Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب ٢٨ / ح ٣٩٣
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
والاطّلاع على حال المرء في صلاته وأكله يُمكِن بسرعةٍ في أوَّل يوم، بخلاف غير ذلك من
أُمور الدِّين.
قوله: ((فقد حَرُمَت)) بفتح أوَّله وضمّ الراء، ولم أرَه في شيء من الروايات بالتشديد،
وقد تقدَّمت سائر مباحثه في (باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ ﴾ [التوبة: ١١])» من كتاب
الإيمان (٢٥).
٣٩٣- وقال عليٌّ بنُ عَبدِ الله: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا مُميدٌ، قال: سألَ
ميمونُ بنُ سِيَاهٍ أنْسَ بنَ مالكٍ، قال: يا أبا حمزةَ، وما يُحرِّمُ دَ العَبدِ ومالَه؟ فقال: مَن شَهِدَ أنْ
لا إلهَ إلا الله، واستَقبَلَ قِبْلتَنا، وصَلَّى صلاتَنا، وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فهو المسلمُ، له ما للمُسلِمِ،
وعليه ما على المسلمِ.
قال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحبى، حدَّثنا مُميدٌ، حدّثنا أنسٌ، عن النبيِّ ◌ََّ.
قوله: ((وقال عليُّ بن عبد الله)) هوابن المَدِينيّ، وفائدة إيراد هذا الإسناد تقوية رواية
میمون بن سیاهٍ لمتابعة مُمیدٍ له.
قوله: ((وما يُحرِّمُ)) بالتشديد، هو معطوف على شيء محذوف، كأنَّه سأل عن شيء قبل
هذا وعن هذا، والواو استئنافيَّة، وسَقَطَت من رواية الأَصِيليّ وكريمة، ولمَّا لم يكن في
قول ◌ُمیدٍ: ((سأل میمون أنسا)) التصریحُ بگَوْنه حَضَرَ ذلك، عَقَّبه بطریق یحیی بن أيوب
التي فيها تصريح حُميدٍ بأنَّ أنساً حدَّثهم، لئلا يُظَنَّ أنَّه دَلَّسَه، ولتصريحِه أيضاً بالرفع، وإنْ
كان للأُخرى حُكْمه. وقد رُوينا طريقَ يحيى بن أيوب موصولة في ((الإيمان)) لمحمد بن
نَصْر ولابن مَندَهْ وغيرهما من طريق ابن أبي مريم المذكور(١).
وأعَلَّ الإسماعيلي طريق حُميدٍ المذكورة فقال: الحديث حديث ميمون، وحميدٌ إنَّما سمعه
منه، واستدلَّ على ذلك برواية معاذ بن معاذ، عن حُميد، عن ميمون قال: سألت أنساً،
(١) هو في ((الإيمان)) لابن منده (١٩١) لكن من طريق عمر بن الربيع بن سليمان عن يحيى بن أيوب، وهو
عند محمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) أيضاً برقم (١٠) عن محمد بن يحيى ابن أبي مريم: واسمه
سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري.

٢٨٢
باب ٢٩ / ح ٣٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
٤٩٨/١ قال:/ وحديث يحيى بن أيوب لا يُحتَجّ به - يعني: في التصريح بالتحديث - قال: لأنَّ عادة
المِصْریّین والشامیین ذِكْر الخبر فیما یروونه.
قلت: هذا التعليل مردود، ولو فُتِحَ هذا الباب، لم يُوثَق برواية مُدِّسٍ أصلاً ولو صَرَّحَ
بالسَّماع، والعملُ على خلافه. ورواية معاذ لا دليل فيها على أنَّ مُميداً لم يسمعه من أنس،
لأنَّه لا مانع أنْ يسمعه من أنس ثمَّ يَستَئِت فيه من میمون ۔ لعِلْمِه بأنّه كان السائل عن
ذلك - فكان حقيقاً بضبطِه، فكان حميدٌ تارة يُحدِّث به عن أنس لأجل العُلوّ، وتارة عن
ميمون لكَوْنه ثَبَّته فيه، وقد جَرَت عادة حُميدٍ بهذا يقول: ((حدَّثني أنس وثبَّتني فيه ثابتٌ))
و کذا وقع لغیر حمید.
٢٩ - باب قِبْلة أهل المدينة وأهل الشَّام والمشرِق
ليسَ في المشرِق ولا في المغرِبِ قِبْلةٌ، لقولِ النبيِّ ◌َّهِ: ((لا تَستَقِلُوا القِيْلَةَ بغائطٍ أو بَوْلٍ،
ولكنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا)).
٣٩٤- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن عطاءِ بنِ
يزيدَ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ: أنَّ النبيَّ وَّه قال: إذا أَتَيْتُمُ الغائطَ فلا تَستَقِلُوا القِبْلةَ ولا
تَسْتَذْبِرُوها، ولكنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا)). قال أبو أيوبَ: فقَدِمْنا الشَّامَ فوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ
قِبَلَ القِبْلة، فتَنْحَرِفُ، ونَستَغْفِرُ الله تعالى.
وعن الزُّهْريّ، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ أبا أيوبَ، عن النبيِّ وَّ ... مِثْلَه.
قوله: ((باب قِبْلة أهل المدينة وأهل الشّام والمشرِق)) نقل عِيَاض أنَّ رواية الأكثر ضمّ
قاف ((المشرق)) فيكون معطوفاً على ((باب))، ويحتاج إلى تقدير محذوف، والذي في روايتنا
بالخَفْض، ووَجَّهَ السُّهَيليّ رواية الضمّ بأنَّ الحامل على ذلك كَوْن حُكْم المشرق في القِبْلة
مخالفاً لحُكْم المدينة، بخلاف الشام فإنَّه موافق. وأجابَ ابن رُشَید بأنَّ المراد بیان حُكْم
القِبْلة من حيثُ هو، سواء توافقت البلاد أم اختلفت.
قوله: ((ليس في المشرق ولا في المغرب قِبْلة)) هذه جملة مُسْتَأنَفة من تَفَقُّهِ المصنِّف، وقد

٢٨٣
باب ٢٩ / ح ٣٩٤
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
نُوزِعَ في ذلك، لأنَّه يحمل الأمر في قوله: ((شَرِّقوا أو غَرِّبوا)) على عمومه، وإنَّما هو
مخصوص بالمخاطَبِين وهم أهل المدينة، ويَلْحق بهم مَن كان على مثل سَمْتهم ممَّن إذا
استَقبَلَ المشرق أو المغرب لم يَستَقِل القِبْلة ولم يَستَدبِرها، أمَّا مَن كان في المشرِق فِقِبْلته في
جهة المغرب وكذلك عكسُه، وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاري، فيَتعيَّن تأويلُ
كلامه بأنْ يكون مراده: ليس في المشرق ولا في المغرب قِبْلة، أي: لأهل المدينة والشام،
ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في تخصيصه المدينة والشام بالذِّكر.
وقال ابن بَطَّل: لم يَذْكُر البخاري مَغْرِب الأرض اكتفاءً بذِكْر المشرق، إذ العِلّة
مُشترَكة، ولأنَّ المشرق أكثر الأرض المعمورة، ولأنَّ بلاد الإسلام في جهة مَغرِب الشمس
قليلٌ، انتهى.
قوله: ((وعن الزُّهْريّ) يعني: بالإسناد المذكور، والمراد أنَّ سفيان حدَّث به عليّاً مَرَّتَين:
مَّ صَرَّحَ بتحديث الزُّهْرِيِّ له وفيه عَنعَنهُ عطاء، ومرَّة أتى بالعَنعَنة عن الزُّهْرِيِّ
وبتصريح عطاء بالسَّماع. وادَّعَى بعضهم أنَّ الرواية الثانية مُعلَّقة، وليس كذلك على ما
قرّرتُه.
وقال الكِرْمانيُّ: قال في الأوَّل: عن أبي أيوب أنَّ النبيَّ ◌ََّ، وفي الثاني: سمعت أبا
أيوب عن النبيّ وَّيهِ، فكان الثاني أقوى، لأنَّ السَّماع أقوى من العَنعَنة، والعَنعَنة أقوى من
((أنّ))، لكن فيه ضعف من جهة التعليق حيثُ قال: وعن الزُّهْريّ انتهى.
وفي دَعْواه ضعفَ ((أنّ) بالنّسبة إلى ((عن)) نظرٌ، فكأنَّه قَلَّدَ في ذلك نقلَ ابن الصلاح
عن أحمد ويعقوب بن شَيْبة، وقد بيَّن شيخُنا في شرح منظومته(١) وَهْمَ / ابن الصلاح في ٤٩٩/١
ذلك وأنَّ حُكْمهما واحد، إلَّا أنَّه يُستَئِنَى من التعبير بـ((أنَّ) ما إذا أضافَ إليها قِصّة ما
أدرَكَها الراوي، وأمَّا جَزْمه بكَوْن السَّنَد الثاني مُعلَّقاً، فهو بحَسَب الظاهر، وإلا فحملُه
(١) يريد بشيخه هنا الإمام الحافظ أبا الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ٨٠٦ هـ عن
إحدى وثمانين سنة. وبيانه هذا في ((التبصرة والتذكرة)) ١/ ١٧٠-١٧٢.

٢٨٤
باب ٣٠ / ح ٣٩٥ -٣٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
على ما قبله مُمكِن، وقد رُويناها في ((مسند إسحاق بن راهويه)) قال: حدَّثنا سفيان؛ فذكر
مثل سياقها سواءً، فعلى هذا فلا ضعف فيه أصلاً، والله أعلم.
وقد تقدَّمت فوائد المتن في أوائل كتاب الطَّهارة (١٤٤).
٣٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]
٣٩٥- حذَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ دِينارٍ، قال: سَألْنا ابنَ
عمرَ عن رجلٍ طافَ بالبيتِ للعُمْرةَ، ولم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَرْوة، أيَأْتِي امرأتَه؟ فقال: قَدِمَ
النبيُّ نَ ◌ّهِ فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصَلَّ خَلْفَ المَقَامِ رَكْعتَين، وطافَ بينَ الصَّفا والمَرْوة، وقد
كانَ لَكُم في رسولِ الله أُسوةٌ حَسَنَةٌ.
[أطرافه في: ١٦٢٣، ١٦٢٧، ١٦٤٥، ١٦٤٧، ١٧٩٣]
٣٩٦- وسَألْنا جابرَ بنَ عبدِ الله، فقال: لا يَقْرَبَنَّها حتَّى يَطُوفَ بينَ الصَّفا والمَرْوة.
[أطرافه في: ١٦٢٤، ١٦٤٦، ١٧٩٤]
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِنْ مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلُّ﴾) وقع في روايتنا: ﴿وَأَتَّخِذُواْ﴾
بكسر الخاء على الأمر وهي إحدى القراءتين، والأُخرى بالفتح على الخبر(١)، والأمر دالٌّ على
الوجوب، لكن انعَقَدَ الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكَعْبة، فدَلَّ على عَدَم
التخصيص، وهذا بناء على أنَّ المراد بمقام إبراهيم: الحَجَر الذي فيه أثر قَدَمَيه، وهو موجود
إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم: الحرم كلّه، والأوَّل اصحّ، وقد ثبت دلیله عند
مسلم (١٢١٨) من حديث جابر، وسيأتي عند المصنّف أيضاً(٢).
قوله: ﴿مُصَلّ﴾ أي: قِبْلة، قاله الحسن البصريّ وغيره، وبه يَتِمُّ الاستدلال، وقال
مجاهد: أي مَدْعَى يُدعَى عنده. ولا يَصِحّ حمله على مكان الصلاة، لأنَّه لا يُصلَّى فيه بل
عنده، ويترجَّح قول الحسن بأنَّه جارٍ على المعنى الشَّرْعيّ، واستدلَّ المصنَّف على عَدَم
(١) أي: ((واتَّخَذُوا»، وهي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر كتاب ((السبعة)) لابن مجاهد ص ١٧٠.
(٢) كأنه يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الآتي برقم (٤٠٢)، والله أعلم.

٢٨٥
باب ٣٠ / ح ٣٩٧
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
التخصيص أيضاً بصلاته وَّ﴿ داخل الكَعْبة، فلو تَعيَّن استقبال المقام لمَا صَحَّت هناك،
لأنَّه كان حينئذٍ غير مُستَقبِله، وهذا هو السِّرُّ في إيراد حديث ابن عمر عن بلال في هذا
الباب (٣٩٧).
وقد روى الأزرقيّ في «أخبار مَّة)) (٣٣/٢ -٣٥) بأسانيدَ صحيحةٍ: أنَّ المقام كان في
عَهْد النبيّ ◌َّهِ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتَّى جاء سيلٌ في خلافة عمر
فاحتمله حتَّى وُجِدَ بأسفل مكَّة، فأُتيَ به فُرُبِطَ إلى أستار الكَعْبةِ حتَّى قَدِمَ عمر فاستَثَبَتَ في
أمره حتَّى تَحقَّقَ موضعَه الأوَّل فأعادَه إليه وبنى حوله، فاستَقَرَّ ثَمَّ إلى الآن.
قوله: ((طافَ بالبيتِ للعُمْرة)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والحَمُّوِيّ: ((طافَ بالبيت لعُمْرة))
بحذف اللام من قوله: ((للعُمْرة)) ولا بدَّ من تقديرها ليَصِحّ الكلام.
قوله: ((أيأتي امرأته)) أي: هل حَلَّ من إحرامه حتَّى يجوز له الجماع وغيره من مُحرَّمات
الإحرام؟ وخَصَّ إتيان المرأة بالذِّكر، لأنَّه أعظمُ المحرَّمات في الإحرام، وأجابهم ابن عمر
بالإشارة إلى وجوب اتِّباع النبيّ وَ ◌ّهَ لا سيَّما في أمر المناسك، لقوله وَّ: ((خُذوا عنِّي
مَناسككم)) (١)، وأجابهم جابر بصريح النهي، وعليه أكثر الفقهاء، وخالفَ فيه ابنُ عبَّاس
فأجازَ للمُعتمِرِ التحلَّل بعد الطَّواف وقبل السَّعْي، وسيأتي بسطُ ذلك في موضعه من
كتاب الحج (١٦٢٣/ ١٦٢٤) إن شاء الله تعالى.
والمناسب للترجمة من هذا الحديث قوله: ((وصلَّ خلفَ المَقام رَكْعتَين))،/ وقد يُشعِر ا/ .. ٥
بحمل الأمر في قوله: ﴿وَأَّخِذُواْ﴾ على تخصيص ذلك برَكْعتَي الطَّواف، وقد ذهب جماعة
إلى وجوب ذلك خَلْف المقام كما سيأتي في مكانه في الحج (١٦٢٧) إن شاء الله تعالی.
٣٩٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سَيفٍ قال: سمعتُ مُجاهداً، قال: أُنِيَ ابنُ
عمرَ، فِقِيلَ له: هذا رسولُ الله ◌ِّهِ دَخَلَ الكَعْبةَ، فقال ابنُ عمَرَ: فأقبلتُ والنبيُّ وٍَّ قد خَرَجَ
وأَجِدُ بلالاً قائماً بينَ البابَينِ فسألتُ بلالاً، فقلتُ: أَصَلَّى النبيُّ وَّ فِي الكَعْبة؟ قال: نَعَم، رَكْعتَينِ
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر.

٢٨٦
باب ٣٠ / ح ٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
بينَ السارِيتَينِ اللَّتَينِ على يَسارِكَ(١) إذا دَخَلْتَ، ثمَّ خَرَجَ فصَلَّى في وَجْه الكَعْبةِ رَكْعتَين.
[أطرافه في: ٤٦٨، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦، ١١٦٧، ١٥٩٨، ١٥٩٩، ٢٩٨٨، ٤٤٠٠،٤٢٨٩]
قوله: ((عن سیف)) هو ابن سليمان أو ابن أبي سليمان المکِّيُّ.
قوله: ((أُتِيَ ابن عمر)) لم أقِفْ على اسم الذي أخبَرَه بذلك.
قوله: ((وَأَجِد)) بعد قوله: ((فأقبلت)) وكان المناسب للسِّياق أنْ يقول: ووجدتُ، وكأنَّه
عَدَلَ عن الماضي إلى المضارع استحضاراً لتلك الصورة حتَّى كأنَّ المخاطَب يشاهدها.
قوله: ((قائماً بين البابَين)) أي: المِصْراعين، وحمله الكِرْمانيُّ تجويزاً على حقيقة التثنية
وقال: أراد بالباب الثانيَ الذي لم تفتحه قُرَيش حين بَنَت الكَعْبة باعتبار ما كان، أو كان
إخبار الراوي بذلك بعد أنْ فَتَحَه ابن الزُّبَيرِ، وهذا يَلزَم منه أنْ يكون ابن عمر وَجَدَ بلالاً
في وَسَط الكَعْبة، وفيه بُعْدُ. وفي رواية الحَمُّوِيِّ: ((بين الناس)) بنونٍ وسين مُهمَلة، وهي
أوضح.
قوله: ((قال: نَعَم، رَكْعَتَين)) أي: صلَّى رَكْعتَين، وقد استَشكَل الإسماعيلي وغيره هذا،
مع أنَّ المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه أنَّه قال: ((ونسيت أنْ أسأله كم
صلَّى))(٢)، قال: فدَلَّ على أنَّه أخبَرَه بالكيفيَّة وهي تعيين الموقِف في الكَعْبة، ولم يُحْبِرِهِ
بالگمّيّة، ونسي هو أنْ يسأله عنها.
والجواب عن ذلك أنْ يقال: يحتمل أنَّ ابن عمر اعتَمَدَ في قوله في هذه الرواية:
(رَكْعتَينِ)) على القَدْر المتحقّق له، وذلك أنَّ بلالاً أثبتَ له أنَّه صلَّى ولم يَنقُل أنَّ النبيَّ لَهـ
تَنَفَّلَ في النَّهار بأقلّ من رَكْعَتَين، فكانت الرَّكْعَتان مُتحقِّقاً وقوعُهما لما عُرِفَ بالاستقراء
من عادته، فعلى هذا فقوله: (رَكْعتَين)) من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال. وقد وجدتُ
(١) هكذا في رواية أبي ذر الهروي عن الكشميهني، وهي أنسبُ كما قال القسطلّاني في «إرشاد السَّاري))
٤١٤/١، ولغيره: ((على يساره)) بالهاء، أي: يسار الداخل، أو يسار البيت، أو هو من الالتفات، قاله
القسطلاني.
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٤٦٨).

٢٨٧
باب ٣٠ / ح ٣٩٧
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
ما يؤيِّد هذا ويُستَفاد منه جمعٌ آخرُ بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شَبَّة في ((كتاب
مكَّة)) من طريق عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث:
فاستَقْبَلَني بلال فقلت: ما صنع رسولُ الله ◌َّ هاهنا؟ فأشار بيده، أي: صلَّى رَكْعتَينِ؛
بالسَّبّابة والوُسطَى(١)، فعلى هذا فيُحمَل قوله: ((نسيت أنْ أسأله كم صلَّى)) على أنَّه لم يسأله
لفظاً ولم يُحِيْه لفظاً، وإنَّما استفادَ منه صلاة الرَّكْعتَين بإشارتِهِ لا بنُطْقِهِ.
وأمَّا قوله في الرواية الأُخرى: ((ونسيت أنْ أسأله: كم صلَّى)) فيُحمَل على أنَّ مراده أنَّه
لم يَتَحقَّق: هل زاد على رَكْعتَينِ أو لا.
وأمَّا قول بعض المتأخّرين: يُجمَع بين الحديثين بأنَّ ابن عمر نسيَ أنْ يسأل بلالاً ثمَّ لَقِيَه
مرَّة ◌ُخری فسأله، ففيه نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الذي يظهر أنَّ القِصَّة - وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكَعْبة - لم
تَتَعَدَّد، لأَنَّه أتى في السؤال بالفاء المعقِّبة في الروايتين معاً، فقال في هذه: ((فأقبلتُ)) ثمَّ قال:
((فسألت بلالاً))، وقال في الأُخرى: ((فِبَدَرْت فسألت بلالاً))، فدَلَّ على أنَّ السؤال عن ذلك
كان واحداً في وقت واحد.
ثانيهما: أنَّ راوي قول ابن عمر: ((ونسيتُ)) هو نافع مَوْلاه، ويَبعُد مع طول مُلازَمَته له
إلى وقت موته أنْ يَستمِرّ على حكاية النِّسْيان ولا يَتعرَّض لحكاية الذِّكر أصلاً، والله أعلم.
تنبيه: وأمَّا ما نقله عِيَاض أنَّ قوله: ((رَكْعَتَين)) غلط من يحيى بن سعيد القَطَّان، لأنَّ ابن
عمر قد قال: ((نسيت أنْ أسأله/ كم صلَّى)) قال: وإنَّما دخل الوَهْم عليه من ذِكْر الرَّكْعتَينِ ٥٠١١
بعدُ، فهو كلام مردود، والمغَلِّط هو الغالطُ، فإنَّه ذكر الرَّكْعتينِ قبلُ وبعدُ فلم يَهِمْ من
موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتَّى يُغلَّط، فقد تابَعَه أبو نُعَیم عند
البخاري (١١٦٧) والنَّسائيِّ (٢٩٠٨)، وأبو عاصم عند ابن خُزَيمةَ (٣٠١٦)، وعمر بن
(١) كذا عزاه الحافظ ابن حجر إلى عمر بن شبّة فقط، وهو في ((مسند أحمد)) من هذا الطريق برقم (٢٣٩٢١)،
وإسناده قوي.

٢٨٨
باب ٣٠ / ح ٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
عليّ عند الإسماعيليّ، وعبد الله بن نُمَير عند أحمد (٢٣٩٠٧)، كلّهم عن سيف، ولم ينفرد به
سيف أيضاً فقد تابَعَه عليه خُصَيف عن مجاهد عند أحمد (٢٣٩٠٥)، ولم ينفرد به مجاهد عن
ابن عمر فقد تابَعَه عليه ابن أبي مُلَيكة عند أحمد (٢٣٨٩٩) والنَّسائيِّ (٢٩٠٧)، وعَمْرو بن
دينار عند أحمد (٢٣٩٠٦) أيضاً باختصار، ومن حديث عثمان بن طَلْحة(١) عند أحمد
(١٥٣٨٧)، والطبراني (٨٣٩٨) بإسنادٍ قويّ(٢)، ومن حديث أبي هريرة عند البَزَّار
(٨٠٣٤)، ومن حديث عبد الرحمن بن صَفْوان قال: فلمَّا خرج سألتُ مَن كان معه
فقالوا: صلَّى رَكْعتَينِ عند السارية الوُسطَى، أخرجه الطَّرانيُّ بإسنادٍ صحيح(٣)، ومن
حديث شَيْبة بن عثمان قال: لقد صلَّ رَكْعتَينِ عند العمودَين، أخرجه الطَّبرانيُّ (٧١٩٠)
بإسنادٍ جيِّد(٤)، فالعَجَب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحِفْظ بقول مَن خَفِيَ عليه
وجهُ الجمع بين الحديثين فقال بغير عِلْم، ولو سَكَتَ لسَلِمَ، والله الموفِّق.
قوله: ((في وجه الكَعْبة)) أي: مواجهَ باب الكَعْبة، قال الكِرْمانيُّ: الظاهر من الترجمة أنَّه
مقام إبراهيم - أي: أنَّه كان عند الباب - قلت: قدَّمنا (٤٩٩) أنَّه خلاف المنقول عن أهل
العِلْم بذلك، وقدَّمنا أيضاً مناسبة الحديث للترجمة من غير هذه الحيثيّة، وهي أنَّ استقبال
المقام غير واجب، ونُقِلَ عن ابن عبَّاس كما رواه الطَّبرانيُّ (٦٧٩/١٨) وغيره أنَّه قال: ما
أُحِبّ أنْ أُصلِّيَ في الكَعْبة، مَن صلَّى فيها فقد ترك شيئاً منها خَلْفه، وهذا هو السِّ أيضاً في
إيراد حديث ابن عبّاس في هذا الباب.
(١) في (أ) و(س): عثمان بن أبي طلحة، وكأنه نُسب إلي جدِّه، فهو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري.
(٢) وفيه شبهة انقطاع على ما هو مبيَّن في التعليق على ((مسند أحمد)) (١٥٣٨٧).
(٣) عزاه في ((المجمع)) ٣/ ٢٩٥ للبزار فقط، وهو فیه برقم (١١٦٣ - كشف الأستار)، وفیه یزید بن أبي زياد
:
وهو ضعيف، ومن طريقه أيضاً أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧٨١)، وهو بنحوه عند
أحمد في «المسند» (١٥٥٥٣)، وأبي داود (٢٠٢٦)، لكن دون ذكر السارية الوسطى، وفیه یزید بن أبي
زياد أيضاً.
(٤) وأخرجه أيضاً أبونعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٧٠٣)، وفي إسناد الحديث عندهما عبد الله بن مسلم بن
هرمز، وهو ضعيف، فتجويد الحافظ لإسناده ليس بجيد، لكنه يدخل في المقبول بجملة شواهده.

٢٨٩
باب ٣٠ / ح ٣٩٨
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
٣٩٨- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ،
قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس قال: لمَّا دَخَلَ النبيُّ نَّهِ البيتَ دَعَا فِي نَواحِيه كُلِّها ولم يُصلِّ حتَّى
خَرَجَ منه، فلمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَينِ في قُبُلِ الكَعْبةِ، وقال: ((هُذِهِ القِبْلةُ)).
[أطرافه في: ١٦٠١، ٣٣٥١، ٣٣٥٢، ٤٢٨٨]
قوله: ((إسحاق بن نَصْر)) كذا وقع منسوباً في جميع الروايات التي وقفتُ عليها، وبذلك جَزَمَ
الإسماعيلي وأبو نُعَيم وابن مسعود وغيرهم، وذكر أبو العبّاس الطَّرُقيّ في ((الأطراف)) له أنَّ
البخاري أخرجه عن إسحاق غير منسوب، وأخرجه الإسماعيلي وأبو نُعَيم في («مُستخرَجَيهما)»
من طريق إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق شيخ إسحاق بن نَصْر فیه بإسناده هذا فجعله من
رواية ابن عبّاس عن أسامة بن زيد، وكذلك رواه مسلم (١٣٣٠) من طريق محمد بن بكر عن
ابن جُرَيجٍ، وهو الأرجَح، وسيأتي وجه التوفيق بين رواية بلال المُثبتة لصلاته بَّه في الكَعْبة،
وبين هذه الرواية النافية في كتاب الحج (١٦٠١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((في قُبُل الكَعْبة)) بضمِّ القاف والموخَّدة وقد تُسَكَّنُ، أي: مُقابلها، أو ما استقبَلَك
منها وهو وجهها، وهذا موافق لرواية ابن عمر السالفة (٣٩٧).
قوله: ((هذه القِبْلة)) الإشارة إلى الكَعْبة، قيل: المراد بذلك تقرير حُكْم الانتقال عن بيت
المقدِس، وقيل: المراد أنَّ حُكْم مَن شاهَدَ البيت وجوبُ مُواجَهة عينه جَزْماً بخلاف
الغائب، وقيل: المراد أنَّ الذي أُمِرْتُم باستقباله ليس هو الحَرَم كلَّه ولا مكَّة ولا المسجد
الذي حَوْل الكَعْبة، بل الكَعْبة نفسها، أو الإشارة إلى وجه الكَعْبة، أي: هذا موقف الإمام،
ويؤيِّده ما رواه البَزَّار من حديث عبد الله بن حُبْشِيِّ الحَفْعَميّ قال: رأيت رسول الله وَّه
يصلِّي إلى باب الكَعْبة وهو يقول: ((أيّها الناس، إنَّ الباب قِبْلة/ البيت))(١) وهو محمول على ٥٠٢/١
النَّذْب لقيام الإجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته، والله أعلم.
(١) وعزاه الحافظ أيضاً في كتابه ((التلخيص الحبير)) ٢١٣/١ إلى البزار، وقال: إسناده ضعيف. لكن لم نقف
علیه في «مسند البزار» ولا في زوائده! والحديث أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة)) ٦٥/٢ بسندٍ واه
عن عبد الله بن حُبْشي، فلا يصلح أن يُحتجَّ به لشيءٍ.

٢٩٠
باب ٣١ / ح ٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣١- باب التوجُّه نحوَ القِبْلة حیثُ کان
وقال أبو هُرَيرةَ: قال النبيُّ وَّةِ: ((استَقبِلِ القِبْلَةَ وكَبٍِّ)).
٣٩٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجَاء، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَرَاءِ بنِ
عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ رسولُ اللهِوَّهِ صَلَّى نحوَ بيتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةً
عَشَرَ شهراً، وكانَ رسولُ اللهِ وَّهَ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبة، فأنزَّلَ الله: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَوَجَّهَ نحوَ الكَعْبة، وقال السُّفَهاءُ مِن الناسِ، وهم اليهودُ:
﴿وَمَا وَلَّهُمْ عَنْ قِلَنِهِمُ الَّى كَانُواْ عَلَيْهَاً قُل لِلَّهِ اَلْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: ١٤٢]، فصَلَّى معَ النبيِّ وَ﴿ رجالٌ، ثمَّ خَرَجَ بعدَما صَلَّى فمَّ على قَوْمِ مِن
الأنصارِ في صلاةِ العَصْرِ نحوَ بيتِ المَقْدِس، فقال: هو يَشْهَدُ أَنَّه صَلَّى مِعَ رسولِ اللهِّهِ وأَنَّهِ
تَوَجَّهَ نحوَ الكَعْبة. فتَحَرَّفَ القَوْمُ حتَّى تَوَجَّهُوا نحوَ الكَعْبة.
قوله: ((باب التوجُّه نحو القِبْلة حيثُ كانَ)) أي: حيثُ وُجِدَ الشخصُ في سفر أو حَضَر،
والمراد بذلك في صلاة الفريضة كما يتبيَّن ذلك في الحديث الثاني في الباب، وهو حديث
جابر (٤٠٠).
قوله: ((وقال أبو هريرةَ)) هذا طرف من حديثه في قِصّة المسيء صلاته، وقد ساقه
المصنّف بهذا اللفظ في كتاب الاستئذان (٦٢٥١).
قوله: ((عن البراء)) تقدَّم في ((باب الصلاة من الإيمان)) من كتاب الإيمان (٤٠) بيان مَن
رواه عن أبي إسحاق مُصرِّحاً بتحديث البراء له.
قوله: ((وكانَ يُحِبّ أنْ يُوَجَّه إلى الكَعْبة)) جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطبريُّ وغيره من
طريق عليٍّ بن أبي طَلْحة عن ابن عبّاس قال: لمَّا هاجَرَ النبيّ وَّل إلى المدينة واليهود أكثر
أهلها يَستَقِلون بيت المقدس، أمَرَه الله أنْ يَستَقبِل بيت المقدس، ففَرِحَت اليهود،
فاستقبَلها سبعة عشر شهراً، وكان رسولُ الله وَّه ◌ُحِبّ أنْ يَستقبِلَ قِبْلة إبراهيم، فكان يدعو
ويَنظُرُ إلى السماء، فنزلت. ومن طريق مجاهد قال: إنَّما كان يُحِبّ أنْ يَتحوَّل إلى الكَعْبة، لأنَّ

٢٩١
باب ٣١ / ح ٣٩٩
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويَتبَع قِبْلتنا، فنزلت.
وظاهر حديث ابن عبّاس هذا أنَّ استقبال بيت المقدس إنَّما وقع بعد الهِجْرة إلى المدينة،
لكن أخرج أحمد (٢٩٩١) من وجه آخر عن ابن عبّاس: «كان النبيّ ◌َّلا يصِي بمگَّة نحو بيت
المقدِس والكَعْبةُ بين يديه))، والجمع بينهما مُمكِنٌّ بأنْ يكون أُمِرَ وَّ لمَّا هاجَرَ أنْ يَستمِرَّ على
الصلاة لبيت المقدس، وأخرج الطََّرَيُّ (٥/٢) من طريق ابن جُرَيجٍ قال: صلَّى النبيُّ وَّ أَوَّل
ما صلَّى إلى الكَعْبة، ثمَّ صُرِفَ إلى بيت المقدس وهو بمكّة فصلَی ثلاث حِجَج، ثمَّ هاجَرَ
فصلَّى إليه بعد قُدومه المدينة ستَّة عشر شهراً، ثمَّ وَجَّهَه الله إلى الكَعْبة. فقوله في حديث ابن
عبَّاس الأوَّل: ((أمَرَه الله)) يردُّ قول مَن قال: إنَّه صلَّى إلى بيت المقدس باجتهاد. وقد أخرجه
الطبريُّ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلَمَ وهو ضعيف، وعن أبي العالية: أنَّه ◌َ له صلَّى إلى
بيت المقدس يتألَّف أهل الكتاب، وهذا لا ينفي أنْ يكون بتوقيف.
قوله: ((نحو بيت المَقْدِس)) أي: بالمدينة، وقد تقدَّم في ((باب الصلاة/ من الإيمان)) في ٥٠٣/١
كتاب الإيمان (٤٠) تحريرُ المدّة المذكورة وأنَّها ستَّة عشر شهراً وأيام.
قوله: ((يُوَجَّه)) بفتح الجيم، أي: يُؤْمَرُ بالتوجُّه.
قوله: ((فصَلَّى معَ النبيّ وَّهِ رجال)) كذا في رواية المُستَمْلي والحَمُّوِيّ، وفي رواية
غيرهما: ((رجل)) وهو المشهور، وقد تقدَّم في الإيمان: أنَّ اسمه عَبّاد بن بِشْر، وتحتاج رواية
المُستَمْلي إلى تقدير محذوف في قوله: ((ثمَّ خرج)) أي: بعض أولئك الرجال.
قوله: ((في صلاة العَصْر نحوَ بيت المَقْدِس)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((في صلاة العصر يُصلّون
نحو بیت المقدس»، وفيه إفصاحٌ بالمراد.
ووقع في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٧٣) من طريق نُوَيْلةٍ(١) بنت أسلَمَ: صلَّيت الظُّهر - أو
(١) تحرَّفت في (ع) إلى: بديلة، وتصحفت في (س) إلى: ثويلة، وفي ((التفسير)) إلى: تويلة، والصحيح كما أثبتنا:
نُوَيلة، بالنون مصغَّراً، هكذا هي في رواية إسحاق بن إدريس عن إبراهيم بن جعفر بن محمود، نصَّ على
ذلك الحافظ ابن حجر في ((الإصابة» (١١٨٢٦)، وهذه الرواية هي التي عند ابن أبي حاتم، وهي أيضاً
عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢٥/ (٨٢) في حرف النون، وإسحاق بن إدريس ضعيفٌ جدّاً، ويقال =

٢٩٢
باب ٣١ / ح ٤٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
العصر - في مسجد بني حارثة فاستقبَلْنا مسجد إيلياءَ فصَلَّينا سَجْدتَينِ - أي: رَكْعتَينِ - ثمَّ
جاءنا مَن يخْبِرُنا أنَّ النبيَّ وَّهقد استَقبَل البيتَ الحرام)).
واختلفت الرواية في الصلاة التي تحوَّلَت القِبْلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر
حديث البراء هذا أنَّها الظُّهر، وذكر محمد بن سعد في ((الطَّقات)) قال: يقال: إنَّه صلَّى
رَكْعَتَينِ من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِرَ أنْ يتوجَّه إلى المسجد الحرام، فاستَدارَ إليه
ودار معه المسلمون. ويقال: زارَ النبيّ وَ ﴿ أُمّ بِشْر بن البراء بن مَعْرُور في بني سَلِمَةَ
فصنعت له طعاماً وحانت الظُّهر فصلَّى رسولَ الله وَل﴿ بأصحابه رَكْعتَین، ثمَّ أُمِرَ فاستَدارَ
إلى الكَعْبة واستَقبَلَ المِيزاب، فسُمّيَ ((مسجد القِبْلتين))، قال ابن سعد: قال الواقديُّ: هذا
أثبتُ عندنا.
وأخرج ابن أبي داود بسندٍ ضعيفٍ عن عُمارة بن رُوَيبةً قال: كنا مع النبيّ ټګ في إحدى
صلاتَ العَشِيّ حين صُرِفَتِ القِبْلة، فدارَ ودُرْنا معه في رَكْعتَين، وأخرج البَزَّار (٦٥٣١) من
حديث أنس: انصَرَفَ رسول اللهِ وَل﴿ عن بيت المقدس وهو يصلِّ الظَّهر بوجهِه إلى
الكَعْبة، وللطَّبرانيّ نحوه من وجه آخر عن أنس، وفي كلٍّ منهما ضعفٌ.
قوله: ((فقال)) أي: الرجل («هو يَشهَدُ)) يعني بذلك نفسَه، وهو على سبيل التجريد،
ويحتمل أنْ يكون الراوي نقل كلامه بالمعنى، ويؤيِّده الرواية المتقدِّمة في الإيمان (٤٠)
بلفظ: ((أشهَدُ))، وقد تقدَّمت مباحثه هناك.
٤٠٠- حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كَثِير، عن محمَّدِ بنِ
عبد الرحمن، عن جابرٍ قال: كانَ رسولُ الله وَلِ يُصلِّي على راحِلَتِهِ حيثُ تَوجَّهَت، فإذا أرادَ
= لها أيضاً: تُوَيلة بمثنَّاة فوقانية كما قال الحافظ، وهي رواية إبراهيم بن حمزة عن إبراهيم بن جعفر،
وأخرجه من هذا الطريق ابنُ أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٤٦١)، والطبراني ٢٤ / (٥٣٠)،
وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٨٥٧)، وفيه من هذا الطريق أن الذي أخبرهم باستقبال المسجد
الحرام هو عباد بن بشر، وسنده حسن.
تنبيه: من قوله: ((ووقع فيه تفسير ابن أبي حاتم)) إلى قوله: ((وفي كل منهما ضعف)) ليس في نسخنا
الخطية.

٢٩٣
باب ٣١ / ح ٤٠١
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
الفَرِيضَةَ نزلَ فاستَقبَلَ القِبْلَةَ.
[أطرافه في: ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠]
قوله: ((حدثنا مُسلم)) زاد الأَصِيليُّ: بن إبراهيم ((قال: حدَّثنا هشامٌ)) زاد الأَصِيني: ((ابن
أبي عبد الله)) وهو الدَّستُوائيّ ((عن محمد بن عبد الرحمن)) أي: ابن ثَوْبان العامريّ المدني،
وليس له في ((الصحيح)) عن جابر غيرُ هذا الحديث، وفي طبقته محمد بن عبد الرحمن بن
نَوفَل، ولم يخرِّج له البخاريُّ عن جابر شيئاً.
قوله: ((حيث تَوجَّهَت)) زاد الكُشْمِيهَنيّ: ((به)). والحديث دالٌّ على عَدَم ترك استقبال
القِبْلة في الفريضة، وهو إجماع، لكن رُخِّصَ في شدة الخوف.
٤٠١ - حدّثنا عثمانُ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: قال
عبدُ الله: صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ - قال إبراهيمُ: لا أدري زادَ أَو نَقَصَ - فلمَّا سَلَّمَ قيلَ له: يا رسولَ الله،
أحدَثَ في الصلاةِ شيءٌ؟ قال: ((وما ذاكَ؟)) قالوا: صَلَّيتَ كَذا وكَذا، فَثَنَى رِجْليه واستَقبَلّ
القِبْلةَ، وسَجَدَ سَجْدتَينِ ثمَّ سَلَّمَ، فلمَّا أقبَلَ علينا بوَجْهِه قال: ((إنَّه لو حَدَثَ في الصلاة شيءٌ
لَنَّْتُكُم به، ولكنْ إَِّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ، فإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، / وإذا شَكَّ ٥.٤/١
أحدُكُم في صلاِهِ فَليَتَخَرَّ الصوابَ، فلْيُتِمَّ عليه ثمَّ ليُسلِّمْ، ثمَّ يَسجُدْ سَجْدتَين)).
[أطرافه في: ٤٠٤، ١٢٢٦، ٦٦٧١، ٧٢٤٩]
قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتَمِر، وإبراهيم: هو ابن يزيد النَّخَعِيُّ، وأخطَأْ مَن قال:
إنَّه غيره. وهذه الترجمة من أصحّ الأسانيد.
قوله: ((قال إبراهيمُ)) أي: الراوي المذكور ((لا أدري زادَ أو نَقَصَ)) أي: النبيُّ ◌َِّ، والمراد
أنَّ إبراهيم شكَّ في سبب سجود السَّهْو المذكور: هل كان لأجل الزيادة أو النُّقصان، لكن
سيأتي في الباب الذي بعده (٤٠٤) من رواية الحكم عن إبراهيم بإسناده هذا: أنَّه صلَّى
خمساً، وهو يقتضي الجَزْم بالزيادة، فلعلَّه شكَّ لمَّا حدَّث منصوراً، وتَيقَّنَ لمَّا حدَّث
الحَكم، وقد تابَعَ الحُكمَ على ذلك حمّادُ بن أبي سليمان وطَلْحة بن مُصرِّف وغيرهما، وعيَّن

٢٩٤
باب ٣٢ / ح ٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
في رواية الحكم أيضاً وحَمَّد أنَّها الظُّهر، ووقع للطَّراني (٩٨٣٦) من رواية طَلْحة بن
مُصرِّف عن إبراهيم: أنَّها العصر، وما في ((الصحيح)) أصُّ.
قوله: ((أَحَدَثَ)) بفَتَحات، ومعناه: السؤال عن حُدوث شيء من الوَحْي يُوجِب تغيير
حُكْم الصلاة عمَّا عَهِدوه، ودَلَّ استفهامهم عن ذلك على جواز النَّسْخِ عندهم، وأنَّهم كانوا
يَتوقَّعونَه.
قوله: ((قال: وما ذاكَ)) فيه إشعار بأنَّه لم يكن عنده شُعور ممّا وقع منه من الزيادة، وفيه
دليل على جواز وقوع السَّهْو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، قال ابن دَقِيق
العيد: وهو قول عامّة العلماء والتُّظار، وشَذَّت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبيّ السَّهْو،
وهذا الحديث يردُّ عليهم لقوله وَّر فيه: ((أنسى كما تَنْسَوْن)) ولقوله: ((فإذا نسيت
فذَكِّروني)) أي: بالتسبيح ونحوه، وفي قوله: «لو حَدَثَ شيء في الصلاة لَنبَآتُكم به» دليل
على عَدَم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ومناسبة الحديث للترجمة من قوله: ((فَثَنَى رِجْله - وللكُشْمِيهَنيّ والأَصِيلِيّ: رِجْليه،
بالتثنية - واستَقبَلَ القِبْلة)) فدَلَّ على عَدَم ترك الاستقبال في كلّ حال من أحوال الصلاة،
واستدلَّ به على رجوع الإمام إلى قول المأمومين، لكن يحتمل أنْ يكون تَذَكَّرَ عند ذلك أو أُعلِمَ
بالوَحْي، أو أنَّ سؤالهم أحدَثَ عنده شكّاً فسَجَدَ لوجودِ الشَّكّ الذي طَرَأ لا لمجرَّدِ قولهم.
قوله: ((فلْيتحرَّ الصوابَ)) بالحاء المهمَلة والراء المشدَّدة، أي: فليَقصِد، والمراد البناء على
اليقين كما سيأتي واضحاً مع بقيَّة مباحثه في أبواب السَّهْو (١٢٢٦) إن شاء الله تعالى.
٣٢ - باب ما جاء في القِبْلة
ومَن لا يرى الإعادةَ على من سَهَا فصلَّى إلى غير القِبْلة
وقد سَلَّمَ النبيُّ وَّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهر، وأقبَلَ على الناسِ بوَجْهِه ثمَّ أتمَّ ما بَقِيَ.
٤٠٢- حدَّثنا عَمرُو بنُ عَوْن، قال: حدَّثنا هُشَيمٌّ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ:
وافَقْتُ رَبِّ في ثلاثٍ فقلتُ: يا رسولَ الله، لو اََّذْنا من مَقام إبراهيمَ مُصلَّ؟ فنَزلَت: ﴿وَأَّخِذُواْ

٢٩٥
باب ٣٢ / ح ٤٠٢
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وآيةُ الحِجَاب، فقلتُ: يا رسولَ الله، لو أمرتَ نساءَكَ أنْ
يَحْتَجِبنَ فإِنَّه يُكَلِّمُهِنَّ الْبُّ والفاجِرُ، فَنَزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، واجتَمعَ نساءُ النبيِّ وَّ في الغَيْرة عليه،
فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبدِلَه أزواجاً خيراً مِنكُنَّ، فنزلَتْ هذه الآيةُ [التحريم: ٥].
وقال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثني مُميدٌ، قال: سمعتُ أنساً ... بهذا. ٥.٥/١
[أطرافه في: ٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦]
قوله: ((باب ما جاء في القِبْلة)) أي: غير ما تقدَّم «ومَن لم يَرَ الإعادةَ على مَن سَها فصَلَّى إلى
غير القِبْلة)) وأصل هذه المسألة في المجتهد في القِبْلة إذا تبيَّن خَطَؤُه، فروى ابن أبي شَيْبة
(٣٣٥/١-٣٣٦) عن سعيد بن المسيِّب وعطاء والشَّعْبي وغيرهم: أنَّهم قالوا: لا تجب
الإعادة، وهو قول الکوفیِّين.
وعن الزُّهْريِّ ومالك وغيرهما: تجب في الوقت لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تَيقَّنَ
الخطأَ مُطلَقاً. وفي التِّرمِذيّ (٣٤٥) من حديث عامر بن ربيعة ما يوافق قول الأوَّلِين، لكن
قال: لیس إسناده بذاك.
قوله: «وقد سَلَّمَ النبيُّ ◌َله ... )) إلى آخره، هو طرف من حديث أبي هريرة في قِصّة ذي
اليدين وهو موصول في ((الصحيحين))(١) من طرق، لكنَّ قوله: ((وأقبَلَ على الناس)) لیس
هو في (الصحيحين)) بهذا اللفظ موصولاً، لكنَّه في ((الموطَّأ)) (١/ ٩٤) من طريق أبي سفيان
مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة.
ووَهِمَ ابن التِّين تَبَعاً لابن بَطَّال حيثُ جَزَمَ بأنَّه طرف من حديث ابن مسعود الماضي،
لأنَّ حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنَّه سَلَّمَ من رَكْعتَين.
ومناسبة هذا التعليق للترجمة، من جهة أنَّ بناءَه على الصلاة دالٌّ على أنَّه في حال
استدباره القِبلةَ كان في حُكْم المصلِّي، ويُؤخَذ منه أنَّ مَن ترك الاستقبال ساهياً لا تَبطُل
صلاته.
(١) البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣).

٢٩٦
باب ٣٢ / ح ٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن أنس قال: قال عمر)) هو من رواية صحابيٍّ عن صحابيّ، لكنَّه صغيرٌ عن
کبیر.
قوله: ((وافَقْتُ رَبِّ في ثلاث)) أي: وقائعَ، والمعنى: وافقني رَبّ فأَنزَلَ القرآن على وَفْق ما
رأيت، لكن لرعاية الأدب أسنَدَ الموافقةَ إلى نفسه، أو أشار به إلى حُدوث رَأْيه وقِدَم
الحُكْم، وليس في تخصيصه العدد بالثلاثِ ما ينفي الزيادةَ عليها، لأنَّه حصلت له الموافقة
في أشياءَ غير هذه، من مشهورها قِصّة أُسارى بدر، وقِصّة الصلاة على المنافقين، وهما في
((الصحيح))(١)، وصحَّح التِّرمِذيّ (٣٦٨٢) من حديث ابن عمر أنَّه قال: ما نزل بالناسِ
أمرٌ قَطُّ فقالوا فيه وقال فيه عمرُ، إلَّا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمرُ، وهذا دالٌّ على
كَثْرة موافقته، وأكثر ما وَقَفْنا منها بالتعيين على خمسة عشر، لكن ذلك بحَسَب المنقول،
وقد تقدَّم الكلام على مقام إبراهيم (٣٩٦)، وسيأتي الكلام على مسألة الحجاب في تفسير
سورة الأحزاب (٤٧٩٥)، وعلى مسألة التخيير في تفسير سورة التحريم (٤٩١٦).
وقوله في هذه الرواية: ((واجتَمع نساءُ النبيّ وَّه في الغَيْرة عليه فقلت لهنّ: عسى
ربُّه ... )) إلى آخره، وذكر فيه من وجه آخر عن حُميدٍ في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٣) زيادة
يأتي التنبيه عليها في باب عِشْرة النساء في أواخر النكاح(٢).
وقال بعضهم: كان اللّائق إيراد هذا الحديث في الباب الماضي(٣)، وهو قوله: ﴿وَأَتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلَى﴾. والجواب: أنَّه عَدَلَ عنه إلى حديث ابن عمر للتنصيصٍ فيه على
وقوع ذلك من فعل النبيّ ◌َلڼ، بخلاف حديث عمر هذا فليس فيه التصريح بذلك.
وأمَّا مناسبته للترجمة، فأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ المراد من الترجمة ما جاء في القِبْلة وما
يتعلَّق بها، فأمَّا على قول مَن فسَّر مقامَ إبراهيم بالكَعْبة فظاهر، أو بالْحَرَم كلّه فـ((مِن)) في
(١) حديث قصة أسارى بدر أخرجه مسلم (٢٣٩٩) من حديث ابن عمر، وقصة الصلاة على المنافقين
ستأتي عند المصنف برقم (٤٦٧٠).
(٢) في الباب رقم (٣٠).
(٢) في شرح الحديث رقم (٥١٩١).

٢٩٧
باب ٣٢ / ح ٤٠٣
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
قوله: ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ﴾ للتبعيض، و﴿مُصَلّ﴾ أي: قِبْلة، أو بالحَجَرِ الذي وَقَفَ عليه
إبراهيم، وهو الأظهر، فيكون تَعلُّقه بالمتعلِّقِ بالقِبْلة لا بنفس القِبلة.
وقال ابن رُشَيد: الذي يظهر لي أنَّ تَعلُّق الحديث بالترجمة الإشارةُ إلى موضع الاجتهاد
في القِبْلة، لأنَّ عمر اجتَهَدَ في أن اختار أنْ يكون المصلَّى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه
الكَعْبة، فاختار إحدى جهات القِبلة بالاجتهاد، وحصلت موافقته على ذلك، فدَلَّ على
تصويب اجتهاد المجتهد إذا بَذَلَ وُسْعَه، ولا يخفى ما فيه.
قوله: ((وقال ابن أبي مريم)) في رواية كريمة: ((حدَّثنا ابن أبي مريم))، وفائدة إيراد هذا
الإسناد ما فيه من التصريح بسماع محُميدٍ من أنس، فأُمنَ من تدليسه.
وقوله: ((بهذا)) أي: إسناداً ومتناً، فهو من رواية أنس عن عمر، لا من رواية أنس / عن ٥٠٦/١
النبيّ ◌َلچر.
وفائدة التعليق المذكور تصريح حُميدٍ بسماعه له من أنس، وقد تعقّبه بعضهم بأنَّ يحيى
ابن أيوب لم يَحْتَجَّ به البخاري وإِنْ خَرَّجَ له في المتابعات.
وأقول: وهذا من جملة المتابعات، ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح المذكور، فقد
أخرجه الإسماعيلي من رواية يوسف القاضي، عن أبي الرَّبيع الَّهْرانيّ، عن هُشَيم، أخبَرَنا
◌ُميد، حدَّثنا أنس، والله أعلم.
٤٠٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن عبد الله بنِ دِینار، عن
عبدِ الله بنِ عمَرَ، قال: بَيْنا الناسُ بقُباءٍ في صلاة الصُّبْحِ إذْ جاءَهم آتٍ فقال: إنَّ رسولَ الله
وَّه قد أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أنْ يَستَقْبِلَ الكَعْبةَ فاستَقبَلُوها. وكانت وُجُوهُهم إلى
الشَّامِ فاستَدارُوا إلى الكَعْبة.
[أطرافه في: ٤٤٨٨، ٤٤٩٠، ٤٤٩١، ٤٤٩٣، ٧٢٥١،٤٤٩٤]
قوله: ((بَيْنا الناس بقُباءٍ)) بالمدِّ والصَّرْف وهو الأشهر، ويجوز فيه القَصْر وعَدَم الصَّرْف،
وهو يُذكَّر ويُؤْنَّث: موضعٌ معروفٌ ظاهر المدينة، والمراد هنا: مسجد أهل قُباء، ففيه مجاز

٢٩٨
باب ٣٢ / ح ٤٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحذف، واللام في الناس للعَهْدِ الذِّهْنيّ، والمراد: أهل قُباء ومَن حَضَرَ معهم.
قوله: ((في صلاة الصُّبْح)) ولمسلم (٥٢٦): ((في صلاة الغداة)) وهو أحد أسمائها، وقد نقل
بعضهم كراهية تسميتها بذلك. وهذا فيه مُغايِرَةٌ لحديث البراء المتقدِّم (٣٩٩) فإنَّ فيه أنَّهم
كانوا في صلاة العصر، والجواب: أنْ لا منافاةَ بين الخبرَين، لأنَّ الخبر وَصَلَ وقت العصر
إلى مَن هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عَبّاد
ابن بِشْر أو ابن تَبِيك كما تقدَّم، ووَصَلَ الخبر وقت الصُّبْح إلى مَن هو خارجَ المدينة وهم
بنو عَمْرو بن عَوْف أهلُ قُباء وذلك في حديث ابن عمر، ولم يُسمَّ الآتي بذلك إليهم، وإنْ
كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنَّه عَبّاد بن بِشْر، ففيه نظر (١)، لأنَّ ذلك إنَّما وَرَدَ في حقّ بني
حارثة في صلاة العصر، فإنْ كان ما نقلوا محفوظاً فيحتمل أنْ يكون عَبّاد أتى بني حارثة
أوَّلاً في وقت العصر، ثمَّ تَوَجَّهَ إلى أهل قُباء فأعلمهم بذلك في وقت الصُّبْح.
ومما يدلّ على تعدُّدهما أنَّ مسلماً روى من حديث أنس (٥٢٧): أنَّ رجلاً من بني سَلِمةً
مَرَّ وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمةً
غير بني حارثة.
قوله: «قد أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قرآنٌ» فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي
تَلِيه عَجازاً، والتنكير في قوله: ((قرآن)) لإرادة البعضيَّة، والمراد قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ الآيات [البقرة: ١٤٤].
قوله: ((وقد أُمِرَ)) فيه أنَّ مَن يُؤْمَر به النبيُّ وَّهِ يَلزَم أُمْتَه، وأنَّ أفعاله يُتَأْسَّى بها كأقواله
حتَّى يقوم دليل الخصوص.
قوله: ((فاستَقبَلُوها)) بفتح الموحَّدة للأكثر، أي: فتحوَّلوا إلى جهة الكَعْبة، وفاعل
((استَقبَلوها)) المخاطَبون بذلك وهم أهل قُباء.
(١) لكن جاء ذلك بسندٍ حسنٍ في حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٤٦١)،
والطبراني ٢٤/ (٥٣٠).

٢٩٩
باب ٣٢ / ح ٤٠٣
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
وقوله: ((وكانَتْ وُجُوههم ... )) إلى آخره، تفسير من الراوي للتَّحَوُّل المذكور، ويحتمل
أنْ يكون فاعلَ ((اسْتَقبَلوها)) النبيُّ وٍَّ ومَن معه، وضمير ((وجوههم)) لهم أو لأهل قُباء
على الاحتمالَين. وفي رواية الأَصِيليّ: ((فاستَقبِلوها)) بكسر الموحَّدة بصيغة الأمر، ويأتي في
ضمير ((وجوههم)) الاحتمالان المذكوران، وعَوْده إلى أهل قُباء أظهر.
ویُرجِّحُ روایةَ الکسر أنَّه عند المصنّف في التفسير (٤٤٩٠) من رواية سليمان بن بلال عن
عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ: ((وقد أُمِرَ أنْ يَستَقبِل الكَعْبة، ألا فاستقبِلوها)) فدخول
حرف الاستفتاح يُشعِر بأنَّ الذي بعده أمرٌ لا أنَّه بقيَّةُ الخبر الذي قبله، والله أعلم.
ووقع بيانُ كيفيَّ التحوُّل في حديث نُوَيلة بنت أسلَمَ عند ابن أبي حاتم، وقد ذكرت
بعضه قريباً (١) وقالت فيه: «فتحوَّلَ النساءُ مكان الرجال، والرجالُ مكان النساء،/ فصَلَّينا /٥.٧
السجدتَينِ الباقيتَينِ إلى البيت الحرام)).
قلت: وتصويره أنَّ الإمام تحوَّلَ من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّر المسجد، لأنَّ مَن
استَقَبَلَ الكَعْبة استَدبَرَ بيت المقدس، وهو لو دارَ كما هو في مكانه لم يكن خَلْفه مكان یَسَع
الصُّفوف، ولمَّا تحوَّلَ الإمام تحوَّلَت الرجال حتَّى صاروا خَلْفه وتحوَّلَت النساء حتَّى صِرْنَ
خلفَ الرجال، وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة، فيحتمل أنْ يكون ذلك وقع قبل
تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أنْ يكون اغتُفِرَ العمل المذكور من
أجل المصلحة المذكورة، أو لم تَتَوالَ الخُطا عند التحويل بل وقعت مُفرَّقة، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: أنَّ حُكْم الناسخ لا يَئْبُت في حقّ المكَلَّف حتَّى يَبلُغه، لأنَّ أهل قُباء
لم يُؤْمَروا بالإعادة، مع كَوْن الأمر باستقبال الكَعْبة وقع قبل صلاتهم تلك بصَلَوات.
واستَنْبَطَ منه الطَّحاويُّ: أنَّ مَن لم تَبلُغْه الدَّعْوة ولم يُمكِنْه استعلام ذلك، فالفرض غیر
لازم له.
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبيّ وَِّ، لأنَّهم لمَّا تَمَادَوْا في الصلاة ولم يقطعوها، دَلَّ
(١) في شرح الحديث رقم (٣٩٩).

٣٠٠
باب ٣٢ / ح ٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
على أنَّه رَجَحَ عندهم التمادي والتحوُّل على القَطْع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلَّا عن
اجتهاد، كذا قيل، وفيه نظرٌ لاحتمال أنْ يكون عندهم في ذلك نصُّ سابق، لأنَّه ◌َێ کان
مُتَرقِّباً التحوُّلَ المذكور، فلا مانع أنْ يُعلِّمَهم ما صَنَعوا من التمادي والتحوُّل.
وفيه قَبُول خبر الواحد ووجوب العمل به، ونسخُ ما تَقرَّرَ بطريق العِلْم به، لأنَّ
صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القَطْع لمشاهَدتِهِم صلاةَ النبيّ أَّ إلى جهته،
ووقع تحوُّلهم عنها إلى جهة الكَعْبة بخبر هذا الواحد.
وأُجيب بأنَّ الخبر المذكور احتَفَّت به قرائنُ ومُقدِّمات أفادت القَطْع عندهم بصِدْقٍ
ذلك المخبِرِ، فلم يُنسَخ عندهم ما يفيد العِلْمَ إلَّا بما يُفيد العِلم، وقيل: كان النَّسْخ بخبر
الواحد جائزاً في زمنه ﴿ ﴿ مُطلَقاً وإنَّما مُنِعَ بعده، ويحتاج إلى دلیل.
وفيه جواز تعليم مَن ليس في الصلاة مَن هو فيها، وأنَّ استماع المصلّي لكلام مَن ليس
في الصلاة لا يُفْسِد صلاته. وقد تقدَّم الكلام على تعيين الوَقْت الذي حوِّلَت فيه القِبلة في
الكلام على حديث البراء في كتاب الإیمان (٤٠).
ووجه تَعلُّق حديث ابن عمر بترجمة الباب: أنَّ دلالته على الجزء الأوَّل منها من قوله:
(ُمِرَ أنْ يَستَقبِل الكَعْبة))، وعلى الجزء الثاني من حيثُ إنَّهم صَلَّوْا في أوَّل تلك الصلاة إلى
القِبْلة المنسوخة جاهلين بوجوب التحوُّل عنها، وأجزَأت عنهم مع ذلك ولم يُؤْمَروا
بالإعادة، فيكون حُكْم الساهي كذلك، لكن يمكن أنْ يُفرَّق بينهما بأنَّ الجاهل مُسْتصحِبٌ
للحُكْم الأوَّل، مُغتَفَرٌ في حقّه ما لا يُغتفَرُ في حقّ الساهي، لأنَّه إنَّما يكون عن حُكْم استَقَرَّ
عنده وعرفه.
٤٠٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ،
عن عبدِ الله، قال: صَلَّى النبيُّ ◌َهِ الظُّهرَ خمساً، فقالوا: أَزِيدَ في الصلاةِ؟ قال: ((وما ذاكَ؟))
قالوا: صَلَّيِتَ خمساً! فثَنَى رِجْليه وسَجَدَ سَجْدتَين.
قوله: ((عن عبد الله)) يعني: ابن مسعود ((قال: صَلَّى النبيُّ ◌َّرَ الظَّهر خمساً)) تقدَّم الكلام عليه