Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
باب ١٢٨ / ح ٨٠٣ -٨٠٤
أبواب صفة الصلاة
ولقائلٍ أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع، فإنَّ الأوَّل في تقديم وضع اليدينِ على
الرُّکبتَينِ، والثاني في إثبات وضع اليدينِ في الجملة.
واستُشكِلَ إيرادُ هذا الأثر في هذه الترجمة، وأجاب الزَّين بن المنيِّر بما حاصله: أنَّه لمَّا
ذكر صفة الهُويّ إلى السجود القوليَّة أردَفَها بصفتِه الفعليَّة، وقال أخوه: أراد بالترجمة
وصف حال اهُويّ من فِعال ومقال، انتهى.
والذي يظهر أنَّ أثر ابن عمر من جملة الترجمة، فهو مُتَرجَم به لا مُتَرجَم له، والترجمة
قد تكون مُفسِّرة لُجمَل الحديث وهذا منها، وهذه من المسائل المختلف فيها.
قال مالكٌ: هذه الصِّفة أحسن في خشوع الصلاة، وبه قال الأوزاعيُّ، وفيه حديث عن
أبي هريرة رواه أصحاب السُّنَن (١)، وعورِضَ بحديثٍ عنه أخرجه الطَّحاويُّ (٢٥٥/١)،
وقد روى الأثرَم حديث أبي هريرة: ((إذا سَجَدَ أحدكم فليَبدَأْ بُرُكَبَتَه قبل يديه، ولا يَبْرُكْ
بروك الفَحْل))، ولکن إسناده ضعيف.
وعند الحنفيَّة والشافعيَّة الأفضلُ أن يَضَعِ رُكَبَتَه ثمَّ يديه، وفيه حديث في السُّنَن أيضاً
عن وائل بن حُجرٍ (٢)، قال الخطَّبيُّ: هذا أصُ من حديث أبي هريرة، ومن ثَمَّ قال
النَّوَويّ: لا يظهر ترجيح أحد المذهبينِ على الآخر من حيثُ السُّنَّةُ. انتهى، وعن مالك
وأحمد روايةٌ بالتَّخيير.
وادَّعَى ابن خُزيمة (٦٢٨) أنَّ حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد قال: كنَّا نَضَعُ
اليدينِ قبل الرُّكبتَين، فأَمِرنا بالرُّكبتَينِ قبل اليدين، وهذا لو صَحَّ لكان قاطعاً للنِّزاع، لكنَّه
من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سَلَمة بن كُهَيلِ، عن أبيه، وهما ضعيفان.
وقال الطَّحاويُّ: مُقتَضى تأخير وضع الرَّأس عنهما في الانحطاط ورفعه قبلهما أن يتأخّر
(١) أخرجه أحمد (٨٩٥٥)، وأبو داود (٨٤٠)، والترمذي (٢٦٩)، والنسائي (١١٩٠)، وإسناده قوي.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٣٨)، وابن ماجه (٨٨٢)، والترمذي (٢٦٨) وحسّنه، والنسائي (١٠٨٩) و(١١٥٤)،
وصححه ابن خزيمة (٦٢٦)، وابن حبان (١٩١٢)، والحاكم ٢٢٦/١ وأقرّه الذهبي، وحسنه.

٤٤٢
باب ١٢٨ / ح ٨٠٣ -٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وضع اليدينِ عن الرُّكبتَينِ، لاتِّفاقهم على تقديم اليدينِ عليهما في الرَّفع. وأبدى الَّين ابن
المنيِر لتقديمِ اليدينِ مُناسَبة، وهي أن يَلقَى الأرضَ عن جَبْهته، ويَعتَصِمَ بتقديمِهما على
إيلام رُكَبَتَه إذا جَثا عليهما، والله أعلم.
قوله: ((أنَّ أبا هريرةَ كان يُكبِّ)) زاد النَّسائيُّ (١٠٢٣) من طريق يونس عن الزُّهريُّ:
حين استَخلَفَه مروان على المدينة.
قوله: (ثُمَّ يقول: الله أكْبَر حين يَهْوي ساجِداً)) فيه أنَّ التكبير ذِكرُ الهُوِيِّ، فيَبتَدِئ به مِن
حين يَشرَع في الهُوِيّ بعد الاعتدال إلى حين يَتمكَّن ساجداً.
قوله: ((ثمَّ يُكبِّ حين يقوم من الجلوس في الاثنتين)) فيه أنَّه يَشرَع في التكبير من حين
ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهُّد الأوَّل، خلافاً لمن قال: إنَّه لا يُكبِِّ حتَّى يَستَويَ قائماً،
وسيأتي في باب مُفرَد بعد بضعة عَشَر باباً (٨٢٥ و٨٢٦).
قوله: ((إنْ كانتْ هذه لَصلاتَه)) قال أبو داود (٨٣٦): هذا الكلام يؤيِّد رواية مالك
وغيره عن الزّهريِّ عن عليّ بن حسين، يعني مُرسَلاً(١).
قلت: وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عُيَينَةَ، عن الزّهري(٢)، لكن لا يَلَزَم من
ذلك أن لا يكون الزُّهريُّ رواه أيضاً عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن أبي
هريرة، ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم في ((باب التكبير إذا قامَ من السجود)) (٧٨٩) من طريق عُقيل
عن الزُّهريِّ، فإنَّه صريح في أنَّ الصِّفة المذكورة مرفوعة إلى النبيِّ ◌َّ.
٢٩٢/٢ قوله: ((قالا)) يعني: أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا سَلَمة المذكورَينِ، وهو موصول بالإسناد
المذكور إليهما، والكلام على المتن المذكور يأتي في ((تفسير آل عمران)) (٤٥٦٠) إن شاء الله
تعالى، وإنَّما ذكره هنا استطراداً.
وقد أورَدَه مختصراً في الباب الذي ذكر فيه ما يقول في الاعتدال (٧٩٥)، واستُدِلَّ به
(١) هو في ((الموطأ)) ١/ ٧٦.
(٢) وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٤١ عن ابن عيينة.

٤٤٣
باب ١٢٨ / ح ٨٠٥
أبواب صفة الصلاة
على أنَّ محلّ القُنوت بعد الرَّفع من الركوع، وعلى أنَّ تسمية الرجال بأسمائهم فيما يُدعَى لهم
وعليهم لا تُفسِد الصلاة.
٨٠٥- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ غيرَ مَرّةٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمعتُ
أنسَ بنَ مالكٍ يقول: سَقَطَ رسولُ اللهِوَِّ عِن فَرَسٍ - ورُبَما قال سفيانُ: من فَرَسٍ - فجُحِشَ
شِقُّه الأَيْمَنُ، فدخلْنا عليه نَعُودُه، فحَضَرَتِ الصلاةُ فصَلَّى بنا قاعداً وقَعَدْنا - وقال سفيانُ
مَرّةً: صلَّينا قُعُوداً - فلمَّا قَضَى الصلاةَ، قال: ((إنَّا جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا كَبَّرَ فَكَبُِّوا، وإذا
رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ، وإِذا
سَجَدَ فاسجُدُوا».
كذا جاءَ به مَعمَرٌ؟ قلت: نَعَم، قال: لقد حَفِظَ. كذا قال الزُّهْريُّ: ((ولكَ الحمدُ))، حَفِظْتُ (مِن
شِقِّه الأيمَنِ))، فلمَّا خرجنا من عندِ الزُّهْريِّ قال ابنُ جُرَيج وأنا عندَه: ((فجُحِشَ ساقُه الأيمَنُ)).
قوله: ((عن فرَس، ورُبَّما قال سُفْيان - وهو ابن عُيَيْنَةَ - من فَرَس)) فيه إشعار بتَئِبُّتِ عليّ بن
عبد الله ومُحَافَظَته على الإتيان بألفاظِ الحديث، وقد تقدَّم الكلام عليه في ((باب إنَّما جُعِلَ
الإمام ليُؤْتَمّ به)) (٦٨٩) وأنَّ قولَه: جُحِش، أي: خُدِش، ووقع في قصر الصلاة (١١١٤)
عن أبي نُعيمٍ عن ابن عُيَينةَ بلفظ: فجُحِشَ أو خُدِش على الشكّ.
قوله: ((كذا جاءَ به مَعمَر)) القائل هو سفيان، والمَقُول له علي، وهمزة الاستفهام قبل
كذا مُقدَّرة.
قوله: ((قلت: نَعَم)) كأنَّ مُستَنَد عليٍّ في ذلك رواية عبد الرزاق عن مَعمَر(١)، فإنَّه من
مَشائِهِ، بخلاف مَعمَر فإنَّه لم يُدرِكه، وإنَّما يروي عنه بواسطة، وكلام الكِرْمانيّ يوهم
خلاف ذلك.
قوله: ((قال: لقد حَفِظَ)) أي: حِفظاً جيّداً، وفيه إشعار بقوّة حِفظ سفيان بحيثُ يَستَجيد
حِفظَ مَعمَر إذا وافَقَه.
(١) هي في ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٠٧٨)، ومن طريقه أخرجها أحمد (١٢٦٥٦)، ومسلم (٤١١) (٨١).

٤٤٤
باب ١٢٩ / ح ٨٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((كذا قال الزُّهريُّ ولك الحمد)) فيه إشارة إلى أنَّ بعض أصحاب الزُّهريِّ لم يَذكُر
الواو في: ((ولك الحمد)»، وقد وقع ذلك في رواية الليث وغيره عن الزُّهريِّ كما تقدَّم في
((باب إيجاب التكبير)) (٧٣٣).
قوله: ((حَفِظْتُ)» في رواية ابن عساكر: وحَفِظتُ، بزيادة واو، وهي أوضح.
وقوله: ((من شِقّه الأيمن ... )) إلى آخره، فيه إشارة إلى ما ذكرناه من جودة ضبط سفيان،
لأنَّ ابن جُرَيج سمعه معهم من الزُّهريِّ بلفظ: ((شِقّه)) فحدَّث به عن الزُّهريِّ بلفظ:
(ساقِه)) وهي أخصّ من ((شِقّه))، لكن هذا محمول على أنَّ ابن جُرَيج عَرَفَ من الزُّهريِّ في
وقت آخر أنَّ الذي خُدِشَ هو ساقُه، لبُعدِ أن يكون نَسِيَ هذه الكلمة في هذه المدَّة اليسيرة،
وقد قدَّمنا الدلالة على ذلك في ((باب إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمّ به)) (٦٨٩).
وقوله: ((وأنا عنده)) قال الكِرْمانيُّ: هو معطوف على مُقدَّر أو جملة حاليّة من فاعل ((قال))
مُقدَّراً، إذ تقديره: قال الزُّهريُّ: وأنا عنده، ويحتمل أن يكون هو مَقُول سفيان، والضَّمير
لابنِ جُرَيج. قلت: وهذا أقرب إلى الصواب، ومَقُول ابن جُرَيج هو: ((فجُحِشَ ... )) إلى
آخره، والله أعلم.
١٢٩ - باب فضل السجود
٨٠٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ
المسيّبٍ وعطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَهُما: أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رسولَ الله، هل نَرَى
ربَّنا يومَ القيامةِ؟ قال: ((هل تُمارُونَ في القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ ليس دُونه سَحابٌ؟)) قالوا: لا يا
رسولَ الله، قال: ((فهل ثُمَارُونَ في الشَّمسِ ليس دُونها سَحابٌ؟)) قالوا: لا، قال: ((فإنَّكم تَرَوْنَه
كذلكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ، فيقول: مَن كان يَعْبُدُ شيئاً فليَّبع، فمنهم مَن يَتَّبعُ الشَّمسَ،
ومنهم مَن يَتَبعُ القَمَر، ومنهم مَن يَتَبعُ الطَّواغِيتَ، وتَبْقَى هذه الأمّةُ فيها منافقُوها فيَأْتيهم الله
فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولونَ: هذا مكانُنا حتَّى يأتيَنَا رَبُّنًا، فإذا جاءَ رَبُّنَا عَرَفْناه، فَيَأتيهم الله
فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولونَ: أنتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهم فيُضْرَبُ الصِّراطُ بينَ ظهرانَيْ جهنَّمَ، فأكُونُ

٤٤٥
باب ١٢٩ / ح ٨٠٦
أبواب صفة الصلاة
أوَّلَ مَن يَجُوزُ من الرّسُلِ بأَمَّتِهِ، / ولا يَتَكلَّمُ يومئذٍ أحدٌ إِلَّ الرُّسُلُ، وكلامُ الرُّسُلِ يومئذٍ: اللهمَّ ٢٩٣/٢
سَلِّمْ سَلِّمْ. وفي جهنَّمَ كَلاليبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدان، هل رأيتُمْ شَوْكَ السَّعْدان؟» قالوا: نَعَم،
قال: ((فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدان غيرَ أنَّه لا يعلمُ قَدْرَ عِظَمِها إلَّ الله، تَخْطَفُ النَّاسَ بأعمالهم،
فمنهم مَن يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومنهم مَن يُخَرْدَلُ، ثمَّ يَنْجُو، حتَّى إذا أراد الله رحمةَ مَن أرادَ من أهل
النَّارِ أمَرَ الله الملائكةَ أنْ يُخْرِجُوا مَن كان يَعْبُدُ الله، فيُخرِ جُونهُم ويَعرِفُونَهُم بآثار السُّجودِ،
وحَرَّمَ الله على النَّارِ أنْ تأكُلَ آثارَ السُّجودِ، فَيَخرُجُونَ من النَّار فكلُّ ابنِ آدمَ تأكُلُهُ النَّارُ إِلَّ أَثَرَ
السُّجودِ، فيَخرُجُونَ من النَّارِ، قَدِ امْتَحَشُوا، فيُصَبُّ عليهم ماءُ الحَياةِ فِيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الِحِبَّةُ
في حَمِيل السَّيلِ.
ثُمَّ يَفْرُغُ الله من القضاءِ بينَ العِبادِ، ويَبقَى رجلٌ بينَ الجنَّةِ والنَّار، وهو آخِرُ أهلِ النَّار
دُخُولاً الجنَّةَ، مُقْبِلاً بوجهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ اصْرِفْ وجهي عن النَّار قد قَشَبَنِي رِيحُها
وأحرَقَنِي ذَكاؤُها، فيقول: هل عَسَيتَ إِنْ فُعِلَ ذلك بكَ أنْ تَسْأَلَ غيرَ ذلكَ؟ فيقول: لا
وعِزَِّك، فيُعْطِي اللهَ ما شاء من عَهْدٍ ومِيثاقٍ، فَيَصْرِفُ الله وجهَه عن النَّار، فإذا أقبَلَ به على
الجنَّةِ رَأى بَهْجَتَها، سَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثمّ قال: يا رَبِّ قَدِّمْني عندَ باب الجنَّةِ، فيقول
الله له: أليس قد أعطيتَ العُهودَ والمِيثاقَ أنْ لا تَسْألَ غيرَ الذي كنتَ سَألْتَ؟ فيقول: يا رَبِّ
لا أكُونُ أشقَى خَلْقِك، فيقول: فما عَسَيتَ إنْ أُعْطِيتَ ذلك أنْ تَسْألَ غيرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِكَ
لا أسْألُكَ غيرَ ذلك، فيُعْطِي ربَّه ما شاءَ من عَهْدٍ ومِيثاقٍ، فيُقدِّمُه إلى باب الجنَّةِ، فإذا بَلَغَ بابَها
فرَأى زَهْرَتَها وما فيها من النَّضْرةِ والسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، فيقول: يا رَبِّ
أدخِلْني الجنَّةَ، فيقول الله: وَيْحَكَ يا ابنَ آدمَ! ما أغْدَرَكَ! أليس قد أعطيتَ العُهودَ والمِيثاقَ أنْ
لا تَسْألَ غيرَ الذي أُعْطِيتَ، فيقول: يا رَبِّ لا تَجَعَلْني أشقَى خَلْقِك، فَيَضْحَكُ الله عزَّ وجلَّ
منه ثمَّ يأذَنُ له في دُخُول الجنَّةِ، فيقول: تمنَّ، فَيَتمنَّى حتَّى إذا انقطع أُمْنِيَّتُه، قال الله عزَّ وجلَّ:
زِدْ من كذا وكذا، أقبَلَ يُذَكِّرُه رَبُّه عزَّ وجَلَّ حتَّى إذا انتَهَتْ به الأمانيُّ قال الله تعالى: لَكَ ذلك
وِمِثْلُهُ مَعَهُ)).
قال أبو سعيدِ الخُذْريُّ لأبي هريرةَ رضي الله عنهما: إنَّ رسولَ الله وَِّ قال: قال الله: ((لكَ

٤٤٦
باب ١٣٠ / ح ٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك وعشرةُ أمْثاله)). قال أبو هريرةَ: لم أحفظْ من رسول الله وَلَهَ إِلَّا قوله: ((لَكَ ذلك ومِثْلُه معه)».
قال أبو سعيدٍ: إنِّي سمعتُه يقول: ((ذلك لَكَ وعشرةُ أَمْثاله)).
[طرفاه في: ٦٥٧٣، ٧٤٣٧]
قوله: ((باب فضل السُّجود)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في صفة البعث والشَّفاعة،
والمقصود منه هنا قوله: ((وحَرَّمَ الله على النار أن تأكُل آثار السجود))، وقد أورَدَه بتمامه
أيضاً في أبواب صفة الجنَّة والنار من كتاب الرِّقاق (٦٥٧٣)، ويأتي الكلام عليه هناك
مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى، مع ذِكْر اختلاف ألفاظ رواته.
٢٩٤/٢ واختُلِفَ في المراد بقوله: ((آثار السُّجود)) فقيل: هي الأعضاء السَّبعة الآتي ذِكرُها في
حديث ابن عبّاسٍ قريباً، وهذا هو الظاهر، وقال عياض: المراد الجبهة خاصَّة، ويؤيِّده ما
في رواية مسلم من وجه آخر (٣١٩/١٩١): «أنَّ قوماً يُخْرَجون من النار يحترقون فيها إلَّا
دارات وجوههم))، فإنَّ ظاهر هذه الرواية يُخُصّ العموم الذي في الأولى.
١٣٠ - بابٌ يُبدِي ضَبْعَيَه ويُجافي في السجود
٨٠٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثْني بكرُ بنُ مُضَرَ، عن جعفرٍ، عن ابنِ هُرْمُزَ، عن
عبدِ الله بنِ مالكِ ابنِ بُحَيْنَةَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا صَلَّى فَرَّجَ بينَ يَدَيْه حتَّى يَبْدُوَ بياضُ إِيطَيْهِ.
وقال الليثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةً ... نحوَه.
قوله: (بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيه)) بفتح المعجَمة وسكون الموحّدة تثنية ضَبْع: وهو وسط
العَضُد من داخل، وقيل: هو لحمةٌ تحت الإبط.
قوله: ((عن جعفر)) هو ابن ربيعة، وابن هُرمُز: هو عبد الرحمن الأعرج، والإسناد إليه(١)
مِصْرِيُّون(٢).
(١) تحرف في (س) إلى: كله.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: بصريون. والصواب: مصريون، فإن جعفر بن ربيعة فمَن دونه من أهل
مصر.

٤٤٧
باب ١٣٠ / ح ٨٠٧
أبواب صفة الصلاة
قوله: ((فَّجَ بين يَدَيْه)) أي: نَخَّى كلَّ يد عن الجَنْب الذي يليها.
قال القُرطبيّ: الحِكْمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنَّه يَخِفَّ بها اعتماده عن
وجهه ولا يتأثَّر أنفُه ولا جَبْهتُه، ولا يتأذَّى بمُلاقاة الأرض.
وقال غيرُه: هو أشبه بالتَّواضُعِ وأبلَغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مُغايَرَته
لهيئة الكَسْلان.
وقال ناصر الدّين بن المنيِر في ((الحاشية)): الحِكْمة فيه أن يظهر كلُّ عضو بنفسه ويَتَمَيَّز
حتَّى يكون الإنسانُ الواحدُ في سجوده كأنَّه عَدَد، ومُقتَضى هذا أن يَستَقِلّ كلُّ عضو بنفسه
ولا يَعْتَمِد بعضُ الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضِدّ ما وَرَدَ في الصُّفوف من
التصاق بعضهم ببعضٍ، لأنَّ المقصود هناك إظهار الاتّحاد بين المصلِّينَ حتَّى كأَّهم جَسَد
واحد.
وروى الطَّرانيُّ وغيره (١) من حديث ابن عمر بإسنادٍ صحيح أنَّه قال: لا تَفتَرِشِ
افتراشَ السَّبُع، وادعَم على راحَتَك وأبدٍ ضَبْعَيك، فإذا فعلت ذلك سَجَدَ كلّ عضو منك،
ولمسلم (٤٩٨) من حديث عائشة: نهى النبيّ وَّهِ أن يَفتَرِش الرجل ذِراعيه افتراش السَّبُع،
وأخرج التِّرمِذيّ (٢٧٤) وحَسَّنَه من حديث عبد الله بن أَقْرَمَ(٢): صلَّيت مع النبيّ وَّل
فكنت أنظر إلى عُفرَتَي إبطَيه إذا سَجَد، ولابنٍ خُزَيمة (٦٥٣) عن أبي هريرة رفعه: ((إذا
سَجَدَ أحدكم فلا يَفتَرِش ذِراعَيه افتراش الكلب، ولَيَضُمَّ فَخِذَيه))، وللحاكمِ (٢٢٨/١)
من حديث ابن عبّاسٍ نحو حديث عبد الله بن أَقرمَ، وعنه عند الحاكم (٢٢٧/١): كان
(١) وأخرجه كذلك عبد الرزاق (٢٩٢٧) عن سفيان الثوري، عن آدم بن علي، عن ابن عمر. وقد رواه
محمد بن إسحاق، عن مسعر بن كدام، عن آدم بن علي، عن ابن عمر مرفوعاً، أخرجه من طريقه ابن
خزيمة (٦٤٥)، وابن حبان (١٩١٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢٧/٧، والحاكم ٢٢٧/١، وذكر
الدار قطني في («العلل)) ١٤٩/١٣، وأبو نعيم أن محمد بن إسحاق تفرَّد برفعه، وأن غيره يرويه عن
مسعر موقوفاً. قال الدارقطني: وكذلك رواه شعبة والثوري وأبو حنيفة وحسين بن عمران، عن آدم بن
علي موقوفاً، وهو الصواب.
(٢) تحرف في (س) في الموضعين إلى: عبد الله بن أرقم.

٤٤٨
باب ١٣٠ / ح ٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
النبيّ وَّه إذا سَجَدَ يُرَى وَضَحُ إبطَيه، وله من حديثه، ولمسلم (٤٩٤) من حديث البراء
رفعه: ((إذا سَجَدت فضَع كَفَّك وارفَع مِرفَقَيك».
وهذه الأحاديث - مع حدیث ميمونة عند مسلم (٤٩٦): كان النبيّ ټێ يجافي يديه،
فلو أنَّ بَهيمةً أرادت أن تَمُزَّ لَمَرَّت، مع حديث ابن بُحَينة المعلَّق هنا - ظاهرها وجوب
التَّفْريج المذكور، لكن أخرج أبو داود ما يدلُّ على أنَّه للاستحباب، وهو حديث أبي
هريرة: شَكَا أصحابُ النبيِّ وَِّ له مَشقَّةَ السجودِ عليهم إذا انفَرَجوا، فقال: ((استَعينوا
بالُّكَب)(١). وتَرْجَم له: ((الرُّخصة في ذلك))، أي: في ترك التَّفريج. قال ابن عَجْلان أحدُ
رواته: وذلك أن يَضَع مِرفَقَيه على رُكَبَتَيْه إذا طالَ السجود وأَعْيا. وقد أخرج التِّرمِذيّ
الحديث المذكور ولم يقع في روايته: إذا انفَرَجوا. فتَرجَمَ له: «ما جاءَ في الاعتماد إذا قامَ من
السجود))، فجعل محلّ الاستعانة بالرُّكَبِ لمن يرفع من السجود طَلَباً للقيام، واللَّفظ
يَحَتَمِل(٣) ما قال، لكنَّ الزّيادة التي أخرجها أبو داود تُعيِّن المراد.
وقال ابن التِّين: فيه دليل على أنَّه لم يكن عليه قميص لانكِشاف إبطيه، وتُعُقِّبَ
٢٩٥/٢ باحتمال أن يكون القميص واسعَ الأكمام،/ وقد روى الثِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٥٥) عن أمّ
سَلَمة قالت: كان أحَبّ الثّياب إلى النبيِّ ◌َِّ القميص. أو أراد الراوي أنَّ موضع بياضهما
لو لم يكن عليه ثوب ◌َرُئيَ، قاله القُرطبي.
واستدلَّ به على أنَّ إبطَيه ◌ِّله لم يكن عليهما شَعر، وفيه نظر، فقد حكى المحِبّ الطَّبَرِيُّ
في الاستسقاء من ((الأحكام)) له أنَّ من خصائصه وَّرَ أنَّ الإبط من جميع الناس مُتَغَيِّر
اللَّون غيرَه(٣)، واستدلَّ بإطلاقه على استحباب التَّفريج في الركوع أيضاً، وفيه نظر لأنَّ في
(١) أخرجه أحمد (٨٤٧٧)، وأبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦)، وابن حبان (١٩١٨)، وإسناده قوي.
(٢) في (س): محتمل.
(٣) مثل هذا التخصيص يحتاج إلى دليل، ولا أعلم في الأحاديث ما يدلُّ على ما قاله المحبُّ، فالأقرب ما قاله
القرطبي، وهو ظاهر كثير من الأحاديث. ويحتمل أن يكون شعر إبطيه ويلو كان خفيفاً، فلا يتضح
للناظر من بُعْد سوى بياض الإبطين، والله أعلم. (س).

٤٤٩
باب ١٣١ -١٣٢ / ح ٨٠٨
أبواب صفة الصلاة
رواية قُتيبة عن بكر بن مُضَر التقييدَ بالسجود، وأخرجه المصنّف في المناقب (٣٥٦٤)،
والمطلَق إذا استعمِلَ في صورة اکتُفي بها.
قوله: ((وقال الليث: حدَّثني جعفر بن ربيعة نَحْوَه)) وَصَلَه مسلم (٤٩٥) من طريقه
بلفظ: كان إذا سَجَدَ فَرَّجَ يديه عن إبطَيه حتَّى إِنِّي لَأرَى بياض إبطيه.
تنبيه: تقدَّم قُبيل أبواب القِبْلة (٣٩٠) أنَّه وقع في كثير من النسخ وقوع هاتَينِ التَّرجمتين
هذه والتي بعدها هناك، وأُعيد هنا أنَّ الصواب إثباتهما هنا، وذكرنا توجيه ذلك بما يُغني
عن إعادته.
١٣١ - بابٌ يستقبل القبلة بأطراف رجليه
قاله أبو مُميدٍ السّاعديُّ عن النبيِّ آلّ.
قوله: ((باب يَستَقْبِلِ القِبْلة بأطراف رِجْلَيهِ، قالَه أبو مُميدٍ)) يأتي موصولاً في ((باب سُنَّة
الجلوس في التشهُّد)) (٨٢٨) قريباً، وأنَّه وَرَدَ في صفة السجود.
قال الزَّين بن المنيِر: المراد أن يجعل قَدَمَيه قائمَتَينِ على بُطون أصابعِهما، وعَقِباه
مرتفعتان(١)، فيَستَقْبِل بظُهور قَدَمَيه القِبْلة، قال أخوه: ومن ثَمَّ نُدِبَ ضَمُّ الأصابع في
السجود، لأنَّها لو تَفرَّجَت انحَرَفَت رؤوس بعضها عن القِبْلة.
١٣٢ - بابٌ إذا لم يُتمَّ سجوده
٨٠٨- حدّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثْنا مَهْديٌّ، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن
حُذَيفةَ: أنه رَأْى رجلاً لا يُتِمُّ ركوعَه ولا سجودَه، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال له حُذَيفةُ: ما
صلَّيْتَ، قال: وأحسِبُه قال: ولو مُتَّ مُتَّ على غيرِ سُنّةٍ محمَّدٍ يَّ.
قوله: ((باب إذا لم يُتِمّ سجوده)) أورَدَ فيه حديث حُذَيفة وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَى
في ((باب إذا لم يُتِمّ الركوع)) (٧٩١).
(١) في (ع) و(س): مرتفعان، بالتذكير، وهو خطأ، لأن المذكور في كتب اللغة أن العقب مؤنثة.

٤٥٠
باب ١٣٣ / ح ٨٠٩ - ٨١٠
فتح الباري بشرح البخاري
١٣٣ - باب السجود على سبعة أعظُم
٨٠٩- حدَّثْنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن طاؤُوسٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ: أَمِرَ النبيُّ نَّهِ أَنْ يَسْجُدَ على سبعة أعضاءٍ، ولا يَكُفَّ شَعراً ولا ثوباً: الجبهةِ واليدينِ
والُّكْبِتَينِ والرِّجْلَينِ.
[أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦]
٨١٠- حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرٍو، عن طاووسٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((أُمِرْنا أنْ نَسجُدَ على سبعةِ أعظُمِ، ولا نَكُفَّ ثوباً
ولا شعراً)».
٢٩٦/٢ قوله: ((باب السُّجود على سبعة أعظُم)) لفظ المتن الذي أورَدَه في هذا الباب: ((على سبعة
أعضاءٍ)) لكنَّه أشارَ بذلك إلى لفظ الرواية الأُخرى، وقد أورَدَها من وجه آخر في الباب
الذي یلیه.
قال ابن دقيق العيد: يُسمَّى كلّ واحد عظماً باعتبار الجملة، وإن اشتمل كلَّ واحد على
عِظَام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ.
قوله: (أُمِرَ النبيّ ◌ََّ)) هو بضمِّ الهمزة في جميع الروايات بالبناء لما لم يُسمَّ فاعلُه، والمراد
به اللهُ جَلَّ جَلالُه. قال البيضاويّ: عُرِفَ ذلك بالعُرف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل:
وفيه نظرٌ، لأنَّه ليس فيه صيغة ((افعَل)).
ولمَّا كان هذا السياق يحتمل الخصوصيَّة عَقَّبَه المصنّف بلفظٍ آخر دالٌّ على أنَّه لعموم
الأمَّة، وهو من رواية شُعْبة عن عَمْرو بن دينار أيضاً بلفظ: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: أُمِرنا،
وعُرِفَ بهذا أنَّ ابن عبّاسٍ تلقَّاه عن النبيّ وَّةِ، إمَّا سماعاً منه وإمَّا بلاغاً عنه، وقد أخرجه
مسلم (٤٩١) من حديث العبّاس بن عبد المطَّلِب بلفظ: ((إذا سَجَدَ العبد سَجَدَ معه سبعةُ
آرابٍ)) الحديث، وهذا يُرجِّح أنَّ الُّون في ((أُمِرنا)) نون الجمع، والآراب بالمدِّ جمع إربٍ

٤٥١
باب ١٣٣ / ح ٨٠٩ - ٨١٠
أبواب صفة الصلاة
بكسر أوَّله وإسكان ثانيه: وهو العضو، ويحتمل أن يكون ابن عبّاسٍ تلقّاه عن أبيه ـ
قوله: ((ولا يَكُفّ شَعراً ولا ثوباً)) جملة مُعتَرِضةٌ بين المُجمَل وهو قوله: ((سبعة أعضاء))
والمفسَّر وهو قوله: ((الجبهة ... )) إلى آخره، وذكره بعد باب من وجه آخر بلفظ: (ولا
نَكِفِتَ الثّياب والشَّعر))، والكَفْت بمُثنَّةٍ في آخره: هو الضم، وهو بمعنى الكَفّ. والمراد
أنَّه لا يجمع ثيابه ولا شَعرِه، وظاهره يقتضي أنَّ النَّهي عنه في حال الصلاة، وإليه جَنَحَ
الدَّاوودي، وتَرجَمَ المصنّف بعد قليل ((باب لا يَكُفّ ثوبه في الصلاة)) (٨١٦)، وهي تؤيِّد
ذلك، ورَدَّه عياض بأنَّه خلاف ما عليه الجمهور، فإنَهم كَرِهوا ذلك للمصلِّ سواءٌ فَعَلَه في
الصلاة أو قبل أن يدخل فيها، واتَّفَقوا على أنَّه لا يُفسِد الصلاةَ، لكن حكى ابنُ المنذِر عن
الحسن وجوب الإعادة، قيل: والحِكْمة في ذلك أنَّه إذا رفع ثوبه وشعرَه عن مُباشَرة
الأرض أشبه المتكبِّرِ.
قوله: ((الجبهة)) زاد في رواية ابن طاووسٍ عن أبيه في الباب الذي يليه: وأشارَ بيدِه على
أنفه، كأنَّه ضَمَّنَ ((أشار)) معنى ((أمَرَّ)) بتشديد الرَّاء، فلذلك عَدَّاه بعلى دون إلى، ووقع في
((العُمدة)) بلفظ: ((إلى)) وهي في بعض النسخ من رواية كَرِيمة، وعند النَّسائيِّ (١٠٩٨) من
طريق سفيان بن عُيَينَةَ عن ابن طاووسٍ، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن
طاووسٍ: ووَضَعَ يده على جَبْهته، وأمَرَّها على أنفه، وقال: هذا واحد. فهذه رواية مُفسِّرة.
قال القُرطبيّ: هذا يدلُّ على أنَّ الجبهة الأصلُ في السجود والأنف تَبَع.
وقال ابن دَقِيق العيد: قيل: معناه أنَهما جُعِلا كعضوٍ واحد، وإلَّا لكانت الأعضاء
ثمانية، قال: وفيه نظر، لأنَّه يَلزَم منه أن يُكتفَى بالسجودِ على الأنف كما يُكتَفَى بالسجودِ
على بعض الجبهة، وقد احتُجَّ بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجودِ على الأنف، قال:
والحَقّ أنَّ مثلَ هذا لا يعارِض التصريحَ بذِكْر الجبهة، وإن أمكنَ أن يُعتَقَد أنَهما كعضوٍ
واحد، فذاكَ في التَّسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلَّ عليه الأمر، وأيضاً فإنَّ الإشارة
قد لا تُعيِّن المشار إليه، فإنَّها إنَّما تتعلَّق بالجبهة لأجل العبارة، فإذا تَقارَبَ ما في الجهة

٤٥٢
باب ١٣٣ / ح ٨٠٩ - ٨١٠
فتح الباري بشرح البخاري
أمكَنَ أن لا يُعَيَّن المشار إليه يقيناً، وأمَّا العبارة فإنَّهَا مُعيِّنة لما وُضِعَت له فتقديمها(١) أَولى.
انتهى، وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعيَّة، وكأنَّه
أُخِذَ من قول الشافعيّ في ((الأمّ)) أنَّ الاقتصار على بعض الجبهة يُكرَه، وقد ألزَمَهم بعض
الحنفيَّة بما تقدَّم.
ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنَّه لا يُجْزِئ السجود على الأنف وحده، وذهب
الجمهور إلى أنَّه يُجْزِئُ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعيِّ وأحمد وإسحاقَ وابنِ حبيب
من المالكيَّة وغيرهم: يجب أن يجمعَهما، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضاً.
٢٩٧/٢ قوله: ((واليدين)) قال ابن دقيق العيد: المراد بهما الكَفّان، لئلا يدخل تحت المنهيِّ عنه من
افتراش السَّبُع والكلب. انتهى، ووقع بلفظ: الكَفَّين، في رواية حَمَّاد بن زيد عن عَمْرو بن
دینار عند مسلم (٤٩٠).
قوله: ((والرِّجْلَين)) في رواية ابن طاووسِ المذكورة: وأطراف القدمين، وهو مُبيِّن للمراد
من الرِّجلَين، وقد تقدَّمت كيفيَّة السجود عليهما قبلُ بباب.
قال ابن دَقِيق العيد: ظاهره يدلُّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء. واحتَجَّ
بعض الشافعيَّة على أنَّ الواجب الجبهة دون غيرها بحديث المُسيءٍ صلاته حيثُ قال
فيه: ((ويُمكِّن جَبْهته)) قال: وهذا غايتُه أنَّه مفهوم لَقَب، والمنطوق مُقدَّم عليه، وليس هو
من باب تخصيص العموم.
قال: وأضعَف من هذا استدلالهم بحديث: ((سَجَدَ وجهي))(٢)، فإنَّه لا يَلزَم من إضافة
(١) وقع في الأصلين و(س): فتقديمه، بالتذكير، وهو خطأ، لأن الذي في ((الإحكام)) لابن دقيق العيد
ص١٥٤ : وأما اللفظ فإنه معيِّن لما وُضِعَ له، فتقديمُه أَولى. فإنه لما ذكر ((اللفظ)» ناسب أن يُذكَّر ضمیرُه
في قوله ((تقديمه)) لكن لما استعمل الحافظ كلمة ((العبارة)» بدل: «اللفظ»، وهي مؤنثة، فإن المناسب أن
يؤنث الضمير، فيقول: تقديمها.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٢٢)، وأبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠) و(٣٤٢٥)، والنسائي (١١٢٩)،
وإسناده صحيح.

٤٥٣
باب ١٣٣ / ح ٨١١
أبواب صفة الصلاة
السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه.
وأضعف منه قولهم: إنَّ مُسمَّى السجود تَحَصُل بوضع الجبهة، لأنَّ هذا الحديث يدلّ
على إثبات زيادة على المسمَّى.
وأضعَف منه المعارضة بقياسٍ شَبَهيّ، كأن يقال: أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب
وضعها. قال: وظاهر الحديث أنَّه لا يجب كشفُ شيء من هذه الأعضاء لأنَّ مُسمَّى
السجود تَحَصُل بوضعِها دون كشفها، ولم يُخْتَلَف في أنَّ كشف الرُّكبتَينِ غير واجب لما يُحذَر
فيه من كشف العورة.
وأمَّا عدم وجوب كشف القدمينِ فلدليلٍ لَطيف، وهو أنَّ الشارع وَقَّتَ المسح على
الخُفِّ بمُدَّةٍ تقع فيها الصلاة بالخُفِّ، فلو وَجَبَ كشفُ القدمينِ لَوَجَبَ نزِعُ الخُفّ
المقتضي لنَّقْضِ الطَّهارة فتَبطُل الصلاة. انتهى، وفيه نظرٌ، فللمخالفِ أن يقول: مُخْصُّ
لابس الخُفّ لأجل الرُّخصة.
وأمَّا كشفُ اليدينِ فقد تقدَّم البحث فيه في ((باب السجود على الثَّوب في شِدَّة الحرّ))
(٣٨٥) قُبيل أبواب استقبال القِبْلة، وفيه أثر الحسن في نَقْله عن الصحابة تركَ الكَشْف.
٨١١- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ الخَطْميِّ،
حدَّثنا البَرَاءُ بنُ عازبٍ - وهو غيرُ كَذُوبٍ - قال: كنَّا نُصلّي خلفَ النبيِّ ◌َِّ فإذا قال: ((سَمِعَ
الله لمنْ حَمِدَه))، لم يَخْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه حتَّى يَضَعَ النبيُّ وَّ جَبْهتَه على الأرضِ.
ثمَّ أورَدَ المصنِّ حديث البراء في الركوع، وقد تقدَّم الكلام عليه في ((باب مَتَّى يَسجُد
مَن خلف الإمام)) (٦٩٠) ومراده منه هنا قولُه في آخره: ((حتَّى يَضَعَ جَبْهتَه على الأرض)).
قال الكِرْمانيُّ: ومُناسَبته للترجمة من حيثُ إنَّ العادة أنَّ وضع الجبهة إنَّما هو باستعانة
الأعظُم السَِّّة غالباً، انتهى.
والذي يظهر في مراده أنَّ الأحاديث الواردة بالاقتصار على الجبهة كهذا الحديث لا
تُعارض الحديث المنصوص فيه على الأعضاء السَّبعة، بل الاقتصار على ذِكْر الجبهة إمَّا

٤٥٤
باب ١٣٤ -١٣٥ / ح ٨١٢-٨١٣
فتح الباري بشرح البخاري
لكَونِها أشرَفَ الأعضاء المذكورة أو أشهَرَها في تحصيل هذا الرُّكن، فليس فيه ما ينفي
الزّيادة التي في غيره.
وقيل: أراد أن يُبيِّن أنَّ الأمر بالجبهة للوجوب وغيرها للنَّدب، ولهذا اقتصر على ذِكْرها
في كثير من الأحاديث، والأوَّل الیَقُ بتصرُّفِه.
١٣٤ - باب السجود على الأنف
٨١٢- حدَّثنا مُعلَّى بنُّ أسدٍ، قال: حدَّنا وُهَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((أُمِرْتُ أنْ أسجُدَ على سبعةِ أعظُم: على الجبهةِ
- وأشارَ بيدِه على أنِه - واليدينِ والرُّكْبتَينِ وأطرافِ القدمينِ، ولا نَكْفِتَ الِّيَابَ والشَّعرَ)).
قوله: ((باب السُّجود على الأنف)» أورَدَ فيه حديث ابن عبّاسٍ من جهة وُهَيب وهو ابن
خالد ((عن عبد الله بن طاووسٍ عن أبيه)) وقد أسلَفنا الكلام عليه قبلُ (٨٠٩).
قولُه فيه: ((على سبعة أعظُم، على الجبهة)) قال الكِرْمانيُّ: ((على)) الثانية بدل من الأولى التي
في حكم الطَّرح، أو الأولى متعلّقة بنحوِ حاصلاً، أي: اسجُد على الجبهة حال كَوْن السجود
على سبعة أعضاء.
٢٩٨/٢
١٣٥ - باب السجود على الأنف في الطين
٨١٣- حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة قال: انطَلَقْتُ إلى أبي
سعيدِ الخُذْريِّ، فقلت: ألا تَخْرُجُ بنا إلى النَّخْلِ نَتَحَدَّثُ؟ فخرج، قال: قلت: حَدِّثْني ما سمعتَ
من النبيِّ وََّ في ليلةِ القَدْرِ؟ قال: اعتكَفَ رسولُ اللهِ وَّةِ العَشْرَ الأُوَّلَ من رمضانَ واعتكَفْنا
معه، فأتاه جِبْريلُ، فقال: إنَّ الذي تَطلُبُ أمامَك، فاعتكَفَ العشرَ الأوسَطَ، واعتكَفْنا معه، فأتاه
جِبْرِيلُ فقال: إنَّ الذي تَطلُبُ أمامَك، فقامَ النبيُّ ◌َّهُ خَطِيباً صبيحةَ عشرينَ من رمضانَ، فقال:
((مَن كان اعتكَفَ مع النبيِّ وَّهِ فِلَيَرجِعْ، فإِنِّ أُرِيتُ ليلةَ القَدْرِ، وإِنِّ نُسّيتُها، وإِنَّهَا في العشرِ
الأواخِرِ في وِتْرٍ، وإنِّي رأيتُ كأنّي أسجُدُ في طِينٍ وماءٍ))، وكان سَقْفُ المسجدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وما

٤٥٥
باب ١٣٦ / ح ٨١٤
أبواب صفة الصلاة
نَرَى فِي السَّماءِ شيئاً، فجاءَتْ قَزَعَةٌ فَأَمْطِرْنا، فصَلَّى بنا النبيُّ وَّهِ حَتَّى رأيتُ أثَرَ الطَّيْنِ والماءِ على
جَبْهةِ رسول الله وَّ﴿ وَأَرنَتِهِ، تَصْدِیقَ رُؤْیاه.
قوله: ((باب السُّجود على الأنف في الطِّين)) كذا للأكثر، وللمُستَملي: «السجود على
الأنف والسجود على الطّين)) والأوَّل أنسَب لئلّا يَلزَم الشَّكرار، وهذه الترجمة أخصّ من
التي قبلها، وكأنَّه يشير إلى تأكُّد أمر السجود على الأنف بأنَّه لم يُترَك مع وجود عُذر الطّين
الذي أثَّرَ فيه، ولا حُجَّة فيه لمن استدلَّ به على جواز الاكتفاء بالأنفِ، لأنَّ في سياقه أنَّه
سَجَدَ على جَبْهته وأرْنَتِهِ، فَوَضَحَ أنَّه إِنَّمَا قَصَدَ بالترجمة ما قدَّمناه، وهو دالٌ على وجوب
السجود عليهما، ولولا ذلك لَصائَهما عن لَوث الطّين، قاله الخطَّايُّ، وفيه نظرٌ.
وفيه استحباب ترك الإسراع إلى إزالة ما يصيب جبهة الساجد من غُبار الأرض
ونحوه، وسنذكر بقيَّة مباحث الحديث المذكور في كتاب الصيام(١) إن شاء الله تعالى.
١٣٦ - باب عَقْد الثياب وشدّها، ومن ضمَّ إليه ثوبه
إذا خاف أن تتكشف عورته
٨١٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْل بنِ سعدٍ، قال:
كان النَّاسُ يُصلُّونَ مع النبيِّ ◌َّه وهم عاقِدُو أَزْرِهم من الصِّغَرِ على رِقابهم. فَقِيلَ النِّساءِ: لا
تَرْفَعْنَ رؤوسَكُنَّ حتَّى يَستَوِيّ الرجالُ جلوساً.
قوله: ((باب عَقْد الثّيّاب وشَدّها، ومَن ضَمَّ إليه ثَوْبه إذا خافَ أنْ تَنْكَشِف عَوْرَته)) كأنَّه
يشير إلى أنَّ النَّهي الوارد عن كَفّ الثّياب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار،
ووجه إدخال هذه الترجمة في أحكام السجود من جهة أنَّ حَرَكة السجود والرَّفع منه تَسهُل
مع ضَمّ الثّياب وعَقدها، لا مع إرسالها وسَدْلها، أشارَ إلى ذلك الزَّين بن المنيِّر.
قوله: ((عن أبي حازم)) هو ابن دينار، وقد تقدَّم في ((باب إذا كان الثَّوب ضَيِّقًا)) (٣٦٢)
في أوائل الصلاة من وجه آخر عن سفيان قال: حدَّثني أبو حازم. وقد تقدَّم الكلام على
(١) بالأرقام (٢٠١٦) و(٢٠٣٦) و(٢٠٤٠).

٤٥٦
باب ١٣٧ -١٣٩ / ح ٨١٥ -٨١٧
فتح الباري بشرح البخاري
فوائد المتن هناك.
٢٩٩/٢
١٣٧ - بابٌ لا يَكُفُّ شعراً
٨١٥- حدَّثنا أبو التُّعْمان، قال: حدَّثنا حَمَّادٌ - هوَ ابنُ زيدٍ - عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن
طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: أَمِرَ النبيُّ ◌َّهِ أَنْ يَسْجُدَ على سبعةِ أعظُم، ولا يَكُفَّ ثَوْبَه ولا
شعره.
قوله: ((باب لا يَكُفّ شَعراً) أي: المصلِي، و((يَكُفّ)) ضبطناه في روايتنا بضمِّ الفاء، وهو
الرَّاجح، ويجوز الفتح، والمراد بالشَّعرِ شَعر الرّأس.
ومُناسَبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أنَّ الشَّعر يَسجُد مع الرَّأس إذا لم
يُكفّ أو يُلَفّ، وجاءَ في حِكْمة النَّهي عن ذلك أنَّ غُرزَة الشَّعر يَقعُد فيها الشيطان حالة
الصلاة. وفي ((سنن أبي داود)) (٦٤٦) بإسنادٍ جيِّد: أنَّ أبا رافع رأى الحسن بن عليٍّ يُصلِّي قد
غَرَزَ ضَفيرَته في قَفاه، فحَلَّها، وقال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((ذلك مَقعَد الشيطان))،
وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة الحديث مُستَونَّ قبل ثلاثه أبواب.
١٣٨ - بابٌ لا يكفُّ ثوبه في الصلاة
٨١٦ - حدَّثنا موسى بنُّ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن عَمْرٍو، عن طاووسٍ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّه قال: ((أُمِرْتُ أنْ أسجُدَ على سبعةٍ، لا أَكُفُّ شَعراً
ولا ثوباً)).
قوله: ((بابٌ لا يَكُفّ ثَوْبه في الصلاة» أورَدَ فیه حديث ابن عبّاسٍ من وجه آخر، وقد
تقدَّم ما فيه.
١٣٩ - باب التسبيح والدعاء في السجود
٨١٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ المعْتَمِر، عن
مسلمٍ، عن مَسْرُوقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّهَا قالت: كان النبيُّ ◌َّهِ يُكْثِرُ أنْ يقول في

٤٥٧
باب ١٣٩ / ح ٨١٧
أبواب صفة الصلاة
ركوعه وسجودِهِ: ((سُبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اغفِرْ لي)» يتأوَّلُ القرآنَ.
قوله: ((باب التَّسْبيح والدُّعاء في السُّجود)) تقدَّم الكلام على هذه الترجمة في باب الدُّعاء
في الركوع (٧٩٤).
قوله: ((يحبى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ.
قوله: ((يُكْثِرِ أنْ يقول)) كذا في رواية منصور، وقد بيَّن الأعمَش في روايته عن أبي
الضُّحَى كما سيأتي في التفسير (٤٩٦٧) ابتداءَ هذا الفعل، وأنَّه واظَبَ عليه وَ له ولفظه: ما
صلَّى النبيِّ وَّ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ إلَّا يقول فيها،
الحديث. قيل: اختارَ النبيّ ◌َّ الصلاة لهذا القول، لأنَّ حالها أفضل من غيرها. انتهى،
وليس في الحديث أنَّه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضاً، بل في بعض طرقه عند
مسلم (٢١٨/٤٨٤ و٢٢٠) ما يُشعِر بأنَّه وَلَ كان يُواظِب على ذلك داخل الصلاة
وخارجها، وفي رواية منصور بيان المحلّ الذي كان يقوله و لو فيه من الصلاة: وهو
الركوع والسجود.
قوله: ((يتأوَّل القرآن)) أي: يفعل ما أُمِرَ به فيه، وقد تَبيَّنَ من رواية الأعمَش أنَّ المراد
بالقرآن بعضُه، وهو السورة المذكورة والذِّكر المذكور. ووقع في رواية ابن السَّكَن عن
الفِرَبْريّ: قال أبو عبد الله: يعني قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ الآية [النصر: ٣]. وفي
هذا تعيين أحد الاحتمالَينِ في قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾، لأنَّه يحتمل أن يكون
المراد بسَبِّح نفسَ الحمد، لما تَضَمَّنَه الحمدُ من معنى التَّسبيح الذي هو التَّنزيه، لاقتضاء
الحمد نسبةَ الأفعال المحمود عليها إلى الله سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر
الاقتصار على الحمد، ويحتمل أن يكون المراد فسَبِّح مُتَلَبِّساً بالحمدِ، فلا يَمَثِل حتَّى
يجمعهما، وهو الظاهر.
قال ابن دَقِيق العيد: يُؤخَذ من هذا الحديث إباحةُ الدُّعاء في الركوع، وإباحة التَّسبيح(٢) ...
في السجود، ولا يعارضه قولُه وَله: ((أمَّا الركوع فعَظِّموا فيه الرَّبّ، وأمَّا السجود

٤٥٨
باب ١٣٩ / ح ٨١٧
فتح الباري بشرح البخاري
فاجتَهِدوا فيه من الدُّعاء))(١). قال: ويُمكِن أن يُحمَل حديث الباب على الجواز، وذلك على
الأولَويَّة، ويحتمل أن يكون أمَر في السجود بتكثيرِ الدُّعاء الإشارة قولِه: ((فاجتَهِدوا»،
والذي وقع في الركوع من قوله: ((اللهمَّ اغفِرْ لي)» لیس کثیراً، فلا يعارِض ما أمر به في
السجود، انتهى.
واعترَضَه الفاکهانيّ بأنَّ قول عائشة: کان يُكثِر أن يقول، صريح في كون ذلك وقع منه
كثيراً، فلا يعارِض ما أمر به في السجود، هكذا نَقَلَه عنه شيخنا ابن المُلَقِّن في ((شرح
العُمدة))، وقال: فليُتأمَّل. وهو عجيب، فإنَّ ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزّيادة
على قوله: ((اللهمَّ اغفر لي)) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنِّسبة إلى السجود المأمور فيه
بالاجتهاد في الدُّعاء المشعِر بتكثيرِ الدُّعاء، ولم يُرِد أنَّه كان يقول ذلك في بعض الصَّلَوات
دون بعض حتَّى يُعتَرَض علیه بقول عائشة: کان یُكثِر.
تنبيه: الحديث الذي ذكره ابن دقيق العيد: ((أمَّا الركوع ... )) إلى آخره، أخرجه مسلم
(٤٧٩) وأبو داود (٨٧٦) والنَّسائيُّ (١٠٤٥) و(١١٢٠)، وفيه بعد قوله: ((فاجتَهِدوا في
الدُّعاء: فَقَمَنٌّ أن يُستَجاب لكم)) وقَمَن بفتح القاف والميم، وقد تُكسَر، معناه حقيقٌ.
وجاءَ الأمر بالإكثار من الدُّعاء في السجود، وهو أيضاً عند مسلم (٤٨٢) وأبي داود
(٨٧٥) والنَّسائيِّ (١١٣٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «أقرب ما يكون العبد من رَبّه وهو
ساجد، فأكثروا فيه من الدُّعاء))، والأمر بإكثار الدُّعاء في السجود يَشمَل الحثَّ على تكثير
الطََّب لكلِّ حاجة، كما جاء في حديث أنس: ((ليسألْ أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتَّى شِسعَ
نَعلِه)) أخرجه التِّرمِذيّ(٢)، ويَشمَل التَّكرار للسُّؤال الواحد، والاستجابة تَشْمَل استجابة
الدّاعي بإعطاء سُؤله واستجابة المُثْني بتعظيمٍ ثوابه.
وسيأتي الكلام على تفسير سورة النَّصر وتعيين الوقت الذي نزلت فيه، والبحث في
(١) سيأتي تخريجه والكلام عليه بعد قليل.
(٢) أخرجه الترمذي في (٨/٣٦٠٤)، وابن حبان (٨٦٦). وانظر التعليق عليه عنده.

٤٥٩
باب ١٤٠ / ح ٨١٨ - ٨٢١
أبواب صفة الصلاة
السُّؤال الذي أورَدَه ابن دقيق العيد على ظاهر الشَّرط في قوله: ﴿إِذَاجَآءَ ﴾، وعلى قول
عائشة: ما صلَّى صلاة بعد أن نزلت إلَّا قال ... إلى آخره، والتوفيق بين ما ظاهره التَّعارُض
من ذلك في كتاب التفسير (٤٩٦٧) إن شاء الله تعالى.
١٤٠ - باب المُكث بين السجدتين
٨١٨- حدَّثنا أبو النُّعْمَان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زَيدِ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، أنَّ مالكَ بنَ
الحُوَيرثِ قال لأصحابه: ألا أَنَبِّكم صلاةَ رسول الله وََّ؟ قال: وذاكَ في غيرِ حِينٍ صلاةٍ،
فقامَ ثمَّ رَكَعَ فَكَبَّ، ثمَّ رفع رأسَه فقامَ هُنَيَة، ثمَّ سَجَد، ثمَّ رفع رأسَه هُنَيَةً، فصَلَّى صلاةَ عَمْرِو
ابنِ سَلِمةَ شَيْخِنا هذا.
قال أيوبُ: كان يَفْعَلُ شيئاً لم أرَهُم يَفْعَلُونَه، كان يَقعُدُ في الثالثةِ أو الرّابعةِ.
٨١٩ - قال: فأتَينا النبيَّ وَّ فَأَقَمْنا عندَه، فقال: «لو رَجَعتُم إلى أهالِيكُم، صَلُّوا صلاةَ كذا
في حِينٍ كذا، صَلُّوا صلاةَ كذا في حِينٍ كذا، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فليؤذِّنْ أحدُكم، ولْيؤمَّكم
أکبُگُم).
٨٢٠- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ محمَّدُ بنُ عبدِ الله الزُّبَيِيُّ، قال:
حدَّثنا مِسْعَرٌ، عن الحكمِ، عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، عن البَرَاءِ قال: كان سجودُ النبيِّ وَله
وركوعُه وَقُعُودُهُ بينَ السجدتَينِ قَرِيباً من السَّواءِ.
٨٢١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنس بنِ مالكٍ ٣٠١/٢
﴿ قال: إنّ لا ألُو أنْ أُصلَِّ بِكم كما رأيتُ النبيَّ ◌َّ يُصلِّي بنا.
قال ثابتٌ: كان أنسُ بنُ مالكٍ يَصْنَعُ شيئاً لم أرَكم تَصْنَعُونه، كان إذا رفع رأسَه من
الرُّكُوعِ قامَ حتَّى يقول القائلُ: قد نَسِيَ، وبينَ السجدتَينِ حتَّى يقول القائلُ: قد نَسِيَ.
قوله: ((باب المُكْث بين السجدتين» في رواية الحَمُّوِيّ: بين السجود.
قوله: ((ألا أُنْبِّئُكم صلاة رسول الله وَلِّ)) الإنباء يُعَدَّى بنفسه وبالباء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ

٤٦٠
باب ١٤٠ / ح ٨١٨ -٨٢١
فتح الباري بشرح البخاري
أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣]، وقال: ﴿قُلْ أَوُنِِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥].
قوله: ((قال)) أي: أبو قلابة.
((وذلك في غير حينٍ صلاةٍ)) أي: غير وقت صلاةٍ من المفروضة، ویتعیَّن حمله على ذلك
حتَّى لا يدخل فيه أوقات المنع من النافلة لتنزيه الصحابيّ عن التنفّل حينئذٍ، وليس في
اليوم والليلة وقتٌ أُجِمعَ على أنَّه غيرُ وقتٍ لصلاةٍ من الخمس إلَّا من طلوع الشمس إلى
زوالها، وقد تقدَّم هذا الحديث في ((باب الطُّمأنينة في الركوع)) (٨٠٢)، وفي غيره (٨١٨
و٨٢٤). والغَرَض منه هنا قوله: ثمَّ رفع رأسه هُنَيَّة، بعد قولِه: ثمَّ سَجَد، لأنَّه يقتضي
الجلوس بين السَّجدَتَينِ قَدْر الاعتدال.
قوله: ((قال أيوب)) أي: بالسَّنَدِ المذكور إليه.
قوله: ((كان يَقعُد في الثالثة أو الرَّابِعة)) هو شكٌّ من الراوي، والمراد منه بيان جلسة
الاستراحة، وهي تقع بين الثالثة والرابعة، كما تقع بين الأولى والثانية، فكأنَّه قال: كان
يَقعُد في آخر الثالثة أو في أوَّل الرّابعة، والمعنى واحد فشَكَّ الراوي أيَّهما قال، وسيأتي
الحديث بعد باب واحد بلفظ: «فإذا كان في وترِ من صلاته لم ينهض حتَّى يَستَوي قاعداً».
قوله: ((فأَتَينا النبيّ ◌ََّ)) هو مَقُول مالك بن الحُوَيرِث، والفاء عاطفة على شيء
محذوف تقديره: أسلمنا فأتينا، أو أرسَلَنا قومُنا فأتينا، ونحو ذلك، وقد تقدَّم الكلام
عليه في أبواب الإمامة، وفي الأذان.
حديث البراء تقدَّم الكلام عليه في ((باب استواء الظَّهر في الركوع)) (٧٩٢).
وحديث أنس تقدَّم الكلام عليه في ((باب الطُّمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع)»
(٨٠٠).
وفي قوله في هذه الطريق: ((قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً لم أرَكم تَصنَعونه ... )) إلى
آخره، إشعار بأنَّ مَن خاطَبَهم كانوا لا يُطيلون الجلوس بين السَّجدَتَين، ولكنَّ السُّنَّةَ إذا
ثبتت لا يُبالي مَن تمسَّكَ بها بمُخالَفة مَن خالَفَها، والله المستعان.