Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٩٩ / ح ٥٠٨ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي قال القُرْطبي: في هذا الحديث دليل على جواز التستَّر بما يَستَقِرُّ من الحيوان، ولا يعارضُه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، لأنَّ المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهةٌ الصلاة حينئذٍ عندها إمَّا لشدَّة نَتْنِها، وإمَّا لأنَّهم كانوا يَتَخَلَّوْنَ بينها مُسْتتِرين بها، انتهى. وقال غيره: عِلّة النهي عن ذلك كَوْنُ الإبل خُلِقَت من الشَّياطين، وقد تقدَّم ذلك ٥٨١/١ (٤٣٠)، فيُحمَلُ ما وَقَعَ منه في السَّفَر من الصلاة إليها على حالة الضَّرورة، ونظيرُه صلاته إلى السَّريرِ الذي عليه المرأة لكَوْن البيت كان ضَيِّقاً، وعلى هذا فقول الشافعيِّ في البُوَيطيّ: لا يُستَتَرُ بامرأةٍ ولا دابّة؛ أي: في حال الاختيار. وروى عبد الرزّاق عن ابن عُيَينة عن عبد الله بن دينار: أنَّ ابن عمر كان يَكْره أنْ يُصلّيَ إلى بعيرٍ إلَّا وعليه رَحْل(١)، وكأنَّ الحِكْمَةَ في ذلك أنَّها في حال شَدِّ الرَّحْل عليها أقرب إلى السُّكون من حال تجريدها. تكملة: اعتبَرَ الفقهاءُ مُؤْخرةَ الرَّحْلِ في مِقْدار أقلِّ السُّتْرة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثُلُنا ذراع، وهو أشهرُ، لكن في ((مصنَّف عبد الرزّاق)) (٢٢٧٣) عن نافع: أنَّ مُؤْخرة رَحْل ابن عمر كانت قَدْرَ ذراع. ٩٩ - باب الصلاة إلى السرير ٥٠٨- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَد، عن عائشةَ، قالت: أعَدَلتُمُونا بالكلبِ والحمارِ؟ لقد رأيتُي مُضطَجِعةً على السَّريرِ فِيَجِيءُ النبيُّ ◌َِّهِ فِيَتَوَسَّطُ السَّريرَ فيُصلِّى، فَأَكرَهُ أَنْ أَستَحَه، فَأَنَسَلُّ من قِبَلِ رِجْلَيِ السَّريِرِ حتَّى أَنسَلَّ من ◌ِحَافي. قوله: ((باب الصلاة إلى السَّرير)) أورَدَ فيه حديثَ الأسودِ عن عائشة في صلاة النبيِّ وهو متوسّطُ السَّريرَ الذي هي مُضطَجِعةٌ عليه. واعترضَه الإسماعيلي بأنَّه دالٌّ على الصلاة على السَّريرِ لا إلى السَّرير، ثمَّ أشار إلى أنَّ رواية مسروق، عن عائشة دلَّة على المراد، لأنَّ (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق))، وقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١/ ٣٨٤ عن ابن عيينة عن عمرو - وهو ابن دينار - قال: كان ابن عمر يصلي إلى البعير إذا كان عليه رحلٌ. ٤٤٢ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ فتح الباري بشرح البخاري لفظَه: ((كان يصلِّ والسَّرِيرُ بينَه وبين القِبْلة)) كما سيأتي (٥١٤)، فكان ينبغي له ذِكرُها في هذا الباب. وأجابَ الكِرْمانيّ عن أصل الاعتراض بأنَّ حُروفَ الجرِّ تتناوَبُ، فمعنى قوله في الترجمة: ((إلى السّرير)) أي: على السرير، واذَّعَى قبل ذلك أنَّه وَقَعَ في بعض الروايات بلفظ: على السَّرير. قلت: ولا حاجةَ إلى الحمل المذكور، فإنَّ قولها: ((فِيَتوسّطُ السَّرير)) يَشمَلُ ما إذا كان فوقَه أو أسفلَ منه، وقد بان من رواية مسروق عنها أنَّ المراد الثاني. قوله: ((أَعَدَلتُمُونا)) هو استفهام إنكار من عائشة، قالته لمن قال بحَضْرتها: يقطعُ الصلاةَ الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، كما سيأتي من رواية مسروق عنها بعد خمسة أبواب (٥١٤)، وهناك نذكرُ مباحث هذا المتن إن شاء الله تعالى. وقولها: ((رأيتُي)) بضمِّ المثنَّة. وقولها: ((أنْ أَستَحَه)) بفتح النون والحاء المهمَلة، أي: أَظهرُ له من قُدّامه، وقال الخطَّابي: هو من قولك: سَنَحَ لي الشيءُ: إذا عَرَضَ لي، تريدُ أنَّها كانت تخشى أنْ تستقبلَه وهو يصلِّ ببدنها، أي: مُنْتَصِبةً. وقولها: ((أَنسَلُّ)) بفتح السِّين المهمَلة وتشديد اللام، أي: أخرُجُ بخُفْيةٍ أو بِرِفْق. ١٠٠ - بابٌ يردُّ المصلي من مَرَّ بین یدیه ورَدَّ ابنُ عمَرَ فِي التَّشْهُّدِ وفي الكَعْبة، وقال: إنْ أَبَى إلا أنْ يُقاتِلَه قاتَلَه. ٥٠٩- حدَّثنا أبو مَعمَر، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا يونسُ، عن مُميدِ بنِ هِلال، عن أبي صالحٍ، أنَّ أبا سعيد قال: قال النبيُّ ◌َّ. وحدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، قال: حدَّثْنا مُميدُ بنُ هِلالٍ العَدَوِيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح السَّانُ، قال: رأيتُ أبا سعيدِ الخُذْريَّ في يوم مُعةٍ يُصلِّي إلى ٥٨٢/١ شيءٍ/ يَسْتُرُه مِن الناسِ، فأرادَ شابٌّ من بني أبي مُعَيطٍ أنْ يَخْتَازَ بينَ يَدَيهِ، فَدَفَعَ أبو سعيدٍ في صَدْرِهِ، فَتَظَرَ الشّابُّ فلم يَجِدْ مَسَاغاً إلا بينَ يَدَيه، فعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَه أبو سعيدٍ أَشَدَّ مِن ٤٤٣ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي الأُولى، فنالَ من أبي سعيدٍ، ثمَّ دَخَلَ على مروانَ فشَكًا إليه ما لَقِيَ من أبي سعيدٍ، ودَخَلَ أبو سعيدٍ خَلْفَه على مروانَ، فقال: ما لكَ ولابنِ أخِيكَ يا أبا سعيدٍ؟ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َل يقولُ: ((إذا صَلَّى أحدُكُم إلى شيءٍ يَستُرُه مِن الناسِ فأرادَ أحدٌ أنْ يَخْتَازَ بينَ يَدَيهِ، فليَدِفَعْهِ، فإنْ أَبَى فِلْيُقاتِلْه، فإنَّما هو شيطانٌ)). [طرفه في: ٣٢٧٤] قوله: ((باب يَرُدُّ المصلِّي من مَّ بينَ يَدَيه)) أي: سواءٌ كان آدميّاً أم غيره. قوله: ((وَرَدَّ ابنُ عمر في التَّشَهُّد)) أي: رَدَّ المارَّ بين يديه في حال التشهُّد، وهذا الأثر وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٨٤) وعبد الرزّاق (٢٣٣٧)، وعندهما: أنَّ المارّ المذكور هو عَمْرو ابن دینار. قوله: ((وفي الكَعْبة)) قال ابن قُرْقُول: وقع في بعض الروايات: ((وفي الرَّكْعة)) وهو أشبه بالمعنى. قلت: وروايةُ الجمهور مُتَّجِهة، وتخصيص الكَعْبة بالذِّكر لئلا يُتخيّل أنَّه يُغتفَرُ فيها المرور لكَوْنها محلّ المزاحَمة. وقد وَصَلَ الأثرَ المذكور بذِكْرِ الكَعْبة فيه أبو نُعَيم شيخ البخاري في كتاب ((الصلاة)) له من طريق صالح بن كَيْسانٍ قال: رأيتُ ابن عمر يصلِّي في الكَعْبة فلا يَدَُ أحداً يَمُّ بین یدیه یبادرُه؛ قال: أي: يردُّه. قوله: ((إن أَبَى)) أي: المارُّ ((إلّا أنْ يُقاتِلَه)) أي: المصلّي ((قاتَلَه)) كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي وهو على سبيل المبالَغة، وللكُشْمِيهَنيّ: ((إلَّا أنْ تقاتلَه)) بصيغة المخاطَبة ((فقاتِلْه)) بصيغة الأمر. وهذه الجملةُ الأخيرةُ من كلام ابن عمر أيضاً، وقد وَصَلها عبد الرزّاق (٢٣٢٥) ولفظُه عن ابن عمر قال: لا تَدَعْ أحداً يَمُرُّ بين يديكَ وأنت تُصلّي، فإن أَبِى إِلَّا أنْ تُقاتلَه فقاتله. وهذا موافق لسياق الكُشْمِيھَنيّ. قوله: ((يونس)) هو ابن عُبيد، وقد قَرَنَ البخاري روايته برواية سليمان بن المغيرة، وتَبيَّن من إيراده أنَّ القِصَّةَ المذكورةَ في رواية سليمان لا في رواية يونس، ولفظ المتن الذي ساقه هنا ٤٤٤ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ فتح الباري بشرح البخاري هو لفظُ سليمان أيضاً لا لفظُ يونس، وإِنَّمَا ظَهَرَ لنا ذلك من المصنّف حيثُ ساقَ الحديثَ في كتاب بَدْء الخلق (٣٢٧٤) بالإسناد المذكور الذي ساقه هنا من رواية يونسَ بعينِهِ، ولفظ المتن مُغاير للَّفظ الذي ساقه هنا، وليس فيه تقييد الدَّفْع بما إذا كان المصلِي يصلِّي إلى سُتْرة، وذكر الإسماعيلي أنَّ سُلَيم بن حَيّان تابَعَ يونسَ عن حُميدٍ على عَدَم التقييد. قلت: والمطلَقُ في هذا محمول على المقيَّد، لأنَّ الذي يصلِّي إلى غير سُتْرةٍ مُقصِّرٌ بتركِها، ولا سيّما إن صلَّى في مَشارع المشاة، وقد روى عبد الرزَّاق عن مَعمَر التَّفْرِقَةَ بين مَن يصلِّي إلى سُتْرةٍ وإلى غير سُتْرة. وفي ((الرَّوْضة)) تَبَعاً لأصلِها: ولو صلَّى إلى غير سُتْرةٍ أو كانت وتَبَاعَدَ منها، فالأصح أنَّه ليس له الدَّفْعُ لتقصيرِه ولا يَحِرُمُ المرورُ حينئذٍ بين يديه(١)، ولكنَّ الأَولی ترکُه. تنبيه: ذكر أبو مسعود وغيره: أنَّ البخاريَّ لم يُرِّجْ لسليمان بن المغيرة شيئاً موصولاً إلَّا هذا الحدیث. قوله: ((فأرادَ شابٌ من بني أبي مُعَيط)) وَقَعَ في كتاب ((الصلاة)) لأبي نُعَيم أنَّه الوليدُ بن ٥٨٣/١ عُقْبة بن أبي مُعَيط، أخرجه عن عبد الله بن عامر الأسلَميّ عن زيد بن أسلم/ قال: بينما أبو سعيد قائم يصلِّي في المسجد فأقبَلَ الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيط، فأراد أنْ يَمُرَّ بين يديه، فِدَفَعَه، فَأَبِى إِلَّ أنْ يَمُرَّ بين يديه فدَفَعَه. هذا آخر ما أورَدَه من هذه القِصَّة. وفي تفسير الذي وَقَعَ في ((الصحيح)) بأنَّه الوليدُ هذا نظرٌّ، لأنَّ فيه أنَّه دخل على مروان، زاد الإسماعيلي: ((ومروان يومَئذٍ على المدينة)) انتهى، ومروانُ إنَّما كان أميراً على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذٍ بالمدينة، لأنَّه لمَّا قُتِلَ عثمان تحوَّلَ إلى الجزيرة فسَكَنها حتَّى مات في خلافة معاوية، ولم يَحَضُرْ شيئاً من الحروب التي كانت بين (١) في هذا نظر، وظاهر الأحاديث يقتضي تحريم المرور بين يديه، وأنه يُشرَع له ردُّ المارِّ، اللهم إلا أن يُضطَرَّ المارُّ إلى ذلك لعدم وجود متَّسَع إلا ما بين يديه، ومتى بَعُدَ المارُّ عما بين يدي المصلِّ إذا لم يلق بين يديه ◌ُترة سَلِمَ من الإثم، لأنه إذا بَعُدَ عنه عرفاً لا يُسمَّى مارّاً بين يديه، كالذي يمرُّ من وراء السُّترة. (س). وانظر شرح الحديث التالي. ٤٤٥ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي عليٍّ ومَن خالفَه، وأيضاً فلم يكن الوليدُ يومئذٍ شابّاً، بل كان في عَشْر الخمسين، فلعلَّه كان فيه: فأقبَلَ ابن الوليد بن عُقْبةَ، فيَنَّجِه. وروى عبد الرزّاق (٢٣٢٨) حديث الباب عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلَمَ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه فقال فيه: إذْ جاء شابٌ، ولم يُسمِّه أيضاً، وعن مَعمَرٍ عن زيد بن أسلَمَ (٢٣٢٩) وقال فيه: فذهب ذو قَرابةٍ لمروان، ومن طريق أبي العاليَةِ (١) عن أبي سعيد (٢٣٣٠) فقال فيه: مَرَّ رجلٌ بين يديه من بني مروان، وللنَّسائيِّ (٤٨٦٢) من وجهٍ آخرَ: فمَرَّ ابنٌ لمروان، وسَمَّاه عبد الرزّاق (٢٣٣١) من طريق سليمان بن موسى: داود بن مروان، ولفظه: أراد داود بن مروان أنْ يَمُرَّ بين يدي أبي سعيد ومروان يومئذٍ أمير المدينة ... فذكر الحديث، وبذلك جَزَمَ ابن الجَوْزيِّ ومَن تبعه في تسمية المبهم الذي في ((الصحيح)) بأنَّه داود بن مروان، وفيه نظر، لأنَّ فيه أنَّه من بني أبي مُعَيط وليس مروانُ من بنيه، بل أبو مُعَيط ابن عَمِّ والد مروان، لأنَّه أبو مُعَيطِ بن أبي عَمْرو بن أُميَّة، ووالد مروان هو الحَكَمُ بن أبي العاص بن أُميَّة، وليست أُمُّ داود ولا أُمُّ مروان ولا أُمُّ الحَكَم من ولدِ أبي مُعَيط، فيحتمل أنْ يكون داود نُسِبَ إلى أبي مُعَيطٍ من جهة الرَّضاعة أو لكَوْن جدِّه لأُمّه عثمان بن عَقَّان كان أخاً للوليدِ بن عُقْبة بن أبي مُعَيط لأُمِّه فنُسِبَ داود إليه، وفيه بُعْد، والأقرب أنْ تكون الواقعةُ تَعَدَّدَت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي ((مصنَّف ابن أبي شَيْبةٍ)) (٢٨٣/١) من وجهٍ آخرَ عن أبي سعيد في هذه القِصَّة: فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنْ يَمُرَّ بين يديه ... الحديث، وعبد الرحمن مخزوميٌّ ما له من أبي مُعَيطٍ نِسْبة، والله أعلم. قوله: ((فلم يَجِدْ مَساغاً)) بالغين المعجمة، أي: مَمَرّاً. وقوله: ((فنالَ من أبي سعيد)) أي: أصاب من عِرْضِه بالشَّتْم. (١) تحرف في (أ) و(ع) إلى: أبي العلانية، وفي (س) إلى: أبي العلاء فيه، والمثبت على الصواب من ((مصنف عبد الرزاق)). ٤٤٦ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال: ما لك ولابنٍ أخيك؟)) أطلَقَ الأُخوّة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيِّدُ أنَّ المارَّ غير الوليد، لأنَّ أباه عُقْبة قُتِلَ كافراً. واستدلَّ الرافعيّ بهذه القِصَّة على مشروعيَّة الدَّفْع ولو لم يكن هناك مَسْلَكٌ غيرُه، خلافاً لإمام الحرمين، ولابن الرِّفْعة فيه بحثٌ سنشير إليه في الحديث الذي بعدَه إن شاء الله تعالى. قوله: ((فَلْيَدْفَعْه))، ولمسلم (٢٥٩/٢٥٨): «فليدفَعْ في نَحْرِه)» قال القُرْطبي: أي: بالإشارة ولطيف المنع. وقوله: ((فلْيُقاتِلْه)) أي: يزيدُ في دَفْعِه الثاني أشدّ من الأوَّل. قال: وأجمعوا على أنَّه لا يَلزَمُه أنْ يقاتلَه بالسِّلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والخشوع فيها، انتهى. وأطلَقَ جماعةٌ من الشافعيَّةَ أنَّ له أنْ يقاتلَه حقيقة، واستَبعَدَ ابن العربيِّ ذلك في ((القَبَس)) وقال: المرادُ بالمقائلة: المدافعة. وأغرَبَ الباجيُّ فقال: يحتمل أنْ يكون المراد بالمقاتلة اللَّعْن أو التعنيف. وتُعُقِّبَ بأنَّه يستلزم التكلُّمَ في الصلاة وهو مُبطِل، بخلاف الفعل اليسير، ويمكن أنْ يكون أراد أنَّه يَلْعَنُه داعياً لا مُخَاطِباً، لكنَّ فعلَ الصحابي يخالفُه، وهو أدرى بالمراد، وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((فإن أَبى فلْيجعَلْ يدَه في صَدْرِه ويدفَعْه)) وهو صريحٌ في الدَّفْع بالید. ونقل البيهقي عن الشافعيّ: أنَّ المرادَ بالمقاتلة دَفْعٌ أشدّ من الدَّفْع الأوَّل، وما تقدَّم عن ابن عمر يقتضي أنَّ المقاتلةَ إِنَّا تُشرَعُ إذا تَعيَّنت في دَفْعِهِ. وبنحوِهِ صَرَّحَ أصحابُنا فقالوا: يردُّه بأسهَل الوجوه، فإن أَبِى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله، فلو قُتِلَ فلا شيءَ عليه(١)، لأنَّ الشارعَ أباحَ له مُقاتَلتَه، والمقاتَلةُ المباحةُ لا ضمان فيها. (١) هذا رأيٌّ شاذٌّ مردود، فإن دم المسلم أخطر وأعظم من أن يُستباح من أجل مروره بين يدي مصلٍّ، وليس في الأحاديث في هذا الباب ما يشير إلى هذا، والمراد بالمقاتلة إنما هو الدفع الشديد كما ذكر الشارح آنفاً. ٤٤٧ باب ١٠٠ / ح ٥٠٩ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي ونقل عِيَاض وغيره أنَّ عندهم خلافاً / في وجوب الدّية في هذه الحالة. ٥٨٤/١ ونقل ابن بَطَّال وغيره الاتِّفاق على أنَّه لا يجوز له المشيُ من مكانه ليدفعَه، ولا العملُ الكثير في مُدافَعتِهِ، لأنَّ ذلك أشدّ في الصلاة من المرور. وذهب الجمهورُ إلى أنَّه إذا مَرَّ ولم يدفعْه فلا ينبغي له أنْ يردَّه، لأنَّ فيه إعادةً للمُرور، وروى ابن أبي شَيْبة (١ /٢٨٢) عن ابن مسعود وغيره أنَّ له ذلك، ويمكن حملُه على ما إذا رَدَّه فامتَنَعَ وتَمَادَى، لا حيثُ يُقصِّرُ المصلّي في الَّدّ. وقال النَّووي: لا أعلمُ أحداً من الفقهاء قال بوجوب هذا الدَّفْع، بل صَرَّحَ أصحابنا بأنَّه مندوب، انتهى، وقد صَرَّحَ بوجوبه أهلُ الظاهر، فكأنَّ الشَّيخَ لم یراجع کلامھم فیه أو لم يَعتَدَّ بخلافهم. قوله: ((فإنَّما هو شيطانٌ)) أي: فعلُه فعلُ الشيطان، لأنَّه أَبى إلَّ التشويشَ على المصلّي. وإطلاقُ الشيطان على الماردِ من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآنِ قوله تعالى: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقال ابن بَطَّال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على مَن يَفْتِنُ في الدِّين، وأنَّ الحُكْمَ للمعاني دون الأسماء، لاستحالة أنْ يصيرَ المارُّ شيطاناً بمجرَّدِ مُرورِه. انتهى، وهو مبنيٌّ على أنَّ لفظ ((الشيطان)) يُطلَقُ حقيقةً على الجِنّيِّ ومجازاً على الإنسيّ، وفيه بحث. ويحتمل أنْ يكون المعنى: فإِنَّا الحاملُ له على ذلك الشيطان. وقد وقع في رواية للإسماعيليِّ: ((فإنَّما معه الشيطانَ))، ونحوه لمسلم (٥٠٦) من حديث ابن عمر بلفظ: ((فإنَّ معه القَرِين)). واستنْبَطَ ابن أبي جَمْرة من قوله: ((فإنَّما هو شيطان)) أنَّ المرادَ بقوله: ((فليقاتله)) المدافَعة اللَّطيفة لا حقيقةُ القتال، قال: لأنَّ مُقاتلة الشيطان إنَّما هي بالاستعاذة والتستُّرِ عنه بالتسمية ونحوِها، وإنَّما جازَ الفعلُ اليسيرُ في الصلاة للضَّرورة، فلو قاتَلَه حقيقةَ المقاتلة، لكان أشدَّ على صلاته من المارّ. قال: وهل المقاتلةُ لحَلَلِ يقعُ في صلاة المصلّي من المرور، أو لدَفْع الإثم عن المارّ؟ الظاهرُ الثاني، انتهى. ٤٤٨ باب ١٠١ / ح ٥١٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيره: بل الأوَّل أظهرُ، لأنَّ إقبالَ المصلّي على صلاته أولى له من اشتغاله بدَفْع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٨٢) عن ابن مسعود: أنَّ المرورَ بين يدَي المصلّي يقطعُ نصفَ صلاته، وروى أبو نُعَيم عن عمرَ: لو يعلمُ المصلّ ما يَنقُصُ من صلاته بالمرورِ بين يديه، ما صلَّى إلَّا إلى شيءٍ يَستُرُه من الناس. فهذان الأثران مُقتَضاهما أنَّ الدَّفْعَ لَخَلَلِ يتعلَّقُ بصلاة المصلّي، ولا يَخْتَصُّ بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفَينِ لفظاً، فحُكْمُهما حُكْم الرفع، لأَنَّ مِثلَهما لا يقال بالرَّأْي. ١٠١ - باب إثم المارِّ بين يدي المصلِّي ٥١٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيد الله، عن بُشْرٍ بنِ سعيدٍ: أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ أرسَلَه إلى أبي جُهَيمٍ يَسْألُهُ: ماذا سَمِعَ من رسولِ الله وَهُ فِي المارِّ بينَ يَدَي المصَلِّي؟ فقال أبو جُهَيم: قال رسولُ اللهَوَّ: ((لو يَعلَمُ المارُّ بينَ يَدَي المصلِّي ماذا عليه، لَكانَ أنْ يَقِفَ أربعِينَ خيراً له من أنْ يَمُرَّ بِينَ يَدَيه)). قال أبو النَّصْر: لا أدري أقالَ: أربعينَ يوماً، أو شهراً، أو سنةً؟ قوله: ((باب إثم المارِّ بينَ يَدَي المصَلّ)) أورَدَ فيه حديث بُسْرِ بن سعيد أنَّ زيد بن خالد - أي: الْجُّهَنيَّ الصحابي - أرسَلَه إلى أبي جُهَيم، أي: ابن الحارث بن الصِّمّة الأنصاريّ الصحابي الذي تقدَّم حديثُه في ((باب التيمُّم في الحَضَر)) (٣٣٧)، هكذا روى مالك هذا الحديث في ((الموطَّأ)) (١/ ١٥٤ -١٥٥) لم يُخْتَلَفْ عليه فيه أنَّ المرسِلَ هو زيد، وأنَّ المرسَلَ إليه هو أبو جُهَيم، وتابَعَه سفيان الثَّوْريُّ عن أبي النَّصْر عند مسلم (٥٠٧) وابن ماجَهْ ٥٨٥/١ (٩٤٥) وغيرهما، وخالفَهما ابن عُيَينة عن أبي النَّصْر فقال: عن / بُسْر بن سعيد قال: أرسَلَني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد أسألُه ... فذكر هذا الحديث. قال ابن عبد البَرِّ: هكذا رواه ابن عُيَينة مَقْلوباً أخرجه ابن أبي خَيثمةَ(١) عن ابن عُيَينَةَ. (١) في ((تاريخه)) برقم (١٠١٤). ٤٤٩ باب ١٠١ / ح ٥١٠ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي ثمَّ قال ابن أبي خيثمة: سُئِلَ عنه يحيى بن معينٍ فقال: هو خطأ، إنَّما هو ((أرسَلَني زيد إلى أبي جُهَيم)). كما قال مالك، وتَعَقَّبَ ذلك ابنُ القَطَّن فقال: ليس خطأ ابن عُيَينة فيه بمتعيِّن، لاحتمال أنْ يكون أبو جُهَيم بَعَثَ بُسْراً إلى زيد، وبَعَثَه زيد إلى أبي جُهَيم، يَستَبِتُ كلُّ واحد منهما ما عند الآخَر. قلت: تعليلُ الأئمّة للأحاديث مبنيٌّ على غَلَبة الظنّ، فإذا قالوا: أخطأ فلانٌّ في كذا، لم يَتعيَّنْ خَطَؤُه في نفس الأمر، بل هو راجحُ الاحتمال فيُعتمَد، ولولا ذلك لمَا اشتَرَطُوا انتفاءَ الشاذٌ، وهو ما يخالفُ الثَّقة فيه مَن هو أرجَحُ منه في حَدِّ الصحيح. قوله: ((بينَ يَدَي المصَلّى) أي: أمامَه بالقُرْب منه، وعَبَّرَ باليدين لكَوْن أكثر الشُّغْل يقعُ بهما، واختُلِفَ في تحديد ذلك، فقيل: إذا مَرَّ بينَه وبين مِقْدار سجودِهِ، وقيل: بينَه وبين قَدْرِ ثلاثة أذرُع، وقيل: بينَه وبين قَدْر رَمْیةٍ بحجر. قوله: ((ماذا عليه)) زاد الكُشْمِيهَنيّ: ((من الإثم))، وليست هذه الزيادة في شيءٍ من الروایات عند غیره، والحدیث في «الموطأ)) (١٥٤/١-١٥٥) بدونها. وقال ابن عبد البَرِّ: لم يُتَلَفْ على مالك في شيءٍ منه، وكذا رواه باقي السِّة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها (١)، ولم أرَها في شيءٍ من الروايات مُطلَقاً، لكن في ((مصنَّفَ ابن أبي شَيْبة)) (٢٨٢/١): ((يعني من الإثم))، فيحتمل أنْ تكون ذُكِرَت في أصل البخاري حاشيةً فظنَّها الكُتْمِيهَني أصلاً، لأنَّه لم يكن من أهل العِلْم ولا من الحُفَّاظِ يل كان راوية، وقد عَزَاها المحِبّ الطبريُّ في ((الأحكام)» للبخاريِّ وأطلَق، فعِیبَ ذلك عليه وعلى صاحب ((العُمْدة)) في إيهامه أنَّها في ((الصحيحين))، وأنكَرَ ابن الصلاح في ((مُشكِل الوسيط)) على مَن أثبتَها في الخبر فقال: لفظُ الإثم ليس في الحديث صريحاً. ولمَّا ذكره النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)) دونها قال: وفي رواية رُويناها في ((الأربعين)) لعبد القادر الفَرَويِّ: ((ماذا عليه من الإثم)). (١) أبو داود (٧٠١)، وابن ماجه (٩٤٥)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٧٥٦)، وأحمد (١٧٥٤٠)، وأبو عوانة (١٣٩١). ٤٥٠ باب ١٠١ / ح ٥١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لكانَ أنْ يَقِفَ أربعينَ)) يعني أنَّ المارَّ لو علم مِقْدار الإثم الذي يَلْحقُه من مُرورِه بين يدَي المصلّي، لاختار أنْ يَقِفَ المدّة المذكورة حتَّى لا يَلْحقَه ذلك الإثم. وقال الكِرْماني: جواب ((لو)) ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلمُ ما عليه لَوَقَفَ أربعين، ولو وَقَفَ أربعين لكان خيراً له. وليس ما قاله متعيِّناً، قال: وأُبْهمَ المعدود تفخيماً للأمرِ وتعظيماً. قلت: ظاهر السّياق أنَّه عُيِّنَ المعدود ولكن شكَّ الراوي فيه، ثمَّ أبدَى الکِرْمانيّ لتخصيص الأربعين بالذِّكر حِكْمتَين: إحداهما: كَوْنُ الأربعة أصلَ جميع الأعداد، فلمَّا أُريدَ التكثير ضُرِبَت في عشرة. ثانيَتُهما: كَوْنُ كمال أطوار الإنسان بأربعين كالنُّطْفة والمُضْغة والعَلَقة، وكذا بلوغ الأشُدّ، ويحتمل غیر ذلك، انتهى. وفي ابن ماجَهْ (٩٤٦) وابن حِبَّان (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة: «لكان أنْ يَقِفَ مئة عام خيراً له من الخُطْوة التي خَطَاها)(١)، وهذا يُشعِرُ بأنَّ إطلاقَ الأربعين للمُبالَغة في تعظيم الأمرِ لا لخصوصٍ عَدَدٍ مُعيَّن. وجَنَحَ الطَّحاويّ إلى أنَّ التقييدَ بالمئة وَقَعَ بعد التقييد بالأربعين زيادةً في تعظيم الأمرِ على المارِّ، لأنَّهما لم يقعا معاً إذ المئةُ أكثرُ من الأربعين، والمقام مقام زَجْرٍ وتخويف(٢)، فلا يناسبُ أنْ يَتقدَّم ذِكْر المئة على الأربعين، بل المناسب أنْ يتأخّر، ومُميِّز الأربعين إن كان هو السَّنَةَ ثبت المدَّعَى، وأمَّا دونُها فمن باب الأَولى. وقد وَقَعَ في ((مسند البَزَّار)) (٣٧٨٢) من طريق ابن عُبَينة التي ذكرها ابن القَطَّان: (لكان أنْ يَقِفَ أربعين خَريفا)) أخرجه عن أحمد بن عَبْدة الضَّبِّيّ، عن ابن عُيَينة. وقد جعل ابن القَطَّن الجَزْمَ في طريق ابن عُيَينة والشَّكَّ في طريق غيره دالًّا على التعدُّد، لكن رواه (١) إسناده ضعيف، وانظر ((مسند أحمد)) (٨٨٣٧) بتحقيقنا. (٢) في (أ): زجر وتعنيف. ٤٥١ باب ١٠١ / ح ٥١٠ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي أحمد وابن أبي شَيْبة وسعيد بن منصور وغيرهم من الحُفَّاظِ عن ابن عُيَينة عن أبي النَّصْر على الشَّكِّ أيضاً وزاد فيه: ((أو ساعة))(١)، فيَبَعُدُ أنْ يكون الجَزْم والشَّكّ وَقَعا معاً من راوٍ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ إلَّا أنْ يقال: لعلَّه تَذَكَّرَ في الحال فجَزَم، وفيه ما فيه. قوله: ((خيراً له)) كذا/ في روايتنا بالنصب على أنَّه خبرُ ((كان))، ولبعضهم ((خيرٌ)) بالرفع ٥٨٦/١ وهي روايةُ التِّرمِذيِّ (٣٣٦)، وأعرَبَها ابن العربيِّ على أنَّها اسمُ ((كان))، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنَّكِرة لكَوْنها موصوفةً، ويحتمل أنْ يقال: اسمُها ضمير الشَّأْن، والجملةُ خبرها. قوله: ((قال أبو النَّضْرِ)) هو كلامُ مالكٍ وليس من تعليق البخاري، لأنَّه ثابتٌ في ((الموطَّأ)) (١/ ١٥٤-١٥٥) من جميع الطَّرُق، وكذا ثبت في رواية الثَّوْريّ وابن عُيَينة كما ذکرنا. قال النَّووي: فيه دليل على تحريم المرور، فإنَّ معنى الحديث النهيُ الأكيد والوعيد الشدید علی ذلك. انتهى، ومُقتَضى ذلك أنْ يُعَدَّ في الكبائر. وفيه أخذُ القَرِينِ عن قَرِينِه ما فاتَه، أو استثباتُه فيما سمع معه. وفيه الاعتمادُ على خبر الواحد، لأنَّ زيداً اقتَصَرَ على التُّزول مع القُدْرة على العُلوِّ، اكتفاءً برسولِه المذكور. وفيه استعمالُ (لو)) في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي، لأنَّ محلّ النهي أنْ يُشعِرَ بما يُعاندُ المقدور كما سيأتي في كتاب القَدَر حيثُ أورَدَه المصنّف إن شاء الله تعالى(٢). تنبيهات: أحدها: اسْتَنْبَطَ ابن بَطَّال من قوله: ((لو يعلمُ)) أنَّ الإثمَ يَخْتَصُّ بمَن يعلمُ بالنهي وارتَكَبَه. انتهى، وأَخْذُه من ذلك فيه بُعْد، لكن هو معروفٌ من أدلَّةٍ أُخرى. (١) الحديث عند أحمد في ((مسنده)) (١٧٠٥١) لكن ليس فيه ((أو ساعة))، وهي عن سفيان عند الحميدي (٨١٧)، وابن ماجه (٩٤٤)، وغيرها. (٢) الذي أورده المصنف هو جواز استعمال ((لو))، حيث قال في كتاب التمني - وليس في كتاب القدر كما قال الشارح -: ٩ - باب ما يجوز من اللَّو. ٤٥٢ باب ١٠١ / ح ٥١٠ فتح الباري بشرح البخاري ثانيها: ظاهرُ الحديث أنَّ الوعيدَ المذكورَ يَخْتَصُّ بمَن مَرَّ لا بمَن وَقَفَ عامداً مَثلاً بين يدَي المصلّ أو قَعَدَ أو رَقَد، لكن إن كانت العِلّة فيه التشويش على المصلّي، فهو في معنى المارِّ. ثالثُها: ظاهرُه عموم النهي في كلِّ مُصلِّ، وخَصَّه بعض المالكيَّة بالإمام والمنفَرِد، لأنَّ المأمومَ لا يَضُرُّه مَن مَرَّ بين يديه، لأَنَّ سُتْرة إمامه سُتْرة له، أو إمامه سُتْرة له. انتهى، والتعليلُ المذكورُ لا يُطابِقُ المدَّعَى، لأنَّ السُّتْرةَ تُفيدُ رفع الحَرَج عن المصلِّي لا عن المارِّ، فاستَوَى الإمام والمأمومُ والمنفَرِدُ في ذلك. رابعُها: ذكر ابن دَقِيق العيد أنَّ بعضَ الفقهاء - أي: المالكيَّة - قَسَّمَ أحوال المارِّ والمصلّي في الإثم وعَدَمه إلى أربعة أقسام: يأَثَمُ المارُّ دون المصلّي، وعكسه، يأثمان جميعاً، وعكسه. فالصورةُ الأولى: أنْ يُصلّيَ إلى سُتْرةٍ في غير مَشْرَع، وللمارِّ مندوحة، فيأثَمُ المارُّ دون مصلّى. الثانيةُ: أنْ يُصلَّ في مَشْرَع مَسْلوك بغير سُتْرة، أو مُتباعداً عن السُّتْرة ولا يجدُ الماءُ مندوحة، فيأثَمُ المصلّي دون المارّ. الثالثةُ: مثل الثانية لكن يجدُ المارُّ مندوحة، فيأثمان جميعاً. الرابعةُ: مثل الأولى لكن لم يجد المارّ مندوحة، فلا يأثمان جميعاً، انتهى. وظاهرُ الحديث يدلُّ على منع المرورِ مُطلَقاً ولو لم يجدْ مَسْلَكاً، بل يَقِفُ حتَّى يَفرُغَ المصلِّي من صلاته، ويؤيِّدُه قِصّة أبي سعيد السابقة (٥٠٩) فإنَّ فيها: ((فنظرَ الشابُّ فلم يجدْ مَساغاً)، وقد تقدَّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمَين: إنَّ الدَّفْعَ لا يُشرَعُ للمُصلّي في هذه الصور، وتبعه الغَزاليُّ، ونازَعَه الرافعيّ، وتعقّبه ابن الرّفْعة بما حاصله: أنَّ الشابَّ إنَّما استَوْجَبَ من أبي سعيد الدَّفْعَ، لكَوْنه قَصَّرَ في التأخَّرِ عن الحضورِ إلى الصلاة حتَّى وقع الزحام، انتهى. وما قاله مُحُتمَل لكن لا يدفعُ الاستدلالَ، لأنَّ أبا سعيد لم يَعتَذِرْ بذلك، ولأنَّه متوقّفٌ ٤٥٣ باب ١٠٢ / ح ٥١١ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي على أنَّ ذلك وَقَعَ قبل صلاة الجمعة أو فيها، مع احتمال أنْ يكون ذلك وقع بعدَها فلا يَتَّجِه ما قاله من التقصير بعَدَم التبكير، بل كَثْرة الزِّحام حينئذٍ أوجَه، والله أعلم. خامسُها: وَقَعَ في رواية أبي العبّاس السَّاج (٣٩٢) من طريق الضَّحّاك بن عثمان عن أبي النَّضْرِ: (لو يعلمُ المارُّ بين يدَي المصلِّ والمصلَّى))، فحمله بعضُهم على ما إذا قَصَّرَ المصلّي في دَفْع المارِّ أو بأنْ صلَّى في الشارع، ويحتمل أنْ يكون قوله: ((والمصلَّ)) بفتح اللام، أي: بين يدَي المصلِّي من داخل سُتْرتِهِ، وهذا أظهرُ، والله أعلم. ١٠٢ - باب استقبال الرجلِ الرجلَ وهو يصلي وكَرِهَ عثمانُ أنْ يُستَقْبَلَ الرجلُ وهو يُصلِّي. وإِنَّمَا هذا إذا اشْتَغَلَ به، / فأما إذا لم يَشتَغِلْ فقد قال زيدُ بنُ ثابتٍ: ما بالَيتُ، إنَّ الرجلَ لا ٥٨٧/١ يَقْطَعُ صلاةَ الرجلِ. ٥١١- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ خَلِيل، حدَّثنا عليُّ بنُ مُسِهِر، عن الأعمشِ، عن مُسلِمٍ - يعني ابنَ صُبَيْحِ، عن مَسْرُوق، عن عائشةَ: أَنَّه ذُكِرَ عندَها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، فقالوا: يَقْطَعُها الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، قالت: لقد جَعلْتُمُونا كِلاباً! لقد رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يُصلِّ وإنّ لَبَيْتَه وبينَ القِبْلةِ وأنا مُضطَجِعةٌ على السَّريرِ، فتكونُ ليَ الحاجةُ وأَكرَهُ أنْ أستَقْبِلَه، فَأَنسَلُّ انسِلالاً. وعن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَد، عن عائشةً، نحوَه. قوله: ((باب استقبالِ الرجلِ الرجلَ وهو يُصلِّ)) في نسخة الصَّغَانيِّ: ((استقبال الرجل صاحبَه أو غيره في صلاته)) أي: هل يُكرَه أو لا، أو يُفرَّقُ بين ما إذا أنهاه أو لا؟ وإلى هذا التفصيل جَنَحَ المصنِّف وجمع بين ما ظاهرُه الاختلافُ من الأثرَينِ اللَّذَينِ ذكرهما عن عثمان وزيد بن ثابت، ولم أرَه عن عثمان إلى الآن، وإنَّما رأيته في ((مصنَّفَي)) عبد الرزّاق (٢٣٩٦) وابن أبي شَيْبة(١) وغيرهما من طريق هلال بن يسافٍ عن عمر: أنَّه زَجَرَ عن (١) لم نقف عليه في ((مصنف ابن أبي شيبة))، والحافظ نفسه لم يخرِّجه منه في كتابه ((تغليق التعليق)) ٢٤٨/٢-٢٤٩. ٤٥٤ باب ١٠٣ / ح ٥١٢ فتح الباري بشرح البخاري ذلك، وفيهما أيضاً (١) عن عثمان ما يدلُّ على عَدَم كراهية ذلك، فليتأمَّلْ لاحتمال أنْ يكون فیما وقع في الأصل تصحیفٌ من عمرَ إلى عثمان. وقولُ زيد بن ثابت: ((ما بالَيتُ)) يريد أنَّه لا حرجَ في ذلك. قوله: ((فتكونُ لي الحاجة وأكرَه أنْ أستَقِلَه)) كذا للأكثر بالواو، وهي حاليّة، وللكُشْمِيھَنيّ: ((فأكره)) بالفاء. قوله: ((وعن الأعمش، عن إبراهيمَ)) هو معطوفٌ على الإسناد الذي قبله، يعني أنَّ عليّ ابن مُسهِر روى هذا الحديثَ عن الأعمش بإسنادينٍ إلى عائشة عن مسلم - وهو أبو الضُّحَى - عن مسروق عنها باللفظ المذكور، وعن إبراهيم عن الأسودِ عنها بالمعنى، وقد تقدَّم لفظُه في ((باب الصلاة على السَّرير)) (٥٠٨). وأمَّا ظَنُّ الكِرْمانيّ أنَّ مسلماً هذا هو البَطِينُ، فلم يُصِبْ في ظَنِّه ذلك. قال ابن المنيِر: الترجمةُ لا تُطابقُ حديثَ عائشة، لكنَّه يدلُّ على المقصودِ بالأَولى، لكن ليس فيه تصريح بأنّها كانت مُستَقِلتَه، فلعلَّها كانت مُنحرِفة أو مُستَدبِرة. وقال ابن رُشَيد: قَصَدَ البخاري أنَّ شُغْلَ المصلّي بالمرأة إذا كانت في قِبْلِتِه على أيِّ حالةٍ كانت أشدَّ من شُغْلِه بالرجل، ومع ذلك فلم تَضُرَّ صلاتَه وَّةِ، لأنَّه غيرُ مُشتغِلٍ بها، فكذلك لا تَضُرُّ صلاة مَن لم يشتغلْ بها، وبالرجل من باب الأَولى. واقتَنَعَ الكِرْمانيّ بأنَّ حُكْمَ الرجل والمرأة واحد في الأحكام الشَّرْعيَّة، ولا يخفى ما فيه. ١٠٣ - باب الصلاة خلف النائم ٥١٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثني أَبي، عن عائشةَ، قالت: كانَ النبيُّ ◌َّهَ يُصلِّ وأنا راقِدةٌ مُعتَرِضةٌ على فِراشِه، فإذا أرادَ أنْ يُوتِرَ أَيقَظَنِي فَأَوتَرْتُ. قوله: ((باب الصلاة خلفَ النائم)» أورَدَ فيه حديثَ عائشة أيضاً من وجهٍ آخرَ بلفظٍ آخرَ للإشارة إلى أنَّه قد يُفرِّقُ مُفرِّقٌ بين كَوْنها نائمةً أو يَفْظَى، وكأنَّه أشار أيضاً إلى تضعيف (١) انظر ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٣٦٢)، و((التغليق)) ٢٤٩/٢. ٤٥٥ باب ١٠٤ / ح ٥١٣ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، فقد أخرجه أبو داود (٦٩٤) وابن ماجَهْ (٩٥٩) من حديث ابن عبّاس، وقال أبو داود: طرقُه كلّها واهية، يعني حديثَ ابن عبَّاس، انتھی. وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عَديّ (١)، وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٢٤٦)، وهما واهيان أيضاً. وكَرِهَ مجاهد وطاووس ومالك الصلاةَ إلى النائم خَشْية أنْ يبدوَ منه ما يُلْهي المصلّي عن صلاته، وظاهرٌ / تصرُّف المصنِّف أنَّ عَدَمَ الكراهية حيثُ تَحَصُلُ الأمنُ من ذلك. ٥٨٨/١ تنبيه: يحيى المذكور في الإسناد: هو القَطَّن، وهشام: هو ابن عُرْوة. ١٠٤ - باب التطوع خلف المرأة ٥١٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيد الله، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ◌َّهِ: أنَّها قالت: كنتُ أنامُ بينَ يَدَي رسولِ الله ◌َّهِ وَرِ جْلَايَ فِي قِبْلِتِهِ، فإذا سَجَدَ غَمَزَني فقَبَضْتُ رِجْليَّ، فإذا قامَ بَسَطُهما. قالت: والبیوتُ يومئذٍ لیسَ فیھا مَصابِیحُ. قوله: ((باب التطوُّع خلفَ المرأة)) أورَدَ فيه حديثَ عائشة أيضاً بلفظٍ آخر، وقد تقدَّم (٣٨٢) في ((باب الصلاة على الفِراش)) من هذا الوجه. ودلالةُ الحدیث على التطوُّع من جهة أنَّ صلاته هذه في بیتِه بالليل، وكانت صلاته الفرائض بالجماعة في المسجد. وقال الكِرْمانيّ: لفظُ الترجمة يقتضي أنْ يكون ظَهْر المرأة إليه، ولفظ الحديث لا تخصيصَ فيه بالظَّهْر. ثمَّ أجابَ بأنَّ السُّنَّةَ للنائم أنْ يتوجَّهَ إلى القِبْلة، والغالب من حال عائشة ذلك. انتهى، ولا يخفى تكلَّفه، وسُنَّةُ ذلك للنائم في ابتداء النوم لا في دوامه، لأنَّه يَنْقلِبُ وهو لا يَشْعُر. والذي يظهرُ أنَّ معنى ((خلفَ المرأة)): وراءَها، فتكونُ هي نفسها أمامَ (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((الكامل)) لابن عدي. ٤٥٦ باب ١٠٥ / ح ٥١٤ فتح الباري بشرح البخاري المصلّي لا خصوصُ ظَهْرِها، ولو أراده لقال: خلفَ ظَهْرِ المرأة، والأصلُ عَدَم التقدير. وفي قولها: ((والبيوت يومَئذٍ ليس فيها مصابيح)) إشارةٌ إلى عَدَم الاشتغال بها. ولا يُعِّرُ على ذلك كَوْنُه يَغْمِزُها عند السجود ليَسجُد مكان رِجْليها كما وقع صريحاً في رواية لأبي داود (٧١٢)، لأنَّ الشُّغْلَ بها مأمون في حقِّه ◌ِوَِّ، فمَن أَمِنَ ذلك لم يُكرَهْ في حقُّه. تنبيه: الظاهر أنَّ هذه الحالةَ غير الحالة التي تقدَّمت (٥١١) في صلاته بَّه إلى جهة السّرير الذي كانت عليه، لأنَّ في تلك الحالة غیرُ مُحتاج لأن يسجُد مکان رِ جْلیھا، ویمکن أنْ يُوجَّهَ بين الحالتين بأنْ يقال: كانت صلاته فوقَ السَّرير لا أسفلَ منه كما جَنَحَ إليه الإسماعيلي فيما سَبَق، لكنَّ حمله على حالتين أولى، والله أعلم. ١٠٥ - باب من قال: لا يقطع الصلاةَ شيء ٥١٤- حدّثنا عمرُ بنُ حَفْص، قال: حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدّثنا إبراهيمُ، عن الأسوَد، عن عائشةَ. (ح) قال الأعمشُ: وحدَّثني مُسلِمٌ، عن مَسرُوق، عن عائشةَ: ذُكِرَ عندَها ما يَقْطَعُ الصلاةَ: الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، فقالت: شَبَّهِتُهُونا بالحُمُرِ والكِلاب! والله لقد رأيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ يُصلِّ وإِنِّي على السَّرِيِرِ بينَه وبينَ القِيْلة مُضطَجِعةً، فتَبَدُو لي الحاجةُ، فَأَكرَه أنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِيَ النبيَّ ◌َِ، فَأَنَسَلُّ من عندِ رِجلَيهِ. قوله: ((باب من قال: لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ) أي: من فعلِ غير المصلّي. والجملةُ المترجَم بها أورَدَها في الباب صريحاً من قول الزُّهْريّ، ورواها مالك في ((الموطَّأ)» (١٥٦/١) عن الزُّهْريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه من قوله، وأخرجها الدَّارَ قُطنيّ (١٣٨١) مرفوعة من وجهٍ آخرَ عن سالم لكنَّ إسنادَها ضعيف، ووَرَدَت أيضاً مرفوعة من حديث أبي سعيد عند أبي داود (٧١٩)، ومن حديث أنس وأبي أمامة عند الدَّارَقُطنيّ (١٣٨٠ و١٣٨٣)، ومن حديث جابر عند الطبراني في ((الأوسط» (٧٧٧٤)، وفي إسناد كُلُّ منها ضعف، وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن عليّ وعثمان وغيرهما نحو ذلك موقوفاً. ٤٥٧ باب ١٠٥ / ح ٥١٤ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي قوله: ((قال الأعمش)) هو مَقُول حفص بن غياثٍ وليس بتعليق، وهو نحوُ ما تقدَّم ٥٨٩/١ (٥١١) من رواية عليّ بن مُسهِر. قوله: ((عن عائشة ذُكِرَ عندَها)» أي: أنَّه ذُكِرَ عندها. وقوله: ((الكلب ... )) إلى آخره، فيه حذف، وبيانه في رواية عليّ بن مُسهِر: «ذُكِرَ عندها ما يقطعُ الصلاةَ فقالوا: يقطعُها»، ورواه مسلم (٢٦٩/٥١٢) من طريق أبي بكر بن حفص عن عُرْوةَ قال: قالت عائشة: ما يقطعُ الصلاةَ؟ فقلت: المرأةُ والحمارُ، ولسعيد بن منصور من وجهٍ آخرَ: قالت عائشة: يا أهل العراق قد عَدَلتُمونا ... الحديث، وكأنّها أشارت بذلك إلى ما رواه أهلُ العراق عن أبي ذرٍّ وغيره في ذلك مرفوعاً، وهو عند مسلم (٥١٠) وغيره من طريق عبد الله بن الصامتِ عن أبي ذرٍّ، وقَيَّدَ الكلبَ في روايته بالأسودِ، وعند ابن ماجَه (٩٥١) من طريق الحسن البصريّ عن عبد الله بن مُغفَّل، وعند الطبراني (٣١٦١) من طريق الحسن أيضاً عن الحكم بن عمر نحوه من غير تقييد، وعند مسلم (٥١١) من حديث أبي هريرة كذلك، وعند أبي داود (٧٠٣) من حديث ابن عبَّاس مثله، لكن قَيَّدَ المرأة بالحائض، وأخرجه ابن ماجَهْ (٩٤٩) كذلك وفيه تقييد الكلب أيضاً بالأسود. وقد اختلف العلماءُ في العمل بهذه الأحاديث، فمالَ الطَّحاويّ وغيره إلى أنَّ حديثَ أبي ذرِّ وما وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها. وتُعُقِّبُ بأنَّ النَّسْخَ لا يُصارُ إليه إلَّا إذا عُلمَ التاريخُ وتَعذَّرَ الجمعُ، والتاريخُ هنا لم يَتَحقَّقْ، والجمع لم يَتعذَّر. ومالَ الشافعيُّ وغيره إلى تأويل القَطْع في حديث أبي ذرٍّ بأنَّ المرادَ به نَقْص الخشوع لا الخروجُ من الصلاة، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ الصحابيَّ راوي الحديث سألَ عن الحِكْمة في التقييد بالأسودِ فأُجيبَ بأنَّه شيطان(١)، وقد عُلمَ أنَّ الشيطان لو مَرَّ بين يدَي المصلّي لم تَفسُدْ صلاتُه كما سيأتي في الصحيح (٦٠٨): ((إذا ثُوِّبَ بالصلاة أدَبَرَ الشيطانُ، فإذا قُضِيَ (١) وقع ذلك في حديث أبي ذرِّ عند مسلم (٥١٠). ٤٥٨ باب ١٠٥ / ح ٥١٤ فتح الباري بشرح البخاري التثويبُ أقبَلَ حتَّى يَخْطِرَ بين المرءِ ونَفْسه)) الحديث، وسيأتي في ((باب العمل في الصلاة)) (١٢١٠) حديث: ((إنَّ الشيطان عَرَضَ لي فشَدَّ عليّ)) الحديث، وللنَّسائيِّ (ك١١٣٧٥) من حديث عائشة: ((فأخَذْتُه فصَرَعْتُه فخَنَقْتُه))، ولا يقال: قد ذكر في هذا الحديث أنَّه جاء ليقطع صلاتَه، لأنَّا نقولُ: قد بيَّن في رواية مسلم (٥٤٢) سبب القَطْع، وهو أنَّه جاء بشِهابٍ من نارٍ ليجعله في وجهِه، وأمَّا مجرَّدُ المرورِ فقد حصل ولم تَفسُدْ به الصلاة. وقال بعضهم: حديثُ أبي ذرِّ مُقدَّم، لأنَّ حديثَ عائشة على أصل الإباحة. انتهى، وهو مبنيٌّ على أنَهما مُتعارِضان، ومع إمكان الجمع المذكورِ لا تَعارض. وقال أحمد: يقطعُ الصلاةَ الكلبُ الأسودُ، وفي النَّفْس من الحمار والمرأة شيء. ووَجَّهَه ابن دَقِيق العيد وغيرُه بأنَّه لم يجدْ في الكلب الأسودِ ما يعارضُه، ووَجَدَ في الحمار حديث ابن عبَّاس، يعني الذي تقدَّم (٤٩٣) في مُرُورِه وهو راكبٌ بمنّى، ووَجَدَ في المرأة حديث عائشة - يعني حديث الباب-، وسيأتي الكلام في دلالته على ذلك بعدُ. قوله: ((شَبَّهتُمُونا)) هذا لفظ رواية مسروق، ورواية الأسودِ عنها (١): ((أعَدَلتُمونا)) والمعنى واحد. وتقدَّم (٥١١) من طريق عليّ بن مُسهِر بلفظ: ((جعلتُمونا كِلاباً)) وهذا على سبيل المبالَغة. قال ابن مالك: في هذا الحديث جواز تَعَدّي المشَبَّه به بالباء، وأنكَرَه بعضُ النَّحْوِيّين حتَّى بالَغَ فخَطَّأ سيبويه في قوله: شَبَّهَ كذا بكذا، وزَعَمَ أنَّه لا يوجَدُ في كلام مَن يُوثَّقُ بعربيّتِه، وقد وُجِدَ في كلام مَن هو فوقَ ذلك وهي عائشة رضي الله عنها، قال: والحقُّ أنَّه جائزٌ وإن كان سقوطها أشهر في كلام المتقدِّمين، وثبوتها لازِمٌ في عُرْف العلماء المتأخِّرين. قوله: ((فأكرَه أنْ أجلِسَ فأُوذيَ النبيّ ◌ََّ)) استُدلَّ به على أنَّ التشويشَ بالمرأة وهي قاعدةٌ يَحصُلُ منه ما لا يَحَصُلُ بها وهي راقدة، والظاهر أنَّ ذلك من جهة الحَرَكة (١) سلفت عند البخاري برقم (٥٠٨). ٤٥٩ باب ١٠٥ / ح ٥١٥ كتاب الصلاة - أبواب سترة المصلي والسُّكون، وعلى هذا فمرورها أشدّ. وفي النَّسائيِّ (٧٥٥) من طريق شُعْبةَ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها في هذا الحديث: فأكره أنْ أقومَ فأمُرَّ بين يديه، فأنسَلَّ انسِلالاً. فالظاهر أنَّ عائشة إنَّما أنكَرَت إطلاقَ كَوْن المرأة تقطعُ الصلاةَ في جميع الحالات، لا المرورُ بخصوصه. قوله: ((فأنسَلُّ) برفع / اللام عطفاً على ((فأكرهُ)). ٥٩٠/١ ٥١٥- حدَّثنا إسحاقُ بن إبرهيم، قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني ابنُ أخي ابنِ شِهَابٍ: أَنَّه سألَ عَمَّه عن الصلاة: يَقْطَعُها شيءٌ؟ فقال: لا يَقْطَعُها شيءٌ، أخبرني عُزْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَ قالت: لقد كانَ رسولُ الله ◌َ يقومُ فيُصلِّي مِن اللَّيلِ وإِّي المُعتَرِضةٌ بينَه وبينَ القِبْلةِ على فِرَاشِ أهلِه. قوله: ((حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو الحَنْظليُّ المعروف بابن راهويه، وبذلك جَزَمَ ابن السَّكَن، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا إسحاق)) غير منسوب، وزَعَمَ أبو نُعَيم أنَّه ابن منصور الكَوْسَج، والأوَّل أَولى. قوله: ((أنَّه سألَ عَمَّه ... )) إلى آخره، ووجه الدّلالة من حديث عائشة الذي احتَجَّ به ابن شهاب أنَّ حديث: ((يقطعُ الصلاةَ المرأة ... )) إلى آخره، يَشمَلُ ما إذا كانت مارّةً أو قائمة أو قاعدة أو مُضطَجِعة، فلمَّا ثبت أنَّه وَهِ صلَّى وهي مُضطَجِعةٌ أمامَه، دَلَّ ذلك على نَسْخ الحُكْم في المضطَجِع، وفي الباقي بالقياس عليه وهذا يتوقَّفُ على إثبات المساواة بين الأُمور المذكورة، وقد تقدَّم ما فيه، فلو ثبت أنَّ حديثَها متأخّرٌ عن حديث أبي ذرٍّ، لم يدلَّ إلَّا على نَسْخ الاضطجاع فقط. وقد نازَعَ بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من اوجُهِ أُخرى: أحدُها: أنَّ العِلّةَ في قَطْع الصلاة بها ما يَحَصُلُ من التشويش، وقد قالت: إنَّ البيوتَ يومَئذٍ لم يكن فيها مَصابيحُ، فانتَفَى المعلول بانتفاء عِلّتِهِ. ثانيها: أنَّ المرأة في حديث أبي ذرِّ مُطلقة، وفي حديث عائشة مُقيّدة بگوْنها زوجته، فقد ٤٦٠ باب ١٠٦ / ح ٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري يُحمَلُ المطلَق على المقيَّد، ويقالُ: يتقيَّدُ القَطْع بالأجنبيّة لخَشْية الافتتان بها، بخلاف الزوجة فإنّها حاصلة. ثالثها: أنَّ حديثَ عائشة واقعة حالٍ يتطرّقُ إليها الاحتمالُ، بخلاف حديث أبي ذرِّ فإنَّه مَسُوقٌ مَساقَ التشريع العامّ، وقد أشار ابن بَطَّل إلى أنَّ ذلك كان من خصائصه ◌ِِّ، لأنَّه کان یَقدِرُ من مِلْكِ إربِه على ما لا يَقدِرُ علیه غيره. وقال بعض الحنابلة: يعارضُ حديث أبي ذرِّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحةٍ وصريحةٌ غير صحيحة، فلا يُترَكُ العملُ بحديث أبي ذرِّ الصَّريح بالمحتَمَل؛ يعني حديثَ عائشة وما وافقه، والفَرْقُ بين المارِّ وبين النائم في القِبْلة: أنَّ المرورَ حرام، بخلاف الاستقرار نائماً كان أم غيره، فهكذا المرأةُ يقطعُ مُرورُها دون لُبْتِها. قوله: ((على فِراشِ أهلِه)) كذا للأكثر، وهو مُتعلّقٌ بقوله: ((فيُصلّي)). ووقع للمُستَمْلي: ((عن فِراش أهله)) وهو مُتعلِّقٌ بقوله: ((يقومُ))، والأوَّل يقتضي أنْ تكون صلاتُه كانت واقعةً على الفِراش، بخلاف الثاني ففيه احتمال. وقد تقدَّم (٣٨٢) في ((باب الصلاة على الفِراش)) من رواية عُقَيل عن ابن شهاب مثل الأوَّل. ١٠٦ - باب إذا حمل جاريةً صغيرةً على عُنقِه في الصلاة ٥١٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عامرِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبیر، عن عَمْرِو بنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيّ، عن أبي قَتَادةَ الأنصاريِّ: أنَّ رسولَ الله وََّ كانَ يُصلِّ وهو حامِلٌ أُمامةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ◌َ﴿ ولأبي العاصِ بنِ رَبِيعةَ بنِ عَبْدِ شَمْس، فإذا سَجَدَ وَضَعَها، وإذا قامَ ◌َلَها. [طرفه في: ٥٩٩٦] قوله: ((باب إذا حملَ جارية صغيرة على عُنُقِه)) قال ابن بَطَّل: أراد البخاري أنَّ حمَلَ المصلّي الجاريةَ إذا كان لا يَضُرُّ الصلاة فمرورُها بين يديه لا يَضُرُّ، لأنَّ حملها أشدُّ من ٥٩١/١ مُرورِها. وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشافعيّ، لكنَّ/ تقييدَ المصنّ بكَوْنها صغيرةً قد