّ عن الزُّهريِّ: كان بلال يؤذِّن إذا جَلَسَ النبيّ وَّه على المِنْبَرَ. فإذا نزل أقام، وقد تقدَّم نحوه في مُرسَل مكحول قريباً(١). قال المهلَّب: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحلّ لَيَعرِف الناس بجلوسِ الإمام على المِنْبَرَ فَيُنصِتون له إذا خَطَب. كذا قال، وفيه نظرٌ، فإنَّ في سياق ابن إسحاق عند الطَّبرانيِّ وغيره عن الزُّهريِّ في هذا الحديث: أنَّ بلالاً كان يؤذِّن على باب المسجد.(٢) فالظاهر أنَّه كان لُطلَق الإعلام لا لخصوصِ الإنصات، نَعَم لمَّا زِيدَ الأذانُ الأوَّل كان للإعلام، وكان الذي بين يَدَي الخطيب للإنصات. قوله: ((فلمَّا كان عثمان» أي: خليفة. قوله: ((وكَثُرَ النَّاس)) أي: بالمدينة، وصَرَّحَ به في رواية الماحِشُون، وظاهره أنَّ عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافَته، لكن في رواية أبي ضَمْرة عن يونس عند أبي نُعيمٍ في ((المستخرَج)) أنَّ ذلك كان بعد مُضيّ مُدَّة من خلافَته(٣). قوله: ((زاد النِّداء الثالث)) في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأوَّل، ونحوه للشافعيِّ(٤) من هذا الوجه، ولا مُنافاة بينهما لأنَّه باعتبار كَوْنه مزيداً يُسمَّى ثالثاً، (١) عند الكلام على الباب رقم (١٧). (٢) أخرجه أبو داود (١٠٨٨)، والطبراني (٦٦٤٢)، لكن لم يرد اسمُ بلال عند أبي داود. (٣) وورد ذلك أيضاً في روايةٍ لابن إسحاق عند عمر بن شبَّ في ((تاريخ المدينة)) ٩٥٩/٣. (٤) روى ذلك الشافعيُّ في القديم فقال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب ابن يزيد ... وقال في آخره: ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء. نقل ذلك عنه البيهقي في = ٦٥٣ باب ٢٠ / ح ٩١٢ كتاب الجمعة وباعتبار كَوْنه جُعِلَ مُقدَّماً على الأذان والإقامة يُسمَّى أوَّلاً، ولفظ رواية عُقيل الآتية بعد بابينِ: أنَّ التأذين بالثاني أمر به عثمان. وتسميتُه ثانياً أيضاً مُتَوَجِّه بالنَّظرِ إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. قوله: ((على الزَّوْراء)) بفتح الزّاي وسكون الواو وبعدها راء ممدودة. وقوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف، وهذا في رواية أبي ذرٍّ وحده، وما فسَّرَ به الزَّوراءَ هو المعتَمَد، وجَزَمَ ابن بطّال بأنَّه حَجَرُّ کبیر عند باب المسجد، وفيه نظر لما في رواية ابن إسحاق عن الزّهريِّ عند ابن خُزيمة (١٨٣٧) وابن ماجَهْ (١١٣٥) بلفظ: زاد النِّداء الثالث على دار في السّوق يقال لها: الزَّوراء، وفي روايته عند الطَّرانيِّ (٦٦٤٢): فأمر بالنِّداء الأوَّل على دار له يقال لها: الزَّوراء(١)، فكان يُؤذَّن له عليها، فإذا جَلَسَ على المِنْبَر أَذَّنَ مؤذِّنه الأوَّل، فإذا نزل أقامَ الصلاة، وفي رواية له (٦٦٤٣) من هذا الوجه: فأذَّنَ بالزّوراء قبل خروجه ليعلم الناس أنَّ الجمعة قد حَضَرَت، ونحوه في مُرسَل مکحول المتقدِّم(٢). وفي ((صحيح مسلم)) (٦/١٢٧٩) من حديث أنس: أنَّ نبيَّ الله وَلِّ وأصحابه كانوا بالزَّوراء، والزّوراء بالمدينة عند السُّوق ... الحديث. زاد أبو عامر عن ابن أبي ذئب(٣): فَثَبَتَ ذلك حتَّى الساعة، وسيأتي نحوه قريباً (٩١٦) من رواية يونس بلفظ: فثَبَتَ الأمر كذلك. والذي يظهر أنَّ الناس أخَذُوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاكَ لكَونِه خليفةً مُطاعَ الأمر. = ((معرفة السنن والآثار)) (٦٣٨٨). وقد جاء في ((الأم)) - وهو مذهب الشافعي الجديد - ١/ ٢٢٤ ما نصه: أخبرني الثقة عن الزهري، عن السائب بن يزيد، ... وقال في آخره: فلما كانت خلافة عثمان و کثر الناس أمر عثمان بآذانٍ ثانٍ فأُذِّن به، فثبت الأمر على ذلك. (١) أخرج ابن أبي شيبة ٨/ ٤٤٠ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن سعد قال: رأيت عثمان بن عفان وهو يبني الزوراء على بغلة شهباء، مصفَراً لحيته. (٢) عند الكلام على الباب رقم (١٧). (٣) عند ابن خزيمة في «صحيحه)) (١٧٧٤). ٦٥٤ باب ٢٠ / ح ٩١٢ فتح الباري بشرح البخاري لكن ذكر الفاكهانيّ أنَّ أوَّل مَن أحدَثَ الأذان الأوَّل بمكَّة الحجّاج(١) وبالبصرة زياد، وبَلَغَني أنَّ أهل المغرب الأدنَى الآن لا تأذين عندهم سوى مرَّة، وروى ابن أبي شَيْبة (٢/ ١٤٠) من طريق ابن عمر قال: الأذان الأوَّل يوم الجمعة بدعة. فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنَّه يريد أنَّه لم يكن في زَمَن النبيّ وَلِهِ، وكُلّ ما لم يكن في زَمَنه يُسمَّى بدعة، لكنَّ منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتَبِيَّنَ بما مضى أنَّ عثمان أحدَثَه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقيّة الصَّلَوات فألحَقَ الجمعة بها، وأبقَى خصوصيّتها بالأذان بين يَدَي الخطيب، وفيه استنباط معنَى من الأصل لا يُبطِله. وأمَّا ما أحدَثَ الناس قبل وقت الجمعة من الدُّعاء إليها بالذِّكرِ والصلاة على النبيّ وَلّة، فهو في بعض البلاد دون بعض، واتِّباع السَّلَف الصالح أَولى. ٣٩٥/٢ تنبيهان: الأوَّل: وَرَدَ ما يخالف هذا الخبر أنَّ عمر الذي زاد الأذان، ففي ((تفسير جُوَيِيٍ عن الضَّحّاك)) من زيادة الراوي(٢): عن بُرْد بن سِنان عن مكحول عن معاذ: أنَّ عمر أمر مؤذِّنَينِ أن يؤذِّنا للناس الجمعة خارجاً من المسجد حتَّى يسمع الناس، وأمر أن يُؤْذَّن بين يديه كما كان في عهد النبيّ بَّهِ وأبي بكر، ثمَّ قال عمر: نحنُ ابتَدَعناه لكثرة المسلمين. انتهى، وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يَثبُت لأنَّ معاذاً كان خرج من المدينة إلى (١) أخرج عبد الرزاق (٥٣٣٩)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٠٤١) من طريق ابن جريج: أخبرنا عطاء، قال: إنما كان الأذان يوم الجمعة فيما مضى واحداً قط، ثم الإقامة ... ، فأما الأذان الذي يؤذن به الآن قبل خروج الإمام وجلوسه على المنبر فهو باطل، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف. ولم يذكر الفاكهي في روايته قوله: فهو باطل. (٢) يعني من زوائد راوي ((تفسير جويبر عن الضحاك))، لأن الضحّاك - وهو ابن مزاحم الهلالي - روايته عن الصحابة والتابعين مباشرة، ولم يَروِ عن بُرد بن سنان. وراوي ((التفسير)) هو إسماعيل بن أبي زياد مسلم السَّكُوني مولاهم، وهو يروي عن بُرد بن سنان، وهو متروك يضع الحديث كما قال الدار قطني، فكان حريّاً بالحافظ رحمه الله أن يُعلّ الرواية به أيضاً. ٦٥٥ باب ٢٠ / ح ٩١٢ كتاب الجمعة الشام في أوَّل ما غَزَوا الشام واستَمَرَّ إلى أن ماتَ بالشام في طاعون عَمَواس. وقد تَوارَدَت الروايات أنَّ عثمان هو الذي زاده فهو المعتَمَد. ثمَّ وجَدت لهذا الأثر ما يقوِّيه، فقد أخرج عبد الرزاق (٥٣٤٠) عن ابن جُرَيج قال: قال سليمان بن موسى: أوَّل مَن زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كَلَّا، إنَّما كان يدعو الناسَ دعاء، ولا يؤذِّن غيرَ أذان واحد. انتهى، وعطاء لم يُدرِك عثمان، فرواية مَن أثبَتَ ذلك عنه مُقدَّمة على إنكاره. ويُمكِن الجمع بأنَّ الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زَمَن عمر واستَمَرَّ على عهد عثمان، ثمَّ رأى أن يجعله أذاناً، وأن يكون على مكان عالٍ، ففَعَلَ ذلك فنُسِبَ إليه لكَونِه بألفاظِ الأذان، وتركَ ما كان فعَلَه عمر لكَونِهِ مُجرَّد إعلام. الثاني: تَوارَدَت الشُّرَاح على أنَّ معنى قولِه: ((الأذان الثالث)) أنَّ الأوَّلَينِ الأذان والإقامة لكن نقل الدَّاووديّ أنَّ الأذان أوَّلاً كان في سُفْل المسجد، فلمَّا كان عثمانُ جَعَلَ مَن يؤذِّن على الزّوراء، فلمَّا كان هشام - يعني ابن عبد الملك - جَعَلَ مَن يؤذِّن بين يديه فصاروا ثلاثة، فسُمّيَ فعلُ عثمان ثالثاً لذلك. انتهى، وهذا الذي ذكره يُغني ذِكْره عن تكلُّف رَدّه، فليس له فيما قاله سَلَف، ثمَّ هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثاً يستدعي سَبق اثنين قبله، وهشام إنَّما كان بعد عثمان بثمانينَ سنة(١). واستدلَّ البخاري (٩١٥) بهذا الحديث أيضاً على الجلوس على المنبر قبل الخطبة خلافاً لبعض الحنفيَّة، واختلف مَن أثبَتَه هل هو للأذان أو لراحة الخطيب؟ فعلى الأوَّل لا يُسَنّ في العيد إذ لا أذان هناك. واستُدلَّ به أيضاً على أنَّ التأذين قُبيل الخطبة (٩١٦)، وعلى ترك تأذين اثنين معاً (٩١٣)، وعلى أنَّ الخطبة يوم الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أنَّ الأذان لا يكون إلَّا (١) كذا قال الحافظ: بثمانين سنة، وإنما استخُلِفَ هشامٌ في سنة خمس ومئة، فيما قاله الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٧/٩، وعليه فيكون بينه وبين عثمان سبعون سنة، لأن عثمان # قتل سنة خمس وثلاثين كما هو معلوم. ٦٥٦ باب ٢١ / ح ٩١٣ فتح الباري بشرح البخاري قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإمام على المِنِبَر دلَّ على سَبق الخطبة على الصلاة. ٢١ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة ٩١٣- حذَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمة الماحِشُون، عن الزُّهْريِّ، عن السّائبِ بنِ يزيدَ: أنَّ الذي زاد التأذِينَ الثالثَ يومَ الجمعةِ عثمانُ بنُ عِفَّنَ ﴾ حينَ كَثُرُ أهلُ المدينةِ، ولم يكنْ النَّبِيِّ وَّهِ مؤذِّنٌ غيرُ واحدٍ، وكان التأذِينُ يومَ الجمعةِ حينَ تَجلِسُ الإِمامُ، يعني: على المِنْتَرِ. قوله: (باب المؤذِّن الواحد يوم الجمعة)) أورَدَ فيه حديث السائب بن يزيد المذكور في الباب قبله، وزاد فيه: ولم يكن للنبيِّ وَّهِ مؤذِّن غيرُ واحد، ومثله للنَّسائيِّ (١٣٩٣) وأبي داود (١٠٩٠) من رواية صالح بن کیْسان، ولأبي داود (١٠٨٩) وابن خُزَيمة (١٨٣٧) من رواية ابن إسحاق كلاهما عن الزُّهريِّ(١)، وفي مُرسَل مكحول المتقدِّم نحوه(٢)، وهو ظاهر في إرادة نفي تأذين اثنين معاً، والمراد أنَّ الذي كان يؤذِّن هو الذي كان يُقیم. قال الإسماعيليّ: لعلَّ قوله: ((مؤذِّن)) يريد به التأذين، فعَبَّرَ عنه بلفظ ((المؤذِّن)) لدلالِتِهِ عليه. انتهى، وما أدري ما الحاملُ له على هذا التأويل؟ فإنَّ المؤذِّن الرَّاتب هو بلال، وأمّا أبو محذورة وسعدُ القَرَظ، فكان كلٍّ منهما بمسجدِه الذي رُتِّبَ فيه، وأمَّا ابن أمّ مكتوم فلم يَرِدِ أنَّه كان يؤذِّن إلَّا في الصبح كما تقدَّم في الأذان (٦١٧)، فلعلَّ الإسماعيليّ استَشعَرَ إيراد ٣٩٦/٢ أحد هؤلاء فقال ما قال. ويُمكِن أن يكون المراد بقوله: ((مؤذِّن واحد)) أي: / في الجمعة، فلا تَرِد الصبح مثلاً، وعُرِفَ بهذا الردُّ على ما ذكره ابن حبيب أنَّه ◌َيَّكان إذا رقيَ الِنْبَرَ وجَلَسَ أَذَّنَ المؤذِّنون، وكانوا ثلاثة واحداً بعد واحد، فإذا فَرَغَ الثالث قامَ فخَطَب، فإنَّه دعوى تحتاج لدليل، ولم يَرِد ذلك صريحاً من طريق متصلة يَثْبُت مثلها، ثمَّ وجدتُه في ((مختصر البُوَيطِيّ)) (١) رواية ابن إسحاق أخرجها أيضاً أحمد (١٥٧١٦) وصرح عنده بالتحديث، وابن ماجه (١١٣٥). (٢) تقدم عند الكلام على الباب رقم (١٧). ٦٥٧ باب ٢٢ / ح ٩١٤ كتاب الجمعة عن الشافعيّ. ٢٢ - بابٌ يُجِيب الإمامُ على المنبر إذا سمع النداء ٩١٤- حدَّثنا ابنُ مُقاتِلٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا أبو بَكْرِ بنُ عثمانَ بنِ سَهْلٍ ابنِ حُنَيّفٍ، عن أبي أمامةَ بنِ سَهْلٍ بنِ حُنَّفٍ، قال: سمعتُ معاويةَ بنَ أبي سفيان، وهو جالس على المِنْبَرِ أَّنَ المؤذِّنُ فقال: الله أكبر الله أكبرُ، فقال معاويةُ: الله أكبر الله أكبرُ، فقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، فقال معاويةُ: وأنا، فقال: أَشهَدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله، فقال معاويةُ: وأنا، فلمَّا أنْ قَضَى التأذِينَ قال: يا أيُّهَا النَّاسُ إِنِّ سمعتُ رسولَ الله وَِّ على هذا المجْلِسِ حينَ أنَّنَ المؤذِّنُ يقول ما سمعتُم منّي من مقالتِي. قوله: ((باب يجيب الإمام على المِنْبَر إذا سَمِعَ النِّداء)» في روایة کریمة: يؤذِّن، بدل: يجيب، فكأنَّه سمَّاه أذاناً لكَونِه بلفظِهِ. قوله: ((عن أبي أُمامة» في روایة الإسماعيليّ من طریق حِبّان وعبدان عن عبد الله - وهو ابن المبارك -: سمعت أبا أُمامة. قوله: «وأنا» أي: أشهد، أو أنا أقول مثله. قوله: ((فلمَّا أَنْ قَضَى)) أي: فَرَغَ و((أن)) زائدة، وسَقَطَت في رواية الأَصِيلِي، وللكُشْمِيهنيِّ: فلمّا أن انقضى، أي: انتهى. وفي هذا الحديث من الفوائد تَعلَّم العِلم وتعليمه من الإمام، وهو على المِبَرَ، وأنَّ الخطيب يجيب المؤذِّن وهو على المِنِبَرَ، وأنَّ قول المجيب: وأنا كذلك ونحوه، يكفي في إجابة المؤذِّن. وفيه إباحة الكلام قبل الشُّروع في الخطبة، وأنَّ التكبير في أوَّل الأذان غير مُرَبَّع(١)، وفيهما نظرٌ، وفيه الجلوس قبل الخطبة، وبقيَّة مباحثه تقدَّمت في أبواب الأذان (٦١٢). (١) في (س): مُرَجَّع، والترجيع هو التكرير، فيكون قال التكبيرَ أربع مرات، فهو تربيع التكبير، فالمعنى واحد. ٦٥٨ باب ٢٣-٢٥ / ح ٩١٥-٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣ - باب الجلوس على المنبر عند التأذين ٩١٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ السّائبَ ابنَ يزيدَ أخبَرَه: أنَّ التأذِينَ الثانيَ يومَ الجمعةِ أمُرَ به عثمانُ حينَ كَثُرَ أهلُ المسجدِ، وكان التأذِینُ يومَ الجمعةِ حينَ تَجلِسُ الإمامُ. قوله: ((باب الجلوس على المِنْبَر عند التأذين)) تقدَّمت مباحث حديث السائب قريباً (٩١٢)، ومُناسَبته للذي قبله ظاهرة جدّاً. وأشارَ الزَّين بن المنيِرِ إلى أنَّ مُناسَبة هذه الترجمة الإشارةُ إلى خلاف مَن قال: الجلوس على المِنْبَر عند التأذين غير مشروع وهو عن بعض الكوفيّين، وقال مالك والشافعيّ والجمهور: هو سُنَّة. قال الزّين: والحكْمة فيه سكون اللَّغَطِ، والتَّهُّؤ للإنصات، والاستنصات لسماع الخطبة، وإحضار الذِّهن للذِّكر. ٢٤ - باب التأذين عند الخطبة ٣٩٧/٢ ٩١٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمعتُ السّائبَ بنَ يزيدَ يقول: إنَّ الأذانَ يومَ الجمعةِ كان أوَّلُه حينَ يَجلِسُ الإمامُ يومَ الجمعةِ على المِبَرِ في عَهْدِ رسول الله بَّهَ، وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، فلمَّا كان في خِلافةٍ عثمانَ ﴾ وكَثُرُوا أمَرَ عثمانُ يومَ الجمعةِ بالأذان الثالثِ، فَأَذِّنَ به على الزَّوْراءِ، فَثَبَتَ الأمرُ على ذلك. قوله: ((باب التأذين عند الخطبة)) أي: عند إرادتها، أورَدَ فيه حديث السائب أيضاً، وقد تقدَّم ما فیه (٩١٢). وعبد الله: هو ابن المبارك، ویونس: هو ابن یزید. ٢٥ - باب الخطبة على المنبر وقال أنسِ ﴾: خَطَبَ النبيُّ ◌ََّ على المِثْبِرِ. ٩١٧- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثْنا يَعْقُوبُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ القاريُّ القُرَشِيُّ الإِسكَنْدَرانيُّ، قال: حدّثنا أبو حازمٍ بنُ دِينارٍ: أنَّ رجالاً أَوْا سَهْلَ بنَ ٦٥٩ باب ٢٥ / ح ٩١٧ كتاب الجمعة سعدٍ السّاعديَّ وَقَدِ امتَرَوْا في المِنْبِرِ مِمَّ عُودُه، فسَأَلُوه عن ذلك، فقال: والله إنِّي لأعرِفُ ممّاً هو، ولقد رأيتُهُ أوَّلَ يومٍ وُضِعَ، وأَوَّلَ يومٍ جَلَسَ عليه رسولُ اللهِ وَّةِ، أَرسَلَ رسولُ اللهِنَّه إلى فلانةَ - امرأةٍ من الأَنصارِ، قد سَّاها سَهْلٌ -: «مُري غلامَكِ النَّجّارَ أنْ يعملَ لي أعواداً أجلِسُ عليهنَّ إذا كَلَّمْتُ النَّاسَ)) فأمَرَتْه فعَمِلَها من طَرْفاءِ الغابةِ، ثمَّ جاءَ بها فأرسَلتْ إلى رسول الله مََّ، فأمَرَ بها فوُضِعَتْ هاهنا، ثمَّ رأيتُ رسولَ اللهِوَّهِ صَلَّى عليها، وكَبَّ وهو عليها، ثمَّ رَكَعَ وهو عليها، ثمَّ نزل القَهْقَرَى فسَجَدَ في أصل المِثِْ، ثمَّ عاد، فلمَّا فَرَغَ أقبَلَ على النَّاس، فقال: (يُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هذا لنأَتَقُّوا ولِتَعَلَّمُوا صلاتي)). قوله: ((باب الخطبة على المِنْبَر)) أي: مشروعيَّتها، ولم يُقيِّدها بالجمعة ليتناولها ويتناول غيرها. قوله: ((وقال أنس: خَطَبَ النبيّ وَّهِ على المِبَ)) هذا طرف من حديث أورَدَه المصنّف في الاعتصام (٧٢٩٤) وفي الفِتَن (٧٠٨٩) مُطوَّلاً، وفيه قصَّة عبد الله بن حُذافة، ومن حديثه أيضاً في الاستسقاء (١٠٣٣) في قصَّة الذي قال: هَلكَ المال، وسيأتي إن شاء الله تعالی ثَمَّ. قوله: ((أنَّ رجالاً أتَوْا سَهْل بن سعد)) لم أقِفْ على أسمائهم. قوله: ((امْتَرَوْا)) من المماراة: وهي المجادَلة، وقال الكِرْمانيُّ: من الامتراء: وهو الشَّك، ٣٩٨/٢ ويؤيِّد الأوَّل قولُه في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عند مسلم (٥٤٤ /٤٤): أن نَفَراً (١) تَماروا فإنَّ معناه تَجادلوا، قال الرَّاغِب: الامتراء والمماراة: المجادَلة، ومنه: ﴿فَلَاتُمَارِ فِيهِمْ إِلَّمِرآءَ ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال أيضاً: المِرْية: التَّردُّد في الشيء، ومنه: ﴿فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِّقَابِهِ﴾ [السجدة:٢٣]. قوله: ((والله إنِّي لَأعرِف ممَّا هو)) فيه القَسَم على الشيء لإرادة تأكيده للسامع، وفي قوله: ولقد رأيته أوَّل يوم وُضِع، وأوَّل يوم جَلَسَ عليه)) زيادة على السُّؤال، لكنَّ فائدته إعلامهم بقوّة معرفته بما سألوه عنه، وقد تقدَّم في باب ((الصلاة على المِنْبَرَ)) (٣٧٧): أنَّ سهلاً قال: (١) كلمة ((نفراً)) سقطت من (س). ٦٦٠ باب ٢٥ / ح ٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري ما بقيَ أحد أعلم به مِنّي. قوله: ((أرْسَلَ ... )) إلى آخره، هو شرح الجواب. قوله: ((إلى فلانة امْرَأَةٍ من الأنصار)) في رواية أبي غَسّان عن أبي حازم: امرأةٍ من المهاجرين، كما سيأتي في الهِبة (٢٥٦٩)، وهو وهم من أبي غسّان، لإطباق أصحاب أبي حازم على قولهِم: من الأنصار، وكذا قال أيمَن عن جابر كما سيأتي في علامات النُّبَوَّة (٣٥٨٤)، وقد تقدَّم الكلام على اسمها في ((باب الصلاة على المِنبَرَ)) في أوائل الصلاة (٣٧٧). قوله: ((مُري غلامك النَّجّار)) سَّاه عبَّاسُ بن سهل عن أبيه فيما أخرجه قاسم بن أصبَغَ وأبو سعد في ((شَرَف المصطَفَى))(١) جميعاً من طريق يحيى بن بُكَير، عن ابن لَهِيعة، حدَّني عُمارة بن غَزِيَّة، عنه ولفظه: كان رسول الله قال﴿ یَخطُب إلى خشبة، فلمَّا گَثُرَ الناس قيل له: لو كنت جَعَلتَ مِنبَراً. قال: وكان بالمدينة نَجّار واحد يقال له: ميمون، فذكر الحديث، وأخرجه ابن سعد (١/ ٢٥٠- ٢٥١) من رواية سَعْد بن سعيد(٢) الأنصاريّ، عن عبَّاسٍ(٣) نحو هذا السياق ولكن لم يُسمِّه، وفي الطَّبرانيّ (٦٠١٨) من طريق أبي عبد الله الغفاريِّ: سمعت سهل ابن سعد يقول: كنت جالساً مع خالٍ لي من الأنصار، فقال له النبيّ وَلِّ: ((اخرُج إلى الغابة وأتِني من خشبها فاعمَل لي مِنبَراً ... )) الحديث. وجاءَ في صانع المِنِبَر أقوال أُخرى: أحدها: اسمه إبراهيم، أخرجه الطَّبرانيُّ في ((الأوسط)) من طريق أبي نَضْرة عن جابر. وفي إسناده العلاء بن مَسلَمة الرَّوّاس، وهو متروك(٤). (١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث من ((مسند الروياني)) (١٠٩٠) من طريق عبد الله بن وهب، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤١٩٦) من طريق يحيى بن بكير، كلاهما عن ابن لهيعة. ورواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة قوية عند أهل العلم. وأبو سعْد هذا: هو عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الخَرْكُوشي، مترجم في ((سيرأعلام النبلاء)» ٢٥٦/١٧ -٢٥٧. (٢) تحرف في الأصلین و(س) إلى: سعيد بن سعد. (٣) في (س): ابن عباس، وهو خطأ. (٤) هو في الطبراني (٥٢١١) وفيه: العلاء بن مسلمة - وتحرف في المطبوع إلى: سلمة - الهذلي البصري، وهو مجهول، وقول الحافظ هنا في نسبته: الروّاس، وهمٍّ فإن الروّاس راوٍ آخر، وهو متروك.