Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ٤٥ / ح ٤٢٤
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) زاد الكُشْمِيهَنيّ: ((ابن موسى)) وكذا نَسَبَه ابن السَّكَن، وأخطَأْ مَن
قال: هو ابن جعفر، وسيأتي الكلام على ما يتعلَّق بحديث سَهْل بن سعد المذكور وتسمية
مَن أُبِهِمَ فيه في كتاب اللِّعان (٥٣٠٨) إن شاء الله تعالى. ويأتي ذِكْر الاختلاف في جواز
القضاء في المسجد في كتاب الأحكام (٧١٦٦) إن شاء الله تعالى.
٤٥ - بابٌ إذا دخل بيتاً يُصلِّ حيثُ شاءً أو حيثُ أُمِرَ ولا يتجسَّس
٤٢٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابنِ شِهَاب، عن
محمودٍ بِنِ الرَّبِيع، عن عِثْبانَ بنِ مالكِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَتَاه في مَنزِلِهِ، فقال: «أينَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَّ
من بَيتِكَ؟)) قال: فأشَرْتُ له إلى مكانٍ، فَكَبَّرَ النبيُّ نَّهِ وصَفَفْنَا خَلْفَه فصَلَى رَكْعَتَين.
[أطرافه في: ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨]
قوله: (باب إذا دَخَلَ بيتاً) أي: لغيره (يُصلِّ حيثُ شاءً أو حيثُ أُمِرَ)) قيل: مراده
الاستفهام، لكن حُذِفَت أداته، أي: هل يتوقَّف على إذْن صاحب المنزل أو يَكْفيه الإذْن
العامّ في الدُّخول؟ فأو على هذا ليست للشَّكّ.
وقوله: ((ولا يَتجسَّس)) ضَبَطْناه بالجيم، وقيل: إنَّه رُوِيَ بالحاء المهمَلة، وهو مُتعلِّق
بالشِّقِّ الثاني.
قال المهلَّب: دَلَّ حديث الباب على إلغاء حُكْم الشِّقّ الأوَّل لاستئذانه وَ لِّ صاحب
المنزل أین يُصلّي؟
وقال المازَرِي: معنى قوله: ((حيثُ شاء)) أي: من الموضع الذي أُذِنَ له فيه.
وقال ابن المنيِّ: إنَّما أراد البخاري أنَّ المسألة موضع نظر، فهل يصلِّ مَن دُعيَ حيثُ
شاءً، لأَنَّ الإذْن في الدُّخول عامٌّ في أجزاء المكان، فأينَما جَلَسَ أو صلَّى تَناولَه الإذْن أو
يحتاج إلى أنْ يستأذن في تعيين مكان صلاته، لأنَّ النبيَّ وَِّ فعل ذلك؟ والظاهر الأوَّل،
وإِنَّما استأذَنَ النبيُّ وَّهِ، لأنَّ دُعيَ للصلاة ليَتَبَرَّك صاحبُ البيت بمكان صلاته، فسأله
ليُصلّيَ في البُقْعة التي يُحِبّ تخصيصها بذلك، وأمَّا مَن صلَّى لنفسِه فهو على عموم الإذْن.

٣٢٢
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: إلَّا أنْ يُخُصَّ صاحبُ المنزل ذلك العموم فَيَختَصّ، والله أعلم.
قوله: ((عن ابن شِهَاب)) صَرَّحَ أبو داود الطَّالسيّ في («مسنده)) (١٢٤١) بسماع إبراهيم
ابن سعد له من ابن شهاب.
قوله: ((عن محمود بن الرَّبيع)) وللمصنِّف في ((باب النَّوافل جماعة)) كما سيأتي (١١٨٦)
من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب قال: أخبَرَني محمود.
قوله: ((عن عِْبانَ)) زاد يعقوب المذكور في روايته (١١٨٦) قِصّة محمود في عَقْلِهِ المَجَّةَ
٥١٩/١ كما تقدَّم من وجه آخر في كتاب العِلْم (٧٧)، / وصَرَّحَ يعقوب أيضاً بسماع محمود من عِتْبان.
قوله: ((أتاه في مَنزِله)) اختصره المصنِّف هنا وساقه من رواية يعقوب المذكور تامّاً كما
أو رَدَه من طريق عُقيل في الباب الآتي.
قوله: ((أنْ أُصَلَّ من بيتك)) كذا للأكثر، وكذا في رواية يعقوب، وللمُستَمْلي هنا: ((أنْ
◌ُصلِّلك)» وللگُشْمِیھنیّ: ((في بیتك)». وسيأتي الكلام على الحديث في الباب الذي بعده.
٤٦ - باب المساجد في البيوت
وصَلَّى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ في مسجدٍ في دارِه جماعةً.
٤٢٥- حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَير، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حذَّثني عُقَيِلٌ، عن ابنِ شِهَاب،
قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيع الأنصاريُّ: أنَّ عِثْبانَ بنَ مالكِ، وهو من أصحاب رسولِ الله
وَه ◌َمَّن شَهِدَ بَدْراً مِن الأنصار: أنَّه أَتَى رسولَ اللهِ وَِّ فقال: يا رسولَ الله، قد أنكَرْتُ
بَصَري، وأنا أُصَلّى لِقَوْمي، فإذا كانَتِ الأمطارُ سالَ الوادي الَّذي بيني وبينَهم لم أستَطِعْ أنْ آتِيَ
مسجدَهم فأُصَلِيَ بهم، ووَدِدْتُ يا رسولَ الله أَنَّكَ تَأْتيني فُتُصلِّي في بيتي فأَتَّخِذُهُ مُصلَّى، قال:
فقال له رسولُ الله ◌َّةِ: ((سأفعَلُ إنْ شاءَ الله)) قال: عِتْبَانُ: فغَدًا عليَّ رسولُ الله ◌َليل وأبو بَكْرٍ
حينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فاستَأْذَنَ رسولُ الله ◌ِِّ فَأَذِنْتُ له، فلم يَجلِسْ حين دَخَلَ البيتَ، ثمَّ قال:
(أينَ تُحِبُّ أنْ أُصَلَِّّ من بيتِكَ؟)) قال: فأشَرْتُ له إلى ناحِيَةٍ مِن البيتِ، فقامَ رسولُ الله وَِّ فِكَبَّرَ
فقُمْنا فصَقَّنَا، فصَلَّى رَكْعتَین، ثمَّ سَلَّمَ.

٣٢٣
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قال: وحَبَسْناه على خَزِيرةٍ صَنَعْناها له، قال: فثَابَ في البيتِ رجالٌ من أهلِ الدّار ذَوُو عَدَدٍ
فاجتَمَعُوا، فقال قائلٌ منهم: أينَ مالكُ بنُ الدُّخَيشِنِ - أو ابنُ الدُّخْشُن.؟ فقال بعضُهم: ذلكَ
مُنافقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تَقُلْ ذلكَ، أَلَا تَرَاه قد قال: لا إلهَ إلَّ الله،
يريدُ بذلكَ وجهَ الله؟)) قال: الله ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّا نَرى وجهَه ونَصِيحتَه إلى المنافقِينَ، قال
رسولُ الله ◌َّ: «فإنَّ الله قد حَرَّمَ على النارِ مَن قال: لا إله إلا الله، يَبْتَغي بذلكَ وَجْهَ الله)).
قال ابنُ شِهَابٍ: ثمَّ سألتُ الحُصَينَ بنَ محمَّدٍ الأنصاريَّ، وهو أحدُ بني سالمٍ، وهو من
سَرَاتِهِم، عن حديثٍ محمودِ بنِ الرَّبِيع، فصَدَّقَه بذلكَ.
قوله: ((باب المساجد)) أي: اتّخاذ المساجد ((في البيوت)) .
قوله: ((وصَلَّى البراء بن عازب في مسجد في داره جماعةً))(١) وللكُشْمِيهَنيّ: في جماعة.
وهذا الأثر أورَدَ ابن أبي شَيْبة معناه في قِصّة.
قوله: ((أنَّ عِتْبانَ بن مالكٍ)) أي: الخَزْرَجيّ السالمي من بني سالم بن عَوْف بن عَمْرو بن
عَوْف بن الخَزْرَج، هو بكسر العين ويجوز ضمّها.
قوله: (أَنَّه أَنَى)) في رواية ثابت عن أنس عن عِتْبان عند مسلم (٣٣): أنَّه بَعَثَ إلى النبيّ
وَّه يَطلُب منه ذلك؛ فيحتمل أنْ يكون نُسِبَ إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، ويحتمل أنْ
يكون أتاه مرَّة وبَعَثَ إليه أُخرى إمَّا متقاضياً وإمَّا مُذكِّراً. وفي الطبراني (٥٢/١٨) من
طريق أبي أُوَيس عن ابن شهاب بسنده: أنَّه قال للنبيِّ وَّ يوم جمعة: لو أتيتني يا
رسول الله، وفيه: أنَّه أتاه يوم السَّبْت، وظاهره أنَّ مُخاطَبة عِتْبان بذلك كانت حقيقيّة لا
مجازاً.
قوله: ((قد أنكَرْتُ بَصَري)) كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب كما للمصنّف من
طريق إبراهيم بن سعد (١١٨٦) ومَعمَر (٨٤٠)، ولمسلم (٢٦٣/٦٥٧) من طريق يونس،
وللطَّبرانيّ (١٨/ ٥٥) من طريق / الزُّبَيديّ والأوزاعيِّ، وله (١٨ /٥٢) من طريق أبي أويس: ٥٢٠/١
(١) زاد هنا في (ع): منصوب.

٣٢٤
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
((لمَّا ساءَ بَصَري))، وللإسماعيليِّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: ((جعل بَصَرِي يَكِلّ))(١)،
ولمسلم (٥٤/٣٣) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: ((أصابني في بَصَري بعضُ
الشيء))، وكلّ ذلك ظاهر في أنَّه لم يكن بَلَغَ العمى إذْ ذاك.
لكن أخرجه المصنّف في ((باب الرُّخْصة في المطر)) (٦٦٧) من طريق مالك عن ابن
شهاب فقال فيه: إنَّ عِتْبان كان يَؤُمّ قومه وهو أعمَى، وأنَّه قال لرسول الله وَلّ: إنَّها تكون
الظلمة والسَّيل، وأنا رجل ضَرِير البصر ... الحديث.
وقد قيل: إنَّ رواية مالك هذه معارضة لغيره، وليست عندي كذلك، بل قول محمود:
((إنَّ ◌ِثْبان كان يَؤُمّ قومه وهو أعمَى)) أي: حين لَقِيَه محمود وسمع منه هذا الحديث، لا
حين سؤاله للنبيِّ وَّةِ، ويُبيِّنُه قوله في رواية يعقوب: فجِئْت إلى عِثْبان وهو شيخ أعمَى يَؤُمّ
قومه.
وأمَّا قوله: ((وأنا رجل ضرير البصر)) أي: أصابني فيه ضُرِّ كقوله: ((أنكَرْت بَصَري)).
ويؤيِّد هذا الحملَ قوله في رواية ابن ماجَهْ (٧٥٤) من طريق إبراهيم بن سعد أيضاً: ((لمَّا
أنكَرْت من بَصَري))، وقوله في رواية مسلم (٥٤/٣٣): ((أصابني في بصري بعضُ الشيء))
فإنَّه ظاهر في كَوْنه لم يَكْمُل عَمَاه، لكنَّ رواية مسلم (٣٣/ ٥٥) من طريق حمَّد بن سَلَمَةَ
عن ثابت بلفظ: أنَّه عَمِيَ فأرسَل.
وقد جمع ابن خُزَيمةَ (١٦٥٤) بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب فقال:
قوله: ((أنكَرْتُ بصري)) هذا اللفظ يُطلَق على مَن في بَصَره سوء وإنْ كان يُبصِر بَصَراً ما،
وعلی مَن صارَ أعمی لا یُبصِر شیئاً، انتهى.
والأَولى أنْ يقال: أطلَقَ عليه عَمّى لقُرْبِه منه ومُشارَكَته له في فَوَات بعض ما كان
يَعْهَده في حال الصِّحّة، وبهذا تأتلِف الروايات، والله أعلم.
قوله: ((أُصَلّي لِقَوْمي)) أي: لأجلِهم، والمراد: أنَّه كان يَؤُمّهم، وصَرَّحَ بذلك أبو داود
(١) أخرجه من هذا الطريق الطبراني أيضاً ١٨ / (٥٤).

٣٢٥
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
الطَّيالسيُّ (١٢٤١) عن إبراهيم بن سعد.
قوله: ((سالَ الوادي)) أي: سالَ الماء في الوادي، فهو من إطلاق المحلِّ على الحالِّ،
وللطَّبرانيّ (٥٦/١٨) من طريق الزُّبَيدي: ((وأنَّ الأمطار حين تكون يمنعُني سيلُ الوادي)).
قوله: ((بيني وبينَهم)) وفي رواية الإسماعيلي: يسيل الوادي الذي بين مَسْكَني وبين
مسجد قومي فيَحُول بيني وبين الصلاة معهم.
قوله: ((فأُصَلَّ بهم)) بالنصب عطفاً على ((آتي)).
قوله: ((وَدِدْت) بكسر الدَّال الأولى، أي: تَنَّيت، وحكى القَزّاز جواز فتح الدَّال في
الماضي والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحُكيَ فيه أيضاً الفتح فهو مُثَلَّثٌ.
قوله: ((فُتُصلِّي)) بسكون الياء ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمنِّي، وكذا قوله:
(«فأَّخِذُه)) بالرفع ويجوز النصب.
قوله: ((سأفعَلُ إنْ شاءَ الله)) هو هنا للتَّعْليقِ لا لمَحْض التبرُّك، كذا قيل، ويجوز أنْ
يكون للتَّبُّكِ لاحتمال الطِّلاعه وَّهِ بِالوَحْي على الجَزْم بأنَّ ذلك سيقع.
قوله: ((قال عِتْبانُ)) ظاهر هذا السِّياق أنَّ الحديث من أوَّله إلى هنا من رواية محمود بن
الرَّبيع بغير واسطة، ومن هنا إلى آخره من روايته عن عِثْبان صاحب القِصَّة. وقد يقال:
القَدْر الأوَّل مُرسَل، لأنَّ محموداً يَصغُر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوَّله
بالتحديث بين عِتْبان ومحمود من رواية الأوزاعيّ عن ابن شهاب عند أبي عَوَانة (١٢٨٤)،
وكذا وقع تصريحه بالسَّماع عند المصنِّ (٨٤٠) من طريق مَعمَر، ومن طريق إبراهيم بن
سعد كما ذكرناه في الباب الماضي، فيُحمَل قوله: ((قال عِتْبانُ)) على أنَّ محموداً أعادَ اسم
شیخه اهتماماً بذلك لطول الحديث.
قوله: ((فغَدَا عليَّ) زاد الإسماعيلي: ((بالغَد))، وللطَّبرانيّ (٥٢/١٨) من طريق أبي أُوَيس:
أنَّ السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجُّه إليه وقع يوم السَّبْت كما تقدَّم.
قوله: ((وأبو بَكْر)) لم يَذكُر جمهور الزُّواة عن ابن شهاب غيرَه، حتَّى إنّ في رواية الأوزاعيّ:

٣٢٦
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
((فاستأذنَا فأذِنْت لهما)) لكن في رواية أبي أويس: ((ومعه أبو بكر وعمر))، ولمسلم (٥٤/٣٣)
من طريق أنس عن عِثْبان: ((فأتاني ومَن شاءَ الله من أصحابه))، وللطَّبرانيّ (١٨ /٤٣) من
وجه آخر (١) عن أنس: ((في نَفَر من أصحابه))، فيحتمل الجمع بأنَّ أبا بكر صَحِبَه وحدَه في
٥٢١/١ ابتداء التوجُّه، ثمَّ عند الدُّخول / أو قبله اجتَمع عمرُ وغيره من الصحابة فدخلوا معه.
قوله: ((فلم يَجلِس حين دَخَلَ))، وللكُشْمِيهَنيّ: حتَّى دخل، قال عِيَاض: زَعَمَ بعضهم
أنَّها غلط، وليس كذلك، بل المعنى: فلم يجلس في الدَّار ولا غيرها حتَّى دخل البيت مُبادراً
إلى ما جاء بسببه. وفي رواية يعقوب عند المصنّف (١١٨٦)، وكذا عند الطَّيالسيِّ (١٢٤١):
((فلمَّا دخل لم يجلس حتَّى قال: أين تُحِبّ))، وكذا للإسماعيليِّ من وجه آخَر، وهي أبيَنُ في
المراد، لأنَّ جلوسه إنَّما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مُلَيكة حيثُ جَلَسَ
فأكَلَ ثمَّ صلَّى، لأنَّه هناك دُعيَ إلى الطعام فبدأَ به، وهنا دُعيَ إلى الصلاة فبدأ بها.
قوله: ((أنْ أُصَلّيَ من بيتك)) كذا للأكثر والجمهور من رواة الزّهْريّ، ووقع عند
الگُشْمِیھني وحده: في بيتك.
قوله: ((وحَبَسْناه)) أي: مَنَعْناه من الرُّجوع.
قوله: ((خَزِیرة)» بخاء مُعجَمة مفتوحة بعدها زاي مكسورة، ثمَّ یاء تحتانيَّةٌ، ثمَّ راء ثمَّ
هاء: نوعٌ من الأطعمة، قال ابن قُتَيبة: تُصنَع من لحم يُقطَّع صغاراً ثمَّ يُصَبّ عليه ماء كثير،
فإذا نَضِجَ ذُرَّ عليه الدَّقيق، وإنْ لم يكن فيه لحم فهو عَصِيدة. وكذا ذكر يعقوبُ(٢) وزاد: من
لحمٍ باتَ ليلة، قال: وقيل: هي حَساءٌ من دقيق فيه دَسَم، وحكى في ((الجَمْهرة)) نحوه،
وحكى الأزهريّ عن أبي الهيثم: أنَّ الخَزيرة من النُّخالة، وكذا حكاه المصنّف في كتاب
الأطعمة (٥٤٠١) عن النَّضْر بن شُمَيل، قال عِيَاض: المراد بالنُّخالة دقيق لم يُغَربَل. قلت:
(١) بل من طريق مسلم نفسها.
(٢) زاد في (س): ((نحوه). قلنا: ويعقوب هذا هو الأديب اللغوي يعقوب بن إسحاق البغدادي المعروف
بابن السِّكِّيت، صاحب كتاب ((إصلاح المنطق))، توفي سنة ٢٤٦ هـ. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء))
١٦/١٢-١٩.

٣٢٧
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
ويؤيِّد هذا التفسير قولُه في رواية الأوزاعيِّ عند مسلم (٢٦٥/٦٥٧): ((على جَشِیشة)) بجیم
ومعجمَتين، قال أهل اللّغة: هي أنْ تُطْحَن الحِنْطة قليلاً، ثمَّ يُلقَى فيها شَحْم أو غيره، وفي
(المطالع)): أنَّهَا رُوِيَت في ((الصحيحين)) بحاءٍ وراءَينِ مُهمَلات. وحكى المصنّف في
الأطعمة عن النَّصْر أيضاً: أنَّها - أي: التي بمُهمَلاتٍ - تُصنَعُ من اللََّن.
قوله: (فثابَ في البيت رجال)) بمُثلَّثة وبعد الألف موحّدة، أي: اجتَمَعوا بعد أنْ تفرَّقوا،
قال الخليل: المَثَابة: مُجتمَعُ الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للبيت: مَثابة. وقال صاحب
((المحكم)): يقال: ثاب: إذا رَجَعَ، وثاب: إذا أقبَل.
قوله: ((من أهل الدّار)) أي: المَحَلَّة، كقوله: ((خير دور الأنصار دارُ بني النَّجّار))(١) أي:
مَحَلَّتهم، والمراد: أهلُها.
قوله: ((فقال قائل منهم)) لم يُسمَّ هذا المبتدِئ.
قوله: ((مالك بن الُّخَيشِن)) بضمِّ الدَّال المهمَلة وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء
الشَّحْتانيَّة بعدها شین مُعجَمة مکسورة ثمّ نون.
قوله: ((أو ابن الدُّخْشُن)) بضمِّ الدَّال والشِّين وسكون الخاء بينهما، وحُكيَ كسر أوَّله،
والشَّكّ فيه من الراوي هل هو مُصغَّر أو مُكَبَّر، وفي رواية المُستَمْلي هنا في الثانية بالميم
بدل النون، وعند المصنِّف في المحاربين (٦٩٣٨) من رواية مَعمَر: ((الدُّخْشُن)) بالنون مُكبَّراً
من غير شكّ، وكذا لمسلم (٢٦٣/٦٥٧) من طريق يونس، وله (٦٥٧/ ٢٦٤) من طريق
مَعمَر بالشَّكّ، ونقل الطَّبرانيُّ (١٨/ ٥٠) عن أحمد بن صالح: أنَّ الصواب ((الدُّخْشُم))
بالميم، وهي رواية الطَّيالسيِّ (١٢٤١)، وكذا لمسلم (٣٣/ ٥٤) من طريق ثابت عن أنس
عن عِثْبان، والطَّبرانيُّ (٤٤/١٨) من طريق النَّضْر بن أنس عن أبيه.
قوله: (فقال بعضهم) قيل: هو عِتْبانُ راوي الحديث.
قال ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)): الرجل الذي سارَّ النبيَّ وَّ في قتل رجل من المنافقين
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٣٧٩١).

٣٢٨
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
هو عِتْبانُ، والمنافق المشار إليه هو مالك بن الدُّخْشُم. ثمَّ ساقَ حديث عِتْبان المذكور في
هذا الباب، وليس فيه دليل على ما ادَّعاه من أنَّ الذي سارَّه هو عِثْبان.
وأغرَبَ بعض المتأّرين فنقل عن ابن عبد البَرِّ أنَّ الذي قال في هذا الحديث: ((ذلك
منافق)) هو عِتْبانُ، أخذاً من كلامه هذا، ولیس فیه تصریح بذلك.
وقال ابن عبد البَرِّ: لم يُخْتَلَف في شُهود مالك بدراً، وهو الذي أسَرَ سُهَيل بن عَمْرو،
ثمَّ ساقَ (١٦٠/١٠) بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ نَّه قال لمن تكلّم فيه: ((أليس
قد شَهِدَ بدراً)). قلت: وفي ((المغازي)) لابن إسحاق: أنَّ النبيَّ ◌َّ بَعَثَ مالكاً هذا ومَعْن بنَ
عَديٍّ فحَرَّقا مسجد الضِّرار(١)، فدَلَّ على أنَّه بريءٌ ثمَّ اتُّهمَ به من النِّفاق، أو كان قد أقلَعَ
عن ذلك، أو النِّفاق الذي اتُّهمَ به ليس نفاقَ الكفر، إنَّما أنكَرَ الصحابة عليه تَوَدُّدَه
٥٢٢/١ للمنافقين،/ ولعلَّ له عُذْراً في ذلك كما وقع لحاطبٍ.
قوله: ((ألا تَراه قد قال: لا إلهَ إلّا الله؟)) وللطَّيالسيّ (١٢٤١): ((أمَا يقول))، ولمسلم
(٥٤/٣٣): ((أليس يشهد))، وكأنَّهم فهموا من هذا الاستفهام أنْ لا جَزْمَ بذلك، ولولا
ذلك لم يقولوا في جوابه: ((إنَّه لَيقولُ ذلك وما هو في قلبه)) كما وقع عند مسلم (٥٤/٣٣)
من طريق أنس عن عِثْبان.
قوله: ((فإنَّا نَرى وجهَه)) أي: توجُّهَه.
قوله: ((ونَصِيحتَه إلى المنافقينَ)) قال الكِرْمانيُّ: يقال: نَصَحتُ له لا إليه، ثمَّ قال: قد
ضُمِّنَ معنى الانتهاء. كذا قال، والظاهر أنَّ قوله: ((إلى المنافقين)) مُتعلِّق بقوله: ((وجهه))
فهو الذي يتعدَّى بإلى، وأمَّا مُتَعلَّق ((نصيحته)) فمحذوفٌ للعِلْم به.
قوله: ((قال ابن شِهَاب)) أي: بالإسناد الماضي، ووَهِمَ مَن قال: إنَّه مُعلَّق.
قوله: ((ثمَّ سألتُ)) زاد الكُشْمِيهَنيّ: بعد ذلك، و((الحُصَين)) بمُهمَلتين لجميعهم إلَّا
للقابسيِّ فضبطه بالضّاد المعجَمة وغَلَّطوه.
١٠) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٥٣٠.

٣٢٩
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ((من سَرَاتهم)) بفتح المهمَلة، أي: خِيارهم، وهو جمع سَرِيّ، قال أبو عُبيد: هو
المرتَفِعِ القَدْر، من سَرُوَ الرجلُ يَسْرو: إذا كان رفيع القَدْر، وأصله من السَّراة: وهو أرفع
المواضع من ظَهْر الدَّابّة، وقيل: هو رأسها.
قوله: ((فصَدَّقَه بذلك)) يحتمل أنْ يكون الحُصَين سمعه أيضاً من عِتْبان، ويحتمل أنْ
يكون حمله عن صحابيّ آخَر، وليس للحُصَينِ ولا لعِتْبان في ((الصحيحين)) سوى هذا
الحديث. وقد أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع مُطوَّلاً ومختصَراً، وقد سمعه من
عِثْبان أيضاً أنس بن مالك كما أخرجه مسلم (٥٤/٣٣)، وسمعه أبو بكر بن أنس مع أبيه
من عِثْبان أخرجه الطَّبرانيُّ (٤٦/١٨)، وسيأتي (١١٨٦) في ((باب النَّوافل جماعة)): أنَّ أبا
أيوب الأنصاريّ سمع محمود بن الرَّبيع يُحدِّث به عن عِتْبان فأنكَرَه، لما يقتضيه ظاهره من
أنَّ النار مُرَّمةٌ على جميع الموحِّدين، وأحاديث الشَّفاعة دلَّة على أنَّ بعضهم يُعذَّب، لكن
للعلماء أجوبة عن ذلك:
منها ما رواه مسلم (٢٦٤/٦٥٧) عن ابن شهاب: أنَّه قال عَقِبَ حديث الباب: ثمَّ
نزلت بعد ذلك فرائضُ وأُمور نرى أنَّ الأمر قد انتهى إليها، فمَن استطاعَ أنْ لا يَغْتَرَّ فلا
يَغْتَرّ. وفي كلامه نظر، لأنَّ الصَّلَوات الخمس نزل فرضُها قبل هذه الواقعة قَطْعاً، وظاهرُه
يقتضي أنَّ تاركها لا يُعذّب إذا كان موحِّداً.
وقيل: المراد: أنَّ مَن قالها مُخلِصاً لا يَترُك الفرائض، لأنَّ الإخلاص يحمل على أداء
اللازم(١)، وتُعُقِّبَ بمنع الملازمة.
وقيل: المراد: تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المعَدَّة للكافرين لا الطَّقة المعدَّة
للعُصاة.
وقيل: المراد: تحريم دخول النار بشرطِ حصول قَبُول العمل الصالح والتجاوز عن
السَّيِّئ، والله أعلم.
(١) في (أ): الأوامر.

٣٣٠
باب ٤٦ / ح ٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي هذا الحديث من الفوائد: إمامةُ الأعمَى، وإخبارُ المرء عن نفسه بما فيه من عاهة ولا
يكون من الشَّكْوى، وأنَّه كان في المدينة مساجدُ للجماعة سوى مسجده وَّةِ، والتخلُّفُ عن
الجماعة في المطر والظلمة ونحو ذلك، والتّخاذُ موضع مُعيَّن للصلاة.
وأمَّا النهيُ عن إيطان موضع مُعيَّن من المسجد ففيه حديثٌ رواه أبو داود (٨٦٢)(١)،
وهو محمولٌ على ما إذا استلزمَ رياءً ونحوه.
وفيه تسوية الصُّفوف، وأنَّ عموم النهي عن إمامة الزائرِ مَن زارَہ مخصوصً بما إذا كان
الزّائر هو الإمام الأعظم فلا يُكرَه، وكذا مَن أَذِنَ له صاحب المنزل.
وفيه التبرُّك بالمواضع التي صلَّى فيها النبيّ وَّهِ أَو وَطِئَها، ويُستَفاد منه أنَّ مَن دُعيَ من
الصالحين ليُبِرَّك به أنَّه يجيب إذا أمِنَ الفِتْنة(٢). ويحتمل أنْ يكون عِتْبانُ إِنَّمَا طَلَبَ بذلك
الوقوفَ على جهة القِبْلة بالقَطْع.
وفيه إجابةُ الفاضلِ دَعْوةَ المفضول، والتبرُّك بالمشيئة(٣)، والوفاء بالوَعْد، واستصحاب
الزّائر بعضَ أصحابه إذا علم أنَّ المستَدْعي لا يَكْره ذلك، والاستئذان على الدَّاعي في بيته
وإنْ تقدَّم منه طلبُ الحضور، وأنَّ اتّخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وَقْفيَّتَه ولو
◌ُطلِقَ علیه اسم المسجد.
٥٢٣/١ وفيه اجتماع أهل المحلَّة/ على الإمام أو العالم إذا وَرَدَ مَنزِلَ بعضهم ليستفيدوا منه
ويَتَبَرَّكوا به، والتنبيه على مَن يُظَنُّ به الفساد في الدِّين عند الإمام على جهة النصيحة، ولا
يُعَدُّ ذلك غِيبةً، وأنَّ على الإمام أنْ يتثبّتَ في ذلك ويحملَ الأمر فيه على الوجه الجميل.
وفيه افتقاد مَن غابَ عن الجماعة بلا عُذْر، وأنَّه لا يَكْفي في الإيمان النُّطْقُ من غير اعتقاد،
(١) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٤٢٩)، والنسائي (١١١٢)، وهو حديث حسن.
(٢) هذا فيه نظرٌ، والصواب أن مثل هذا خاصٌّ بالنبي وَلّ لما جعل الله فيه من البركة، وغيره لا يقاس عليه،
لما بينهما من الفرق العظيم، ولأن فتح هذا الباب قد يُفضي إلى الغلوِّ والشرك كما وقع من بعض الناس،
نسأل الله العافية. (س).
(٣) يريد: التبرُّك بقول: إن شاء الله، كما قال النبي وَيّ: ((سأفعل إن شاء الله)).

٣٣١
باب ٤٧ / ح ٤٢٦
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وأنَّه لا يُحُلَّدُ في النار مَن مات على التوحید.
وتَرجَمَ عليه البخاري غيرَ ترجمة الباب والذي قبله: الرُّخْصة في الصلاة في الرِّحال
عند المطر، وصلاة النَّوافل جماعة، وسلام المأموم حين يُسَلِّمُ الإمام، وأنَّ رَدَّ السلام على
الإمام لا يجبُ، وأنَّ الإمام إذا زارَ قوماً أمَّهم، وشهود عِثْبان بدراً، وأكل الخَزِيرة، وأنَّ
العمل الذي يُبتَغَى به وجه الله تعالى يُنجّي صاحبه إذا قَبِلَه الله تعالى، وأنَّ مَن نَسَبَ مَن
يُظهِر الإسلام إلى النِّفاق ونحوه بقَرينةٍ تقوم عنده لا يَكْفُرُ بذلك ولا يَفْسُقُ بل يُعذَرُ
بالتأويل.
٤٧ - باب التيمُّن في دخول المسجد وغيره
وكانَ ابنُ عمرَ يَبدأُ بِرِجلِهِ اليُمْنى، فإذا خرجَ بَدَأ برجلِه الُشْری.
٤٢٦ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأشْعَثِ بنِ سُلَيم، عن أبيه، عن
مَسْرُوق، عن عائشةَ قالت: كانَ النبيُّ وَِّ يُحِبُّ التَّمُّنَ ما استَطاعَ في شَأْنِهِ كُلِّه؛ فِي طُهُورِهِ
وتَرَجُلِهِ وتَتَعُلِهِ.
قوله: ((باب التيمُّن)) أي: البِداءة باليمين ((في دخول المسجد وغيره)) بالخَفْض عطفاً على
الدُّخول، ويجوز أنْ يُعطَف على المسجد، لكنَّ الأوَّل أَنْيدُ.
قوله: ((وكانَ ابن عمر)) أي: في دخول المسجد، ولم أرَه موصولاً عنه، لكن في
((المستدرك)) للحاكم (٢١٨/١) من طريق معاوية بن قُرّة عن أنس أنَّه كان يقول: من السُّنّة
إذا دخلتَ المسجدَ أنْ تبدأ بِرِجْلِك اليُمنَى، وإذا خرجتَ أنْ تبدأ بِرِجْلِك اليُسْرى(١).
والصحيح أنَّ قول الصحابي: ((من السُّنَّة كذا)) محمولٌ على الرفع، لكن لمَّا لم يكن حديث
(١) وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢/ ٤٤٢ عن الحاكم، ثم أعلَّه بتفرّد الراوي له عن معاوية بن قرة،
وهو شدَّاد بن سعيد أبو طلحة، فقال: تفرَّد به شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وليس بالقوي. قلنا:
وجمهور المتقدمين من أهل الجرح والتعديل على توثيقه، وقد روى له مسلم في ((صحيحه)) حديثاً واحداً
متابعةً، وسند حديثه هذا الذي أخرجه الحاكم وعنه البيهقي جيِّد إن شاء الله تعالى.

٣٣٢
باب ٤٨ / ح ٤٢٧-٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
أنس على شرط المصنّف أشار إليه بأثرِ ابن عمر، وعمومُ حديث عائشة يدلّ على البِداءة
باليمين في الخروج من المسجد أيضاً، ويحتمل أنْ يقال: في قولها: ((ما استطاع)) احترازٌ عمّا
لا يُستَطاع فيه التيمُّن شَرْعاً كدخول الخَلَاء والخروج من المسجد، وكذا تَعاطي الأشياء
المستقذَرة باليمين كالاستنجاء والتمَخُّط. وعلمت عائشة رضي الله عنها حُبَّه ◌َّ لما
ذكرت إمَّا بإخباره لها بذلك، وإمَّا بالقرائن. وقد تقدَّمت بقيّة مباحث حديثها هذا في
((باب التيمُّن في الوضوء والغُسل)) (١٦٨).
٤٨ - باب هل تُنْبَش قبورُ مشركي الجاهليّة ويُتَّخَذ مكانها مساجد؟
لقولِ النبيِّ نَّ: ((لَعَنَ الله اليهودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مَساجِدَ))، وما يُكرَه مِن الصلاةِ في
القُبُور.
ورَأى عمرُ أنسَ بنَ مالكٍ يُصلِّ عند قَبْرِ، فقال: القَبْرَ القَبْرَ! ولم يأْمُرْه بالإعادةِ.
٤٢٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً:
٥٢٤/١ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمةَ/ ذكرتا كَنِيسةً رَأَيتَها بالحبشة، فيها تَصاوِيرُ، فَذَكَرَتا للنبيِّ ◌َِّ، فقال:
((إنَّ أُولئكِ إذا كانَ فيهمُ الرجلُ الصَّالِحُ فماتَ، بَنَّوْا على قَيْرِهِ مسجداً، وصَوَّرُوا فيه تلكِ
الصُّوَرَ، فأُولئكِ شِرارُ الخَلْقِ عندَ الله يومَ القِيَامَةِ».
[أطرافه في: ٤٣٤، ١٣٤١، ٣٨٧٣]
٤٢٨ - حدَّثنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، عن أبي التَّاح، عن أنس قال: قَدِمَ النبيُّ وَّلـ
المدينةَ فَزَل أعلَى المدينةِ في حَيٍّ يقالُ لهم: بنو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فأقامَ النبيُّ ◌َّ فيهم أربعاً وعشرينَ
ليلةً، ثمَّ أرسَلَ إلى بني النَّجّار فجاؤُوا مُتَقَدِّدين السُّيُوفَ كَأَّي أَنْظُرُ إلى النبيِّ وَِّ على راحِلَتِهِ وأبو
بَكْرِ رِذْقُه، ومَلأُ بني النَّجّارِ حَوْلَه حتَّى الْقَى بِفِناءِ أبي أيوبَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُصلَِّ حيثُ أدْرَكَتْه
الصلاةُ، ويُصلِّي في مَرابضِ الغَنَم، وأنَّ أُمُرَ بِناءِ المسجدِ، فأرسَلَ إلى مَلإٍ من بني النَّجّار فقال: ((يا
بني النَّجَّار، ثامِنُوني بحائطِكُم هذا)) قالوا: لا والله، لا نَطلُبُ ثَمَنَه إلا إلى الله.

٣٣٣
باب ٤٨ / ح ٤٢٧-٤٢٨
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
فقال أنس: فكانَ فيه ما أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المشركِينَ، وفيه خَرِبٌ، وفيه نَخْلٌ، فَأمُرَ النبيُّ ◌َاهـ
بقُبُورِ المشركِينَ فُنُبِشَت، ثمَّ بالخَرِبِ فسُوِّيَت، وبالنَّخْلِ فقُطِعَ، فصَفُوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المسجدِ
وجَعَلُوا عِضَادَتَّهِ الحِجارةَ، وجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وهم يَرَّجِزُونَ والنبيُّ ◌ََّ مِعَهم وهو يقولُ:
اللهُمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرَهْ فاغفِرْ للأنصار والمهاجِرَةْ
قوله: ((باب هل تُنَئُ قبورُ مُشرِكي الجاهليَّة)» أي: دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم
لما في ذلك من الإهانة لهم، بخلاف المشركين فإنَّهم لا حُرْمة لهم.
وأمَّا قوله: ((لقول النبيّ وَّةٍ ... )) إلى آخره، فوجه التعليل: أنَّ الوعيد على ذلك يتناول
مَن اَّخَذَ قبورهم مساجد تعظيماً ومُغالاة كما صنع أهل الجاهليَّة، وجَرَّهم ذلك إلى
عبادتهم، ويتناول مَن الَّخَذَ أمكِنة قبورهم مساجد بأنْ تُنَبَش وتُرمَى عظامهم، فهذا تَخْتَصُّ
بالأنبياء ويَلتحِق بهم أتباعُهم، وأمَّا الكَفَرة فإِنَّه لا حرجَ في نَبْش قبورهم، إذْ لا حرج في
إهانتهم، ولا يَلَم من اتّخاذ المساجد في أمكِنَتَها تعظيمُهم(١)، فعُرِفَ بذلك أنْ لا تَعارُض
بين فعله ◌َّهِ فِي نَبْش قبور المشركين والتّخاذ مسجده مكانها، وبين لَعْنِهِوَِّ مَنِ اتَّخَذَ قبورَ
الأنبياء مساجد لما تبيَّن من الفَرْق.
والمتن الذي أشار إليه وَصَلَه في باب الوفاة في أواخر المغازي (٤٤٤١) من طريق هلال
عن عُرْوة عن عائشة بهذا اللفظ، وفيه قِصّة، ووَصَلَه في الجنائز (١٣٣٠) من طريق أُخرى عن
هلال وزاد فيه: ((والنَّصارى))، وذكره في عِدّة مواضع من طريق أُخرى بالزيادة(٢).
قوله: ((وما يُكرَه من الصلاة في القبور)) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى
القبر أو بين القبرَين، وفي ذلك حديثٌ رواه مسلم (٩٧٢) من طريق أبي مَرتَد الغَنَويّ
مرفوعاً: ((لا تجلسوا على القبور ولا تُصلُّوا إليها أو عليها))، قلت: وليس هو على شرط
البخاري فأشار إليه في الترجمة، وأورَدَ معه أثر عمر الدَّالّ على أنَّ النهي عن ذلك لا يقتضي
(١) في (س): تعظيم.
(٢) وهي طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، وستأتي عند البخاري برقم (٤٣٥) ومواضع أخرى.

٣٣٤
باب ٤٨ / ح ٤٢٧-٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
فسادَ الصلاة، والأثر المذكور عن عمر رُوِّيناه موصولاً في ((كتاب الصلاة)) لأبي نُعَيم شيخ
البخاري ولفظه: ((بينما أنس يصلِّي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر، فظنَّ أنَّه يعني القمر، فلمَّا
رأى أنَّه يعني القبر جازَ القبرَ وصلَّى))، وله طرق أُخرى بيَّنْتُها في ((تغليق التعليق))
(٢٢٩/٢ -٢٣٠) منها من طريق حُميدٍ عن أنس نحوه وزاد فيه: ((فقال بعض مَن يلِيني: إنَّما
يعني القبرَ، فتَنَخَّيتُ عنه)). وقوله: ((القبرَ القبرَ )) بالنصب فيهما على التحذير.
٥٢٥/١ وقوله: ((ولم يَأْمُّره بالإعادَة»/ استَنْبَطَه من تَمَادِي أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي
فسادَها لَقَطَعَها واستأنف.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطَّانُ ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة.
قوله: ((عن عائشة)) في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه: أخبَرَتْني عائشةُ.
قوله: ((أنَّ أُمَ حَبِيبة)) أي: رَمْلة بنت أبي سفيان الأُمَويَّة ((وَأُمّ سَلَمَةَ)) أي: هِنْد بنت أبي
أُميَّة المخزوميَّة، وهما من أزواج النبيّ وَّه، وكانتا مَمَّن هاجَرَ إلى الحبشة كما سيأتي في
موضعه (٣٨٧٣).
قوله: ((ذَكَرَتا)) كذا لأكثر الرُّواة، وللمُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((ذَكَرًا)) بالتذكير، وهو مُشكِلٌ.
قوله: ((رَأينَها)) أي: هما ومَن كان معهما، وللكُشْمِيهَنيّ والأَصِيلِيّ: ((رأتاها))، وسيأتي
للمصنّف قريباً (٤٣٤) في ((باب الصلاة في البيعة)) من طريق عَبْدة عن هشام: أنَّ تلك
الكنيسة كانت تُسمَّى مارِيَة، بكسر الراء وتخفيف الياء التَّحْتانيَّة، وله في الجنائز أيضاً
(١٣٤١) من طريق مالك عن هشام نحوه، وزاد في أوَّله: ((لمَّا اشتكى النبيُّ ◌َّ)، ومن
طريق هلال عن عُزْوة (١٣٣٠) بلفظ: ((قال في مرضه الذي مات فيه))، ولمسلم (٥٣٢) من
حديث جُنْدُب: أنَّه ◌َ ﴿ قال نحو ذلك قبل أنْ يُتُوَلَّ بخمسٍ وزاد فيه: ((فلا تَتَّخِذوا القبورَ
مساجدَ، فإنّ أنهاكم عن ذلك)) انتهى، وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنَّه
من الأمر المحكّم الذي لم يُنسَخ لكَوْنه صَدَرَ في آخر حياته وَلّهِ.
قوله: ((إنَّ أُولئكِ)) بكسر الكاف ويجوز فتحُها.

٣٣٥
باب ٤٨ / ح ٤٢٧-٤٢٨
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ((فماتَ)) عطف على قوله: ((كان))، وقوله: ((بَنَوْا)) جواب ((إذا)).
قوله: ((وصَوَّرُوا فيه تلكِ الصُّوَر)) وللمُستَمْلي: ((تِيكِ الصور)) بالياء التَّحْتانيَّة بدل اللام،
وفي الكاف فيها وفي ((أولئكِ)) ما في ((أولئكِ)) الماضية، وإنَّما فعل ذلك أوائلهم ليتأنَّسوا
بُرُؤْية تلك الصور ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثمَّ خَلَفَ من بعدهم
خُلوفٌ جَهِلوا مرادَهم ووَسْوَسَ لهم الشَّيطان أنَّ أسلافكم كانوا يَعبُدون هذه الصور
ويُعظِّمونها فعَبَدُوها، فحَذَّرَ النبيّ ◌َّه عن مثل ذلك سَدّاً للذَّريعة المؤدِّية إلى ذلك.
وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على مَن كان في ذلك
الزَّمان لقُرْب العَهْد بعبادة الأوثان، وأمَّا الآن فلا، وقد أطنَبَ ابن دَقِيق العيد في رَدّ ذلك
کما سيأتي في كتاب اللباس (٥٩٤٩).
وقال البيضاوي: لمَّا كانت اليهود والنَّصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم،
ويجعلونها قِبْلة يتوجَّهون في الصلاة نحوها، واتَّذوها أوثاناً، لَعَنَهم ومَنَعَ المسلمين عن
مثل ذلك، فأمَّا مَن اتَّخَذَ مسجداً في جِوارٍ صالح وقَصَدَ التبرُّكَ بالقُرْب منه، لا التعظيم له
ولا التوُّه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد(١).
وفي الحديث جوازُ حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب، ووجوب بیان ◌ُكْم ذلك
على العالِم به، وذَمّ فاعل المحرَّمات، وأنَّ الاعتبار في الأحكام بالشَّرْع لا بالعَقْل. وفيه
كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجَنْب القبر أو عليه أو إلیه، وسيأتي بيان ذلك
قريباً، ويأتي حديث أنس في بناء المسجد مبسوطاً في كتاب الهِجْرة (٣٩٣٢)، وإسناده
کّھم بصرُّون.
قوله فيه: ((فأقامَ فيهم أربعاً وعِشْرِينَ)) كذا للمُستَمْلي والحَمُّوِيّ، وللباقين: (أربع عشرة))
وهو الصواب من هذا الوجه، وكذا رواه أبو داود (٤٥٣) عن مُسدَّد شيخ البخاري فيه (٢)،
(١) هذا خطأ واضح، والصواب تحريم ذلك ودخوله تحت الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد،
فانتبه واحذر، والله الموفِّق. (س).
(٢) في (س): ((وفيه)) بزيادة الواو، وهو خطأ واضح.

٣٣٦
باب ٤٨ / ح ٤٢٧-٤٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اختلف فيه أهل السِّيَر كما سيأتي(١).
وقوله: ((وأرسَلَ إلى بني النَّجّار)) هم أخوال عبد المطَّلِّب، لأنَّ أُمّه سَلْمَى منهم، فأراد
النبيّ ◌َّهِ النُّزول عندهم لمَّا تحوَّلَ من قُباء، والنَّجّار بَطْن من الخَزْرَج واسمه تَّيْم اللّات
ابن ثَعْلَبة.
قوله: ((مُتَقَلِّدينَ السُّيوفَ)) منصوبٌ على الحال، وفي رواية كريمة: ((مُتقلِّدي السُّيوفِ»
بحذف النون، و((السُّيوف)» مجرورة بالإضافة.
قوله: ((وأبو بَكْر رِدْقُه)) كأنَّ النبيَّ ◌َّهِ أردَفَه تشريفاً له وتنويها بقَدْرِه، وإلَّا فقد كان لأبي
بکر ناقةٌ هاجَرَ علیها كما سيأتي بيانه في الهِجْرة (٣٩٠٥).
قوله: ((ومَلَأُ بني النَّجَار حَوْله)) أي: جماعتهم، وكأنَهم مَشَوْا معه أدَباً.
٥٢٦/١ وقوله: ((حتَّى ألْقَى)) أي: أَلْقَى رَحْلَه، والفِناء: الناحية المتَّسِعة / أمام الدَّار.
قوله: ((وأَنَّه أَمَرَ)) بالفتح على البناء للفاعل، وقيل: رُوِيَ بالضمّ على البناء للمفعول.
قوله: ((ثامِنُوني)) بالمثلَّثة: اذْكُرُوا لِي ثَمَنَه لأذكُرَ لكم الثَّمَن الذي أختاره(٢)، قال ذلك
على سبيل المساومة، فكأنَّه قال: ساوِمُوني في الثَّمَن.
قوله: ((لا نَطلُب ثَمَنَه إلّا إلى الله)) تقديره: لا نَطلُب الثَّمَن، لكنَّ الأمر فيه إلى الله، أو
((إلى)) بمعنى: مِن، وكذا عند الإسماعيلي: ((لا نَطلُب ثمنه إلَّا من الله))، وزاد ابن ماجَهْ
(٧٤٢) ((أَبَداً)). وظاهر الحديث أنَّهم لم يأخذوا منه ثَمَناً، وخالفَ في ذلك أهلُ السِّيَر كما
سيأتي (٣٩٠٦).
قوله: ((فكانَ فيه)) أي: في الحائط الذي بُنِيَ في مكانه المسجد.
قوله: ((وفيه خَرِبٌ)) قال ابن الجَوْزي: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة وكسر الراء
(١) في هجرة النبي وسر من كتاب المناقب، عند شرح قوله: ((وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول)) من
الحديث رقم (٣٩٠٦).
(٢) في (أ): اذكروا لي ثمنه لأشتريه منكم.

٣٣٧
باب ٤٩ / ح ٤٢٩
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
بعدها موحّدة جمع خَرِبة ككَلِمٍ وكَلِمَة. قلت: وكذا ضُبِطَ في ((سنن أبي داود)) (٤٥٤)،
وحكى الخطَّبيُّ أيضاً كسر أوَّله وفتح ثانيه جمع خِرَبة كعِنَب وعِنَة، وللكُشْمِيھَنيّ:
((حَرْث)) بفتح الحاء المهمَلة وسكون الراء بعدها مُثلَّثة، وقد بيَّن أبو داود أنَّ رواية
عبد الوارث بالمعجَمة والموخَّدة، ورواية حَمَّاد بن سَلَمةَ عن أبي التّح بالمهمَلة والمثلَّثة،
فعلى هذا فرواية الكُشْمِيهَني وَهْم، لأنَّ البخاري إنَّما أخرجه من رواية عبد الوارث، وذكر
الخطَّبيُّ فيه ضبطاً آخَر، وفيه بحثٌ سيأتي مع بقيَّة ما فيه في كتاب الهِجْرة (٣٩٣٢) إن شاء
الله تعالى.
قوله في آخره. ((فاغفِرْ للأنصار)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلِيِ والحَمُّوِيّ: «فاغفِر الأنصارَ)»
بحذف اللام، ويُوَجَّه بأنَّه ضمَّنَ ((اغفِرْ)) معنى: استُر، وقد رواه أبو داود (٤٥٣) عن
مُسدّد بلفظ: ((فانصُر الأنصار)).
وفي الحديث جواز التصرُّف في المقبرة المملوكة بالهِبة والبيع، وجواز نّبْش القبور
الدَّارسة إذا لم تكن مُحْتَرَمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نّبْشها وإخراج ما فيها،
وجواز بناء المساجد في أماكنها.
قيل: وفيه جواز قَطْع الأشجار المثمرة للحاجة أخذاً من قوله: ((وأمَرَ بالنَّخْل فقُطِع))،
وفيه نظرٌ لاحتمال أنْ يكون ذلك ممّا لا يُثْمِر إمَّا بأنْ يكون ذُكوراً وإمَّا أنْ يكون طَرَأ عليه ما
قَطَعَ ثمرته. وسيأتي صفة هيئة بناء المسجد من حديث ابن عمر وغيره قريباً (٤٤٦).
٤٩ - باب الصلاة في مَرابِض الغَنَم
٤٢٩- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي التَّاح، عن أنس قال: كانَ النبيُّ
وَ﴿ يُصلِّي في مَرابِضِ الغَنَم، ثمَّ سمعتُه بعدُ يقولُ: كانَ يُصلِّيّ في مَرابضِ الغَنَم قبلَ أنْ يُبنَى
المسجدُ.
قوله: ((باب الصلاة في مَرابض الغنم)) أي: أماكنها، وهو بالموحّدة والضّاد المعجَمة: جمع
مِرْبَض، بكسر الميم.

٣٣٨
باب ٥٠ / ح ٤٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وحديث أنس طرف من الحديث الذي قبله، لكن بيَّن هناك أنَّه كان يُحِبّ الصلاة
حيثُ أدرَكَتْه - أي: حيثُ دخل وقتها - سواء كان في مَرابض الغَنَم أو غيرها، وبيَّن هناك
أنَّ ذلك كان قبل أنْ يُبنَى المسجد، ثمَّ بعد بناء المسجد صارَ لا يُحِبّ الصلاة في غيره إلَّا
لضرورة.
قال ابن بَطَّال: هذا الحديث حُجَّة على الشافعيّ في قوله بنجاسة أبوال الغَنَم وأبعارها،
لأنَّ مَرابض الغنم لا تَسلَمُ من ذلك. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأصل الطَّهارة، وعَدَمَ السلامة منها
غالب، وإذا تَعارَضَ الأصل والغالب قُدِّمَ الأصل. وقد تقدَّم مزيد بحث فيه في كتاب
الطَّهارة في ((باب أبوال الإبل)) (٢٣٤).
تنبيه: القائل: ((ثمّ سمعته بعدُ يقول)) هو شُعْبة، يعني أنَّه سمع شيخه يزيد فيه القيدَ
المذكور بعد أنْ سمعه منه بدونه، ومفهوم الزيادة: أنَّ بَ له لم يُصلُّ في مَرابِض الغنم بعد
بناء المسجد، لكن قد ثبت إذْنُه في ذلك كما تقدَّم في كتاب الطَّهارة (٢٣٤).
٥٢٧/١
٥٠- باب الصلاة في مواضع الإبل
٤٣٠ - حدَّثنا صَدَقُ بنُ الفَضْل، قال: أخبرنا سلیمانُ بنُ حَیّانَ، قال: حدثنا عُبید الله، عن
نافعٍ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يُصلِّي إلى بَعِيرِهِ، وقال: رأيتُ النبيَّ ◌َّ يَفعَلُه.
[طرفه في: ٥٠٧]
قوله: ((باب الصلاة في مواضع الإبل)) كأنَّه يشير إلى أنَّ الأحاديث الواردة في التَّفرقة بين
الإبل والغنم ليست على شرطه، لكن لها طرق قويّة: منها حديث جابر بن سَمُرة عند
مسلم (٣٦٠)، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود (٤٩٣)، وحديث أبي هريرة عند
التِّرمِذيّ (٣٤٨)، وحديث عبد الله بن مُغفَّل عند النَّسائيِّ (٧٣٥)، وحديث سَبْرة بن
مَعَبَد عند ابن ماجَهْ (٧٧٠)، وفي مُعظَمها التعبیر بـ((مَعاطِن الإبل))، ووقع في حديث جابر
ابن سَمُرة والبراء: ((مَبارِك الإبل))، ومثله في حديث سُلَيك عند الطبراني (٦٧١٣)، وفي
حديث سَبْرة وكذا في حديث أبي هريرة عند التِّرمِذيّ: ((أعطان الإبل))، وفي حديث أُسَيد

٣٣٩
باب ٥٠ / ح ٤٣٠
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
ابن حُضَيرٍ عند الطبراني: ((مُناخ الإبل)) (١)، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند أحمد (٦٦٥٨):
((مَرابد الإبل))، فعَبَّرَ المصنِّف بالمواضع، لأنَّهَا أشمَل، والمَعَاطن أخصُّ من المواضع، لأنَّ
المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصَّة.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ النهي خاصٌّ بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون
فيها الإبل، وقيل: هو مأواها مُطلَقاً، نقله صاحب ((المغني)) عن أحمد.
وقد نازَعَ الإسماعيلي المصنِّفَ في استدلاله بحديث ابن عمر المذكور: بأنَّه لا يَلزَم من
الصلاة إلى البعير وجَعْله سُتْرةَ عدمُ كراهية الصلاة في مَبْرَكه، وأُجيب بأنَّ مراده الإشارة
إلى ما ذُكِرَ من عِلّة النهي عن ذلك، وهي كَوْنها من الشَّياطين كما في حديث عبد الله بن
مُغفَّل: ((فإنَّهَا خُلِقَت من الشَّياطين))(٢)، ونحوه في حديث البراء، كأنَّه يقول: لو كان ذلك
مانعاً من صِحّة الصلاة لامتَنعَ مثله في جعلها أمام المصلّي، وكذلك صلاة راکبها، وقد
ثبت أنَّه وَ ل﴿ كان يصلِّ النافلةَ وهو على بعيره كما سيأتي في أبواب الوِتْر (٩٩٩)، وفَرَّقَ
بعضهم بين الواحد منها وبين كَوْنها مُجُتمِعة لما طُبِعَت عليه من النِّفار المفضي إلى تشويش
قَلْب المصلّي، بخلاف الصلاة على المركوب منها أو إلى جهة واحدٍ معقولٍ. وسيأتي بقيَّة
الكلام على حديث ابن عمر في أبواب سُتْرة المصلّي (٥٠٧) إن شاء الله تعالى.
وقيل: عِلّة النهي في التَّفْرِقة بين الإبل والغنم بأنَّ عادة أصحاب الإبل التغوُّط بقُرْبِها
فتُنجَّس أعطانها، وعادة أصحاب الغنم تركه، حكاه الطَّحاويُّ عن شَرِيك واستَبعَدَه.
وَلِطَ أيضاً مَن قال: إنَّ ذلك بسبب ما يكون في معاطنها من أبوالها وأروائها، لأنَّ
مَرابِض الغنم تَشرَكها في ذلك، وقال: إنَّ النَّظر يقتضي عدمَ التَّفْرِقة بين الإبل والغنم في
الصلاة وغيرها، كما هو مذهب أصحابه. وتُعُقِّبَ بأنَّه مخالفٌ الأحاديث الصحيحة المصرِّحة
(١) هو بهذا اللفظ عند الطبراني في ((الأوسط)) (٧٤٠٧)، وعنده في ((الكبير)) (٥٥٩) بلفظ: ((معاطن الإبل)).
(٢) عزاه الحافظ من قريبٍ إلى النسائي، ورواية النسائي مختصرة دون هذه الزيادة، وإنما جاءت هذه الزيادة
في حديث عبد الله بن مغفل عند ابن ماجه (٧٦٩)، وإسناده صحيح، وحديثُ البراء عند أبي داود
(١٨٤) و(٤٩٣).

٣٤٠
باب ٥١ / ح ٤٣١
فتح الباري بشرح البخاري
بالتَّفْرِقة فهو قياس فاسد الاعتبار، وإذا ثبت الخبر بَطَلَت مُعارَضَتُه بالقياس اتِّفاقاً، لكن جمع
بعض الأئمّة بين عموم قوله: ((جُعِلَت لي الأرض مسجداً وطَهوراً) (١)، وبين أحاديث
الباب بحَملِها على كراهة التنزيه، وهذا أولى، والله أعلم.
تكملة: وقع في ((مسند أحمد)) (٦٦٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو (٢): أنَّ النبيَّ
صَلى الله
وسلم
كان يصلِّي في مَرابِد الغنم ولا يصلِّي في مَرابِد(٣) الإبل والبقر، وسنده ضعيف، فلو ثبت
لَأفادَ أنَّ حُكْم البقر حُكْم الإبل، بخلاف ما ذكره ابن المنذر: أنَّ البقر في ذلك كالغنم.
٥١ - باب من صلَّى وقُدَّامَه تَنُورٌ أو نارٌ أو شيءٌ ممّا يُعبَد فأراد به اللهَ
وقال الزُّهْريُّ: أخبرني أنسٌ، قال: قال النبيُّ ◌َّةِ: ((عُرِضَتْ عليَّ النارُ وأنا أُصَلِي)).
٥٢٨/١ ٤٣١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن
عبدِ الله بنِ عِبَّاس قال: انخَسَفَتِ الشمسُ، فصَلَّى رسولُ اللهِّهِ ثُمَّ قال: ((أُرِيتُ النارَ، فلم أرَ
مَنْظَراً كاليومٍ قَطَّ أَفْظَعَ)).
قوله: (باب مَن صَلَّى وقُدّامَه)) بالنَّصْب على الظَّرْف، و((التُّّور)) بفتح المثنَّة وتشديد النون
المضمومة: ما تُوقَد فيه النار للخَبْز وغيره، وهو في الأكثر يكون حَفِيرة في الأرض، ورُبَّما كان
على وجه الأرض، ووَهِمَ مَن خَصَّه بالأوَّل. قيل: هو مُعرَّب، وقيل: هو عربيٌّ توافقت عليه
الألْسِنة، وإنَّما خَصَّه بالذِّكر مع كَوْنه ذكرَ النار بعده اهتماماً به، لأنَّ عَبَدة النار من المجوس لا
يَعْبُدُونها إِلَّا إذا كانت متوقِّدة بالجَمْرِ كالتي في التّر، وأشار به إلى ما وَرَدَ عن ابن سيرين:
أنَّه كَرِهَ الصلاة إلى التنّور وقال: هو بيتُ نار، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٨٠/٢).
وقوله: ((أو شيءٌ) من العامِّ بعد الخاصّ، فَتَدخُل فيه الشمس مثلاً والأصنام والتماثيل،
(١) تقدم عند المصنف برقم (٣٣٥).
(٢) تحرف في (س) إلى : عُمر.
(٣) في (س) في الموضعين: مرابض، والمثبت من (ع) و((المسند)) ومما سلف عند الحافظ نفسه في أول شرحه
على هذا الباب ومن قوله: ((وإذا ثبت الخبر)) في الفقرة السابقة إلى آخر هذه التكملة لم يرد في (أ).