Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ٦٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
٦٢ - باب بُنْيان المسجد
وقال أبو سعيدٍ: كانَ سَقْفُ المسجدِ من جَرِيدِ النَّخْل.
وأمَرَ عمرُ بِناءِ المسجدِ، وقال: أَكِنَّ الناسَ مِن المَطَرِ، وإيّاكَ أنْ تُحمَِّ أو تُصِفِّرَ فَتَقْتِنَ الناسَ.
وقال أنسٌِّ: يَتَبَاهَوْنَ بها، ثمَّ لا يَعْمُرُونَها إلا قَلِيلاً.
وقال ابنُ عبَّاس: لَتُزَخْرِ فُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى.
قوله: ((باب بُنْيان المسجد)) أي: النّبويّ.
قوله: (وقال أبو سعيد» هو الُدريُّ، والقَدْر المذکور هنا طرف من حديثه في ذِكْر ليلة
القَدْر، وقد وصله المؤلّف في الاعتكاف (٢٠٢٧) وغيره من طريق أبي سَلَمةً عنه، وسيأتي
قريباً في أبواب صلاة الجماعة (٦٦٩).
قوله: ((وأمُرَ عمرُ)) هو طرف من قِصّة في ذِكْر تجديد المسجد النَّويّ(١).
قوله: ((وقال: أَكِنَّ الناسَ)) وقع في روايتنا: ((أُكِنُ)) بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد
النون المضمومة بلفظ الفعل المضارع من: أكَنّ الرُّباعيّ، يقال: أكثَنْتُ الشيءَ إكناناً، أي:
صُنْتْه وسترته، وحكى أبو زيد: كَثَنْتْه، من الثُّلائيّ بمعنى: أكنَنْه، وفَرَّقَ الكِسائي بينهما
فقال: كَتَنْه، أي: سترتُه، وأكتَنْه في نفسي، أي: أسرَرْته، ووقع في رواية الأَصِيليّ: (أَكِنَّ)
بفتح الهمزة والنون، فعل أمرٍ من الإكنان أيضاً، ويُرجِّحه قوله قبله: ((وأمَرَ عمرُ)) وقوله
بعده: ((وإيّاك))، وتُوجَّه الأولى بأنَّه خاطَبَ القوم بما أراد، ثمَّ الْتَفَتَ إلى الصانع فقال له:
((وإيّاك))، أو يُحِمَل قوله: ((وإيّاك)) على التجريد كأنَّه خاطَبَ نفسه بذلك، قال عياض: وفي
رواية غير الأَصِيلِيّ والقابِسيّ - أي: وأبي ذرِّ -: ((كِنَّ الناس)) بحذف الهمزة وكسر الكاف،
وهو صحيح أيضاً، وجَوَّزَ ابن مالك ضمَّ الكاف على أنَّه من: كُنَّ فهو مَكْنون. انتهى،
وهو مُتَّجِه، لكنَّ الرواية لا تساعده.
(١) بيَّض الحافظ ابن حجر في كتابه ((تغليق التعليق)) ٢٣٦/٢ لأثر عمر هذا ولم يخرّجه، ولم نقف عليه مسنداً
في شيء مما بين أيدينا من المصادر.

٣٦٢
باب ٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فتَفْتِن الناس)) بفتح المثنَّة من: فَتَن، وضبطه ابن القِّين بالضمِّ من: أفتَن، وذكر
أنَّ الأصمعيّ أنكَرَه وأنَّ أبا عبيدة أجازَه فقال: فَتَنَ وأفتَنَ بمعنّى.
قال ابن بَطَّال: كأنَّ عمر فَهِمَ ذلك من رَدّ الشارعِ وَّهِ الْخَميصةَ إلى أبي جَهْم من أجل
الأعلام التي فيها وقال: ((إنَّهَا الْهَتْني عن صلاتي))(١).
قلت: ويحتمل أنْ يكون عند عمر من ذلك عِلْم خاصٌّ بهذه المسألة، فقد روى ابن
ماجَهْ (٧٤١) من طريق عَمْرو بن ميمون عن عمر مرفوعاً: ((ما ساءَ عملُ قومٍ قَطّ إلَّ
زَخْرَفوا مساجدَهم» رجاله ثقات إلَّا شيخه جُبَارة بن المغَلِّس ففيه مَقالٌ.
قوله: ((وقال أنس: يَتَبَاهَوْنَ بها)) بفتح الهاء، أي: يَتَفاخَرون، وهذا التعليق رُويناه
موصولاً في ((مسند أبي يَعْلى)) (٢٨١٧) و((صحيح ابن خُزَيمةَ)) (١٣٢١) من طريق أبي
قِلابةَ أنَّ أنساً قال: سمعته يقول: ((يأتي على أُمَّتي زمان يَتَبَاهَوْنَ بالمساجد ثمَّ لا يَعمُرونها
إلَّا قليلاً))، وأخرجه أبو داود (٤٤٩) والنَّسائيُّ (٦٨٩) وابن حِبَّان (١٦١٤) مُختصَراً من
طريق أُخرى عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبيّ وََّ قال: ((لا تقومُ الساعة حتَّى يَتَبَاهَى
الناسُ في المساجد)»، والطريق الأولى ألْيَق بمراد البخاري. وعند أبي نُعَيم في كتاب
٥٤٠/١ ((المساجد)) من الوجه الذي عند ابن خُزَيمةَ: ((يتباهَوْنَ/ بكَثْرة المساجد)).
تنبيه: قوله: ((ثمَّ لا يَعمُرونها)) المراد به عِمارتُها بالصلاة وذِكْر الله، وليس المراد به
بُنياتها، بخلاف ما يأتي في ترجمة الباب الذي بعده.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: لتُزَخْرِ فُنَّهَا)) بفتح اللام وهي لامُ القَسَم وضمّ المثنَّاة وفتح
الزَّاي وسكون الخاء المعجمة، وكسر الراء، وضمّ الفاء، وتشديد النون وهي نون التأكيد،
والَّخْرَفة: الزّينة، وأصل الزُّخْرُف الذَّهَب، ثمّ استُعمِلَ في كلّ ما یُنزِيَّن به.
وهذا التعليق وَصَلَه أبو داود (٤٤٨) وابن حِبَّان (١٦١٥) من طريق يزيد بن الأصَمّ
عن ابن عبّاس هكذا موقوفاً، وقبله حديث مرفوع ولفظه: ((ما أُمِرتُ بتَشْييدِ المساجد»،
(١) سلف برقم (٣٧٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.

٣٦٣
باب ٦٢ / ح ٤٤٦
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وظنَّ الطِّييُّ في ((شرح المِشْكاة)) أنَّهما حديث واحد، فشَرَحَه على أنَّ اللام في: «لتُزَخْرِ فُنَّها))
مكسورة وهي لام التعليل للمنفيِّ قبله، والمعنى: ما أُمِرتُ بالتشييدِ ليُجعَل ذَرِيعة إلى
الزَّخْرَفة، قال: والنون فيه لمجرَّد التأكيد، وفيه نوع توبيخ وتأنيب، ثمَّ قال: ويجوز فتح
اللام على أنَّها جواب القَسَم. قلت: وهذا هو المعتمَد، والأوَّل لم تَثُبُت به الرواية أصلاً فلا
يُغْتَرُّ به، وكلام ابن عبّاس فيه مفصول من كلام النبيِّ يَّ في الكتب المشهورة وغيرها،
وإنَّما لم يَذْكُر البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصَمّ في وصله وإرساله.
قال البَغَويُّ: التشييد: رفعُ البناء وتطويله، وإنَّما زَخْرَفَت اليهود والنصارى معابدَها
حين حَرَّفوا كتبهم وبَدَّلوها.
٤٤٦- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثني أَبي، عن
صالح بنِ كَيْسانَ، قال: حدَّثنا نافعٌ، أنَّ عبدَ الله أخبره: أنَّ المسجدَ كانَ على عَهْدِ رسولِ الله
وَ مَبنِّاً باللَّبِنِ وسَقْفُهُ الجَرِيدُ وعَمَدُه خَشَبُ النَّخْل، فلم يَزِدْ فيه أبو بَكْرِ شيئاً، وزاد فيه عمرُ
وبَنَاه على بُنْيانه في عَهْدِ رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ بِاللَِّنِ والجَرِيد، وأعادَ عَمَدَه خَشَباً، ثمَّ غيَّره عثمانُ
فزادَ فيه زِيادةً كَثِيرةً، وبَنَى جِدَارَه بالحِجَارةِ المنْقُوشة والقَصَّة، وجَعَلَ عَمَدَه من حِجارةٍ
مَنْقُوشةٍ وَسَقَفَه بالسَّاحِ.
قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)) زاد الأَصِيلي: ابن سعد. ورواية صالح بن كَيْسان
عن نافع من رواية الأقران، لأنَّهما مدنيّان ثِقَتان تابعيّان من طبقة واحدة، وعبدُ الله: هو ابن
عمر.
قوله: ((باللَِّن)) بفتح اللام وكسر الموحّدة.
قوله: ((وعَمَده) بفتح أوَّله وثانيه ويجوز ضمُّهما، وكذا قوله: ((خَشَب)).
قوله: ((وزاد فيه عمر وبَناه على بُنْيانه)) أي: بجِنْس الآلات المذكورة ولم يُغيِّرْ شيئاً من
هيئتِه إلَّا توسیعَه.
قوله: ((ثمَّ غيَّره عثمان))، أي: من الوجهين: التوسيع، وتغيير الآلات.

٣٦٤
باب ٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بالحِجارَة المنْقُوشَة)) أي: بدل اللَّبِن، وللحَمُّوِيِّ والمُستَمْلي: بحِجارةٍ منقوشة.
قوله: ((والقَصَّة)) بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: وهي الحِصّ بلغة أهل الحِجاز،
وقال الخطابيُّ: تُشْبِه الحِصّ وليست به.
قوله: ((وسَقَفَه)) بلفظ الماضي عطفاً على ((جَعَل))، وبإسكان القاف على ((عَمَده))، والساجُ:
نوع من الخَشَب معروف یُؤتَی به من الهِنْد.
وقال ابن بَطَّال وغيره: هذا يدلُّ على أنَّ السُّنّة في بُنْيان المسجد القَصْد وترك الغُلوّ في
تحسينه، فقد كان عمر مع كَثْرة الفُتوح في أيامه وسَعَة المال عنده لم يُغيِّرِ المسجد عمّا كان
عليه، وإنَّما احتاجَ إلى تجديده، لأنَّ جَريد النَّخْل كان قد نَخِرَ في أيامه، ثمَّ كان عثمان والمال
في زمانه أكثر فحَسَّنَه بما لا يقتضي الزَّخْرَفة، ومع ذلك فقد أنكَرَ بعضُ الصحابة عليه كما
سیأتي بعد قليل.
وأوَّل مَن زَخْرَفَ المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عَصْر
٥٤١/١ الصحابة، وسَكَتَ كثير من أهل العِلْم عن إنكار ذلك خَوْفاً من الفِتْنة، ورَخَّصَ في/ ذلك
بعضهم - وهو قول أبي حنيفة - إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع
الصَّرْف على ذلك من بيت المال.
وقال ابن المنيِر: لمَّ شَيَّدَ الناس بيوتهم وزَخْرَفوها، ناسَبَ أنْ يُصنَع ذلك بالمساجد
صَوْناً لها عن الاستهانة. وتُعُقِّبَ بأنَّ المنع إنْ كان للحَثِّ على اتِّبَاعِ السَّلَف في ترك الرَّفاهية،
فهو كما قال، وإنْ كان لحَشْية شَغْل بال المصلّي بالزَّخْرفة فلا، لبقاء العِلّة.
وفي حديث أنس(١) عَلَمٌ من أعلام النبوَّة لإخباره وَّ بما سيقعُ، فوقع كما قال.
٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
(١) السالف في ترجمة الباب.

٣٦٥
باب ٦٣ / ح ٤٤٧
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَبِكَ أَنْ يَكُونُواْ
مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: ١٧ -١٨].
٤٤٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُخْتار، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذّاءُ، عن
عِكْرمةَ، قال لي ابنُ عبَّاس ولابِهِ عليٍّ: انطَلِقَا إلى أبي سعيدٍ فاسمَعَا من حديثه، فانطَلَقْنا فإذا
هو في حائطٍ يُصْلِحُه، فأخَذَ رِداءَه فاحتَى، ثمَّ أنشَأَ يُحدِّثُنا حتَّى أَتَى على ذِكْر بناءِ المسجدِ،
فقال: كنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَّارٌ لَبِنْتَيْنِ لَبِتَيْنٍ، فَرَآه النبيُّ ◌َّهَ فِيَنْفُضُ التُّرابَ عنه ويقولُ: ((وَيْحَ
عَّارٍ! يَدْعُوهم إلى الجنَّةِ ويَدْعُونَه إلى النارِ))، قال: يقولُ عَّارٌ: أعُوذُ بالله مِن الفِتَن.
[طرفه في: ٢٨١٢]
قوله: ((باب التَّعاوُن في بناء المسجد، ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾)) كذا
في رواية أبي ذرّ. وزاد غيره قبل قوله: ﴿ مَا كَانَ﴾: ((وقول الله عزَّ وجلَّ)) وفي آخره: ((إلى
قوله: ﴿اَلْمُهْتَدِينَ﴾))، وذِكْره لهذه الآية مَصِير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالَينِ من أحد
الاحتمالَينِ في الآية، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ يحتمل أنْ يُراد بها مواضع
السجود، ويحتمل أنْ يُراد بها الأماكن المتَّخَذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أنْ يُراد
بعِمارتِها بُنْياتُها، ويَحَتَمِل أنْ يُرادَ بها الإقامةُ فيها لذكر الله تعالى.
قوله: ((حدَّثنا مُسدّد)) هذا الإسنادُ كلُّه بصريّ، لأنَّ ابن عبّاس أقامَ على البصرة أميراً
مُدَّة ومعه مولاه عِكْرمة.
قوله: ((انطَلِقا إلى أبي سعيد)) أي: الخُدْريّ.
قوله: ((فإذا هو)) زاد المصنّف في الجهاد (٢٨١٢): فأتيناه وهو وأخوه في حائطٍ لهما.
قوله: ((يُصْلِحِه)) قال في الجهاد: ((يَسْقيانه))، والحائط: البُسْتان، وهذا الأخِ زَعَمَ بعض
الشُّراح أنَّه قَتَادةُ بن النُّعْمان وهو أخو أبي سعيد لأُمَّه، ولا يَصِحّ أنْ يكون هو، فإنَّ عليّ بن
عبد الله بن عبَّاس وُلِدَ في أواخر خلافة عليّ ومات قتادةُ بن النُّعْمان قبل ذلك في أواخر
خلافة عمر بن الخطاب، وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أُمّه إلَّا قتادة،

٣٦٦
باب ٦٣ / ح ٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
فيحتمل أنْ يكون المذكور أخاه من الرَّضاعة، ولم أقِف إلى الآن على اسمه.
وفي الحديث إشارةٌ إلى أنَّ العِلْم لا يحوي جميعَه أحدٌ، لأنَّ ابن عبّاس مع سَعَة عِلْمِه أمَرَ
ابنه بالأخذِ عن أبي سعيد، فيحتمل أنْ يكون علم أنَّ عنده ما ليس عنده، ويحتمل أنْ يكون
إرساله إليه لطلب عُلوّ الإسناد، لأنَّ أبا سعيد أقدم صُحْبةً، وأكثر سماعاً من النبيّ وَّ من
ابن عبّاس.
٥٤٢/١ وفيه: ما كان السَّلَف عليه من التواضع وعَدَم التكبُّر/ وتَعاهُد أحوال المعاش
بأنفُسِهم، والاعتراف لأهل الفضل بفَضْلِهم، وإكرام طَلَبة العِلْم، وتقديم حوائجهم على
حوائج أنفُسهم.
قوله: ((فأخَذَ رِداءَه فاحتَى)) فيه التأُّب لإلقاء العِلْم وترك التحديث في حالة الِهْنة
إعظاماً للحديث.
قوله: ((حتَّى أتى على ذِكْر بناءِ المسجد)) أي: النّبويّ، وفي رواية کریمة: حتَّى إذا أتى.
قوله: ((وعمَّارٌ لَبِنْتَين)) زاد مَعمَرٌ في ((جامعه)) (٢٠٤٢٦): لَبِنة عنه ولَبِنة عن رسول الله
وفيه جواز ارتكاب المشَقّة في عمل البِرّ، وتوقير الرَّئيس والقيام عنه بما يتعاطاه من
المصالح، وفضل بُنْيان المساجد.
قوله: «فرآه النبيُّ ◌َ فيَنَفُضُ)) فيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي مُبالَغة
لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنَّه يشاهده، وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ: فجعل يَنْفُض.
قوله: ((التُّرابَ عنه)) زاد في الجهاد (٢٨١٢): ((عن رأسه)) وكذا لمسلم (٧٠/٢٩١٥)،
وفيه إكرامُ العامل في سبيل الله والإحسان إليه بالفعل والقول.
قوله: ((ويقول)) أي: في تلك الحال: ((وَيْحَ عَّار)) هي كلمة رحمة، وهي بفتح الحاء إذا
أُضيفَت، فإنْ لم تُضَفْ جازَ الرفع والنصب مع التنوين فيهما.
قوله: ((يَدْعُوهم)) أعادَ الضمير على غير مذكور، والمراد: قَتَلَتُه كما ثبت من وجه آخَر:

٣٦٧
باب ٦٣ / ح ٤٤٧
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
(تَقْتُله الفئة الباغية يدعوهم ... )) إلى آخره، وسيأتي التنبيه عليه(١).
فإن قيل: كان قتلُه بصِفُّين وهو مع عليّ والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من
الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدُّعاء إلى النار؟ فالجواب: أنَهم كانوا ظانِّين أنَّهم يدعون
إلى الجنَّة، وهم مُتَهِدون لا لَوْمَ عليهم في اتِّاعِ ظُنونهم، فالمراد بالدُّعاء إلى الجنَّة: الدُّعاء
إلى سببها وهو طاعة الإمام، وكذلك كان عمَّار يدعوهم إلى طاعة عليّ وهو الإمام
الواجبُ الطاعةِ إذْ ذاك، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك، لكنَّهم معذورون للتأويل
الذي ظَهَرَ لهم.
وقال ابن بَطَّال تبعاً للمُهلَّب: إنَّما يَصِحُّ هذا في الخوارج الذين بَعَثَ إليهم عليٌّ عَّاراً
يدعوهم إلى الجماعة، ولا يَصِحّ في أحد من الصحابة. وتابَعَه على هذا الكلام جماعةٌ من
الشُّراح، وفيه نظرٌّ من أوجُه:
أحدُها: أنَّ الخوارج إنَّما خَرَجوا على عليّ بعد قتل عمَّار بلا خلاف بين أهل العِلْم
بذلك، فإنَّ ابتداء أمر الخوارج كان عَقِبَ التحكيم، وكان التحكيم عَقِب انتهاء القتال
بصِفِّين، وكان قتل عمّار قبل ذلك قَطْعاً، فكيف يبعثه إليهم عليٌّ بعد موته.
ثانيها: أنَّ الذين بَعَثَ إليهم عليٌّ عَّاراً إنَّما هم أهل الكوفة، بَعَثَه يَستَنِفِرُهم على قتال
عائشة ومَن معها قبل وَقْعة الجَمَل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معاوية
وأفضل، وسيأتي التصريح بذلك عند المصنِّف في كتاب الفِتَن (٧١٠٠)، فما فرَّ منه المهلَّب
وقع في مثله مع زيادة إطلاقه عليهم تسميةَ الخوارج، وحاشاهم من ذلك.
ثالثها: أنَّه شَرَحَ على ظاهر ما وقع في هذه الرواية الناقصة، ويُمكِن حملُه على أنَّ المراد
بالذين يدعونَه إلى النار كُفّار قُرَيش كما صَرَّحَ به بعض الشُّراح، لكن وقع في رواية ابن
السَّكَن وكريمة وغيرهما، وكذا ثبت في نسخة الصَّغَانيّ التي ذكر أنَّه قابَلَها على نسخة
الفِرَبْريّ التي بخَطِّه زيادة تُوضِح المراد، وتُفصِح بأنَّ الضمير يعود على قَتَلِتِه وهم أهل
(١) قريباً بعد عدة أسطر.

٣٦٨
باب ٦٣ / ح ٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشام ولفظه: ((ويحَ عمَّار تَقْتُله الفئة الباغية، يدعوهم)) الحديث، واعلم أنَّ هذه الزيادة لم
يَذكُرها الحميديّ في ((الجمع)) وقال: إنَّ البخاري لم يذكرها أصلاً، وكذا قال أبو مسعود.
قال الحميدي: ولعلَّها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحَذَفَها عَمْداً. قال: وقد أخرجها
الإسماعيلي والبَرْقانيّ في هذا الحديث.
قلت: ويظهر لي أنَّ البخاري حَذَفَها عَمْداً وذلك لنُكْتَةٍ خَفيَّةٌ، وهي أنَّ أبا سعيد الخُدْريَّ
اعتَرَفَ أنَّه لم يسمع هذه الزيادة من النبيّ وَِّ، فدَلَّ على أنَّها في هذه الرواية مُدرَجة، والرواية
التي بيَّنت ذلك ليست على شرط البخاري، وقد أخرجها البَزَّار(١) (٢٦٨٧) من طريق داود
ابن أبي هِنْد عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد، فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لَبِنَةً لَبِنَةً، وفيه:
فقال أبو سعيد: فحدَّثَني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله وَّ أنَّه قال: ((يا ابن سُمَيَّةً،
تَقتُّلُك الفِتَةُ الباغية)) انتهى، وابن سُمَيَّة: هو عمّار، وسُمَيَّةٌ اسم أُمّه، وهذا الإسناد على شرط
٥٤٣/١ مسلم،/ وقد عيَّن أبو سعيد مَن حدَّثه بذلك، ففي مسلم (٢٩١٥/ ٧١) والنَّسائيِّ (ك ٨٤٩٥)
من طريق أبي مَسْلَمة(٢) عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد قال: حدَّثني مَن هو خير منّي؛ أبو قتادة،
فذكره، فاقتَصَرَ البخاري على القَدْر الذي سمعه أبو سعيد من النبيّ ◌َّ﴿ دون غيره، وهذا دالٌّ
على دِقّة فَهْمه وتَبتُّرِه في الاطلاع على عِلَل الأحاديث.
وفي هذا الحديث زيادة أيضاً لم تقع في رواية البخاري، وهي عند الإسماعيلي وأبي نُعَيم
في ((المستخرَج)) من طريق خالد الواسطيّ عن خالد الخَذّاء، وهي: فقال رسول الله وَلات:
((يا عمَّار، ألا تَحمِلُ كما يحمل أصحابُك؟ قال: إنّي أُريدُ من الله الأجر))، وقد تقدَّمت زيادة
مَعمَر فيه أيضاً(٣).
فائدة: روى حديث ((تَقتُل عَّاراً الفئةُ الباغية)» جماعة من الصحابة: منهم قتادةٌ بن
(١) برقم (٢٦٨٧ - كشف الأستار عن زوائد البزار).
(٢) تحرَّف في (س) والأصلين إلى: أبي سلمة، بإسقاط الميم من أوله، وأبو مَسْلمة هذا راوي الحديث: هو
سعید بن يزيد بن مسلمة الأزدي البصري.
(٣) تقدمت قريباً عند شرح قوله: ((وعمار لبنتين)) من هذا الحديث.

٣٦٩
باب ٦٤ / ح ٤٤٨
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
التُّعْمان كما تقدَّم(١)، وأُمّ سَلَمَةَ عند مسلم (٢٩١٦)، وأبو هريرة عند التِّرمِذيّ (٣٨٠٠)،
وعبد الله بن عَمْرو بن العاص عند النَّسائيِّ (ك ٨٤٩٦)، وعثمان بن عَفَّن وحُذَيفة(٢) وأبو
أيوب (٤٠٣٠) وأبو رافع (٩٥٤) وخُزَيمةُ بن ثابت (٣٧٢٠) ومعاوية (٧٥٨/١٩) وعَمْرو
ابن العاص (٧٥٨/١٩) وأبو اليَسَر (٣٨٢/١٩) وعمَّار نفسه(٣)، وكلّها عند الطبراني وغيره،
وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يَطولُ عَدُّهم.
وفي هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوَّة وفضيلة ظاهرة لعليٍّ ولعمَّار، ورَدٌّ على النَّواصب
الزّاعمين أنَّ عليّاً لم يكن مُصیباً في حُروبه.
قوله في آخر الحديث: ((يقول عمّار: أعُوذ بالله من الفِتَن)) فيه دليل على استحباب
الاستعاذة من الفِتَن، ولو علم المرءُ أنَّه مُتمسّك فيها بالحقّ، لأنَّها قد تُفْضي إلى وقوع ما لا
یری وقوعه.
قال ابن بَطَّال: وفيه رَدِّ للحديث الشائع: ((لا تَسْتَعيذوا بالله من الفِتَن، فإنَّ فيها حَصادَ
المنافقين)) (٤). قلت: وقد سُئِلَ ابن وَهْب قديماً عنه فقال: إنَّه باطل، وسيأتي في كتاب الفِتَن
ذِكْر كثير من أحكامها، وما ينبغي من العمل عند وقوعها، أعاذنا الله تعالى مما ظهر منها
وما بَطَنَ.
٦٤ - باب الاستعانة بالنَّجَّار والصُّنَّاع في أعواد المنبر والمسجد
٤٤٨- حدَّثنا قُتَيبةُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، عن أبي حازِم، عن سَهْل، قال: بَعَثَ
رسولُ اللهِوَلّه إلى امرأةٍ: «مُرِي غُلامَكِ النَّجَارَ يَعْمَلْ لي أعواداً أجْلِسُ عليهنَّ».
(١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، فإن الذي روى هذا الحديث هو أبوقتادة كما عند مسلم والنسائي.
(٢) حديث عثمان عند الطبراني في ((المعجم الصغير)) (٥١٦)، وحديث حذيفة عند البزار (٢٩٤٨)، والعزو
في الباقين إلى ((المعجم الكبير)) للطبراني.
(٣) أخرجه من حديث عمارٍ أبو يعلى (١٦١٤)، وسنده ضعيف.
(٤) عزاه الحافظ في الباب (١٥) من كتاب الفتن لأبي نعيم، وهو عنده في ((تاريخ أصبهان)) ١١٣/٢-١١٤
من حديث علي، وهو في ((طبقات أصبهان)) لأبي الشيخ (٦٩٧)، وعنه أخرجه أبو نعيم.

٣٧٠
باب ٦٤ / ح ٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الاستعانة بالنَّجّار والصُّنّاع في أعواد المِنِبَر والمسجد)) الصُّنّاع بضمِّ المهمَلة:
جمع صانع، وذِكرُه بعد النَّجّار من العامّ بعد الخاصّ، أو في الترجمة لَفُّ ونَشْر، فقوله: ((في
أعواد المنبر)) يتعلَّقُ بالنَّجّار، وقوله: ((والمسجد)) يتعلَّقُ بالصُّنّاع، أي: والاستعانة بالصُّنّاع
في المسجد، أي: في بناء المسجد.
وحديثُ الباب من رواية سَهْل وجابر جميعاً يتعلَّقُ بالنَّجّار فقط، ومنه تُؤْخَذُ مشروعيَّة
الاستعانة بغيره من الصُّنّاعِ لعَدَم الفَرْق، وكأنَّه أشار بذلك إلى حديث طَلْقٍ بن عليّ قال:
بَنَيت المسجدَ مع رسول اللهَوَّ﴿ فكان يقولُ: ((قَرِّبوا اليَماميَّ من الطّين، فإنَّه أحسنُكم له
مَسّاً، وأشدُّكم له سَبْكاً)) رواه أحمد (١)، وفي لفظٍ له (٣١/٢٤٠٠٩): فَأخَذَتِ المِسْحاةَ
فخَلَطْت الطّين فكأنَّه أعجَبَه فقال: ((دَعوا الحنفيّ والطِّين، فإنَّه أضْبَطُكم للطّين))، ورواه
ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (١١٢٢) ولفظُه: فقلت: يا رسول الله، أأنقُلُ كما يَنْقُلُونَ؟ فقال:
((لا، ولكن اخلِطْ لهم الطِّين فأنت أعلمُ به)).
قوله: ((حدّثنا عبد العزیز)) هو ابن أبي حازم.
قوله: ((إلى امرأةٍ)) تقدَّم ذِكرُها (٣٧٧) في ((باب الصلاة على المنبر والسُّطوح))، والتنبيه
على غلط مَن سَمَّها عُلائة، وكذا التنبيه على اسم غُلامها، وساق المتن هنا مُختصَراً، وساقه
بتمامه في البيوع (٢٠٩٤) بهذا الإسناد، وسنذكر فوائده في كتاب الجمعة (٩١٧) إن شاء الله
تعالی.
٤٤٩- حدَّثنا خَلَادٌ، قال: حدّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، عن أبيه، عن جابرٍ: أنَّ امرأةٌ
٥٤٤/١ قالت: / يا رسولَ الله، ألا أجْعَلُ لكَ شيئاً تَقْعُدُ عليه، فإنَّ لي غُلاماً نَجّاراً؟ قال: ((إنْ شِئْتٍ))
فَعَمِلَتِ الِنْبِرَ.
[أطرافه في: ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥]
(١) هذا الحديث من الأحاديث التي سقطت من الطبعة الميمنية للمسند، وهو في طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيقنا
برقم (٢٤٠٠٩/ ٢٧)، وهو حديث حسن.

٣٧١
باب ٦٥ / ح ٤٥٠
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ((حدَّثْنَا خَلّادٌ)) هو ابن يحيى، وأيمَنُ بوَزْن أفعَل: وهو الحَبَشِيُّ مولى بني مخزوم.
قوله: ((أنَّ امرأةً» هي التي ذُكِرَت في حدیث سَهْل، فإن قيل: ظاهر سياق حديث جابر
مخالف لسياق حديث سَهْل، لأنَّ في هذا: أَّهَا ابْتَدَأْت بالعَرْض، وفي حديث سَهْل: أنَّه وَه
هو الذي أرسَلَ إليها يَطلُبُ ذلك، أجابَ ابن بَطّالٍ باحتمال أنْ تكون المرأة ابتَدَأْت
بالسؤال مُتبرِّعة بذلك، فلمَّا حصل لها القَبُولُ أمكَنَ أنْ يُبطِئَ الغلام بعمله، فأرسَلَ
يَستَنَجِزُها إتمامَه لِعِلْمِه بطيب نفسها بما بَذَلَتْه. قال: ويمكن إرسالُه إليها ليعرِّفَها بصفة ما
يصنعه الغلامُ من الأعواد وأنْ يكون ذلك مِنبَراً.
قلت: قد أخرجه المصنِّف في علامات النبوَّة (٣٥٨٤) من هذا الوجه بلفظ: ((ألا أجعَلُ
لك منبراً»، فلعلَّ التعريفَ وقع بصفةٍ للمنبر مخصوصة، أو يحتمل أنَّه لمَّا فَوَّضَ إليها
الأمر بقوله لها: ((إنْ شِئْتِ)) كان ذلك سبب البُطْء، لا أنَّ الغلام كان شَرَعَ وأبطأ، ولا أنَّه
جَهِلَ الصِّفة، وهذا أو جَهُ الأوجُه في نظري.
قوله: ((ألا أجعلُ لك)) أضافت الجَعْل إلى نفسِها مجازاً.
قوله: ((فإنَّ لي غُلاماً نَجّاراً) في رواية الكُشْمِيهَنيِّ: ((فإنَّ لي غلام نَجّار))، وقد اختصر
المؤلِّفُ هذا المتن أيضاً، ويأتي بتمامه في علامات النبوّة.
وفي الحديث: قَبُول البَذْل إذا كان بغير سؤالٍ، واستنجاز الوَعْد مَمَّن يُعلَمُ منه الإجابةُ
والتقرُّب إلى أهل الفضل بعمل الخير. وسيأتي بقيّة فوائده في علامات النبوَّة (٣٥٨٤) إن
شاء الله تعالى.
٦٥ - باب من بنى مسجداً
٤٥٠ - حدّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حذَّثني ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو، أنَّ بُكَيراً حَدَّثَه، أنَّ عاصِمَ
ابنَّ عمرَ بنِ قَتَادةَ حَدَّثَه، أنَّه سَمِعَ عُبيدَ الله الخَوْلانيَّ، أَنَّه سَمِعَ عثمانَ بنَ عَقَّنَ يقولُ. عند قول
الناسِ فيه حينَ بَنَى مسجدَ الرَّسُولِ وَّهِ: إِنَّكُمْ أَكثَرْتُم، وإنّ سمعتُ النبيَّ ◌ِلَّه يقولُ: ((مَن بَنَى
مسجداً - قال بُكَيرٌ: حَسِبْتُ أَنَّه قال: يَبْتَغي به وَجْهَ الله - بَنَى اللهُ له مِثْلَه في الجنَّة)).

٣٧٢
باب ٦٥ / ح ٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب من بَنَى مسجداً)) أي: ما له من الفضل.
قوله: ((أخبَرَني عَمْرو)) هو ابن الحارثِ، وبُكَيرٌ بالتصغير: هو ابن عبد الله بن الأشجّ،
وعبيد الله: هو ابن الأسود.
وفي هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَق: بُكَير وعاصم وعبيد الله، وثلاثة من أوَّلِه
مِصْريّون، وثلاثة من آخره مدنيُّون، وفي وَسَطِهِ مدنيّ سكن مِصْر وهو بُكَير، فانقَسَمَ
الإسناد إلى مِضريٍّ ومدنيّ.
قوله: (عند قول الناس فیه» وقع بیانُ ذلك عند مسلم (٢٥/٥٣٣) حیثُ أخرجه من
طريق محمود بن لَبِيد الأنصاريّ - وهو من صغار الصحابة - قال: ((لمَّا أراد عثمانُ بناءَ
المسجد كَرِهَ الناس ذلك وأحَبّوا أنْ يَدَعُوه على هيئتِه)) أي: في عَهْد النبيِّ نَّهِ. وَظَهَرَ بهذا
أنَّ قوله في حديث الباب: ((حين بنى)) أي: حين أراد أنْ يَبْني.
وقال البَغَويّ في ((شرح السُّنّة)»: لعلَّ الذي كَرِهَ الصحابةُ من عثمان بناؤُه بالحِجارة
المنقوشة لا مجرَّدُ توسيعِه. انتهى، ولم يَبْنِ عثمان المسجدَ إنْشاءً، وإنَّما وَسَّعَه وشَيَّدَه كما تقدَّم
في ((باب بُنْيان المسجد))(١)، فيُؤخَذُ منه إطلاق البناء في حقِّ مَن جَدَّدَ كما يُطلَقُ في حقِّ مَن
أنشأ، أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكلِّ على البعض.
قوله: ((مسجد الرَّسول)) كذا للأكثر، وللحَمُّوِيِّ والكُشْمِيهَنِيِّ: مسجد رسول الله وَثله.
قوله: ((إِنَّكُم أكثرتُم)) حُذِفَ المفعول للعِلْم به، والمراد: الكلام بالإنكار ونحوه.
٥٤٥/١ تنبيه: كان بناءُ عثمان للمسجد النَّبويِّ سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنةٍ من
خلافته، ففي كتاب ((السنن))(٢) عن الحارث بن مِسْكين، عن ابن وَهْب، أخبَرَني مالك: أنَّ
كَعْب الأحبار كان يقولُ عند بُنْيان عثمان المسجد: لوَدِدْت أنَّ هذا المسجدَ لا يُنْجَزُ، فإنَّه إذا
(١) باب رقم (٦٢).
(٢) هكذا في (ع)، وفي (س): كتاب السير! وهذا التنبيه ليس في (أ). وهذا الإسناد يقع في الغالب للنسائي في
((سننه))، إلا أننا لم نقف على هذا الأثر فيه، والله تعالى أعلم.

٣٧٣
باب ٦٥ / ح ٤٥٠
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
فُرِغَ من بُنْيانه قُتِلَ عثمان. قال مالك: فكان كذلك.
قلت: ويمكن الجمعُ بين القولين بأنَّ الأوَّل كان تاریخَ ابتدائه، والثاني تاریخَ انتهائه.
قوله: ((مَن بَنَى مسجداً)) التنكير فيه للشُّيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع في
رواية أنس عند التِّرمِذيِّ (١/ ٣١٠): ((صغيراً أو كبيراً))، وزاد ابن أبي شَيْبة (٣١٠/١) في
حديث الباب من وجهٍ آخرَ عن عثمان: ((ولو كمَفْحَص قَطَاٍ)) وهذه الزيادة أيضاً عند ابن
حِبَّان (١٦١٠) والبَزَّار (٤٠١٧) من حديث أبي ذَرّ، وعند أبي مسلم الكَجِّيّ(١) من حديث
ابن عبّاس، وعند الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أنس (١٨٥٧) وابن عمر (٦١٦٧)،
وعند أبي نُعَيم في ((الحِلْية)) (٢٤/٥) من حديث أبي بكر الصِّدّيق، ورواه ابن خُزيمة
(١٢٩٢) من حديث جابر بلفظ: ((كمَفْحَص قَطَاة أو أصغَر)).
وحمل أكثرُ العلماء ذلك على المبالَغة، لأنَّ المكان الذي تَفْحَصُ القَطَاة عنه لتضعَ فيه
بيضَها وتَرْقُد عليه، لا يَكْفي مِقْدارُه للصلاة فيه، ويؤيِّدُه رواية جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهرِه، والمعنى: أنْ يزيدَ في مسجدٍ قَدْراً يُحتاجُ إليه تكونُ تلك
الزيادة هذا القَدْر، أو يشترك جماعة في بناء مسجدٍ فتقعُ حِصّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القَدْر،
وهذا كلّه بناءً على أنَّ المرادَ بالمسجد ما يَتَبَادَرُ إلى الذِّهْن، وهو المكانُ الذي يُتَّخَذُ للصلاة
فيه، فإنْ كان المراد بالمسجد موضعَ السجود، وهو ما يَسَعُ الجَبْهَةَ، فلا يحتاجُ إلى شيءٍ ممَّا
ذُكِرٍ، لكنَّ قوله: (بَنَى)) يُشعِرُ بوجودِ بناءٍ على الحقيقة، ويؤيِّدُه قولُه في رواية أُمّ حبيبة: ((مَن
بنى لله بيتاً)) أخرجه سَمّويه في ((فوائده)) بإسنادٍ حسن، وقوله في رواية عمر: ((مَن بنى
مسجداً يُذكَرُ فيه اسمُ الله)) أخرجه ابن ماجَهْ (٧٣٥) وابن حِبَّان (١٦٠٨)، وأخرج
النَّسائي (٦٨٨) نحوَه من حديث عَمْرو بن عَبَسة، فكلّ ذلك مُشعِر بأنَّ المرادَ بالمسجد
المكان المَّخَذ لا موضعُ السجود فقط، لكن لا يمتنعُ إرادة الآخر مجازاً، إذْ بناءُ كلِّ شيءٍ
بحَسَبِهِ، وقد شاهَدْنا كثيراً من المساجد في طرق المسافرين يحُوطُونها إلى جهة القِبْلة وهي في
(١) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١/ ٣١٠ وغيره.

٣٧٤
باب ٦٥ / ح ٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
غاية الصِّغَرِ، وبعضُها لا تكونُ أكثرَ من قَدْرٍ موضع السجود. وروى البيهقي في ((الشُّعَب))
(٢٩٣٩) من حديث عائشة نحو حديث عثمان وزاد قلت: وهذه المساجدُ التي في الطُّرُق؟
قال: ((نعمْ))، وللطَّبرانيّ (٢٥٢١) نحوُه من حديث أبي قِرْ صافة، وإسنادُهما حسن(١).
قوله: ((قال بُكَير: حَسِبْت أَنَّه)) أي: شيخَه عاصماً بالإسناد المذكور.
قوله: ((يَبْتَغي به وجهَ الله)) أي: يَطلُبُ به رِضا الله، والمعني بذلك الإخلاص، وهذه
الجملةُ لم يَجِزِم بها بُكَيرٌ في الحديث، ولم أرَها إلَّا من طريقه هكذا، وكأنَّها ليست في الحديث
بلفظِها، فإنَّ كلّ مَن روى حديثَ عثمان من جميع الطُّرُقِ إليه لفظُهم: ((مَن بنى الله
مسجداً)، فكأنَّ بُكَيراً نَسِيَها فذكرها بالمعنى متردِّداً في اللفظ الذي ظنَّه، فإنَّ قوله: (لله))
بمعنى قوله: ((يَبتَغي به وجه الله)) لاشتراكهما في المعنى المراد وهو الإخلاص.
فائدة: قال ابن الجَوْزيّ: مَن كتب اسمَه على المسجد الذي يَبْنيه، كان بعيداً من
الإخلاص. انتهى، ومَن بَناه بالأُجْرة لا يَحَصُّلُ له هذا الوَعْدُ المخصوصُ لعَدَم
الإخلاص، وإنْ كان يُؤْجَرُ في الجملة.
وروى أصحابُ ((السُّنن)) وابن خُزيمة والحاكم(٢) من حديث عُقْبةَ بن عامر مرفوعاً:
((إنَّ الله يُدخِلُ بالسَّهْمِ الواحدِ ثلاثةً الجنَّةَ: صانعَه المحتَسِبَ في صَنْعِتِهِ، والراميَ به، والممِدَّ
به))، فقوله: ((المحتَسِب في صَنْعِتِه)) أي: مَن يَقصِدُ بذلك إعانةَ المجاهد، وهو أعمُّ من أنْ
يكون مُتطوِّعاً بذلك أو بأُجرة، لكنَّ الإخلاصَ لا تَحَصُلُ إلَّا من المتطوِّع.
وهل يَحَصُلُ الثَّواب المذكور لمن جعل بُقْعةً من الأرض مسجداً بأنْ يَكْتفيَ بَتَحْويطِها من
غير بناء، وكذا مَن عَمَدَ إلى بناءٍ كان يَملِكُه فوَقَفَه مسجداً؟ إنْ وَقَفْنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإِنْ
(١) هذا تساهل من الحافظ رحمه الله، فإسناد حديث عائشة فيه كثير بن عبد الرحمن العامري، وهو كثير بن
أبي كثير المؤذن، ضعفه الأزدي والعقيلي، لكن ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) كما في («ميزان الاعتدال))
و(لسانه))، وأما حديث أبي قرصافة فقد قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٩/٢: في إسناده مجاهيل.
(٢) أبو داود (٢٥١٣)، وابن ماجه (٢٨١١)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٣١٤٦)، وابن خزيمة.
(٢٤٧٨)، والحاكم (٩٥/٢)، وانظر («مسند أحمد)) (١٧٣٠٠).

٣٧٥
باب ٦٥ / ح ٤٥٠
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
نَظَرْنا إلى المعنى فَنَعَم، وهو المتَّجِه، وكذا قوله: ((بَنَى)) حقيقة في المباشرَة بشرطِها،/ لكنَّ المعنى ٥٤٦/١
يقتضي دخولَ الآمرِ بذلك أيضاً، وهو المنطَبِقُ على استدلال عثمان رضي الله عنه، لأنَّه استدلَّ
بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنَّه لم يباشرْ ذلك بنفسِه.
قوله: (بَنَى اللهُ) إسناد البناء إلى الله مَجَاز، وإبراز الفاعل فیه لتعظيم ذِكْره جَلَّ اسمُه، أو
لئلّا تتنافَرَ الضمائر، أو يُتَوَهَّمَ عَوْدُه على باني المسجد.
قوله: ((مِثلَه)) صفة لمصدرٍ محذوف، أي: بنى بناءً مثله، ولفظ ((المثل)) له استعمالان:
أحدُهما: الإفراد مُطلَقاً كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، والآخَر: المطابقة
كقوله تعالى: ﴿أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فعلى الأوَّل لا يمتنعُ أنْ يكون الجزاء أبنية
مُتَعدِّدة، فيَحصُلُ جوابُ مَن استَشكَل التقييد بقوله: ((مِثْلَه)) مع أنَّ الحسنةَ بعشرة أمثالها،
لاحتمال أنْ يكون المراد: بنى الله له عشرةَ أبنيةٍ مثلَه، والأصلُ أنَّ ثواب الحسنة الواحدة
واحد بحُكْم العَدْل، والزيادةُ عليه بحُكْم الفضل. وأمَّا مَن أجابَ باحتمال أنْ يكون ◌َيه
قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ففيه
بُعْد، وكذا مَن أجابَ بأنَّ التقييد بالواحد لا ينفي الزيادةَ عليه.
ومن الأجوبة المرضيَّة أيضاً: أنَّ المِثِليَّةَ هنا بحَسَب الكَمِّيَّة، والزيادة حاصلة بحَسَب
الكيفيَّة، فكم من بيتٍ خيرٌ من عشرةٍ بل من مئة.
أو أنَّ المقصودَ من المثليّة أنَّ جزاءَ هذه الحسنة من جِنْس البناء لا من غيره، مع قَطْع
النَّظرِ عن غير ذلك، مع أنَّ التفاوتَ حاصلٌ قَطْعاً بالنّسبة إلى ضيقِ الدنيا وسَعَة الجنَّة، إذْ
موضع شِبْر فيها خير من الدنيا وما فيها كما ثبت في ((الصحيح)) (١)، وقد روى أحمد
(١٦٠٠٥) من حديث واثِلةَ بلفظ: ((بنى الله له في الجنَّة أفضلَ منه))، وللطَّرانيّ (٧٨٨٩)
من حديث أبي أمامة بلفظ: ((أوسَعَ منه))، وهذا يُشعِرُ بأنَّ الِثليَّةَ لم يُقصَدْ بها المساواةُ من
كلِّ وجه. وقال النَّووي: يحتمل أنْ يكون المراد: أنَّ فضلَه على بيوتِ الجنَّة كفَضْل المسجد
علی بیوت الدنیا.
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٧٩٦) من حديث أنس بن مالك.

٣٧٦
باب ٦٦ / ح ٤٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((في الجنَّة)) يتعلَّقُ بـ(ابَنَى))، أو هو حالٌ من قوله: ((مِثْلَه))، وفيه إشارةٌ إلى دخول
فاعل ذلك الجنَّةَ، إذ المقصودُ بالبناء له أنْ يَسكُنَه، وهو لا يَسكُنُهُ إِلَّا بعد الدُّخول، والله
أعلم.
٦٦ - بابٌ يأخذ بنُصُول النَّبْل إذا مرَّ في المسجد
٤٥١- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: قلتُ لعَمْرِو: أسمعتَ جابَرَ بنَ
عبدِ الله يقولُ: مَرَّ رجلٌ في المسجدِ ومعَه ◌ِهامٌ، فقال له رسولُ اللهِوَّةِ: ((أمسِكْ بِصَالِهِا)»؟
[طرفاه في: ٧٠٧٣، ٧٠٧٤]
قوله: ((باب يَأْخُذُ)) أي: الشخصُ ((بنُصُول)) جمع نَصْل، ويُجمَعُ أيضاً على نِصالٍ كما
سيأتي في حديث الباب الذي بعده.
و((النَّبْل)) بفتح النون وسكون الموخَّدة وبعدَها لامٌّ: السِّهامُ العربيَّةُ، وهي مُؤنَّةٌ ولا
واحدَ لها من لفظِها. وجواب الشَّرْط في قوله: ((إذا مَرّ)) محذوف ويُفسِّرُه قوله: ((يأخذُ))،
والتقدير: يُستَحبُّ لمن بيده نَبْلٌ أن يأخذَ ... إلى آخره.
وسفيان المذكورُ في الإسناد: هو ابن عُيَينة، وعَمْرو: هو ابن دينار. ولم يذكر قُتَيبة في
هذا السِّیاق جوابَ عَمْرو عن استفهام سفیان، کذا في أکثر الروايات، وحُکيَ عن رواية
الأَصِيليِّ أنَّه ذكره في آخره: ((فقال: نعم)) ولم أرَه فيها، وقد ذكره غير قُتَيبة، أخرجه
المصنِّف في الفتن (٧٠٧٣) عن عليّ بن عبد الله عن سفيان مِثلَه، وقال في آخره: ((فقال:
نعم))، ورواه مسلم (٢٦١٤/ ١٢٠) من وجهٍ آخرَ عن سفيان عن عَمْرو بغير سؤال ولا
جواب، لكنَّ سياقَ المصنِّف يفيدُ تَحقُّق الاتّصال فيه، وقد أخرجه الشَّيخان(١) من غير
طريق سفيان أيضاً، أخرَجاه من طريق حمّاد بن زيد عن عَمْروٍ ولفظُه: ((أَنَّ رجلاً مَرَّ في
المسجد بأسهُم قد أبدَى نُصولها، فأُمِرَ أنْ يأخذَ بنُصولها كي لا تَخْدِشَ مسلماً»، وليس في
٥٤٧/١ سیاق المصنّف/ «کَي)).
(١) البخاري (٧٠٧٤)، ومسلم (٢٦١٤) (١٢١).

٣٧٧
باب ٦٧ / ح ٤٥٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وأفادت رواية سفيان تعيين الآمر المبهم في رواية حَمَّد، وأفادت رواية حمّاد بيان عِلّة ٥٤٧/١
الأمر بذلك. ولمسلم (٢٦١٤/ ١٢٢) أيضاً من طريق أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ المارَّ المذكور
كان يَتَصدَّقُ بالنَّبْل في المسجد، ولم أقِفْ على اسمِه إلى الآن.
فائدة: قال ابن بَطَّل: حديثُ جابر لا يظهرُ فيه الإسنادُ، لأنَّ سفيان لم يقل: إنَّ عَمْراً
قال له: نعم. قال: ولكن ذكره البخاري في غير كتاب الصلاة وزاد في آخره: ((فقال: نعم))
فبان بقوله: نعم، إسنادُ الحديث. قلت: هذا مبنيٌّ على المذهب المرجوح في اشتراط قول
الشَّيخ: ((نعم)) إذا قال له القارئ مثلاً: أحدَّثَك فلانٌ؟ والمذهبُ الراجحُ الذي عليه أكثر
المحقّقين - ومنهم البخاري - أنَّ ذلك لا يُشترَطُ، بل يُكتفَى بسكوتِ الشَّيخ إذا كان
مُتَيقِّظاً، وعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهرٌ، والله أعلم.
وفي الحديث إشارة إلى تعظيم قليل الدَّم وكثيره، وتأكيد حُرْمة المسلم، وجواز إدخال
السِّلاح المسجدَ. وفي ((الأوسط)) للطَّبراني (٤٠٢٤) من حديث أبي سعيد قال: ((نَهَى
رسول الله ◌َّه عن تَقْليب السِّلاح في المسجد))(١)، والمعنى فيه ما تقدَّم.
٦٧ - باب المرور في المسجد
٤٥٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا أبو بُرْدةَ بنُ
عبدِ الله، قال: سمعتُ أبا بُرْدَةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((مَن مَرَّ في شيءٍ من مَساجِدِنا أو
أسواقِنا بنّبْل، فلْيَأْخُذْ على نِصَالِها لا يَعِقِرْ بِكَفِّه مُسلِماً)).
[طرفه: ٧٠٧٥]
قوله: ((باب المرور في المسجد)) أي: جوازُه، وهو مُستنبَطٍّ من حديث الباب من جهة
الأولَويَّة.
فإن قيل: ما وجه تخصيص حديث أبي موسى بترجمة المرور، وحديث جابر (٤٥١)
بترجمة الأخذِ بالنِّصال، مع أنَّ كُلَّا من الحديثين يدلُّ على كُلِّ من الترجمتين؟ أُجيبَ باحتمال
(١) إسناده ضعيف جهالة راویه عن أبي سعيد.

٣٧٨
باب ٦٧ / ح ٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
أنْ يكون ذلك بالنَّظرِ إلى لفظ المتن، فإنَّ حديثَ جابر ليس فيه ذِكْر المرور من لفظ الشارع،
بخلاف حديث أبي موسى فإنَّ فيه لفظَ المرور مقصوداً حيثُ جُعِلَ شرطاً ورُتِّبَ عليه
الحُكْم، وهذا بالنَّظرِ إلى اللفظ الذي وقع للمصنِّ على شرطِهِ، وإلَّا فقد رواه النَّسائي من
طريق ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر بلفظ: ((إذا مَرَّ أحدُكم)) الحديث(١).
وعبد الواحد المذكورُ في الإسناد: هو ابن زياد، وأبو بُرْدة بن عبد الله: اسمه بُريد،
وشيخُه: هو جَدُّه أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعَريّ، وقد أخرجه المصنِّف في الفتن (٧٠٧٥)
من طريق أبي أسامة عن بُريدٍ نحوَه، وكذا أخرجه مسلم (٢٦١٥/ ١٢٤) من طريقه.
قوله: ((أو أسواقِنا)) هو تنويعٌ من الشارع وليس شكّاً من الراوي، والباءُ في قوله:
(بنَلِ)) للمُصاحَبة.
قوله: ((على نِصَالِها)) ضُمِّنَ الأخذُ معنى الاستعلاء للمُبالَغة، أو ((على)) بمعنى الباء كما
تقدَّم(٢) في طريق حَمَّاد عن عَمْرو، وسيأتي من طريق ثابت عن أبي بُرْدة.
قوله: ((لا يَعقِرْ)) أي: لا يَجرَح، وهو مجزومٌ نظراً إلى أنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع.
قوله: ((بكَفِّه)) مُتعلِّق بقوله: ((فليأخذ)) وكذا رواية الأَصِيلِيّ: ((لا يَعقِر مسلماً بكَفِّم))(٣)
ليس قوله: ((بكَفِّه)) مُتعلِّقاً بَيَعقِر، والتقديرُ: فليأخذْ بكَفِّه على نِصالها لا يَعقِر مسلماً،
ويؤيِّدُه رواية أبي أسامة: ((فليُمسِكْ على نِصالها بكَفِّه أنْ يصيبَ أحداً من المسلمين)) لفظُ
مسلم (٢٦١٥/ ١٢٤)، وله من طريق ثابت عن أبي بُرْدة: «فلْيأخُذْ بنِصالها، ثمَّ لْيأخُذْ
بنصالها، ثمَّ ليأخُذْ بنِصالها».
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((المجتبى)) و((السنن الكبرى)) للنسائي، ولم يذكره الحافظ المزي في ((تحفة
الأشراف))، وهو من هذا الطريق وبهذا اللفظ عند أبي عوانة في البر والصلة من ((صحيحه)) فيما ذكره
الحافظ نفسه في «إتحاف المهرة» (٣٤٠٩).
(٢) في أوائل شرح الحديث السابق.
(٣) كذا ذكر الحافظ رواية الأصيلي، وعند غيره من الشراح: ((بكفِّه لا يعقر مسلماً))، وهكذا هي في النسخة
السلطانية من ((الصحيح)) المطبوعة عن أحد فروع اليُونينية.

٣٧٩
باب ٦٨ / ح ٤٥٣
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
٦٨ - باب الشِّعر في المسجد
٥٤٨/١
٤٥٣- حدَّثنا أبو اليَمَان الحكم بنُّ نافع، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني
أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، أنَّه سَمِعَ حَسّانَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ يَستَشهِدُ أبا هُرَيرةً:
أنشُدُكَ اللهَ هل سمعتَ النبيَّ ◌َّهِ يقولُ: ((يا حَسّانُ، أجِبْ عن رسولِ اللهِ وَّةِ، اللهُمَّ أَيِّدْه
بُرُوح القُدُس))؟ قال أبو هُرَيرةَ: نَعَم.
[طرفاه في: ٣٢١٢، ٦١٥٢]
قوله: ((باب الشِّعْر في المسجد)) أي: ما حُكْمُه؟
قوله: «عن الزُّهْريِّ قال: أخبرني أبو سَلَمةَ)) کذا رواه شُعَیب، وتابَعَه إسحاق بن راشد
عن الزُّهْرِيِّ، أخرجه النَّسائيّ(١)، ورواه سفيان بن عُيَينة عن الزُّهْريِّ فقال: ((عن سعيد بن
المسيِّب)) بدلَ أبي سَلَمة، أخرجه المؤلِّفُ في بَدْء الخلق (٣٢١٢)، وتابَعَه مَعمَر عند مسلم
(٢٤٨٥/ ١٥١)، وإبراهيم بن سعد وإسماعيل بن أُميَّة عند النَّسائيِّ(٢)، وهذا من الاختلاف
الذي لا يَضُرُّ، لأنَّ الزّهْريَّ من أصحاب الحديث، فالراجحُ أنَّه عنده عنهما معاً، فكان
يُحدِّثُ به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وهذا من جِنْس الأحاديث التي يَتعقّبُها الدَّارَقُطنيّ
على الشَّيخَينِ، لكنَّه لم يذكره فليُستَدرَكْ عليه.
وفي الإسناد نظرٌ من وجهٍ آخَر، وهو على شرطِ التبُّع أيضاً، وذلك أنَّ لفظَ رواية
سعيد بن المسيِّب: مَّ عمر في المسجد وحسَّان يُنْشِدُ فقال: كنت أُنشِدُ فيه وفيه مَن هو خيرٌ
منك. ثمَّ الْتَفَتَ إلى أبي هريرة فقال: أنشُدُك الله ... الحديث، وروايةُ سعيدٍ لهذه القِصَّة
عندهم مُرسَلة، لأنَّه لم يُدرِكْ زمنَ المرور، ولكن يُحمَلُ على أنَّ سعيداً سمع ذلك من أبي
هريرة بعدُ أو من حسَّان، أو وقع لحسَّان استشهاد أبي هريرة مرَّة أُخرى فحَضَرَ ذلك
(١) نسبه إليه الحافظ المزي في ((التحفة)) (١٥١٣٦) في كتاب ((عمل اليوم والليلة)) له، وليس هو في المطبوع
منه، ولا في نسخنا الخطية من ((السنن الكبرى))، والله أعلم.
(٢) هذان الطريقان ليسا في نسخنا من النسائي، وذكرهما المزي أيضاً في ((التحفة)) (٣٤٠٢).

٣٨٠
باب ٦٨ / ح ٤٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
سعيد، ويقوِّيه سياق حديث الباب فإنَّ فيه أنَّ أبا سَلَمَةَ سمع حسَّانَ يَستَشهِدُ أبا هريرة،
وأبو سَلَمَةَ لم يُدرِكْ زمن مُرور عمرَ أيضاً، فإنَّه أصغَرُ من سعيد، فدَلَّ على تعدُّد
الاستشهاد، ويجوز أنْ يكون الْتِفات حسَّان إلى أبي هريرة واستشهاده به إنَّما وقع متأخّراً،
لأنَّ((ثمّ)) لا تَدُلُّ على الفَوْريَّةِ، والأصل عَدَم التعدُّد، وغايته أنْ يكون سعيد أرسَلَ قِصّةً
المرورِ ثمَّ سمع بعد ذلك استشهاد حسَّان لأبي هريرة، وهو المقصودُ، لأنَّه المرفوعُ، وهو
موصولٌ بلا تردُّد، والله أعلم.
قوله: ((يَستَشهِدُ)) أي: يَطلُبُ الشَّهادة، والمراد: الإخبار بالْحُكْم الشَّرْعيِّ، وأطلَقَ عليه
الشَّهادة مُبالَغة في تقوية الخبر.
قوله: ((أنشُدُك)) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين المعجمة، أي: سألتُك اللهَ، والنَّشْد بفتح النون
وسكون المعجمة: التذكُّر.
قوله: ((أجِبْ عن رسولِ اللهِ وَ﴿) في رواية سعيد: ((أجِبْ عنِّي))، فيحتمل أنْ يكون
الذي هنا بالمعنى.
قوله: «أيَّدْه)» أي: قَوِّه، ورُوح القُدُس المراد به هنا: چِبْريل، بدليل حديث البراء عند
المصنِّف (٣٢١٣) أيضاً بلفظ: ((وجِبْرِيلُ معك))، والمراد بالإجابة الرَّدّ على الكُفّار الذين
هَجَوْا رسول الله وَّهِ وأصحابه، وفي التِّرمِذيِّ (٢٨٤٦م) من طريق أبي الزناد عن عُرْوة
عن عائشة قالت: كان رسولُ اللهِ وَهِ يَنصِبُ لحسَّان منبراً في المسجد فيقومُ عليه يَهْجو
الكُفّار، وذكر المِزِّيُّ في «الأطراف)) (١٦٣٥١) أنَّ البخاريَّ أخرجه تعليقاً نحوَه، وأتمّ
منه، لکِنِّي لم أرَه فیه(١).
قال ابن بَطَّال: ليس في حديث الباب أنَّ حسَّان أنشَدَ شِعْراً في المسجد بحَضْرة النبيّ
وَله، لكنَّ رواية البخاري في بَدْء الخلق (٣٢١٢) من طريق سعيد تَدُلُّ على أنَّ قوله ◌َِه.
(١) وعزاه إلى البخاري تعليقاً قبل المزّيِّ الحميديُّ في ((الجمع بين الصحيحين)) ٩٨/٤-٩٩! ووصله أحمد
(٢٤٤٣٧) وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة، وذكر وضع المنبر فيه
انفرد به في هذا الحديث ابن أبي الزناد، وقد تُكلِّم فيه، وهو ممن لا يحتمل تفرُّده بمثل هذا، والله تعالى أعلم.