Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٩/ ح ٥٣٦-٥٣٨
كتاب مواقيت الصلاة
قلت: يؤيِّدُ الأوَّلَ رواية الإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ: ((فهو أشَدُّ))(١) ويؤيِّدُ الثاني
روايةُ النَّسائيّ (ك١١٥٧٦) من وجهٍ آخرَ بلفظ: ((فأشَدُّ ما تَجِدون من الحَرِّ من حَرِّ
جهنّم))، وفي سياق المصنّف لَفٍّ ونَشْر غير مُرتَّب، وهو مُرتَّبٌ في رواية النَّسائيّ. والمرادُ
بالزَّمْهَرِيرِ شِدَّة البَرْد، واستُشكِلَ وجودُه في النار ولا إشكال، لأنَّ المراد بالنار محلُّها
وفيها طبقةٌ زَمْهَريريَّةٌ. وفي الحديث رَدٌّ على مَن زَعَمَ من المعتزلة وغيرهم أنَّ النارَ لا تُحْلَقُ
إلَّا يومَ القيامة.
تنبيهان:
الأوَّل: قضيّة التَّعليل المذكور قد يُتَوَهَّمُ منها مشروعيَّةُ تأخيرِ الصلاة في وقت شِدَّة
البَرْد، ولم يقل به أحد، لأنَّها تكونُ غالباً في وقت الصبح فلا تزولُ إلَّا بطُلوع الشمس،
فلو ◌ُخّرت خرج الوقت.
الثاني: النَّفَسُ المذكور يَنْشَأُ عنه أشَدُّ الحَرِّ في الصيف، وإنَّما لم يَقتِصِرْ في الأمرِ بالإبراد
على أشَدِّه لوجودِ المشقّة عند شديدِه أيضاً، فالأشَدّيَّةُ تَحصُلُ عند التنفّس، والشِّدَّةُ مستمرّة
بعد ذلك، فيَستمِرُّ الإبراد إلى أنْ تذهبَ الشِّدَّة، والله أعلم.
قوله: ((بالظُّهْر)) قد يُحْتَجُّ به على مشروعيّة الإبراد للجمعة، وقال به بعض الشافعيَّة،
وهو مُقْتَضى صنيع المصنّف كما سيأتي (٩٠٦) في بابه، لكنَّ الْجُمْهورَ على خلافه كما سيأتي
توجیھُه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((تابَعَه سفيان)) هو الثَّوْريّ. قد وَصَلَه المؤلِّفُ في صفة النار من بَدْء الخلق
(٣٢٥٩) ولفظه: ((بالصلاة))، ولم أرَه من طريق سفيان بلفظ: ((بالظّهر)). وفي إسناده
اختلاف على الثَّوْريِّ رواه عبد الرزاق عنه بهذا الإسناد فقال: ((عن أبي هريرة)) بدلَ أبي
سعيد، أخرجه أحمد عنه (١١٤٩٦)، والجَوْزَقيُّ من طريق عبد الرزاق أيضاً، ثمّ روى عن
(١) كذا عزاها الحافظ ابن حجر لرواية الإسماعيلي، وكذا فعل العَيْني في ((عمدة القاري))، وهي رواية
البخاري في هذا الموضع لكن من رواية غير أبوَي ذرِّ والوقت والأَصيلي كما قال القسطلّاني في ((إرشاد
الساري)) ٤٨٨/١.

٥٠٢
باب ١٠ / ح ٥٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
الذُّهْلِّ قال: هذا الحديثُ رواه أصحابُ الأعمش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه
الطريق أشهر(١)، ورواه زائدة وهو مُتَقِنٌّ عنه، فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي
محفوظان، لأنَّ الثَّوْريَّ رواه عن الأعمش بالوجهين.
قوله: ((ويحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وقد وَصَلَه أحمد (١١٤٩٧) عنه بلفظ:
((بالصلاة))، ورواه الإسماعيليّ عن أبي يَعْلى عن المقدَّميّ عن يحيى بلفظ: ((بالظُّهر)).
قوله: ((وأبو عَوَانة)) لم أقِفْ على مَن وصله عنه، وقد أخرجه السَّاج(٢) من طريق محمَّد
ابن عُبيد، والبيهقيُّ (٤٣٧/١) من طريق وكيع، كلاهما عن الأعمش أيضاً بلفظ:
((بالظُّھر)».
٢٠/٢ فائدة: رَتَّبَ المصنّف أحاديث هذا الباب ترتيباً حسناً، فبدأَ بالحديث المطلَق، وثَنَّى
بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت التي ينتهي إليها الإبراد، وهو ظُهورُ فَيْءِ
التُّلول، وثَلَّثَ بالحديث الذي فيه بيان العِلَّة في كَوْن ذلك المطلَق محمولاً على المقيَّد، ورَبَّعَ
بالحديث المفصِح بالتقييد، والله الموفِّق.
١٠ - باب الإبراد بالظهر في السفر
٥٣٩- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّنا مُهاجِرٌ أبو الحَسَن، مَوْلَّى
لبني تَيِّم الله، قال: سمعتُ زيدَ بنَ وَهْب، عن أبي ذَرِّ الغِفاريِّ قال: كنّا مع النبيِّ ◌َّه فِي سَفَرٍ فَأرادَ
المُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ للظُّهْرِ، فقال النبيُّ ◌َ: ((أَبِدْ)) ثمَّ أرادَ أنْ يُؤَذِّنَ فقال له: ((أَبِدْ)) حَتَّى رَأَينا فَيْءَ
التِّلُولِ، فقال النبيُّ وَّةِ: ((إنَّ شِدّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فإذا اشتَّ الحَرُّ فَأَبِدُوا بالصَّلاةِ».
وقال ابنُ عبَّاسٍ: تَتَفِيَّأُ: تَتَمِيَّل.
قوله: ((بابُ الإبرادِ بالظّهرِ فِي السَّفَر)) أراد بهذه الترجمة أنَّ الإبراد لا يَخْتَصُّ بالحَضَرِ،
(١) انظر («المسند)) (١١٤٩٠).
(٢) قد رواه من هذا الطريق من هو أعلى طبقة وأشهر من السراج، وهو الإمام أحمد في «مسنده)) (١١٤٩٠)،
فكان العزو له أَولى، وأما رواية السرَّاج فهي في ((حديثه)) بتخريج الشَّحّامي برقم (١٥٤٦).

٥٠٣
باب ١٠ / ح ٥٣٩
كتاب مواقيت الصلاة
لكنَّ محلّ ذلك ما إذا كان المسافرُ نازلاً، أمَّا إذا كان سائراً أو على سيرٍ، ففيه جمعُ التقديم أو
التأخيرِ كما سيأتي في بابه(١). وأورَدَ فيه حديثَ أبي ذرِّ الماضي مُقيّداً بالسَّفَر، مُشيراً به إلى أنَّ
تلك الروايةَ المطلقةَ محمولةٌ على هذه المقيَّدة.
قوله: «فأراد المؤذِّنُ)) في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة (٣٢٤/١) عن شَبَابة، ومُسدَّدٍ عن
أُميَّةَ بن خالد، والِّرمِذيِّ (١٥٨) من طريق أبي داود الطَّيالسيّ، وأبي عَوَانَ (٣٤٧٨) من
طريق حفصٍ بن عمر ووَهْب بن جَرِير، والطَّحاويِّ (١٨٦/١) والجَوْزَقِيٍّ من طريق
وَهْب أيضاً، كلهم عن شُعْبة، التصريحُ بأنَّه بلالٌ.
قوله: ((ثمَّ أراد أنْ يُؤَذِّنَ فقال له: أبرِد» زاد أبو داود (٤٠١) في روايته عن أبي الوليد عن
شُعْبة: ((مَرَّتَيْنِ أو ثلاثاً) وجَزَمَ مسلمُ بن إبراهيمَ عن شُعْبةَ بذِكْر الثالثة، وهو عند المصنِّف
(٦٢٩) في ((باب الأذان للمسافرين)).
فإن قيل: الإبرادُ للصلاة، فكيف أمر المؤَذِّنَ به للأذان؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك مبنيٌّ على
أنَّ الأذانَ هل هو للوقتِ أو للصلاة؟ وفيه خلافٌ مشهور، والأمرُ المذكورُ يقوِّي القولَ
بأنَّه للصلاة. وأجاب الكِرْمانيُّ بأنَّ عادتَهم جَرَت بأنَّهم لا يَتخلَّفون عند سماع الأذان عن
الحضور إلى الجماعة، فالإبرادُ بالأذان لغَرَض الإبراد بالصلاة، قال: ويحتمل أنَّ المراد
بالتأذينِ هنا الإقامة.
قلت: ويَشهَدُ له روايةُ التِّرمِذيِّ من طريق أبي داود الطَّيالسيِّ عن شُعْبةَ بلفظ: «فأراد
بلالٌ أنْ يُقيم))، لكنْ رواه أبو عَوَانَةَ من طريق حفص بن عمر عن شُعْبةَ بلفظ: ((فأراد بلالٌ
أنْ يُؤْذِّن)) وفيه: ((ثمَّ أمره فأذَّنَ وأقام))، ويُجمَعُ بينهما بأنَّ إقامتَه كانت لا تَتخلَّفُ عن الأذان
لمحافظتِهِوََّ على الصلاة في أوَّل الوقت، فروايةُ: ((فأراد بلالٌ أنْ يُقيم)) أي: أنْ يُؤْذِّنَ ثمّ
يقيم، وروايةُ: ((فأراد أنْ يُؤذِّن) أي: ثمَّ یقیم.
قوله: ((حتَّى رأينا فَيْءَ التِّلُول)) هذه الغايةُ مُتعلِّقةٌ بقوله: ((فقال له: أبرِد)) أي: كان يقول
(١) عند شرح الحديث رقم (١١١٢) من كتاب تقصير الصلاة: ١٦ - باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس
صلَّى الظهر ثم رکب.

٥٠٤
باب ١١
فتح الباري بشرح البخاري
له في الزمان الذي قبلَ الرُّؤْية: أبرِد، أو مُتعلِّقةٌ بأبِرِدْ، أي: قال له: أبرِدْ إلى أنْ يُرى، أو
مُتعلِّقٌ بِمُقدَّرٍ، أي: قال له: أبرِدْ فأبرَدَ إلى أنْ رأينا، والفَيءُ بفتح الفاء وسكون الياء بعدها
همزةٌ: هو ما بعد الزّوال من الظِّل، والتُّلولُ: جمعُ ثَلِّ بفتح المثنَّة وتشديد اللّم: كلُّ
ما اجتمع على الأرض من ترابٍ أو رَمْلٍ أو نحو ذلك، وهي في الغالب مُنبطِحةٌ غيرُ
شاخصةٍ، فلا يَظْهَرُ لها ظِلٌّ إلَّا إذا ذهبَ أكثرُ وقت الظُّهر.
وقد اختلف العلماءُ في غاية الإبراد، فقيل: حتَّى يصيرَ الظُّلُّ ذِراعاً بعد ظِلِّ الزّوال،
وقيل: رُبعَ قامة، وقيل: ثُلُثَها، وقيل: نصفَها، وقيل غيرُ ذلك، وَزَّلها المازَرِيُّ على اختلاف
٢١/٢ الأوقات، والجاري على / القواعدِ أنَّه يختلفُ باختلاف الأحوال، لكنْ يُشتَرطُ أنْ لا يَمَدَّ إلى
آخر الوقت، وأمَّا ما وقع عند المصنِّف في الأذان عن مسلم بن إبراهيمَ عن شُعْبةَ بلفظ:
((حَتَّى ساوَى الظُّلُّ التُّلولَ)) فظاهرُه يقتضي أنَّه أخّرَها إلى أنْ صارَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه، ويحتمل
أنْ يُراد بهذه المساواة ظُهورُ الظِّلِّ بجَنْب الثَّلِّ بعد أنْ لم يكن ظاهراً، فساواه في الظُّهور لا في
المِقْدار، أو يقال: قد كان ذلك في السَّفَرِ، فلعلَّه أخَّرَ الظُّهرَ حتَّى يجمعها مع العصر.
قوله: ((وقال ابنُ عبَّاسِ: تتفيَّا: تتميَّلُ)) أي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾
[النحل: ٤٨]: معناه: يَتميَّلُ، كأنَّ أراد أنَّ الفَيءَ سُمّيَ بذلك لأنَّه ظِلّ مائلٌ من جهةٍ إلى
أُخرى، و(تَتَفَيّا) في روايتنا بالمثنَّةِ الفَوْقانيَّة، أي: الظِّلالُ، وقُرِئَ أيضاً بالتَّحْتَانِيَّة، أي:
الشيءُ، والقراءتان شَهِيرَتان(١). وهذا التَّعْليقُ في رواية المُستَمْلِي وكَرِيمة، وقد وَصَلَه ابن
أبي حاتم في ((تفسيره))(٢).
١١ - بابٌ وقت الظهر عند الزَّوَال
وقال جابرٌ: كان النبيُّ ◌َلّه يُصلِّ بالهاجِرَة.
(١) قرأها بالمثنَّة الفوقانية من السبعة أبو عمرو البصري، والباقون بالتحتانية.
(٢) أورده الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٥٤/٢ عن ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس، ووصله أيضاً ابن
جرير الطبري في ((تفسيره)) ١١٥/١٤.

٥٠٥
باب ١١ / ح ٥٤٠
كتاب مواقيت الصلاة
٥٤٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ:
أنَّ رسولَ اللهِوََّ خِرِجَ حينَ زاغَتِ الشمسُ فصَلَّى الظُّهر، فقامَ على المِنْبِرِ فَذَكَرَ الساعةَ فَذَكَرَ
أنَّ فيها أُمُوراً عِظاماً، ثمَّ قال: ((مَن أحَبَّ أنْ يَسْألَ عن شيءٍ فَلْيَسألُ، فلا تَسألُوني عن شيءٍ إلا
أخبَرَتُكُم ما دُمْتُ في مَقَامي هذا» فأكثرَ النّاسُ في البُكاء، وأكثرَ أنْ يقولَ: ((سَلُوني)) فقامَ
عبدُ الله بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فقال: مَن أَبي؟ قال: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ) ثمَّ أَكثرَ أنْ يقولَ: ((سَلُوني))
فَبَرَكَ عمرُ على رُكْبَتَهِ فقال: رَضِينا بالله رَبّاً، وبالإسلام دِيناً، وبمُحمَّدٍ نَبِيّاً، فسَكَتَ ثمّ قال:
((عُرِضَتْ عليَّ الجنَّةُ والنّارُ آنِفاً في عُرْضِ هذا الحائطِ، فلم أرَ كالخَيرِ والشَّرِ)).
قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((وقتُ الظُّهر)) أي: ابتداؤُهُ ((عندَ الزَّوال)) أي: زوال الشمس، وهو
مَيلُها إلى جهة المغرب. وأشارَ بهذه الترجمة إلى الرَّدِّ على مَن زَعَمَ من الكوفيّينَ أنَّ الصلاة لا
تَجِبُ بأوَّل الوقت كما سيأتي. ونَقَلَ ابن بَطَّالٍ أنَّ الفُقَهاءَ بأسرِهم على خلاف ما نُقِلَ عن
الكَرْخِيِّ عن أبي حَنِيفةَ: أنَّ الصلاة في أوَّل الوقت تَقَعُ نَفْلاً. انتهى، والمعروفُ عند الحنفيَّة
تضعيفُ هذا القول، ونَقَلَ بعضُهم أنَّ أوَّلَ الظَّهر إذا صارَ الفَيُ قَدْرَ الشِّراك.
قوله: ((وقال جابرٌ)) هو طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه المصنّف في (٥٦٠) ((باب وقت
المغرب)) بلفظ: ((كان يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرة)) والهاجرةُ: اشتدادُ الحَرِّ في نصف النهار، قيل:
◌ُمّيَت بذلك من الهَجْر: وهو التَّرْكُ، لأنَّ الناسَ يَترُكون التصرُّفَ حينئذٍ لِشِدَّةِ الحَرِّ
ويَقیلون.
وحديثُ أنسٍ تقدَّم في العِلْم (٩٣) في ((باب مَن بَرَكَ على رُكْبَتَيْه)) بهذا الإسناد لكنْ
باختصار، وسيأتي الكلامُ على فوائده مُستَوعَباً إن شاءَ الله تعالى في كتاب الاعتصام
(٧٢٩٤).
قوله: ((زاغَتْ)) أي: مالَت، وقد رواه التِّرمِذيُّ (١٥٦) بلفظ: ((زالَت))، والغَرَضُ منه
هنا صَدْرُ الحديث وهو قوله: ((خرج حين زاغت الشمسُ فصلَّى الظُّهر)) فإنَّه يقتضى أنَّ
زوالَ الشمس أوَّلُ وقت الظُّهر، إذْ لم يُنقَلْ أنَّه صلَّى قبلَه، وهذا هو الذي استَقَرَّ عليه

٥٠٦
باب ١١ / ح ٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
الإجماعُ، وكان فيه خلافٌ قديمٌ عن بعض الصحابة أنَّه جَوَّزَ صلاة الظّهر قُبِيلَ الزَّوال،
وعن أحمد وإسحاقَ مثلُه في الجمعة كما سيأتي في بابه(١).
قوله: ((في عُرْضِ هذا الحائط)» بضمِّ العين، أي: جانبِهِ أو وَسَطِهِ.
قوله: ((فلم أرَ كالخَيرِ والشَّ)) أي: المرئيِّ في ذلك المقام.
٢٢/٢ ٥٤١- حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبة، عن أبي المِنْهال، عن أبي بَرْزَ: كان النبيُّ
وَلَه يُصلِّى الصبحَ وأحدُنا يَعْرِفُ جَلِيسَه، ويَقْرَأُ فيها ما بينَ السِّئِّينَ إلى المئةِ، ويُصلِّ الظَّهرَ إذا
زالَتِ الشمسُ، والعصرَ وأحدُنا يَذهَبُ إلى أقصى المدينةِ رَجَعَ والشمسُ حَيَّةٌ - ونَسِيتُ ما قال
في المغربٍ - ولا يُبالي بتَأْخِيرِ العِشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّلِ، ثمَّ قال: إلى شَطْرِ اللَيلِ.
وقال مُعاذٌ: قال شُعْبةُ: لَقِيتُهُ مَرّةً فقال: أو ثُلُثِ اللَّيل.
[أطرافه في: ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١]
قوله: ((عن أبي المِنْهال)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((حدَّثنا أبو المنهال)» وهو سَيّارُ بن سَلاَمَةً
الآتي ذكره في « باب وقت العصر)) (٥٤٧) من روایة عَوْفٍ عنه.
قوله: ((يَعْرِفُ جليسَه)) أي: الذي بجَنْبِهِ، ففي رواية الجَوْزَقِيِّ من طريق وَهْب بن
جَرِيرٍ عن شُعْبة: فيَنظُرُ الرجلُ إلى جليسِه إلى جَنْبِهِ فَيَعرِفُ وجهَه، ولأحمد (١٩٧٦٧):
فينصرفُ الرجلُ فَيَعِرِفُ وجهَ جليسِه، وفي رواية لمسلم (٢٣٥/٦٤٧): فيَنْظُر إلى وجه
جليسِه الذي يَعرِفُ فيَعرِفُه، وله في أُخرى (٢٣٧/٦٤٧): ونَنْصَرِفُ حين يَعرِفُ بعضُنا
وجه بعض.
قوله: ((والعصرَ)) بالنصب، أي: ويُصلِّ العصر.
قوله: ((وأحدُنا يذهبُ إلى أقصَى المدينة رَجَعَ والشمسُ حَيَّةٌ)) كذا وقع هنا في رواية أبي
ذرِّ والأَصِيلي، وفي رواية غير هما: ((ويَرجِعُ)) بزيادة واوٍ وبصيغة المضارَعة، وعليها شرح
الخطّابِي، وظاهرُه حصول الذَّهاب إلى أقصى المدينة والرجوعُ من ثَمَّ إلى المسجد، لكنْ في
(١) كتاب الجمعة: ١٦ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.

٥٠٧
باب ١١/ ح ٥٤١
كتاب مواقيت الصلاة
رواية عَوْفٍ الآتية قريباً (٥٤٧): ((ثُمَّ يَرجِعُ أحدُنا إلى رَحْلِه في أقصَى المدينة والشمسُ
حَيَّةٌ)) فليس فيه إلَّ الذَّهابُ فقط دون الرجوع، وطريقُ الجمع بينها وبينَ رواية الباب أنْ
يقال: يحتمل أنَّ الواوَ في قوله: ((وأحدُنا)) بمعنى ((ثُمّ)) على قول مَن قال: إنَّها تَرِدُ للترتيب
مثلُ (ثم))، وفيه تقديمٌ وتأخير، والتقديرُ: ثمَّ يذهبُ أحدُنا، أي: مَمَّن صلَّى معه، وأمَّا
قوله: (رَجَع)) فيحتمل أنْ يكون بمعنى: يَرجِعُ، ويكونُ بياناً لقوله: يذهبُ، ويحتمل أنْ
يكون رَجَعَ في موضع الحال، أي: يذهبُ راجعاً، ويحتمل أنَّ أداةَ الشَّرْطِ سَقَطَت إمَّا
((لو)) أو ((إذا))، والتقديرُ: ولو يذهبُ أحدُنا ... إلى آخره، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أنْ يكون
(رَجَع)) خبراً للمبتدَأ الذي هو ((أحدُنا))، و((يذهبُ)) جُمْلةٌ حاليَّة، وهو وإنْ كان مُتَمَلاً
من جهة اللفظ، لكنَّه يُغايِرُ روايةَ عَوْف، وقد رواه أحمدُ (١٩٨١١) عن حَجّاج بن محمَّدٍ
عن شُعْبةَ بلفظ: ((والعصرَ يَرجِعُ الرجلُ إلى أقصَى المدينة والشمسُ حَيَّةٌ))، ولمسلم
(٢٣٥/٦٤٧) والنَّسائيِّ (٤٩٥) من طريق خالدٍ بن الحارثِ عن شُعْبةَ مثلُه لكنْ بلفظ:
((يذهبُ)) بدل: يَرجِع.
وقال الكِرْمانيُّ أيضاً بعد أنْ حكى احتمالاً آخرَ: وهو - أي: قوله: رَجَعَ - عطفٌ على
((يذهبُ)) والواوُ مُقدَّرَةٌ، و((رَجَع)) بمعنى: يَرجِع. انتهى، وهذا الاحتمالُ الأخيرُ جَزَمَ به
ابن بَطَّال، وهو موافقٌ للرواية التي حَكَيناها، ويؤيِّدُ ذلك روايةٌ أبي داود (٣٩٨) عن
حفصٍ بن عمرَ شيخ البخاري فيه بلفظ: ((وإنَّ أحدَنا لَيذهبُ إلى أقصى المدينة ويَرجِعُ
والشمسُ حَيَّةٌ))، وقد قدَّمنا ما يَرِدُ عليها، وأنَّ روايةَ عَوْفٍ أوضحَت أنَّ المراد بالرجوع:
الذَّهابُ إلى المنزل من المسجد، وإنَّما سُمّيَ رُجوعاً لأنَّ ابتداءَ المجيءِ كان من المنزل إلى
المسجد، فكان الذَّهابُ منه إلى المنزل رُجوعاً. وسيأتي الكلامُ على بقيّة مباحث هذا
الحديث في ((باب وقت العصر)) قريباً (٥٤٧).
قوله: ((وقال مُعاذٌ)) هو ابن مُعاذٍ البصريُّ ((عن شُعْبةَ)) أي: بإسناده المذكور. وهذا
التَّعْلِيقُ وَصَلَه مسلمٌ (٢٣٦/٦٤٧) عن عبيد الله بن مُعاذٍ عن أبيه به، والإسنادُ كلُّه
بصريّون، وكذا الذي قبله. وجَزَمَ حَمَّادُ بن سَلَمةَ عن أبي المنهال عند مسلم (٦٤٧ / ٢٣٧)

٥٠٨
باب ١١ / ح ٥٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
بقوله: ((إلى ثُلُثِ الليل))، وكذا لأحمد (١٩٨١١) عن حَجّاجٍ عن شُعْبة.
٥٤٢- حدَّثنا محمَّدٌ يعني ابنَ مُقاتِل، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا خالدُ بنُ
٢٣/٢ عبدِ الرَّحمن، حدَّثني / غالبُ القَطّانُ، عن بَكْر بنِ عبدِ الله المُزَنيّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كنَّا
إذا صَلَّينا خلفَ رسولِ الله وَّرَ بِالظَّهائِرِ سَجَدْنا على ثيابِنا اتِّقاءَ الحَرِّ.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّدٌ)) كذا للأَصِيلِيِّ وغيره، ولأبي ذرّ: ابن مُقاتل(١).
قوله: ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((أخبرنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمن)) كذا وقع هنا مُهمَلاً، وهو السُّلَميُّ واسمُ جدِّه
بُكَير، وثبت الأمران في ((مُستخرَج)) الإسماعيلي، وليس له عند البخاريِّ غيرُ هذا الحديث
الواحد، وفي طبقتِه خالدُ بن عبد الرحمن الخُراسانيُّ نزيلُ دمشقَ، وخالدُ بن عبد الرحمن
الكوفيُّ العبديُّ، ولم يُرِّجْ لهما البخاريُّ شيئاً.
قوله: ((بالظَّهائر) جمعُ ظَهِيرة: وهي الهاجرةُ، والمرادُ صلاةُ الظُّهر.
قوله: ((سَجَدْنا على ثيابنا)) كذا في رواية أبي ذرِّ والأكثرين، وفي رواية كَرِيمة: ((فَسَجَدْنا))
بزيادة فاءٍ وهي عاطفةٌ على شيءٍ مُقدَّر.
قوله: (اتِّقاءَ الحَّ)) أي: للوقاية من الحر، وقد روى هذا الحديث بِشرُ بن المفضَّل عن
غالبٍ كما مضى (٣٨٥)، ولفظُه مُغَايِرٌ للفظِهِ، لكنَّ المعنى مُتقارب، وقد تقدَّم الكلامُ عليه
في ((باب السجود على الثوب في شِدَّة الحَرّ)).
وفيه الجوابُ عن استدلال مَن استَدلَّ به على جواز السجود على الثوب ولو كان
يتحرَّكُ بِحَرَكِتِهِ، وفيه المبادَرة لصلاة الظُّهر ولو كان في شِدَّة الحَرّ، ولا يخالفُ ذلك الأمرَ
بالإبراد، بل هو لبيان الجواز وإنْ كان الإبرادُ أفضل، والله أعلم.
(١) يعني أن أبا ذر قال في روايته: ((حدثنا محمد بن مقاتل)) بإسقاط كلمة ((يعني))، وهكذا ذكر القسطلَّاني في
((إرشاد الساري)) ١/ ٤٩٠ لكن ضمَّ إلى أبي ذر أبا الوقت والأصيليَّ على عكس ما صنع الحافظ هنا في
الأصیلي، والله أعلم.

٥٠٩
باب ١٢ / ح ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
١٢ - باب تأخير الظهر إلى العصر
٥٤٣- حذَّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، هو ابنُ زیدٍ، عن عَمْرِو بنِ دِینارٍ، عن جابرِ
ابنِ زيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َهِ صَلَّى بالمدينةِ سَبْعاً وثَمانياً الظَّهرَ والعصرَ، والمغربَ
والعِشاءَ. فقال أيوبُ: لعلَّه في ليلةٍ مَطِيرةٍ؟ قال: عَسَى.
[طرفاه في: ٥٦٢، ١١٧٤]
قوله: ((باب تأخير الظّهر إلى العصر)) أي: إلى أوَّل وقت العصر، والمرادُ أنَّه عند فراغه
منها دخل وقتُ العصر كما سيأتي عن أبي الشَّعْثاء راوي الحديث، وقال الزَّينُ بن المنِر:
أشارَ البخاريُّ إلى إثبات القول باشتراك الوقتَين، لكنْ لم يُصرِّحْ بذلك على عادتِه في الأُمور
المحتَمَلة، لأنَّ لفظ الحديث يحتمل ذلك ويحتمل غيرَه، قال: والترجمةُ مُشعِرةٌ بانتفاء
الفاصلة بين الوقتَين، وقد نَقَلَ ابن بَطَّالٍ عن الشافعيِّ وتبعه غيرُه فقالوا: قال الشافعيُّ:
بينَ وقت الظُّهر وبينَ وقت العصر فاصلةٌ لا تكونُ وقتاً للظُّهر ولا للعصر. انتهى، ولا
يُعرَفُ ذلك في كتب المذهب عن الشافعي، وإنَّما المنقولُ عنه أنَّه كان يذهبُ إلى أنَّ آخرَ
وقت الظُّهر يَنفصِلُ من أوَّل وقت العصر، ومرادُه نفيُ القول بالاشتراك، ويدلُّ عليه أنَّه
احتَجَّ بقول ابن عبّاس: وقتُ الظَّهر إلى العصر والعصر إلى المغرب(١)، فكما أنَّه لا اشتراكَ
بين العصر والمغرب، هكذا لا اشتراكَ بين الظُّهر والعصر.
قوله: ((عن جابرِ بنِ زيدٍ)) هو أبو الشَّعْثاء، والإسنادُ كلُّه بصريّون.
قوله: ((سَبْعاً وثَمانيا)) أي: سَبْعاً جميعاً وثَمانياً جميعاً كما صَرَّحَ به في ((باب وقت المغرب))
(٥٦٢) من طريق شُعْبةً عن عمرو بن دينار.
قوله: ((فقال أبوبُ)) هو السَّخْتيانيُّ، والمَقُولُ له هو أبو الشَّعْثاء.
قوله: ((عَسَى)) أي: أنْ يكون كما قلتَ، واحتمالُ المطرِ قال به أيضاً مالكٌ (١/ ١٤٤)
عَقِبَ إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزُّبَير عن سعيد بن جُبَيرٍ عن ابن عبّاسٍ / نحوه، وقال ٢٤/٢
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٢٦)، والبيهقي ٣٦٦/١.

٥١٠
باب ١٢ / ح ٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
بدلَ قوله «بالمدينة)»: ((من غير خَوْفٍ ولا سفر)) قال مالكٌ: لعلَّه كان في مَطَر. لكنْ رواه
مسلمٌ وأصحابُ السُّنن(١) من طريق حبيب بن أبي ثابتٍ عن سعيد بن جُبَيٍ بلفظ: ((من
غير خَوْفٍ ولا مَطَر)) فانتَفَى أنْ يكون الجمعُ المذكورُ للخَوْف أو السَّفَر أو المطر.
وجَوَّزَ بعضُ العلماء أنْ يكون الجمعُ المذكورُ للمرض، وقَوّاه النَّوُّ، وفيه نظر، لأنَّه
لو كان جمعُهُ وَّه بين الصلاتَينِ لعارض المرض لمَا صلَّى معه إلَّا مَن به نحوُ ذلك العُذْر،
والظاهرُ أنَّه ◌َ لّ جمع بأصحابه، وقد صَرَّحَ بذلك ابن عبّاس في روايته.
قال النَّوويُّ: ومنهم مَن تأوَّلَه على أنَّه كان في غَيْم فصلَّى الظُّهرَ ثمَّ انكَشَفَ الغَيمُ مَثلاً
فبانَ أنَّ وقتَ العصر دخل فصَلّاها، قال: وهو باطل، لأنَّه وإنْ كان فيه أدنَی احتمالٍ في
الظُّهر والعصر، فلا احتمالَ فيه في المغرب والعِشاء. انتهى، وكأنَّ نفيَه الاحتمالَ مبنيٌّ على
أنَّه ليس للمغرب إلَّ وقتٌ واحد، والمختارُ عنده خلافُه، وهو أنَّ وقتَها يَمتَدُّ إلى العِشاء،
فعلى هذا فالاحتمالُ قائمٌ.
قال: ومنهم مَن تأوَّلَه على أنَّ الجمعَ المذكور صُورِيّ، بأنْ يكون أخّرَ الظُّهرَ إلى آخر
وقتها وعَجَّلَ العصرَ في أوَّل وقتها. قال: وهو احتمالٌ ضعيفٌ أو باطل، لأنَّه مخالفٌ
للظاهر مخالفةً لا تُحتمَلُ. انتهى، وهذا الذي ضَعَّفَه استحسنه القُرْطبيُّ، ورَجَّحَه قبلَه إمامُ
الحرمينِ (٢)، وجَزَمَ به من القُدَماء ابن الماِشُون والطَّحاويُّ (١٤٦/١)، وقَوّاه ابن سيِّدِ
الناس(٣) بأنَّ أبا الشَّعْثاء وهو راوي الحديث عن ابن عبّاسٍ قد قال به، وذلك فيما رواه
الشَّيخان (٤) من طريق ابن عُيَينةَ عن عَمْرو بن دينار، فذكر هذا الحديث وزاد: قلت: يا أبا
الشَّعْثاء، أظنُّه أخَّرَ الظُّهرَ وعَجَّلَ العصرَ، وأَخَّرَ المغربَ وعَجَّلَ العِشاء، قال: وأنا أظنُّه.
قال ابن سيِّدِ الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره.
(١) مسلم (٧٠٥) (٥٤)، وأبو داود (١٢١١)، والترمذي (١٨٧)، والنسائي (٦٠١).
(٢) والحافظ ابن عبد البر أيضاً في كتابه «التمهيد)» ٢١٦/١٢ -٢٢٠.
(٣) في شرحه على الترمذي المسمّى ((النفح الشَّذيّ)) ١ / ورقة ٨٠.
(٤) البخاري (١١٧٤)، ومسلم (٧٠٥) (٥٥).

٥١١
باب ١٣
كتاب مواقيت الصلاة
قلت: لكنْ لم يَجِزِم بذلك، بل لم يَستمِرَّ عليه، فقد تقدَّم كلامُه لأيوبَ وتجويُزُه أنْ
يكون الجمعُ بعُذْرِ المطر، لكنْ يقوِّي ما ذكره من الجمع الصُّوريِّ أنَّ طرقَ الحديث كلَّها
ليس فيها تَعرُّضٌ لوقتِ الجمع، فإمَّا أنْ تُحمَلَ على مُطلَقِها فيستلزم إخراجَ الصلاة عن
وقتها المحدود بغير عُذْر، وإمَّا أنْ تُحمَلَ على صفةٍ مخصوصةٍ لا تَستَلِمُ الإخراجَ وُجْمَعُ بها
بين مُفْتَرَق الأحاديث، والجمعُ الصّوريُّ أَولى، والله أعلم.
وقد ذهبَ جماعةٌ من الأئمّة إلى الأخذِ بظاهر هذا الحديث، فجَوَّزوا الجمعَ في الحَضَرِ
للحاجة مُطلَقاً، لكنْ بشرطِ أنْ لا يُتَّخَذَ ذلك عادةً، وممّن قال به ابن سِيرِينَ وربيعةٌ
وأشهَبُ وابن المنذِرِ والقَفّالُ الكبير، وحكاه الخطّابيُّ عن جماعةٍ من أصحاب الحديث،
واستدلَّ لهم بما وقع عند مسلم (٧٠٥/ ٥٤) في هذا الحديث من طريق سعيدٍ بن جُبَيٍ قال:
فقلت لابن عبَّاس: لمَ فعل ذلك؟ قال: أراد أنْ لا يُجِرِجَ أحداً من أُمّتِه. وللنَّسائيِّ (٥٩٠)
من طريق عَمْرو بن هَرِمٍ عن أبي الشَّعْثاء: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ صلَّى بالبصرة الأُولى والعصرَ ليس
بينهما شيء، والمغربَ والعِشاءَ ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شُغْل، وفيه رفعُه إلى النبيِّ
وَّة، وفي رواية لمسلم (٥٧/٧٠٥) من طريق عبد الله بن شَقِيق: أنَّ شُغْلَ ابن عبّاسٍ
المذكور كان بالخُطْبة، وأنَّه خَطَبَ بعد صلاة العصر إلى أنْ بَدَت النُّجومُ، ثمَّ جمع بين
المغرب والعشاء، وفيه تصديقُ أبي هريرة لابن عبّاسٍ في رَفْعِه. وما ذكره ابن عبّاسٍ من
التَّعْليل بنفي الخَرَج ظاهرٌ من مُطلَق الجمع، وقد جاء مثلُه عن ابن مسعودٍ مرفوعاً أخرجه
الطَّبرانيُّ(١) ولفظُه: جمع رسولُ الله ◌َّهِ بين الظُّهر والعصر وبينَ المغرب والعِشاء، فقيل له
في ذلك، فقال: ((صنعت هذا لئلّا تَحَرَجَ أُمَّتي))، وإرادةُ نفي الحرج يَقدَحُ في حَمْلِه على الجمع
الصُّوري، لأنَّ القَصْدَ إليه لا يَخْلو عن حرجٍ.
١٣- باب وقت العصر
وقال أبو أُسامةَ، عن هشامٍ: في قَعْرِ حُجْرتها.
٢٥/٢
(١) في ((الأوسط)) (٤١١٧) و((الكبير)) (١٠٥٢٥)، وفي إسناده عبد الله بن عبد القدّوس، وهو ضعيف
صاحب مناکیر.

٥١٢
باب ١٣ / ح ٥٤٤ -٥٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
٥٤٤- حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِيَاض، عن هشام، عن أبيهِ، أنَّ
عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ◌ِ ﴾( يُصلِّي العصر والشمسُ لم تَخْرُجْ مِن حُجْرتها.
٥٤٥- حدَّثنا قُتَبةُ، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهَاب، عن عُرْوة، عن عائشةَ: أنَّ
رسولَ اللهِوَّهِ صَلَّى العصرَ والشمسُ في حُجْرتها، لم يَظهَرِ الفَيءُ مِن حُجْرتها.
٥٤٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: أخبرنا ابنُ عُيَينة، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوة، عن عائشةَ قالت:
كان النبيُّ ◌َ﴿ يُصلِّي صلاةَ العصرِ والشمسُ طالعةٌ في حُجْرتي لم يَظهَرِ الفَيُ بعدُ.
وقال مالكٌ ويحيى بنُ سعيدٍ وشُعَيبٌ وابنُ أبي حَفْصةَ: والشمسُ قبلَ أنْ تَظهَرَ.
قوله:(باب وقت العصر. وقال أبو أسامةَ عن هشام: في قَعْرِ حُجْرتها)) كذا وقع هذا
التَّعْلِيقُ في رواية أبي ذرِّ والأَصِيلِيِّ وكَرِيمة، والصوابُ تأخيرُه عن الإسناد الموصول كما
جَرَت به عادةُ المصنَّف. والحاصلُ أنَّ أنسَ بنَ عِيَاضٍ - وهو أبو ضَمْرة الليثيُّ - وأبا أُسامةَ
رَوَيا الحديث عن هشام - وهو ابن عُرْوة بن الزُّبَير - عن أبيه عن عائشةَ، وزاد أبو أُسامةَ
التقييدَ بقَعْرِ الحُجْرة، وهو أوضحُ في تعجيل العصر من الرواية المطلقة، وقد وَصَلَ
الإسماعيليُّ طريقَ أبي أُسامةَ في ((مُستخرَجِه)) لكنْ بلفظ: (والشمسُ واقعةٌ فِي حُجْرتي)»،
وعُرِفَ بذلك أنَّ الضميرَ في قوله: ((حُجْرتها)) لعائشة، وفيه نوعُ الْتِفات. وإسنادُ أبي ضَمْرة
كلُّهم مدنيُّون، والمرادُ بالْحُجْرة - وهي بضمِّ المهمَلة وسكون الجيم - البيتُ، والمرادُ
بالشمس ضَوْؤُها.
وقولُه في رواية الزُّهْريِّ: ((والشمسُ في حُجْرتها)) أي: باقيةٌ.
وقوله: ((لم يَظهَر الفَيءُ)) أي: في الموضع الذي كانت الشمسُ فيه. وقد تقدَّم في أوَّل
المواقيتِ (٥٢٢) من طريق مالكٍ عن الزُّهْريِّ بلفظ: ((والشمسُ في حُجْرتها قبلَ أنْ تظهر))
أي: ترتَفِع، فهذا الظُّهورُ غيرُ ذلك الظُّهور. ومُحصَّلُه أنَّ المراد بظُهور الشمس خروجُها من
الحُجْرة، وبظُهور الفَيءِ انبساطُه في الحُجْرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأنَّ انبساطَ
الفَيءٍ لا يكونُ إلَّا بعد خروج الشمس.

٥١٣
باب ١٣ / ح ٥٤٤-٥٤٦
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((ابنُ عُيَينَةَ عن الزُّهْريّ) في رواية الحميديِّ في («مسنده)) (١٧٠): عن ابن عُيَينَةَ
حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، وفي رواية محمَّد بن منصورٍ عند الإسماعيليّ: عن سفيانَ سمعتْه أُذُناي
ووَعَاه قَلْبي من الزُّهْريّ.
قوله: ((والشمسُ طالِعةٌ))، أي: ظاهرةٌ.
قوله: «بعدُ» بالضمِّ بلا تنوين.
قوله: ((وقال مالكٌ ... )) إلى آخره، يعني أنَّ الأربعةَ المذكورين رَوَوْه عن الزُّهْريِّ بهذا
الإسناد فجعلوا الظَّهورَ للشمس، وابن عُبَينَةَ جعله للفَيء، وقد قدَّمنا توجيه ذلك وطريقَ
الجمع بينهما، وأنَّ طريقَ مالكٍ وَصَلها المؤلِّفُ في أوَّل المواقيتِ (٥٢٢)، وأمَّا طريقُ يحيى
بن سعيدٍ - وهو الأنصاريُّ - فَوَصَلها الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))، وأمَّا طريقُ شُعَيب - وهو
ابن أبي حمزةَ - فَوَصَلها الطَّبرانيُّ في ((مسند الشاميين)) (٣٠٩٤)، وأمَّا طريقُ ابن أبي حفصةً
- وهو محمَّدُ بن مَيْسرةَ - فرُوِّيناها من طريق ابن عَديٍّ في نسخة إبراهيمَ بن طَهْمانَ عن ابن
أبي حفصة.
والمستفادُ من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أوَّل وقتها، وهذا هو الذي فهمَتْه
عائشةٌ، وكذا الراوي عنها عُرْوةُ، واحتَجَّ به على عمرَ بن عبد العزيز في تأخيرِه صلاة
العصر كما تقدَّم (٥٢١). وشَذَّ الطَّحاويُّ فقال: / لا دلالةَ فيه على التَّعْجيل لاحتمال أن٢٦/٢َّ
الحُجْرةَ كانت قصيرةَ الجدار، فلم تَكُن الشمسُ تحتجِبُ عنها إلَّا بقُرْب غُروبها، فيدلُّ على
التأخيرِ لا على التَّعْجيل. وتُعُقِّبَ بأنَّ الذي ذكره من الاحتمال إنَّما يُتَصَوَّرُ مع اتِّساع
الحُجْرة، وقد عُرِفَ بالاستفاضة والمشاهدة أنَّ حُجَرَ أزواج النبيِّوَّه لم تكن مُتَّسِعةً، ولا
يكونُ ضَوْءُ الشمس باقياً في قَعْرِ الحُجْرة الصغيرة إلَّ والشمسُ قائمةٌ مرتفعة، وإلَّا مَتَّى
مالَت جِدّاً ارتفع ضَوْؤُها عن قاع الحُجْرة ولو كانت الجُّدُرُ قصيرةً، قال النَّوويُّ: كانت
الحُجْرةُ ضَيِّقةَ العَرْصة(١) قصيرةَ الجدار بحيثُ كان طولُ جِدارها أقلّ من مسافة العَرْصة
(١) العَرْصةُ: كل بقعة من الأرض بين الدُّور ليس فيها بناءٌ.

٥١٤
باب ١٣ / ح ٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
بشيءٍ يسير، فإذا صارَ ظِلَّ الجدار مِثْلَه، كانت الشمسُ بعدُ في أواخر العَرْصة، انتهى.
وكأنَّ المؤلِّفَ لمَّا لم يقعْ له حديثٌ على شرطِه في تعيين أوَّل وقت العصر - وهو مَصِيرُ
ظِلّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه - استَغْنَى بهذا الحديث الدَّالِّ على ذلك بطريق الاستنباط، وقد أخرج
مسلمٌ (٦١٠- ٦١٤) عِدَّةَ أحاديثَ مُصرَّحةً بالمقصود، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ من أهل العِلْم
مخالَفةٌ في ذلك، إلَّا عن أبي حَنِيفة، فالمشهورُ عنه أنَّه قال: أوَّلُ وقت العصر مَصِيرُ ظِلِّ
كلِّ شيءٍ مِثْلَيه؛ بالتّْنية، قال القُرْطبيُّ: خالفَه الناسُ كلُّهم في ذلك حتَّى أصحابُه؛ يعني
الآخِذينَ عنه، وإلا فقد انتَصَرَ له جماعةٌ عَمَّن جاء بعدهم فقالوا: ثبت الأمرُ بالإبراد، ولا
يَحَصُلُ إلَّا بعد ذهاب اشتداد الحر، ولا يذهبُ في تلك البلاد إلَّا بعد أنْ يصيرَ ظِلُّ الشيءِ
مِثْلَيه، فيكونُ أوَّلُ وقت العصر عند مَصِير ظلِّ الشيء مِثْلَيه، وحكايةٌ مثل هذا تُغْني عن
رَدِّه.
٥٤٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِل، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا عَوْفٌ، عن سَيَّار بنِ
سَلَامةَ قال: دَخَلتُ أنا وأَبي على أبي بَرْزةَ الأسلَمِيِّ، فقال له أَبي: كيفَ كان رسولُ الله ◌ِه
يُصلِّ المكتوبةَ؟ فقال: كان يُصلِى الهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حينَ تَدْحَصُ الشمسُ، ويُصلِّي
العصرَ ثمَّ يَرجِعُ أحدُنا إلى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المدينةِ والشمسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ ما قالَ في المغربِ،
وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ منَ العِشاءِ الَّتِي تَدْعُونَها العَتَمَةَ، وكان يَكْرَه النومَ قبلَها والحديثَ
بعدَها، وكان يَنْفَتِلُ مِن صلاةِ الغَدَاةِ حينَ يَعرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَه، ويَقْرأُ بالسِِّّينَ إلى المِئِ.
قوله: ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك، وعَوْفٌ: هو الأعرابيّ.
قوله: (دَخَلْت أنا وأبي)) زاد الإسماعيليُّ: زمنَ أُخرِجَ ابن زيادٍ من البصرة)). قلت: وكان ذلك
في سنة أربعٍ وسِتّينَ كما سيأتي في كتاب الفِتَن (٧١١٢)، وسَلامٌ والدُ سیّارِ حکی عنه ولدُه هنا
ولم أجِدْ مَن ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه روايةٌ في ((الطَّبرانيِّ الكبير» في ذِكْر الخَوْض.
قوله: ((المكتوبةَ)) أي: المفروضة، واستدلَّ به على أنَّ الوترَ ليس من المكتوبة لكَوْن أبي
برزةً لم یذكُرْه، وفيه بحثٌ.

٥١٥
باب ١٣ / ح ٥٤٧
كتاب مواقيت الصلاة
قوله: ((كان يُصلِّي الهَجيرَ)) أي: صلاة الهَجير، والهَجِيرُ والهاجرةُ بمَعنّى، وهو وقتٌ ٢٧/٢
شِدَّة الحَرِّ، وسُمّيَت الظُّهرُ بذلك؛ لأنَّ وقتها يدخل حينئذ.
قوله: ((تَدْعُونها الأُولِى)) قيل: سُمّيَت الأولى لأنَّها أوَّلُ صلاة النهار، وقيل: لأنَّها أوَّلُ
صلاةٍ صَلّاها جِبْرِيلُ بالنبيِّوَّ حين بيَّن له الصَّلَوات الخمس.
قوله: ((حين تَدْحَضُ الشمسُ)) أي: تزولُ عن وَسَطِ السَّماءِ، مَأْخوذٌ من الدَّخْض: وهو
الَّلْقُ، وفي رواية لمسلم (٦٤٧): ((حين تزولُ الشمسُ))، ومُقتَضى ذلك أنَّه كان يُصلِّي
الظُّهرَ في أوَّل وقتها، ولا يخالفُ ذلك الأمرَ بالإبراد، لاحتمال أنْ يكون ذلك في زمنٍ
البَرْدِ، أو قبلَ الأمرِ بالإبراد، أو عند فَقْدِ شروطِ الإبراد لأنَّ يَخْتَصُ بشِدَّة الحرِّ، أو لبيان
الجواز.
وقد يَتمسَّكُ بظاهرِهِ مَن قال: إنَّ فضيلةَ أوَّل الوقت لا تَحصُلُ إلَّا بتقديم ما يمكن
تقديمُه من طهارةٍ وسَتْرٍ وغيرهما قبلَ دخول الوقت، ولكنَّ الذي يَظْهَرُ أنَّ المراد بالحديث
التَّقْرِيب، فتَحصُلُ الفضيلةُ لمن لم يَتَشاغلْ عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة.
قوله: ((إلى رَحْلِه)) بفتح الرّاء وسكون المهمَلة، أي: مَسْکَنِهِ.
وقوله: ((في أقصى المدينة)) صفةٌ للرَّحْل.
قوله: ((والشمسُ حَيَّةٌ)) أي: بيضاءُ نقيّةٌ. قال الزَّينُ بن المنيِّر: المرادُ بحياتها قوَّةُ أثَرِها حرارةً
ولَوْناً وشُعاعاً وإنارةً، وذلك لا يكونُ بعد مَصِيرِ الظُّلِّ مِثلَي الشيءِ. انتهى، وفي «سننٍ أَبي
داود)) (٤٠٦) بإسنادٍ صحيح عن خَيْثَمَةَ أحدِ التّابعينَ قال: حياتُها أنْ تَجِدَ حَرَّها.
قوله: ((ونسيتُ ما قال في المغرب)) قائلُ ذلك هو سيّار، بَّنه أحمدُ (١٩٨١١) في روايته
عن حَجّاجٍ عن شُعْبةَ عنه.
قوله: ((أنْ يُؤَخِّرَ من العِشاء)) أي: من وقت العِشاء، قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على
استحباب التأخيرِ قليلاً لأنَّ التبعيضَ يدلُّ عليه. وتُعُقِّبَ بأنَّه بعضٌ مُطلَقٌ لا دلالةَ فيه على
قِلَّةٍ ولا كثرة، وسيأتي (٥٦٥) في ((باب وقت العِشاء)) من حديث جابر: أنَّ التأخيرَ إنَّما كان

٥١٦
باب ١٣/ ح ٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
لانتظار مَن يَجيءُ لشُهودِ الجماعة.
قوله: ((الَّتِي تَدْعُونها العَتَمَ)) فيه إشارةٌ إلی تَرْكِ تسميتها بذلك، وسيأتي الكلامُ عليه في
بابٍ مُفرَدٍ (١). وقال الطِّبيُّ: لعلَّ تقييدَه الظُّهرَ والعِشاءَ دون غيرهما للاهتمام بأمرٍ هما،
فتسميةُ الظُّهر بالأولى يُشعِرُ بتقديمِها، وتسميةُ العِشاء بالعَتَمة يُشعِرُ بتأخيرِها. وسيأتي
الكلامُ على كراهة النوم قبلها في بابٍ مُفرَدٍ(٢).
قوله: ((وكان يَنفَتِلُ)) أي: ينصرفُ من الصلاة، أو يَلتِفِتُ إلى المأمومين.
قوله: ((من صلاة الغَدَاة)) أي: الصبح، وفيه أنَّه لا كراهةً في تسمية الصبح بذلك.
قوله: ((حين يَعرِفُ الرجلُ جليسَه)) تقدَّم الكلامُ على اختلاف ألفاظِ الرواة فيه،
واستدلَّ بذلك على التَّعجيل بصلاة الصبح، لأنَّ ابتداءَ مَعرِفة الإنسان وجهَ جليسِه يكونُ
في أواخر الغَلَس، وقد صرَّح بأنَّ ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادتِه وَّ
ترتيلُ القراءة وتعديلُ الأركان، فمُقتَضى ذلك أنَّه كان يدخل فيها مُغلِّساً، وادَّعَى الزّينُ
ابن المنيِرِ أنَّه مخالفٌ لحديث عائشةَ الآتي (٥٧٨) حيثُ قالت فيه: ((لا يُعرَفْنَ من الغَلَس))،
وتُعُقِّبَ بأنَّ الفَرْقَ بينهما ظاهر، وهو أنَّ حديثَ أبي بَرْزةَ مُتعلِّقٌ بمَعرِفة مَن هو مُسِفِرٌ
جالسٌ إلى جَنْب المصلِّي، فهو يُمكِن، وحديثُ عائشةَ مُتعلِّقٌ بمَن هو مُتَلفِّفٌ مع أنَّه على
بُعْدٍ، فهو بعیدٌ.
قوله: ((ويَقْرأُ)) أي: في الصبح ((بالسِّينَ إلى المئة)) يعني من الآي، وقَدَّرَها في رواية
الطَّبرانيِّ بسورة الحاقّة ونحوِها، وتقدَّم (٥٤١) في ((باب وقت الظَّهر)) بلفظ: ((ما بين
السِّينَ إلى المئة))، وأشارَ الكِرْمانيُّ إلى أنَّ القياسَ أنْ يقول: ما بين السِّينَ والمئة، لأنَّ لفظ
(بين) يقتضي الدُّخولَ على مُتعدِّد، قال: ويحتمل أنْ يكون التقديرُ: ويقرأُ ما بين السِّينَ
وفوقَها إلى المئة، فحُذِفَ لفظُ ((فوقَها)) لدلالة الكلام عليه.
(١) وهو الباب رقم (٢٠) من كتاب مواقيت الصلاة: باب ذكر العِشاء والعَتَمة.
(٢) وهو الباب رقم (٢٣) من هذا الكتاب.

٥١٧
باب ١٣ / ح ٥٤٨-٥٤٩
كتاب مواقيت الصلاة
وفي السياق تأذُّبُ الصغير مع الكبير، ومُسارَعةُ المسؤول بالجواب إذا كان عارفاً به.
٥٤٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمة، عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن
أنسٍ بنِ مالكٍ قال: كنَّا نُصلِّي العصرَ ثمَّ يَخْرُجُ الإنْسانُ إلى بني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ
يُصلّونَ العصرَ.
[أطرافه في: ٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩]
٥٤٩- حدَّثنا ابنُ مُقاتل، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا أبو بَكْر بنُ عثمانَ بنِ سَهْلِ بنِ
حُنَيف، قال: سمعتُ أبا أُمامةَ يقولُ: صَلَّينا مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الظَّهر، ثمَّ خَرَجْنا حتَّى
دَخَلْنا على أنسٍ بنِ مالكٍ فَوَجَدْناه يُصلِّ العصرَ، فقلتُ: يا عَمِّ، ما هذه الصلاةُ الَّتِي صَلَّيتَ؟
قال: العصرُ، وهذه صلاةُ رسول الله وَليل الَّتي كنَّا نُصلِّی معه.
قوله: ((إلى بني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ)) أي: بقُباءٍ لأنَّها كانت منازلهم. وإخراجُ المصنِّف لهذا
الحديث مُشعِرٌ بأنَّه كان يرى أنَّ قولَ الصحابي: ((كنَّا نفعلُ كذا)» مسندٌ ولو لم يُصرِّخْ
بإضافته إلى زمنٍ / النبيِّ وَّةِ، وهو اختيارُ الحاكم، وقال الدَّارَقُطنيُّ والخطيبُ وغيرُهما: هو ٢٨/٢
موقوفٌ. والحقُّ أنَّه موقوفٌ لفظاً مرفوعٌ حُكْماً، لأنَّ الصحابي أورَدَه في مقام الاحتجاج،
فيُحمَلُ على أنَّه أراد كَوْنَه في زمنِ النبيِّ وَطِهِ. وقد روى ابن المبارَكِ هذا الحديث عن مالكٍ
فقال فيه: كان رسولُ الله وَلَه يُصلِّ العصر ... الحديث، أخرجه النَّسائيُّ (٥٠٦).
قال النَّوويُّ: قال العلماءُ: كانت منازلُ بني عَمْرو بن عَوْفٍ على ميلين من المدينة،
وكانوا يُصلُّون العصرَ في وَسَطِ الوقت لأنَّهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحُروثِهم، فدَلَّ هذا
الحديثُ على تعجيل النبيِّ ◌َلام بصلاة العصر في أوَّل وقتها، وسيأتي (٥٥٠, ٥٥١) في طريق
الزُّهْريِّ عن أنس: أنَّ الرجلَ كان يأتيهم والشمسُ مرتفعةٌ.
قوله: ((سمعت أبا أُمامةَ)) هو أسعَدُ بن سَهْل بن حُنَيف، وهو عَمُّ الراوي عنه.
وفي القصَّة دليلٌ على أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيزِ كان يُصلِّ الصلاة في آخر وقتها تَبَعاً
لسَلَفِه، إلى أنْ أُنكَرَ عليه عُرْوةُ فَرَجَعَ إليه كما تقدَّم (٥٢١)، وإنَّما أنكَرَ عليه عُرْوةُ في العصر

٥١٨
باب ١٣/ ح ٥٥٠-٥٥١
فتح الباري بشرح البخاري
دون الظُّهر، لأنَّ وقتَ الظُّهر لا كراهةَ فيه بخلاف وقت العصر. وفيه دليلٌ على صلاة
العصر في أوَّل وقتها أيضاً، وهو عند انتهاء وقت الظُّهر، ولهذا تَشكَّكَ أبو أُمامةَ في صلاة
أنسٍ أهي الظُّهرُ أو العصرُ، فيدلُّ أيضاً على عَدَم الفاصلة بين الوقتَين.
وقولُه له: ((يا عَمُّ) هو على سبيل التَّوْقِيِ لكَوْنه أكبرَ سِنّاً منه، مع أنَّ نَسَبَهما مُجُتِمِعٌ في
الأنصار، لكنَّه ليس عَمَّه على الحقيقة، والله أعلم.
باب وقت العصر
٥٥٠- حدّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ
قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّى العصرَ والشمسُ مُرتَفِعةٌ حَيَّةٌ، فيذهبُ الذّاهبُ إلى العَوَالِي
فِيَأْتِيهم والشمسُ مُرتَفِعٌ، وبعضُ العَوَالِي مِن المدينةِ على أربعةِ أَميالٍ أو نَحْوِهِ.
٥٥١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ
قال: كنَّا نُصِيّ العصرَ ثمَّ يذهبُ الذّاهبُ مِنّا إلى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهم والشمسُ مُرتَفِعةٌ.
قوله: ((بابُ وقتِ العصر)) كذا وقع في رواية المُستَمْلي دون غيره، وهو خطأٌ لأنَّه
تكرارٌ بلا فائدة.
قوله: ((والشمسُ مُرتفِعَةٌ حَيَّةٌ)) فيه إشارةٌ إلى بقاء حَرِّها وضَوْئها كما تقدَّم. وقولُه بعد
ذلك: ((فيأتيهم والشمسُ مرتفعةٌ)) أي: دون ذلك الارتفاع، لكنَّها لم تَصِلْ إلى الحدِّ الذي
تُوصَفُ به بأنَّها منخفضة، وفي ذلك دليلٌ على تعجيله وَّه بصلاة العصر لوَصْف الشمس
بالارتفاع بعد أنْ تمضيَ مسافة أربعة أميال، وروى النَّسائيُّ (٥٠٨) والطَّحاويُّ (١٩٠/١)
- واللفظُ له - من طريق أبي الأبيض عن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَّ يُصلِّ بنا العصرَ
والشمسُ بيضاءُ مُحُلِّقة، ثمَّ أرجِعُ إلى قومي في ناحية المدينة فأقولُ لهم: قوموا فصَلُّوا فإنَّ
رسولَ اللهِوَ لّه قد صلَّى. قال الطَّحاويُّ: نحنُ نَعلَمُ أنَّ أولئك - يعني قومَ أنسٍ - لم يكونوا
يُصلّونها إلَّا قبلَ اصغِرار الشمس، فدَلَّ ذلك على أنَّه ◌َِّ كان يُعجِّلُها.
قوله: ((وبعضُ العَوَالي)) كذا وقع هنا، أي: بين بعض العَوالي والمدينة المسافةُ المذكورةُ،

٥١٩
باب ١٣/ ح ٥٥٠-٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
وروى البيهقيُّ (١/ ٤٤٠) حديثَ الباب من طريق أبي بكرِ الصَّغَانِيِّ عن أبي الْيَمَانِ شيخ
البخاريِّ فيه وقال في آخره: ((وبُعْدُ العَوالي)) بضمِّ الموخَّدة وبالدَّال المهمَلة، وكذلك
أخرجه المصنّف في الاعتصام (٧٣٢٩) تعليقاً، ووَصَلَه البيهقيُّ (٤٤٠/١) من طريق
الليثِ عن يونسَ عن الزُّهْريِّ لكنْ قال: ((أربعة أميالٍ أو ثلاثة))، وروى هذا الحدیث أبو
عَوَانَةَ في ((صحيحه)) (١٠٣٤) وأبو العبّاس السَّاجُ (١٠٤٦) جميعاً عن أحمد بن الفَرَج أبي
عُتْبةَ/ عن محمّد بن حِمْيَر عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ عن الزُّهْريِّ ولفظُه: ((والعَوَالي من ٢٩/٢
المدينة على ثلاثة أميال))، وأخرجه الدَّارَ قُطنيُّ عن المَحَاملِيِّ عن أبي عُتْبةَ المذكور بسنده
المذكور فوقع عنده: ((على ستَّ أميال))(١). ورواه عبد الرزاق (٢٠٦٩) عن مَعمَرٍ عن
الزّهْريِّ فقال فيه: ((على ميلين أو ثلاثة)).
فتَحصَّل من ذلك أنَّ أقربَ العَوالي من المدينة مسافةُ ميلين وأبعَدَها مسافةُ ستَّة
أميالٍ إن كانت روايةُ المَحَامليِّ محفوظةً، ووقع في ((المدوَّنة)) عن مالك: أبعَدُ العَوالي
مسافةُ ثلاثة أميال، قال عِيَاضٌ: كأنَّه أراد مُعظَمَ عِمارتِها وإلَّا فأبعَدُها ثَمانيةُ أميال.
انتهى، وبذلك جَزَمَ ابن عبد البَرِّ وغيرُ واحدٍ آخرُهم صاحبُ ((النِّهاية))، ويحتمل أنْ
يكون أراد أنَّه أبعَدُ الأمكِنة التي كان يذهبُ إليها الذّاهبُ في هذه الوَاقعة، والعَوالي
عِبارةٌ عن القُرى المجتَمِعة حَوْلَ المدينة من جهة نَجْدِها، وأمَّا ما كان من جهة تهامتِها
فيقال لها: السافلة.
تنبيه: قوله: ((وبعضُ العَوَالي ... )) إلى آخره، مُدَرَجٌ من كلام الزُّهْريِّ في حديث أنس،
بَّنْه عبدُ الرزاق (٢٠٦٩) عن مَعمَرٍ عن الزُّهْريِّ في هذا الحديث فقال فيه - بعد قوله:
والشمسُ حَيَّةٌ -: قال الزّهْرُّ: والعَوالي من المدينة على مِيلَينِ أو ثلاثة. ولم يقف الكِرْمانيُّ
على هذا فقال: هو إمَّا كلامُ البخاريِّ أو أنسٍ أو الزُّهْريّ، كما هو عادتُه.
قولُه في الطريق الأُخرى: (كَّا نُصلِّي العصرَ)) أي: مع النبيِّ وَِّ كَما يَظْهَرُ ذلك من
(١) رواية المحاملي عند الدارقطني في ((سننه)) (١٠٠٢) عن عبد الله بن شبيب وليست عن أبي عتبة،
وعبد الله بن شبيب هذا ضعيف جداً، انظر ترجمته في ((ميزان الاعتدال)) ٤٣٨/٢-٤٣٩.

٥٢٠
باب ١٣ / ح ٥٥٠-٥٥١
فتح الباري بشرح البخاري
الطُّرُقِ الأُخرى، وقد رواه خالدُ بن مَلَدٍ عن مالكِ كذلك مُصرَّحاً به، أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ
في «غرائیه».
قوله: ((ثمَّ يذهبُ الذاهبُ مِنّا إلى قُباءٍ) كأنَّ أنساً أراد بالذَّاهب نفسَه كما تُشعِرُ بذلك
روايةٌ أبي الأبيض المتقدِّمة.
قال ابن عبد البَرِّ: لم يُخْتَلَفْ على مالكِ أنَّه قال في هذا الحديث: ((إلى قُباء)) ولم يُتابعْه
أحدٌ من أصحاب الزُّهْريِّ، بل كلُّهم يقولون: إلى العَوَالي، وهو الصوابُ عند أهل
الحديث، قال: وقولُ مالك: ((إلى قُباءٍ)) وَهْمٌ لا شكَّ فيه. وتُعُقِّبَ بأنَّه رُوِيَ عن ابن أبي
ذِئْبٍ عن الزُّهْريّ: ((إلى قُباء)) كما قال مالك، نَقَلَه الباجيُّ عن الدَّارَقُطْنِيِّ(١)، فِنِسْبةُ الوَهْم
فيه إلى مالكٍ مُنتقَد، فإنَّه إن كان وَهْماً احتمل أنْ يكون منه وأن يكون من الزُّهْريِّ حين
حدَّث به مالكاً، وقد رواه خالدُ بن ◌َلَدٍ عن مالكِ فقال فيه: ((إلى العَوَالي)) كما قال الجماعةُ،
فقد اختُلِفَ فيه على مالكٍ وتوبعَ عن الزُّهْرِيِّ بخلاف ما جَزَمَ به ابن عبد البَرّ.
وأمَّا قوله: الصوابُ عند أهل الحديث: العَوَالي، فصحيحٌ من حيثُ اللفظُ، ومع ذلك
فالمعنى مُتُقارِب، لكنَّ روايةَ مالك أخصُّ لأنَّ قُباءً من العَوَالي وليست العوالي كلَّ قُباء،
ولعلَّ مالكاً لمَّا رأى في رواية الزُّهْريِّ إجمالاً حَلها على الرواية المفسَّرة، وهي روايتُه
المتقدِّمةُ (٥٤٨) عن إسحاقَ حيثُ قال فيها: ((ثمَّ يَخْرُجُ الإنسانُ إلى بني عَمْرو بن عَوْف»
وقد تقدَّم أنَّهم أهلُ قُباء، فبَنَى مالكٌ على أنَّ القصَّةَ واحدةٌ، لأنَّهما جميعاً حَدَّثاه عن أنسٍ
والمعنى مُتقارِب، فهذا الجمعُ أَولى من الجَزْم بأنَّ مالكاً وهمَ فيه.
وأمَّا استدلالُ ابن بَطَّل على أنَّ الوَهْمَ فيه مَمَّن دون مالكٍ برواية خالد بن مَلَدِ المتقدِّمة
الموافقة لرواية الجماعة عن الزُّهْريّ، ففيه نظر، لأنَّ مالكاً أثبته في ((الموطَّأ)) (٩/١) باللفظ
الذي رواه عنه كافَّةُ أصحابه، فروايةُ خالد بن تَد عنه شاذَّة، فكيف تكونُ دالَّةً على أنَّ
(١) ورواه من طريق ابن أبي ذئب بهذا اللفظ الشافعيُّ في القديم فيما ذكره البيهقي في ((معرفة السنن والآثار))
(٢٦٩٤)، لكن عاد الشافعي فرواه في ((الأم)) ١/ ٩٢ من طريق ابن أبي ذئب بلفظ: ((إلى العوالي))، وهو كذلك
عند أحمد (١٣٢٣٥) والداردي (١٢٠٨) وأبي يعلى (٣٦٠٥) وابن حبان (١٥١٨) وغيرهم.