Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب ١٤ / ح ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
روايةَ الجماعة وَهْمٌ؟ بل إن سَلَّمْنا أنَّهَا وَهْم فهو من مالكٍ، كما جَزَمَ به البَزّارُ والدَّارَ قُطْنيّ
ومَن تبعهما، أو من الزُّهْريِّ حين حدَّثه به، والأَولِى سُلوكُ طريق الجمع التي أوضحناها،
والله الموفِّق.
قال ابن رُشَيد: قَضَى البخاريُّ بالصواب لمالكِ بأحسن إشارةٍ وأوجَزِ عِبارة، لأنَّ قَدَّمَ
أوَّلاً المجمَلَ، ثمَّ أتبَعَه بحديث مالكِ المفسَّرِ المعيَّن.
تنبيه: قُباءٌ تقدَّم ضبطُها في ((باب ما جاء في القِبْلة)) (٤٠٣).
قوله: ((إلى قُباءٍ: فيأتيهم)) أي: أهلَ قُباءٍ، وهو على حَدِّ قوله تعالى: ﴿ وَسْئَلِ اُلْفَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]، والله أعلم.
تنبيه: قال النَّوويُّ: في هذا الحديث المبادرةُ بصلاة العصر في أوَّل وقتها، لأنَّه لا يمكن
أنْ يذهبَ بعد صلاة العصر ◌ِيلَينِ أو أكثر والشمسُ لم تَتغيَّر، ففيه دليلٌ للجُمْهور على أنَّ
أوَّلَ وقت العصر مَصِيرُ ظِلِّ كلِّ شيءٍ مِثلَه خلافاً لأبي حنيفة. وقد/ مضى ذلك في الباب ٣٠/٢
الذي قبله.
١٤ - باب إثم من فاتَتْه صلاةُ العصر
٥٥٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ
رسولَ اللهِوَّ قال: ((الَّذِي تَقُوتُه صلاةُ العصرِ، فكَأنّما وُتِرَ أهلَه ومالَه)).
قوله: ((بابُ إِثْمِ مَن فاتَتْه صلاةُ العصر)) أشارَ المصنّف بذِكْر الإثم إلى أنَّ المراد
بالفَوَات تأخيرُها عن وقت الجواز بغير عُذْر، لأنَّ الإثمَ إنَّما يَترتَّبُ على ذلك، وسيأتي
البحثُ في ذلك.
قوله: ((الَّذِي تَفُوتُه)) قال ابن بَزِيزة: فيه رَدٌّ على مَن كَرِهَ أنْ يقول: فاتَتْنا الصلاة. قلت:
وسيأتي الكلامُ على ذلك في بابٍ مُفرَدٍ في صلاة الجماعة (٦٣٥).
قوله: ((صلاةُ العصرِ فكَأَنَّم)) كذا للكُشْمِيهَني، وسَقَطَ للأكثر لفظُ ((صلاة)) والفاءُ من
قوله: ((فكأنّما)».

٥٢٢
باب ١٤ / ح ٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وُتِرَ أهلَه)) هو بالنصب عند الجُمْهور على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لوُتِر، وأُضمِرَ في ◌ُتِرَ
مفعولٌ لم يُسمَّ فاعلُه وهو عائدٌ على: الذي فاتَتْه، فالمعنى: أُصيبَ بأهله وماله، وهو مُتَعدِّ
إلى مفعولين، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وإلى هذا أشارَ المصنّف
فیما وقع في رواية المُستَمْلي قال: قال أبو عبد الله: ﴿ یَتِكُمْ﴾، انتھی.
وقيل: وُتِرَ هنا بمعنى: نُقِص، فعلى هذا يجوز نصبُه ورفعُه، لأنَّ مَن رَدَّ النَّقْصَ إلى
الرجل نَصَبَ وأضمرَ ما يقومُ مقامَ الفاعل، ومَن رَدَّه إلى الأهل رَفَع.
وقال القُرْطبيُّ: يُروَى بالنصب على أنَّ ((وُتِر)) بمعنى: سُلِب، وهو يَتعدَّى إلى
مفعولَين، وبالرفع على أنَّ (وُتِرِ)) بمعنى: أُخِذ، فيكونُ ((أهلُه)) هو المفعولُ الذي لم يُسمَّ
فاعلُه.
ووقع في رواية المُستَمْلي أيضاً: وَتَرتُ الرجلَ: إذا قتلتَ له قتيلاً أو أخَذْتَ مالَه.
وحقيقةُ الوَتْرِ كما قال الخليلُ: هو الظلمُ في الدَّم، فعلى هذا فاستعمالُه في المال مَجَاز، لكنْ
قال الجَوْهَريُّ: الموتورُ هو الذي قُتِلَ له قتيلٌ فلم يُدرَكْ بدمِه، تقول منه: وُتِرَ، وتقول
أيضاً: وَتَرَه حقَّه، أي: نَقَصَه.
وقيل: الموتورُ: مَن أُخِذَ أهلُه أو مالُه وهو يَنظُر، وذلك أشَدُّ لغَمِّه، فوقع التشبيه بذلك
لمن فاتَّتْه الصلاةُ، لأنَّه يَجَتمِعُ عليه غَّان: غَمُّ الإثم، وغَمُّ فَقْدِ الثَّواب، كما يَجتمِعُ على
الموتور غَمَّن: غَمُّ السَّلْب، وَغَمُّ الطَّلَب بالثَّأْر.
وقيل: معنى وُتِرِ: أُخِذَ أهلُه ومالُه فصارَ وِتْراً، أي: فَرْداً، ويؤيِّدُ الذي قبلَه روايةُ أبي
مسلم الكَجِّيٍّ من طريق ◌َّاد بن سَلَمةَ عن أيوبَ عن نافع فذكر نحوَ هذا الحديث، وزاد
في آخرِه: ((وهو قاعدٌ)).
وظاهرُ الحديث التغليظُ على مَن تَفوتُه العصرُ، وأنَّ ذلك مُختصُّ بها، وقال ابن
عبد البَر: يحتمل أنْ يكون هذا الحديثُ خرج جواباً لسائلٍ سأل عن صلاة العصر
فأُجيب، فلا يَمنَعُ ذلك إلحاقَ غيرها من الصَّلَوات بها. وتَعقَّبَه النَّوويُّ بأنَّهِ إِنَّما يُلحَقُ غيرُ

٥٢٣
باب ١٤ / ح ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
المنصوصِ بالمنصوص إذا عُرِفَت العِلَّةُ واشتركا فيها، قال: والعِلةُ في هذا الحُكْم لم تَتحقَّق،
فلا يَلتَحِقُ غيرُ العصر بها. انتهى، وهذا لا يَدِفَعُ الاحتمال، وقد احتَجَّ ابن عبد البَرِّ بما
رواه ابن أبي شَيْبة (٣٤٢/١) وغيره من طريق أبي قِلابةَ عن أبي الدَّرْداء مرفوعاً: ((مَن تركَ
صلاةً مكتوبةً حتَّى تَفُوتَه)) الحديث. قلت: وفي إسناده انقطاعٌ، لأنَّ أبا قِلابةَ لم يسمع من
أبي الدَّرْداء، وقد رواه أحمدُ (٢٧٤٩٢) من حديث أبي الدَّرداء بلفظ: ((مَن تركَ العصر))
فَرَجَعَ حديثُ أبي الدَّرْداء إلى تعيين العصر.
وروى ابن حِبَّانَ (١٤٦٨) وغيرُه من حديث نَوفَل بن معاويةَ مرفوعاً: ((مَن فاتَتْه
الصلاةُ فكأَنَّمَا وُتِرَ أهله وماله))، وهذا ظاهرُه العمومُ في الصَّلَوات المكتوبات، وأخرجه
عبدُ الرزاق (٢٢٢٠) من وجهٍ آخرَ عن نَوفَلٍ بلفظ: ((لَأنْ يُوتَرَ أحدُكم أهله وماله، خيرٌ
له/ من أنْ يَفُوتَه وقتُ صلاة)) وهذا أيضاً ظاهرُه العموم، ويُستَفادُ منه أيضاً ترجيحُ توجيه ٣١/٢
رواية النصب المصدَّرِ بها، لكنَّ المحفوظَ من حديث نَوفَلِ بلفظ: ((من الصَّلَوات صلاةٌ مَن
فاتَّتْه فكأنَّما وُتِرَ أهلَه ومالَه)) أخرجه المصنّف في علامات النُّبَوَّة (٣٦٠٢) ومسلمٌ أيضاً
(١١/٢٨٨٦) والطَّرانيُّ وغيرُهم، ورواه الطَّبرانُّ من وجهٍ آخرَ وزاد فيه عن الزُّهْري:
قلت لأبي بكرٍ - يعني ابنَ عبد الرحمن وهو الذي حدَّثه به -: ما هذه الصلاةُ؟ قال:
العصر (١). ورواه ابن أبي خَيْثَمةَ(٢) من وجهٍ آخرَ فصَرَّحَ بكَوْنها العصرَ في نفس الخبر،
والمحفوظُ أنَّ كَوْنَها العصرَ من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن، ورواه الطَّحاويُّ والبيهقيُّ
(٤٤٥/١) من وجهٍ آخرَ وفيه أنَّ التفسيرَ من قول ابن عمر، فالظاهرُ اختصاصُ العصر
بذلك، وسيأتي تقريرُه في الكلام على الحديث الذي بعده.
ومَّا يدلُّ على أنَّ المراد بتَقْويتِها إخراجُها عن وقتها ما وقع في رواية عبد الرزاق
(٢٠٧٥) فإنَّه أخرج هذا الحديث عن ابن جُرَيج عن نافعٍ فذكر نحوَه وزاد: «قلت لنافع:
(١) لم نقف على رواية الطبراني هذه في المطبوع من ((معجمه))، ولعله في الأجزاء المفقودة منه، وهذه الزيادة
أخرجها أيضاً أحمد في ((مسنده)) انظر الحديث رقم (٢٤٠٠٩/ ٤٧) من طبعتنا.
(٢) في ((تاريخه)) السفر الثاني برقم (٢٣٦٣).

٥٢٤
باب ١٥ / ح ٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
حتى تَغيبَ الشمسُ؟ قال: نعم)) وتفسيرُ الراوي إذا كان فقيهاً أَولى من غيره، لكنْ روى
أبو داود (٤١٥) عن الأوزاعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث: ((وفَواتُها أنْ تَدخُلَ الشمسَ
صُفْرةٌ)) ولعلَّه مبنيٌّ على مذهبه في خروج وقت العصر، ونُقِلَ عن ابن وَهْب أنَّ المراد
إخراجُها عن الوقت المختار.
وقال المهلَّبُ ومَن تبعه من الشُّراح: إنَّما أراد فواتَها في الجماعة لا فواتَها باصِفِرار
الشمس أو بمَغيِها. قال: ولو كان لفَوَات وقتها كلِّه لَبَطَلَ اختصاصُ العصر، لأنَّ ذهابَ
الوقت موجودٌ في كلِّ صلاة. ونُوقِضَ بعينِ ما اذَّعاه، لأنَّ فواتَ الجماعة موجودٌ في كلِّ
صلاة، لكنْ في صَدْرِ كلامه أنَّ العصرَ اختَصَّت بذلك لاجتماع المتعاقِبينَ من الملائكة فيها،
وتَعقَّبَه ابن المنيِر بأنَّ الفجرَ أيضاً فيها اجتماعُ المتعاقبينَ فلا يَخْتَصُّ العصرُ بذلك، قال:
والحقُّ أنَّ اللهَ تعالى يَخْتَصُّ ما شاءَ من الصَّلَوات بما شاءَ من الفضيلة، انتهى.
وبَوَّبَ التِّرمِذيُّ (١٧٥) على حديث الباب: ((ما جاء في السَّهْوِ عن وقت العصر))
فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمرادُ بالحديث أنَّه يَلْحقُه من الأسَف عند مُعاينة الثَّواب
لمن صلَّ ما يَلْحقُ مَن ذهبَ منه أهلُه ومالُه، وقد رُوِيَ معنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن
عمر، ويُؤْخَذُ منه التنبيه على أنَّ أسَفَ العامِدِ أشَدُّ، لاجتماع فَقْدِ الثَّواب وحصول الإثم.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إشارةٌ إلى تحقيرِ الدنيا، وأنَّ قليلَ العمل خيرٌ من
کثیرٍ منها.
وقال ابن بَطَّال: لا يُوجَدُ حديثٌ يقومُ مقامَ هذا الحديث، لأنَّ اللهَ تعالى قال:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: ولا يُوجَدُ حديثٌ فيه تَكْبِيفُ المحافظة غيرُ
هذا الحدیث.
١٥ - باب من ترك العصر
٥٥٣- حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهیمَ، قال: حدثنا هشامٌ، قال: أخبرنا یحیی بنُ أبي کثیر، عن
أبي قِلَابة، عن أبي المَلِيح قال: كنَّا مع بُرَيدةَ في غَزْوةٍ في يومٍ ذِي غَيمٍ فقال: بَكِّرُوا بصلاةِ

٥٢٥
باب ١٥/ ح ٥٥٣
كتاب مواقيت الصلاة
العصرِ، فإنَّ النبيَّ ◌َّ قال: ((مَن تَرَكَ صلاةَ العصرِ فقد حَبِطَ عَمَلُه)).
[طرفه في: ٥٩٤]
قوله: ((باب مَن تركَ العصرَ)) أي: ما يكونُ حُكْمُه؟ قال ابن رُشَيد: أجاد البخاريُّ
حيثُ اقتَصَرَ على صَدْرِ الحديث فأبقَى فيه محلًّا للتأويل. وقال غيرُه: كان يَنْبَغي أنْ يَذْكُرَ
حديثَ الباب في الباب الذي قبلَه ولا يحتاجُ إلى هذه الترجمة. وتُعُقِّبَ بأنَّ التَّرْكَ أصرحُ
بإرادة التعمُّدِ من الفَوَات.
قوله: ((حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ)) سَقَطَ عند الأَصِيلِيِّ ((ابن إبراهيم)).
قوله: ((حدَّثنا هشامٌ)) وقع عند غير أبي ذرّ: ((أنبأنا هشامٌ)) وهو ابن أبي عبد الله
الدَّسْتُوائيّ.
قوله: ((أخبرنا يحيى)) عند غير أبي ذرّ: حدَّثنا.
٣٢/٢
قوله: ((عن أبي قلابةَ)) عند ابن خُزَيمةَ (٣٣٦) من طريق أبي داود الطَّالسيِّ عن هشام
عن يحيى: أنَّ أبا قِلابةَ حدَّثه.
قوله: ((عن أبي المَلِيح)) عند المصنِّف (٥٩٤) في ((باب التبكير بالصلاة في يوم الغَيم))
عن معاذ بن فَضَالةَ عن هشام في هذا الإسناد: أنَّ أبا المليح حدَّثه، وأبو المليح: هو ابن
أُسامةَ بن عُمَيرِ الهُذَلِيُّ، وقد تقدَّم أنَّ اسمَه عامرٌ وأبوه صحابي، وفي الإسناد ثلاثةٌ من
التّابعينَ على نَسَق.
وتابَعَ هشاماً على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثيرٍ شَيْبَانُ ومَعمَرٌ، وحديثُهما عند أحمد
(٢٢٩٥٧ و٢٣٠٤٨)، وخالفَهم الأوزاعيُّ فرواه عن يحيى عن أبي قلابةَ عن أبي المهاجِر عن
بُرَيدة(١)، والأوَّلُ هو المحفوظُ، وخالفَهم أيضاً في سياق المتن كما سيأتي التنبيه عليه في
((باب التبكير)) المذكور إن شاءَ الله تعالى.
قوله: ((كنَّا مع بُرَيدةَ)) هو ابن الحُصَيب الأسلَميّ.
(١) أخرج هذه الرواية أحمد (٢٣٠٥٥)، وابن ماجه (٦٩٤)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)).

٥٢٦
باب ١٥ / ح ٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ذي غَيمٍ)) قيل: خَصَّ يومَ الغَيم بذلك لأنَّه مَظِنَّةُ التأخير، إمَّا لمُتَتَطِّع يحتاطُ
لدخول الوقت فيبالغُ في التأخير حتَّى يَخْرُجَ الوقتُ، أو لمُتَشاغلِ بأمرٍ آخرَ فيَظُنُّ بقاءَ
الوقت فيَسْتَرسِلُ في شُغْلِه إلى أنْ يَخْرُجَ الوقت.
قوله: (بَكِّرُوا)) أي: عَجِّلوا، والتبكيرُ يُطلَقُ لكلِّ مَن بادرَ بأيِّ شيءٍ كان في أيِّ وقتٍ
كان، وأصلُه المبادرةُ بالشيءٍ أوَّلَ النهار.
قوله: ((فإنَّ النبيَّ وََّ)) الفاءُ للتَّعْليل، وقد استُشكِلَ مَعرِفَةُ تَيَقُّنِ دخول أوَّل الوقت مع
وجودِ الغَيْم، لأنَّهم لم يكونوا يَعتَمِدون فيه إلَّا على الشمس، وأُجيبَ باحتمال أنَّ بُرَيدةَ
قال ذلك عند مَعرِفة دخول الوقت، لأنَّه لا مانعَ في يوم الغَيم من أنْ تظهرَ الشمسُ
أحياناً، ثمَّ إِنَّه لا يُشتَرطُ إذا احتَجَبَت الشمسُ اليقينُ، بل يَكْفي الاجتهاد.
قوله: ((مَن تركَ صلاةَ العصر)) زاد مَعمَرٌ في روايته: ((مُتعمِّداً))، وكذا أخرجه أحمدُ
(٢٧٤٩٢) من حديث أبي الدَّرْداء.
قوله: ((فقد حَبِطَ)) سَقَطَ ((فقد)) من رواية المُستَمْلِي، وفي رواية مَعمَر: ((أحبَطَ الله عملَه)).
وقد استدلَّ بهذا الحديث مَن يقول بتكفيرِ أهل المعاصي من الخَوَارِج وغيرهم وقالوا:
هو نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [المائدة:٥]، وقال ابن
عبد البَرِّ: مفهومُ الآية أنَّ مَن لم يَكفُرْ بالإيمان لم يَحَبَطْ عملُه، فيَتَعارَضُ مفهومُها ومنطوقُ
الحديث، فيَتعيَّنُ تأويلُ الحديث، لأنَّ الجمعَ إذا أمكَنَ كان أولى من الترجيح. وتمسَّكَ
بظاهر الحديث أيضاً الحنابلةُ ومَن قال بقولهم من أنَّ تارك الصلاة يَكفُرُ، وجوابُهم ما
تقدَّم، وأيضاً فلو كان على ما ذهبوا إليه لمَا اختَصَّت العصرُ بذلك.
وأمَّا الْجُمْهورُ فتأوَّلوا الحديث، فافتَرَقوا في تأويله فِرَقاً، فمنهم مَن أوَّلَ سببَ التَّرْك،
ومنهم مَن أوَّلَ الحَبْطِ، ومنهم مَن أوَّلَ العملَ فقيل: المرادُ: مَن تركها جاحداً لوجوبها، أو
مُعتَرِفاً لكنْ مُستَخِفّاً مُستَهْزِئاً بمَن أقامَها. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي فهمَه الصحابي إنَّما هو
التَّفْرِيطُ، ولهذا أَمَرَ بالمبادرة إليها، وفَهْمُه أَولى من فَهْم غيره كما تقدَّم.

٥٢٧
باب ١٦ / ح ٥٥٤
كتاب مواقيت الصلاة
وقيل: المرادُ: مَن تركَها مُتكاسلاً، لكنْ خرج الوعيدُ مَخَرَجَ الَّجْرِ الشَّديد وظاهرُه غيرُ
مرادٍ كقوله: ((لا يَزْني الزّاني وهو مُؤْمِنٌ)) (١)، وقيل: هو من مَجَاز التشبيه، كأنَّ المعنى: فقد
أشبَهَ مَن حَبِطَ عملُه، وقيل: معناه: كاد أنْ يَحِبَط.
وقيل: المرادُ بالْحَبْطِ نُقْصانُ العمل في ذلك الوقت الذي تُرفَعُ فيه الأعمالُ إلى الله،
وكأنَّ المراد بالعمل الصلاةُ خاصَّةٌ، أي: لا يَحَصُلُ على أجرٍ مَن صلَّى العصرَ ولا يرتفعُ له
عملُها حينئذ.
وقيل: المرادُ بالْحَبْطِ الإبطالُ، أي: يَبطُل انتفاعُه بعملِه في وقتٍ ما ثمَّ یَنتَفِعُ به، کمَن
رَجَحَت سيَِّاتُه على حسناته فإنَّه موقوفٌ في المشيئة، فإنْ غُفِرَ له فمُجرَّدُ الوقوف إبطالٌ
لنَفْعِ الحسنة إذْ ذاك، وإنْ عُذِّبَ ثمَّ غُفِرَ له فكذلك، قال معنى ذلك القاضي أبو بكر بن
العربي، وقد تقدَّم مبسوطاً في كتاب الإيمان في (باب خَوْف المؤمنِ من أنْ يَحِبَطَ عملُه))،
ومُحصَّلُ ما قال: أنَّ المراد بالخَبْطِ في الآية غيرُ المراد بالخَبْطِ في الحديث، وقال في شرح
التِّرمِذي: الحَبْطُ على قِسْمين: حَبْطُ إسقاط، وهو إحباطُ الكُفْرِ للإيمان وجميع الحسنات،
وحَبْطُ موازنةٍ،/ وهو إحباطُ المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رُجْحانها عليها إلى أنْ تَحصُلَ ٣٣/٢
النجاةُ فیرجِعَ إلیه جزاءُ حسناته.
وقيل: المرادُ بالعمل في الحديث عملُ الدنيا الذي يُسبِّبُ الاشتغالُ به تركَ الصلاة،
بمعنى أنَّه لا يَنْتَفِعُ به ولا يَتَمتَّعُ.
وأقربُ هذه التأويلات قولُ مَن قال: إنَّ ذلك خرج مَخَرَجَ الَّجْرِ الشَّديد وظاهرُه غيرُ
مراد، والله أعلم.
١٦ - باب فضل صلاة العصر
٥٥٤- حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدّثنا مروانُ بنُ معاوِيةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ،
عن جَرِير قال: كنَّا عندَ النبيِّ وَِّ فنظرَ إلى القمرِ لَيلةً، فقال: ((إنَّكُم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم كما تَرَوْنَ
(١) سيأتي هذا الحديث عند البخاري برقم (٢٤٧٥).

٥٢٨
باب ١٦ / ح ٥٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
هذا القمرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فإنِ اسْتَطَعتُمْ أنْ لا تُغلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طُلُوعِ الشمسِ وقبلَ
غُرُوبها فافعَلُوا)) ثمَّ قَرَأ: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
قال إسماعيلُ : افعَلُوا لا تَقُوتَنَّكُم.
[أطرافه في: ٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٦،٧٤٣٥]
قوله: ((بابُ فضلٍ صلاة العصر)) أي: على جميع الصَّلَوات إلَّ الصبح، وإنَّما حَمَلْته على
ذلك لأنَّ حديثَي الباب لا يَظهَرُ منهما رُجْحانُ العصر عليها، ويحتمل أنْ يكون المرادُ أنَّ
العصرَ ذاتُ فضيلةٍ لا ذاتُ أفضليَّة.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيلُ)) هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، ووقع عند ابن
مَرْدويه من طريق شُعْبةَ عن إسماعيلَ التصريحُ بسماع إسماعيل من قيسٍ وسماعٍ قيسٍ من
جَرِیر.
قوله: ((فنظرَ إلى القمرِ ليلةً)) زاد مسلمٌ (٦٣٣): ((ليلةَ البَدْر))، وكذا للمصنِّف من وجهٍ
آخرَ (٥٧٣)، وهو خالٍ من العَنعَنة أيضاً كما سيأتي في ((باب فضل صلاة الفجر)).
قوله: ((لا تُضامُونَ)) بضمِّ أوَّلِهِ مُفَّفاً، أي: لا يَحصُلُ لكم ضَيمٌ حينئذ، ورُوِيَ بفتح
أوَّلِهِ والتَّشْديد من الضمِّ، والمرادُ نفيُ الازْدِحام، وسيأتي بَسْطُ ذلك في كتاب التوحيد
(٧٤٣٤ -٧٤٣٦).
قوله: ((فإن استطعتُم أنْ لا تُغلَبُوا)) فيه إشارةٌ إلى قَطْع أسباب الغَلَبة المنافية للاستطاعة
کالنوم والشُّغْل ومقاومة ذلك بالاستعداد له.
وقوله: ((فافعَلُوا)) أي: عَدَمَ الغَلَبة، وهو كنايةٌ عمَّا ذُكِرَ من الاستعداد. ووقع في رواية
شُعْبةَ المذكورة: ((فلا تَغْفُلوا عن صلاة)) الحديث.
قوله: ((قبلَ طُلُوعِ الشمسِ وقبلَ غُرُوبها)) زاد مسلمٌ (٦٣٣): ((يعني العصرَ والفجرَ))
ولابن مَرْدويه من وجهٍ آخرَ عن إسماعيل: «قبلَ طُلوع الشمس صلاةٌ الصبح وقبلَ
غُروبها صلاةُ العصر)).

٥٢٩
باب ١٦ / ح ٥٥٤
كتاب مواقيت الصلاة
وقال ابن بَطَّال: قال المهلَّبُ: قوله: ((فإن استطعتُم أنْ لا تُغلَبوا عن صلاة)) أي: في
الجماعة. قال: وخَصَّ هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورَفْعِهِم أعمالَ العباد، لئلا
يَفُوتَهم هذا الفضلُ العظيم.
قلت: وعُرِفَ بهذا مناسبةُ إيراد حديث: ((يَتَعاقَبون)) عَقِبَ هذا الحديث، لكنْ لم يَظهَرْ
لي وجهُ تقييد ذلك بكَوْنه/ في جماعة، وإنْ كان فضلُ الجماعة معلوماً من أحاديثَ أُخَر، بل ٣٤/٢
ظاهرُ الحديث يتناولُ مَن صَلّاهما ولو مُنفِرِداً، إذْ مُقتَضاه التَّحْرِيضُ على فعلهما أعمُّ من
گونه في جماعة أو لا.
قوله: ((فافعَلُوا)) قال الخطّابِيُّ: هذا يدلُّ على أنَّ الرُّؤْيَةَ قد يُرجَى نَيلُها بالمحافظة على
هاتَينِ الصلاتَينِ. انتهى، وقد يُستشهَدُ لذلك بما أخرجه التِّرمِذيُّ (٢٥٥٣ و٣٣٣٠) من
حديث ابن عمرَ رَفَعَه، قال: ((إنَّ أدنى أهل الجنّة مَنزِلَةً)) فذكر الحديث وفيه: ((وأكرَمُهم
على الله مَن يَنظُر إلى وجهِه غَدْوةً وعَشَّةً)) وفي سنده ضعفٌ.
قوله: (ثُمَّ قَرَأ)) كذا في جميع روايات ((الجامع)) وأكثرِ الروايات في غيره بإبهام فاعل قَرَأ،
وظاهرُه أنَّ النبيُّ ◌َّهِ، لكنْ لم أرَ ذلك صريحاً، وحمله عليه جماعةٌ من الشُّاح، ووقع عند
مسلم (٦٣٣) عن زهير بن حَرْبٍ عن مروانَ بن معاويةَ بإسناد حديث الباب: ((ثمَّ قَرَأْ جَرِيرٌ)»
أي: الصحابي، وكذا أخرجه أبو عَوَانَةَ في «صحيحه)) (١١١٢) من طريق يَعْلى بن عُبيدٍ عن
إسماعيلَ بن أبي خالد، فظَهَرَ أَنَّه وقع في سياق حديث الباب وما وافَقَه إدراجٌ.
قال العلماءُ: ووجه مناسبة ذِكْر هاتَينِ الصلاتَينِ عند ذِكْرِ الرُّؤْية أنَّ الصلاة أفضلُ
الطّاعات، وقد ثبت لهاتَينِ الصلاتَينِ من الفضل على غيرهما ما ذُكِرَ من اجتماع الملائكة
فيهما ورَفْع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضلُ الصَّلَوات، فناسَبَ أنْ تُجازَى المحافظةُ عليهما
بأفضل العطايا، وهو النّظرُ إلى الله تعالى.
وقيل: لمَّا حقَّقَ رُؤْيَةَ الله تعالى برُؤْية القمرِ والشمس - وهما آيتان عظيمتان شُرِعَت
لخُسوفِهِما الصلاةُ والذِّكرُ - ناسَبَ مَن يُحِبُّ رُؤْيَ الله تعالى أنْ يُحافِظَ على الصلاة عند

٥٣٠
باب ١٦ / ح ٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
غُروبها. انتهى، ولا يخفى بُعْدُه وتكلَّفُه، والله أعلم.
٥٥٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي
هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((يَتَعاقَبُونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنهارِ، ويَحْتَمِعُونَ في
صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، ثمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فيكم فيسألُهُم وهو أَعلمُ بهم: كيفَ تَرَكُم
عِبَادي؟ فيقولونَ: تَرَكْناهُم وهم يُصلُّونَ، وأَتَيناهُم وهم يُصلُّونَ)).
[أطرافه في: ٣٢٢٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦]
قوله: ((يَتَعاقَبُونَ)) أي: تأتي طائفةٌ عَقِبَ طائفة، ثمَّ تعودُ الأولى عَقِبَ الثانية، قال ابن
عبد البر: وإنَّما يكونُ التَّعاقُبُ بين طائفتَينِ أو رجلَيْنِ بأنْ يأتيَ هذا مَرَّةً ويَعقُبَه هذا، ومنه:
تعقيبُ الجُيوش؛ أنْ يُجهِّزَ الأميرُ بَعْئاً إلى مُدَّةٍ ثمَّ يأذَنَ لهم في الرجوع بعد أنْ يُجُهِّزَ غيرَهم
إلى مُدَّةٍ، ثمَّ يأذَنَ لهم في الرجوع بعد أنْ يُجِهِّزَ الأوَّلِين.
قال القُرْطبيُّ: الواوُ في قوله: ((يَتَعَاقَبون)) علامةُ الفاعلِ المذكَّر المجموع على لُغَة بني
الحارثِ، وهم القائلون: أكَلوني البراغيثُ، ومنه قولُ الشاعر(١):
بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقاربُهْ
وهي لُغَةٌّ فاشية، وعليها حمل الأخفَشُ قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾
[الأنبياء: ٣] قال: وقد تَعسَّفَ بعضُ النُّحاة في تأويلها ورَدِّها للبَدَل، وهو تكلُّفٌ مُستَغنّى
عنه، فإنَّ تلك اللُّغَةَ مشهورةٌ ولها وجهٌ من القياس واضحٌ. وقال غيرُه في تأويل الآية:
قوله: ﴿وَسَرُّواْ﴾ عائدٌ على الناس المذكورين أوَّلاً، و﴿ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلٌّ من الضمير.
وقيل: التقديرُ أنَّه لمَّا قيل: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى﴾ قيل: مَن هم؟ قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، حكاه
الشَّيخُ مُحبي الدِّين، والأوَّلُ أقربُ، إذ الأصلُ عَدَمُ التقدير.
وتَوارَدَ جماعةٌ من الشُّرَاحِ على أنَّ حديثَ الباب من هذا القَبيل، ووافَقَهم ابن مالك،
وناقَشَه أبو حَيّانَ زاعماً أنَّ هذه الطريقَ اختصرها الراوي، واحتَجَّ لذلك بما رواه البَزّارُ من
(١) هو الفرزدق. ((ديوانه)) ١ / ٤٦، والسَّليط: الزيت.

٥٣١
باب ١٦ / ح ٥٥٥
كتاب مواقيت الصلاة
وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ لله ملائكةً يَتَعاقَبون فيكم: ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ
بالنهار)) الحديث، وقد شُوحِحَ(١) في العَزْوِ إلى ((مسند البَزّار)) مع أنَّ الحديث بهذا اللفظ في
((الصحيحين))(٢)، فالعَزْوُ إليهما أَولى، وذلك أنَّ هذا الحديث رواه عن أبي الزّناد مالكٌ في
((الموطَّأ)) (١/ ١٧٠) ولم يُخْتُلَفْ عليه باللفظ المذكور وهو قوله: ((يَتَعاقبون فيكم))، وتابَعَه
على ذلك عبدُ الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخرجه سعيد بن منصورٍ عنه، وقد أخرجه
البخاريُّ في بَدْء الخلق (٣٢٢٣) من طريق شُعَيب بن أبي حمزةَ عن أبي الزِّناد بلفظ:
(الملائكةُ يَتَعاقَبون: ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار))، وأخرجه النَّسائيُّ(٣) أيضاً من طريق
موسى بن عُقْبةَ عن أبي الزّناد بلفظ: ((إنَّ الملائكة يَتَعاقبون فيكم))، فاختُلِفَ فيه على أبي
الزّناد، فالظاهرُ أنَّه كان تارةً يَذكُرُه هكذا وتارةً هكذا، فيقوِّي بحثَ أبي حَيّان.
ويؤيِّدُ ذلك أنَّ غيرَ الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رَوَوْه/ تامّاً، فأخرجه أحمدُ ٣٥/٢
(٨١٢٠) ومسلمٌ (٦٣٢) من طريق همَّام بن مُنِّهِ عن أبي هريرة مِثلَ رواية موسى بن عُقْبة
لكنْ بحذف ((إنّ)) من أوَّلِه، وأخرجه ابن خُزَيمةَ (٣٢١) والسَّاجُ (٩٨٣) من طريق أبي
صالحٍ عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ لله ملائكةً يَتَعاقَبون))، وهذه هي الطريق التي أخرجها
البَزّارُ، وأخرجه أبو نُعيم في ((الِحِلْية)) (٧/ ٣٢٥) بإسنادٍ صحيح من طريق أبي موسى عن
أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ الملائكة فيكم يَتَعَقَّبون))، وإذا عُرِفَ ذلك فالعَزْوُ إلى الطريق التي
تَتَّحِدُ مع الطريق التي وقع القولُ فيها أَولى من طريقٍ مُغايرةٍ لها، فلْيُعزَ ذلك إلى تخريج
البخاريِّ والنَّسائيِّ (٤٨٥) من طريق أبي الزِّناد، لما أوضحتُه، والله الموفِّق.
قوله: ((فيكم)) أي: المصلِّينَ أو مُطلَق المؤمنين.
قوله: ((ملائكة)) قيل: هم الحَفَظة، نَقَلَه عِيَاض وغيره عن الجمهور، وتَردَّدَ ابن بَزِیزة،
(١) تحرف في (س) إلى: سومح.
(٢) وهو عند مسلم برقم (٦٣٢).
(٣) في كتاب الملائكة من ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٣٩١٩)، ولفظه عنده: ((يتعاقبون فيكم
ملائکة)).

٥٣٢
باب ١٦ / ح ٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرْطبي: الأظهر عندي أنَّهم غيرهم، ويقوِّيه أنَّه لم يُنقَل أنَّ الحَفَظة يفارقون العبد،
ولا أنَّ حَفَظة الليل غير حَفَظة النهار، وبأنَّهم لو كانوا هم الحَفَظة لم يقع الاكتفاء في
السُّؤال منهم عن حالة التَّرْك دون غيرها في قوله: ((كيف تركتُم عبادي؟)).
قوله: ((ويَجْتَمِعُونَ)) قال الزَّين بن المنيِر: التَّعاقُب مُغايِر للاجتماع، لكنَّ ذلك مُنَزَّل على
حالَين.
قلت: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البَرِّ: الأظهر أنَّهم يَشهَدون معهم الصلاة في الجماعة،
واللفظ مُحْتَمِل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أنَّ الثَّعاقُب يقع بين طائفتَينِ دون غيرهم، وأنْ
يقع التَّعاقبُ بينهم في النوع لا في الشخص.
قال عِيَاض: والحِكْمة في اجتماعهم في هاتَينِ الصلاتَينِ من لُطْف الله تعالى بعباده
وإكرامه لهم، بأنْ جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده، لتكون شهادتهم لهم بأحسن
الشَّهادة.
قلت: وفيه شيء، لأنَّه رَجَّحَ أنَّهم الحَفَظة، ولا شكَّ أنَّ الذين يَصْعَدون كانوا مُقِيمينَ
عندهم مُشاهدينَ لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأَولى أنْ يقال: الحِكْمة في کَوْنه تعالى لا
يسألهم إلَّا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذُكِر، ويحتمل أنْ يقال: إنَّ الله تعالى يَستُر عنهم
ما يعملونه فيما بين الوقتَين، لكنَّه بناء على أنَّهم غير الحَفَظة، وفيه إشارة إلى الحديث
الآخَر: ((إنَّ الصلاة إلى الصلاة كَفّارة لما بينهما))(١)، فمن ثَمَّ وقع السُّؤال من كلّ طائفة عن
آخر شيء فارقُوهم علیه.
قوله: ((ثُمَّ يَعْرُج الَّذينَ باتُوا فيكم)) استَدلَّ به بعض الحنفيّة على استحباب تأخير صلاة
العصر ليقع ◌ُعُروجُ الملائكة إذا فَرَغَ منها آخرَ النهار، وتُعُقِّبَ بأنَّ ذلك غير لازم، إذْ ليس في
الحديث ما يقتضي أنَّهم لا يَصْعَدون إلّا ساعةَ الفراغ من الصلاة، بل جائز أنْ تَفرُغ الصلاة
ويتأخّروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضاً من أنْ تصعدَ ملائكة النهار وبعضُ
(١) أخرجه أحمد (٣١٢٩)، ومسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة.

٥٣٣
باب ١٦/ ح ٥٥٥
كتاب مواقيت الصلاة
النهار باقٍ وتُقيم ملائكة الليل، ولا يَرِدُ على ذلك وصفُهم بالمَبِيت بقوله: ((باتوا فيكم))
لأَنَّ اسم المَبِيت صادق عليهم ولو تقدَّمت إقامتَهم بالليل إقامتُهم قِطْعة من النهار.
قوله: ((الَّذِينَ باتُوا فيكم)) اختُلِفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين
ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذِكْر أحد المِثْلَينِ عن الآخر كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن
تَّفَعَتِ الذِّكْرَىِ﴾ [الأعلى: ٩] أي: وإنْ لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾
[النحل: ٨١] أي: والبَرْد، وإلى هذا أشارَ ابن التِّين وغيره، ثمَّ قيل: الحِكْمة في الاقتصار على
ذلك أنَّ حُكْم طَرَفَ النهار يُعلَم من حُكْم طَرَفَيَ الليل، فلو ذكره لكان تكراراً، ثمَّ قيل:
الحِكْمة في الاقتصار على هذا الشِّقّ دون الآخر أنَّ الليل مَظِنَّة المعصية، فلمَّا لم يقع منهم
عِضْيان - مع إمكان دَوَاعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه - واشتَغَلوا بالطّاعة، كان
النهار أولى بذلك، فكان السُّؤال عن الليل أبلغَ من السُّؤال عن النهار، لکَوْن النهار محلّ
الاشتهار.
وقيل: الحِكْمة في ذلك أنَّ ملائكة الليل إذا صَلَّوا الفجر عَرَجُوا في الحال، وملائكة
النهار إذا صَلَّوا العصر لَبِثوا إلى آخر النهار لضبطٍ بقيّة عمل النهار، وهذا ضعيف، لأنَّه
يقتضى أنَّ ملائكة النهار لا يُسألون عن وقت العصر، وهو / خلاف ظاهر الحديث كما ٣٦/٢
سيأتي. ثمَّ هو مبنيّ على أنَّهم الحَفَظة، وفيه نظر لما سنبيِّنْه، وقيل: بناء أيضاً على أنَّهم غيرُ
الخَفَظة وأنَّهم ملائكة النهار فقط(١)، وهم لا يَبْرَحون عن مُلازَمة بني آدم، وملائكة الليل
هم الذين يَعرُجون ويَتَعاقَبون، ويؤيِّده ما رواه أبو نُعيم في كتاب ((الصلاة)) له من طريق
الأسود بن يزيد النَّخَعيِّ قال: يلتقي الحارسان - أي: ملائكة الليل وملائكة النهار - عند
صلاة الصبح، فيُسلِّم بعضهم على بعض فتَصْعَد ملائكة الليل وتَلْبَث ملائكة النهار.
وقيل: يحتمل أنْ يكون العُروجُ إِنَّما يقع عند صلاة الفجر خاصَّةً، وأمَّا التُّزول فيقع في
الصلاتَينِ معاً، وفيه التَّعاقُب، وصورتُه أنْ تَنزِل طائفة عند العصر وتَبِيت، ثمَّ تَنزِل طائفة
(١) في (أ) و(س): على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط، والصواب ما أثبتناه من (ع).

٥٣٤
باب ١٦ / ح ٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثانية عند الفجر، فتجتمع الطَّائفتان في صلاة الفجر، ثمَّ يَعرُج الذين باتوا فقط ويَستمِرٌ
الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتَنزِل الطّائفة الأُخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر
أيضاً ولا يَصْعَد منهم أحد، بل تَبِيت الطّائفتان أيضاً ثمَّ تَعْرُج إحدَى الطّائفتَين، ويَستمِرٌ
ذلك، فتَصِحُعُ صورة التَّعاقُب مع اختصاص النُّزول بالعصر والعُروج بالفجر، فلهذا خَصَّ
السُّؤال بالذين باتوا، والله أعلم.
وقيل: إنَّ قوله في هذا الحديث: ((ويَجتمِعون في صلاة الفجر وصلاة العصر)) وَهْم،
لأَنَّه ثبت في طرق كثيرة أنَّ الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذِكْر صلاة العصر، كما في
((الصحيحين))(١) من طريق سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه:
((وتجتمع ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار في صلاة الفجر)) قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شِئْتُم
﴿ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وفي التِّرمِذيّ (٣١٣٥)
والنَّسائي (ك١١٢٢٩) من وجه آخر بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: ((تَشْهَده ملائكة اللیل وملائکة النهار))، وروى ابن
مَرْدويه من حديث أبي الدَّرْداء مرفوعاً نحوه.
قال ابن عبد البَرِّ: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذِكْر العصر، إذْ لا يَلْزم من عَدَم
ذِكْر العصر في الآية والحديث الآخَرِ، عَدَمَ اجتماعهم في العصر، لأنَّ المسكوت عنه قد
يكون في حُكْم المذكور بدليلٍ آخَر، قال: ويحتمل أنْ يكون الاقتصار وقع في الفجر لگوْنها
جَهْريَّة. وبحثُه الأوَّل مُتَّجِه لأنَّه لا سبيل إلى ادِّعاء توهيم الراوي الثُّقة مع إمكان التَّوْفيق
بين الروايات، ولا سيَّما أنَّ الزيادة من العَدْل الضّابط مَقْبولة، ولمَ لا يقال: إنَّ رواية مَن لم
يَذكُر سؤال الذين أقاموا في النهار وقع من تقصير بعض الرُّواة، أو يُحمَل قوله: ((ثُمَّ يَعرُج
الذين باتوا)) على ما هو أعمُّ من المَبِيت بالليل والإقامة بالنهار، فلا يَخْتَصّ ذلك بلَيلٍ دون
نهار ولا عكسِه، بل كلَّ طائفة منهم إذا صَعِدَت سُئِلَت، وغاية ما فيه أنَّه استعملَ لفظ
(بات)) في: أقام، مجازاً، ويكون قوله: ((فيسألهم)) أي: كُلَّ من الطّائفتَينِ في الوقت الذي
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٦٤٨)، وهو عند مسلم برقم (١٤٧٣) (٢٤٦).

٥٣٥
باب ١٦/ ح ٥٥٥
كتاب مواقيت الصلاة
تَصْعَد فيه، ويدلّ على هذا الحَمْل رواية موسى بن عُقْبةَ عن أبي الزناد عند النَّسائيِّ ولفظه:
((ثُمَّ يَعرُج الذين كانوا فيكم))، فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب
الأجوبة.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أُخرى واضحاً وفيه التصريح بسؤال كلٍّ من
الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)) (٣٢١) وأبو العبّاس السَّاجُ(١) جميعاً
عن يوسف بن موسى عن جَرِير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَلّ: ((تجتمع ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر،
فيَجتمِعون في صلاة الفجر، فتَصعدُ ملائكة الليل وتَبِيتُ ملائكة النهار، ويَجتمِعون في
صلاة العصر، فتَصعدُ ملائكة النهار وتَبِيت ملائكة الليل، فيسألهُم رَبُّهم: كيف تركتُم
عبادي؟)) الحديث، وهذه الرواية تُزيل الإشكال وتُغْني عن كثيرٍ من الاحتمالات المتقدِّمة،
فهي المعتمَدَة، ويُحمَل ما نَقَصَ منها على تقصير بعض الرُّواة.
قوله: ((فيسألهم)) قيل: الحِكْمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما
يقتضي / التعطَّف عليهم، وذلك لإظهار الحِكْمة في خَلْق نوع الإنسان في مُقابلة مَن قال ٣٧/٢
من الملائكة: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ
وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي: وقد وُجِدَ فيهم مَن يُسبِّح
ويُقدِّس مثلَكم بنَصِّ شهادتكم، وقال عِيَاض: هذا السُّؤال على سبيل التعبُّد للملائكة كما
أُمِروا أنْ يَكتُبُوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع.
قوله: ((كيف تركتُم عبادي)) قال ابن أبي جَمْرة: وقع السُّؤال عن آخر الأعمال لأنَّ
الأعمال بخواتيمِها، قال: والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
(١) هو عند السراج في ((مسنده)) (٩٨٣) - وكذلك في ((حديثه)) بتخريج الشحامي (١٣٤٨) - عن يوسف
ابن موسى عن أبي معاوية عن الأعمش. فجعل مكان جريرٍ أبا معاوية - وهو محمد بن خازم الضرير -
ثم إن هذا اللفظ الذي ذكره الحافظ ليس هو لفظ رواية جرير، وهو إلى لفظ رواية أبي عوانة عند السراج
(٩٨٤) أقرب، والله تعالى أعلم.

٥٣٦
باب ١٦ / ح ٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥].
قوله: ((تركناهم وهم يُصلُّونَ وأتيناهم وهم يُصلُّونَ)) لم يُراعوا الترتيب الوجودي،
لأَهم بَدَؤوا بالتَّرْكِ قبل الإتيان، والحِكْمة فيه أنَّهم طابقوا السُّؤال لأنَّه قال: كيف تركتُم؟
ولأنَّ المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخَواتيمِها، فناسَبَ ذلك إخبارهم عن آخر عملهم
قبل أوَّله، وقوله: ((تركناهم وهم)) ظاهره أنَّهم فارَقُوهم عند شروعهم في العصر سواءٌ
تَمَّت أم مَنَعَ مانع من إتمامها، وسواء شَرَعَ الجميع فيها أم لا، لأنَّ المنتَظِر في حُكْم المصلِي،
ويحتمل أنْ يكون المراد بقولهم: ((وهم يُصلّون)) أي: ينتظرون صلاة المغرب.
وقال ابن التِّين: الواو في قولهم: ((وهم يُصلّون)) واو الحال، أي: تركناهم على هذه
الحال، ولا يقال: يَلْزم منه أنَّهم فارَقُوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يَشهَدوها معهم، والخبر
ناطقٌ بأنَهم يَشهَدونها لأنَّا نقول: هو محمول على أنَّهم شَهِدوا الصلاة مع مَن صَلّاها في
أوَّل وقتها، وشَهِدوا مَن دخل فيها بعد ذلك، ومَن شَرَعَ في أسباب ذلك.
تنبيه: استَنْبَطَ منه بعض الصُّوفيَّة أنَّه يُستَحبّ أنْ لا يفارقَ الشخصُ شيئاً من أُموره إلَّا
وهو على طهارة، كشعره إذا حَلَقَه، وظُفْرِه إذا قَلَمَه، وثوبه إذا أبدَلَه، ونحو ذلك.
وقال ابن أبي ◌َمْرة: أجابت الملائكة بأكثر ممّا سُئِلوا عنه، لأنَّهم عَلِموا أنَّه سؤال
يستدعي التعطُّف على بني آدم، فزادوا في مُوچِب ذلك.
قلت: ووقع في ((صحيح ابن خزيمةَ)) (٣٢١) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة في آخر هذا الحديث: «فاغفِرْ لهم يوم الدّين)).
قال: ويُستَفاد منه أنَّ الصلاة أعلى العبادات لأنَّه عنها وقع السُّؤال والجواب. وفيه
الإشارة إلى عِظَم هاتَينِ الصلاتَينِ لكَوْنهما تجتمع فيهما الطّائفتان وفي غيرهما طائفة واحدة،
والإشارة إلى شَرَف الوقتين المذكورين، وقد وَرَدَ أنَّ الرِّزْق يُقْسَّم بعد صلاة الصبح، وأنَّ
الأعمال تُرفَع آخرَ النهار، فمَن كان حينئذٍ في طاعة بُورِكَ في رِزْقه وفي عمله، والله أعلم.
ويَترتَّب عليه حِكْمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما. وفيه تشريفُ هذه الأُمّة على

٥٣٧
باب ١٧ / ح ٥٥٦-٥٥٧
كتاب مواقيت الصلاة
غيرها، ويستلزم تشريفَ نبيّها على غيره. وفيه الإخبار بالغُيوب، ويَترتب عليه زيادة
الإيمان. وفيه الإخبار بما نحنُ فيه من ضبط أحوالنا حتَّى نَتَقَّظ ونَتَحقَّظ في الأوامر
والنَّواهي، ونَفْرَح في هذه الأوقات بقُدوم رُسُل رَبِّنا وسؤال رَبّنا عنّا. وفيه إعلامنا بحُبِّ
ملائكة الله لنا لنَزْدادَ فيهم حُبّاً ونَتَقَرَّبَ إلى الله بذلك. وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته.
وغيرُ ذلك من الفوائد، والله أعلم.
وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في (باب قوله: ثمَّ يَعْرُج))(١) في كتاب
التوحيد (٧٤٢٩).
١٧ - باب من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب
٥٥٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثْنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرةَ قال:
قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إذا أدرَكَ أحدُكُمْ سَجْدَةً مِن / صلاةِ العصرِ قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ، فَلْيُتِمَّ ٣٨/٢
صلاتَه، وإذا أدرَكَ سَجْدَةً مِن صلاةِ الصبحِ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، فَلْيُتِمَّ صلاَتَه)).
[طرفاه في: ٥٧٩، ٥٨٠]
٥٥٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ، عن ابنِ شِهَاب، عن سالم بنِ
عبدِ الله، عن أبيه أنَّه أخبَرَه، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ وَِّ يقولُ: ((إِنَّا بَقاؤُكُم فيما سَلَفَ قبلَكُم مِن
الأَمَم كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى غُرُوب الشمس، أُوتِيَ أهلُ النَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فعَمِلُوا حَتَّى إذا
انْتَصَفَ النهارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً، ثمَّ أُوتِيَ أهلُ الإنجِيلِ الإِنجِيلَ فعَمِلُوا إلى
صلاةِ العصرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فأُعْطُوا قيراطاً قيراطاً، ثمَّ أُوتِينا القُرْآنَ فعَمِلْنا إلى غُرُوب الشمسِ،
فَأُعْطِينا قِيراطَينِ قِيراطَيْنٍ، فقال أهلُ الكتابَينِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيَتَ هُؤُلاءِ قِيراطَيْنِ قِرَاطَيْنِ،
وأَعطَيْتَنَا قِيراطاً قيراطاً ونحنُ كنَّا أكثرَ عَمَلاً! قال: قال الله عَزَّ وجَلَّ: هل ظَلَمْتُكُم مِن
أَجرِكُم مِن شيءٍ؟ قالوا: لا، قال: فهو فَضْلِ أُوتِهِ مَن أَشاءُ».
[أطرافه في: ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٢، ٧٥٣٣]
(١) الصواب: باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ اُلْمَلَبِكَةُ ... ﴾.

٥٣٨
باب ١٧ / ح ٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
٥٥٨- حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن بُرَيد، عن أبي بُرْدَ، عن أبي موسى،
عن النبيِّ ◌ََّ: «مَثَلُ المسلمِينَ واليهودِ والنَّصارى كمَثَلِ رجلِ اسْتَأْجَرَ قَوْماً يَعمَلُونَ له عَمَلاً
إلى اللَّيلِ، فعَمِلُوا إلى نِصْفِ النهارِ فقالوا: لا حاجةً لنا إلى أَجرِكَ، فاستَأْجَرَ آخَرِينَ فقال:
أَكَمِلُوا بَقِيَّةَ يَومِكُم ولَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ، فعَمِلُوا حَتَّى إذا كانَ حينَ صلاةِ العصرِ قالوا: لكَ ما
عَمِلْنا، فاستَأْجَرَ قوماً فعَمِلُوا بَقِيَّةً يَومِهِم حتَّى غابَتِ الشمسُ، واستَكْمَلُوا أَجرَ الفَرِيقَين.
[طرفه في: ٢٢٧١]
قوله: ((باب مَن أدرَكَ رَكْعة من العصر قبل الغُروب)) أورَدَ فيه حديثَ أبي سَلَمةَ عن أبي
هريرة: ((إذا أدرَكَ أحدُكم سَجْدة من صلاة العصر قبل أنْ تَغْرُب الشمس فلْيُتِمَّ صلاته))
فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله فيه: ((سَجْدة)) أي: رَكْعة. وقد رواه الإسماعيليّ
من طريق حسين بن محمَّد عن شَيْبانَ بلفظ: ((مَن أدرَكَ منكم رَكْعة)) فدَلَّ على أنَّ
الاختلاف في اللفظ وقع من الرُّواة، وستأتي رواية مالك في أبواب وقت الصبح (٥٧٩)
بلفظ: ((مَن أدرَكَ رَكْعة))، ولم يُخْتَلَف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد، وقال
الخطّابيُّ: المراد بالسَّجْدَة الرَّكْعة بركوعِها وسجودها، والرّكْعة إنَّما يكون تمامها بسجودِها
فسُمّيَت على هذا المعنی سَجْدة، انتهى.
وقد روى البيهقيُّ (٣٧٨/١) هذا الحديث من طريق محمَّد بن الحسين بن أبي الحسين
عن الفضل بن دُكَينٍ - وهو أبو نُعَيم شيخ البخاري فيه - بلفظ: ((إذا أدرَكَ أحدكم أوَّل
سجدة من صلاة العصر)).
وإنَّما لم يأتِ المصنّف في الترجمة بجواب الشَّرْط، لما في لفظ المتن الذي أورَدَه من
الاحتمال، وهو قوله: ((فلْيُتِمَّ صلاته)) لأنَّ الأمر بالإتمام أعمُّ من أنْ يكون ما يُتِمُّه أداءً أو
قَضاءً، فحُذِفَ جواب الشَّرْط لذلك. ويحتمل أنْ تكون ((مَن)) في الترجمة موصولة، وفي
الكلام حذفٌ تقديره: باب حُكْم مَن أدرَكَ ... إلى آخره، لكنْ سيأتي (٥٨٠) من حديث
مالك بلفظ: ((فقد أدرَكَ الصلاة))، وهو يقتضي أنْ تكون أداءً، وستأتي مباحثه هناك إن شاءَ
الله تعالى.

٥٣٩
باب ١٧ / ح ٥٥٨
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((إِنَّا بَقاؤُكُم فيما سَلَفَ قبلَكُم من الأُمَم كما بين صلاة العصر إلى غُرُوب الشمس)) ٣٩/٢
ظاهره أنَّ بقاء هذه الأُمَّة وقع في زمان الأُمَم السالفة، وليس ذلك المراد قَطْعاً، وإنَّما معناه:
أنَّ نِسْبة مُدَّة هذه الأُمَّة إلى مُدَّة مَن تقدَّم من الأُمَم، مثلُ ما بين صلاة العصر وغُروب
الشمس إلى بقيَّة النهار، فكأنَّه قال: إنَّما بَقاؤكم بالنّسبة إلى ما سَلَفَ ... إلى آخره، وحاصله
أنَّ((في)) بمعنى: إلى، وحُذِفَ المضافُ وهو لفظ ((نِسْبة)).
وقد أخرج المصنِّف هذا الحديث وكذا حديث أبي موسى الآتي بعده في أبواب الإجارة
(٢٢٦٨ و٢٢٧١)، ويقع استيفاء الكلام عليهما هناك إن شاءَ الله تعالى، والغَرَض هنا بيان
مُطابقتِهما للترجمة والتَّوْفيق بين ما ظاهرُه الاختلاف منهما.
قوله: ((أُوتِيَ أهلُ التَّوْراة الثَّوراة)) ظاهره أنَّ هذا كالشَّرْح والبيان لما تقدَّم من تقدير مُدَّة
الزمانَين، وقد زاد المصنّف من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر في فضائل القرآن (٥٠٢١)
هنا: ((وأنَّ مَثَلكم ومَثَلَ اليهودِ والنصارى ... إلى آخره، وهو يُشعِرِ بأنَّهما قَضِيَتَان.
قوله: ((قيراطاً قيراطاً)) كَرَّرَ قيراطاً ليدلَّ على تقسيم القَرَاريط على العُمَّال، لأنَّ العرب
إذا أرادت تقسيم الشيء على مُتعدِّد كَرَّرَتْه، كما يقال: اقسِم هذا المال على بني فلان دِرْهماً
دِرْهماً، أي: لكلِّ واحد دِرْهماً.
قوله في حديث ابن عمر: ((عَجَزُوا)) قال الدَّاووديُّ: هذا مُشكِل، لأنَّه إن كان المراد مَن
مات منهم مسلماً، فلا يُوصَف بالعَجْزِ لأنَّه عَمِلَ ما أُمِرَ به، وإنْ كان مَن مات بعد التَّغْيير
والتَّْديل، فكيف يُعطَى القيراطَ مَن حَبِطَ عملُه بِكُفْرِه؟ وأورَدَه ابن التِّين قائلاً: قال
بعضُهم: ولم يَنفَصِل عنه. وأُجيبَ بأنَّ المراد مَن مات منهم مسلماً قبل التَّغْيِير والتَّبْديل،
وعَبَّرَ بالعَجْزِ لكَوْنهم لم يَستَوفوا عمل النهار كلّه، وإنْ كانوا قد استَوفَوْا عمل ما قُدِّرَ لهم،
فقوله: ((عَجَزوا)) أي: عن إحراز الأجر الثاني دون الأوَّل، لكنْ مَن أدرَكَ منهم النبيَّ ◌ِلـ
وآمَنَ به، أُعطيَ الأجرَ مَرَّتَينِ كما سبق مُصرَّحاً به في كتاب الإيمان (٩٧).
قال المهلَّب ما معناه: أورَدَ البخاري حديث ابن عمر وحديث أبي موسى في هذه

٥٤٠
باب ١٧ / ح ٥٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
الترجمة ليدلَّ على أنَّه قد يُستَحقّ بعمل البعض أجرُ الكُل، مثل الذي أُعطيَ من العصر إلى
الليل أجرَ النهار كلِّه، فهو نظير مَن يُعطَى أجر الصلاة كلِّها ولو لم يُدرِك إلَّا رَكْعة، وبهذا
تظهر مُطابقة الحديثين للترجمة.
قلت: وتَكْمِلة ذلك أنْ يقال: إنَّ فضل الله الذي أقامَ به عملَ ربع النهار مَقامَ عمل النهار
كلّه، هو الذي اقتَضَى أنْ يقوم إدراك الرَّكْعة الواحدة من الصلاة الرُّباعيَّة - التي هي العصر -
مقامَ إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا في كَوْن كُلٌّ منهما رُبْع العمل، وحَصَلَ بهذا التَّقْرير
الجواب عَمَّن استَشكَل وقوع الجميع أداءً، مع أنَّ الأكثر إنَّما وقع خارجَ الوقت، فيقال في هذا
ما أُجيبَ به أهل الكتابَين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقد استَبعَدَ بعض الشُّرَاح كلام المهلَّب ثمَّ قال: هو مُنفٌَّ عن محلِّ الاستدلال، لأنَّ
الأُمَّة عَمِلَت آخرَ النهار، فكان أفضلَ من عمل المتقدِّمِينَ قبلها، ولا خلاف أنَّ تقديم
الصلاة أفضل من تأخيرها. ثمَّ هو من الخصوصيّات التي لا يقاسُ عليها، لأنَّ صيام آخر
النهار لا يُجْزِئُ عن ◌ُلَته، فكذلك سائر العبادات.
قلت: فاستَبَعَدَ غيرَ مُستبعَد، وليس في كلام المهلَّب ما يقتضي أنَّ إيقاع العبادة في آخر
وقتها أفضل من إيقاعها في أوَّله. وأمَّا إجزاء عمل البعض عن الكُلّ، فمن قَبِيل الفضل،
فهو کالخصوصيّة سواءٌ.
وقال ابن المنيِر: يُستَنَبَط من هذا الحديث أنَّ وقت العمل مُمْتَدّ إلى غُروب الشمس،
وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، قال: فهو من قَبِيل الإشارة لا من
صريح العِبارة، فإنَّ الحديث مِثال، وليس المراد العملَ الخاصّ بهذا الوقت، بل هو شامل
لسائرِ الأعمال من الطّاعات في بقيَّة الأمهال إلى قيام الساعة، وقد قال إمام الحرمين: إنَّ
الأحكام لا تُؤْخَذ من الأحاديث التي تأتي لضَرْب الأمثال.
قلت: وما أبداه مناسبٌ لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا لخصوصٍ
٤٠/٢ الترجمة وهي/ ((مَن أدرَكَ رَكْعة من العصر قبل الغُروب)» بخلاف ما أبداه المهلَّبُ وأكمَلْناه،