Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب ١٣ / ح ٦٢٢ - ٦٢٣ أبواب الأذان فكأنَّ أصلَ الحديث كان بهذا اللَّفظ مقروناً بالإشارة الدالّة على المراد، وبهذا اختلفت عبارةُ الرُّواة، وأخصَرُ ما وقع فيها رواية جَرِير عن سليمان عند مسلم (٤٠/١٠٩٣): ((وليس الفجرُ المعترِضَ، ولكنِ المستطيل)). ٦٢٢، ٦٢٣ - حدَّثْنى إسحاقُ، قال: أخبرنا أبو أسامة، قال: عُبيدُ الله حدَّثنا عن القاسم ابن محمَّدٍ، عن عائشةَ. وعن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَ ل﴿ قال (ح) وحدَّثني يوسفُ بنُ عيسى المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا الفضلُ، قال: حدَّثَنَا عُبيدُ الله بنُ عمر، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّ أَّه قال: ((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ فَكُلُوا واشَرَبُوا حتَّى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتومٍ». [طرفه في: ١٩١٩] قوله: ((حدَّثني إسحاق)) لم أرَه منسوباً، وتردَّدَ فيه الجَيَّانيُّ، وهو عندي ابن إبراهيم الحنظليُّ المعروف بابنِ راهويه، كما جَزَمَ به المِزِّيُّ، ويدلُّ عليه تعبيره بقوله: ((أخبرنا))، فإنَّه لا يقول قَطُّ: حدَّثنا، بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر، وأمَّا ما وقع بخطٍّ الدِّمياطيِّ أنَّه الواسطيُّ، ثمَّ فسَّرَه بأنَّه ابن شاهين، فليس بصوابٍ، لأنَّه لا يُعرَفُ له عن أبي أسامةَ شيء، لأنَّ أبا أُسامة كوفيٌّ، وليس في شيوخ ابنِ شاهين أحدٌ من أهل الكوفة. قوله: ((قال: عُبِيدُ الله حدَّثنا)) فاعلُ ((قال)) هو أبو أُسامة، وعبيدُ الله قائل ((حدَّثنا))، فالتقدير: حدَّثنا عبيدُ الله. قوله: ((وعن نافع)) هو معطوف على ((عن القاسم بن محمد)). والحاصل: أنَّه أخرج الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين: الأوَّل ذكر له فيه إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة، وأمَّا الثاني فاقتصر فيه على الإسناد الثاني. قوله: ((حتَّى يؤذِّن)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((حتَّى ينادي))، وقد أورَدَه في الصيام (١٩١٩) بلفظ: ((يؤذِّن)) وزاد في آخره: ((فإنَّه لا يؤذِّن حتَّى يَطلُعَ الفجر))، قال القاسم: لم يكن بين أذانَيهما إلّا أن يَرقَى ذا وينزلَ ذا. وفي هذا تقييدٌ لما أُطلِقَ في الروايات الأُخرى من ٦٢ باب ١٣ / ح ٦٢٢- ٦٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليل)). ولا يقال: إنَّه مُرسَلٌ، لأنَّ القاسمَ تابعيٌّ فلم يُدرِك القصَّةَ المذكورة، لأنَّ ثَبَتَ عند النَّسائيِّ (٦٣٩) من رواية حفص بن غياث، وعند الطَّحاويِّ (١٣٨/١) من رواية يحيى القَطّان، كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة، فذكر الحديث، قالت: ((ولم يكن بينهما إلَّا أن ينزلَ هذا ويصعدَ هذا)). وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري: ((قال القاسم)) أي: في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلمٍ (١٠٩٢/ ٣٨) في رواية ابن نُمَير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثلُ هذه الزّيادة، وفيها نظرٌ أوضحته في كتاب ((المدرَج))، وثبتت الزّيادة أيضاً في حديث أُنيسة (١) الذي تقدَّمت الإشارة إليه. وفيه حُجَّةٌ لمن ذهب إلى أنَّ الوقتَ الذي يقعُ فيه الأذانُ قبلَ الفجرِ هو وقتُ السَّحَر، وهو أحدُ الأوجُه في المذهب، واختارَه السُّبكيُّ في ((شرح المنهاج))، وحكى تصحيحه ١٠٦/٢ عن / القاضي حسين والمتولِّ، قال: وقطع به البَغَويُّ، وكلام ابن دَقِيق العيد يُشعِرُ به، فإنَّه قال بعد أن حكاه: يُرجِّحُ هذا بأنَّ قوله: ((إنَّ بلالاً ينادي بليلٍ)) خبر يتعلَّق به فائدة للسامعينَ قطعاً، وذلك إذا كان وقت الأذان مُشتبِهاً محتملاً لأن يكون عند طلوع الفجر، فبيَّن النبيُّ وَِّ أنَّ ذلك لا يمنع الأكل والشُّرب، بل الذي يمنعه طلوعُ الفجر الصادق، قال: وهذا يدلُّ على تَقارُب وقت أذان بلال من الفجر، انتهى. ويُقوِّيه أيضاً ما تقدَّم من أنَّ الِحِكْمةَ في مشروعيَّته التأهُّبُ لإدراك الصبح في أوَّل وقتها، وصحَّح النَّوَويّ في أكثر كتبِه أنَّ مَبدَأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في ((شرح مسلم)) فقال: قال العلماء: معناه أنَّ بلالاً كان يؤذِّن ويتربَّصُ بعد أذانه للدُّعاء ونحوِه، فإذا قارَبَ طلوعُ الفجر نزل فأخبر ابن أمّ مكتوم فيتأهَّب بالطَّهارة وغيرها، ثمَّ يَرقَى ويَشرَع في الأذان مع أوَّل طلوع الفجر. وهذا - مع وضوح مُحَالَفتِهِ لسياق الحديث - يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ لما صحَّحه، حتَّى يَسُوغَ له التأويلُ. ووراءَ ذلك أقوالٌ أُخرى (١) أخرجه الطيالسى (١٧٦٦)، وأحمد (٢٧٤٣٩)، وابن خزيمة (٤٠٥) بهذه الزيادة. وإسناده صحيح. ٦٣ باب ١٤ / ح ٦٢٤ أبواب الأذان معروفةٌ في الفقهيّات. واحتَجَّ الطَّحاويُّ لعدم مشروعيَّة الأذان قبلَ الفجر بقوله: لمَّا كان بين أذانَيهما من القُرب ما ذُكِرَ في حديث عائشة، ثَبَتَ أنَّهما كانا يقصدان وقتاً واحداً وهو طلوع الفجر، فيُخطِئُه بلال ويصيبُه ابن أمّ مكتوم. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان كذلك لَمَا أقرَّه النبيُّ وَِّ مؤذِّناً واعتمد عليه، ولو كان كما ادَّعَى لكان وقوعُ ذلك منه نادراً، وظاهر حديث ابن عمر يدلُّ على أنَّ ذلك كان شأنَه وعادتَه، والله أعلم. ١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر الإقامة ٦٢٤- حدَّثنا إسحاقُ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن الجُرَيريِّ، عن ابنِ بُرَيدة، عن عبدِ الله بنٍ مُغفَّلِ المُزَنِيِّ، أنَّ رسولَ الله ◌ِّه قال: ((بينَ كلِّ أذانَينِ صلاةٌ - ثلاثاً - لمنْ شاءَ)). [طرفه في: ٦٢٧] قوله: ((باب كم بينَ الأذان والإقامة)) أمَّا (باب)) فهو في روايتنا بلا تنوينٍ، و((كم)) استفهاميَّة، ومُميِّزُها محذوف، وتقديره: ساعة أو صلاة، أو نحو ذلك، ولعلَّه أشارَ بذلك إلى ما رُوِيَ عن جابر، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال لبِلالٍ: ((اجعَلْ بين أذانك وإقامتك قَدْرَ ما يَفْرُغْ الآكِلُ من أكلِهِ، والشارب من شُربِهِ، والمعتصِر إذا دخل لقضاء حاجتِه)) أخرجه التِّرمِذيّ (١٩٥ و١٩٦) والحاكم (٢٤/١)، لكن إسناده ضعيفٌ، وله شاهد من حديث أبي هريرة (١)، ومن حدیث سلمان أخرجهما أبو الشّیخ، ومن حدیث ◌ُبيِّ بن کعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات («المسند» (٢١٢٨٥)، وكلُّها واهيةٌ، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ التقدير بذلك لم يَتْبُت. وقال ابن بَطَّالٍ: لا حَدَّ لذلك غير تمكُّنِ دخول الوقت واجتماع المصلِّين، ولم يختلف العلماء في التطوُّع بين الأذان والإقامة إلَّا في المغرب كما سيأتي. ووقع هنا في روايةٍ نُسِبَت للكُشْمِيهنيٍّ: ((ومَن انتظرَ الإقامة))، وهو خطأ، فإنَّ هذا لفظُ ترجمة تلي هذه. (١) أخرجه أيضاً ابن عدي في ((الكامل)) في ترجمة معارك بن عبد الله القيسي ٦/ ٤٥١. ٦٤ باب ١٤ / ح ٦٢٤ فتح الباري بشرح البخاري ١٠٧/٢ قوله: ((حدَّثنا إسحاق الواسطيُّ)) هو ابن شاهين، ويحتمل أن يكون هو الذي عَنَاه الدِّمياطيّ ونقلناه عنه في الذي مضى، لكنّي رأيته كما نَقَلْته أوَّلاً بخطِّ القُطْب الحلبي، وقد روى البخاري عن إسحاق بن وَهْب العلَّاف، وهو واسطيُّ أيضاً، لكن ليست له رواية عن خالد: وهو ابن عبد الله الطَّحّان. والجُرَيريُّ: سعيد بن إياس، وهو بضمِّ الجيم كما تقدَّم في المقدِّمة، ووقع مُسمَّى في رواية وَهْب بن بقيّة عن خالد عند الإسماعيليّ، وهي إحدى فوائد المستخرجات، وهو معدود فيمن اختَلَط، واتَّفَقوا على أنَّ سماع المتأخِّرين منه كان بعد اختلاطه، وخالد منهم، لكن أخرجه الإسماعيليّ من رواية يزيد بن زُرَيعِ وعبد الأعلى وابن عُليَّةَ، وهم ثَمَّن سمع منه قبلَ الاختلاط، وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضاً، وهو عند مسلم (٨٣٨) من طريق عبد الأعلى أيضاً، وقد قال العِجليُّ: إنَّه من أصحِّهم سماعاً من الجُرَيري، وإنَّه سمع منه قبلَ اختلاطه بثمان سنين. ولم ينفرد به مع ذلك الجُرَیريُّ، بل تابعه علیه كَهْمَسُ بن الحسن عن ابن بُرَيدة، وسيأتي عند المصنِّف بعد باب (٦٢٧)، وفي رواية يزيد بن زُرَيعِ من الفوائد أيضاً تسمية ابن بُرَيدة عبدَ الله، والتصريح بتحديثه للجُرَیريّ. قوله: ((بينَ كلِّ أذانين)) أي: كلِّ أذان وإقامة، ولا يَصِحُّ حملُه على ظاهره، لأنَّ الصلاة بين الأذانينِ مفروضة، والخبر ناطق بالتَّخيير، لقوله: ((لمن شاء))، وأجرَى المصنّفُ الترجمة تَجَرَى البيان للخبرِ، لَجَزْمِه بأنَّ ذلك المراد، وتَوارَدَ الشُّرّاح على أنَّ هذا من باب التَّغليب كقولهم: القَمَرَين، للشمسِ والقَمَر، ويحتمل أن يكون أُطلِقَ على الإقامة أذانٌ لأنَّها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أنَّ الأذان إعلام بدخول الوقت، ولا مانع من حملِ قوله: ((أذانين)) على ظاهره، لأنَّه يكون التقدير: بين كلِّ أذانينِ صلاةُ نافلة غيرِ المفروضة. قوله: ((صلاة)) أي: وقت صلاة، والمراد: صلاة نافلة، ونُكِّرَت لكَونها تَتَناوَلُ كلَّ عَدَدٍ نواه المصلِّ من النافلة، كركعتين أو أربع أو أكثر. ويحتمل أن يكون المراد به الحثّ على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأنَّ مُنتَظِر الصلاة في صلاة، قاله ٦٥ باب ١٤ / ح ٦٢٥ أبواب الأذان الَّينُ بن المنيِِّ. قوله: (ثلاثاً)) أي: قالها ثلاثاً، وسيأتي بعد باب بلفظ: ((بينَ كلّ أذانينِ صلاة، بين كلّ أذانينِ صلاة، ثمَّ قال في الثالثة: لمن شاء))، وهذا يُبيِّن أنَّه لم يقل: لمن شاءَ، إلَّا في المرّة الثالثة، بخلاف ما يُشعِرُ به ظاهر الرواية الأولى من أنَّه قَيَّدَ كلّ مرَّةٍ بقوله: ((لمن شاء)). ولمسلم (٨٣٨/ ٣٠٤) والإسماعيليّ: ((قال في الرَّابعة: لمن شاء))، وكأنَّ المراد بالرّابعة في هذه الرواية المَرَّةُ الرَّابعة، أي: أنَّه اقتصر فيها على قوله: ((لمن شاء))، فأطلَقَ عليها بعضُهم رابعةً باعتبار مُطلَق القول، وبهذا توافِقُ روايةَ البخاريّ. وقد تقدَّم في العِلم (٩٤) حديث أنس: أَنَّه ◌َله كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً، وكأنَّه قال بعد الثَّلاث: ((لمن شاء)) ليدلَّ على أنَّ التَّكرار لتأكيد الاستحباب. وقال ابن الجَوْزيّ: فائدة هذا الحديث أنَّه يجوز أن يُتَوَهَّمَ أنَّ الأذان للصلاة يمنع أن يُفعَلَ سوى الصلاة التي أُذِّنَ لها، فبيَّن أنَّ التطوُّع بين الأذان والإقامة جائز، وقد صَحَّ ذلك في الإقامة كما سيأتي (٦٢٧). ووقع عند أحمد: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا التي أُقيمت))(١)، وهو أخصُّ من الرواية المشهورة: ((إلَّ المكتوبة))(٢). ٦٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُّ بِشَّارٍ، قال: حدَّثْنَا غُندَرٌ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: سمعتُ عَمْرَو ابنَ عامٍ الأنصاري، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان المؤذِّنُ إذا أذَّنَ قامَ ناسٌّ من أصحاب النبيِّ وَلِّ يَبْتَدِرُونَ السَّواريَ، حتَّى يَخْرُجَ النبيُّ وَله وهم كذلك، يُصلَّونَ الرَّكْعتَينِ قبلَ المغربِ، ولم یکنْ بینھما شيءٌ. قال عثمانُ بنُ جبلةَ وأبو داود، عن شُعْبَةَ: لم يكنْ بينهما إلَّا قليلٌ. قوله في حديث أنس: ((كان المؤذِّن إذا أذَّنَ)) في رواية الإسماعيليّ: إذا أخَذَ المؤذِّن في أذان المغرب. (١) أخرجه أحمد (٨٦٢٣) وإسناده ضعيف، وانظر تعليقنا عليه هناك. : (٢) أخرجه مسلم (٧١٠). ٦٦ باب ١٤ / ح ٦٢٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قامَ ناس)) في رواية النَّسائيِّ (ك١٦٥٨): قامَ لُبَاب(١) أصحاب رسول الله وَّ، وكذا تقدَّم للمؤلِّف في أبواب السُّترة (٥٠٣)(٢). قوله: ((يَبْتَدِرُونَ)) أي: يَسْتَبِقِون و(السَّواري)) جمعُ سارية، وكأنَّ غَرَضَهم بالاستباق إليها الاستتارُ بها ممَّن يَمُرُّ بين أيديهم لكَونِهِم يُصلُّون فُرادى. قوله: ((وهم كذلكَ)) أي: في تلك الحال. وزاد مسلم (٨٣٧) من طريق عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن أنس: فيجيء الغريب فيَحسب أنَّ الصلاة قد صُلِّيَت من كثرة مَن يُصلِّيهما. قوله: ((ولم يكنْ بينهما)) أي: الأذان والإقامة. ١٠٨/٢ قوله: ((شيءٌ)) التنوين فيه للتَّعظيم، أي: لم يكن بينهما شيء كثير، وبهذا يندفع قول مَن زَعَمَ أنَّ الرواية المعلّقة مُعارضةٌ للرواية الموصولة، بل هي مُبيِّنّةٌ لها، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرجها الإسماعيليُّ موصولة من طريق عثمان بن عمر عن شُعْبة بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة قريب(٣)، ولمحمدِ بن نصر(٤) من طريق أبي عامر عن شُعْبة نحوُه. وقال ابن المنيِر: يُجمَع بين الروايتين بحمل النَّفي المطلَق على المبالغة مجازاً، والإثبات للقليل على الحقيقة. وحمل بعضُ العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دلَّ قوله: ((ولم يكن بينهما شيء)) على أنَّ عموم قوله: ((بين كلِّ أذانينِ صلاة)) مخصوص بغير المغرب، فإنَّهم لم يكونوا يُصلّون بينهما، بل كانوا يَشرَعون في الصلاة في أثناء الأذان ويَفرُغون مع فراغه. قال: ويؤيِّد ذلك ما رواه البَزّار (٦٩٣) من طريق حيَّانَ بن عبيد الله عن عبد الله بن بُرَيدة (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: كبار. وإن كان هذا اللفظ محفوظاً في غير رواية النسائي، وفي («اللسان»: لُبُّ كل شيءٍ ولُبابُه خالصُه وخيارُه ... وهو لُبابُ قومه، وهم لُباب قومهم وهي لُبابُ قومها. وأخرجه كلفظ النسائيِّ الدارميُّ (١٤٤١)، ومحمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل)) كما في «مختصره)) (٤١)، والسراج في («مسنده)) (٥٧٥). (٢) في (س): أبواب ستر العورة. وهو تحريف. وجاء هناك بلفظ: كبار أصحاب النبي ◌َّه. (٣) أخرجه أيضاً السرّاج في «مسنده» (٥٧٥) و(١١٢١) من طريق عثمان بن عمر، وكذلك أخرجه أحمد في «مسنده» (١٣٩٨٣) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، لكن بلفظ: ولم يكن بين الأذان والإقامة إلا قريب. (٤) ((مختصر قيام الليل)) (٤١) بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة یسیرٌ. ٦٧ باب ١٤ / ح ٦٢٥ أبواب الأذان عن أبيه، مثلَ الحديث الأوَّل، وزاد في آخره: ((إلَّا المغرب))، انتهى. وفي قوله: ((ويَفرُغون مع فراغه)) نظرٌ، لأنَّه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يَلَزَم من شُروعهم في أثناء الأذان ذلك، وأمَّا رواية حيَّانَ - وهو بفتح المهمَلة والتَّحتانيَّة - فشاذَّةٌ، لأنَّه وإن كان صَدوقاً عند البَزّار وغيره، لكنَّه خالَفَ الحُفّاظ من أصحاب عبد الله بن بُرَيدة في إسناد الحديث ومتنِهِ، وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيليّ: وكان [ابنُ](١) بُرَيدة يُصلِّ ركعتين قبلَ صلاة المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظاً لم يخالف [ابنُ](١) بُرَيدة روايته. وقد نقل ابن الجَوْزيّ في ((المَوضوعات)) عن الفَلّاس أنَّه كذَّبَ حيَّاناً المذكور. وقال القُرطبيّ وغيرُه: ظاهر حديث أنس أنَّ الرَّكعتين بعد الغروب وقبلَ صلاة المغرب كان أمراً أقرَّ النبيُّ نَّ أصحابَه عليه، وعَمِلوا به حتَّى كانوا يَستَبِقون إليه، وهذا يدلُّ على الاستحباب، وكأنَّ أصلَه قوله وَّهِ: ((بينَ كلّ أذانينِ صلاة)). وأمَّا كَونُه وَّه لم يُصلِّهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدلُّ على أنَّهما ليستا من الرَّواتب. وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، ورُوي عن ابن عمر قال: ما رأيت أحداً يُصلّهما على عهد النبيّ وََّ(٢)، وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنَّهم كانوا لا يُصلُّونهما، وهو قول مالك والشافعي، واذَّعَى بعض المالكيَّة نَسخَهما فقال: إنَّما كان ذلك في الأوَّل حيثُ نهى عن الصلاة بعد العصر حتَّى تَغرُب الشمس، فبيَّن لهم بذلك وقتَ الجواز، ثمَّ نَدَبَ إلى المبادرة إلى المغرب في أوَّل وقتها، فلو استَمَرَّت المواظَبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعةً إلى ◌ُخالَفة إدراك أوَّل وقتها. وتُعُقِّبَ بأنَّ دعوى النَّسخ لا دليلَ عليها، والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود (١٢٨٤) (١) كلمة ((ابن)) سقطت من الأصلين و(س) في الموضعين، والصحيح إثباتها، فقد أخرج هذا الحديثَ أيضاً ابنُ خزيمة (١٢٨٧)، وابنُ حبان (١٥٥٩)، و(٥٨٠٤)، وفيه عندهما: فكان ابنُ بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين. ثم إن سياق كلام الحافظ يقتضي أنه ابنُ بريدة لا أبوه، لأن الإسماعيلي لم يخرجه من حدیث بريدة. (٢) أخرجه أبو داود (١٢٨٤) وغيرُه، وإسناده ضعيف. ٦٨ باب ١٤ / ح ٦٢٥ فتح الباري بشرح البخاري من طريق طاووسٍ عنه(١)، ورواية أنس المثبتة مُقدَّمةٌ على نفِه، والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر (٢) وغيره من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ عنهم، وهو منقطع، ولو ثَبَتَ لم يكن فيه دليل على النَّسخ ولا الكراهة. وسيأتي في أبواب التطوُّع (١٢٨٤): أنَّ عُقبةَ بن عامر سُئِلَ عن الرَّكعتين قبلَ المغرب فقال: كنَّا نَفعَلُهما على عهد النبيّ وَّةِ، قيل له: فما يمنعك الآنَ؟ قال: الشُّغلُ. فلعلَّ غيره أيضاً مَنَعَه الشُّغْلُ. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قويّة عن عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقَّاص وأُبيِّ بن كعب وأبي الدَّرداء وأبي موسى وغيرهم: أنَّهم كانوا يُواظِبون عليهما. وأمَّا قول أبي بكرٍ بن العربيّ: اختلف فيها الصحابة ولم يفعلها أحدٌ بعدهم، فمردود بقول محمد بن نصر: وقد رُوينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنَّهم كانوا يُصلُّون الرَّكعتين قبلَ المغرب، ثمَّ أخرج ذلك بأسانيدَ متعدِّدة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله ابن بُرَيدة ويحيى بن عَقيلِ والأعرَج وعامر بن عبد الله بن الزُّبَير وعِراك بن مالك. ومن طريق الحسن البصريّ أنَّه سُئل عنهما فقال: حسنتَينِ - والله - لمن أراد اللهَ بهما. وعن سعيد ابن المسيّب أنَّه كان يقول: حَقٍّ على كلّ مُؤمِن إذا أذَّنَ المؤذِّن أن يركعَ ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما، وعند الشافعيَّة وجه رَجَّحَه النَّوَويّ ومَن تَبِعَه، ١٠٩/٢ وقال في ((شرح مسلم): قول مَن قال: / إنَّ فِعْلهما يُؤدّي إلى تأخير المغرب عن أوَّل وقتها، خيالٌ فاسد مُنابذٌ للسُّنَّة، ومع ذلك فزَمَنُهما زَمَنٌ يسيرٌ، لا تتأخّر به الصلاة عن أوَّل وقتها. قلت: ومجموع الأدلّة يُرشِد إلى استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر، قيل: والحِكْمة في النَّدب إليهما رجاء إجابة الدُّعاء، لأنَّ الدُّعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ، وكُلَّما كان الوقت أشرَفَ كان ثواب العبادة فيه أكثر، واستدلَّ بحديث أنس على امتداد وقت (١) والراوي عن طاووس ـ وهو شعيب أو أبو شعيب - لا يُدرَى من هو، فالسند لا يصح، والمتن منكر لمخالفته رواية الثقات في إثباتهما على عهد النبي وس ﴿ وإقراره لأصحابه في فعلهما. (٢) في كتابه «قيام الليل)) كما في ((مختصره)) للمقريزي ص ١١١. ٦٩ باب ١٥ / ح ٦٢٦ أبواب الأذان المغرب، وليس ذلك بواضحٍ. تنبيهان: أحدهما: مُطابقةُ حديث أنس للترجمة من جهة الإشارة إلى أنَّ الصحابة إذا كانوا يبتَدِرون إلى الرَّكعتين قبلَ صلاة المغرب مع قِصَرِ وقتها، فالمبادرة إلى التنفَّل قبلَ غيرها من الصَّلَوات تقع من باب الأَولى، ولا يتقيَّد بركعتين إلَّا ما ضاهَى المغرب في قِصَرِ الوقت كالصبح. الثاني: لم تَتَّصِل لنا رواية عثمان بن جبلةَ - وهو بفتح الجيم والموخَّدة - إلى الآن، وزَعَمَ مُغَلْطاي ومَن تَبِعَه أنَّ الإسماعيليّ وَصَلها في ((مُستخرَجه))، وليس كذلك، فإنَّ الإسماعيليّ إنّما أخرجه من طريق عثمان بن عمر، وكذلك لم تَتَّصِل لنا رواية أبي داود، وهو الطَّيالسُّ فيما يظهر لي، وقيل: هو الحَفَريُّ بفتح المهمَلة والفاء. وقد وقع لنا مقصود روايتهما من طريق عثمان بن عمر وأبي عامر، ولله الحمد. ١٥ - باب من انتظر الإقامة ٦٢٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَّه إذا سَكَتَ المؤذِّنُ بالأُولَى من صلاةِ الفجرِ قامَ فركَعَ ركعتين خفيفتينِ قبلَ صلاةِ الفجرِ، بعدَ أنْ يَستَبِين الفجرُ، ثمَّ اضطَجَعَ على شِقُّ الأَيْمَنِ، حتَّى يأتيَه المؤذِّنُ للإقامةِ. [أطرافه في: ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٦٠، ١١٧٠، ٦٣١٠] قوله: ((باب مَن انتظَرَ الإقامة)) موضِع الترجمة من الحديث قوله: ((ثمَّ اضطَجَعَ على شِقِّه الأيمن، حتَّى يأتيَه المؤذِّن)»، وأورَدَها مَورِدَ الاحتمال تنبيهاً على اختصاص ذلك بالإمام، لأنَّ المأموم مندوب إلى إحراز الصفّ الأوَّل، ويحتمل أن يُشاركَ الإمامَ في ذلك مَن كان منزله قريباً من المسجد. وقيل: يُستَفاد من حديث الباب أنَّ الذي وَرَدَ من الحضّ على الاستباق إلى المسجد هو ٧٠ باب ١٥ / ح ٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري لمن كان على مسافة من المسجد، وأمَّا مَن كان يسمع الإقامة من داره، فانتظاره للصلاة إذا كان مُتهيّئاً لها كانتظاره إيَّاها في المسجد، وفي مقصود الترجمة أيضاً ما أخرجه مسلم (٦٠٦) من حديث جابر بن سَمُرةَ قال: كان بلال يؤذِّن ولا يُقيم حتَّى يَخْرُج النبيُّ ◌َّةَ. قوله: ((إذا سَكَتَ المؤذّنُ)) أي: فرغ من الأذان، عبَّر بالسكوت عنه، هكذا في الروايات المعتمدة بالمثنَّة الفَوقانية، وحكى ابنُ التِّين أنه رُوِيَ بالموخَّدة، ومعناه: صَبَّ الأذانَ وأَفرغَه في الآذان، ومنه: أَفرِغَ في أُذُني كلاماً حسناً، انتهى. والروايةُ المذكورة لم تَثبُت في شيء من الطرق، وإنما ذكرها الخطّابي من طريق الأوزاعي عن الزهري، وقال: إنَّ سُوَيد بن نصر - راويَها عن ابن المبارك عنه - ضبطها بالموخَّدة. وأَفرطَ الصاغانيُّ في ((العُباب)) فجزم أنها بالموحدة، وكذا ضبطها في نسخته التي ذَكَر أنه قابلها على نسخة الفِرَبْري، وأن المحدِّثین یقولونها بالمثنَّاة، ثم ادعى أنه تصحیفٌ، ولیس کما قال. قوله: ((بالأُولى)) أي: عن الأُولى، وهي متعلِّقة بـ(سَكَت))، يقال: سَكَت عن كذا: إذا تَرَكه. والمراد بالأُولى الأذانُ الذي يُؤْذَّن به عند دخول الوقت، وهو أوَّلٌ باعتبار الإقامة، وثانٍ باعتبار الأذان الذي قبلَ الفجر، وجاءه التأنيثُ إمَّا من قِبل مؤاخاته للإقامة، أو لأنه أراد المناداةَ أو الدعوةَ التامَّة، ويحتمل أن يكون صفةً لمحذوف، والتقدير: إذا سكتَ عن المرة الأُولى أو في المرة الأُولى. ١١٠/٢ تنبيه: أخرج البيهقيُّ (٢/ ٢٠) من طريق موسى بن عُقبة عن سالم أبي النضر: أن النبي وَّه كان يَخرجُ بعد النِّداء إلى المسجد، فإن رأى أهلَ المسجد قليلاً جلس حتى يجتمعوا، ثمَّ يُصلِّي. وإسناده قويٌّ مع إرساله، وليس بينه وبين حديث الباب تعارُضُ، لأنه يُحِمَل على غير الصبح، أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيَه المؤذِّن ويخرجَ معه إلى المسجد. قوله: ((يستبين)) بموحَّدة وآخره نون، وفي رواية: يستنير، بنون وآخره راءٌ. وسيأتي الكلام على ركعتي الفجر في أبواب التطوع (١١٥٩- ١١٧١) إن شاء الله تعالى. ٧١ باب ١٦-١٧ / ح ٦٢٧ -٦٢٨ أبواب الأذان ١٦ - بابٌ بين كل أذانين صلاة لمن شاء ٦٢٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا كَهْمَسُ بنُ الحسنِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدة، عن عبدِ الله بنٍ مُغفَّلٍ، قال: قال النبيُّ وَّهُ: ((بينَ كلِّ أذانَينِ صلاةٌ، بينَ كلِّ أذانَينِ صلاةٌ)، ثمَّ قال فى الثالثةِ: ((لمنْ شاءَ)). قوله: ((بابٌ بين كلِّ أذانينِ صلاة)) تقدَّم الكلام على فوائده قبلَ بابٍ (٦٢٤)، وتَرجَمَ هنا بلفظ الحدیث، وهناك ببعض ما دلَّ علیه. ١٧ - باب من قال: ليُؤذِّن في السفر مؤذن واحد ٦٢٨ - حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالكِ بنِ الحُوَيرثِ: أتيتُ النبيَّ وَّهِ فِي نَفَرِ من قومي، فأقَمْنا عندَه عشرينَ ليلةً، وكان رحيماً رفيقاً، فلمَّا رَأى شَوْقَنا إلى أهالينا قال: ((ارجِعُوا فكونوا فيهم وعَلِّمُوهم وصَلُّوا، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فلیؤذِّنْ لکم أحدُكم ولْيؤمَّکم أکبرُكم». [أطرافه في: ٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٨١٩، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦] قوله: ((باب مَن قال: ليؤذِّنْ في السفر مؤذِّنٌ واحدٌ)) كأنَّه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق (١٨٩٧) بإسنادٍ صحيح: أنَّ ابن عمر كان يؤذِّن للصُّبح في السفر أذانين. وهذا مَصير منه إلى التَّسوية بين الحضر والسفر، وظاهر حديث الباب أنَّ الأذان في السفر لا يتكرَّر، لأنَّه لم يُفرِّق بين الصبح وغيرها، والتَّعليل الماضي في حديث ابن مسعود (٦٢١) يؤيِّده، وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذِّنٌ واحد في السفر، لأنَّ الحضر أيضاً لا يؤذِّنُ فيه إلَّا واحد، ولو احتيجَ إلى تعدُّدِهم لتَبَاعُدِ أقطار البلد أذَّنَ كلُّ واحد في جهة، ولا يؤذِّنون جميعاً، وقد قيل: إِنَّ أوَّل مَن أحدَثَ التأذين جميعاً بنو أُميَّة. وقال الشافعيُّ في ((الأمّ)): وأُحِبُّ أن يؤذِّنَ مؤذِّن بعد مؤذِّن ولا يؤذِّن جماعةٌ معاً، وإن كان مسجداً كبيراً(١) فلا بأس أن يؤذِّن في كلّ (١) في (أ) و(س): وإن كان مسجدٌ كبيرٌ، على أن ((كان)) تامة، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لمطبوع ((الأم) ١٠٣/١، وكلاهما صحيح في المعنى. ٧٢ باب ١٧ / ح ٦٢٨ فتح الباري بشرح البخاري جهة منه مؤذِّن يُسمِعُ مَن یلیه في وقت واحد. قوله: ((في نفرٍ)) هم من ثلاثة إلى عشرة. قوله: ((من قومي)) هم بنو ليث بن بكر بن عبد مَنَاف بن كنانة، و کان قدوم وفد بني ليثٍ فيما ذكره ابنُ سعد (٣٠٥/١) بأسانيدَ متعدِّدة: أنَّ واثلةَ الليثيَّ قَدِمَ على رسول الله وَّه وهو يتجهَّز لتبوكَ. قوله: ((رفيقاً)) بفاء ثم قاف، من الرِّفق، وفي رواية الأَصِيلي، قيل: والكُشْمِيهني(١): بقافين، أي: رقيقَ القلب. قوله: ((وصَلُّوا)) زاد في رواية إسماعيل ابن عُليَّة عن أيوب: ((كما رأيتُموني أُصلِّي)) وهو في ((باب رحمة الناس والبهائم)) من كتاب الأدب (٦٠٠٨)، ومثله في ((باب خبر الواحد)) (٧٢٤٦) من رواية عبد الوهّاب الثَّقَفي عن أيوب. ١١١/٢ قوله: ((فإذا حَضَرَت الصلاةُ)) وجه مطابقته للترجمة مع أنَّ ظاهره يخالفُها، لقوله: ((فكونوا فيهم وعلِّموهم، فإذا حَضَرَت))، فظاهرُه أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم، لكن المصنّف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعدَ هذا، فإنَّ فيها: ((إذا أنتما خرجتُما فأذِّنا)) ولا تعارُضَ بينها أيضاً وبين قوله في هذه الترجمة: ((مؤذِّن واحد))، لأنَّ المراد بقوله: ((أَذِّنا)) أي: مَن أحبَّ منكما أن يؤذِّن فليؤذِّن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يُعتبر في الأذان السنُّ بخلاف الإمامة، وهو واضحٌ من سياق حديث الباب حيث قال: ((فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمّكم أكبرُكم))، واستُدلَّ بهذا على أفضليَّة الإمامة على الأذان، وعلى وجوب الأذان، وقد تقدَّم القولُ فيه في أوائل الأذان، وبيانُ خطأ مَن نقل الإجماعَ على عدم الوجوب. وسيأتي بقيَّةُ الكلام على هذا الحديث في ((باب إذا استووا في القراءة)) من أبواب الإمامة (٦٨٥) إن شاء الله تعالى. (١) جزم القسطلاني في «إرشاد الساري)) بأنها رواية الأصيلي والكُشميهني وابن عساكر. ٧٣ باب ١٨ / ح ٦٢٩ أبواب الأذان ١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعةً والإقامةِ ، وكذلك بعرفةً وجَمْع، وقولِ المؤذِّن: الصلاةَ في الرِّحال. في الليلة الباردة أو المَطِيرة ٦٢٩ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن المهاجِرِ أبي الحسنِ، عن زيدِ ابنِ وَهْب، عن أبي ذرٍّ، قال: كثَّا مع النبيِّ ◌ََّ في سفرٍ فأراد المؤذِّنُ أنْ يؤذِّنَ فقال له: ((أَبِدْ))، ثمَّ أراد أنْ يؤذِّنَ فقال له: ((أَبِدْ))، ثمَّ أراد أنْ يؤذِّنَ فقال له: ((أَبِدْ))، حتَّى ساوَى الظُّلُّ التُّلُولَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنَّ شِدّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جهنّمَ)). قوله: «بابُ الأذان للمسافرین» کذا للگُشْمِیھنیِّ، وللباقین: «للمسافر» بالإفراد، وهو للجنس. قوله: ((إذا كانوا جماعة)) هو مُقْتَضى الأحاديث التي أورَدَها، لكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرِد، وقد روى عبد الرزاق (١٨٩٧) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر أنَّه كان يقول: إنَّما التأذين لجيشٍ أو رَكْبٍ عليهم أمير فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها، فأمَّا غيرهم فإنَّما هي الإقامة. وحُكيَ نحوُ ذلك عن مالك، وذهب الأئمّة الثلاثة والثَّوريُّ وغيرهم إلى مشروعيَّة الأذان لكلِّ أحد، وقد تقدَّم حديث أبي سعيد (٦٠٩) في ((باب رفع الصوت بالنِّداء»، وهو يقتضي استحباب الأذان للمنفرد، وبالغَ عطاء فقال: إذا كنت في سفر فلم تؤذِّن ولم تُقِم فأعِدِ الصلاة. ولعلَّه كان يَرَى ذلك شرطاً في صِحَّة الصلاة، أو يَرَى استحباب الإعادة لا وجوبها. قوله: ((والإقامة)) بالخفضِ عطفاً على الأذان، ولم يُخْتَلَف في مشروعيَّة الإقامة في كلِّ ١١٢/٢ حال. قوله: ((وكذلك بعرفةَ)) لعلَّه يشيرُ إلى حديث جابر الطَّويل في صفة الحج، وهو عند مسلم (١٢١٨)، وفيه: أنَّ بلالاً أَذَّنَ وأقامَ لمَّ جمع النبيُّ نَّ بين الظَّهر والعصر يومَ عَرَفة. قوله: ((وجمْعٍ)) بفتح الجيم وسكون الميم: هي مُزْدَلِفةُ، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى حديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب الحج (١٦١٥) وفيه: أنَّه صلَّى المغرب بأذانٍ وإقامة، والعشاء ٧٤ باب ١٨ / ح ٦٣٠-٦٣١ فتح الباري بشرح البخاري بأذانٍ وإقامة، ثمّ قال: رأيت رسولَ الله ◌َلا يفعله. قوله: ((وقول المؤذِّن)) هو بالخفضِ أيضاً، وقد تقدَّم الكلام على حديث أبي ذرِّ مُستَوفّى (٦٣٥) في ((باب الإبراد بالظُّهر)) في المواقيت، وفيه البيان أنَّ المؤذِّنَ هو بلال، وأنَّه أذَّنَ وأقام، فيطابق هذه الترجمة. ٦٣٠ - حذَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن مالكِ بنِ الحُوَيرثِ، قال: أَتَى رجلانِ النبيَّ وَّ ه يُرِيدان السفر، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((إذا أنتُما خرجتُا فأذِنا، ثمَّ أَقِیما، ثمَّ لُؤمّكما اکبرُكم)). ٦٣١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابة، قال: حدَّثنا مالكٌ: أَتَينا إلى النبيِّ وَّهِ ونحنُ شَبَبَةٌ مُتَقَاربُون، فَأَقَمْنا عندَه عشرينَ يوماً وليلةً، وكان رسولُ الله ◌َله رحيماً رفيقاً، فلمَّا ظنَّ أنَّا قِدِ اشْتَهَيْنا أهلَنا - أو قَدِ اشْتَقْنا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تركْنا بعدَنا، فأخبَرْناه قال: ((ارجِعُوا إلى أهلِيكم فأقِيمُوا فيهم، وعَلِّمُوهم ومُرُوهم - وذَكَرَ أشياءَ أحفظُها أو لا أحفظُها - وصَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّى، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُکم، ولیؤمَّکم أکبرُكم»(١). قوله: ((حدَّثنا محمدُ بن يوسف)) هو الفِريابيُّ، وبذلك صرَّح أبو نُعيم في ((المستخرَج))، وسفيان: هو الثَّوري، وقد روى البخاريُّ عن محمد بن يوسف أيضاً عن سفيان بن عُيَينة، لكنه محمد بن یوسف الپیگندي، وليست له رواية عن الثّوري. والغریابي وإن کان يروي أيضاً عن ابن عيينة، لكن إذا أَطلقَ سفيانَ فإنما يريد به الثوريَّ، وإذا رَوَى عن ابن عيينة بیَّنه، وقد قدّمنا ذلك. قوله: «أتی رجلانٍ)) هما مالكُ بن الحُوَیرِث راوي الحديث ورفيقُه، وسيأتي (٢٨٤٨) (١) هذا الحديث سيأتي تنبيهٌ للحافظ أنه وقع هنا في رواية أبي الوقت فقط، وقال القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٢/ ١٧ : هذا الحديث كالذي بعده ثابتٌ هنا في رواية أبي الوقت، وعزا ثبوتهما في الفرع (يعني نسخة الإمام شمس الدين الغُزولي من ((الصحيح))) كأصله لرواية الحمّوِي، وسقوطهما لأبي ذر. ٧٥ باب ١٨ / ح ٦٣٢ أبواب الأذان في ((باب سفر الاثنين)) من كتاب الجهاد (٢٨٤٨) بلفظ: انصرفتُ من عند النبيِّي وَلّ أنا وصاحبٌ لي. ولم أرَ في شيء من طرقه تسميةً صاحبه. قوله: ((فَأَذِّنا»، قال أبو الحسن بن القَصَّار: أرادَ به الفضلَ، وإلَّا فأذانُ الواحد مُزِئُ. وكأنه فَهِمَ منه أنه أمرهما أن يؤذِّنا جميعاً كما هو ظاهرُ اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذِّنان معاً فليس ذلك بمرادٍ، وقد قدَّمْنا النقلَ عن السلف بخلافه، وإن أرادَ أنَّ كلّ منهما يؤذِّن على حِدَةٍ، ففيه نظرٌ، فإنَّ أذان الواحد يكفي الجماعةَ، نَعَم يُستَحبُّ لكل أحدٍ إجابةُ المؤذِّن، فالأَولى حملُ الأمر على أنَّ أحدهما يؤذِّن والآخر يجيب. وقد تقدَّم له توجيهٌ آخرُ في الباب الذي قبلَه، وأنَّ الحاملَ على صَرفه عن ظاهره قولُه فيه: ((فليؤذِّن لكم أحدُكم))، وللطبراني (٦٣٨) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن خالد الحَذَّاء في هذا الحديث: ((إذا كنتَ مع صاحبِكَ فأَذِّن وأَقِم، وليؤمَّكما أكبرُكما)». واستَروَحَ القرطبيُّ فحمل اختلافَ ألفاظ الحديث على تعدُّد القصة، وهو بعيد، وقال الكِرْماني: قد يُطلَق الأمرُ بالتثنية وبالجمع والمرادُ واحدٌ، كقولهم: يا حَرَسُّ اضِرِبًا عنقَه، وقولهم: قَتَلَه بنو تميمٍ، مع أن الضاربَ والقاتل واحدٌ. قوله: ((ثُمَّ أَقِيمًا)) فيه حُجَّة لمن قال باستحبابٍ إجابة المؤذِّن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى، وإلَّا فالذي يؤذِّن هو الذي يقيمُ. تنبيه: وقع هنا في رواية أبي الوَقْت: ((حذَّثنا محمد بن المثنَّى حدَّثنا عبد الوهّاب عن أيوب)) فذكر حديث مالك بن الحُوَيرِث مطوَّلاً نحوَ ما مضى في الباب قبلَه، وسيأتي بتمامه (٧٢٤٦) في ((باب خبر الواحد))، وعلى ذِكْره هناك اقتصر باقي الرُّواة. ٦٣٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: أخبرنا يحيى، عن عُبيد الله بنِ عمر، قال: حدَّثني نافع، قال: أذَّنَ ابنُ عمرَ في ليلةٍ باردةٍ بضَجْنان، ثمَّ قال: صَلُّوا في رِ حالكم، فأخبرنا أنَّ رسولَ الله وَِّ كان يأمرُ مؤذِّناً يؤذِّنُ، ثمَّ يقول على أَثْرِهِ: ((أَلَا صَلُّوا في الرِّحال)) في الليلةِ الباردةِ أو المَطِيرةِ في السفر. [طرفه في: ٦٦٦] ٧٦ باب ١٨ / ح ٦٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ١١٣/٢ قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطَّانُ. قوله: ((بضَجْنانَ)) هو بفتح الضّاد المعجَمة وبالجيمِ بعدها نونٌ على وزنٍ فَعلانَ، غير مصروف، قال صاحب «الصحاح) وغيره: هو جبلٌ بناحية مگّة. وقال أبو موسى في ((ذیل الغريبين): هو موضعٌ أو جبل بين مكَّةَ والمدينة. وقال صاحب ((المشارق)) ومَن تَّبِعَه: هو جبل على بَريدٍ من مكَّة. وقال صاحب ((الفائق)): بينه وبينَ مَّة خمسةٌ وعشرون ميلاً، وبينه وبينَ وادي مَرِّ تسعة أميال(١). انتهى، وهذا القَدْر أكثر من بَرِيدَين، وضبطُهُ بالأميال يدلُّ على مزيدٍ اعتناء، وصاحب ((الفائق)) ممّن شاهد تلك الأماكن واعتنى بها، خلافَ مَن تقدَّم ذِكُرُه مَمَّن لم يَرَها أصلاً. ويؤيِّده ما حكاه أبو عبيد البكريُّ قال: وبينَ قُدَيدٍ وضَجْنانَ يومٌ، قال مَعبَدٌ الخزاعيُّ: قد جَعَلتْ ماءَ قُدَيدٍ مَوعِدي وماءَ ضَجْنانَ لها ضُحَى الغَدِ قوله: ((وأخبرنا» أي: ابن عمر. قوله: ((كان يأمر مؤذِّناً)» في رواية مسلم (٦٩٧): كان يأمر المؤذِّن. قوله: ((ثُمَّ يقول على أثرِه)) صريح في أنَّ القول المذكور كان بعد فراغ الأذان، وقال القُرطبيّ لمَّا ذَكَر رواية مسلم بلفظ: (يقول في آخر نِدائه)): يحتمل أن يكون المراد في آخره قُبيلَ الفراغ منه، جمعاً بينه وبينَ حديث ابن عبّاس(٣)، انتهى. وقد قدَّمنا في ((باب الكلام في الأذان)) عن ابن خُزَيمة أنَّه حمل حديث ابن عبّاس على ظاهره، وأنَّ ذلك يقال بدلاً من الحَيَعَة نَظَراً إلى المعنى، لأنَّ معنى ((حيَّ على الصلاة)): هَلُمّوا إليها، ومعنى ((الصلاةَ في الرِّحال)): تأخّروا عن المجيء، فلا يُناسبُ إيرادُ اللَّفْظَيْنِ (١) لم نقف على هذا النقل في المطبوع من كتاب ((الفائق)) للزمخشري، والذي فيه ٢/ ٣٣٠: ضَجْنان: جبل بناحية مكة. قلنا: وقد تحرف قوله: ((وادي مَرّ تسعة)) في (س) والطبعات التي اتكأت عليها إلى: وادي مریسعة! ووادي مَرِّ هو نفسه مَرُّ الظَّهران، وهو معروف. (٢) سلف برقم (٦١٦). ٧٧ باب ١٨ / ح ٦٣٢ أبواب الأذان معاً، لأنَّ أحدهما نَقيض الآخر. انتهى، ويُمكِنُ الجمع بينهما، ولا يَلزَم منه ما ذُكِرَ، بأن يكون معنى ((الصلاةَ في الرِّحال)) رُخصةً لمن أراد أن يَتَرَخّص، ومعنى ((هَلُمّوا إلى الصلاة)) نَدبٌّ لمن أراد أن يَستكمِل الفضيلة ولو تَحمَّلَ المشقّة، ويؤيِّد ذلك حديث جابر عند مسلم (٦٩٨) قال: خرجنا مع رسول الله وَله في سفر، فمُطِرنا، فقال: ((ليُصلِّ مَن شاءَ منکم في رحله)). قوله: ((في الليلة البارِدَة أو المَطِيرة)) قال الكِرْمانيُّ: فعيلةٌ بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مَجَازٌ، ولا يقال: إنَّها بمعنى مفعولة، أي: ممطور فيها، لوجودِ الهاء في قوله: ((مَطِيرة)) إذ لا يَصِحّ: ممطورة فيها. انتهى مُلخَّصاً. وقوله: ((أو)) للتَّنويع لا للشَّك، وفي ((صحيح أبي عَوَانة)) (١٣٠٣): ليلةٌ باردةٌ أو ذاتُ مَطَرٍ أو ذاتُ ريح. ودلَّ ذلك على أنَّ كلَّا من الثلاثة عُذرٌ في التأخّر عن الجماعة، ونقل ابن بَطَّالٍ فيه الإجماع، لكنَّ المعروفَ عند الشافعيَّة أنَّ الرّيح عُذرٌ في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليلِ، لكن في السُّنَن من طريق ابن إسحاقَ عن نافع في هذا الحديث: في الليلة المَطِيرةِ والغَدَاةِ القَرَّة(١)، وفيها بإسنادٍ صحيح من حديث أبي المَلیحِ عن أبيه: أنَّهم مُطِروا يوماً فرَخَّصَ لهم (٢). ولم أرَ في شيء من الأحاديث الترخّص بعُدرِ الرِّيح في النهار صريحاً، لكنَّ القياس يقتضي إلحاقه، وقد نَقَلَه ابن الرِّفْعة وجهاً. قوله: ((في السفر)) ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية (٦٦٦) في أبواب صلاة الجماعة مُطلَقةٌ، وبها أخَذَ الجمهور، لكنَّ قاعدةَ حمل المطلَق على المقيّد تقتضي أن يختصَّ ذلك بالمسافرِ مُطلَقاً، ويلتحقُ به مَن تَلحَقُه بذلك مَشقَّةٌ في الحضر دون مَن لا تَلحَقه، والله أعلم. (١) أخرجه أبو داود (١٠٦٤)، ومن طريقه البيهقي ١/ ٩٧٢، ومحمد بن إسحاق لم يصرح بالتحديث. والقَرَّة: الباردة. (٢) أخرجه أبو داود (١٠٥٧) و(١٠٥٨) و(١٠٥٩)، والنسائي (٨٥٤)، وابن ماجه (٩٣٦). ٧٨ باب ١٨- ١٩ / ح ٦٣٣ فتح الباري بشرح البخاري ٦٣٣ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا أبو العُمَيسِ، عن عَوْنٍ ابنِ أبي جُحَيفة، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِّه بالأبطَح، فجاءَه بلاٌ فآذَنَه بالصلاة، ثمَّ خرج بلالٌ بالعَنَزةِ حتَّى رَكَزَها بِينَ يَدَيْ رسولِ اللهِوَّ بِالأَ بَطَحِ، وأقامَ الصلاةَ. قوله: ((حدَّثنا إسحاقُ)) وقع في رواية أبي الوَقْت أنَّه ابن منصور، وبذلك جَزَمَ خَلَفٌ في ((الأطراف))، وقد تردّدَ الكَلَاباذيُّ هل هو ابن إبراهيم أو ابن منصور، ورَجَّحَ الجَيَّانِيُّ أنَّه ابن منصور، واستدلَّ على ذلك بأنَّ مسلماً أخرج هذا الحديث (٥٠٣/ ٢٥١) بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور. قوله: ((فَأَذَّنَه بالصلاة، ثمَّ خرج بلال)) اختصره المصنِّفُ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طرق عن جعفر بن عَونٍ فقال بعد قوله: بالصلاة: فدعا بوَضوءٍ، فذكر القصَّة. ١١٤/٢ قوله: ((وأقام الصلاة)) اختصر بَقيَّتَه، وهي عند: الإسماعيليّ أيضاً وهي: ورَكَزَها بين يديه والظُّعُن يَمُرّون، الحديث، وقد قدَّمنا الكلام عليه (٤٩٥) في ((بابٌ سُترة الإمام سُترة من خلفه)). قوله: ((بالأبطَح)) هو موضع معروف خارجَ مكَّة، وقد بَيَّنّه في ذلك الباب، وفَهِمَ بعضُهم أنَّ المراد بالأبطَحِ موضع جمْع لِذِكْره لها في الترجمة، وليس ذلك مرادَه، بل بين جَمْعِ والأبطَح مسافةٌ طويلةٌ، وإنَّما أورَدَ حديث أبي جُحَيفةَ لأنَّه يدخل في أصل الترجمة، وهي مشروعيَّة الأذان والإقامة للمسافرين. ١٩ - باب هل يتبَّع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفتُ في الأذان ويُذكَر عن بلالٍ أَنَّه جَعَلَ إصبعَيه في أُذْنِيهِ. وكان ابنُ عمَرَ لا يجعلُ إصبعيه في أُذْنِیه. وقال إبراهيمُ: لا بأسَ أن يؤذِّنَ على غيرٍ وضوءٍ. وقال عطاءٌ: الوضوءُ حقٌّ وسُنَةٌ. ٧٩ باب ١٩ / ح ٦٣٤ أبواب الأذان وقالت عائشةُ: كان النبيُّ وَّه يَذْكُرُ الله على كلِّ أحيانِهِ. ٦٣٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفة، عن أبيه: أنَّه رَأْى بلالاً يؤذِّنُ، فجعلتُ أتَبَّعُ فاه هاهنا وهاهنا بالأذان. قوله: ((باب هل يتبَّع المؤذِّن فاهُ هاهنا وهاهنا)) هو بياءٍ تحتانيَّة ثمَّ مثنَّاتینِ مفتوحاتٍ ثمَّ موخَّدةٍ مشدّدةٍ من التُّع، وفي رواية الأَصِيلِيِّ: ((يُتِبِعِ)) بضمٍّ أوَّله وإسكان المثنَّة وكسرٍ الموخَّدة من الإتباع، والمؤذِّنُ بالرَّفع لأنَّه فاعل التبُّع، وفاهُ منصوب على المفعوليَّة، و((هاهنا وهاهنا)) ظرفا مكانٍ، والمراد بهما جِهَتا اليمين والشِّمال كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على الحدیث. وقال الكِرْمانيُّ: لفظ المؤذِّن بالنصب وفاعله محذوف تقديره: الشّخص ونحوه، وفاه بالنصب بدلٌ من المؤذِّن، قال: ليوافقَ قوله في الحديث: ((فجعلتُ أتتَّعُ فاه)). انتهى، ولیس ذلك بلازم، لما عُرِفَ من طريقة المصنِّف أنَّه لا يقف مع اللَّفظ الذي يُورِدُه غالباً، بل يُترجم له ببعض ألفاظه الواردة فيه، وكذا وقع هاهنا، فإنَّ في رواية عبدالرحمن بن مَهْديٌّ عن سفيانَ عند أبي عَوَانة في (صحيحه)) (٩٦١): فجعلَ يتَبَّعُ بفيه يميناً وشمالاً. وفي رواية وكيع عن سفيانَ عند الإسماعيليّ: رأيت بلالاً يؤذِّن يتبَّع بفيه، ووَصَفَ سفيانُ يُميل برأسِه يميناً وشمالاً. والحاصل أنَّ بلالاً كان يتبّع بفيه الناحيتين، وكان أبو جُحَيفةَ يَنظُرُ إلیه، فُلُّ منهما مُتَبِّع باعتبارٍ. قوله: ((وهل يَلْتِفِت في الأذان)) يشير إلى ما قدَّمناه في رواية وكيع. وفي رواية إسحاقَ الأزرق عن سفيانَ عند النَّسائيِّ (٦٤٣): فجعلَ ينحرف يميناً وشمالاً، وسيأتي في رواية يحيى بن آدمَ بلفظ: والتَّفَت (١). قوله: ((ويُذكَرُ عن بلال أنَّه جَعَلَ إصبعيه في أُذَنَيه)) يشيرُ بذلك إلى ما وقع في رواية عبدِ الرزاق (١٨٠٦) وغيره عن سفيانَ كما سنُوضحُه بعدُ. (١) سيأتي بعد قليل الإشارة إلى هذه الرواية، وهي عند الطبراني في «الكبير)) ٢٢/ (٢٦١). ٨٠ باب ١٩ / ح ٦٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكان ابن عمر ... )) إلى آخره، أخرجه عبد الرزاق (١٨١٦) وابن أبي شَيْبة (١/ ٢١٠) من طريق نُسَير - وهو بالنُّون والمهمَلة مُصغَّراً - بن ذُعلُوقٍ - بضمِّ الذّال المعجَمة وسكون العين المهمَلة وضمِّ اللّام - عن ابن عمر. قوله: ((وقال إبراهيم)) يعني النَّخَعيَّ ... إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (١/ ٢١١) عن جَرِير عن منصور عنه بذلك، وزاد: ثمَّ يَخْرُج فيتوضَّأْ، ثمَّ يَرجِع فيُقیمُ. قوله: ((وقال عطاءٌ ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرزاق (١٧٩٩) عن ابن جُرَيج(١) قال: قال لي عطاء: حقٌّ وسُنَّةٌ مسنونةٌ: أن لا يؤذِّن المؤذِّن إلّا مُتوضِّئاً، هو من الصلاة، هو فاتحة الصلاة، ولابنِ أبي شَيْبة (٢١١/١-٢١٢) من وجه آخرَ عن عطاء: أنَّه كَرِهَ أن يؤذِّن ١١٥/٢ الرجل على غير وضوء. / وقد وَرَدَ فيه حديث مرفوع أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٠) والبيهقيُّ (٣٩٧/١) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده ضعفٌ. قوله: ((وقالت عائشةُ)) تقدَّم الكلام عليه (٣٠٥) في ((باب تَقضي الحائض المناسك)) من كتاب الحيض، وأنَّ مسلماً وَصَلَه (٣٧٣). وفي إيراد البخاري له هنا إشارة إلى اختيار قول النَّخَعي، وهو قول مالك والكوفيّينَ، لأنَّ الأذان من جملة الأذكار فلا يُشتَرطُ فيه ما يُشتَرطُ في الصلاة من الطَّهارة ولا من استقبال القِبْلة، كما لا يُستَحبُّ فيه الخشوعُ الذي يُنافيه الالتفات وجعلُ الإصبعِ في الأُذُن، وبهذا تُعرَفُ مُناسَبةُ ذِكْره لهذه الآثار في هذه الترجمة، ولاختلاف نَظَرِ العلماء فيها أورَدَها بلفظ الاستفهام، ولم يَجِزِم بالحكم. قوله: ((حدَّثنا محمّد بن يوسف)) هو الفريابيُّ، وسفيانُ: هو الثَّوريّ. قوله: ((هاهنا وهاهنا بالأذان)) كذا أورَدَه مختصراً، ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم (٢٤٩/٥٠٣) أتمُّ، حيثُ قال: فجعلتُ أتتَّع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً، يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. وهذا فيه تقييدٌ للالتِفات في الأذان، وأنَّ محلّه عند الحَيَعَلَتَين، وبَوَّبَ عليه ابنُ خُزيمة (٣٨٧): انحراف المؤذِّن عند قوله: حيَّ على الصلاة حيَّ على (١) تحرف في (س) إلى: ابن جرير.