Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ باب ١٠٤ / ح ٧٧١ - ٧٧٢ أبواب صفة الصلاة الأُولَيَيْنِ، وأحذِفُ في الأُخرَيَيْنِ، ولا أُلُو ما اقْتَدَيتُ به من صلاةِ رسول الله ◌َِّ، قال: صَدَقْتَ، ذاكَ الظنُّ بك، أو ظنِّي بكَ. قوله: ((بابُ يُطوِّلُ في الأُولَيَين)) أي: من صلاة العشاء، ذكر فيه حديثَ سعد، وقد تقدَّم الكلامُ عليه مُستَوفَّى في ((باب وجوب القراءة)) (٧٥٥)، ووجهُه هنا إمَّا الإشارةُ إلى إحدى الروايتين في قوله: ((صلاتي العشاء أو العَشِيّ)) وإمَّا لإلحاق العشاء بالظّهر والعصر لكون كلٍّ منهُنَّ رُباعيَّةً. ١٠٤ - باب القراءة في الفجر وقالت أمُّ سَلَمة: قرأ النبيُّ ◌َّ بِالطَّور. ٧٧١ - حدَّثْنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدّثنا سَيّارُ بنُ سلامةَ قال: دخلْتُ أنا وأبي على أبي بَرْزةَ الأسلَمِيِّ فسَألْناه عن وَقْتِ الصلاة، فقال: كان النبيُّ نَّهِ يُصلِّي الظُّهرَ حينَ تَزُولُ الشمسُ، والعَصْرَ ويَرجِعُ الرجلُ إلى أقصى المدينةِ والشمسُ حَيَّةٌ، ونَسِيتُ ما قال في المغربِ، ولا يُبالي بتأخِيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ الليل، ولا يُحِبُّ النَّوْمَ قبلَها، ولا الحديثَ بعدَها، ويُصلِّ الصُّبحَ فَيَنصِرِفُ الرجلُ فِيَعرِفُ جَلِيسَه، وكان يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَينِ أو إحداهما ما بينَ السِّتِّينَ إلى الِئةِ. ٧٧٢- حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ: أنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: في كلِّ صلاةٍ يُقرَأُ، فما أسمعَنا رسولُ اللهِ وَلَهـ أسمعْناكم، وما أخفَى عَّا أخفَيْنا عَنْكم، وإنْ لم تَزِدْ على أمّ القرآنِ أَجْزَأتْ، وإِنْ زِدْتَ فهو خيرٌ. قوله: ((بابُ القراءَةِ في الفجر)) يعني: صلاة الصبح. ٢٥٢/٢ قوله: ((وقالت أمُّ سَلَمة: قرأ النبيُّ وَّهِ بِالطَّور)) يأتي الكلامُ عليه في الباب الذي بعده. قوله: ((عن وقتِ الصلاة)) في رواية غير أبي ذرٍّ: الصَّلَوات. والمرادُ المكتوباتُ، وقد تقدَّم ٣٦٢ باب ١٠٤ / ح ٧٧١ - ٧٧٢ فتح الباري بشرح البخاري الكلامُ على حديث أبي بَرْزةَ المذكور في المواقيتِ (٥٤١). وقولُه هنا: ((وكان يَقْرَأُ في الرَّكْعتَينِ أو إحداهما ما بينَ السِّنَ إلى المئة)) أي: من الآيات، وهذه الزيادةُ تَفرَّدَ بها شُعْبةُ عن أبي المِنْهال، والشكُّ فيه منه، وقد تقدَّم عن رواية الطَّبرانيّ تقديرُها بالحاقَّة ونحوِها، فعلى تقديرٍ أن يكون ذلك في كلِّ الرَّكعتين فهو مُنطَِقٌّ على حديث ابن عبّاسٍ في قراءته في صُبحِ الجمعة تنزيلُ السَّجدةَ و﴿هَلْ أَقَ﴾(١)، وعلى تقديرٍ أن يكون في كلِّ رَكعةٍ فهو مُنطَبِقٌ على حديث جابرٍ بن سَمُرةَ في قراءته في الصبحِ بـ(قَ)). أخرجه مسلمٌ (٤٥٨)، وفي روايةٍ له بالصافّات(٢)، وفي أُخرى عند الحاكم (١/ ٣٤٠) بالواقعة(٣). وكأنَّ المصنِّفُ قَصَدَ بإيراد حديثَي أمُّ سَلَمة وأبي بَرِزَةَ في هذا الباب بيانَ حالتَي السفرِ والحضر، ثمَّ ثَلَّثَ بحديث أبي هريرة الدالٌّ على عدمِ اشتراط قَدْرٍ مُعيَّنٍ. قوله: ((إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ)) هو المعروف بابنِ عُلَيَّة، وقد تكلّم يحيى بن مَعِين في حديثه عن ابن جُرَيج خاصَّةً، لكن تابعه عليه عبدُ الرزاق ومحمدُ بن بكرٍ ویحیی بن أبي الحجّاج عند أبي عَوَانة (١٦٦٧)، وغُندَرٌ عند أحمدَ (٨٠٦)، وخالدُ بن الحارثِ عند النَّسائيِّ (٩٧٠)، وابنُ وَهب عند ابن خُزيمة(٤)، سِتَتُّهم عن ابن جُرَيج، منهم مَن ذكر الكلامَ الأخيرَ ومنهم من لم یذکُره. وتابَعَ ابنَ جُرَيج حبيبٌ المعلِّمُ عند مسلمٍ (٣٩٦/ ٤٠)، وأبي داود (٧٩٧)، وحبيبُ بن الشَّهيدِ عند مسلم (٣٩٦/ ٤٢)، وأحمدَ (٧٥٠٣)، ورَقَبَةُ بن مَصقَلةَ عند النَّسائيِّ (٩٦٩)، (١) أخرجه مسلم (٥٩٩)، وأبو داود (١٠٧٤)، وابن ماجه (٨٢١)، والترمذي (٥٢٠)، والنسائي (٩٥٦). وسيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٨٩١). (٢) القراءة في الفجر بالصافات جاءت من حديث ابن عمر عند الطيالسي (١٩٢٥)، والشافعي في ((السنن المأثورة)) (١١٨)، وأحمد (٤٩٨٩)، وأبي يعلى (٥٤٤٥)، والسرّاج (١٣٦)، وابن حبان (١٨١٧). (٣) وهي أيضاً عند عبد الرزاق (٢٧٢٠)، وابن خزيمة (٥٣١)، والسرّاج (١٤١)، وابن حبان (١٨٢٣)، والطبراني في ((الكبير)) (١٩١٤)، و((الأوسط)) (٤٠٣٦). (٤) هو عند ابن خزيمة (٥٤٧) من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج، أما رواية عبد الله بن وهب فهي عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) ٢٠٨/١. ٣٦٣ باب ١٠٤ / ح ٧٧١ - ٧٧٢ أبواب صفة الصلاة وقيسُ بن سعدٍ وعمارةُ بن ميمونٍ عند أبي داود (٧٩٧)، وحسينٌ المعلِّمُ عند أبي نُعيمٍ في ((المستخرَج))، سِتَّتُهم عن عطاء، منهم مَن طَوَّلَه ومنهم مَن اختصره. قوله: ((في كلِّ صلاةٍ يُقرَأ)) بضمِّ أوَّلِه على البناء للمجهول، ووقع في رواية الأَصِيلِيِّ (نَقرأُ) بنونٍ مفتوحةٍ في أوَّلِه كذا هو موقوفٌ، وكذا هو عند مَن ذكرنا روايتَه إلَّا حبيبَ بنَ الشَّهيدِ فرواه مرفوعاً بلفظ: ((لا صلاة إلَّا بقراءةٍ)»، هكذا أورَدَه مسلمٌ من رواية أبي أُسامةَ عنه، وقد أنكَرَه الدَّارَ قُطنيُّ على مسلم، وقال: إنَّ المحفوظَ عن أبي أُسامةَ وقفُه كما رواه أصحابُ ابن جُرَيج، وكذا رواه أحمدُ عن يحيى القَطّان وأبي عُبيدةَ الحَدّاد، كلاهما عن حبيبٍ المذكور موقوفاً، وأخرجه أبو عَوَانة (١٦٦٨) من طريق يحيى بن أبي الحجّاج، عن ابن جُرَيج كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: وسمعته يقول: ((لا صلاة إلَّ بفاتحة الكتاب)» وظاهرُ سياقه أنَّ ضميرَ ((سمعته)) للنبيِّ وَِّ فيكونُ مرفوعاً، بخلاف رواية الجماعة. نَعَم قوله: ما أَسمَعَنا وما أخفَى عَنّا. يُشعِرُ بأنَّ جميعَ ما ذكره مُتَلَقَّى عن النبيِّ وَّةِ، فيكونُ للجمیعِ حکمُ الرَّفع. قوله: ((وإنْ لم تَزِد)) بلفظ الخطاب، وبَيَّنْه روايةٌ مسلم (٤٣/٣٩٦) عن أبي خَيْئمةَ وعَمرِو الناقدِ عن إسماعيلَ: فقال له رجلٌ: إن لم أزِد، وكذا رواه يحيى بن محمدٍ، عن مُسدَّدٍ شيخِ البخاريِّ فيه أخرجه البيهقيُّ (٦١/٢)، وزاد أبو يعلى في أوَّلِه عن أبي خَيْئمة(١) بهذا السَّنَدِ: إذا كنتَ إماماً فخَفِّف، وإذا كنت وحدك فطَوِّل ما بَدا لكَ، وفي كلِّ صلاةٍ قراءةٌ، الحديث. قوله: ((أجزَأَت)) أي: كَفَتْ، وحكى ابنُ التّينِ روايَةً أُخرى: ((جَزَت)) بغير ألفٍ، وهي روايةُ القابِسِيِّ، واستَشكَله، ثمَّ حكى عن الخطَّبيِّ قال: يقال: جَزَى وأجزَى، مثلَ وفَ وأوفَى، قال: فزالَ الإشكالُ. قوله: ((فهو خيرٌ)) في رواية حبيبٍ المعلِّم: ((فهو أفضلُ». (١) رواه البيهقي ٢/ ٦٢ من طريق أبي يعلى، لكن عن عَمرو الناقد، وليس عن أبي خيثمة. وفيه هذه الزيادة. ٣٦٤ باب ١٠٥ / ح ٧٧٣ فتح الباري بشرح البخاري وفي هذا الحديث أنَّ مَن لم يقرأ الفاتحةَ لم تَصِحَّ صلاتُه، وهو شاهدٌ لحديث عُبادةَ المتقدِّمِ (٧٥٦). وفيه استحبابُ السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قولُ الجمهور في الصبحِ والجمعة والأولَيَينِ من غيرهما، وصَحَّ إيجابُ ذلك عن بعض الصحابة كما تقدَّم وهو عثمانُ بن أبي العاص، وقال به بعضُ الحنفيَّة وابنُ كِنانةَ من المالكيَّة، وحكاه القاضي الفَرّاءُ الحَنبَلُّ في (الشَّرحِ الصغير)) روايةً عن أحمد، وقيل: يُستَحبُّ في جميع الرَّكَعات، وهو ظاهرُ حديث أبي هريرة هذا، والله أعلم. ١٠٥ - باب الجهر بقراءة صلاة الصبح وقالت أمُّ سَلَمة: طُفْتُ وراءَ النَّاس والنبيُّ ◌َهِ يُصلِّى ويَقْرَأُ بالطُّورِ. ٢٥٣/٢ ٧٧٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: انطَلَقَ النبيُّ وَلّه في طائفةٍ من أصحابه عامدِينَ إلى سُوق ◌ُكاظ، وقد حِيلَ بينَ الشَّيَاطِينِ وبينَ خَبِرِ السَّماءِ وأُرْسِلتْ عليهم الشُّهبُ، فرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلى قومِهم، فقالوا: ما لكمْ؟ فقالوا: حِيلَ بينَنا وبينَ خبرِ السَّماءِ وأُرْسِلتْ علينا الشُّهبُ، قالوا: ما حالَ بينكم وبينَ خيِرِ السَّماءِ إِلَّ شيءٌ حَدَث، فاضْرِبُوا مَشارقَ الأرضِ ومَغاربَها فانظُرُوا ما هذا الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السَّماءِ، فانصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامةَ إلى النبيِّ وَلَّه، وهو بنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوق ◌ُكاظ، وهو يُصلِّي بأصحابه صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سَمِعُوا القرآنَ استَمَعُوا له، فقالوا: هذا والله الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السَّماءِ، فَهُنالكَ حينَ رَجَعُوا إلى قومِهم وقالوا: يا قومَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبً ا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِيِنْآَ أَحَدًا﴾ [الجن: ١- ٢] فأنزلَ الله على نبيِّه ◌َّهِ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ﴾ وإنَّمَا أُوحِيَ إليه قولُ الجنِّ. [طرفه في: ٤٩٢١] قوله: ((بابُ الجهرِ بِقِراءَةِ صلاةِ الصبح)) وَلِغير أبي ذرّ: صلاة الفجر، وهو موافقٌ للترجمة الماضية، وعلى رواية أبي ذرِّ فلعلَّه أشارَ إلى أنَّها تُسمَّى بالأمرَين. ٣٦٥ باب ١٠٥ / ح ٧٧٣ أبواب صفة الصلاة قوله: ((وقالت أمُّ سَلَمة ... )) إلى آخره، وَصَلَه المصنّفُ في ((باب طَواف النِّساء)) (١٦١٩) من كتاب الحجِّ من رواية مالكِ، عن أبي الأسودِ، عن عُرْوةَ، عن زَيْنَبَ، عن أمِّها أمّ سَلَمة قالت: شَكَوت إلى النبيِّ وَّهِ أَنّي أشتكي - أي: أنَّ بها مرضاً - فقال: ((طُوفي وراءَ الناس وأنتِ راكبةٌ)) قالت: فطُفت حينئذٍ والنبيُّ وَّةِ، الحديثَ. وليس فيه بيانُ أنَّ الصلاة حينئذٍ كانت الصُّبحَ، ولكن تَبيَّنَ ذلك من روايةٍ أُخرى أورَدَها بعد ستَّة أبوابٍ (١٦٢٦) من طريق يحيى بن أبي زَكَرِيّا الغَسّانيِّ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيه، ولفظُه: فقال: ((إذا أُقيمَتِ الصلاةُ للصُّبح فطُوفي))، وهكذا أخرجه الإسماعيليُّ من رواية حَسّانَ بن إبراهيمَ عن هشام، وأمَّا ما أخرجه ابنُ خُزَيمة (٥٢٣) من طريق ابن وَهْب عن مالكِ وابنِ لَهِيعةَ جميعاً، عن أبي الأسودِ في هذا الحديث قال فيه: قالت: وهو يقرأُ في العشاء الآخرة، فشاذٌّ، وأظنُّ سياقَه لفظَ ابن لَهِيعة، لأنَّ ابنَ وَهْب رواه في ((الموطَّأ)) عن مالكٍ فلم يُعيِّنِ الصلاة كما رواه أصحابُ مالكِ كلُّهم(١)، أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ في ((الموَطَّت)) له من طرقٍ كثيرةٍ عن مالك، منها روايةُ ابن وَهْب المذكورةُ. وإذا تَقَرَّرَ ذلك فابنُ لَهِيعةَ لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالَف، وعُرِفَ بهذا انِدِفاعُ الاعتراض الذي حكاه ابنُ التّينِ عن بعض المالكيَّة حيثُ أنكَرَ أن تكون الصلاةُ المذكورةُ صلاةَ الصبحِ فقال: ليس في الحديث بيائُها، والأَولى أن تُحمَلَ على النافلة لأنَّ الطَّوافَ یَمتَنِعُ إذا كان الإمامُ في صلاة الفريضة، انتهى. وهو رَدِّ للحديث الصحيح بغير حُجَّة، بل يُستَفادُ من هذا الحديث جوازُ ما مَنَعَه، بل ٢٥٤/٢ يُسْتَفَادُ من الحديث التفصيلُ فنقولُ: إن كان الطَّائِفُ بحيثُ يَمُرُّ بين يَدَي المصلِّينَ فِيَمْتَنِعُ كما قال وإلَّ فيجوزُ، وحالُ أمِّ سَلَمة هو الثاني لأنَّها طافَت من وراء الصُّفوف. ويُستَنَبَطُ منه أنَّ الجماعةَ في الفريضة ليست فرضاً على الأعيان، إلَّا أن يقال: كانت أمُّ سَلَمة حينئذٍ شاكيةً فهي معذورةٌ، أو الوجوبُ يختصُّ بالرجال. وسيأتي بقيَّةُ مباحثِ هذا (١) هو كذلك في رواية يحيى الليثي عن مالك ٣٧٠/١-٣٧١. ٣٦٦ باب ١٠٥ / ح ٧٧٣ فتح الباري بشرح البخاري الحديث في كتاب الحجِّ إن شاء الله تعالى. وقال ابنُ رُشَيد: ليس في حديث أمِّ سَلَمة نصٌّ على ما تُرجِمَ له من الجهر بالقراءة، إلَّا أَنَّه يُؤْخَذُ بالاستنباط من حيثُ إنَّ قولها: طُفت وراءَ الناس. يَستَلِزِمُ الجهرَ بالقراءة لأنَّه لا يُمكِنُ سماعُها للطَّائفِ من ورائهم إلَّا إن كانت جَهريَّةً، قال: ويُستَفادُ منه جوازُ إطلاق ((قرأ)) وإرادة: جَهَر، والله أعلم. ثمَّ ذكر البخاريُّ حديثَ ابن عبّاسٍ في قصَّة سماع الجِنِّ القرآن، وسيأتي الكلامُ عليه في موضعه من التفسيرِ (٤٩٢١)، ويأتي بيانُ عُكاظ في كتاب الحجِّ (١٧٧٠) في شرح حديث ابن عبّاسٍ أيضاً: كانت عُكاظ من أسواق الجاهليَّة، الحديث. والمقصودُ منه هنا قوله: وهو يُصلِّي بأصحابه صلاة الفجرِ، فلمَّا سمعوا القرآنَ استَمَعوا له. وَهو ظاهرٌ في الجهر، ثَّ ذكر حديثَ ابن عبّاسٍ أيضاً قال: قرأ النبيُّ نَّهِ فيما أُمِرَ وسَكَتَ فيما أُمِرِ، ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ووجه المناسَبة منه ما تقدَّم من إطلاق ((قرأ)) على ((جَهَر))، لكن يَبقَى خصوصُ تَناوُلِ ذلك لصلاة الصبح، فيُستَفادُ ذلك من الذي قبلَه، فكأنَّه يقول: هذا الإجمالُ هنا مُفسَّرٌ بالبيان في الذي قبله، لأنَّ المحدِّثَ بهما واحدٌ، أشارَ إلى ذلك ابنُ رُشَید. ويُمكِنُ أن يكون مرادُ البخاريِّ بهذا خَتمَ تَراجمِ القراءة في الصَّلَوات إشارةً منه إلى أنَّ المعتمَدَ في ذلك هو فعلُ النبيِّ ◌َّهِ، وأنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن يُغيِّر شيئاً مَمَّ صَنَعَه. وقال الإسماعيليُّ: إيرادُ حديث ابن عبّاسٍ هنا يُغايِرُ ما تقدَّم من إثبات القراءة في الصَّلَوات، لأنَّ مذهبَ ابن عبّاسٍ كان تركَ القراءة في السّيَّة. وأُجيبَ بأنَّ الحديث الذي أورَدَه البخاريُّ ليس فيه دلالةٌ على التَّرْك، وأمَّا ابنُ عبَّاسٍ فكان يَشُقُّ في ذلك تارةً وينفي القراءةَ أُخرى، ورُبَما أَثبَتَها. أمَّا نفيُه فرواه أبو داود (٨٠٨) وغيرُه من طريق عبدِ الله بن عُبيد الله بن عبَّاسٍ عن عَمِّه: أنَّهم دخلوا عليه فقالوا له: هل كان رسولُ اللهِ وَلَه يقرأُ في الظُّهر والعصر؟ قال: لا. ٣٦٧ باب ١٠٥ / ح ٧٧٤ أبواب صفة الصلاة قيل: لعلَّه كان يقرأُ في نفسِه؟ قال: هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبداً مأموراً بلَّغَ ما أُمِرَ به. وأمَّا شكُّه فرواه أبو داود أيضاً (٨٠٩) والطَّبَرِيُّ (٥١/١٦) من رواية حُصَين عن عِكْرمة عن ابن عبّاسٍ قال: ما أدري أكان رسولُ الله وَّهِ يقرأُ في الظّهر والعصر أم لا، انتھی. وقد أثبَتَ قراءتَه فيهما خبَّابٌ وأبو قتادةَ وغيرُهما كما تقدَّم (٧٥٨ و٧٥٩ و٧٦٠)، فروايتُهم مُقدَّمةٌ على مَن نَفَى، فضلاً على مَن شكَّ. ولعلَّ البخاريَّ أراد بإيراد هذا إقامةً الحُجَّة عليه، لأنَّه احتَجَّ بقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ فيقال له: قد ثَبَتَ أنَّه قرأ فيَلزَمُك أن تَقرأ، والله أعلم. وقد جاءَ عن ابن عبّاسٍ إثباتُ ذلك أيضاً، رواه أيوبُ عن أبي العالية البَرّاء قال: سألت ابنَ عبَّاسٍ: أقرأ في الظَّهر والعصر؟ قال هو أمامَك اقرأ منه ما قَلَّ أو كَثُر، أخرجه ابنُ المنذِر (١٠٠/٣) والطَّحاويُّ (١ /٢٠٦) وغيرُهما. ٧٧٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمة، عن ابنِ عبَّاسِ قال: قرأَ النبيُّ وَِّ فيما أُمِرَ، وسَكَتَ فيما أُمِرَ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ (١) حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. قوله: ((حدَّثنا إسماعيلُ)) هو ابنُ إبراهيمَ المعروفُ بابنٍ عُلِيَّةَ. قوله: (﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ و﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾)) قال الخطّابيُّ: مرادُه أنَّه لو شاءَ الله أن يُنَزِّلَ بيانَ أحوال الصلاة حتَّى تكون قُرآناً يُتلى لَفَعَلَ، ولم يَترُكه عن نِسيان، ولكنَّه وَكَّلَ الأمرَ في ذلك إلى بيان نبيِّهِ وََّ، ثمَّ شَرَعَ الاقتداءَ به. قال: ولا خلافَ في وجوب اتِّباع أفعالِهِ التي هي لبيان مُجمَل الكتاب. وقوله: (أُسْوةٌ) بكسر الهمزة وضمِّها، أي: قُدوةٌ. (١) كذا قرأ عاصمٌ من السبعة: ﴿أُسْوَةُ﴾ بضم الألف، وقرأ الباقون بكسرها. انظر ((حجة القراءات)) لابن زنجلة ص٥٧٥. ٣٦٨ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م فتح الباري بشرح البخاري ٢٥٥/٢ ١٠٦ - باب الجمع بين سورتَين في ركعة، والقراءة بالخواتِم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة ويُذكَرُ عن عبدِ الله بنِ السّائبِ: قرأ النبيُّ ◌ََّ ((المؤمنونَ)) في الصُّبح، حتَّى إذا جاءَ ذِكرُ موسى وهارونَ أو ذِكرُ عيسى، أخَذَتْه سَعْلٌ فَرَكَعَ. وقرأ عمرُ في الرَّكْعةِ الأُولَى بمِئَةٍ وعشرينَ آيةٌ من البقرةِ، وفي الثانيةِ بسورةٍ من المَثاني. وقرأ الأحتَفُ بالكَهْفِ في الأُولى، وفي الثانيةِ بيوسفَ، أو يونسَ، وَذَكَرَ أَنَّه صَلَّى مع عمرَ ﴾ الصُّبحَ بهما. وقرأ ابنُ مسعودٍ بأربعِينَ آیةً من الأنفال، وفي الثانيةِ بسورةٍ من المفصَّلِ. وقال قَتَادةُ فيمَن يَقْرأُ سورةً واحدةً في رَكْعتَينٍ، أو يُرَدِّدُ سورةً واحدةً في رَكْعتَينِ: كلَّ کتابُ الله. ٧٧٤م- وقال عُبيدُ الله بنُ عُمرَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾: كان رجلٌ من الأنصار يؤمُّهم في مسجدٍ قُباء، فكان كلَّما افتتَحَ سورةً يَقْرأُ بها لهم في الصلاة ممَّا يَقْرأُ به، افتتَحَ بـ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص:١] حتَّى يَفْرُغَ مِنْها، ثمَّ يقرأ سورةً أُخرَى معها، و کان یصنعُ ذلك في كلِّ رَكعةٍ، فكلَّمه أصحابُه فقالوا: إِنَّكَ تَفَتِحُ بهذِه السُّورةِ ثمَّ لا تَرَى أَنَّها تُجْزِئُكَ حتَّى تَقْرَأَ بأُخرَى، فإمَّا أنْ تَقْرأَ بها، وإِمَّا أنْ تَدَعَها وَتَقْرأَ بأُخرى! فقال: ما أنا بتاركِها، إنْ أحبَيْتُم أنْ أُمَّكم بذلك فَعَلْتُ، وإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكتُكم، وكانوا يَرَوْنَ أَنَّه من أفضَلِهم، وكَرِهُوا أنْ يؤمَّهُم غيرُه، فلمَّا أتاهم النبيُّ ◌َّ أخبَرَوه الخبرَ، فقال: ((يا فلانُ، ما يَمْنَعُكَ أنْ تَفْعَلَ ما يأمُرُكَ به أصحابُك، وما يَحْمِلُكَ على لُزُومِ هذه السُّورةِ في كلِّ رَكْعةٍ؟)) فقال: إنّي أُحِبُّها، فقال: ((حُبُّكَ إِيّاها أدخَلَكَ الجِنَّةَ)). قوله: ((بابُ الجمعِ بينَ سُورَتَينِ في رَكْعةٍ، والقراءَةِ بالخواتمِ، وبِسورةٍ قبلَ سورةٍ، وبأوَّلِ سورةٍ» اشتَمل هذا البابُ على أربعِ مسائلَ: فأمَّا الجمعُ بين سورَتَينِ فظاهرٌ من حديث ابن مسعودٍ ومن حديث أنسٍ أيضاً، وأمَّا القراءةُ بالخواتم فيُؤْخَذُ بالإلحاق من القراءة بالأوائلِ، والجامعُ بينهما أنَّ كلََّّ منهما بعضُ سورة، ويُمكِنُ أن يُؤْخَذَ من قوله: قرأ عمرُ ٣٦٩ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م أبواب صفة الصلاة بمئةٍ من البقرة. ويتأيَّدُ بقول قتادةَ: كلّ كتابُ الله. وأمَّا تقديمُ السورة على السورة على ما في تَرتيبِ المُصحَفِ فمن حديث أنسٍ أيضاً ومن فِعل عمرَ في رواية الأحنَفِ عنه، وأمَّا القراءةُ بأوَّلِ سورةٍ فمن حديث عبدِ الله بن السائبِ ومن حديث ابن مسعودٍ أيضاً. قوله: ((ويُذكَرُ عن عبدِ الله بنِ السّائب)) أي: ابن السائبِ بن صَيفيِّ بن عابدٍ - بمُوحَّدٍ - ابن عبدِ الله بن عمرَ بن مخزوم، وحديثُهُ هذا وَصَلَه مسلمٌ (٤٥٥) من طريق ابن جُرَيج قال: / سمعت محمدَ بنَ عبَّاد بن جعفرٍ يقول: أخبرني أبو سَلَمة بن سفيانَ وعبدُ الله بن ٢٥٦/٢ عَمرِو بن العاص وعبدُ الله بن المسيّبِ العابديُّ كلَّهم، عن عبدِ الله بن السائبِ قال: صلَّى لنا النبيُّ ﴿ ﴿ الصبحَ بمگَّةً، فاستفتح سورة المؤمنينَ حتَّی جاءَ ذِكرُ موسى وهارون - أو ذِكرُ عيسى، شكَّ محمدُ بن عِبَّاد - أخَذَتِ النبيَّ نَّهِ سَعلةٌ فَرَكَع. وفي روايةٍ بِحَذْف ((فرگَع)). وقوله: ((ابنُ عَمرِو بن العاص)) وهمٌّ من بعض أصحاب ابن جُرَيج، وقد رُويناه في ((مصنَّفَ عبدِ الرزاق)) (٢٦٦٧ و٢٧٠٧) عنه فقال: عبدُ الله بن عَمرِو القارِيُّ، وهو الصوابُ. واختُلِفَ في إسناده على ابن جُرَيج فقال ابنُ عُيَينَةَ: عنه، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عبدِ الله بن السائبِ. أخرجه ابنُ ماجَهْ (٨٢٠). وقال أبو عاصم: عنه، عن محمدِ بن عبَّاد، عن أبي سَلَمة بن سفيانَ - أو سفيانَ بن أبي سَلَمة(١) - وكأنَّ البخاريَّ علَّقه بصيغة (١) كذا قال الحافظ هنا، مع أن رواية أبي عاصم قد جاءت عند البخاري في ((تاریخە الکبیر)) ٨/٥ و ١٥٢، وعند أبي داود (٦٤٩)، وقال فيها: عن أبي سلمة بن سفيان. لم يشك فيها. وأبو سلمة هذا: هو عبد الله ابن سفيان القرشي المخزومي. لكن ذكر المزي في ((تحفة الأشراف)) (٥٣١٣) أن إسحاق بن إبراهيم شاذان قد رواه عن أبي عاصم، فقال في روايته: أخبرني أبو سلمة بن سفيان أو أبو سفيان. وأشار إلى رواية شاذان هذه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣١٢/٢. وهذا يؤكد أن ما وقع من الحافظ هنا وهمٌ لا محالة، ويؤيده أن ابن رجب قد أشار أيضاً في كتابه ((فتح الباري)) ٤ / ٤٦٥ إلى الاختلاف فيه على ابن جريج، فقال: ورواه يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، فقال مرة: عن أبي سفيان عن عبد الله بن السائب. انتهى، ثم إن أحداً ممن ترجم لأبي سلمة بن سفيان لم يذكر في اسمه اختلافاً، فتعيَّن أن ما وقع هنا وهمٌّ من الحافظ رحمه الله. ٣٧٠ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م فتح الباري بشرح البخاري التَّمريضِ: ((ويُذكَرُ)) لهذا الاختلاف، مع أنَّ إسناده ممّا تقومُ به الحُجَّةُ. قال النَّوَويُّ: قوله: ((ابن العاص)) غلطٌ عند الحُفّاظ، فليس هذا عبدَ الله بنَ عَمرِو بن العاص الصحابيَّ المعروف، بل هو تابعيُّ حِجازيٌّ. قال: وفي الحديث جوازُ قطع القراءة، وجوازُ القراءة ببعض السورة، وكَرِهه مالكٌ، انتهى. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي كَرِهَه مالكٌ أن يَقتَصِرَ على بعض السورة مُختاراً، والمستدَلُّ به ظاهرٌ في أنَّه كان للضَّرورة فلا يَرِدُ عليه، وكذا يَرِدُ على مَن استدلَّ به على أنَّه لا يُكرَه قراءةُ بعض الآية أخذاً من قوله: حتَّى جاءَ ذِكرُ موسى وهارون أو ذِكرُ عيسى. لأنَّ كلََّ من الموضعينِ يقعُ في وسَطِ آيَةٍ، وفيه ما تقدَّم. نَعَم الكراهةُ لا تَتْبُتُ إلَّا بدليل، وأدلَّةُ الجواز كثيرةٌ، وقد تقدَّم حديثُ زيد بن ثابتٍ: أنَّه وَلَّه قرأ الأعرافَ في الرَّكعتين. ولم يَذكُر ضرورةً، ففيه القراءةُ بالأوَّلِ وبالأخيرِ (٧٦٤)، وروى عبدُ الرزاق (٢٧١١) بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي بكرِ الصِّدِّيق: أنَّه أمَّ الصحابةَ في صلاة الصبحِ بسورة البقرة فقرأها في الرَّكعتين، وهذا إجماعٌ منهم. وروى محمدُ بن عبدِ السلام الْخُشَنيُّ - بضمِّ الخاء المعجمة بعدها مُعجَمةٌ مفتوحةٌ خفيفةٌ ثمَّ نونٌ - من طريق الحسنِ البصريِّ قال: غَزَونا خُراسانَ ومعنا ثلاثُ مئةٍ من الصحابة، فكان الرجلُ منهم يُصلِّ بنا فيقرأُ الآياتِ من السورة ثمَّ يركعُ. أخرجه ابنُ حَزمٍ (١٠٥/٤) مُحْتَجّاً به، وروى الدَّارَ قُطْنِىُّ (١٢٧٩) بإسنادٍ قويٍّ عن ابن عبّاسٍ: أنَّ قرأ الفاتحةَ وآيةً من البقرة في كلِّ رَكعةٍ. قوله: ((أخَذَتِ النبيَّ ◌َِّ سَعْلٌ)) بفتح أوَّلِه من السُّعال، ويجوزُ الضمُّ، ولابنِ ماجَهْ (٨٢٠): شَرْقَةٌ، بمُعجَمةٍ وقافٍ. وقولُه في رواية مسلمٍ (٤٥٥): ((فحَذَف)) أي: تركَ القراءةَ، وفَسَّرَه بعضُهم برَمَي النُّخامة الناشِئة عن السَّعلة، والأوَّلُ أظهَرُ لقوله: فَرَكَع، ولو كان أزالَ ما عاقَه عن القراءة لتمادى فيها. واستدلَّ به على أنَّ السُّعالَ لا يُبطِلُ الصلاةَ، وهو واضحٌ فيما إذا غَلَبَه. وقال الرَّافعيُّ في ((شرح المسند)»: قد يُستَدَلُّ به على أنَّ سورةَ المؤمنينَ مَكّيَّةٌ، وهو قولُ ٣٧١ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م أبواب صفة الصلاة الأكثر، قال: ولمن خالَفَ أن يقول: يحتمل أن يكون قوله: بمكَّة، أي: في الفتح أو حَجَّة الوداع. قلت: قد صَرَّحَ بقضيَّة الاحتمال المذكورِ النَّسائيُّ (١٠٠٧) في روايته فقال: في فتح مگّة. ويُؤخَذُ منه أنَّ قطعَ القراءة لعارضِ السُّعال ونحوِه أولى من التَّمادي في القراءة مع السُّعال والتَّنَحنُحِ، ولو استَلزَمَ تخفيفَ القراءة فيما استُحِبَّ فيه تطويلُها. قوله: ((وقرأ عمرُ ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابنُ أبي شَيْبة (١ /٣٥٥) من طريق أبي رافعٍ قال: كان عمرُ يقرأُ في الصبح بمئةٍ من البقرة ويُتِبِعُها بسورةٍ من المَثاني. انتهى، والمَثاني: قيل: ما لم يَبلُغ مئةَ آيَةٍ أو بلَغَها،/ وقيل: ما عدا السَّبعَ الطِّوالَ إلى المفصَّل. قيل: سُمّيَت مَثانيَ ٢٥٧/٢ لأنَّهَا ثَنَّت السَّبعَ، وسُمّيَت الفاتحةُ السَّبْعَ المَثانيَ لأنَّها تُثَنَّى في كلِّ صلاةٍ. وأمَّا قولُه سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧] فالمرادُ بها سورةُ الفاتحة، وقيل غير ذلك. قوله: ((وقرأ الأحتَفُ)) وَصَلَه جعفرٌ الفريابيُّ في ((كتاب الصلاة))(١) له من طريق عبدِ الله ابن شَقِيق قال: صلَّى بنا الأحنَفُ، فذكره، وقال: في الثانية يونس، ولم يَشُكَّ، قال: وزَعَمَ أنَّه صلَّى خلفَ عمرَ كذلك(٢). ومن هذا الوجه أخرجه أبو نُعيمٍ في ((المستخرَج)). قوله: ((وقرأ ابنُ مسعودٍ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبدُ الرزاق (٢٦٦٨) بلفظِهِ من رواية عبد الرحمن بن يزيد النَّخَعيِّ عنه، وأخرجه هو (٢٦٦٩) وسعيد بن منصورٍ من وجهٍ آخرَ عن عبدِ الرزاق بلفظ: فافتتح الأنفالَ حتَّى بلَغَ ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. انتهى، وهذا الموضعُ هو رأسُ أربعينَ آيَةً، فالروايتان مُتَوافقَتان، وتَبَّنَ بهذا أنَّه قرأ بأربعينَ من أوَّلها، فاندَفَعَ الاستدلالُ به على قراءة خاتمة السورة، بخلاف الأثَرِ عن عمرَ فإنَّه مُحتملٌ. (١) وأخرجه كذلك الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ١٨٠- ١٨١، غير أنه قال فيه: والثانية بسورة یوسف. (٢) وهو عند ابن أبي شيبة ١/ ٣٥٣ من هذا الوجه أيضاً عن الأحنف قال: صليتُ خلف عمر الغداة، فقرأ بیونس وهود ونحوهما. ٣٧٢ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م فتح الباري بشرح البخاري قال ابنُ التّينِ: إن لم تُؤخَذِ القراءةُ بالخواتمِ من أثَرِ عمرَ أو ابن مسعودٍ وإلَّا فلم يأتِ البخاريُّ بدليلٍ على ذلك. وفاتَه ما قدَّمناه من أنَّه مأخوذٌ بالإلحاق مُؤَيَّدٌ بقول قتادةَ. قوله: ((وقال قَتَادةُ)) وَصَلَه عبدُ الرزاق، وقتادةُ تابعيُّ صغيرٌ يُستَدَلُّ لقوله ولا يُستَدَلُ به، وإنَّما أراد البخاريُّ منهُ قولَه: «كُلُّ كتابُ الله))، فإنَّه يُستَبَطُ منه جوازُ جميع ما ذُكِرَ في الترجمة، وأمَّا قولُ قتادةَ في ترديد السورة فلم يَذكُره المصنِّفُ في الترجمة، فقال ابنُ رُشَيد: لعلَّه لا يقول به، لما رُوِيَ فيه من الكراهة عن بعض العلماء. قلت: وفيه نظرٌ، لأنَّه لا يُراعِي هذا القَدْرَ إذا صَحَّ له الدليلُ. قال الزَّينُ بن المنيِر: ذهب مالكٌ إلى أن يقرأ المصلِّي في كلِّ رَكعةٍ بسورةٍ، كما قال ابنُ عمرَ: لكلِّ سورةٍ حَظُّها من الركوع والسجود (١). قال: ولا تُقْسَمُ السورةُ في ركعتين، ولا يَقْتَصِرُ على بعضها ويَتركُ الباقي، ولا يقرأُ بسورةٍ قبلَ سورةٍ يخالفُ تَرتيبَ المُصحَف، قال: فإن فعل ذلك كلَّه لم تَفسُد صلاتُه، بل هو خلافُ الأَوْلِى. قال: وجميعُ ما استَدلَّ به البخاريُّ لا يخالفُ ما قال مالكٌ، لأنَّه محمولٌ على بيان الجواز، انتهى. وأمَّا حديثُ ابن مسعودٍ ففيه إشعارٌ بالمواظَبة على الجمع بين سورَتَينِ كما سيأتي في الكلام عليه. وقد نقل البيهقيُّ في ((مَناقِ الشافعيّ)) عنه: أنَّ ذلك مُستحَبٌّ. وما عدا ذلك ممّا ذكر أنَّه خلافُ الأَولى هو مذهبُ الشافعيِّ أيضاً، وعن أحمدَ والحنفيَّة كراهيَةُ قراءة (١) هذا الذي عزاه لابن عمر من قوله قد صح عن رسول الله وي ليه مرفوعاً عند أبي عبيد في ((فضائل القرآن)) ص ١٧٤، وابن أبي شيبة ٣٦٩/١، وأحمد (٢٠٥٩٠)، ومحمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل)) كما في ((مختصره) للمقريزي (١٦٦)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٤٥/١، والبيهقي ١٠/٣. وقد روي عن ابن عمر من قوله عند عبد الرزاق (٢٨٥٥)، وأبي عبيد في ((فضائل القرآن)) ص١٧٤، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ١/ ٣٤٥، وفي إسناده رجلٌ مجهول، ثم إنه صحَّ عن ابن عمر خلافه، كما أخرجه أحمد (٢٠٦٥٢) بإسناد صحيح عنه: أنه كان يؤم بالسورتين والثلاث. وأخرج أبو عبيد ص١٧٤، والبيهقي ٣/ ١٠ بإسناد حسن عن ابن عمر: أنه كان يقرأ عشر سور في الركعة. ٣٧٣ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م أبواب صفة الصلاة سورةٍ قبلَ سورةٍ تُخالفُ تَرتيبَ المُصحَف، واختُلِفَ هلِ رَتَبَه الصحابةُ بتوقيفٍ من النبيِّ ڑ او باجتھادٍ منهم؟ قال القاضي أبو بكرٍ (١): الصحيحُ الثاني، وأمَّا تَرتيبُ الآيات فتوقيفيٌّ بلا خلافٍ. ثمَّ قال ابنُ المنيِرِ: والذي يظهرُ أنَّ التَّكريرَ أخَفُّ من قَسْم السورة في ركعتين، انتهى. وسببُ الكراهة فيما يظهرُ أنَّ السورةَ مُرتَبِطٌ بعضُها ببعضٍ، فأيُّ موضعٍ قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنَّه إن قطع في وقفٍ غيرِ تامٌّ كانت الكراهةُ ظاهرةً، وإن قطع في وقفٍ تامّ فلا يخفى أنَّه خلافُ الأَولى. وقد تقدَّم في الطَّهارة قصَّةُ الأنصاريِّ الذي رَماه العَدوُّ بسهمٍ فلم يقطع صلاتَه، وقال: كنتُ في سورةٍ فكرهتُ أن أقطَعَها، وأقرَّه النبيُّ نَِّ على ذلك(٢). قوله: ((وقال عُبيدُ الله بنُ عمرَ)) أي: ابنُ حفصٍ بن عاصم، وحديثُه هذا وَصَلَه الثِّرمِذيُّ (٢٩٠١) والبَزّارُ(٣) عن البخاريِّ عن إسماعيلَ بن أبي أُوَيس، والبيهقيُّ (٦٠/٢) من رواية مُحِرِزِ بن سَلَمة، كلاهما عن عبدِ العزيز الدَّرَاوَرديِّ عنه بطوله، قال التِّرمِذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث عبيد الله عن ثابت، قال: وقد روى مُبارَكُ بن فَضَالةَ عن ثابتٍ، فذكر طرفاً من آخره، وذكر الطَّرانيُّ في ((الأوسط)) (٩٠٢) أنَّ الدَّرَاوَرديَّ تَفرَّدَ به عن عبيد الله، / وذكر الدَّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)) أنَّ حَمَّاد بنَ سَلَمة خالَفَ عبيدَ الله في إسناده، فرواه ٢٥٨/٢ عن ثابتٍ، عن حبيبٍ بن سُبَيَعةَ مُرسَلاً قال: وهو أشبه بالصواب. وإِنَّمَا رَجَّحَه لأنَّ حمّاد (١) هو الباقلاني، كما قيده القسطلاني. (٢) سلف معلقاً في باب ((من لم ير الوضوء إلا من المخرجين))، وأخرجه أحمد (١٤٧٠٤)، وأبو داود (١٩٨)، وابن خزيمة (٣٦)، وابن حبان (١٠٩٦). (٣) هو عند البزار (٦٩٩٩) لكن بإسناد آخر، وهو عند البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله بن عمر. وكذلك أخرجه أبو عوانة (٣٩٥١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٤١)، والضياء في ((المختارة)) (١٧٥١)، غير أنهم جعلوا رواية إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر لا عن أبيه. وروايتهم مختصرة بالمرفوع في فضل السورة. ٣٧٤ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م فتح الباري بشرح البخاري ابنَ سَلَمة مُقدَّمٌ في حديث ثابت، لكنَّ عبيدَ الله بنَ عمرَ حافظٌ حُجَّةٌ، وقد وافَقَه مُبارَكٌ في إسناده، فیحتمل أن یکون لثابتٍ فيه شیخان. قوله: ((كان رجلٌ من الأنصارِ يؤمُّهم في مسجدٍ قُباء)» هو كُلْثومُ بن الهِدْم، رواه ابنُ مَندَهْ في كتاب ((التوحيد)) من طريق أبي صالح(١) عن ابن عبّاس، كذا أورَدَه بعضُهم. والهِدمُ بكسر الهاء وسكون الدّال، وهو من بني عمرو بن عَوفٍ سُكّان قُّباء، وعليه نزل النبيُّ ◌ِله حين قَدِمَ في الهجرة إلى قُباءٍ. قيل: وفي تعيين المبهَمِ به هنا نظرٌ، لأنَّ في حديث عائشةَ في هذه القصّة أنَّه كان أميرَ سَرِيَّةٍ. وكُلثومُ بن الهِدْمِ ماتَ في أوائلِ ما قَدِمَ النبيُّ وَِّ المدينةَ فيما ذكره الطَّبَرِيُّ وغيرُه من أصحاب المغازي، وذلك قبلَ أن يَبعَثَ السَّرايا. ثمَّ رأيت بخطٍّ بعض مَن تكلّم على رجال ((العُمدة)(٢) كُلثومَ بنَ زَهدَم وعزاه لابنِ مَندَه، لكن رأيت أنا بخطُّ الحافظِ رَشيدِ الدّينِ العَطّار في حَواشي ((مُبهَمات الخطيبِ)) نَقلاً عن ((صفة التَّصَوُّف)) لابنِ طاهرٍ: أخبرنا عبدُ الوهّاب بن أبي عبدِ الله بن مَندَه، عن أبيه، فسمَّهِ كُرِزَ بنَ زَهْدَم، فالله أعلمُ. وعلى هذا فالذي كان يؤمُّ في مسجدٍ قُباءٍ غيرُ أميرِ السَّريّة، ويدلُّ على تَغايُرِهما أنَّ في رواية الباب أنَّه كان يَبدَأُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وأميرُ السَّريَّة كان يَخْتِمُ بها، وفي هذا أنَّه كان يصنعُ ذلك في كلِّ رَكعةٍ، ولم يُصرِّح بذلك في قصَّة الآخر، وفي هذا أنَّ النبيَّ ◌َ سأَلَه، وأميرُ السَّريَّة أمر أصحابَه أن يسألوه، وفي هذا أنَّه قال: إنَّه يُحِبُّها، فبَشَّرَه بالجنَّة، وأميرُ السَّريَّة قال: إنَّها صفةُ الرحمن، فبَشَّرَه بأنَّ اللهَ يُحِبُّه. والجمعُ بين هذا التَّغايُرِ كلِّه مُمكِنٌ لولا ما تقدَّم من كون كُلثومٍ بن الهِدْمِ ماتَ قبلَ البُعوثِ والسَّرايا، وأمَّا مَن فسَّرَه بأنَّه قتادةُ بن الثُّعمان فأبعَدَ جدّاً، فإنَّ في قصَّة قتادةَ أنَّه كان يَقرؤُها في الليل يُرَدِّدُها، ليس فيه أنَّه أَمَ بها لا في سفرٍ ولا في حَضَر، ولا أنَّه سُئِلَ عن ذلك ولا بُشِّرَ. وسيأتي ذلك واضحاً في فضائل (١) أبو صالح هذا: هو باذام - ويقال: باذان - مولى أم هانيء، وهو ضعيف. (٢) هو ((عمدة الأحكام)) لعبد الغني المقدسي. وقد ألّف في رجاله اثنان: ابنُ الملقِّن وشمس الدين البِرِماوي. ٣٧٥ باب ١٠٦ / ح ٧٧٤م أبواب صفة الصلاة القرآن (٥٠١٣ ,٥٠١٤). وحديثُ عائشةَ الذي أشرنا إليه أورَدَه المصنِّفُ في أوائلِ كتاب التوحيد كما سيأتي (٧٣٧٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((مَا يَقْرأُ به)) أي: من السورة بعد الفاتحة. قوله: ((افتتح بـ ﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾)) تمسَّكَ به مَن قال: لا يُشتَرطُ قراءةُ الفاتحة، وأُجيبَ بأنَّ الراويَ لم يَذكُر الفاتحةَ اغتناءً(١) بالعِلم، لأنَّه لا بُدَّ منها فيكونُ معناه افتتح بسورةٍ بعد الفاتحة، أو كان ذلك قبلَ وُرودِ الدليل الدالِّ على اشتراط الفاتحة. قوله: ((فكلَّمه أصحابُه)) يظهرُ منه أنَّ صنيعَه ذلك خلافُ ما ألفوه من النبيِّ وَّ. قوله: ((وكَرِهُوا أَنْ يؤمَّهم غيرُه)) إمَّا لكَونِه من أفضلِهِم كما ذُكِرَ في الحديث، وإمَّا لكون النبيِّ ◌َِّ هو الذي قَرَّرَه. قوله: ((ما يأمرُك به أصحابُك)) أي: يقولون لك، ولم يُرِد الأمرَ بالصِّيغة المعروفة، لكنَّه لازمٌّ من التَّخييرِ الذي ذكروه، كأنَّهم قالوا له: افعَل كذا وكذا. قوله: ((ما يَمْنَعُك وما يَحْمِلُك)) سألَه عن أمرَينٍ فأجابه بقوله: إنِّي أُحِبُّها، وهو جوابٌ عن الثاني مُستَلِزِمٌ للأوَّلِ بانضِمام شيءٍ آخرَ: وهو إقامةُ السُّنَّة المعهودة في الصلاة، فالمانعُ مُرَكَّبٌ من المحَبَّةَ والأمرِ المعهود، والحاملُ على الفعل المحَبَّةُ وحدَها، ودلَّ تَبشيرُه له بالجنَّة على الرِّضا بفعله، وعَبَّرَ بالفعل الماضي في قوله: ((أدخَلك)) وإن كان دخولُ الجنَّة مُستَقْبَلاَ تَحقيقاً لوقوع ذلك. قال ناصرُ الدّينِ بن المنيِّر: في هذا الحديث أنَّ المقاصدَ تُغيِّ أحكامَ الفعل، لأنَّ الرجلَ لو قال: إنَّ الحاملَ له على إعادتها أنَّه لا يَحَفَظُ غيرَها لَأمكَنَ أن يأمرَه بحِفظ غيرها، لكنَّه اعتَلَّ بحُبُّها فظَهَرَت صِحَّةُ قَصدِه فصَوَّبَه. قال: وفيه دليلٌ على جواز تخصيصٍ بعض القرآن بمَيل النَّفْسِ إليه والاستكثار منه، ولا يُعَدُّ ذلك هِجراناً لغيره. وفيه ما يُشعِرُ بأنَّ سورةَ الإخلاص مَكّيَّةٌ. (١) تصحف في (س) إلى: اعتناءً، بالعين المهملة. ٣٧٦ باب ١٠٦ / ح ٧٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ٧٧٥ - حدَّثْنا آدمُ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، قال: سمعتُ أبا وائلِ قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ مسعودٍ فقال: قرأْتُ المفصَّلَ الليلةَ في رَكْعةٍ، فقال: هَذّاً كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عَرَفْتُ النَّظائرَ الَّتي كان النبيُّ ◌َ﴿ يَقْرُنُ بينهن، فَذَكَرَ عشرينَ سورةً من المفصَّلِ، سورَتَينِ في كلِّ رَكْعةٍ. [طرفاه في: ٤٩٩٦، ٥٠٤٣] قوله: ((جاءَ رجلٌ إلى ابن مسعودٍ)) هو تَهِيك - بفتح النُّون وكسرِ الهاءِ - بن سِنانٍ البَجَلُّ، سمَّاه منصورٌ في روايته عن أبي وائلٍ عند مسلمٍ (٢٧٩/٧٢٢)، وسيأتي من وجهٍ آخرَ. ٢٥٩/٢ قوله: ((قرأْتُ المفصَّلَ)) تقدَّم أنَّه من ((قَ))(١) إلى آخر القرآن على الصحيح، وسُمّيَ مُفَصَّلاً لكثرة الفَصْلِ بين سُوَره بالبسملة على الصحيح. ولقول هذا الرجلِ: قرأت المفصَّل، سببٌ بيَّنْه مسلمٌ في أوَّلِ حديثه من رواية وكيعٍ عن الأعمَشِ عن أبي وائلِ (٢٧٥/٧٢٢) قال: جاءَ رجلٌ يقال له: نَهيك بن سِناٍ إلى عبدِ الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تَقرأُ هذا الحرفَ ﴿مِّنِ مٍَّ غَيّرِ ءَاسِنٍ﴾ أو غير ياسنٍ؟ فقال عبدُ الله: كلُّ القرآنِ أحصَيتُ غيرَ هذا، قال: إنِّ لَأقرأُ المفصَّلَ فيِ رَكعةٍ. قوله: ((هَذّاً)) بفتح الهاء وتشديد الذّال المعجَمة، أي: سَرْداً وإفراطاً في السُّرعة، وهو منصوبٌ على المصدر، وهو استفهامُ إنكارٍ بحَذْف أداة الاستفهام، وهي ثابتةٌ في رواية منصورٍ عند مسلم، وقال ذلك لأنَّ تلك الصِّفةَ كانت عادتهم في إنشاد الشِّعر، وزاد فيه مسلمٌ (٢٧٥/٨٢٢) من رواية وكيع أيضاً: إنَّ أقواماً يقرؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم، وزاد أحمدُ (٣٦٠٧) عن أبي معاويةَ، وإسحاقُ عن عيسى بن يونسَ، كلاهما عن الأعمَشِ فيه: ولكن إذا وقع في القلبٍ فَرَسَخَ فيه نَفَع. وهو في رواية مسلمٍ دون قوله: نَفَع (٢). قوله: (لقد عرفتُ النَّظائرَ)) أي: السورَ المتماثلةَ في المعاني كالموعظة أو الحِكَمِ أو القَصَص، (١) كذا قال هنا، مع أنه رجّح عند شرح الحديث السالف برقم (٧٦٥) أن المفصَّل من الحجُرات! متابعاً في ذلك النووي. (٢) بل هو في مسلم، لكن ذَهَلَ عنه الحافظ رحمه الله تعالى. ٣٧٧ باب ١٠٦ / ح ٧٧٥ أبواب صفة الصلاة لا المتماثلةَ في عَدَدِ الآي، لما سيظهرُ عند تعيينها. قال المحِبُّ الطَّبَرِيُّ: كنت أظنُّ أنَّ المراد أنَّها مُتساويةٌ في العددِ، حتَّى اعتَرتُها فلم أجِد فيها شيئاً مُتساوياً. قوله: ((يَقْرُنُ)) بضمِّ الرَّاء وكسرِها. قوله: ((عشرينَ سورةً من المفصَّلِ، سورَتَينِ (١) في كلِّ رَكْعةٍ)) ووقع في فضائل القرآن (٥٠٤٣) من رواية واصلٍ عن أبي وائلٍ: ثماني عشرةَ سورةً من المفصَّلِ وسورَتَينٍ من آل حم(٢)، وبيَّن فيه (٤٩٩٦) من رواية أبي حمزةَ عن الأعمَشِ أنَّ قوله: عشرين سورةً، إنَّما سمعه أبو وائلٍ من علقمةً عن عبدِ الله ولفظُه: فقامَ عبدُ الله ودخل علقمةُ معه ثمَّ خرج علقمةُ فسألناه فقال: عشرون سورةً من المفصَّلِ على تأليفِ ابن مسعودٍ آخرُهنَّ حمّ الدُّخانُ وعمَّ يتساءلون. ولابنٍ خُزيمة (٥٣٨) من طريق أبي خالدِ الأحمرِ عن الأعمَشِ مثلُه، وزاد فيه: فقال الأعمَشُ: أوَّهُنَّ الرحمنُ وآخرُهنَّ الدُّخاذُ، ثمَّ سَرَدَها. وكذلك سَرَّدَها أبو إسحاقَ عن علقمةَ والأسودِ عن عبدِ الله فيما أخرجه أبو داود (١٣٩٦) متصلاً بالحديث بعد قوله: كان يقرأُ النَّظائرَ السورتَينِ في ركعةٍ: الرحمن والنَّجم في ركعةٍ، واقتَرَبَت والحاقَّة في ركعةٍ، والذّاريات والطُّور في ركعةٍ، والواقعة ونّ في ركعةٍ، وسألَ والنازعات في ركعةٍ، و﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وعَبَسَ في ركعةٍ، والمدَّثِّر والمَّمِّل في ركعةٍ، وهل أَتى ولا أُقسم في ركعةٍ، وعمَّ يتساءلُون والمرسَلات في ركعةٍ، وإذا الشمس كوِّرت والدُّخانَ في ركعةٍ. هذا لفظُ أبي داود، والآخرُ مثلُه إلّا أنَّه لم يقل: في ركعةٍ، في شيءٍ منها، وذكر السورةَ الرَّابعةَ قبلَ الثالثة، والعاشرةَ قبلَ التاسعة، ولم يخالفه في الاقتران. (١) في (س): وسورتَين من آل حمّ، بالعطف، وزيادة قوله: آل حمّ، وهو خطأ، لأن قوله: ((سورتين))، بدل من ((عشرين))، وقوله: آل حمّ، ليس في رواية عمرو بن مرة عن الأعمش، وإنما في رواية واصل عن أبي وائل، كما سينُصُّ عليه الحافظ قريباً. (٢) قوله: وسورتين من آل حمّ، ليس في الأصلين، وأثبتناه من (س)، وهو المناسب لقول الحافظ بعد قليل: وعُرف بهذا أن قوله في رواية واصل: وسورتين من آل حمّ، مشكلٌ ... ٣٧٨ باب ١٠٦ / ح ٧٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وقد سَرَدَها أيضاً محمدُ بن سَلَمة بن كُهَيلٍ عن أبيه عن أبي وائلٍ، فيما أخرجه الطَّبرانيُّ (٩٨٦١ و٩٨٦٢) لكن قدَّمَ وأَخَّرَ في بعضٍ وحَذَفَ بعضَها، ومحمدٌ ضعيفٌ. وعُرِفَ بهذا أنَّ قوله في رواية واصلٍ: وسورَتَينِ من آل حمّ، مُشكِلٌ، لأنَّ الروايات لم تَخْتَلِفِ أنَّه ليس في العشرين من القَواميمِ غيرُ الدُّخان، فيُحمَلُ على التَّغليبِ، أو فيه حذفٌ كأنَّه قال: وسورَتَينِ إحداهما من آل حمّ، وكذا قولُه في رواية أبي حمزةَ: آخرُهنَّ حمّ الدُّخانُ وعمَّ يتساءلون، مُشكِلٌ، لأنَّ حمّ الدُّخانَ آخرُ هنَّ في جميعِ الروايات. وأمَّا (عَمَّ) فهي في رواية أبي خالدٍ السابعةَ عشرةَ، وفي رواية أبي إسحاقَ الثامنةَ عشرةَ، فكأنَّ فيه تجوُّزاً، لأنَّ ((عَمَّ) وقعت في الرَّكعتين الأخيرَتَينِ في الجملة، ويتبيَّنُ بهذا أنَّ في قوله في حديث الباب: عشرين سورةً من المفصَّل، تجوُّزاً لأنَّ الدُّخانَ ليست منه، ولذلك فصَلها من المفصَّلِ في رواية واصلٍ. نَعَم يَصِحُّ ذلك على أحدِ الآراء في حَدِّ المفصَّلِ كما تقدَّم، وكما سيأتي بيانُه أيضاً في فضائل القرآن. ٢٦٠/٢ وفي هذا الحديث من الفوائد كراهةُ الإفراط في سُرعة التِّلاوة، لأنَّه يُنافي المطلوبَ من التدبُّرِ والتفكُّرِ في معاني القرآن، ولا خلافَ في جواز السَّردِ بدون تدبٍُّ، لكنَّ القراءةَ بالتدبُّر أعظمُ أجراً. وفيه جوازُ تطويل الرَّكعة الأخيرة على ما قبلها، وهذا الحديثُ أوَّلُ حديثٍ موصولٍ أورَدَه في هذا الباب، فلهذا صَدَّرَ الترجمةَ بما دلَّ عليه. وفيه ما تَرجَمَ له وهو الجمعُ بين السُّوَر، لأنَّه إذا جُمِعَ بين السّورتَينِ ساغ الجمعُ بين ثلاثٍ فصاعداً لعدم الفَرق، وقد روى أبو داود (١٢٩٢) وصحَّحه ابنُ خُزيمة (٥٣٩) من طريق عبدِ الله بن شَقِيق قال: سألت عائشةَ: أكان رسولُ الله وَّهِ يجمعُ بين السّوَر؟ قالت: نَعَم من المفصَّل. ولا يخالفُ هذا ما سيأتي في التهجُّد (١١٣٥): أنَّه جمع بين البقرة وغيرها من الطِّوال، لأنَّه يُحمَلُ على النادر. وقال عياضٌ في حديث ابن مسعودٍ: هذا يدلُّ على أنَّ هذا القَدْرَ كان قَدْرَ قراءتِه غالباً، ٣٧٩ باب ١٠٧ / ح ٧٧٦ أبواب صفة الصلاة وأمَّا تطويلُه فإنَّما كان في التَّدَبُّرِ والتَّرتيل، وما وَرَدَ غيرُ ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعةٍ فكان نادراً. قلت: لكن ليس في حديث ابن مسعودٍ ما يدلُّ على المواظَبة، بل فيه أنَّه كان يَقرُّنُ بین هذه السور المعيَّنات إذا قرأ من المفصَّل. وفيه موافقةٌ لقول عائشةَ وابنٍ عبَّاسٍ: إنَّ صلاتَه بالليل كانت عشرَ رَكَعاتٍ غيرَ الوتر(١). وفيه ما يقوِّي قولَ القاضي أبي بكرِ المتقدِّم: إنَّ تأليفَ السّوَرِ كان عن اجتهادٍ من الصحابة، لأنَّ تأليفَ عبدِ الله المذکور مُغایِرٌ لتأليفِ مُصحَفٍ عثمان، وسيأتي ذلك في بابٍ مُفرَدٍ في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى. ١٠٧ - باب يقرأ في الأخریین بفاتحة الكتاب ٧٧٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا همَّامٌ، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادةَ، عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَقْرأُ في الظُّهر في الأُولَيَيْنِ بأمّ الكتاب وسورَتَينِ، وفي الرَّكْعتَينِ الأُخرَيَيْنِ بأمّ الكتابِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ، ويُطِيلُ في الرَّكْعةِ الأولَى ما لا يُطِيلُ في الرَّكْعَةِ الثانيةِ، وهکذا في العصرِ، وهكذا في الضُّبحِ. قوله: ((بابٌ يَقْرَأُ فِي الأَخَرَيَينِ بفاتحة الكتاب)) يعني: بغير زيادة، وسَكَتَ عن ثالثة المغربِ رِعايةً للفظ الحديث مع أنَّ حكمَها حكمُ الأُخريَينِ من الرُّباعيَّة، ويحتمل أن يكون لم يَذْكُرها لما رواه مالكٌ (٧٩/١) من طريق الصُّنَابحيِّ أنَّه سمع أبا بكرِ الصِّدّيقَ يقرأُ فيها ﴿ رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا﴾ الآيةَ [آل عمران: ٨]. قوله: (عن یحیی)) هو ابن أبي کثیر. قوله: ((بأم الكتاب)) فيه ما ترجم له، وفيه التنصيص على قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد تقدم البحث فيه (٧٥٦). قال ابنُ خزيمة: قد كنتُ زماناً أحسبُ أنَّ هذا اللفظَ لم يروِهِ (١) الحديثان سيأتيان عند البخاري برقم (٩٩٣) و(٩٩٤). ٣٨٠ باب ١٠٨ - ١٠٩ / ح ٧٧٧ -٧٧٨ فتح الباري بشرح البخاري عن يحيى غيرُ همّام وتابعه أبانُ، إلى أنْ رأيتُ الأوزاعيَّ قد رواه أيضاً عن يحيى(١). يعني أن أصحابَ يحيى اقتَصروا على قوله: كان يقرأ في الأُوليَينِ بأمِّ الكتابِ وسورةٍ، كما تقدم عنه من طرق (٧٥٩)، وأن همّاماً زاد هذه الزيادةَ وهي الاقتصارُ على الفاتحة في الأُخرَيَين، فكان يخشى شُذوذها إلى أن قَويتْ عنده بمتابعة مَن ذَكَرَ. لكنَّ أصحابَ الأوزاعيِّ لم یتَّفقوا على ذِكْرها كما سيظهر ذلك بعد باب (٧٧٨). قوله: ((ما لا يُطِيلُ)) كذا للأكثر، ولكريمة: ما لا يُطوِّل، و((ما)) نكرة موصوفة، أو مصدريةٌ، وفي رواية المُستملي والحقُّويّ: بما لا يُطيل. واستُدلَّ به على تطويل الركعة الأولى على الثانية، وقد تقدَّم البحث في ذلك في ((باب القراءة في الظهر)) (٧٥٩) وسيأتي أيضاً. ١٠٨ - باب من خافَتَ القراءة في الظهر والعصر ٢٦١/٢ ٧٧٧- حدَّثْنَا قُتَيبةٌ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن عمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن أبي مَعمٍَ، قال: قُلنا لخَبَّابِ: أكانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَقْراُ في الظُّهر والعَصرِ؟ قال: نَعَم، قلنا: من أينَ عَلِمْتَ؟ قال: باضْطِراب لحيته. قوله: ((بابُ مَن خافَتَ القراءَةَ)) أي: أسَرَّ. وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: خافَتَ بالقراءة، وهو أوجَه. ودلالةُ حديث خبَّابِ للترجمة واضحةٌ، وقد تقدَّم الكلامُ على بقيَّة فوائده قريباً (٧٦٠). ١٠٩ - بابٌ إذا أسمعَ الإمامُ الآيَةَ ٧٧٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسف، حدَّثنا الأوزاعيُّ، حدَّثْني يحيى بنُ أبي کَثیرٍ، حدَّثني (١) أمَّا متابعةُ أبان فأخرجها أحمد (٢٢٥٦٣)، ومسلم (٤٥١) (١٥٥)، وأبو داود (٧٩٩)، والنسائي (٩٧٧)، وابن خزيمة (٥٠٣)، وأما متابعة الأوزاعي فأخرجها ابن خزيمة نفسه (٥٠٤) و(٥٠٧)، وابن الجارود (١٨٧)، وفيها عندهما زيادة الاقتصار على الفاتحة في الأُخريين، لكن سيأتي الحديث عند البخاري من طريق الأوزاعي برقم (٧٧٨) بدون هذه الزيادة. وكذلك أخرجه من طريق الأوزاعىِّ أحمدُ (٢٢٥٩٧) و(٢٢٦٥٨) والنسائي (٩٧٥) وغيرهما، فلم يذكروا هذه الزيادة.