Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة وقد مَثَّلَه بعض العلماء بالدَّواء يكون مثلاً فيه أوقيَّة سُكَّر فلو زيدَ فيه أوقيَّة أُخرى لتَخلَّفَ الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقيَّة في الدَّواء ثمَّ استَعمَلَ من السُّكَّر بعد ذلك ما شاءَ لم يتخلَّفِ الانتفاع. ويؤيِّد ذلك أنَّ الأذكار المتغايرة إذا وَرَدَ لكُلُّ منها عَدَد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعِها مُتَواليةً لم تَحسُن الزّيادة على العدد المخصوص، لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حِكْمة خاصَّة تَفوت بفَواتها، والله أعلم. التنبيه الثاني: زاد مسلم (٥٩٥/ ١٤٢) في رواية ابن عَجْلان عن سُميٍّ: قال أبو صالح: فرجع فُقَراء المهاجرين إلى رسول الله وَ لايَ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففَعَلوا مثله، فقال رسول الله ێ: ذلك فضل الله يُؤتیه مَن يَشاء. ثمَّ ساقه مسلم (٥٩٥٪ ١٤٣) من رواية رَوْح بن القاسم عن سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة، فذَكَر طرفاً منه ثمَّ قال بمثل حديث قُتيبة، قال: إلَّا أنَّه أدرَجَ في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: فرجع فقراءُ المهاجرين. قلت: وكذا رواه أبو معاوية عن سُهَيل مُدرَجاً أخرجه جعفر الفِريابيُّ(١)، وتَبيَّنَ بهذا أنَّ الزّيادة المذكورة مُرسَلة، وقد روى الحديث البَزّار (٦١٣٣) من حديث ابن عمر وفيه: فرجع الفُقَراء، فذكره موصولاً لكن قد قدَّمت أنَّ إسناده ضعيف. ورواه جعفر الفِريابيّ من رواية حرام بن حَكيم - وهو بحاءٍ وراءٍ مُهمَلتَينِ - عن أبي ذرٍّ وقال فيه: فقال أبو ذَرّ: يا رسول الله، إنَّهم قد قالوا مثل ما نقول. فقال: ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يَشاء (٢). ونقل الخطيب أنَّ حرام بن حَكِيم يُرسِل الرواية عن أبي ذرٍّ، فعلى هذا لم يَصِحَّ بهذه الزّيادة (١) وكذلك جاء مدرجاً في الخبر في رواية بكر بن صدقة عن ابن عجلان عند السراج (٨٧١)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢١٢٢)، ورواية حيوة بن شريح عن ابن عجلان عند الطبراني في ((الأوسط)» (٥٣١٠)، وفي ((الشاميين)) (٢١٢٢)، وكذلك في وراية محمد بن عبد الأعلى الصنعاني عن المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر، عن سُميٍّ عند البزار (٨٩٦٠). (٢) وهو عند الطبراني في ((الشاميين)) (٨١٠)، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ١٠٦/١. ٥٢٢ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري إسناد، إلّا أنَّ هذينِ الطريقَينِ يقوى بهما مُرسَل أبي صالح. قال ابن بَطَّال عن المهلَّب: في هذا الحديث فضَّل الغَنيّ نصّاً لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغَنِيّ والفقير فيما افتَرَضَ الله عليهما، فللغَنِيِّ حينئذٍ فضل عمل البِرّ من الصَّدَقة ونحوها ممّا لا سبيل للفقيرِ إليه. قال: ورأيت بعض المتكلِّمينَ ذهب إلى أنَّ هذا الفضل يَخُصّ الفُقَراء دون غيرهم، أي: الفضل المترَتِّب على الذِّكر المذكور، وغَفَلَ عن قولِه في نفس الحديث: ((إلَّا مَن صَنَعَ مثل ما صَنَعتُمْ)) فجعلَ الفضل لقائلِه كائناً من كان. ٣٣١/٢ وقال القُرطبيّ: تأوَّلَ بعضهم قولَه: ((ذلك فضلُ الله يُؤتيه)) بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثَّواب المترَتِّب على العمل الذي يَحصُل به التَّفضيل عند الله، فكأنَّه قال: ذاكَ الثَّواب الذي أخبَرتُكم به لا يَسْتَحِقْه أحد بحَسَبِ الذِّكر ولا بحَسَبِ الصَّدَقة، وإنَّما هو بفضل الله. قال: وهذا التأويل فيه بُعْدٌ، ولكن اضطَّرَّه إليه ما يعارضه. وتُعُقِّبَ بأنَّ الجمع بينه وبين ما يعارضه مُمكِن من غير احتياج إلى التعشُّف. وقال ابن دَقِيق العيد: ظاهرُ الحديث القريبُ من النصّ أنَّه فضَّلَ الغَني، وبعض الناس تأوَّلَه بتأويلِ مُستكرَه، كأنَّه يشير إلى ما تقدَّم. قال: والذي يقتضيه النَّظر أنَّهما إن تساوَيا وفَضَلَتِ العبادة الماليّة أنَّه يكون الغَنيّ أفضل، وهذا لا شكَّ فيه، وإنَّما النَّظر إذا تساوَيا وانفرد كلّ منهما بمصلحةٍ ما هو فيه أيّهما أفضل؟ إن فُسِّرَ الفضل بزيادة الثَّواب فالقياس يقتضي أنَّ المصالح المتعَدّية أفضلُ من القاصرة فيَتَرجَّح الغِنَى، وإن فُسِّرَ بالأشَرَفِ بالنّسبة إلى صِفات النَّفْس فالذي يَحصُل لها من التَّطهير بسبب الفقر أشَرَفُ فيَتَرجَّحِ الفَقر، ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصّوفيَّة إلى ترجيح الفقير الصابر. وقال القُرطبيّ: للعلماء في هذه المسألة خمسةُ أقوال، ثالثها: الأفضل الكَفَافُ، رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص، خامسها: التوقُّف. وقال الكِرْمانيُّ: قضيّة الحديث أنَّ شَكوَى الفَقر تبقى بحالها. وأجاب بأنَّ مقصودهم كان تحصيلَ الدَّرَجات العُلا والنَّعيم المقيم لهم أيضاً، لا نفي الزّيادة عن أهل الدُّثور ٥٢٣ باب ١٥٥ / ح ٨٤٣ أبواب صفة الصلاة مُطلَقاً. انتهى، والذي يظهر أنَّ مقصودهم إنَّما كان طلبَ المساواة. ويظهر أنَّ الجواب وقع قبل أن يعلم النبيّ وَّهِ أَنَّ مُتَمنّيَ الشيءٍ يكون شريكاً لفاعلِه في الأجر كما سبق في كتاب العِلم في الكلام على حديث ابن مسعود الذي أوَّله: ((لا حَسَد إلَّا في اثنتَين))(١)، فإنَّ في رواية التِّرمِذيّ من وجه آخر التصريحَ بأنَّ المنفِقِ والمتمَنّيَ إذا كان صادق النيّة في الأجر سواءٌ(٢)، وكذا قولُه وَّةِ: ((مَن سَنَّ سُنَّة حسنةً فله أجرها وأجر مَن يعمل بها من غير أن يَنقُص من أجره شيء)(٣)، فإنَّ الفُقَراء في هذه القصَّة كانوا السَّبَبَ في تَعلُّم الأغنياء الذِّكرَ المذكور، فإذا استووا معهم في قوله امتاز الفُقَراء بأجرِ السَّبَب مضافاً إلى الثَّمَنّي، فلعلّ ذلك يقاوم التقرُّب بالمال، وتبقى المقايَسة بين صَبر الفقير على شَظَف العَيش، وشُكر الغَنِيّ على التَّنَعُّم بالمال، ومن ثَمَّ وقع التََّدُّد في تفضيل أحدهما على الآخر، وسَيكونُ لنا عَودة إلى ذلك في الكلام على حديث: ((الطَّاعم الشاكر مثل الصائم الصابر)) في كتاب الأطعمة(٤) إن شاء الله تعالى. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ العالم إذا سُئِلَ عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يَلحَق به المفضول درجةَ الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بَطَّال، وكأنَّه أخَذَه من كَوْنَه ◌َلِّ أجاب بقوله: ((ألا أدلكم على أمر تساوونهم فيه)) وعَدَلَ عن قولِه: نَعَم، هم أفضل منكم بذلك. وفيه التَّوسِعة في الغِبِطَة، وقد تقدَّم تفسيرها في كتاب العِلم(٥)، والفَرق بينها وبين (١) سلف برقم (٧٣). (٢) أخرجه من حديث أبي كبشة الأنماري برقم (٢٣٢٥) بلفظ: ((وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو نيته، فأجرهما سواء)». (٣) أخرجه مسلم (١٠١٧) و(٢٦٧٣)(١٥)، وابن ماجه (٢٠٣)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٢٥٥٤) من حديث جرير بن عبد الله. وأخرجه مسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، وابن ماجه (٢٠٤)، والترمذي (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة. (٤) في الكلام على الباب رقم (٥٦). (٥) عند الحدیث رقم (٧٣). ٥٢٤ باب ١٥٥ / ح ٨٤٤ فتح الباري بشرح البخاري الحَسَد المذموم. وفيه المسابقة إلى الأعمال المحَصِّلة للدَّرَجات العالية لُبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلَغَهم، ولم يُنكِرِ عليهم النبيّ ◌َّةِ، فَيُؤْخَذ منه أنَّ قولَه: ((إلَّا مَن عَمِل)) عامٌ للفُقَراء والأغنياء، خلافاً لمن أوَّلَه بغير ذلك. وفيه أنَّ العمل السَّهل قد يُدرِك به صاحبُه فضل العمل الشاقّ. وفيه فضل الذِّكر عَقِب الصَّلَوات، واستدلَّ به البخاري على فضل الدُّعاء عَقيب الصلاة كما سيأتي في الدَّعَوات (٦٣٢٩)، لأنَّه في معناها، ولأنَّها أوقات فاضلة يُرِتَجَى فيها إجابةُ الدُّعاء. وفيه أنَّ العمل القاصر قد يساوي المتعَدّي خلافاً لمن قال: إنَّ المتعَدّي أفضلُ مُطلَقاً، نَّبَّهَ على ذلك الشَّيخ عِزّ الدّين بن عبد السلام. ٨٤٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَيٍ، عن وَرّادٍ كاتبٍ المغيرةِ بنِ شُعْبة، قال: أمْلَى عليَّ المغيرةُ في كتابٍ إلى معاويةً: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يقول في دُيُرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ((لا إلهَ إلَّ الله وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ ولَه الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ)). وقال شُعْبةُ: عن عبدِ الملِك بنِ عُمير، بهذا. وقال الحسنُ: جَدُّ: غِنَّی. وعن الحكَمِ، عن القاسمِ بنِ مُخَيْمِرةَ، عن وَرّادٍ، بهذا. [أطرافه في: ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢] قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوري، ورجال الإسناد كلهم كوفيّون إلّا محمد بن يوسف، وهو الفريابيّ. قوله: ((عن وزّاد)»: في رواية مُعتمِر بن سليمان عن سفيان عند الإسماعيليّ: حدّثني ورّاد. ٥٢٥ باب ١٥٥ / ح ٨٤٤ أبواب صفة الصلاة ٣٣٢/٢ قوله: ((أملى عليَّ المغيرة)) أي: ابن شُعْبة. (في كتابٍ إلى معاوية)» كان المغيرة إذ ذاكَ أميراً على الكوفة من قِبل معاوية، وسيأتي في الدَّعَوات (١) من وجه آخر عن ورّاد بيانُ السَّبَب في ذلك، وهو أنَّ معاوية كتب إليه: اكتُب لي بحديثٍ سمعته من رسول الله وَّ، وفي القَدَر (٦٦١٥) من رواية عبدة بن أبي لُبابة عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتُب إليَّ ما سمعتَ النبيّ وَله يقول خلف الصلاة. قد قَيَّدَها في رواية الباب بالمكتوبة، فكأنَّ المغيرة فهمَ ذلك من قرينةٍ في السُّؤال. واستدلَّ به على العمل بالمكاتَبة وإجرائها ◌َجَرَى السَّماع في الرواية، ولو لم تَقْتَرِن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشَّخص الواحد. وسيأتي في القَدَر في آخره أنَّ ورّاداً قال: ثمَّ وفَدت بعدُ على معاوية فسمعته يأمر الناس بذلك. وزَعَمَ بعضهم أنَّ معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنَّما أراد استثبات المغيرة، واحتَجَّ بما في ((الموطَّأ)) (٩٠٠/٢) من وجه آخر عن معاوية أنَّه كان يقول على المِنْبَر: أيّها الناس، إنَّه لا مانع لما أعطَى اللهُ، ولا مُعطي لما مَنَعَ الله، ولا يَنفَع ذا الجَدّ منه الجَدُّ، من يُرِد الله به خيراً يُفَقِّهه في الدّين. ثمَّ يقول: سمعته من رسول الله آل على هذه الأعواد. قوله: ((له الملك وله الحمد)) زاد الطَّبرانيُّ من طريق أُخرى عن المغيرة: ((يُحبي ويُميت وهو حَيّ لا يموت، بيدِه الخير - إلى - قدير))، ورواته موَثَّقونَ(٢)، وثَبَتَ مثله عند البَزّار (١٠٥١) من حديث عبد الرحمن بن عَوْف بسندٍ ضعيف، لكن في القول إذا أصبَحَ وإذا أمسى(٣). (١) بل هو في الرقائق (٦٤٧٣)، وأما الذي في الدعوات عن ورَّاد (٦٣٣٠) فليس فيه ما ذكره. (٢) هو عنده في ((الكبير)) ٢٠/ (٩٢٦) من طريق ورَّاد عن المغيرة، دون قوله: ((يحيي ويميت)). لكنه أخرجه في كتاب «الدعاء)» (٧٠٥) من حديث أبي هريرة، وفيه هذه الزيادة، إلا أنه ليس فيه قوله: «وهو حيٌّ لا یموت». وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف. (٣) ولزيادة قوله: (يحيي ويميت)) شاهد من حديث أبي أيوب عن أحمد (٢٣٥٦٨) لكن في القول إذا أصبح وإذا أمسى، وإسناده حسن، وآخر من حديث أبي هريرة عند الترمذي (٣٤٦٨) لكن بقولها في اليوم مئة = ٥٢٦ باب ١٥٥ / ح ٨٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا يَنْفَع ذا الجَدّ مِنْك الجَدّ)) قال الخطَّبيُّ: الجَدّ: الغِنَى، ويقال: الحَظ، قال: ومن، في قوله: ((منك)) بمعنی البدل، قال الشاعر(١): فَلَيتَ لنا من ماء زَمزَم شربةً مُبَرَّدةً باتت على الطَّهَيانِ يريد: لَيتَ لنا بدل ماء زَمزَم انتهى. وفي ((الصّحاح)): معنى ((منك)) هنا عندك، أي: لا يَنفَع ذا الغِنَى عندك غِناه، إنَّما يَنْفَعه العمل الصالح. وقال ابن التِّين: الصحیح عندي أنّها ليست بمعنى البدل ولا ((عند))، بل هو كما تقول: ولا يَنفَعك مِنّي شيء إن أنا أرَدْتُك بسوءٍ. ولم يظهر من كلامه معنًى، ومُقتَضاه أنَّها بمعنى ((عند)) أو فيه حذف تقديره: من قضائي أو سَطوَتي أو عذابي. واختارَ الشَّيخ جمال الدّين في (المغني)) الأوَّل. قال ابن دَقِيق العيد: قولُه ((منك)) يجب أن يتعلَّق بـ ((ينفع))، وينبغي أن يكون ((يَنفَع)) قد ضُمِّنَ معنى ((يمنع)) وما قارَبَه، ولا يجوز أن يتعلَّق ((منك)) بالجَدِّ، كما يقال: حَظّي منك کثیر لأنَّذلك نافع، انتھی. والجَدّ مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغِنَى، كما نَقَلَه المصنّف عن الحسن، أو الحَظّ. وحكى الرَّاغِب أنَّ المراد به هنا أبو الأب، أي: لا يَنفَع أحداً نَسَبُه. = مرة، وإسناده صحيح، ولزيادة قوله: ((بيده الخبر)) شاهد من حديث رجل من أصحاب محمد دَليل عند ابن أبي شيبة ٢٤٥/١٠ لكن بقولها: إذا أصبح وإذا أمسى، وإسناده صحيح، وآخر من حديث أبي أمامة عند الطبراني في «الكبير» (٨٠٧٥)، و((الأوسط)) (٧٢٠٠)، وحسنه الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٣٠٨/٢، لكنه بقوله في دبر صلاة الغداة مئة مرة. وحديث الرجل من أصحاب محمد ټے غیر مرفوع، لكنه لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع، فصحّ الحديث بهذه الزيادات: «يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير))، والله أعلم. (١) هو كما في ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٢٧٥/٥: يعلى الأحول الأزدي، ونسبه في ((اللسان)) مادة (طها) إلى: الأحول الكندي. ٥٢٧ باب ١٥٥ / ح ٨٤٤ أبواب صفة الصلاة قال القُرطبيّ: حُكيَ عن أبي عَمْرو الشَّيبانيِّ أنَّه رواه بالكسر، وقال: معناه لا يَنفَع ذا الاجتهاد اجتهادُه. وأنكَرَه الطَّرِيُّ. وقال القَزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع لأنَّ الله قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا يَنفَع عنده؟ قال: فيحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يَنفَع الاجتهاد في طلب الدُّنيا وتضييعُ أمر الآخرة. وقال غيره: لعلَّ المراد أنَّه لا يَنفَع بمُجرَّدِه ما لم يقارنْه القَبُول، وذلك لا يكون إلَّا بفضل الله ورَحَتَه، كما تقدَّم في شرح قولِه: ((لا يُدخِل أحداً منكم الجنَّةَ عملُه))(١). وقيل: المراد على رواية الكسر: السَّعي التامّ في الحرص أو الإسراع في الهرب. قال النَّوَويّ: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنَّه بالفتح، وهو الحظّ في الدُّنيا بالمال أو الوَلَد أو العَظَمة أو السُّلطان، والمعنى لا يُنَجّيه حَظّه منك، وإنَّما يُنَجّيه فضلك ورحمتُك. وفي الحديث استحباب هذا الذِّكر عَقِب الصَّلَوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله، والمنع والإعطاء وتمام القُدْرة، وفيه المبادرة إلى امتثال السُّنَن وإِشاعتها. فائدة: اشتُهِرَ على الألسِنة في الذِّكر المذكور زيادة: ((ولا رادٌ لما قَضَيت)) وهي في ((مُسنَد ٣٣٣/٢ عبد بن حميدٍ)) (٣٩١) من رواية مَعمَر عن عبد الملك بن عُمَير بهذا الإسناد(٢)، لكن حَذَفَ قوله: ((ولا مُعطي لما مَنَعت))، ووقع عند الطَّبرانيِّ تامّاً من وجه آخر كما سنذكره في كتاب القَدَر (٦٦١٥) إن شاء الله تعالى. ووقع عند أحمد والنَّسائيِّ وابن خُزَيمة من طريق هُشَيمٍ عن عبد الملك بالإسناد المذكور أنَّه كان يقول الذِّكر المذكور أوَّلاً ثلاث مرَّات(٣). (١) بل سيأتي في الرقائق (٦٤٦٣). (٢) وهو عند عبد الرزاق (١٩٦٣٨) عن معمر، والطبراني في ((الدعاء)) (٦٨٦) من طريق مسعر، كلاهما عن عبد الملك بن عمير. وقد صحح الحافظ إسناد الطبراني فيما سيأتي عند شرح الحديث (٦٦١٥). قلنا: وإسناد رواية معمر أيضاً صحیح. (٣) الحديث عند أحمد (١٨١٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٢٦٧)، وابن خزيمة (٧٤٢) من طريق هشيم، عن المغيرة وغير واحد، عن الشعبي، عن ورّاد، ولابن خزيمة وحده طريق واحدة عن = ٥٢٨ باب ١٥٦ / ح ٨٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال شُعْبة عن عبد الملك بن عُمَير بهذا)) وَصَلَه السرَّاج في ((مسنده)) (٨٦٥)، والطَّبرانيُّ في ((الدُّعاء)) (٦٨٦)، وابن حِبَّان (٢٠٠٧) من طريق معاذ بن معاذ عن شُعْبة ولفظه: عن عبد الملك بن عُمَير، سمعت ورّاداً كاتب المغيرة بن شُعْبة أنَّ المغيرة كتب إلى معاوية، فذكره. وفي قوله: ((كَتَب)) تجوُّز لما تَبيَّنَ من رواية سفيان وغيره أنَّ الكاتب هو ورّاد، لكنَّه كتب بأمرِ المغيرة وإملائه عليه. وعند مسلم (٥٩٣) من رواية عبدة عن ورّاد قال: كتب المغيرة إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له ورّاد، فجمع بين الحقيقة والمجاز. قوله: ((وقال الحسن: جَدُّ: غِنَى)) الأولى في قراءة هذا الحرف أن يُقرأ بالرَّفعِ بغير تنوين على الحكاية، ويظهر ذلك من لفظ الحسن، فقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء، وعبد بن حميدٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، كلاهما عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيْنَا﴾ [الجن: ٣] قال: غِنَى رَبّنا. وعادة البخاري إذا وقع في الحديث لفظة غريبة وقع مثلها في القرآن يحكي قول أهل التفسير فيها وهذا منها. ووقع في رواية كَرِيمة: قال الحسنُ: الجَدّ: غِنَى، وسَقَطَ هذا الأثر من أكثر الروايات. قوله: ((وعن الحكم)) هكذا وقع في رواية أبي ذرِّ التَّعليق عن الحكم مُؤخّراً عن أثر الحسن، وفي رواية كَرِيمة بالعكسِ، وهو الأصوب، لأنَّ قولَه: ((وعن الحكم)) معطوف على قوله: ((عن عبد الملك))، فهو من رواية شُعْبة عن الحكم أيضاً، وكذلك أخرجه السرَّاج (٨٦٦) والطَّبرانيُّ(١) وابن حِبَّان (٢٠٠٧) بالإسناد المذكور إلى شُعْبة، ولفظه كلفظ عبد الملك إلَّا أنَّه قال فيه: كان إذا قَضَى صلاته وسَلَّمَ قال، فذكره، ووقع نحو هذا التصريح لمسلم من طريق المسيَّب بن رافع عن ورّاد به. ١٥٦ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلّم ٨٤٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، قال: حدَّثنا أبو رجاءٍ، = هشيم، عن عبد الملك. (١) في ((الدعاء)) له (٦٩٩). : ٥٢٩ باب ١٥٦ / ح ٨٤٥ -٨٤٧ أبواب صفة الصلاة عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: كان النبيُّ وَّهِ إِذا صَلَّى صلاةَ أقبَلَ علينا بوجهِه. [أطرافه في: ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧] ٨٤٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكٍ، عن صالح بنِ كَيْسان، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن زيدٍ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ أنَّه قال: صَلَّى لنا النبيُّ وَّ صلاةَ الصبحِ بالحُدَيِيةِ على إثْرِ سماءٍ كانتْ من الليلِ، فلمَّا انصَرَفَ أقبَلَ على النَّاس فقال: ((هل تَدْرُونَ ماذا قال رَبُّكمْ؟» قالوا: الله ورسولُه أعلمُ. قال: «أصبَحَ من عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافرٌ، فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمتِهِ، فذلك مُؤمِنٌ بي وكافرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَن قال: بنَّوْءِ کذا و کذا، فذلك كافرٌ بی ومُؤمِنٌ بالگَوْكَب)». [أطرافه في: ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣] ٨٤٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنِير، سَمِعَ يزيد بن هارونَ، قال: أخبرنا مُميدٌ، عن أنسِ بنِ ٣٣٤/٢ مالكٍ، قال: أَخَّرَ النبيُّ ◌َ﴿ الصلاةَ ذاتَ ليلةٍ إلى شَطْرِ الليل، ثمَّ خرج علينا، فلمَّا صَلَّى أقبَلَ علينا بوجهِه فقال: ((إنَّ النَّاسَ قد صَلَّوْا ورَقَدُوا، وإِنَّكم ◌َنْ تَزالُوا في صلاةٍ ما انتَظَرْتُمُ الصلاة)). قوله: ((باب يَستَقْبِل الإمامُ النَّاسَ إذا سَلَّمَ)) أورَدَ فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث سَمُرة بن جُندُب، وسيأتي مُطوَّلاً في أواخر الجنائز (١٣٨٦). ثانيها: حديث زيد بن خالد الجُّهَني، وسيأتي في كتاب الاستسقاء (١٠٣٨). ثالثها: حديث أنس، وقد تقدَّم الكلام عليه في المواقيت (٥٧٢ و٦٠٠)، وفي فضل انتظار الصلاة (٦٦١) من أبواب الجماعة. والأحاديث الثلاثة مطابقة لما تَرجَمَ له، وأصرَحها حديث زيد بن خالد حيثُ قال فيه: فلمَّا انصَرَف. وأمَّا قولُه في حديث سَمُرة: كان النبيّ وٍَّ إذا صلَّى صلاة أقبَلَ علينا بوجهِه، فالمعنى ٥٣٠ باب ١٥٧ / ح ٨٤٨ فتح الباري بشرح البخاري إذا صلَّى صلاة ففَرَغَ منها أقبَلَ علينا، لضرورة أنَّه لا يَتَحوَّل عن القِبْلة قبل فراغ الصلاة. وقولُه في حديث أنس: فلمَّا صلَّى أقبل، يأتي فيه نحوُ ذلك. وسياق سَمُرة ظاهره أنَّه كان يواظِب على ذلك. قيل: الحكْمة في استقبال المأمومينَ أن يُعلِّمهم ما يحتاجون إليه، فعلى هذا يختصّ بمَن كان في مثل حاله وَلّ مِن قَصْد التَّعليم والموعظة. وقيل: الحكمة فيه تعريف الدّاخل بأنَّ الصلاة انقَضَت، إذ لو استَمَرَّ الإمام على حاله لَأَوهَمَ أنَّه في التشهُّد مثلاً. وقال الزَّين بن المنيِر: استدبار الإمام المأمومينَ إنَّما هو لحَقِّ الإمامة، فإذا انقَضَت الصلاة زالَ السَّبَب، فاستقبالهم حينئذٍ يرفع الخُيَلاء والتَّرَفَع على المأمومين، والله أعلم. ١٥٧ - باب مُكْث الإمام في مصلاه بعد السلام ٨٤٨ - وقال لنا آدمُ: حدَّثنا شُعْبةٌ، عن أيوبَ، عن نافع قال: كان ابنُ عمرَ يُصلِّ في مكانه الذي صَلَّى فيه الفَرِيضَةَ. وفَعَلَه القاسمُ. ويُذكَرُ عن أبي هريرةَ رفعه: ((لا يَتَطَوَّعُ الإمامُ في مكانه))، ولم يَصِحَّ. ٣٣٥/٢ قوله: ((باب مُكْث الإمام في مُصلَّاه بعد السلام)) أي: وبعد استقبال القوم، فيُلائم ما تقدَّم، ثمّ إنَّ المكث لا يتقيَّد بحالٍ من ذِكْرٍ أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة، ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوُّع الإمام في مكانه. قوله: ((وقال لنا آدم ... )) إلى آخره، هو موصول، وإنَّما عَبَّرَ بقوله: قال لنا، لكَونِه موقوفاً، مُغايَرةً بينه وبين المرفوع، هذا الذي عَرَفَتُه بالاستقراء من صنيعه. وقيل: إنَّه لا يقول ذلك إلَّا فيما حمله مُذاكَرة، وهو محُتمَل لكنَّه ليس بمُطَّرِد، لأنّي وجدتُ كثيراً مما قال فیه: قال لنا، في «الصحیح)) قد أخرجه في تصانيف أُخرى بصيغة: حدّثنا، وقد روى ابن أبي شَيْبة (٢٠٩/٢) أثر ابن عمر من وجه آخر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر ٥٣١ باب ١٥٧ / ح ٨٤٨ أبواب صفة الصلاة يُصلِّي سُبحته مكانه. قوله: ((وفَعَلَه القاسم)) أي: ابن محمد بن أبي بكر الصِّيق، وقد وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٠٩/٢) عن مُعتمِر عن عبيد الله بن عمر قال: رأيت القاسم وسالماً يُصلّيان الفريضة ثمَّ یتطوّعان في مکانهما. قوله: ((ويُذكَر عن أبي هريرةَ رَفَعه)) أي: قال فيه: قال رسول الله وَّه. قوله: ((لا يَتَطَوَّع الإمام في مكانه)) ذكره بالمعنى، ولفظه عند أبي داود (١٠٠٦): «أُيَعجِزُ أحدكم أن يَتَقَدَّم أو يتأخَّر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة))، ولابنِ ماجَهْ (١٤٢٧). ((إذا صلَّى أحدكم))، زاد أبو داود: يعني في السُّبحة، وللبيهقيِّ (١٩٠/٢): ((إذا أراد أحدكم أن يَتطوَّع بعد الفريضة فليَتَقَدَّم)) الحديث. قوله: ((ولم يَصِحّ)) هو كلام البخاري، وذلك لضعفٍ إسناده واضطِرابه، تَفرَّدَ به ليث ابن أبي سُلَيمٍ وهو ضعيف، واختُلِفَ عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في (تاريخه)) وقال: لم يَثْبُت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شُعْبة مرفوعاً أيضاً بلفظ: ((لا يُصِّي الإمام في الموضع الذي صلَّى فيه حتَّى يَتَحوَّل)) رواه أبو داود (٦١٦)، وإسناده منقطع، وروى ابن أبي شَيْبة (٢٠٩/٢ و٢٠٩ -٢١٠) بإسنادٍ حسن عن عليّ قال: من السُّنَّة أن لا يَتطوَّع الإمام حتَّى يَتَحَوَّل من مكانه، وحكى ابن قُدَامةَ في ((المغني)) عن أحمد أنَّ كَرِهَ ذلك، وقال: لا أعرِفه عن غير علي، فكأنَّه لم يَثْبُت عنده حديث أبي هريرة ولا المغيرة. وكأن المعنى في كراهة ذلك خَشْيةُ التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم (٨٨٣) عن السائب بن يزيد: أنَّه صلَّى مع معاوية الجمعة فتَقَّلَ بعدها، فقال له معاوية: إذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تَتَكَلَّم أو تَخرُج، فإنَّ النبيّ ◌َّ أمرنا بذلك. ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تُحمَل الأحاديث المذكورة. ويُؤخَذ من مجموع الأدلّة أنَّ للإمام أحوالاً، لأنَّ الصلاة إمّا أن تكون ممّا يُتَطَوَّع بعدها أو لا يُتَطَوَّع، الأوَّل اختُلِفَ فيه: هل يتشاغل قبل التطوُّع بالذِّكرِ المأثور ثمَّ يَتطوَّع؟ وهذا ٥٣٢ باب ١٥٧ / ح ٨٤٩ - ٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري الذي عليه عمل الأكثر، وعند الحنفيَّة يَبدَأ بالتطوُّع. وحُجَّة الجمهور حديث معاوية. ويُمكِن أن يقال: لا يَتعيَّن الفصل بين الفريضة والنافلة بالذِّكر، بل إذا تَنَخَّى من مكانه كَفَى. فإن قيل: لم يَثبُت الحديث في التَّنْجِّي، قلنا: قد ثَبَتَ في حديث معاوية: أو تَّخْرُج. ويَتَرجَّح تقديم الذِّكر المأثور بتقييدِه في الأخبار الصحيحة بدُيُرِ الصلاة (١). وزَعَمَ بعض الحنابلة أنَّ المراد بدُبُرِ الصلاة: ما قبل السلام، وتُعُقُّبَ بحديث: ذهب أهل الدُّثور، فإنَّ فيه («تُسَبِّحون دُبُر كلّ صلاة))(٢) وهو بعد السلام جَزماً، فكذلك ما شابهَہ. وأمَّا الصلاة التي لا يُتَطَوَّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومَن معه بالذِّكرِ المأثور ولا يَتعيَّن له مکان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذکروا، وإن شاؤوا مَگثوا وذکروا. وعلى الثاني إن كان ٣٣٦/٢ للإمام عادةٌ أن يُعلِّمهم/ أو يَعِظهم فيُستَحبّ أن يُقبِل عليهم بوجهِه جميعاً، وإن كان لا يزيد على الذِّكر المأثور فهل يُقبِل عليهم جميعاً أو يَنفَتِل فيجعل يمينَه من قِبَل المأمومينَ ويسارَه من قِبل القِبْلة ويدعو؟ الثاني هو الذي جَزَمَ به أكثر الشافعيَّة. ويحتمل إن قَصُرَ زَمَن ذلك أن يستمرّ مُستَقبِلاً للقِبْلة من أجل أنَّها أليَقُ بالدُّعاء، ويُحمَل الأوَّل على ما لو طالَ الذِّكر والدُّعاء، والله أعلم. ٨٤٩- حدّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن هندَ بنتِ الحارثِ، عن أمِّ سَلَمة: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا سَلَّمَ يَمْكُثُ في مكانه يَسِيراً. قال ابنُ شِهابٍ: فنُرَى - والله أعلمُ - لِكَيْ يَنفُذَ مَن يَنصِرِفُ من النِّساءِ. ٨٥٠- وقال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةً: أنَّ ابنَ (١) بل في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٠٧٥) و((الأوسط)) (٧٢٠٠) ما يشير إلى أنه يقول الذِّكر قبل أن يثني رجليه، وهو أوضح في الدلالة. وجوّد إسناده الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٣٠٦/١، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٣٠٨/٢. (٢) سلف برقم (٨٤٣). ٥٣٣ باب ١٥٧ / ح ٨٤٩ - ٨٥٠ أبواب صفة الصلاة شِهابٍ كَتَبَ إليه، قال: حدَّثْني هندُ ابنةُ الحارثِ الفِراسيّةُ، عن أمِّ سَلَمة زوجِ النبيِّ ◌َّل وكانتْ من صواحِباتها، قالت: كان يُسلِّمُ، فَيَصِرِفُ النِّساءُ فيدخلْنَ بيوتَهنَّ من قَبْلِ أنْ ينصِرِفَ رسولُ الله ◌ِ. وقال ابنُ وَهْب، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ: أخبَرَتْني هندُ الفِراسيّةُ. وقال عثمانُ بنُ عمرَ: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثْني هندُ القُرَشِيَّةُ. وقال الزُّبَيدِيُّ: أخبرني الزُّهْريُّ، أنَّ هندَ بنتَ الحارثِ القُرَشِيَّةَ أخبَرَتْه، وكانتْ تَحتَ مَعْبَدِ ابنِ المِقْدادِ وهو حَلِيفُ بني زُهْرة، وكانتْ تَدْخُلُ على أزواج النبيِّ يَّ. وقال شعيبٌ: عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثْني هندُ القُرَشِيَّةُ. وقال ابنُ أبي عَتِيقٍ: عن الزُّهْريِّ، عن هندَ الفِراسيّةِ. وقال الليثُ: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثه ابنُ شِهابٍ، عن امرأةٍ من قُرَيْشٍ، حدَّثتْه عن النبيِّ ټلآ. قوله: ((عن هندَ بنت الحارِث)) هي تابعيَّة، ولا أعرف عنها راوياً غير الزّهري، وهي من أفراد البخاري عن مسلم، وسيأتي الخلاف في نسبتها. قوله: ((قال ابن شِهاب)) هو الزُّهريُّ، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور. وقوله: (فنُرَى)) بضمِّ النُّون، أي: نَظُنُّ. قوله: ((من النِّساء)) زاد في (باب التَّسليم)) (٨٣٧) من هذا الوجه: قبل أن يُدرِكُهُنَّ مَنِ انصَرَفَ من القوم، أي: الرجال، وهو لفظه في رواية يحيى بن قَزَعة الآتية بعد أبواب (٨٧٠). قوله: ((وقال ابن أبي مريم)) رُويناه موصولاً في ((الزُّهريّات)) لمحمدِ بن يحيى الذُّهْلِيِّ قال: حدّثنا سعید بن أبي مريم، فذكره. قوله: ((من صواحباتها)) جمع صاحِبة، وهي لغة، والمشهور صَوَاحِب كضَوَارب وضاربة، ٥٣٤ باب ١٥٧ / ح ٨٤٩ - ٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: هو جمع صواحب، وهو جمع صاحبة. قوله: ((كان يُسلِّم)) أي: النبيّ وََّ، وأفادت هذه الرواية الإشارةَ إلى أقلِّ مقدار كان يَمكثهێ .. قوله: ((وقال ابن وَهْب ... )) إلى آخره، وَصَلَه النَّسائيُّ (١٣٣٣) عن محمد بن سَلَمة عنه بالإسناد المذكور، ولفظه: أنَّ النِّساء كُنَّ إذا سَلَّمَنَ قُمنَ وثَبَتَ رسول الله وَّهِ ومَن صلَّى من الرجال ما شاءَ الله، فإذا قامَ رسول الله ◌َِّ قامَ الرجال. قوله: ((وقال عثمان بن عمر)) سيأتي موصولاً بعد أربعة أبواب من طريقه (٨٦٦). قوله: ((وقال الزُّبَيديّ)) وَصَلَه الطَّبرانيُّ في ((مسند الشاميِّين)) (١٧٨٨) من طريق عبد الله بن سالم عنه بتمامه، وفيه: أنَّ النِّساء كُنَّ يشهدْنَ الصلاة مع رسول الله وَِّ، فإذا سَلَّمَ قامَ النِّساء فانصَرَ فْنَ إلى بيوتهنَّ قبل أن يقوم الرجال. قوله: ((وقال شعيب)) هو ابن أبي حمزة، وابن أبي عَتيق: هو محمد بن عبد الله، وروايتهما موصولة في ((الزُّهريّات)) أيضاً. ومراد البخاري بيان الاختلاف في نَسَب هِندَ، وأنَّ منهم مَن قال الفِراسيَّة نسبة إلى بني فِراس بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء آخره مُهمَلة، وهم بطن من كِنانة، ومنهم مَن قال: القُرَشيَّة، فمَن قال من أهل النَّسَب: إنَّ كِنانة جماعُ قُرَيش فلا مُغايرة بين النِّسبتين، ومَن قال: إنَّ جماع قُریش فِھرُ بن مالك، فیحتمل أن يكون اجتماع النِّسبتَينِ لهِندَ على أنَّ إحداهما بالأصالة والأُخرى بالمحَالَفَةِ (١). وأشارَ البخاري برواية الليث الأخيرة إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ قول مَن قال: القُرَشيّة تصحيف من الفِراسيَّة، لقوله فيه: عن امرأة من قُرَيش، وفي رواية الكُتْمِيهنيّ: أنَّ امرأة. وقولُه فيه: ((عن النبيّ وَّ) غير مَوصولٍ لأنَّها تابعيَّة كما تقدَّم، وكأنَّ التقصير فيه من (١) تصحّفت في (س) إلى: بالمخالفة، بالخاء المعجمة، والصحيح ما أثبتناه، وقد جاء في ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٦٧/٥ ما نصه: وقيل: إنها فراسيّة بالنسب، قرشية بالحلف، كانت تحت معبد بن المقداد ابن الأسود. ٥٣٥ باب ١٥٨ / ح ٨٥١ أبواب صفة الصلاة يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - وروايته عن ابن شهاب من رواية الأقران. وفي الحديث مُراعاة الإمام أحوالَ المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يُفْضي إلى المحذور. وفيه اجتناب مواضع التُّهَم، وكراهة مُخَالَطَة الرجال للنِّساء في الطُّرقات فضلاً عن البيوت. ومُقتَضى التَّعليل المذكور أنَّ المأمومينَ إذا كانوا رجالاً فقط أن لا يُستَحبّ هذا المكث، وعليه حمل ابن قُدامةَ حديث عائشة: أنَّه وَّةِ كان إذا سَلَّمَ لم يَقعُد إلَّا مقدارَ ما يقول: ((اللهمَّ أنتَ السلام ومنك السلام تَبَارَكت يا ذا الجلال والإكرام)) أخرجه مسلم (٥٩٢). وفيه أنَّ النِّساءِ كُنَّ يَحِضُرنَ الجماعة في المسجد، وستأتي المسألة قريباً. ١٥٨ - باب من صلى بالناس فذكر حاجةً فتخطّاهم ٣٣٧/٢ ٨٥١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكة، عن عُقْبة، قال: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ ◌َّهِ بالمدينةِ العصرَ، فسَلَّمَ فقامَ مُشِعاً، فتَخَطَّى رِقابَ النَّاس إلى بعض حُجَرِ نِسائه، ففَزِعَ النَّاسُ من سُرْعَتِهِ، فخرج عليهم، فرَأى أنَّهم قد عَجِبُوا من سُرْعَتِه، فقال: ((ذكرتُ شيئاً من تِيْرِ عندَنا، فكَرِهْتُ أنْ يَجِبِسَني، فأمرتُ بقِسْمَتِه)). [أطرافه في: ١٢٢١، ١٤٣٠، ٦٢٧٥] قوله: ((باب مَن صلَّى بالنَّاس فَذَكَرَ حاجة فتخَطّهم)) الغَرَض من هذه الترجمة بيان أنَّ المكث المذكور في الباب قبله محلُّه ما إذا لم يَعرِض ما يُحتاج معه إلى القيام. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عُبيد)) أي: ابن ميمونِ العَلَّاف، وثَبَتَ كذلك في رواية ابن عساكر. قوله: ((عن عمر بن سعيد)) أي: ابن أبي حسين المكِّيّ. ٥٣٦ باب ١٥٨ / ح ٨٥١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عُقْبة)) هو ابن الحارث النَّوفَلي، وللمصنِّ في الزَّكاة (١٤٣٠) من رواية أبي عاصم عن عمر بن سعيد: أنَّ عُقبة بن الحارث حدَّثه. قوله: ((فِسَلَّمَ فقامَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ثمَّ قام. قوله: ((فَفَزِعَ النَّاس)) أي: خافوا، وكانت تلك عادتَهم إذا رَأْوا منه غير ما يَعهَدونه خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم. قوله: ((فَرَأى أنَّهم قد عَجِبُوا)) في رواية أبي عاصم: فقلتُ أو قِيلَ له، وهو شكّ من الراوي، فإن كان قوله: فقلتُ، محفوظاً فقد تَعيَّنَ الذي سألَ النبيّ ◌َّ من الصحابة عن ذلك. قوله: ((ذكرت شيئاً من تِيْرٍ)) في رواية روح عن عمر بن سعيد في أواخر الصلاة (١٢٢١): ((ذَكَرت وأنا في الصلاة))، وفي رواية أبي عاصم: ((تِبراً من الصَّدَقة))، والتِّبر بكسر المثنَّاة وسكون الموخَّدة: الذي(١) لم يُصَفّ ولم يُضرَب، قال الجَوْهريّ: لا يقال إلَّ للذَّهَب. وقد قاله بعضهم في الفِضَّة. انتهى، وأطلَقَه بعضهم على جميع جَواهر الأرض قبل أن تُصاغ أو تُضرَب، حكاه ابن الأنباريّ عن الكِسائي، وكذا أشارَ إليه ابن دُرَيد. وقيل: هو الذَّهَب المكسور، حكاه ابن سِيدَهْ. قوله: ((يَجِبِسني)) أي: يَشغَلني التفكُّر فيه عن التَّوَجُّه والإقبال على الله تعالى. وفَهمَ منه ابن بَطَّال معنى آخرَ فقال: فيه أنَّ تأخير الصَّدَقة تَحِس صاحبها يوم القيامة. قوله: ((فأمرت بقِسْمَتِهِ)) في رواية أبي عاصم: ((فقَسَمته)). وفي الحديث أنَّ المكث بعد الصلاة ليس بواجب، وأنَّ التَّخَطّيَ للحاجة مُباحٌ، وأنَّ التفكّر في الصلاة في أمرٍ لا يتعلَّق بالصلاة لا يُفسِدها ولا يَنقُصُ من كمالها، وأنَّ إنشاء العَزم في أثناء الصلاة على الأُمور الجائزة لا يَضُرّ. وفيه إطلاق الفعل على ما يأمر به الإنسان، وجواز الاستنابة مع القُدْرة على المباشرة. (١) في (ع) و(س): الذهب الذي. ٥٣٧ باب ١٥٩ / ح ٨٥٢ أبواب صفة الصلاة ١٥٩ - باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال وكان أنسُ بنُ مالكٍ يَنْفَتِلُ عن يمينِهِ وعن يساره، ويَعِيبُ على مَن يَتَوَخَّى - أو تَعَمَّدَ - الانفتالَ عن یمینِه. ٨٥٢- حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن عمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن الأسودِ، قال: قال عبدُ الله: لا يجعلْ أحدُكم للشيطان شيئاً من صلاته، يَرَى أنَّ حَقّاً عليه أنْ لا يَنْصِرِفَ إلَّا عن يمينِهِ، لقد رأيتُ النبيَّ ◌َّلَ كَثِيراً يَنصِرِفُ عن يساره. قوله: ((باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشِّمال)) قال الزَّين بن المنيِّر: جمع في ٣٣٨/٢ الترجمة بين الانفتال والانصراف للإشارة إلى أنَّه لا فرق في الحكم بين الماكث في مُصلَّاه إذا انفَتَلَ لاستقبال المأمومين، وبين المتوَجِّه لحاجتِه إذا انصَرَفَ إلیھا. قوله: ((وكان أنس بن مالك ... )) إلى آخره، وَصَلَه مُسدَّد في ((مسنده الكبير)) من طريق سعيد عن قتادةَ قال: كان أنس، فذكره وقال فيه: ويَعيب على مَن يتوخَّى ذلك أن لا يَنفَتِل إلَّا عن يمينه، ويقول: يدورُ کما يدورُ الحمار. وقوله: ((يتوخَّى)) بخاءٍ مُعجَمة مشدَّدة، أي: يقصد. وقوله: ((أو تَعَمَّد)) شكٌّ من الراوي. قلت: وظاهر هذا الأثر عن أنس يخالف ما رواه مسلم (٧٠٨) من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّيِّ قال: سألت أنساً: كيف أنصَرِف إذا صلَّيت، عن يميني أو عن يساري؟ قال: أمَّا أنا فأكثر ما رأيتُ النبيّ ◌َِّ ينصرف عن يمينه. ويُجمَع بينهما بأنَّ أنساً عابَ مَن يَعتَقِد تَحْتُم ذلك ووجوبَه، وأمَّا إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش. قوله: (عن عُمارة)) في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ (٢٨٢) عن شُعْبة عن الأعمش: سمعت عُمارة بن عُمَير. وفي الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيّون في نَسَق، آخرُهم الأسود: وهو ابن يزيد النَّخَعُّ. ٥٣٨ باب ١٥٩ / ح ٨٥٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا يجعل)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: لا یجعلَنّ، بزيادة نون التأكید. قوله: ((شيئاً من صلاته)) في رواية وكيع وغيره عن الأعمَش عند مسلم (٧٠٧): جزءاً من صلاته(١). قوله: ((يَرَى)) بفتح أوَّله، أي: يَعتَقِد، ويجوز الضم، أي: يَظُنُّ. وقوله: ((أنَّ حَقّاً عليه)) هو بيان للجعلِ في قوله: لا يجعل. قوله: ((أنْ لا يَنصِرِف)) أي: يَرَى أنَّ عدم الانصراف حقٍّ عليه، فهو من باب القلب، قاله الكِرْمانيُّ في الجواب عن ابتدائه بالنَّكِرة، قال: أو لأنَّ النَّكِرة المخصوصة كالمعرفة(٢). قوله: ((كثيراً يَنصرِف عن يساره)) في رواية مسلم (٧٠٧): أكثر ما رأيت رسول الله وَلمه ينصرف عن شماله. فأمَّا رواية البخاري فلا تُعارض حديثَ أنس الذي أشرتُ إليه عند مسلم (٧٠٨)، وأمَّا رواية مسلم فظاهِرِها التَّعارض، لأنَّه عَبَّرَ في كلٍّ منهما بصيغة أفعَل. قال النَّوَويّ: يُجمَع بينهما بأنَّه ◌َل# كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كلّ منهما بما اعتَقَدَ أنَّه الأكثر، وإنَّما كَرِهَ ابن مسعود أن يُعتَقَد وجوب الانصراف عن اليمين. قلت: وهو موافق للأثَرِ المذكور أوَّلاً عن أنس، ويُمكِن أن يُجمَع بينهما بوجهٍ آخر، وهو أن يُحمَل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأنَّ حُجْرة النبيّ وَل کانت من جهة يساره، ومُحمَل حديث أنس على ما سوى ذلك گحال السفر. ثمَّ إذا تَعارَضَ اعتقاد ابن مسعود وأنس رُجِّحَ ابن مسعود، لأنَّه أعلم وأسَنّ وأجَلّ وأكثر ملازمةً للنبيِّ ټالآ وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس مَن تُكُلَّم فيه وهو السُّدّي، وبأنَّه مُتَّفَق عليه بخلاف حديث أنس في الأمرَين، وبأنَّ رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأنَّ حُجْرة النبيِّ وَ ل﴿ كانت على جهة يساره كما تقدَّم. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه يُمكِن الجمع بين الحديثينِ بوجهٍ آخر، وهو أنَّ مَن قال: كان أكثرُ (١) الذي في مطبوع ((صحيح مسلم) والنسخ الخطية التي لدينا منه: لا يجعلنّ أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً. (٢) تحرف في (س) إلى: كالمعروف. ٥٣٩ باب ١٦٠ / ح ٨٥٣ أبواب صفة الصلاة انصرافه عن يساره نَظَرَ إلى هيئته في حال الصلاة، ومَن قال: كان أكثرُ انصرافه عن يمينه نَظَرَ إلى هيئَته في حالة استقباله القومَ بعد سَلامِه من الصلاة، فعلى هذا لا يختصّ الانصراف بجهةٍ مُعيَّنَة. ومن ثَمَّ قال العلماء: يُستَحبّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقِّه فاليمينُ أفضلُ لعموم الأحاديث المصَرِّحة بفضل التَّیامُن، گحديث عائشة المتقدِّم في كتاب الطَّهارة (١٦٧). قال ابن المنيِر: فيه أنَّ المندوبات قد تَنْقَلِب مكروهاتٍ إذا رُفِعَت عن رُتِبَتها، لأنَّ التَّيَامُن مُستحَبٌّ في كلّ شيء، أي: من أُمور العبادة، لكن لمَّا خَشِيَ ابن مسعود أن يَعتَقِدوا وجوبه أشارَ إلی گراهته، والله أعلم. ١٦٠ - باب ما جاء في الثوم النِّيء والبصل والكُرَّاث ٣٣٩/٢ وقولِ النبيِّ ◌ٍَّ: ((مَن أَكَلَ الثُّومَ أو البَصَلَ من الجوع أو غيرِه فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا». ٨٥٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّ قال في غَزْوةٍ خَيْبَ: ((مَن أكَلَ من هذه الشَّجَرةِ - يعني الثُّومَ - فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا». [أطرافه في: ٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢] قوله: ((باب ما جاءَ في الثُّوم)) هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأمَّا الَّراجم التي قبلها فكلّها من صفة الصلاة. لكن مُناسَبة هذه الترجمة وما بعدها لذلك من جهة أنَّه بَنَى صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة، ولهذا لم يُفرِد ما بعد كتاب الأذان بكتاب، لأنَّه ذكر فيه أحكام الإقامة، ثمَّ الإمامة، ثمَّ الصُّفوف، ثمَّ الجماعة، ثمَّ صفة الصلاة، فلمَّا كان ذلك كلُّه مُرتَبِطاً بعضه ببعضٍ، واقتَضَى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسَبَ أن يورِد فيه مَن قامَ به عارضٌ كأكل الثّوم، ومَن لا يجب عليه ذلك كالصِّبيان، ومَن تُندَب له في حالة دون حالة كالنِّساء، فذكر هذه التَّراجم فخَتَمَ بها صفة الصلاة. ٥٤٠ باب ١٦٠ / ح ٨٥٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الثُّومِ)) بضمِّ الثاء المثلّثة ((والنّيء)) بكسر النُّون وبعدها تحتانيَّة ثمَّ همزة، وقد تُدغَم، وتقييده بالنّيءٍ حملٌ منه للأحاديث المطلقة في الثّوم على غير النَّضيج منه. وقوله في الترجمة: ((والكُرّاث)) لم يقع ذِكْره في أحاديث الباب التي ذكرها، لكنَّه أشارَ به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر كما سأذكره، وهذا أولى من قول بعضهم: إنَّه قاسَه على البَصَل. ويحتمل أن يكون استَنْبَطَ الكُرّاث من عموم الخُضَرات، فإنَّه يدخل فيها دخولاً أوَّلِيّاً(١)، لأنَّ رائحته أشدُّ. ٣٤٠/٢ قوله: ((وقول النبيّ وَّ)) هو بكسر اللَّام. وقوله: ((من الجوع أو غيره)) لم أرَ التقييد بالجوع وغيره صريحاً، لكنَّه مأخوذ من كلام الصحابيّ في بعض طرق حديث جابر وغيره، فعند مسلم (٥٦٤) من رواية أبي الزُّبَير عن جابر قال: نهى النبيّ وَِّ عن أكل البَصَل والكُرّاث، فغَلَبَتْنا الحاجة، الحديث، وله (٥٦٥) من رواية أبي نَضْرة عن أبي سعيد: لم نَعْدُ(٢) أن فُتِحَتِ خَيَبَرُ فَوَقَعنا في هذه البَقْلة والناس چِیاع، الحديث. وقال ابن المنيِر في ((الحاشية)): أَحَقَ بعض أصحابنا المجذومَ وغيرَه بآكِل الثّوم في المنع من المسجد، قال: وفيه نظر، لأنَّ آكِلَ الثّوم أدخَلَ على نفسه باختياره هذا المانع، والمجذوم عِلَّته سَماويَّة. قال: لكنَّ قوله وََّ: ((من جوع أو غيره)) يدلّ على النَّسوية بينهما. انتهى، وكأنَّه رأى قول البخاري في الترجمة: وقول النبيّ وَّ ... إلى آخره، فظَنَّه لفظَ حديث، وليس كذلك، بل هو من تَفَقُّه البخاري وتجویزه لذكر الحديث بالمعنى. قوله: ((مَن أكَلَ)) قال ابن بَطَّل: هذا يدلُّ على إباحة أكل الثّوم، لأنَّ قوله: ((مَن أكَل)) لفظ إباحة. وتعقَّبه ابن المنيِّرِ بأنَّ هذه الصِّيغةَ إنَّما تُعطي الوجود لا الحكم، أي: مَن وُجِدَ منه الأكل، وهو أعمّ من گَوْنه مُباحاً أو غير مُباح، وفي حديث أبي سعيد الذي أشرت إليه (١) في (س): أولوياً. (٢) قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٥٥٢٨): لم نَعْدُ: أي: لم نتجاوز ولم نَتَعدّ.