Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَتَغُ النَّرِي
بشرِّح صِيُّح البُخاريّ
تأليفٌ
الإِكَّامِ الحَافِظِّ شَهَابِ الِّينِ أُحَ مِنْ عَلَيِّ بْنِ حَجِ السَّقَدَانِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاحَعه
شُغَيْبٌ الأهتُوُوَطْ عَادكٌ مِّشْد
شارك في تخريج نصوصه
حقّقْ هَذَا الجُزْءِ وضّجَهُ وعَلّ عَلَيْ
هَيْثُم ◌َعَبْ الفَفوز
محمّد كائِل قره بلكي
الرسالة العالمية

-3
一
-

1
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة لِنَاشِرْ
الطّبْعَة الأولىُ
١٤٣٤ ھـ -٢٠١٣م
٠٠
دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع و الحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
A-Resalsi AH- lamiat m.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039-818615
P.O. BOX:117460

فَعُ النَّارِي
بشرّع صِحِيُّح البُخاريّ
٣

٥
أبواب الأذان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٧٧/٢
أبواب الأذان
((أبواب الأذان)) الأذان لغةً: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿ وَأَذَنٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣].
واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين: وهو الاستماع.
وشرعاً: الإعلام بوقتٍ الصلاة بألفاظٍ مخصوصة.
قال القُرطبيّ وغيرُه: الأذان على قِلَّة ألفاظه مُشتمِل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدأ
بالأكبريَّة، وهي تتضمَّنُ وجودَ الله وكماله، ثمَّ ثَنَّى بالتوحيد ونَفْي التَّشريك، ثمَّ بإثبات
الرِّسالة لمحمدٍ وَّهِ، ثمَّ دعا إلى الطّاعة المخصوصة عَقِبَ الشهادة بالرِّسالة لأنَّها لا تُعرَفُ
إلَّا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إلى الفلاح: وهو البقاء الدّائم. وفيه الإشارةُ إلى المعاد، ثمَّ
أعاد ما أعاد توكيداً.
ويَحَصُلُ من الأذان الإعلامُ بدخول الوقت، والدُّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر
الإسلام. والحِكْمةُ في اختيار القول له دون الفعل سهولةُ القول وتَيَسُّرُه لكلِّ أحدٍ في كلِّ
زمان ومكان.
واختُلِفَ أيُّما أفضل: الأذان أو الإمامة؟ ثالثُها: إن عَلِمَ من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة
فهي أفضلُ، وإلَّا فالأذان، وفي كلام الشافعيّ ما يُومِىُّ إليه. واختُلِفَ أيضاً في الجمع
بينهما، فقيل: يُكرَه، وفي البيهقيِّ (٤٣٣/١) من حديث جابر مرفوعاً النَّهيُ عن ذلك، لكنَّ
سنده ضعيف، وصَحَّ عن عمرَ: لو أُطيقُ الأذان مع الِلِّيفَى(١) لَأَّنت، رواه سعيد بن
منصور وغيره. وقيل: هو خلاف الأَولى، وقيل: يُستَحبُّ، وصحَّحه النَّوَويّ.
(١) في (س): الخِلافة. وهما بمعنَى.

٦
باب ١ / ح ٦٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
١ - باب بَدْءِ الأذان
وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ اَمَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْءٌ لَّا
يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].
٦٠٣ - حدَّثْنَا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرة، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا خالدٌ الحَذّاءُ، عن أبي قلابة،
عن أنسٍ، قال: ذَكَرُوا النَّارَ والنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليهودَ والنَّصارى، فَأُمِرَ بلالٌ أنْ يَشِفَعَ الأذانَ
وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ.
[أطرافه في: ٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧، ٣٤٥٧]
قوله: ((باب بَدْء الأذان)) أي: ابتدائه. وسَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ، وكذلك
سَقَطَت البسملة من رواية القابِسيّ وغيره.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآيةَ)) يشير بذلك إلى أنَّ ابتداء
الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أنَّ اليهود لمَّا سمعوا الأذان قالوا: لقد
ابتَدَعتَ يا محمد شيئاً لم يكن فيما مضى، فنزلت ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ الآية.
٧٨/٢ قوله: ((وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾)) يشير بذلك أيضاً إلى
الابتداء، لأنَّ ابتداء الجمعة إنَّما كان بالمدينة كما سيأتي في بابه. واختُلِفَ في السَّنة التي فُرِضَ
فيها، والراجح أنَّ ذلك كان في السَّنة الأولى، وقيل: في السَّنة الثانية، ورُوِيَ عن ابن
عبَّاس: أنَّ فرضَ الأذان نزل مع هذه الآية. أخرجه أبو الشَّيخ(١).
تنبيه: الفَرق بين ما في الآيتينِ من التَّعدية بإلى واللّم، أنَّ صِلات الأفعال تَخْتَلِفِ
بحَسَبٍ مقاصد الكلام، فقَصَدَ في الأولى معنى الانتهاء، وفي الثانية معنى الاختصاص،
قاله الكِرْمانيُّ. ويحتمل أن تكون اللّام بمعنى: إلى، أو العكس، والله أعلم.
وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أنَّ الأذان إنَّما شُرِعَ بعد الهجرة، فإنَّه
(١) في كتاب ((الأذان))، ولم نقف عليه مطبوعاً، وحيثما عزا الحافظُ ابن حجر في شرح كتاب الأذان للبخاري
إلى أبي الشیخ، فهو من كتابه هذا.

٧
باب ١ / ح ٦٠٣
أبواب الأذان
نَفَى النِّداء بالصلاة قبلَ ذلك مُطلَقاً.
و قوله في آخره: «قم يا بلال فناد بالصلاة)) كان ذلك قبلَ رُؤْیا عبد الله بن زيد، وسياق
حديثه يدلُّ على ذلك كما أخرجه ابن خُزيمة (٣٧١) وابن حِبَّان (١٦٧٩) من طريق محمد
ابن إسحاق قال: حدَّثني محمد بن إبراهيم التَّميُّ عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد
ربِّه قال: حدَّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحوَ حديث ابن عمر، وفي آخره: ((فبينما هم على
ذلك أُريَ عبدُ الله النِّداءَ)) فذكر الرُّؤيا، وفيها صفة الأذان لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع
التكبير وإفراد الإقامة وتثنية: ((قد قامت الصلاة))، وفي آخره قوله وَ له: ((إنَّهَا لَرُؤْيا حقّ
إن شاء الله تعالى، فقُم مع بلال فألقِها عليه، فإنَّه أندى صوتاً منك)) وفيه مجيء عمر
وقوله: إنَّه رأى مثل ذلك.
وقد أخرج التِّرمِذيّ (١٨٩) في ترجمة بَدْء الأذان حديث عبد الله بن زيد مع حديث
عبد الله بن عمر، وإنَّما لم يُخُرِّجه البخاري لأنَّه على غير شرطه، وقد رُوِيَ حديث عبد الله
ابن زيد من طرق، وحكى ابن خُزيمة عن الذُّهْلِيِّ: أنَّه ليس في طرقه أصحُ من هذه الطريق،
وشاهدُه حديث عبد الرزاق (١٧٧٤) عن مَعمَر عن الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيّب مُرسَلاً،
ومنهم مَن وَصَله عن سعيد عن عبد الله بن زيد (١)، والمرسَل أقوى إسناداً.
ووقع في ((الأوسط)) للطَّبرانيِّ (٩٢٤٧): أنَّ أبا بكرِ ه رأى الأذان، ووقع في
((الوسيط)) للغَزاليُّ: أنَّه رآه بضعةَ عَشَرَ رجلاً، وعبارة الجِيليِّ في ((شرح التَّنبيه)): أربعةً عَشَرَ،
وأنكَرَه ابن الصلاح ثمَّ النَّوَويُّ، ونقل مُغَلْطاي أنَّ في بعض كتبِ الفقهاء أنَّه رآه سبعةٌ،
ولا يَتْبُت شيء من ذلك إلَّا لعبدِ الله بن زيد، وقصَّة عمر جاءَت في بعض طرقه، وفي
((مُسنَدِ الحارث بن أبي أُسامةَ)) (١١٨) بسندٍ واهٍ عن خالدٍ (٢) قال: أوَّل مَن أَذَّنَ بالصلاة
جِبْرِيلُ في سماء الدُّنيا، فسمعه عمر وبِلال، فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ ◌َِّ، ثمَّ جاءَ بلال
فقال له: (سبقك بها عمر)).
(١) أخرجه موصولاً أحمد (١٦٤٧٧)، وابن خزيمة (٣٧٣). والمرسَل أقوى كما قال الحافظ.
(٢) قوله: ((عن خالد)) سقط من (س)، وخالد: هو الحذّاء.

٨
باب ١ / ح ٦٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
فائدتان:
الأولى: وَرَدَت أحاديثُ تَدُلّ على أنَّ الأذان شُرِعَ بمكَّةَ قبلَ الهجرة، منها للطَّبرانيِّ(١)
من طريق سالمٍ بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لمَّا أُسريَ بالنبيِّ وَّ أَوحَى الله إليه
الأذان، فنزل به فعَلَّمَه بلالاً. وفي إسناده طَلْحة بن زيد وهو متروك. وللدَّارَقُطنيِّ في
((الأطراف)) من حديث أنس: أنَّ جِبْريل أمر النبيَّ وَّر بالأذان حين فُرِضَت الصلاة.
وإسناده ضعيف أيضاً، ولابنٍ مَرْدويه من حديث عائشة مرفوعاً: ((لمَّا أُسريَ بي أذَّنَ
جِبْريل فظنَّت الملائكة أنَّه يُصلِّ بهم، فقدَّمَني فصلَّيت)) وفيه مَن لا يُعرَفُ. وللبَزّار
(٥٠٨) وغيره من حديث عليّ قال: لمَّا أراد الله أن يُعلِّمَ رسوله الأذان أتاه جِبْريل بدايَّةٍ
يقال لها: البُراق، فَرَكِبَها، فذكر الحديث وفيه: إذ خرج مَلَكٌّ من وراء الحِجاب(٢) فقال: الله
أكبر، الله أكبر، وفي آخره: ثمَّ أَخَذَ المَلَكُ بيدِه فأمَّ بأهل السَّماء. وفي إسناده زياد بن المنذِر
أبو الجارود، وهو متروكٌ أيضاً.
٧٩/٢ ويُمكِنُ على تقدير الصحَّة أن يُحمَلَ على تَعدُّدِ الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وأمَّا
قول القُرطبيّ: لا يَلزَم من كَوْنه سمعه ليلةَ الإسراء أن يكون مشروعاً في حَقِّه، ففيه نظرٌ،
لقوله في أوَّلِه: لمَّا أراد الله أن يُعلِّمَ رسوله الأذان. وكذا قول المحِبّ الطَّبَريّ: يُحِمَلُ الأذان
ليلة الإسراء على المعنى اللُّغَويّ وهو الإعلام، ففيه نظرٌّ أيضاً، لتصريحِه بكيفيَّتِه المشروعة
فيه، والحَقّ أنَّه لا يَصِحُّ شيء من هذه الأحاديث.
وقد جَزَمَ ابن المنذر بأنَّه ◌َ له كان يُصلِّ بغير أذان منذُ فُرِضَت الصلاة بمكَّةً إلى أن
هاجَرَ إلى المدينة، وإلى أن وقع التَّشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثمَّ
حدیث عبد الله بن زید، انتهى.
وقد حاوَلَ السُّهَيلِيُّ الجمع بينهما فتَكلَّفَ وتَعَسَّف، والأخذ بما صَحَّ أَولى، فقال بانياً
(١) في («الأوسط)) (٩٢٤٧).
(٢) في الأصلين: من الحجاب، بإسقاط كلمة ((وراء))، والمثبت من (س)، وهو الموافق لمطبوع ((مسند البزار)).

٩
باب ١ / ح ٦٠٣
أبواب الأذان
على صِحَّته(١): الحِكْمة في مجيء الأذان على لسان الصحابيّ، أنَّ النبيَّ وَ ﴿ سمعه فوقَ سبع
سَمَاوات، وهو أقوى من الوحي، فلمَّا تأخّرَ الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد
إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابيُّ المنام فقَصَّها على رسول الله بِ ◌ّهِ، فوافَقَت ما كان النبيّ
وَلَ﴿ سمعه فقال: ((إنَّها لرُؤْيا حَقّ))(٢)، وعَلِمَ حينئذٍ أَنَّ مراد الله تعالى مما أراه في السَّماء أن
يكون سُنَّةً في الأرض، وتَقَوَّى ذلك بموافقة عمر لأنَّ السَّكينة تَنطِقُ على لسانه، والحِكْمة
أيضاً في إعلام الناس به على غير لسانه وَ له، التَّنويهُ بقَدْرِهِ والرَّفع لِذِكْره بلسان غيره،
ليكون أقوى لأمرِه وأفخم لشأنِه. انتهى مُلخَّصاً.
والثاني حسنٌ بديع، ويُؤخَذ منه عَدَم الاكتفاء برُؤْيا عبد الله بن زيد حتَّى أُضيفَ عمر
للتَّقوية التي ذكرها، لكن قد يقال: فلمَ لا اقتَصَر على عمر؟ فيُمكِنُ أن يجاب: ليصيرَ في
معنى الشهادة، وقد جاءَ في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهرُه أنَّ بلالاً أيضاً رأى، لكنَّها
مُؤَوَّلة، فإنَّ لفظها: ((سبقك بها بلال))(٣)، فيُحمَل المراد بالسَّبق على مُباشَرة التأذين بُرُؤْيا
عبد الله بن زید.
ومَّا يَكثُر السُّؤال عنه: هل باشَرَ النبيّ وََّ الأَذان بنفسه؟ وقد وقع عند السُّهَيلِيِّ: أنَّ
النبيَّ نَّ أَذَّنَ في سفر وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلِهم، السَّماءُ من فوقهم والبِلَّةُ من
أسفَلِهم، أخرجه التِّرمِذيّ من طريق تَدُور على عمر بن الرَّاح يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى،
وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنَّما هو من حديث يعلى بن مُرَّةَ (٤١١)، وكذا جَزَمَ
النَّوَويّ بأنَّ النبيَّ نَّهِ أَذَّنَ مرَّةً في السفر، وعزاه للِّرمِذيِّ وقوّاه، ولكن وَجَدناه في ((مُسنَد
أحمد)) (١٧٥٧٣) من الوجه الذي أخرجه التِّرمِذيّ، ولفظه: فأمر بلالاً فأذَّن(٤) فعُرِفَ أنَّ
في رواية الثِّرمِذيّ اختصاراً، وأنَّ معنى قوله: ((أَذَّن)) أمر بلالاً به، كما يقال: أعطَى الخليفة
(١) في (س) والأصلين: صحة، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) في حديث عبد الله بن زيد، أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (١٨٩).
(٣) الصواب في الرواية كما سبق: ((سبقك بها عمر)).
(٤) بل لفظه: ((فأمر المؤذِّن فأذَّن)) ولم يسمِّه.

١٠
باب ١ / ح ٦٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
العالمَ الفلانيّ ألفاً، وإنَّما باشَرَ العطاءَ غيرُه ونُسِبَ للخليفة لگَونِهِ أَمَر به.
ومن أغرَبٍ ما وقع في بَدْء الأذان ما رواه أبو الشَّيخ بسندٍ فيه مجهول عن عبد الله بن
الزُّبَير قال: أُخِذَ الأذان من أذان إبراهيم ﴿ وَأَذِّن فِىِ النَّاسِ بِالْحَجِ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال:
فأذَّنَ رسول الله وََّ. وما رواه أبو نُعيم في ((الحِلية)) (١٠٧/٥) بسندٍ فيه مجاهيلُ: أَنَّ چِبْيل
نادى بالأذان لآدمَ حين أُهبِطَ من الجنَّة.
الفائدة الثانية: قال الَّينُ بن المنيِرِ: أعرَضَ البخاري عن التصريح بحكمِ الأذان لعَدَمِ
إفصاح الآثار الواردة فيه عن حكم مُعيَّن، فأثبَتَ مشروعيَّته وسَلِم من الاعتراض. وقد
اختُلِفَ في ذلك، ومَنشَأُ الاختلاف أنَّ مَبدَأ الأذان لمَّا كان عن مَشُورة أوقَعَها النبيُّ ◌َالـ
بين أصحابه حتَّى استقرَّ بُرُؤْيا بعضهم فأقرَّه، كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثمَّ لمَّ واظَبَ
على تقريره، ولم يُنقَل أنَّه تركَه(١) ولا رَخَّصَ في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. انتهى،
وسيأتي بقيَّةُ الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حدَّثنا عبد الوارث)) هو ابن سعيد، وخالد: هو الحَذّاءُ كما ثَبَتَ في رواية کَرِيمة،
والإسناد كلُّه بصریُّون.
٨٠/٢ قوله: ((ذَكَرُوا النَّار والنَّاقُوس فَذَكَرُوا اليهود والنَّصارى)) كذا ساقه عبد الوارث مختصراً،
ورواية عبد الوهّاب الآتية في الباب الذي بعده أوضحُ قليلاً حيثُ قال: لمَّا كَثُرَ الناس
ذَكَروا أن يُعلِموا وقت الصلاة بشيءٍ يَعرِفونه، فذكروا أن يُورُوا ناراً أو يضربوا ناقوساً،
وأوضحُ من ذلك رواية رَوْح بن عطاء عن خالد عند أبي الشَّيخ، ولفظه: فقالوا: لو اتّخذنا
ناقوساً، فقال رسول الله وَ له: ((ذلك للنَّصارى)) فقالوا: لو اتَّخَذنا بُوقاً، فقال وَّ: ((ذلك
لليهود)) فقالوا: لو رَفَعْنا ناراً، فقال ◌َّ: ((ذلك للمَجُوس))، فعلى هذا ففي رواية عبد
الوارث اختصار، كأنَّه كان فيه: ذكروا النار والناقوس والبوق فذكروا اليهود والنَّصارى
والمَجُوس، واللَّفّ والنَّشر فيه معكوس، فالنار للمَجُوسِ والناقوس للنَّصارى والبوق
(١) زاد في (س): ولا أمر بتركه.

١١
باب ١ / ح ٦٠٣
أبواب الأذان
لليهود. وسيأتي إن شاء الله تعالى في حديث ابن عمر التنصيصُ على أنَّ البوق لليهود.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن تكون النار والبوق جميعاً لليهود، جمعاً بين حديثَي أنس وابن
عمر. انتهى، ورواية رَوْحٍ تُغْني عن هذا الاحتمال.
قوله: ((فأُمِرَ بلال)» هكذا في مُعظَم الروايات على البناء للمفعول، وقد اختلف أهل
الحديث وأهل الأُصول في اقتضاء هذه الصِّيغة للرَّفع، والمختار عند مُحُقِّقي الطَّائفتَينِ أنَّها
تقتضيه، لأنَّ الظاهر أنَّ المراد بالآمرِ مَن له الأمر الشَّرعيّ الذي يَلزَم اتِّباعه، وهو الرسول
وَلّه، ويؤيِّد ذلك هنا من حيثُ المعنى أنَّ التَّقرير في العبادة إنَّما يُؤخَذ عن توقيف، فيقوى
جانب الرَّفع جدّاً. وقد وقع في رواية رَوْح بن عطاء المذكورة: فأَمَر بلالاً، بالنصب وفاعل
(أمر)) هو النبيُّ وَّه وهو بيِّنٌّ في سياقه. وأصرَحُ من ذلك رواية النَّسائيِّ (٦٢٧) وغيره
عن قُتيبة عن عبد الوهّاب بلفظ: أنَّ النبيَّ وَّ أمر بلالاً، قال الحاكم: صَرَّحَ برفعِه إمام
الحديث بلا مُدافَعة قتيبةُ.
قلت: ولم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عَوَانة (٩٥٦) من طريق عَبْدان المَرَوَزيِّ ويحيى
ابن مَعِين كلاهما عن عبد الوهّاب(١)، وطريق يحيى عند الدَّارَقُطنيّ (٩٢٥) أيضاً، ولم ينفرد
به عبد الوهّاب. وقد رواه البَلاذُريُّ من طريق أبي شهاب الخَنَّاط عن أبي قلابةَ. وقضيَّة
وقوع ذلك عَقِبَ المشاورة في أمر النِّداء إلى الصلاة ظاهر في أنَّ الآمِرَ بذلك هو النبيُّ ◌َل
لا غيره، كما استدلَّ به ابن المنذر وابن حِبَّان، واستدلَّ بُرودِ الأمر به من قال بوجوب
الأذان. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأمر إنما وَرَدَ بصفة الأذان لا بنفسه، وأُجيبَ بأنَّه إذا ثَبَتَ الأمر
بالصِّفة لَزِمَ أن يكون الأصل مأموراً به، قاله ابن دقيق العيد.
ومَّن قال بوجوبه مُطلَقاً الأوزاعيُّ وداودُ وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في
((الموطَّ))، وحُكي عن محمد بن الحسن، وقيل: واجب في الجمعة فقط، وقيل: فرضُ كِفاية،
والجمهور على أنَّه من السُّنَن المؤكَّدة، وقد تقدَّم ذِكرُ مَنشَأ الخلاف في ذلك، وأخطأ مَن
(١) تحرف هذا الإسناد في (س) إلى: من طريق مروان المروزي عن قتيبة ويحيي بن معين كلاهما عن عبد الوهاب.

١٢
باب ١ / ح ٦٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
استدلَّ على عَدَم وجوبه بالإجماع لما ذكرناه، والله أعلم.
٦٠٤- حدَّثنا محمودُ بنُ غَيْلان، قال: حدّثنا عبدُ الرزّاق، قال: أخبرنا ابنُ جُرَیج، قال:
أخبرني نافعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ كان يقول: كان المسلمونَ حينَ قَدِمُوا المدينةَ يَجْتَمِعُونَ فِيَتَحْيَّنُونَ
الصلاةَ، ليس يُنادى لها، فتكلَّموا يوماً في ذلك، فقال بعضُهم: انَّخِذُوا ناقُوساً مثلَ ناقُوسٍ
النَّصارى، وقال بعضُهم: بل بُوقاً مثلَ قَرْن اليهودِ، فقال عمرُ: أوَلَا تَبْعَثُونَ رجلاً يُنادي
بالصلاةِ؟ فقال رسولُ الله وَالَ: ((يا بلالُ، قُمْ فنادِ بالصلاةِ».
قوله: ((أنَّ ابن عمر كان يقول)) في رواية مسلم (٣٧٧): عن عبد الله بن عمر أنَّه قال.
قوله: ((حين قَدِمُوا المدينة)) أي: من مكَّةَ في الهجرة.
قوله: ((فيَتَحَيَّنونَ)) بحاءٍ مُهمَلة بعدها مثنَّةٌ تحتانيَّةٌ ثمَّ نونٌ، أي: يُقدِّرون أحيانها ليأتوا
إليها، والحِينُ: الوقتُ والزمانُ.
قوله: ((ليس يُنادَى لها)) بفتح الدّال على البناء للمفعول، قال ابن مالك: فيه جواز
استعمال ((ليس)) حرفاً لا اسمٌ لها ولا خبرٌّ، وقد أشارَ إلیه سيبويه.
ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشَّأن والجملة بعدها خبر. قلت: ورواية مسلم تؤيّد
ذلك، فإنَّ لفظه: ليس ينادي بها أحدٌ.
قوله: ((فتكلَّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: الَّخِذُوا)» لم يقعْ لي تعيين المتكلِّمينَ في ذلك،
واختُصر الجواب في هذه الرواية، ووقع لابنٍ ماجَهْ (٧٠٧) من وجه آخرَ عن ابن عمر: أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ استشارَ الناس لما يجمعُهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكّرِهَه من أجل اليهود،
ثمَّ ذكروا الناقوسَ، فكَرِهَه من أجل النَّصارى، وقد تقدَّمت رواية رَوْح بن عطاء نحوه.
وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشَّيخ، وعن أبي عُمَير بن أنس عن عمومته عند
سعید بن منصور(١).
(١) كذا عزاه هنا إلى سعيد بن منصور، ولم نقف عليه في المطبوع منه، وفاته أن يعزوه إلى أبي داود، مع أنه
سیعزوه إليه قريباً. وهو فيه برقم (٤٩٨).

١٣
باب ١ / ح ٦٠٤
أبواب الأذان
قوله: ((بل بُوقا) أي: بل اتَّخِذوا بوقاً، ووقع في بعض النسخ: ((بل قَرنا) وهي رواية ٨١/٢
مسلم (٣٧٧) والنَّسائيِّ (٦٢٦)، والبُوق والقَرْن معروفان، والمراد أنَّه يُنفَخُ فيه، فيجتمعون
عند سماع صوته، وهو من شِعار اليهود، ويُسمَّى أيضاً: الشَّبُّور، بالشّينِ المعجَمة المفتوحة
والموحّدة المضمومة الثَّقيلة.
قوله: ((فقال عمر: أوَلا)) الهمزة للاستفهام والواو للعطفِ على مُقدَّر كما في نظائره، قال
الطِّيبيُّ: الهمزة إنكار للجملة الأولى، أي: المقدَّرة، وتقرير للجملة الثانية.
قوله: ((رجلاً) زاد الگُشْمِیھنيُّ: منکم.
قوله: ((يُنادِي)) قال القُرطبيّ: يحتمل أن يكون عبدُ الله بن زيد لمَّا أخبر بُرُؤْياه وصَدَّقَه
النبيّ وَّةِ، بادرَ عمر فقال: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي؛ أي: يؤذِّن، للرُّؤيا المذكورة، فقال النبيّ
وَلَّه: ((قُم يا بلالُ))، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير:
فافتَرَقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاءَ إلى النبيِّ ◌َّ فِقَصَّ عليه فصَدَّقَه، فقال عمر.
قلت: وسياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإنَّ فيه: أنَّه لمَّا قَصَّ رُؤْياه على
النبيّ ◌َ له قال له: أَلِقِها على بلال فليؤذِّن بها، قال: فسمع عمرُ الصوتَ، فخرج فأتى النبيّ
وَ لَه فقال: لقد رأيت مثلَ الذي رأى، فدلَّ على أنَّ عمر لم يكن حاضراً لمَّا قَصَّ عبد الله بن
زيد رُؤْياه. والظاهر أنَّ إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عَقِبَ المشاورة فيما
يفعلونه، وأنَّ رُؤْيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم.
وقد أخرج أبو داود (٤٩٨) بسندٍ صحيح إلى أبي عُمَير بن أنس عن عمومته من الأنصار
قالوا: اهْتَمَّ النبيّ ◌َّه للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل: انصبْ راية عند حضور وقت
الصلاة، فإذا رَأوها آذَنَ بعضُهم بعضاً، فلم يُعجِبه، الحديث، وفيه: ذكروا القُنْعَ - بضمِّ
القاف وسكون النُّون يعني: البوق - وفكروا الناقوس، فانصَرَفَ عبد الله بن زيد وهو مُهتَمٌّ
فأُريَ الأذان، فغَدَا على رسول الله وَ ﴿، قال: وكان عمر رآه قبلَ ذلك فَكَتَمَه عشرين يوماً،
ثُمَّ أخبر به النبيَّ ◌َّه فقال: ((ما مَنَعَك أن تُخْبِرَني؟)) قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستَحيَيَت،

١٤
باب ١ / ح ٦٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
فقال رسول الله وَله: ((يا بلال، قُم فانظُر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعَلْه))، تَرجَمَ له أبو
داود: ((بَدْء الأذان))، وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ: روى قصَّة عبد الله بن زيد جماعة من
الصحابة بألفاظٍ مختلفة، ومَعانٍ مُتقارِبة، وهي من وجوه حِسانٍ، وهذا أحسنُها.
قلت: وهذا لا يخالفُه ما تقدَّم أنَّ عبدَ الله بن زيد لمَّا قَصَّ مَنامَه فسمع عمر الأذان
فجاءَ فقال: قد رأيت، لأنَّه يُحمَل على أنَّه لم يخبر بذلك عَقِبَ إخبار عبد الله، بل كان
مُتَراخياً عنه لقوله: ((ما مَنَعَك أن تُخْبِرَنا؟)) أي: عَقِبَ إخبار عبد الله، فاعتَذَرَ بالاستحياء،
فدلَّ على أنَّه لم يخبر بذلك على الفَوْر، وليس في حديث أبي عُمَير التصريح بأنَّ عمر كان
حاضراً عند قَصِّ عبد الله رُؤْياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذكر بها (١): فسمع عمرُ
الصوت فخرج فقال، فإنَّه صريح في أنَّه لم يكن حاضراً عند قَصِّ عبد الله، والله أعلم.
قوله: ((فنادٍ بالصلاة)) في رواية الإسماعيليّ: ((فأذِّن بالصلاة)) قال عياضٌ: المراد الإعلام
المحضُ بحضور وقتها، لا خصوصُ الأذان المشروع. وأغرَبَ القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ
فحمل قوله: ((أَذِّن)) على الأذان المشروع، وطَعَنَ في صِحَّة حديث ابن عمر، وقال: عَجَباً
لأبي عيسى كيف صحَّحه، والمعروف أنَّ شرعَ الأذان إنَّما كان برُؤْيا عبد الله بن زيد.
انتهى، ولا تُدفَعُ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدَّمناه، وقد قال ابن
مَندَهُ(٢) في حديث ابن عمر: إنَّه مُجمَعٌ على صِخَّته.
قوله: ((يا بلال قُم)) قال عياض وغيرُه: فيه حُجَّةٌ لشرع الأذان قائماً.
قلت: وكذا احتَجَّ به ابن خُزَيمة وابن المنذر، وتعقَّبه النَّوَويّ بأنَّ المراد بقوله: ((قُمْ))
أي: اذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرُّضُ
للقيام في حال الأذان. انتهى، وما نَفاه ليس ببعيدٍ من ظاهر اللَّفظ، فإنَّ الصِّيغةَ مُحتمِلةٌ
للأمرَين، وإن كان ما قاله أرجح(٣). ونقل عياض أنَّ مذهبَ العلماء كافَّةً أنَّ الأذان قاعداً
(١) في (ع): ذكرتها.
(٢) تحرف في (أ) إلى: ابن المنذر.
(٣) قوله: ((وإن كان ما قاله أرجح)) من (س) وحدها، وليس في (أ) و(ع).

١٥
باب ١ / ح ٦٠٤
أبواب الأذان
لا يجوز، إلَّا أبا ثورٍ ووافَقَه أبو الفرج المالكيّ. / وتُعُقِّبَ بأنَّ الخلاف معروف عند ٨٢/٢
الشافعيَّة، وبأنَّ المشهور عند الحنفيَّة كلهم أنَّ القيام سُنَّة، وأنَّه لو أذَّنَ قاعداً صَحَّ،
والصواب ما قال ابن المنذر: إنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ القيام من السُّنَّة.
فائدة: كان اللَّفظ الذي ينادي به بلال للصلاة قوله: ((الصلاةَ جامعةً)) أخرجه ابن
سعد في ((الطبقات)) (٢٤٦/١ -٢٤٧) من مراسيل سعيد بن المسيّب. وظَنَّ بعضهم أنَّ
بلالاً حينئذٍ إِنَّمَا أُمِرَ بالأذان المعهود، فذكر مُناسَبة اختصاص بلال بذلك دون غيره لگونِه
كان لمَّا عُذِّبَ لَيَرجِعَ عن الإسلام يقول: أحدٌ أحدٌ، فجُوزيَ بولاية الأذان المشتملة على
التوحيد في ابتدائه وانتهائه(١)، وهي مُناسَبةٌ حسنةٌ في اختصاص بلال بالأذان، إلَّ أنَّ هذا
الموضع ليس هو محلَّها.
وفي حديث ابن عمر دليل على مشروعيَّة طلبِ الأحكام من المعاني المستنبَطَة دون
الاقتصار على الظَّواهر. قاله ابن العربي، وعلى مُراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنَّه لمَّا
شَقَّ عليهم التَّبكيرُ إلى الصلاة فتَفُوتهم أشغالهم، أو التأخير فيَفُوتهم وقتُ الصلاة، نَظَروا
في ذلك. وفيه مشروعيَّة التّشاور في الأُمور المهمَّة، وأنَّه لا حَرَجَ على أحدٍ من المتشاوِرين
إذا أَخبر بما أدَّى إليه اجتهاده. وفيه مَنِقِبةٌ ظاهرة لعمر.
وقد استُشكِلَ إثباتُ حكم الأذان بُرُؤْيا عبد الله بن زيد، لأنَّ رُؤْيا غير الأنبياء لا ينبني
عليها حكمٌ شرعي، وأُجيبَ باحتمال مُقارَنة الوحي لذلك، أو لأنَّه وَِّ أمر بمُقتَضاها
لِيَنظُرَ أيُقَرُّ على ذلك أم لا، ولا سيّما لمَّا رأى نظمَها يَبعُدُ دخولُ الوَسْواس فيه، وهذا
ينبني على القول بجواز اجتهاده وَ له في الأحكام، وهو المنصور في الأُصول، ويؤيِّد الأوَّل
ما رواه عبد الرزاق (١٧٧٥) وأبو داود في ((المراسيل)) (٢٠) من طريق عبيد بن عُمَيرٍ
الليثيِّ أحدِ كبار التابعين: أنَّ عمر لمَّا رأى الأذان جاءَ ليخبرَ به النبيَّ ◌ََّ، فَوَجَدَ الوحي
(١) ولأنه كان أنْدى صوتاً، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان في نومه، عند أحمد
(١٦٤٧٨)، وأبي داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، والترمذي (١٨٩)، وإسناده حسن.

١٦
باب ٢ / ح ٦٠٥ - ٦٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
قد وَرَدَ بذلك، فما راعَهُ إلَّا أذانُ بلال، فقال له النبيُّ ◌َلِّ: ((سبقك بذلك الوحي))، وهذا
أصحّ ممّا حكى الدَّاوودُّ عن ابن إسحاق: أنَّ حِبْريل عليه السلام أتى النبيَّ ◌َّ بالأذان
قبلَ أن يخبرَه عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيّام، وأشارَ السُّهَيلِيُّ إلى أنَّ الِحِكْمة في ابتداء
شَرْعِ الأذان على لسان غير النبيّ وَِّ التَّنويه بعُلوِّ قَدْره على لسان غيره ليكون أفخَمَ لشأنِه،
والله أعلم.
٢ - باب الأذان مثنی
٦٠٥ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن سِماكِ بنِ عَطِیة، عن أيوب،
عن أبي قلابة، عن أنسٍ، قال: أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشفَعَ الأذانَ، وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ إِلَّ الإقامةَ.
٦٠٦- حدَّثنا محمَّدٌ، هو ابنُ سَلَام، قال: حدثني عبدُ الوهَّاب الثَّقَفيُّ، قال: حدثنا خالدٌ
الحَذّاءُ، عن أبي قِلَابة، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: لمَّا كَثُرَ النَّاسُ قال: ذَكَرُوا أَنْ يُعلِمُوا وقتَ
الصلاة بشيءٍ يَعرِفُونه، فذَكَرُوا أَنْ يُورُوا ناراً أو يَضْرِبُوا ناقُوساً، فأُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ
وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ.
قوله: ((باب الأذان مَثْنِى)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: ((مَثنَى مَثنَى)) أي: مرَّتَينِ مرَّتَين، ومَثنَی
معدول عن اثنين اثنين، وهو بغير تنوين، فتُحمَلُ رواية الكُشْمِيهنيِّ على التَّوكيد، لأنَّ
الأوَّل يُفيد تثنية كلّ لفظ من ألفاظ الأذان، والثاني يُؤكِّد ذلك.
فائدة: ثَبَتَ لفظ هذه الترجمة في حديث لابنِ عمر مرفوع أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في
((مسنده)) (٢٠٣٥) وقال فيه: ((مَثْنَى مَثنَى)) وهو عند أبي داود (٥١٠) والنَّسائيِّ (٦٢٨)،
وصحَّحه ابن خُزيمة (٣٧٤) وغيرُه من هذا الوجه، لكن بلفظ: ((مَرَّتَيْنِ مرَّتَين)).
قوله: ((عن ◌ِماكِ بنِ عَطيَّةً)) هو بصريٌّ ثقةٌ، روى عن أيوب وهو من أقرانه، وقد روى
حمّاد بن زيد عنهما جميعاً، وقال: ماتَ سِماكٌ قبلَ أيوب، ورجال إسناده كلهم بصريُّون.
٨٣/٢ قوله: ((أنْ يَشِفَع)) بفتح أوَّله وفتح الفاء، أي: يأتي بألفاظِهِ شَفْعاً، قال الزّينُ بن المنيِر:

١٧
باب ٢ / ح ٦٠٥ - ٦٠٦
أبواب الأذان
وصفُ الأذان بأنَّه شَفْعٌ يُفسِّرُه قوله: ((مَثنَى مَثْنَى)) أي: مرَّتَينِ مرَّتَينٍ، وذلك يقتضي أن
تَستَويَ جميعُ ألفاظه في ذلك، لكن لم يُخْتَلَف في أنَّ كلمة التوحيد التي في آخره مُفرَدةٌ
فيُحمَلُ قوله: ((مَثنَى)) على ما سواها، و کأنَّه أراد بذلك تأكید مذهبه في تركٍ تربيع التکبیر
في أوَّلِه، لكن لمن قال بالتَّربيعِ أن يَدَّعَيَ نَظِيرَ ما ادَّعاه لثبوتِ الخبر بذلك، وسيأتي في
الإقامة توجيةٌ يقتضي أنَّ القائل به لا يحتاج إلى دعوى التَّخصيص.
قوله: ((وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ إلّ الإقامةَ)) المراد بالمنفيِّ غيرُ المراد بالمثبَت، فالمراد بالمثبَتِ جميعُ
الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفيِّ خصوص قوله: ((قد قامت
الصلاة)) كما سيأتي ذلك صريحاً. وحَصَلَ من ذلك جِناسٌ تامٌّ.
تنبيه: اذَّعَى ابن مَندَهْ أنَّ قوله: ((إلَّا الإقامةَ)) من قول أيوبَ غيرُ مُسنَدٍ كما في رواية
إسماعيل بن إبراهيم، وأشارَ إلى أنَّ في رواية سِماك بن عَطيَّةَ هذه إدراجاً، وكذا قال أبو
محمد الأَصِيليُّ: قوله: ((إلَّا الإقامة)) هو من قول أيوبَ وليس من الحديث. وفيما قالاه نظرٌ،
لأنَّ عبد الرزاق رواه عن مَعمَر عن أيوبَ بسنده متصلاً بالخيرِ مُفسَّراً، ولفظه: كان بلال
يُئِنِّي الأذان ويُوتِرُ الإقامة، إلَّا قوله: قد قامت الصلاة، أخرجه أبو عوانة في ((صحیحه))
(٩٥٤) والسرَّاجُ في («مسنده)) (٤٢)، وكذا هو في ((مصنَّفَ عبد الرزاق)) (١٧٩٤)،
وللإسماعيليِّ من هذا الوجه: ((ويقول: قد قامت الصلاة مرَّتَين))، والأصل أنَّ ما كان في
الخبر فهو منه حتَّى يقومَ دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل، لأنَّه إنَّما يَتَحَصَّل
منها أنَّ خالداً کان لا یذکُر الزیادةَ و کان أیوب یَذگُها، و ◌ُلٌّ منهما روی الحديث عن أبي
قِلابةَ عن أنس، فكان في رواية أيوبَ زيادةٌ من حافظ فتُقبَلُ، والله أعلم.
وقد استُشكِلَ عَدَمُ استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعيَّة بأنَّ الَّثنية في
تكبير الإقامة بالنّسبة إلى الأذان إفراد، قال النَّوَويّ: ولهذا يُستَحبُّ أن يقول المؤذِّنُ كلّ
تكبيرتَينِ بنَفَسٍ واحدٍ. قلت: وهذا إنَّما يتأتَّى في أوَّل الأذان لا في التكبير الذي في آخره،
وعلى ما قال النَّوَويّ ينبغي للمؤذِّنِ أن يُفرِدَ كلَّ تكبيرة من اللَّتين في آخره بنَفَس، ويظهر

١٨
باب ٣ / ح ٦٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
بهذا التَّقرير ترجيح قول مَن قال بتربيع التكبير في أوَّله على مَن قال بتثنيَتِه، مع أنَّ لفظ
((الشَّفع)) يتناول التَّثنية والتَّربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما
يوهمُه كلامُ ابن بَطَّالٍ. وأمَّا الترجيح في التشهُّدَينِ فالأصحّ في صورته أن يشهدَ
بالوحدانيَّة ثِنْتَينِ، ثمَّ بالرِّسالة ثِنَتَينِ، ثمَّ يَرجع فيشهد كذلك، فهو وإن كان في العدد مُربَّعاً
فهو في الصورة مثنى، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد، هو ابن سَلَام)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وأهمَلَه الباقون.
قوله: ((حدَّثني عبد الوهّاب النَّقَفيّ)) في رواية كَرِيمة: أخبرنا، وفي رواية الأَصِيلِّ.
حدَّثنا، وليس في رواية كَرِيمة: الثَّقَفي.
قوله: ((حدَّثنا خالد)) كذا لأبي ذرٍّ والأَصِيلي، ولغير هما: أخبرنا.
قوله: ((قال: لمَّا كَثُرَ النَّاس، قال: ذَكَرُوا))، ((قال)) الثانية زائدة، ذُكِرَت تأكيداً.
قوله: ((أنْ يُعلِمُوا)) بضمٍّ أوَّله من الإعلام، وفي رواية كَرِيمة بفتح أوَّلِه من العِلم.
قوله: ((أنْ يُورُوا ناراً) أي: يُوقِدوها، يقال: وَرَى الَّندُ: إذا خرجت ناره، وأورَيتُه:
إذا أخرجتَه. ووقع في رواية مسلم (٣/٣٧٨): ((أن يُنوِّروا ناراً)) أي: يُظهِروا نورها.
والناقوس: خشبة تُضرَبُ بخشبةٍ أصغر منها، فَيَخرُج منهما صوت، وهو من شِعار
النَّصارى.
قوله: ((وأنْ يُوتِر الإقامة)) احتَجَّ به مَن قال بإفراد قوله: ((قد قامت الصلاة))، والحديث
الذي قبله حُجَّة عليه لما قدَّمناه، فإن احتَجَّ بعملِ أهل المدينة، عُورِضَ بعملِ أهل مكَّة،
ومعهم الحديث الصحيح.
٣- باب الإقامة واحدةً إلا قوله: قد قامت الصلاة
٦٠٧- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا خالدٌ، عن أبي قلابة،
عن أنسٍ، قال: أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ وأنْ يُوتِرَ الإقامةَ.

١٩
باب ٣ / ح ٦٠٧
أبواب الأذان
قال إسماعيلُ: فذكرتُ لأيوب، فقال: إِلَّ الإقامةَ.
قوله: ((باب الإقامة واحدةً)) قال الزَّين بن المنيِّر: خالَفَ البخاري لفظ الحديث في ٨٤/٢
الترجمة فعَدَلَ عنه إلى قوله: ((واحدة)) لأنَّ لفظ الوتر غير مُنحَصِر في المرّة، فعَدَلَ عن لفظٍ
فیه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه.
قلت: وإنَّما لم يقل: واحدةً واحدةً، مُراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن
حِبَّان (٦٧٧) في حديث ابن عمر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه: «الأذان مَثنَى،
والإقامة واحدة))، وروى الدَّارَقُطْنيُّ وحَسَّنَه في حديث لأبي محذورة: وأمره أن يُقيم
واحدةً واحدةً(١).
قوله: ((إلّا قوله: قد قامَتِ الصلاةُ)) هو لفظ مَعمَر عن أيوب كما تقدَّم قبلُ، واعتَرَضَه
الإسماعيليّ بأنَّ إيراد حديث سِماك بن عَطيَّة في هذا الباب أَوْلى من إيراد حديث ابن عُليَّة،
والجواب أنَّ المصنّف قَصَدَ رفعَ وَهْم مَن يَتَوَهَّم أنَّه موقوف على أيوب، لأنَّه أورَدَه في مَقام
الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعاً لم يَتَجَّ به.
قوله: ((حدَّثْنا خالد)) هو الخَذّاءُ كما تقدَّم، والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: ((قال إسماعيل)) هو ابن إبراهيم المذكور في أوَّل الإسناد، وهو المعروف بابنِ
عُليَّة، وليس هو مُعلَّقاً.
قوله: ((فذكرتُ)) كذا للأكثر بحَذْف المفعول، وللكُشْمِيهنيّ والأَصِيليِّ: ((فذَکَرته)» أي:
حديث خالد، وهذا الحديث حُجَّة على مَن زَعَمَ أنَّ الإقامة مَثنَى مثلُ الأذان. وأجاب
بعض الحنفيّة بدعوى النَّسخ، وأنَّ إفراد الإقامة كان أوَّلاً ثمَّ نُسِخَ بحديث أبي محذورة،
يعني الذي رواه أصحاب السُّنَن(٢)، وفيه تثنية الإقامة، وهو مُتأخِّر عن حديث أنس
(١) أخرجه الدار قطني (٩٠٨) ولم يعلق عليه. قلنا: وإسناده ضعيف لجهالة إبراهيم بن أبي محذورة، ثم
هومخالف لما صحَّ في السنن عنه كما سيأتي.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٢)، والترمذي (١٩٢)، والنسائي (٦٣١)، وابن ماجه (٧٠٩). واختصره الترمذي.
:

٢٠
باب ٤ / ح ٦٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
فيكون ناسخاً. وعُورِضَ بأنَّ في بعض طرق حديث أبي محذورةَ المحسّنة التَّربيعَ والترجيعَ،
فكان يَلْزَمُهم القول به، وقد أنكَرَ أحمد على مَن اذَّعَى النَّسخ بحديث أبي محذورةً، واحتَجَّ
بأنَّ النبيَّ ◌َله رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقرَّ بلالاً على إفراد الإقامة، وعَلِمَه سعدٌ القَرَظُ
فأذَّنَ به بعده، كما رواه الدَّارَ قُطنيُّ (٩٠٦) والحاكم (٦٠٧/٣ -٦٠٨)، وقال ابن عبد البَرِّ:
ذهب أحمد وإسحاق وداودُ وابن جَرِير إلى أنَّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربَّعَ التكبير
الأوَّل في الأذان، أو ثَّه، أو رَجَّعَ في التشهُّد أو لم يُرجِّع، أو ثَنَّى الإقامة أو أفرَدَها كلَّها أو
إلَّا ((قد قامت الصلاة)، فالجميع جائز. وعن ابن خُزَيمة: إن ربَّعَ الأذان ورَجَّعَ فيه ثَنَّی
الإقامة وإلَّ أفرَدَها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحدٌ قبلَه، والله أعلم.
فائدة: قيل: الحِكْمةُ في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أنَّ الأذان لإعلام الغائبينَ، فيُكرَّرُ
ليكون أوصَلَ إليهم، بخلاف الإقامة فإنَّها للحاضرين، ومن ثَمَّ استُحِبَّ أن يكون الأذان
في مكان عالٍ بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفَعَ منه في الإقامة، وأن
يكون الأذان مُرتَّلاً والإقامة مُسرَّعةً، وكُرِّرَ ((قد قامت الصلاة)) لأنَّها المقصودة من
الإقامة بالذّات.
قلت: هذا توجيه ظاهر، وأمَّا قول الخطَّابيّ: لو سَوَّى بينهما لا شتبه الأمر في ذلك وصار
سبباً(١) لأن تفوتَ كثيراً من الناس صلاةُ الجماعة. ففيه نظرٌ، لأنَّ الأذان يُستَحبّ أن يكون
على مكان عالٍ لتَشتَرِكَ الأسماع كما تقدَّم، وقد تقدَّم الكلام على تثنية التكبير، وتُؤْخَذ
حِكْمة الترجيع ممَّا تقدَّم، وإنَّما اختُصَّ بالتشهُّدِ لأنَّه أعظمُ ألفاظ الأذان، والله أعلم.
٤- باب فضل التأذين
٦٠٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((إذا نُودِيَ للصلاةِ أدَبَرَ الشيطانُ له ضُراطٌ حتَّى لا يسمعَ
التأذِين، فإذا قُضِيَ النِّدَاءُ أقبَلَ حتَّى إذا نُوِّبَ بالصلاة أدبَرَ، حتَّى إذا قُضِيَ التَّويبُ أقبَلَ، حتَّى
(١) كلمة ((سبباً)) سقطتْ من الأصلين و(س)، وأثبتناها من ((أعلام الحديث)) للخطابي ١ / ٤٥٧.