Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ١٨ / ح ٣٧٨
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
من نسائِهِ شهراً، فجَلَسَ في مَشْرُبةٍ له دَرَجَتُها من ◌ُذُوع، فأتاه أصحابُه یَعُودُونَه، فصَلَّى بهم
جالساً وهم قِيامٌ، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((إِنَّا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ به؛ فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذا رَكَعَ
فاركَعُوا، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا، وإنْ صَلَّى قائماً فصَلُّوا قياماً».
ونَزَل لِتِسْعِ وعِشْرِينَ، فقالوا: يا رسولَ الله، إِنَّكَ آلَيتَ شهراً؟ فقال: ((إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ
وعِشْرونَ)).
[أطرافه في: ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤]
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الرحيم)) هو الحافظ المعروف بصاعقةً.
قوله: ((عن أنس)) في رواية سعيد بن منصور، عن هُشَيم، عن حُميدٍ: حدَّثنا أنس(١).
قوله: ((فُجُحِشَت)) بضمِّ الجيم وكسر المهمَلة بعدها شين مُعجَمة، والجَحْش: الخَدْش
أو أشدُّ منه قليلاً.
قوله: ((ساقُه أو كَتِفِه)) شكٌّ من الراوي، وفي رواية بِشْر بن المفضَّل عن حُميدٍ عند/ ٤٨٨/١
الإسماعيلي: ((انفَكَّت قَدَمُه))(٢)، وفي رواية الزّهْريِّ عن أنس في ((الصحيحين))(٣): ((فجُحِشَ
شِقُّه الأيمَن)) وهي أشمَل مَّا قبلها.
قوله: ((وآلى من نسائه)) أي: حَلَفَ لا يدخل عليهنَّ شهراً، وليس المرادُ به الإيلاءَ
المُتعارَفَ بين الفقهاء.
قوله: ((مَشْرُبة)) بفتح أوَّله وسكون المعجَمة وبضمِّ الراء ويجوز فتحها: هي الغُرْفة
المرتفعة.
قوله: ((من جُذُّوع)) كذا للأكثر بالتنوين بغير إضافة، وللكُشْمِيهَنيّ: من جُذوع النَّخْل.
(١) وأخرج هذه الرواية من طريق سعيدٍ أبو جعفر الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٤٠٤.
(٢) قد ذَهَلَ الحافظُ رحمه الله هنا عن رواية البخاري نفسه لهذا اللفظ فيما سيأتي برقم (٢٤٦٩) من طريق
الفزاريِّ عن حميد، فالعزو له أولى من العزو للإسماعيلي في ((مستخرجه)).
(٣) البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).

٢٦٢
باب ١٩ / ح ٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
والغَرَض من هذا الحديث هنا صلاته وََّ في المَشرُبة، وهي معمولةٌ من الخَشَب، قاله
ابن بَطَّال. وتُعُقِّبَ بأَنَّه لا يَلزَم من كَوْن دَرَجها من خشب أنْ تكون كلُّها خشباً، فيحتمل
أنْ يكون الغَرَض منه بيان جواز الصلاة على السَّطْح، إذْ هي سَقْف في الجملة. وسيأتي
الكلام على بقيّة فوائده في أبواب الإمامة (٦٨٩) إن شاء الله تعالی.
١٩ - باب إذا أصاب ثوبُ المصلِّي امرأته إذا سجد
٣٧٩- حدَّثنَا مُسَدَّدٌ، عن خالدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، عن عبدِ الله بنِ شدَّاه، عن
ميمونةَ قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَهِ يُصلِّي وأنا حِذاءَه وأنا حائضٌ، ورُبَّما أصابَني ثوبُه إذا
سَجَدَ، قالت: وكانَ يُصلِّ على الخُمْرة.
قوله: ((باب إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي امرأتَه إذا سَجَدَ)) أي: هل تَفسُد صلاته أم لا؟
والحديث دالٌّ على الصِّحّة.
قوله: ((عن خالد)) هو ابن عبد الله الواسطيّ، وسليمان الشَّيبانيُّ: هو أبو إسحاق،
مشهور بگنیتِه.
وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في الطَّهارة (٣٣٣)، واستُدلَّ به هناك على أنَّ عين
الحائض طاهرة، وهنا على أنَّ مُلاقاة بَدَن الطاهر وثيابه لا تُفسِد الصلاة ولو كان مُتلبِّساً
بنجاسةٍ حُكْميَّة.
وفيه إشارة إلى أنَّ النجاسة إذا كانت عينيّة قد تَضُرُّ، وفيه أنَّ محاذاة المرأة لا تُفسِد
الصلاة.
قوله: ((وكانَ يُصلِّ على الخُمْرة)) وقد تقدَّم ضبطها في آخر كتاب الحيض (٣٣٣).
قال ابن بَطَّال: لا خلافَ بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها إلَّا ما رُوِيَ عن
عمر بن عبد العزيز: أنَّه كان يُؤتَى بترابٍ فيُوضَع على الخُمْرة فيَسجُد عليه، ولعلَّه كان
يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع، فلا یکون فيه مخالفة للجماعة. وقد روى ابن
أبي شَيْبة (١/ ٤٠٢) عن عُرْوة بن الزُّبَير: أنَّه كان يَكْره الصلاة على شيء دون الأرض،

٢٦٣
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
وكذا رُوِيَ عن غيرِ عُرْوة، ويحتمل أنْ يُحمَل على كراهة التنزيه، والله أعلم.
٢٠ - باب الصلاة على الحصير
وصَلَّى جابرٌ وأبو سعيدٍ في السَّفِينة قائماً.
وقال الحسنُ: تُصلِّيّ قائماً ما لم تَشُقَّ على أصحابِكَ تَدُورُ معَها، وإِلَّا فقاعداً.
٣٨٠- حدَّثنا عبدُ الله، قال: أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ:
أَنَّ جَدَّتَه مُلَيكَةَ دَعَتْ رسولَ اللهِ وَّهِ لِطَعامِ صَنَعَتْه له، فأَكَلَ منه ثمَّ قال: ((قُومُوا فلأصَلِّ لَكُم))
قال أنسُ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لنا قد اسوَدَّ من طُولٍ ما لُبِسَ، فَضَحْتُه بماءٍ، فقامَ رسولُ الله وَهُ
وصَفَّفْتُ أنا والبَئِيمُ وراءَه، والعَجُوزُ من ورائِنا، فصَلَّى لنا رسولُ الله ◌ِّهِ رَ كْعتَينِ ثمَّ انصَرَفَ.
[أطرافه في: ٧٢٧، ٨٦٠، ٨٧١، ١١٦٤،٨٧٤]
قوله: ((باب الصلاة على الحصیر)) قال ابن بَطَّال: إنْ كان ما يُصلَّى عليه كبيراً قَدْر طول
الرجل فأكثر، فإنَّه يقال له: / حصير، ولا يقال له: ◌ُمْرة، وكلَّ ذلك يُصنَع من سَعَف ٤٨٩/١
النَّخْلِ وما أشبهَه.
قوله: ((وصَلَّى جابر ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٦٦/٢) من طريق عبد الله بن
أبي عُتْبةَ مولى أنس قال: سافرتُ مع أبي الدَّرْداء وأبي سعيد الخُدْريِّ وجابر بن عبد الله
وأُناس قد سَمَّهم، قال: وكان إمامنا يصلِّ بنا في السفينة قائماً، ونُصلِّي خلفَه قياماً، ولو
شِئْنا لَأَرفَيْنا؛ أي: لَأرسَينا، يقال: أرسى السفينة بالسِّين المهمَلة، وأرفَى بالفاء: إذا وَقَفَ بها
على الشَّطّ.
قوله: ((وقال الحسن: تُصلِّ قائماً ما لم تَشُقّ على أصحابك تَدُور معها)) أي: مع السفينة
((وإلّا فقاعِداً)) أي: وإنْ شَقَّ على أصحابك فصَلِّ قاعداً، وقد رُوينا أثر الحسن في نسخة
قُتَيبة من رواية النَّسائيِّ عنه، عن أبي عَوَانة، عن عاصم الأحول قال: سألت الحسن وابن
سيرين وعامراً - يعني الشَّعْبيَّ - عن الصلاة في السفينة فكلّهم يقول: إنْ قَدَر على الخروج،
فليخرج، غير الحسن، فإنَّه قال: إنْ لم يُؤْذِ أصحابه، أي: فلْيُصلِّ.

٢٦٤
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
وروى ابن أبي شَيْبة (٢٦٧/٢) عن حفص(١)، عن عاصم، عن الثلاثة المذكورين أنَّهم
قالوا: صَلِّ في السفينة قائماً. وقال الحسن: لا تَشُقّ على أصحابك.
وفي («تاريخ البخاري)) (٢٠٦/٥) من طريق [عبد الله بن مروان شريك](٢) هشامٍ قال:
سمعت الحسن يقول: دُرْ في السفينة كما تدور إذا صلَّيتَ.
قال ابن المنيِّر: وجه إدخال الصلاة في السفينة في ((باب الصلاة على الحصير)): أنَّهما
اشتَرَكا في أنَّ الصلاة عليهما صلاة على غير الأرض، لئلا يَتخيَّل مُتخيّلٌ أنَّ مُباشَرة
الأرض شرط، لقوله في الحديث المشهور - يعني الذي أخرجه أبو داود وغيره ـ ((تَرِّبْ
وجهَك))(٣)، انتهى.
وقد تقدَّم أثر عمر بن عبد العزيز في ذلك(٤)، وأشار البخاري إلى خلاف أبي حنيفة في
تجويزه الصلاةَ في السفينة قاعداً مع القُدْرة على القيام، وفي هذا الأثر جواز رُكوب البَحْر.
قوله: ((عن إسحاق بن أبي طَلْحة)) كذا للكُشْمِیھَنِيِّ والحَقُّوِيّ، وللباقين: إسحاق بن
عبد الله بن أبي طَلْحة.
قوله: ((عن أنس بن مالك: أنَّ جَدَّته مُلَيكة)) أي: بضمِّ الميم تصغير مَلِكة، والضمير في
((جَدَّته)) يعود على إسحاق، جَزَمَ به ابن عبد البَرِّ وعبد الحقّ وعِيَاض، وصحَّحه النّومُّ،
وجَزَمَ ابن سعد وابن مَندَهْ وابن الحَصّار: بأنَّهَا جَدّة أنس والدة ◌ُمّه أُمّ سُلَيم، وهو مُقتَضى
كلام إمام الحرمين في ((النِّهاية)) ومَن تبعه وكلام عبد الغنيّ في ((العُمْدة))، وهو ظاهر
السِّياق، ويؤيِّده ما رُويناه في ((فوائد العراقيّين)) لأبي الشَّيخ من طريق القاسم بن يحيى
(١) قوله: ((عن حفص)) سقط من (س).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين الخطيّين و(س)، واستدركناه من ((تاريخ البخاري)) و((تغليق
التعليق)) ٢١٨/٢. وهشام المذكور: هو الدَّستُوائي.
(٣) الحديث لم يخرجه أبوداود، وهو عند أحمد (٢٦٥٧٢) و(٢٦٧٤٤)، والترمذي (٣٨١) و(٣٨٢) من
حديث أم سلمة، وإسناده ضعيف.
(٤) انظر شرح الحديث السابق.

٢٦٥
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
المقدَّميّ، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طَلْحة، عن أنس قال: أرسَلَتْني جَدَّتي
إلى النبيّ ◌َّ﴿ واسمها مُلَيكة، فجاءنا فحَضَرَت الصلاة ... الحديث.
وقال ابن سعد في ((الطَّقات)): أُمّ سُلَيم بنت مِلْحان، فساقَ نَسَبها إلى عَديّ بن النَّجّار
وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال: الرُّمَيصاء(١)، ويقال: اسمها سَهْلة، ويقال: أُنَيفة، أي:
بالنون والفاء المصغّرة، ويقال: رُمَيثة، وأُمّها مُلَيكة بنت مالك بن عَديّ؛ فساقَ نَسَبها إلى
مالك بن النَّجَار، ثمّ قال: تزوَّجها - أي: أُمّ سُلَيم - مالك بن النَّضْر فولدت له أنس بن
مالك، ثمَّ خَلَفَ عليها أبو طَلْحة فولدت له عبد الله وأبا عُمَير.
قلت: وعبد الله هو والد إسحاق، روی هذا الحديث عن عمّه أخي أبيه لأمّه أنس بن
مالك.
ومُقْتَضى كلام مَن أعادَ الضمير في ((جَدَّته)) إلى إسحاق أنْ يكون اسم أُمّ سُلَيم مُلَيكة،
ومُستَنَدهم في ذلك ما رواه ابن عُيَينةً عن إسحاق بن أبي طَلْحة عن أنس قال: ((صَفَفْت أنا
ويَتَيمٌ في بيتنا خلفَ النبيّ ◌ََّ، وأُمّي أُمّ سُلَيم خَلْفنا)) هكذا أخرجه المصنِّف كما سيأتي في
أبواب الصُّفوف (٧٢٧)، والقِصَّة واحدة طوَّلها مالك واختصرها سفيان، ويحتمل تعدُّدها فلا
تُخالف ما تقدَّم، وكَوْن مُلَيكةٍ جَدّةَ أنس لا ينفي كونَهَا جَدّة إسحاق لما بيَّنّاه، لكنَّ الرواية
التي سأذكرها عن ((غرائب مالك)) ظاهرة في أنَّ مُلَيكة اسم أُمّ سُلَيم نفسها، والله أعلم.
قوله: ((الطَعامِ)) أي: لأجل طعام، وهو مُشعِر بأنَّ مجيئَه كان لذلك، لا ليُصلّيَ بهم
ليتَّخذوا مكان صلاته مُصلَّى لهم كما في قِصّة عِثْبان بن مالك الآتية (٤٢٤)، وهذا هو السِّرّ
في كَوْنه بدأَ في قِصّة عِثْبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأً في/ كلٌّ (٩.٨،
منهما بأصل ما دُعيَ لأجلِه.
قوله: (ثمّ قال: قُومُوا)) استُدلَّ به على ترك الوضوء ممَّا مَسَّت النار، لكَوْنه صلَّى بعد
الطعام، وفيه نظر، لما رواه الدَّارَقُطْنيُّ في ((غرائب مالك)) عن البَغَويّ، عن عبد الله بن
(١) تحرَّفت في (س) إلى: الرميساء، بالسين. وانظر ((الطبقات)) لابن سعد ٤٢٤/٨.

٢٦٦
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
عَوْن، عن مالك ولفظه: صنعت مُلَيكةُ لرسول الله وَّةِ طعاماً، فأكَلَ منه وأنا معه، ثمَّ دَعا
بوَضوءٍ فتوضَّأ ... الحديث.
قوله: «فلُصلّي لکم» کذا في روایتنا بکسر اللام وفتح الياء، وفي رواية الأَصِیليّ بحذف
الياء.
قال ابن مالك: رُوِيَ بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أنَّ اللام عند
ثبوت الياء مفتوحة لامُ ((كَي)) والفعل بعدها منصوب بـ((أنْ)) مُضمَرة واللام ومصحوبها
خبر مُبتدَأ محذوف، والتقدير: قوموا فقيامكم لأُصلّيَ لكم، ويجوز على مذهب الأخفَش
أنْ تكون الفاء زائدة واللام مُتعلِّقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل أنْ تكون اللام أيضاً
لام ((كَي)) وسُكِّنَت الياء تخفيفاً، أو لام الأمر وثبتت الياء في الجَزْم إجراءً للمُعتلِّ مجرى
الصحيح كقراءة قُنْبُل: (إِنَّه مَن يَتَّقي ويَصبِرْ) [يوسف: ٩٠]، وعند حذف الياء اللامُ لام
الأمر، وأمر المتكلِّم نفسَه بفعلٍ مقرونٍ باللام فصيح قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، قال: ويجوز فتح اللام. ثمَّ ذکر توجيهه.
وفيه لغيره بحثٌ اختَصَرتُه، لأنَّ الرواية لم تَرِدْ به، وقيل: إنَّ في رواية الكُشْمِيهَنيّ:
(فأُصَلِّ)) بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النَّسَخ الصحيحة، وحكى ابن
قُرْقولٍ عن بعض الروايات: ((فِلِنُصَلِّ)) بالنون وكسر اللام والجَزْم، واللام على هذا لام
الأمر وكسرها لغة معروفة.
قوله: ((لَكُم)) أي: لأجلِكم، قال السُّهَيليّ: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى:
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَذًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أنْ يكون أمراً لهم بالائْتِمام لكنَّه أضافَه إلى نفسه
لارتباط فعلهم بفعله.
قوله: ((من طُول ما لُبِسَ)) فيه أنَّ الافتراش يُسمَّى لُبْساً، وقد استدلَّ به على منع افتراش
الحرير لعموم النهي عن لُبْس الحرير، ولا يَرِدُ على ذلك أنَّ مَن حَلَفَ لا يَلْبَس حريراً فإنَّه
لا يَحِنَثُ بالافتراش، لأنَّ الأيمان مَبْناها على العُرْف.

٢٦٧
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: ((فَتَضَحْته)) يحتمل أنْ يكون النَّضْح لتَلْيين الحصير أو لتنظيفِه أو لتطهيرِه، ولا
يَصِحُ الجَزْمِ بالأخير، بل المتبادَر غيره، لأنَّ الأصل الطَّهارة.
قوله: ((وصَفَفْت أنا واليتيم)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلِي والحَمُّوِي: ((فصَفَفْت واليتيم)»
بغير تأكيد، والأوَّل أفصحُ، ويجوز في ((اليتيم)) الرفع والنصب، قال صاحب «العُمْدة)):
اليتيم هو ضُمَّيرة جَدّ حُسَين بن عبد الله بن ضُمَيرة، قال ابن الحَذّاء: كذا سَمَّه عبد الملك
ابن حَبيب ولم يَذكُره غيره، وأظُنّه سمعه من حُسَين بن عبد الله أو من غيره من أهل
المدينة. قال: وضُمَيرة هو ابن أبي ضُمَيرة مولى رسول الله وَّهِ، واختُلِفَ في اسم أبي
ضُمیرة، فقيل: رَوْح، وقيل غير ذلك، انتھی.
ووَهِمَ بعض الشُّراح فقال: اسم اليتيم ضُمَيرة، وقيل: رَوْح، فكأنَّه انتقل ذِهْنه من
الخلاف في اسم أبيه إليه، وسيأتي (٧٢٧) في ((باب المرأة وحدها تكون صَفّاً)) ذِكْر مَن قال:
إنَّ اسمه سُلَيم، وبيان وَهْمه في ذلك إن شاء الله تعالى. وجَزَمَ البخاري بأنَّ اسم أبي ضُمَيرة
سعد الحِمْيَريّ، ويقال: سعيد، ونَسَبَه ابن حِبَّان ليئيّاً.
قوله: ((والعَجُوز)) هي مُلَيكة المذكورة أوَّلاً.
قوله: ((ثُمَّ انصَرَفَ)) أي: إلى بيته، أو من الصلاة.
وفي هذا الحديث من الفوائد: إجابة الدَّعْوة ولو لم تكن عُرْساً ولو كان الدَّاعي امرأة،
لكن حيثُ تُؤْمَنُ الفِتْنة، والأكل من طعام الدَّعْوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنَّه
* أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهَدة لأجل المرأة، فإنّها قد يخفى عليها بعض التفاصيل
لبُعْدِ موقِفها.
وفيه تنظيف مكان المصلَّى، وقيام الصَّبيّ مع الرجل صَفّاً، وتأخير النساء عن صُفوف
الرجال، وقيام المرأة صَفّاً وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها.
واستُدلَّ به على جواز صلاة المنفَرِد خَلْف الصَّفّ وحده، ولا حُجَّة فيه لذلك.
وفيه الاقتصار في نافلة النَّهار على رَكْعتَينِ خلافاً لمن اشتَرَطَ أربعاً، وسيأتي ذِكْر ذلك

٢٦٨
باب ٢٠ / ح ٣٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
في موضعه إن شاء الله تعالى(١).
٤٩١/١ وفيه صِحَّة صلاة الصبيِّ المميِّز ووُضوئِه، وأنَّ محلّ الفضل الوارد في صلاة النافلة
مُنفرداً حيثُ لا يكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن أنْ يقال: هو إذْ ذاكَ أفضل، ولا
سيَّما في حقٌّه ◌ِه.
تنبيهان:
الأَوَّل: أورَدَ مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضُّحَى (٢)، وتُعُقِّبَ بما رواه أنس بن
سيرين عن أنس بن مالك: أنَّه لم يَرَ النبيّ وَله يصلِّ الضُّحَى إلَّا مَرَّة واحدة في دار
الأنصاريّ الضَّخْم الذي دَعَاه ليُصلِّيَ في بيته، أخرجه المصنِّف كما سيأتي (٦٧٠).
وأجابَ صاحب ((القَبَس)) بأنَّ مالكاً نظرَ إلى كَوْن الوقت الذي وقعت فيه تلك
الصلاة هو وقت صلاة الضُّحَى فحمله عليه، وأنَّ أنساً لم يَطَّلِعِ على أنَّه وَلِّ نوى بتلك
الصلاة صلاة الضُّحَى.
الثاني: النُّكْتة في ترجمة الباب الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شَيْبة وغيره من طريق شُرَيح بن
هانئ أنَّه سأل عائشة: أكان النبيُّ وَلَه يصلّي على الحصير والله يقول: ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِنَ
حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يصلِّي على الحصير(٣).
فكأنَّه لم يَتْبُت عند المصنّف أو رآه شاذاً مردوداً لمُعارَضتِهِ ما هو أقوى منه كحديث
الباب، بل سيأتي عنده (٥٨٦١) من طريق أبي سَلَمةَ عن عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان له حصيرٌ
يَبَسُطه ويصلِّي عليه. وفي مسلم (٦٦١) من حديث أبي سعيد: أنَّه رأى النبيَّ وَ لا يصلِّي على
حصير.
(١) انظر: كتاب التهجد: ٢٥ - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى.
(٢) في ((الموطأ) ١٥٣/١.
(٣) هو في « مسند ابن أبي شيبة)) كما في («إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٧٧٣٢).

٢٦٩
باب ٢١-٢٢ / ح ٣٨١-٣٨٢
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
٢١ - باب الصلاة على الخُمْرة
٣٨١- حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، عن عبدِ الله بنِ
شدَّاد، عن ميمونةَ قالت: كانَ النبيُّوَلاَ يُصلِّ على الخُمْرة.
قوله: ((باب الصلاة على الخُمْرة)) تقدَّم الكلام عليها قريباً (٣٧٩) وأنَّ ضبطها تقدَّم في
أواخر الحيض (٣٣٣)، وكأنَّه أفرَدَها بترجمةٍ لكَوْن شيخه أبي الوليد حدَّته بالحديث
مُختصَراً، والله أعلم.
٢٢ - باب الصلاة على الفِراش
وصَلَّى أنسُ علی فِراشِه.
وقال أنسُّ: كنَّا نُصِيّ معَ النبيِّ ◌َلِّ فِيَسجُدُ أحدُنا على ثوبِهِ.
٣٨٢- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيد الله، عن
أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ وََّ أَنَّهَا قالت: كنتُ أنامُ بينَ يَدَي رسولِ الله
وَلَ﴿ وَرِجْلايَ في قِبْلِتِهِ، فإذا سَجَدَ غَمَزَني فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فإذا قام بَسَطْتُهما، قالت: والبيوتُ
يومئذٍ لیس فیھا مصابيح.
[أطرافه في: ٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦]
قوله: ((باب الصلاة على الفِراش)) أي: سواء كان ينام عليه مع امرأته أم لا، وكأنَّه یشیر
إلى الحديث الذي رواه أبو داود (٣٦٧ -٣٦٨) وغيره من طريق الأشعث، عن محمد بن
سِيرين، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة قالت: ((كان النبيّ ◌ََّ لا يصلِّي في ◌ُفنا»،
وكأنَّه أيضاً لم يَثْبُت عنده، أو رآه شاذاً مردوداً، وقد بيَّن أبو داود عِلَّتَه.
قوله: ((وصَلَّى أنس)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٧٢) وسعيد بن منصور كلاهما عن ابن
المبارك عن ◌ُمیدٍ قال: کان أنس یصلِّ على فراشه.
قوله: ((وقال أنس: كنَّا نُصلِّ) كذا للأكثر، وسَقَطَ («أنس)) من رواية الأَصِيلِيّ فأوهَمَ أنَّه

٢٧٠
باب ٢٢ / ح ٣٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
بقيّة من الذي قبله، وليس كذلك بل هو حديث آخر كما سيأتي موصولاً في الباب الذي
٤٩٢/١ بعده (٣٨٥) بمعناه، ورواه مسلم (٦٢٠) من الوجه المذكور وفيه اللفظ المعلَّق هنا/
وسياقه أتمُّ. وأشار البخاري بالترجمة إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١ / ٤٠٠) بسندٍ صحيح
عن إبراهيم النَّخَعَيّ عن الأسود وأصحابه: أنَّهم كانوا يَكْرهون أنْ يُصلُّوا على الطَّنافس
والفِراء والمُسوح. وأخرج (٣٩٩/١) عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك، وقال
مالك: لا أرى بأساً بالقيام عليها إذا كان يضع جبهته ویدیه على الأرض.
قوله: «حدّثنا إسماعيل) هو ابن أبي أوَیس، والإسنادُ كلّه مدنُّون.
قوله: «كنت أنام بين يَدَي رسول الله وَلَهُ ورِ جْلايَ في قِبْلته)» أي: في مكان سجوده،
ویتبیّن ذلك من الرواية التي بعد هذه.
قوله: ((فقَبَضْتُ رِجْلَي)) كذا بالتثنية للأكثر، وكذا في قولها: ((بَسَطتُهما))، وللمُستَمْلِي
والحَقُّوِيّ: ((رِجْلِي)) بالإفراد، وكذا ((بَسَطْتُها))، وقد استدلَّ بقولها: (غَمَزَني)) على أنَّ
لَمْسَ المرأة لا يَنقُض الوضوء، وتُعُقِّبَ باحتمال الحائل، أو بالخصوصيَّةَ(١)، وعلى أنَّ المرأة
لا تقطع الصلاة، وسيأتي مع بقيَّة مباحثه في أبواب السُّتْرة (٥٠٨) إن شاء الله تعالى.
وقولها: ((والبُيوت يومَئذٍ ليس فيها مصابيح)) كأنَّها أرادت به الاعتذار عن نومها على
تلك الصِّفة، قال ابن بَطَّال: وفيه إشعارٌ بأنَّهم صاروا بعد ذلك يَسْتصبحون.
ومناسبة هذا الحديث للترجمة من قولها: ((كنت أنام))، وقد صَرَّحَت في الحديث الذي
یلیه بأنَّ ذلك کان علی فِراش أهله.
٣٨٣- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهَاب، قال: أخبرني
عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ أخبرتْه: أنَّ رسولَ الله وَِّ كانَ يُصلِّ وهي بينَه وبينَ القِبْلة على فِرَاشِ أهلِهِ
اعتِراضَ الجِنازَة.
(١) قد ردَّ العيني في ((عمدة القاري)) ١١٥/٤، والزرقاني في ((شرح الموطأ)) ٢٤٢/١ على هذا بأن الأصل
عدم الحائل، وأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال.

٢٧١
باب ٢٢-٢٣ / ح ٣٨٤-٣٨٥
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قوله: ((اعتِراضَ الجِنازَة)) منصوب بأنَّه مفعول مُطلَق بعاملِ مُقدَّر، أي: مُعتَّرِضة
اعتراضاً كاعتراض الجنازة، والمراد: أنَّها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة
شِماله، كما تكون الجِنازة بين يدَي المصلّي عليها.
٣٨٤- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ، عن عِراك، عن عُرْوةً: أنَّ
النبيَّ ◌ََّ كانَ يُصلِّي وعائشةُ مُعتَرِضةٌ بينَه وبينَ القِبْلة، على الفِراشِ الذي يَنامانِ علیه.
قوله: ((عن يزيد)) هو ابن أبي حبيب، وعِراك: هو ابن مالك، وعُرْوة: هو ابن الزُّبَيرِ،
والثلاثة من التابعين، وصورةُ سِيَاقة هذا الإرسالُ، لكنَّه محمول على أنَّه سمع ذلك من
عائشة بدلیل الرواية التي قبلها.
والنُّكْتة في إيراده: أنَّ فيه تقييد الفِراش بكَوْنه الذي ينامان عليه، كما تقدَّمت الإشارة
إليه أوَّل الباب، بخلاف الرواية التي قبلها، فإنَّ قولها: ((فِراش أهله)) أعمُّ من أنْ يكون هو
الذي ینامانِ علیه أو غيره.
وفيه أنَّ الصلاة إلى النائم لا تُكرَه، وقد وَرَدَت أحاديث ضعيفة في النهي عن ذلك(١)،
وهي محمولة - إنْ ثبتت - على ما إذا حصل شَغْل الفِكْر به.
٢٣ - باب السجود على الثوب في شدّة الحرِّ
وقال الحسنُ: كانَ القومُ يَسْجُدُونَ على العِمامة والقَلَنْسُوَةِ ويَدَاه في كُمُّه.
٣٨٥- حدّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثْنا بِشرُ بنُ المفضَّل، قال: حدّثنا
غالبٌ القَطّانُ، عن بَكْر بنِ عبدِ الله، عن أنسٍ بنِ مالكٍ قال: كنَّا نُصلِي مِعَ النبيِّ وَّهِ فِيَضَعُ
أحدُنا طَرَفَ الثوبِ من شِدّة الحَرِّ في مكان السجود.
[طرفاه في: ٥٤٢، ١٢٠٨]
قوله: ((باب السجود على الثوب في شِدَّة الحَرّ)) التقييد بشِدّة الحَرّ للمُحافظة على لفظ ٤٩٣/١
الحديث، وإلَّ فهو في البَرْد كذلك، بل القائل بالجواز لا يُقيِّده بالحاجة.
(١) انظر: ((سنن)) أبي داود (٦٩٤) وابن ماجه (٩٥٩).

٢٧٢
باب ٢٣ / ح ٣٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال الحسن: كانَ القوم)) أي: الصحابة كما سيأتي بيانُه.
قوله: ((والقَلَتْسُوَة)) بفتح القاف واللام وسكون النون وضمّ المهملة وفتح الواو، وقد
تُبدَل ياء مُثنَّة من تحت، وقد تُبدَل ألفاً وتُفتَح السّين فيقال: قَلَنْساة، وقد تُحذف النون من
هذه وبعدها هاء تأنيث: غِشاء مُبَطَّن يُستَر به الرأس، قاله القَزّاز في ((شرح الفَصيح))،
وقال ابن هشام: هي التي يقال لها: العمامة الشاشيّة، وفي ((المحكم)): هي من ملابس
الرأس معروفة، وقال أبو هلال العسكري: هي التي تُغطّى بها العَمائم وتَستُّر من الشمس
والمطر؛ كأنّها عنده رأس البُرْنُس.
قوله: ((ويَدَاه)) أي: يدُ كلّ واحد منهم، وكأنَّه أراد بتغييرِ الأُسلوب بيان أنَّ كلّ واحد
منهم ما كان يجمع بين السجود على العِمامة والقَلَنْسوة معاً، لكن في كلّ حالة كان يَسجُد
ويداه في كمّه. ووقع في رواية الكُشْمِيهَنيّ: ((ويديه في كمّه)) وهو منصوب بفعلِ مُقدَّر،
أي: ويجعل یدیه.
وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرزاق (١٥٦٦) عن هشام بن حسَّان عن الحسن: أنَّ أصحاب
رسول الله ﴿ كانوا يَسجُدون وأيديهم في ثيابهم، ويَسجُد الرجل منهم على قَلَنْسوَته
وعِمامَته. وهكذا رواه ابن أبي شيبة (٢٦٦/١) من طريق هشام.
قوله: ((حدَّثنا غالِب القَطّانُ))، وللأکثر: ((حدَّثني)) بالإفراد، والإسناد كلُّه بصریُّون.
قوله: ((طَرَف الثوبٍ)) ولمسلم (٦٢٠): ((بَسَطَ ثوبه))، و[كذا](١) للمصنّف في أبواب
العمل في الصلاة (١٢٠٨)، وله (٥٤٢) من طريق خالد بن عبد الرحمن عن غالب:
(سَجَدْنا على ثيابنا اتِّقاء الحَرّ))، والثوب في الأصل يُطلَق على غير المَخِيط، وقد يُطلَق
على المَخِيط مجازاً. وفي الحديث جواز استعمال الثياب وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلّي
وبين الأرض لاتِّقاء حَرِّها وكذا بَرْدها.
وفيه إشارة إلى أنَّ مُباشَرة الأرض عند السجود هو الأصلُ، لأنَّه عَلَّقَ بسطَ الثوب
بعَدَم الاستطاعة.
(١) زيادة لفظة ((كذا)) بين معقوفتين لإيضاح أن الواو للعطف على ما قبلها.

٢٧٣
باب ٢٣ / ح ٣٨٥
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
واستدلَّ به على جواز السجود على الثوب المتَّصِل بالمصلّي، قال النَّووي: وبه قال أبو
حنيفة والجمهور، وحمله الشافعيّ على الثوب المنفَصِل، انتهى.
وأيَّدَ البيهقيُّ هذا الحملَ بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: ((فيأخذ أحدنا
الحَصَى في يده، فإذا بَرَدَ وَضَعَه وسَجَدَ عليه)) قال: فلو جازَ السجود على شيءٍ مُتَّصِل به
لما احتاجوا إلى تبريد الحَصَى مع طول الأمر فيه.
وتُعُقِّبَ باحتمال أنْ يكون الذي كان يُبرِّد الحَصَى لم يكن في ثوبه فَضْلةٌ يسجد عليها
مع بقاء سُتْرته له.
وقال ابن دَقِيق العيد: يحتاج مَن استدلَّ به على الجواز إلى أمرين: أحدهما: أنَّ لفظ
((ثوبه)) دالٌّ على المتَّصِل به، إمَّا من حيثُ اللفظ وهو تعقيب السجود بالبَسْط - يعني كما في
رواية مسلم - وإمَّا من خارج اللفظ، وهو قِلَّة الثياب عندهم، وعلى تقدير أنْ يكون
كذلك - وهو الأمر الثاني - يحتاج إلى ثبوت كَوْنه مُتَناوِلاً لمحلِّ النّزاع، وهو أنْ يكون ممّاً
يتحرَّك بحَرَكة المصلّي، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه، والله أعلم.
وفيه جواز العمل القليل في الصلاة، ومُراعاة الخشوع فيها، لأنَّ الظاهر أنَّ صنيعهم
ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض.
وفيه تقديم الظُّهر في أوَّل الوقت، وظاهر الأحاديث الوارد في الأمر بالإبراد كما سيأتي
في المواقيت (٥٣٣) يعارضه، فمَن قال: الإبراد رُخْصة، فلا إشكال، ومَن قال: سُنَّة، فإمَّا
أنْ يقول: التقديم المذكور رُخْصة، وإِمَّا أنْ يقول: منسوخ بالأمرِ بالإبراد، وأحسن منهما
أنْ يقال: إِنَّ شِدّة الحَرِّ قد تُوجَد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب أو إلى تبريد
الحَصَى، لأنَّه قد يَستمِرّ حُّه بعد الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظِلَّ يمشي فيه إلى
المسجد أو يصلِّ فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القُرْطبيّ ثمَّ ابن دقيق العيد، وهو أولى
من دَعْوَى تَعارض الحدیثین.
وفيه أنَّ قول الصحابي: ((كنَّا نفعل كذا)) من قَبِيل المرفوع، لاتِّفاق الشَّيخَينِ / على ٤٩٤/١

٢٧٤
باب ٢٤ / ح ٣٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
تخريج هذا الحديث في ((صحيحَيهما))، بل ومُعظَم المصنِّفين، لكن قد يقال: إنَّ في هذا زيادة
على مجرّد الصِّیغة لگونه في الصلاة خلف النبيّ ێ، وقد کان یری فیها من خلفه کما یری
مَن أمامه(١)، فيكون تقريره فيه مأخوذاً من هذه الطريق لا من مجرَّد صيغة: كنّا نفعل.
٢٤ - باب الصلاة في النِّعال
٣٨٦- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسِ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرنا أبو مَسْلمةَ سعيدُ بنُ يزيدَ
الأزْدِيُّ قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكِ: أكانَ النبيُّ ◌َ لَ يُصِي فِي نَعْلَيْهِ؟ قال: نَعَم.
[طرفه في: ٥٨٥٠]
قوله: ((باب الصلاة في التِّعال)) بكسر النون جمع: نَعْل، وهي معروفة. ومناسبته لما قبله
من جهة جواز تغطية بعض أعضاء السجود.
قوله: ((يُصلِّي في نَعْلَيه)) قال ابن بَطَّال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثمَّ هي
من الرُّخَص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحَبّات، لأنَّ ذلك لا يدخل في المعنى
المطلوب من الصلاة، وهو وإنْ كان من ملابس الزِّينة إلَّا أنَّ مُلامَسَته الأرض التي تكثُر
فيها النجاسات قد تَقْصُر عن هذه الرُّتْبة، وإذا تَعارَضَت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة
إزالة النجاسة، قُدِّمَت الثانية، لأنَّها من باب دَفْع المفاسد، والأُخرى من باب جَلْب
المصالح. قال: إلّا أنْ يَرِدَ دليل بإلحاقِه بما يُتَجمَّل به فيُرجَع إليه ويُتْرَك هذا النّظر.
قلت: قد روى أبو داود (٦٥٢) والحاكم (٢٦٠/١) من حديث شدَّاد بن أوس
مرفوعاً: «خالفوا الیھودَ فإنَّهم لا يُصلّون في نعالهم ولا خفافهم))، فيكون استحباب ذلك
من جهة قَصْد المخالفة المذكورة. ووَرَدَ في كَوْن الصلاة في النِّعال من الزينة المأمور بأخذِها
في الآية حديث ضعيف جِدّاً، أورَدَه ابن عَديٍّ في ((الكامل)»(٢) وابن مَرْدويه في ((تفسيره)»
من حديث أبي هريرة، والعُقيليّ (٢/ ١٤٢) من حديث أنس.
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة الآتي عند البخاري برقم (٤١٨) و(٧٤١).
(٢) في ترجمة علي بن أبي عليّ القرشي.

٢٧٥
باب ٢٥ / ح ٣٨٧
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
٢٥ - باب الصلاة في الخفاف
٣٨٧- حدَّثْنا آدمُ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن الأعمشِ، قال: سمعتُ إبراهيمَ يُحدِّثُ عن
هَّام بنِ الحارثِ، قال: رأيتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله بالَ ثمَّ تَوضَّأ ومَسَحَ على خُقَّيِهِ، ثمَّ قامَ فصَلَّى،
فسُئِلَ، فقال: رأيتُ النبيَّ وَّ صَنَعَ مثلَ هذا.
قال إبراهيمُ: فكانَ يُعجِبُهم، لأنَّ جَرِيراً كانَ من آخرِ مَن أسلَمَ.
قوله: ((باب الصلاة في الخِفاف)) يحتمل أنَّه أراد الإشارة بإيراد هذه الترجمة هنا إلى
حديث شدَّاد بن أَوس المذكور(١) لجمعِه بين الأمرين.
قوله: ((سمعت إبراهيم)) هو النَّخَعيُّ، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين كوفيُّون: إبراهيم
وشيخه والراوي عنه.
قوله: ((ثمَّ قامَ فصَلَّى)) ظاهر في أنَّه صلَّى في خُفَّيه، لأنَّه لو نَزَعَهما بعد المسح لوَجَبَ
غسلُ رِجْليه، ولو غَسَلَهما لَنُقِل.
قوله: ((فُسُئِلَ)) وللطَّبرانيّ (٢٤٢٨) من طريق جعفر بن الحارث عن الأعمش: أنَّ السائل
له عن ذلك هو همَّام المذكور، وله (٢٤٢٣) من طريق زائدة عن الأعمش: فعابَ علیه ذلك
رجلٌ من القوم.
قوله: ((قال إبراهيمُ: فكانَ يُعْجِبهم)) زاد مسلم (٢٧٢) من طريق أبي معاوية عن
الأعمش: كان يُعجِبهم هذا الحديث، ومن طريق (٢٧٢) عيسى بن يونس عنه: فكان
أصحاب عبد الله بن مسعود یُعچِبھم.
قوله: ((من آخرِ مَن أسلَمَ)) ولمسلم: لأنَّ إسلام جَرِير كان بعد نزول المائدة، / ولأبي ٤٩٥/١
داود (١٥٤) من طريق أبي زُرْعة بن عَمْرو بن جَرِير في هذه القِصَّة: قالوا: إنَّما كان ذلك
- أي: مسح النبيّ ◌َ ◌ّه على الحُفَّين - قبل نزول المائدة، فقال جَرِير: ما أسلَمْتُ إلَّا بعد
نزول المائدة، وعند الطبراني (٢٥٠٦) من رواية محمد بن سيرين عن جَرِير: أنَّ ذلك كان في
(١) في آخر شرح الحديث السابق.

٢٧٦
باب ٢٥-٢٦ / ح ٣٨٨-٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
حَجَّة الوَدَاعِ، وروى التِّرمِذيّ (٩٤) من طريق شَهْر بن حَوْشَبٍ قال: رأيت جَرِير بن
عبد الله، فذكر نحو حديث الباب، قال: فقلت له: أقبل المائدة أم بعدها؟ قال: ما أسلَمتُ
إلَّا بعد المائدة. قال التِّرمِذي: هذا حديث مُفسّر، لأنَّ بعض مَن أنكَرَ المسح على الخُفَّين
تأوَّلَ أنَّ مسح النبيّ ◌َ لّ كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة، فيكون منسوخاً، فذكر
جَرِيرٌ في حديثه: أنَّه رآه يمسحُ بعد نزول المائدة. فكان أصحاب ابن مسعود يُعجِبهم
حديث جَرِيرٌ، لأنَّ فيه رَدّاً على أصحاب التأويل المذكور.
وذكر بعض المحقّقين: أنَّ إحدى القراءَتَينِ في آية الوضوء - وهي قراءة الخَفْض - دالَّة
على المسح على الخُفَّين، وقد تقدَّمت سائر مباحثه في كتاب الوضوء (١٦٦).
٣٨٨- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمش، عن مُسلِمٍ، عن
مَسْرُوق، عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، قال: وَضَّأْتُ النبيَّ ◌َّهِ فِمَسَحَ على خُقَّيهِ وصَلَّى.
قوله: ((حدَّثنا إسحاق بن نَصْر)) هو إسحاق بن إبراهيم بن نَصْر، نُسِبَ إلى جَدّه،
والإسناد كلُّه كوفيُّون غيره. وفيه أيضاً ثلاثة من التابعين: الأعمش وشيخه مسلم - وهو
أبو الضُّحَى - ومسروق، وتردُّدُ الكِرْمانيٌّ في أنَّ مسلماً هل هو أبو الضُّحَى أو البَطِينُ
قُصور، فقد جَزَمَ الحُفَّاظ بأنَّه أبو الضُّحَى، وقد تقدَّم الكلام على فوائد حديث المغيرة
حيثُ أورَدَه المصنّف تامّاً في كتاب الوضوء (١٨٢).
٢٦ - باب إذا لم يُتِمَّ السجودَ
٣٨٩- أخبرنا الصَّلْتُ بنُ محمَّد، أخبرنا مَهْدِيٌّ، عن واصِلٍ، عن أبي وائلٍ، عن
حُذَيفَةَ رَأى رجلاً لا يُتِمُّ رُكُوعَه ولا سُجُودَه، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال له حُذَيفةُ: ما
صَلَّيْتَ، قال - وأحسَبُه قال -: لَو مُتَّ، مُتَّ على غيرِ سُنَّ محمَّدٍ لِّل.
[طرفاه في: ٧٩١، ٨٠٨]
قوله: ((باب إذا لم يُتِمَّ السجود)) كذا وقع عند أكثر الرُّواة هذه الترجمة وحديث حُذَيفة
فيها والترجمة التي بعدها وحديث ابن بُحَينة فيها موصولاً ومُعلَّقاً، ووَقَعَتا عند الأَصِيلِيّ

٢٧٧
باب ٢٧ / ح ٣٩٠
كتاب الصلاة - أبواب ستر العورة
قبل ((باب الصلاة في النِّعال))، ولم يقع عند المُستَمْلي شيء من ذلك، وهو الصواب، لأنَّ
جميع ذلك سيأتي في مكانه اللائق به، وهو ((أبواب صفة الصلاة))، ولولا أنَّه ليس من عادة
المصنّف إعادة الترجمة وحديثها معاً، لكان يُمكِن أنْ يقال: مناسبة الترجمة الأولى لأبواب
سَتْر العَوْرة: الإشارة إلى أنَّ مَن ترك شرطاً لا تصحُّ صلاته كمَن ترك رُكْناً.
ومناسبة الترجمة الثانية: الإشارة إلى أنَّ المجافاة في السجود لا تَستَلِزِم عَدَمَ سَتْ
العورة، فلا تكون مُبطِلة للصلاة، وفي الجملة إعادةُ هاتَينِ الترجمتين هنا وفي أبواب
السجود الحملُ فيه عندي على النُّسّاخِ، بدليل سلامة رواية المُستَمْلي من ذلك وهو
أحفظُهم.
٤٩٦/١
٢٧ - بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيه ويجافي في السجود
٣٩٠- أخبرنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن جعفرٍ، عن ابنِ هُرْمُزَ، عن عبدِ الله
ابنِ مالكِ ابنِ بُحَينَةَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كانَ إذا صَلَّى فَرَّجَ بِينَ يَدَيه حتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيهِ.
وقال اللَّيثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةً ... نحوَه.
[طرفاه في: ٨٠٧، ٣٥٦٤]
قوله: ((بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيه ... )) إلى آخره، تقدَّم القولُ فيه قبلُ كما تَری(١).
خاتمة: اشتَملَت أبواب سَتْر العَوْرة وما قبلها من ذِكْر ابتداء فرض الصلاة من
الأحاديث المرفوعة على تِسْعة وثلاثين حديثاً، فإنْ أضَفْت إليها حديثَي الترجمتين
المذكورتَينِ صارت أحداً وأربعين حديثاً، المكرَّر منها فيها وفيما تقدَّم خمسة عشر حديثاً،
وفيها من المعلّقات أربعة عشر حديثاً، وإنْ أضَفْت إليها المعلَّق في الترجمة الثانية صارت
خمسة عشر حديثاً، عشرة منها أو أحد عشر مُكرَّرة، وأربعة لا تُوجَد فيه إلَّا مُعلَّقة وهي
حديث سَلَمَةَ بن الأكوع: (يَزُرّه ولو بشَوْكة))، وأحاديث ابن عبّاس وجَرْهَد وابن جَحْش
(١) في الباب السابق.

٢٧٨
باب ٢٧ / ح ٣٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
في الفَخِذ، وافقه مسلم على جميعها سوى هذه الأربعة، وسوى حديث أنس في قِرام
لعائشة، وحديث عِكْرمة عن أبي هريرة في الأمر بمخالفة طرفي الثوب، وفيه من الآثار
الموقوفة أحد عشر أثراً كلّها مُعلَّقة إلَّ أثر عمر: ((إذا وسَّعَ الله عليكم فوَسِّعوا على
أنفُسكم)) فإنَّه موصول، والله أعلم.

٢٧٩
باب ٢٨ / ح ٣٩١
كتاب الصلاة - استقبال القبلة والمساجد
أبواب استقبال القِبْلة
وما يتبعها من آداب المساجد(١)
٢٨ - باب فضل استقبال القِبْلة
يَستَقْبِلُ بأطرافٍ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، قاله أبو مُميدٍ عن النبيِّ وَّ.
٣٩١- حدَّثنا عَمرُو بنُ عبَّاس، قال: حدَّثنا ابنُ المَهْدِيّ، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ سَعْد،
عن ميمونٍ بنِ سِيَاهِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((مَن صَلَّى صلاتَنا، واستَقبَلَ
قِبْلَنَا، وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فذلك المسلمُ الذي له ذِمّةُ الله وذِمَةُ رسولِه، فلا تُخْفِرُوا اللهَ في ذِمَّتِهِ)).
[طرفاه في: ٣٩٣،٣٩٢]
قوله: ((باب فَضْل استقبال القِبْلة. يَستَقبِل بأطراف رِجْلَيهِ القِبْلَةَ، قاله أبو مُميدٍ)) يعني:
الساعديَّ ((عن النبيّ وَّ)) يعني: في صفة صلاته كما سيأتي بعدُ موصولاً من حديثه
(٨٢٨)، والمراد بأطراف رِجْليه: رؤوس أصابعهما، وأراد بذِكْره هنا بيان مشروعيَّة
الاستقبال بجميع ما يُمكِن من الأعضاء.
قوله: ((حدَّثنا عَمْرو بن عبَّاس)) بالموخَّدة ثمَّ المهمَلة، وميمون بن سياهٍ بكسر المهمَلة
وتخفيف التَّحْتَانيَّة ثمَّ هاء مُنوَّنة ويجوز ترك صَرْفه، وهو فارسيٌّ مُعرَّبٌ معناه: الأسوَد،
وقيل: عربيّ.
قوله: ((ذِمَّة الله)) أي: أمانتُه وعَهْده.
قوله: ((فلا تُخْفِرُوا)) بالضمِّ من الرُّباعيّ، أي: لا تَغْدِروا، يقال: أخفَرْتُ: إذا غَدَرْتَ،
وخَفَرْتُ: إذا حَمَيتَ، ويقال: إنَّ الهمزة في ((أخفرت)) للإزالة، أي: تَرَكْت ◌ِمايتَه.
قوله: «فلا تُخِرُوا اللهَ في ذِمَّته)) أي: ولا رسولَه، وحُذِفَ لدلالة السِّياق عليه، أو لاستلزام
(١) هذا العنوان من قِبَل الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري))، وليس في شيء من روايات ((الصحيح)).

٢٨٠
باب ٢٨ / ح ٣٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
المذكور المحذوف، وقد أخَذَ بمفهومِه مَن ذهب إلى قتل تارك الصلاة، وله موضعٌ غير هذا.
وفي الحديث تعظيم شأن القِبْلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو
٤٩٧/١ داخلٌ في الصلاة لكَوْنه من / شروطها.
وفيه أنَّ أُمور الناس محمولةٌ على الظاهر، فمَن أظهرَ شِعار الدِّين أُجْريَت عليه أحكامُ
أهله ما لم يظهر منه خلافُ ذلك.
٣٩٢- حدَّثْنا نُعَيمٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارَك، عن مُميدِ الطَّوِيل، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال:
قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقولوا: لا إلهَ إِلَّ اللهُ، فإذا قالُوها وصَلَّوْا
صلاتنا، واستَقبَلُوا قِبْلتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فقد حَرُمَتْ علينا دِماؤُهم وأموالهم إلا بحَقُّها،
وحسابهم على الله».
قوله: ((حدَّثْنا نُعَيم)» هو ابن حمّاد الخزاعيّ، ووقع في رواية حمّاد بن شاكر عن البخاري:
((قال نُعَيم بن حمّاد)»، وفي رواية كريمة والأَصِيليّ: ((قال ابن المبارك)» بغير ذِكْرِ نُعَيم، وبذلك
جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وقد وقع لنا من طريق نُعَيم موصولاً في ((سنن الدَّارَ قُطنيِّ))
(٨٩٥)، وتابَعَه حَمَّاد بن موسى وسعيد بن يعقوب وغيرهما عن ابن المبارك(١).
قوله: ((حتَّى يقولوا: لا إله إلّ الله)) اقتَصَرَ عليها ولم يَذكُر الرِّسالة وهي مرادةٌ، كما تقول:
قرأتُ الحمد، وتريد السورة كلَّها.
وقيل: أوَّل الحديث وَرَدَ في حقٌّ مَن جَحَدَ التوحيد، فإذا أقرَّ به صارَ كالموحِّدِ من أهل
الكتاب يحتاج إلى الإيمان بما جاء به الرسول، فلهذا عَطَفَ الأفعال المذكورة عليها فقال:
((وصَلَّوْا صلاتنا ... إلخ))، والصلاة الشَّرْعيَّة مُتضمِّنة للشَّهادة بالرِّسالة.
وحِكْمة الاقتصار على ما ذكر من الأفعال أنَّ مَن يُقِرُّ بالتوحيد من أهل الكتاب وإنْ
صَلَّوْا واستَقبَلوا وذبحوا، لكنَّهم لا يُصلّون مثل صلاتنا ولا يَستَقْبِلون قِبْلتَنَا، ومنهم مَن
يذبح لغير الله، ومنهم مَن لا يأكُل ذبيحتنا، ولهذا قال في الرواية الأُخرى: ((وأُكَلَ ذبيحتنا»،
(١) انظر تخريج طريق ابن المبارك في ((مسند أحمد)) (١٣٠٥٦).