Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ باب ٥٤/ح ٧٥٥١ -٧٥٥٢ كتاب التوحيد وقال مجاهدٌ: يَسَّرْنا القرآنَ بلسانِكَ: هَوَّنَّاه عليكَ. وقال مَطِرٌ الوَرّاقُ: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧] قال: هل مِن طالبٍ عِلْمِ فُعانَ علیه. ٧٥٥١- حدَّثنا أبو مَعمٍَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال يزيدُ: حدَّثني مُطرِّفُ بنُ عبدِ الله، عن عِمْرانَ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، فيمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ قال: ((كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ)). ٧٥٥٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن منصورٍ والأعمَشِ، سَمِعا سَعْدَ ابنَ عُبَيَدةَ، عن أبي عبدِ الَّحمنِ، عن عليٍّ ◌َّ، عن النبيِّ ◌ََّ: أَنَّه كانَ في جَنازةٍ، فَأَخَذَ عوداً فجَعَلَ يَنْكُتُ في الأرضِ، فقال: ((ما مِنْكم ◌ِمِن أحدٍ إلّا كُتِبَ مَفْعَدُه منَ النار أو منَ الجنَّةِ)) قالوا: ألا ◌َتَّكِلُ؟ قال: (اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسٌَّ)) ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى﴾ الآيةَ [الليل:٥]. قوله: (باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾)) قيل: المراد بالذِّكرِ: الادِّكارُ(١) والاتِّعاظ، وقيل: الحِفظ، وهو مُقتَضَى قول مجاهد. قوله: ((وقال النبيّ ◌َّهِ: كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له)) فَذكره موصولاً في الباب من حديث عليّ(٣). قوله: ((وقال مجاهد: يَسَّرْنا القرآن بلسانك: هَوَّنّاه عليك)) في رواية غير أبي ذَرٍّ: ((هَوَّنّا قراءَته عليك)) وهو بفتح الهاء والواو وتشديد النُّون: من التَّهوين، وقد وَصَلَه الفِريابيّ عن ورقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ قال: هَوَّنّاه. قال ابن بَطّال: تيسير القرآن: تَسهيله على لسان القارئ، حتَّى يُسارع إلى قراءَته، فرُبَّمَا سَبَقَ لسانُه في القراءة فيُجاوز الحرف إلى ما بعده، وتحذِف الكلمة حرصاً على ما بعدها. انتهى، وفي دخول هذا في المراد نَظَر کبیر. قوله: ((وقال مَطَرِّ الورّاق: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ﴾ قال: هل من طالبٍ عِلمٍ فُيُعانَ عليه) وَقَعَ هذا التَّعليق عند أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهَنِيِّ وحده، وثَبَتَ أيضاً للجُرْجانيّ (١) تصحّف في (س) إلى: الأذكار. (٢) كذا اقتصر الحافظ على وصله من حديث عليٍّ، مع أنَّ البخاري وصله من حديث عمران أيضاً !! ٥٦٢ باب ٥٤/ح ٧٥٥٢ فتح الباري بشرح البخاري عن الفِرَبريّ، ووَصَلَه الفِريابيّ عن ضَمْرة بن ربيعةً(١) عن عبد الله بن شَوْذَبٍ عن مَطَرِ، وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب ((العِلم)) من طريق ضَمْرة. ثم ذكر حديث عِمران بن حُصَينٍ: قلت: يا رسول الله، فيمَ يَعمَل العامِلونَ؟ قال: ((كلَّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له))، وهو مُختصَر من حديث سَبَقَ في كتاب القَدَر (٦٥٩٦)، فیه: عن عمران قال: قال رجل: يا رسول الله أَيُعرَفُ أهلُ الجنَّة من أهل النار؟ قال: (نَعَم))، قال: فلمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ وقد تقدَّم شرحه هناك. ويزيد شيخ عبد الوارث فيه: هو المعروف بالرِّشْك، وتقدَّم هناك من رواية شُعْبة، قال: حدَّثنا يزيد الرِّشك، فذكره. وحديث عليّ، وفيه: ((ما مِنكم مِن أحدٍ إلّا كُتِبَ مَقعَدُه من النار أو من الجنَّة)) وتقدَّم شرحه هناك (٦٦٠٥) أيضاً، وفيه وفي حديث عِمران الذي قبله: ((كلٌّ مُيَسٌَّ)). قال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة في شرح حديث أبي سعيد (٧٥١٨) المذكور في ((باب كلام ٥٢٢/١٣ الله مع أهل الجنَّة): / فيه نِداء الله تعالى لأهلِ الجنَّة بقَرينةِ جوابهم بـ(لَّكَ وسَعْدَيكَ)) والمُراجَعة بقوله: ((هل رضيتُم؟)) وقولهم: ((وما لنا لا نَرضَى؟)) وقوله: ((ألا أُعطيكم أفضَل؟)) وقولهم: ((يا رَبّنا، وأيّ شيء أفضَل؟)) وقوله: ((أُحِلّ عليكم رِضواني))، فإنَّ ذلك كلَّه يَدُلّ على أنَّه سبحانه وتعالى هو الذي كَلَّمَهم، وكلامه قديم أزَليّ مُيَسَّر بلُغةِ العرب، والنَّظَر في كيفيَّتَه ممنوعٌ، ولا نقولُ بالحلولِ في المحدَث وهي الحروف، ولا أنَّه دَلَّ عليه وليس بموجودٍ، بل الإيمان بأنَّه مُنَزَّل حَقٌّ، مُيَسَّرُ باللُّغَةِ العربيّة صِدقٌ، وبالله التَّوفيق. قال الكِرمانيُّ: حاصل الكلام أنَّهم قالوا: إذا كان الأمر مُقدَّراً، فلنَرُك المَشَقّةَ في العمل الذي من أجلها سُمّيَ بالتَّكليف، وحاصل الجواب أنَّ كلّ مَن خُلِقَ لَشيءٍ يُسِّرَ لعَمَلِهِ، فلا مَشَقّة مع النَّيسير. وقال الخطّابُّ: أرادوا أن يَتَّخِذوا ما سَبَقَ حُجّةً في ترك العمل، فأخبَرَهم أنَّ هنا أمرَينِ لا (١) تحرَّف في (س) إلى: زمعة. ٥٦٣ باب ٥٥ كتاب التوحيد يُبطِلِ أحدُهما الآخَرَ: باطِنٌ وهو ما اقتَضاه حُكْمُ الرُّبويّة، وظاهرٌ وهو السِّمة اللّازِمة بحَقِّ العُبوديّة، وهو أمارةٌ للعاقبةِ، فبيَّن لهم أنَّ العمل في العاجل يَظهَر أثَّرُه في الآجِل، وأنَّ الظّاهر لا يُترَك للباطِن. قلت: وكأنَّ مُناسَبة هذا الباب لما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التَّيسير، والله أعلم. ٥٥- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴾ فِى لَوَجٍ تَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]، ﴿وَالْطُورِ ) وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] قال قَتَادةُ: مكتوبٌ. ﴿يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]: يَخُطّونَ. ﴿فِىّ أُمِّ الْكِتَبِ ﴾ [الزخرف: ٤]: ◌ُمْلةِ الكتاب وأصلِه. ﴿مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ﴾ [ق: ١٨]: ما يتكلَّمُ مِن شيءٍ إلّا كُتِبَ عليه. وقال ابنُ عبَّاسٍ: يُكْتَبُ الخيرُ والشرُّ. ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦]: يُزِيلونَ. وليسَ أحدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كتابٍ مِن كُتُبِ الله عزَّ وجلَّ، ولكنَّهم يُحرِّفونَه، يَتَأْوَّلونَه مِن غیرِ تَأْوِيلِهِ. ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦]: تِلاوَتِهِم ﴿وَعِيَةَ﴾ [الحاقة: ١٢]: حافظةٌ. ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظَها. ﴿وَأُوِْىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُم بِهِ،﴾: يعني: أهلَ مَكّةَ ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: هذا القرآنُ فهو له نَذِیرٌ. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿بَلْ هُوَ قُرُءَانٌ تَجِيدٌ ) فِ لَوْحٍ تَحْفُوظٍ﴾)) قال البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) بعد أن ذكر هذه الآيةَ والتي(١) بعدها: قد ذكر الله أنَّ القرآن يُحِفَظ ويُسطَر، والقرآن الموعَى في القلوب، المسطورِ في المصاحف، المتلوُّ بالألسِنِةِ، كلام الله ليس بمخلوقٍ، (١) تحرَّف في (س) إلى: والذي. ٥٦٤ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري وأمّا المِداد والورَق والجِلد فإنَّه مخلوقٌ. قوله: (﴿وَالُورِ (١) وَكِنَبِ مَسْطُورٍ﴾ قال قَتَادةُ: مكتوب)) وَصَلَه البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)) (١٢٨) من طريق يزيد بن زُرَيع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة في قوله: ﴿وَالُورِ ﴿ وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ قال: المسطور: المكتوب، ﴿فِ رَقٍ مَّنْشُورٍ﴾: هو الكتاب، وَوَصَلَهُ عبدُ بن حُميدٍ من رواية شَيبانَ بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّزاق عن مَعمَر، كلاهما عن ٥٢٣/١٣ قَتَادة نحوه، وأخرج عبد بن مُيدٍ عن ابن أبي نَجِيح/ عن مجاهد في قوله: ﴿وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ قال: صُحُفٍ مكتوبةٍ ﴿ فِرَقِ مَّنشُورٍ﴾ قال: في صُحُفٍ. قوله: (﴿يَسْطُرُونَ﴾: يَخُطّونَ)) أي: يَكتُبُونَ، أورَدَه عبد بن حُميدٍ من طريق شَيبانَ بن عبد الرَّحمن عن قَتَادة في قوله: ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ﴾ قال: وما يَكْتُبُونَ. قوله: ((﴿فِي أُمِّ الْكِتَبِ﴾: بُمْلةِ الكتاب وأصلِه)) وَصَلَه أبو داود في كتاب ((الناسِخ والمنسوخ)) من طريق مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ: أُمُ اُلْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩] قال: جُملةِ الكتاب وأصلِه(١)، وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق في «تفسيره)» عن مَعمَر عن قَتَادة، وعند ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طَلْحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ يقول: جُملة ذلك عنده في أمّ الكتاب: الناسِخ والمنسوخ، وما يَكتُبُ وما يُبدِّل. قوله: ((﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾: ما يتكلّم من شيء إلّا ◌ُتِبَ علیه)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق شُعَيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة والحسن في قوله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ قال: ما يتكلّم به من شيء إلّا كُتِبَ عليه، ومن طريق زائدة بن قُدامةَ عن الأعمش عن ◌َجَمِّع قال: الملَك مِدادُه ريقُه، وقَلَمُه لسانُه. (١) كذا ذكر الحافظُ تفسير قتادة لآية الرعد، مع أنَّ المذكور هو آية الزخرف، وفسَّرها قتادة كما فسَّر به آية الرعد كما خرّجه من طريقه عبد الرزاق في «تفسيره)) ٢/ ١٩٤ والطبريُّ ٢٥/ ٤٨، فكان العَزْوُ إليهما أولَى، إلّا إن كان الحافظُ أراد زيادة الفائدة بأنَّ قتادة فسَّر الآيتين بتفسير واحدٍ، والله أعلم. ٥٦٥ باب ٥٥ كتاب التوحيد قوله: ((وقال ابن عبّاس: يُكْتَب الخيرُ والشرّ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١) وابن أبي حاتم من طريق هشام بن حسَّان عن عِكرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ قال: إنَّما يَكتُب الخير والشرّ، وأخرج أيضاً من طريق عليٍّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿مَّايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾[ق: ١٨] قال: يُكتَب كلُّ ما تَكلَّمَ به من خير أو شَّ، حتَّى إِنَّه لَيُكتَب قولُه: أكَلتُ، شَرِبتُ، ذهبتُ، جِئتُ، رأيتُ، حَتَّى إذا كان يوم الخَميس عُرِضَ قولُه وعَمَلُه، فأُقِرَّ ما كان من خير أو شَرِّ، وأُلقيَ سائرُه، فذلك قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد:٣٩]. وأخرج الطََّرِيُّ (١٦٨/١٣) هذا من طريق الكَلْبِيّ عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله ابن رِئاب، بكسر الرّاء ثمَّ ياء مَهموزة وآخره موخَّدة، والكَلبيّ مَتروك، وأبو صالح لم يُدرِك جابراً هذا (٢). وأخرج الطَّبَرَيُّ (٢٦/ ١٥٩) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة والحسن ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾: ما يتكلّم به من شيء إلّا كُتِبَ علیه، وكانَ عِکرمُ يقول: إنَّما ذلك في الخير والشرّ. قلت: ويُجمَع بينهما بروايةٍ عليّ بن أبي طلحة المذكورة. قوله: ((﴿يُرِفُونَ﴾: يُزِيلُونَ)) لم أرَ هذا موصولاً من كلام ابن عبّاس من وجهٍ ثابتٍ، مع أنَّ الذي قبله من كلامه، وكذا الذي بعده، وهو قوله: ﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾: تِلاوتهم، وما بعده، وأخرج جميعَ ذلك ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. وقد تقدَّم في باب قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾(٣) [الرحمن: ٢٩] عن ابن عبّاس ما يُخَالِف ما (١) كذا نسبه الحافظ رحمه الله للطبري، ولم نقف عليه فيه عن ابن عباس، بل نسبه الطبري لعكرمة كما سيذكره الحافظ، فالظاهر أنَّ نسبته للطبري وهمٌّ والله أعلم، وهو من الطريق المذكورة عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٧٥/١٣، وصحَّحه الحاكم ٤٦٥/٢. (٢) على ضعفٍ في أبي صالح هذا، وهو مولى أم هانئٍ، وليس هو ذكوان السّان. (٣) باب رقم (٤٢). ٥٦٦ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري ذكر هنا، وهو تفسير ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ بقوله: يُزِيلونَ، نَعَم أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وهب بن مُنَبِّه، وقال أبو عُبَيدة في كتاب ((المجاز)) في قوله: ﴿يُحَرِّقُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ قال: يَقْلِبُونَ ويُغيِّرونَ، وقال الرَّاغِب: التَّحريف: الإمالة، وتَحريف الكلام أن يجعله على حَرف من الاحتمال، بحيثُ يُمكِن حَملُه على وجهَينٍ فأكثر. قوله: ((وليس أحدٌ يُزيل لَفْظ كتابٍ من كتب الله عزَّ وجلَّ، ولكنَّهم ◌ُحرِّفونَه: يَتَأْوَّلونَهِ مِنْ غير تَأْويله)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: يَتَأَوَّلونَه على غير تأويله. قال شيخنا ابن الملقِّن في شرحه: هذا الذي قاله أحدُ القولَينِ في تفسير هذه الآية، وهو مُتارُه - أي: البخاريّ - وقد صَرَّحَ كثير من أصحابنا بأنَّ اليهود والنَّصارَى بَدَّلُوا النَّوراة والإنجيل، وفَرَّعُوا على ذلك جواز امتِهان أوراقهما، وهو يُخالِف ما قاله البخاريّ هنا. انتهى، وهو كالصَّريح في أنَّ قوله: ولیس أحد ... إلى آخره من كلام البخاريّ، ذَيَّلَ به تفسيرَ ابنِ عبَّاس، وهو يحتمل أن يكون بقيّةً كلامٍ ابنِ عبَّاس في تفسير الآية. وقال بعض الشُّراح المتأخّرينَ: اختُلِفَ في هذه المسألة على أقوال: أحدها: أنَّهَا بُدِّلَت كلُّها، وهو مُقتَضَى القول المَحكيّ بجوازِ الامتِهان، وهو إفراطٌ، ويَنْبَغِي حَمل إطلاق مَن أطلَقَه على الأكثر، وإلّا فهي مُكابَرةٌ، والآيات والأخبار كثيرةٌ في ٥٢٤/١٣ أنَّه بَقِيَ منها أشياءُ كثيرةٌ لم تُبدَّل، من ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ الثَّوْرَةِ وَاَلْإِنجِيلِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٧]، ومن ذلك قصَّة رَجم اليهوديَّينِ، وفيه وجودُ آيَة الرَّجْم(١)، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ثانيها: أنَّ التَّبديل وَقَعَ ولكن في مُعظَمها، وأدِلَته كثيرةٌ ويَنبَغي ◌َمْل الأوَّل عليه. ثالثها: وَقَعَ في اليسير منها، ومُعظَمها باقٍ على حالِهِ، ونَصَرَه الشَّيخ تَقيّ الدّين بن تَيميةَ في كتابه ((الردّ الصَّحيح على مَن بَدَّلَ دین المَسیح)). (١) تقدم برقم (٧٥٤٣). ٥٦٧ باب ٥٥ كتاب التوحيد رابعها: إنَّمَا وَقَعَ التَّبديل والتَّغيير في المعاني لا في الألفاظ، وهو المذكور هنا، وقد سُئلَ ابن تيميةَ عن هذه المسألة مُجرَّداً، فأجابَ في ((فتاويه)): أنَّ للعلماءِ في ذلك قولَين، واحتجَّ للثّاني من أو جُهٍ كثيرةٍ: منها قوله تعالى: ﴿لَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ،﴾ [الأنعام: ١١٥]، وهو مُعارَض بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ، بَعْدَ مَا سَمِعَدُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ، عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، ولا يَتَعَيَّن الجمع بما ذُكِرَ من الحمْل على اللَّفظ في النَّفي، وعلى المعنى في الإثبات، لجوازِ الحمْل في النَّفي على الحُكم، وفي الإثبات على ما هو أعمّ من اللَّفظ والمعنى، ومنها أنَّ نُسخ التَّوراة في الشَّرق والغرب والجنوب والشَّمال لا تختلف، ومن المُحال أن يَقَع التَّبديل فَتَتَوارَد النُّسخ بذلك على مِنهاج واحدٍ، وهذا استدلالٌ عَجيبٌ، لأَنَّه إذا جازَ وقوع التَّبديل جازَ إعدام المُبدَل، والنُّسخ الموجودة الآنَ هي التي استَقرَّ عليها الأمرُ عندهم عند التَّبديل، والأخبار بذلك طافحةٌ. أمّا فيما يَتَعلَّق بالثَّوراةِ فلأنَّ بُخْتُنَصَّر لمَّا غَزَا بيت المقدس، وأهلَكَ بني إسرائيل ومَزَّفَهم بين قتيلٍ وأسيرٍ، وأعدَمَ كُتُبهم حتَّى جاءَ عَزْرا (١) فأملاها عليهم، وأمّا فيما يَتَعلَّق بالإنجيلِ فإنَّ الرّومِ لمَّا دخلوا في النَّصرانيّة جمَعَ مَلِكُهم أكابِرَهم على ما في الإنجيل الذي بأيديهم، وتَحريفُهم المعانيَ لا يُنكَر بل هو موجود عندهم بكثرةٍ، وإنَّما النِّزاع هل حُرِّفَتِ الألفاظُ أو لا؟ وقد وُجِدَ في الكتابينِ ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله عزَّ وجلَّ أصلاً. وقد سَرَدَ أبو محمَّد بن حَزم في كتابه ((الفِصَل في الِلَل والنِّحَل)) أشياءَ كثيرةً من هذا الجِنس، من ذلك أنَّه ذكر: أنَّ في أوَّلِ فصل في أوَّلِ وَرَقة من تَوراة اليهود التي عند ربّانِيِّهم (٢) وقُرَّائهم(٣) (١) في (ع): عُزير، وكلاهما صحيح في اسمه، فالمثبت من (أ) اسمه في العبرانية، وما في (ع) اسمه في العربية، وتحرّف في (س) إلى: عزیرا. (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: ربانهم، بحذف ياء النسبة، والربّانيّون طائفة من اليهود يمثّلون جُهورَهم، أطلق عليهم هذا اللقب لإيمانهم بأسفار التّلمود التي ألفها الربّانيون وهم الحاخاميم أو الفقهاء لهذه الطائفة. (٣) هذه طائفة من اليهود يقال لهم: القرّاؤون، سمُّوا بذلك لإيمانهم بالمقرا، أي المقروء، وهي أسفار العهد القدیم وحده. ٥٦٨ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري وعانانيِّهم(١) وعيسويِّهم(٢)، حيثُ كانوا في المشارق والمغارب لا يَخْتَلِفُونَ فيها على صِفَة واحدة، لو رامَ أحدٌ أن يزيد فيها لفظةً أو يَنْقُصَ منها لفظةً لافتَضَحَ عندهم، مُتَّفَقاً عليها عندهم إلى الأحبار الهارونّة الذينَ كانوا قبل الخَراب الثّاني، يَذكُرونَ أنَّهَا مُبلَّغَة من أولئكَ إلى عَزْرا الهارونيّ، وأنَّ الله تعالى قال لمَّا أكَلَ آدمُ من الشَّجَرة: هذا آدمُ قد صارَ كَواحدٍ مِنّا في مَعِرِفة الخير والشّ، وأنَّ السَّحَرة عَمِلُوا لِفِرعَون نَظِير ما أُرسِلَ عليهم من الدَّم والضَّفادِعِ، وأنَّهم عَجَزوا عن البَعوض، وأنَّ ابنَتَي لوط بعد هلاك قومه ضاجَعَت كلّ منهما أباها بعد أن سَقَتْه الخمرَ، فوطِئَ كلّ منهما فحَمَلَتا منه، إلى غير ذلك من الأُمور المنكرة المُستَشَعة. وذكر في مواضع أُخرى أنَّ التَّبديل وَقَعَ فيها إلى أن أُعدِمَت، فأملاها عَزْرا المذكور على ما هي عليه الآن، ثمَّ ساقَ أشياء من نَصّ التَّوراة التي بأيديهم الآن الكذِبُ فيها ظاهرٌ جدّاً، ثُمَّ قال: وبَلَغَنا عن قوم من المسلمينَ يُنكِرِونَ أنَّ التَّوراة والإنجيل اللَّتَيْنِ بأيدي اليهود والنَّصارَى مُحرَّفان، والحامل لهم على ذلك قِلّة اهتبالهم (٣) بنُصوصِ القرآن والسُّنّة، وقد اشتَمَلا على أنَّهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ [النساء: ٤٦] و﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٧٨] ويلبِسُون الحقَّ بالباطلِ ويكتُمون الحقّ وهم يعلمون (٤)، ويقال لهؤُلاءِ المُنكِرِينَ: قد قال الله تعالى في صِفَة الصحابة: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنْجِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾ إلى آخر السّورة [الفتح: ٢٩]، وليس بأيدي اليهود والنَّصارَى شيء من هذا، ويقال (١) تحرَّفت في الأصلين و(س) إلى: عانانهم، بحذف ياء النسبة، وهي طائفة من اليهود تنسب إلى عانان - ويقال: عنان - بن داود أحد كبار أحبارهم. (٢) العيسوية: طائفة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى الأصبهاني رجل من اليهود، كان يقول بنبوة عيسى ومحمد ◌َّ، إلّ أنهم يَقصُرون رسالة محمد لله على العرب خاصّة. (٣) المثبت من (أ)، وهو الموافق لما في ((الفصل)) لابن حزم، وتكرر منه هذا التعبير، وفي (ع): اعتنائهم، وفي (س): مبالاتهم. (٤) يشير إلى قوله تعالى في سورة آل عمران [٧١]: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ٥٦٩ باب ٥٥ كتاب التوحيد لمن اذَّعَى أنَّ نَقلَهم نَقُلٌ مُتَواتر: قد اتَّفَقوا على أن لا ذِكر لمحمَّدٍ وََّ في الكتابين، فإن صَدَّقْتُموهم فيما بأيديهم لكَونِهِ نُقِلَ نَقلَ المتواتر، فصَدِّقوهُم بما زَعَموه أن لا ذِكر لمحمَّدٍ وَلآله ولا لأصحابه، وإلا فلا يجوز تصدیقُ بعضٍ / وتكذيبُ بعضٍ مع مجيئهما مجيئاً واحداً. ٥٢٥/١٣ انتھی کلامُه و فيه فوائد. وقال الشَّيخ بدر الدّين الَّركَشِيّ: اغتَرَّ بعض المتأخِّرينَ بهذا -يعني بما قال البخاريّ - فقال: إنَّ في تَحريف التَّوراة خلافاً: هل هو في اللَّفظ والمعنى أو في المعنى فقط؟ ومالَ إلى الثّاني، ورَأى جواز مُطالَعَتها، وهو قولٌ باطلٌ، ولا خِلاف أنَّهم حَرَّفوا وبَدَّلوا، والاشتغال بنَظَرِها وكتابتها لا يجوز بالإجماع، وقد غَضِبَ وَ له حين رأى مع عمر صحيفةً فيها شيء من التوراة، وقال: (لَو كان موسى حَيّاً ما وسِعَه إلّ اتِّباعي))(١)، ولولا أنَّه مَعصيةٌ ما غَضِب فيه. قلت: إن ثَبَتَ الإجماعُ فلا كلامَ فيه، وقد قَيََّه بالاشتغالِ بكتابَتِها ونَظَرَها، فإن أرادَ مَن يَتَشاغَل بذلك دونَ غيره فلا يَحَصُل المطلوب، لأنَّه يُفهِم أنَّه لو تَشاغَلَ بذلك مع تَشاغُله بغيرِه جازَ، وإن أرادَ مُطلَقَ التَّشاغُل فهو محلُّ النَّظَرِ، وفي وصفه القولَ المذكورَ بالبُطلان مع ما تقدَّم نَظَرِّ أيضاً، فقد نُسِبَ لوهْبٍ بن مُنبِّهِ وهو من أعلَم الناس بالتَّوراة، ونُسِبَ أيضاً لابنِ عبَّاس ترجمان القرآن، وكانَ يَنبَغي له ترك الدَّفْع بالصَّدْرِ والتَّشاغُل بَرَدِّ أرِلّة المخالِف التي حَكَيْتُها، وفي استدلاله على عَدَم الجواز الذي ادَّعَى الإجماعَ فيه بقصَّةِ عمر نَظَرِّ أیضاً سَأذكُرُه بعد تخريج الحديث المذكور. وقد أخرجه أحمد (١٤٦٣١) والبزَّار(٢) واللَّفظ له من حديث جابر قال: نَسَخَ عمر كتاباً من التَّوراة بالعربيّةِ فجاءَ به إلى النبيّ وَّهِ، فجَعَلَ يَقرأ ووجهُ رسولِ الله وَ لِ يَتَغِيَّرُ، فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطّاب ألا تَرَى وجهَ رسول الله وَلِّ؟ فقال رسول الله وَ ل﴾ ((لا تَسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنَّهم لن يَهُدُوكُم وقد ضَلُّوا، وإنَّكم إمّا (١) يأتي تخريجه قريباً. (٢) كما في ((كشف الأستار)) (١٢٤). ٥٧٠ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري أن تُكذِّبوا بحَقِّ أو تُصدِّقوا بباطلٍ، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حَلَّ له إلّا أن يَتَّبِعني)). وفي سنده جابرٌ الجُعْفيُّ، وهو ضعيف(١). ولأحمد (١٥١٥٦) أيضاً وأبي يَعلَى (٢١٣٥) من وجه آخَر عن جابر أنَّ عمر أتَى بكتاب أصابَه من بعض كتُب أهل الكتاب، فقرأه على النبيّ وَّ فِغَضِبَ، فذكر نحوه دونَ قول الأنصاريّ، وفيه: ((والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى حَيّاً(٢) ما وسِعَه إلّا أن يَتَّبِعني)) وفي سنده مجالِد بن سعيد وهو لَیِّن. وأخرجه الطَّبَرَانيُّ(٣) بسندٍ فيه مجهول ومُخْتَلَف فيه عن أبي الدَّرداء: جاءَ عمر بجَوَامعَ من التَّوراة، فذكره بنحوِه، وسَمَّى الأنصاريَّ الذي خاطَبَ عمر عبدَ الله بن زيد الذي رَأى الأذان، وفيه: (لَو كان موسى بين أظهركم ثمَّ اتَّبَعتُموه وتركتموني لَضَلَلتُمْ ضَلالاً بعيداً». وأخرجه أحمدُ (١٥٨٦٤) والطَّبَرانيُّ(٤) من حديث عبد الله بن ثابت قال: جاءَ عمر فقال: يا رسول الله إنّ مَرَرت بأخٍ لي من بني قُرَيظة فَكَتَبَ لي جَوامعَ من التَّوراة، ألا أعرِضها عليك؟ قال: فَتَغيَّرَ وجهُ رسول الله وَلِّ، الحديث، وفيه: ((والذي نفس محمَّد بيَدِه لو أصبَحَ موسى فيكم ثمَّ اتَّبَعتُموه وتَرَكتُموني لَضَلَلْتُمْ)). وأخرج أبو يَعلَى(٥) من طريق خالد بن عُرُفُطة قال: كنت عند عمر فجاءَه رجل من (١) ليس في إسناد حديث جابر بن عبد الله: جابرٌ الجعفي، بل مجالد بن سعيد، وهو ضعيف أيضاً، والحديث الذي في سنده جابر الجعفي هو حديث عبد الله بن ثابت الذي سيذكره الحافظ قريباً. (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهو جائز على تقدير حذف ((كان)) واسمها، وهو مستعمل في لغة العرب كثيراً بعد ((إن)) و((لو)) الشرطيتين، وأحياناً بدونهما، وقد جاء الحديث كذلك في ((نقد المنقول)) لابن القيم ص٦٤، وكذلك جاء في ((إتحاف المهرة)) للبوصيري (١/٦٣٣٢) بحذف ((كان)) واسمها. فلعلَّ هذا هو الذي وقع في نسخة الحافظ من ((مسند أحمد))، والذي في طبعتنا من ((المسند) بإثبات ((كان)). (٣) سقط من مطبوع الطبراني مسند أبي الدرداء، وقد أخرج بعضَ حديثه المذكور، (٧٢١٤). (٤) سقط مسند عبد الله بن ثابت من مطبوع الطبراني. (٥) هو في ((مسنده الكبير)) فقد أخرجه الخطيب البغدادي في ((تقييد العلم)) ص ٥١ من طريقه، وذكره الحافظ نفسه في («المطالب)) (٣٠٣٤) وشرطه فيه ذكر زوائد أبي يعلى في ((مسنده الكبير)). ٥٧١ باب ٥٥ كتاب التوحيد عبد القيس، فضَرَبَه بعَصاً معه فقال: ما لي يا أمير المؤمنينَ؟ قال: أنتَ الذي نَسَخت كتاب دانيال؟ قال مُرني بأمرِك، قال: انطَلِق فامحُهُ فَئِن بَلَغَني أنَّك قرأتَه أو أقرَأتَه لَأُنِهِكَنَّك عُقوبةً، ثمَّ قال: انطَلَقتُ فانتَسَختُ كتاباً من أهل الكتاب، ثمَّ جِئت فقال لي رسول الله مَليه: ((ما هذا))؟ قلت: كتاب انتَسَختُه لنَزدادَ به عِلماً إلى عِلمنا، فغَضِبَ حتَّى احمرَّت وجنتاهُ، فذكر قصَّةً فيها: ((يا أيُّها الناس إنّي قد أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلم وخَواتمه، واختُصِرَ لي الكلامُ اختصاراً، ولقد أتيتُكم بها بَيضاءَ نَقيّةً فلا تَتَهَوَّكوا))، وفي سنده عبد الرَّحمن بن إسحاق الواسطيُّ وهو ضعيف. وهذه جميع طرق هذا الحديث وهي وإن لم يَكُن فيها ما يُحْتَجّ به، لكنَّ مجموعها يَقْتَضى أنَّ لها أصلاً، والذي يَظهَر أنَّ كراهيةَ ذلك للتَّزيه لا للتَّحريمِ، والأَولى في هذه المسألة التَّفْرِقَةُ بين مَن لم يَتَمَكَّنِ ويَصِرْ من الرَّاسِخِينَ في الإيمان، فلا يجوز له النَّظَر في شيء من ذلك، بخِلَاف الرَّاسِخ فيجوز له ولا سيَّما عند الاحتياج إلى الردّ على المخالف، ويَدُلّ على ذلك نَقُلُ الأئمّة قديماً وحديثاً من الثَّوراة وإلزامهم اليهود بالتَّصديق/ بمحمَّدٍ ێ( بما یستَخرِ جونه من کتابهم، ٥٢٦/١٣ ولولا اعتقادهم جوازَ النَّظَر فيه لما فعلُوه وتَوارَدُوا عليه. وأمّا استدلاله للتَّحريمِ بما وَرَدَ من الغضب، ودَعواه أنَّه لو لم يَكُن مَعصيةً ما غَضِبَ منه، فهو مُعتَرَض بأنَّه قد يَغضَب من فِعل المكروه ومن فِعل ما هو خِلاف الأَولى إذا صَدَرَ مَمَّن لا يَلِيق منه ذلك، كَغَضَبِهِ من تَطويل مُعاذٍ صلاةَ الصُّبح بالقراءةِ (١)، وقد يَغضَب ثَمَّن يَقَع منه تَقصير في فهم الأمر الواضح مِثل الذي سَألَ عن لُقَطة الإبل، وقد تقدَّم (٩١) في كتاب العِلم: ((الغضب في المَوعِظة)) ومضى (٦١١٢) في كتاب الأدب: ((ما يجوز من الغضب)). قوله: (يَتَأْوَّلونَه)) قال أبو عُبَيدة وطائفة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ [آل عمران: ٧]: التَّأويل: التَّفسير. وفَرَّقَ بينهما آخَرونَ، فقال أبو عُبَيد الهَرَويُّ: التَّأويل: رَدّ أحد المُحتَمَلَيْنِ إلى ما يُطابِقِ (١) تقدم برقم (٧٠٥). ٥٧٢ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري الظّاهر، والتَّفسير: كَشف المراد عن اللَّفظ المشكِل. وحكى صاحبُ ((النِّهاية)): أنَّ التَّأويل نَقلُ ظاهر اللَّفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِكَ ظاهر اللَّفظ، وقيل: التَّأويل: إبداء احتمال لفظٍ مُعتَضِدٍ بدليلٍ خارجٍ عنه، ومَثَّلَ بعضُهم بقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبُّ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قال: مَن قال: لا شَكَّ فيه، فهو التَّفسير، ومَن قال: لأنَّه حقٌّ في نفسه لا يَقبَل الشكّ، فهو التّویل. ومُراد البخاريّ بقوله: ((يَتَأْوَّلونَه)) أنَّهم يُحرِّفونَ المراد بضَرْبٍ من التَّأويل، كما لو كانت الكلمة بالعِبرانيّةِ تحتَمِل مَعنيَينِ: قريب وبعيد، وكانَ المراد القريب فإنَّهم يَحمِلونَها على البعيد، ونحو ذلك. قوله: (﴿دِرَاسَتِهِمْ﴾: تِلاوتهم)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (١٤٢٥/٥) من طريق عليّ بن أبي طَلحة عن ابن عبّاس، وكذا قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌّ وَعِيَّةٌ﴾ قال: حافظةٌ. قيل: النُّكْنة في إفراد الأُذُن الإشارة بقِّةِ مَن يَعِي من الناس، وورَدَ في خَبَرَ ضعيف أنَّ المراد بالأُذُنِ في هذه الآية خاصّ، وهي أُذُن عليّ، أخرجه الثَّعلَبيّ من مُرسَل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وفي سنده أبو حمزة الثَّالِيّ، بضمِّ المثلَّة وتخفيف الميم (١)، وأخرج سعيد بن منصور والطَّبَريّ (٥٥/٢٩)(٣) من مُرسَل مكحول نحوه. قوله: ((﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يعني أهل مَكّة ﴿وَمَنْ بَغَ﴾ هذا القرآنُ فهو له نذِيرٌ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٧١) بالسَّنَدِ المذكور إلى ابن عبّاس وقال ابن الِّين: قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: بَلَغَه فحَذَفَ الهاء، وقيل: المعنى: ومَن بَلَغَ الحُلُم، والأوَّل هو المشهور، وأخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الْجَهْميّة)) عن عبد الله بن داود الخُرَيبيّ - بخاءٍ مُعجَمة ثمَّ راء ثمَّ موحّدة مُصغَّر - قال: ما في القرآن آيةٌ أشَدُّ على أصحاب جَهْمٍ من هذه الآية: ﴿لِأُنِذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ ﴾، فمَن بَلَغَه القرآنُ فكأنَّما سَمِعَه من الله تعالى. (١) واسمه ثابت بن أبي صفيَّة، رافضي ضعيف. (٢) وهو أيضاً عند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣٣٦٩/١٠. ٥٧٣ باب ٥٥/ح ٧٥٥٣ -٧٥٥٤ كتاب التوحيد ٧٥٥٣- وقال لى خليفةُ بنُ خَيّاطٍ: حدَّثْنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ أبي، عن قَتَادةَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((لمَّا قَضَى اللهُ الخلقَ كَتَبَ كتاباً عندَه: غَلَبَتْ - أو قال: سَبَقَتْ - رحمتي غَضَبِي، فهو عندَه فوْقَ العَرْشِ». ٧٥٥٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي غالبٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ أبي يقولُ: حَدَّثنا قَتَادةُ، أنَّ أبا رافع حَدَّثَه، أنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةَ ﴾ه يقولُ: سمعتُ رسولَ الله وَله يقولُ: ((إنَّ الله كَتَبَ كتاباً قبلَ أنْ يَخْلُقَ الخلقَ: إنَّ رحمتي سَبَقَتْ غَضَبي، فهو مكتوبٌ عندَه فوْقَ العَرْشِ». قوله: ((سَمِعْت أبي)) هو سليمانُ بن طَرْخانَ التَّيْمِيُّ. قوله: ((عن قَتَادةَ، عن أبي رافع)) كذا وَقَعَ بالعَنعَنةِ، وفي السَّنَد الذي بعده التَّصريح بالتَّحديثِ من قَتَادة وأبي رافع(١)، وكذا بالسَّماع لأبي رافع وأبي هريرة. قوله: ((لّا قَضَى اللهُ الخلقَ)) في رواية الكُشْمِيهَنِيّ: ((لمَّا خَلَقَ)). قوله: ((غَلَبَتْ، أو قال: سَبَقَتْ)) كذا بالشكِّ، وفي التي بعدَها بالجَزْمِ ((سَبَقَت)). قوله: ((فهو عنده فوْق العَرْش)) تقدَّم الكلام على قوله: ((عنده)) في باب ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٧٤٠٤)، وعلى قوله: ((فوق العَرش)) في باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ (٧٤٢٢)، وتقدَّم شرح الحديث أيضاً. والغرضُ منه الإشارةُ إلى أنَّ اللَّوح المحفوظ فوق العَرش. قوله: ((حدَّثْني محمّد بن أبي غالب)) في رواية أبي ذَرّ: حدَّثنا. وهو قُومَسيِّ نَزَلَ بغداد، ويقال له: الطَّيَالِسُّ، وكانَ حافظاً من أقران البخاريّ كما تقدَّم ذِكره في باب الاحتباء باليد من كتاب الاستئذان (٦٢٧٢)، وقد نَزَلَ البخاريّ في هذا الإسناد درجةً بالنِّسبةِ لحديثِ مُعتَمِر، فإنَّه أخرج عنه الكثير بواسطةٍ واحد، فعنده في العِلم (١٢٩) والجهاد (٢٨٢٣) (١) أقحم بعد هذا في (ع) و(س): ((عند مسلم)). ولا يناسب ذكر هذه العبارة قولَ الحافظ وسياق كلامه، على أنَّ مسلماً لم يخرج الحديث من هذه الطريق. ٥٧٤ باب ٥٦ فتح الباري بشرح البخاري والدَّعَوات (٦٣١١) والأشربة (٥٥٨٣) والصُّلح (٢٦٩١) واللِّباس (٥٨٠٢) عِدّةُ أحاديث، أخرجها مُسَّد عن مُعتَمِر، ودَرَجَتَينِ بالنّسبةِ لحديثِ قَتَادة، فإنَّ عنده الكثير من رواية شُعْبة عنه بواسطةٍ واحدٍ عن شُعْبة، وقد سَمِعَ من محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، والأنصاريّ سَمِعَ ٥٢٧/١٣ من سليمان/ التَّيْميِّ، ولكن لم يُخرِّج البخاريّ هذه التَّرجمة في ((الجامع)). ومحمَّد بن إسماعيل شيخ محمّد بن أبي غالب بَصريّ، يقال له: ابن أبي سمينة - بمُهمَلة ونون، وزن عظيمة - من الطّبقة الثّالثة من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج عنه في ((التّاريخ)) بلا واسطةٍ، ولم أرَ عنه في ((الجامع)) شيئاً إلّا هذا الموضع، وقد سَمِعَ منه مَن حَدَّثَ عن البخاريّ مِثل صالح بن محمَّد الحافظ الملقَّبُ جَزَرَ - بفتح الجيم والزّاي ـ وموسى بن هارون وغيرهما. ٥٦- باب قول الله تعالى: وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿ إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ويقالُ للمُصوِّرِينَ: ((أَحيُّوا ما خَلَقْتُمْ)). ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ إلى ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قال ابنُ عُبَينَةَ: بَيَّن اللهُ الخلقَ منَ الأمرِ، بقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ اْخَلْقُ وَاَلْأَمْرُ﴾. وسَمَّى النبيُّ ◌َّهِ الإيمانَ عملاً، قال أبو ذَرِّ وأبو هُرَيرَةَ: سُئلَ النبيُّ وَّهِ: أَيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبیلِهِ)). وقال: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤]. وقال وَفْدُ عبدِ القيسِ للنبِّ ◌ََّ: مُرْنا بِجُمَلٍ منَ الأمرِ إنْ عَمِلْنا بها دَخَلْنا الجنَّةَ، فأمَرَهم بالإيمان، والشَّهادةِ، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكَاةِ، فجَعَلَ ذلك كلَّه عملاً. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا نَعْمَلُونَ﴾)) ذكر ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ غَرَض ٥٢٨/١٣ ٥٧٥ باب ٥٦ كتاب التوحيد البخاريّ بهذه التَّرجمة إثباتُ أنَّ أفعال العباد وأقوالهم مخلوقة لله تعالى، وفَرَّقَ بين الأمر بقوله: ﴿كُنْ﴾ وبين الخَلْق بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فجَعَلَ الأمرَ غيرَ الخَلْق، وتسخيرُها الذي يَدُلّ على خَلْقها إنَّما هو عن أمره، ثمَّ بيَّن أنَّ نُطْق الإنسان بالإيمان عمل من أعماله، كما ذكر في قصَّة وفد عبد القَيس حيثُ سَألوا عن عمل يُدخِلهم الجنَّة، فأمَرَهم بالإيمان، وفَشَّرَه بالشَّهادةِ وما ذكر معها، وفي حديث أبي موسى المذكور: ((وإنَّما الله الذي حَلَكُمْ)) الردُّعلى القَدَريّةِ الذينَ يَزِعُمونَ أنَّهم يَخْلُقُونَ أعمالهم. قوله: (﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾) كذا لهم، ولعلَّ سَقَطَ منه: وقوله تعالى، وقد تقدَّم الكلام على هذه الآية في ((باب قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍ﴾﴾﴾(١). قال الكِرمانيُّ: التَّقدير: خَلَقْنا كلَّ شيء بقَدَرٍ، فيُستَفاد منه أن يكون الله خالقَ كلّ شيء، كما صَرَّحَ به في الآية الأُخرى، وأمّا قوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فهو ظاهرٌ في إثبات نسبة العمل إلى العباد، فقد يُشكِل على الأوَّل، والجواب: أنَّ العمل هنا غير الخلق، وهو الكَسْب الذي يكونُ مُسنَداً إلى العبد حيثُ أثبَتَ له فيه صُنعاً، ويُسنَد إلى الله تعالى من حيثُ إنَّ وجوده إنَّما هو بتأثيرٍ قُدرَته، وله جِهَتان: جهة تنفي القَدَر، وجهة تنفي الجَبْر، فهو مُسنَد إلى الله حقيقةً وإلى العبد عادةً، وهي صِفَة يَتَرَّب عليها الأمرُ والنَّهي والفِعلُ والثَّرك، فكلّ ما أُسنِدَ من أفعالِ العباد إلى الله تعالى، فهو بالنَّظَرِ إلى تأثير القُدرة، ويقال له: الخَلْق، وما أُسنِدَ إلى العبد إنَّما يَحصُل بتقديرِ الله تعالى، ويقال له: الكَسب، وعليه يَقَع المدح والذَّمّ، كما يُذَمّ المشَوَّه الوجه ويُمدَح الجميل الصّورة، وأمّا الثَّواب والعقاب فهو علامة، والعبد إنَّما هو مِلكُ الله تعالى یفعَل فيه ما يشاء. وقد تقدَّم تقرير هذا بأتمَّ منه في ((باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾))(٢)، وهذه طريقة سَلَكَها في تأويل الآية، ولم يَتعرَّض لإعرابِ ((ما)) هل هي مَصدَريّة أو موصولة، (١) باب رقم (٣٠) من هذا الكتاب. (٢) باب رقم (٤٠) من هذا الكتاب. ٥٧٦ باب ٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد قال الطََّرِيُّ: فيها وجهان: فمَن قال: مَصدَريّة، قال: المعنى: واللهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عملَكم، ومَن قال: موصولة، قال: خَلَقَكم وخَلَقَ الذي تَعمَلونَ، أَي: تَعمَلونَ منه الأَصنام وهو ٥٢٩/١٣ الخشب والنُّحاس وغيرهما، ثمَّ أَسنَدَ عن قَتَادة ما يُرجِّح القول الثّاني، وهو قوله تعالی:/ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا نَعْمَلُونَ﴾ أي: بأيديكم. وأَخرج ابنُ أبي حاتم من طريق قَتَادة أيضاً قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾ أي: من الأَصنام ﴿ وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بأَيديكم، وتَسَّكَ المعتَزِلة بهذا التَّأويل. قال السُّهَيلِيّ في ((نتائج الفِكر)) له: اتَّفَقَ العُقَلاء على أَنَّ أَفعالَ العباد لا تتعلَّق بالجواهرِ والأجسام، فلا تقول: عَمِلتُ حَبلاً ولا صَنَعتُ جَمَلاً ولا شَجَراً، فإذا كان كذلك، فمَن قال: أَعجَبني ما عَمِلت، فمعناه الحَدَث، فعلى هذا لا يَصِحُّ في تأويل ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إلّا أنَّهَا مَصدَريّة، وهو قول أهل السُّنّة، ولا يَصِحّ قول المعتَزِلة: إنَّها موصولة، فإنَّهم زَعَموا أنَّها واقعة على الأصنام التي كانوا يَنحِتونَها، فقالوا: التَّقدير: خَلَقَكم وخَلَقَ الأَصنام، وزَعَموا أَنَّ نَظْم الكلام يَقتَضي ما قالوه، لتَقَدُّم قوله: ﴿مَا نَنْحِنُونَ﴾، لأنَّها واقعة على الحجارة المنحوتة، فكذلك ((ما)) الثّانية، والتَّقدير عندهم: أَتَعْبُدُونَ حجارة تَنْحِتوتَها، واللهُ خَلَقَكم وخَلَقَ تلكَ الحجارة التي تَعمَلونَها، هذه شُبهَتهم، ولا يَصِحّ ذلك من جهة النَّحو، إذ ((ما)) لا تكونُ مع الفِعل الخاصّ إلّا مَصدَريّة، فعلى هذا فالآية تَرُدّ مذهبَهم، وتُفسِد قولهم، والنَّظم على قول أهل السُّنّة أبدَعُ. فإن قيل: قد تقول: عَمِلتُ الصَّحْفة وصَنَعتُ الجَفْنة، وكذا يَصِحّ: عَمِلتُ الصَّنَم، قلنا: لا يَتَعلَّق ذلك إلّا بالصّورةِ التي هي التَّأليف والتَّركيب، وهي الفِعل الذي هو الإحداث دونَ الجواهر بالاتّفاق، ولأنَّ الآية وَرَدَت في بيان استِحقاق الخالق العبادةَ، لانفرادِه بالخلق، وإقامة الحُجّة على مَن يَعبُد ما لا يَخْلُق وهم يُخْلَقونَ، فقال: أَتَعْبُدُونَ مَن لا يَخْلُق، وتَدَعونَ عبادة مَن خَلَقَكم وخَلَقَ أعمالكم التي تعملون، ولو كانوا كما زَعَموا لمَا قامَتِ الحُجّة من نفسِ هذا الكلام، لأنَّه لو جَعَلهم خالقينَ لأعمالهم، وهو خالقٌ للأجناسِ، لَشَرَكَهم معه(١) (١) تحرَّف في (س) إلى: معهم. ٥٧٧ باب ٥٦ كتاب التوحيد في الخلق، تعالى الله عن إفْكِهم. قال البيهقيُّ في كتاب ((الاعتقاد)): قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [غافر: ٦٢]، فدَخَلَ فيه الأعيانُ والأفعالُ من الخير والشرّ، وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فَنَفَى أن يكون خالقٌ غيرَه، ونَفَى أن يكون شيءٌ سِواه غيرَ مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة له، لكانَ خالقَ بعض شيءٍ لا خالقَ كلّ شيء، وهو بخِلَاف الآية، ومن المعلوم أنَّ الأفعال أكثرُ من الأعيان، فلو كان الله خالقَ الأعيان، والناسُ خالقي الأفعال، لكانَ مخلوقاتُ الناس أكثرَ من مخلوقات الله، تعالى الله عن ذلك، وقال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾. وقال مَكّيُّ بن أبي طالب في ((إعراب القرآن)) له: قالت المعتَزِلة: ((ما)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ موصولة؛ فِراراً من أن يُقِرّوا بعُمومِ الخلق لله تعالى، يريدونَ أنَّه خَلَقَ الأشياء التي تُنحَت منها الأصنام، وأمّا الأعمال والحَرَكات فإنّها غير داخلة في خلق الله، وزَعَموا أنَّهم أرادوا بذلك تنزيه الله تعالى عن خلق الشّ، ورَدَّ عليهم أهل السُّنّة بأنَّ الله تعالى خَلَقَ إبليس وهو الشرُّ كلُّه، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ آ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾، فأثبَتَ أَنَّه خَلَقَ الشّ، وأطبَقَ القُرّاء حتَّى أهل الشُّذوذ على إضافة ((شَرّ)) إلى ((ما)) إلّا عمرَو بن عُبَيد رأس الاعتزال، فقرأَها بتنوينِ شَرِّ لُيُصَحِّح مذهبه، وهو محجوجٌ بإجماع مَن قبله على قِراءَتها بالإضافة، قال: وإذا تَقرَّرَ أنَّ الله خالقُ كلّ شيء من خيرٍ وشرِّ، وَجَبَ أن تكون (ما)) مصدریّة، والمعنی: خَلَقَکم وخَلَقَ عملکم، انتھی. وقَوَّى صاحبُ ((الكشّاف)) مذهبه بأنَّ قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ترجمة عن قوله قبلها: ﴿مَا نَنْحِتُونَ﴾، و((ما)) في قوله: ﴿مَا نَحِنُونَ﴾ موصولة اتِّفاقاً، فلا يُعدَل بـ((ما)) التي بعدها عن أُختها، وأطالَ في تقرير ذلك، ومن جُلَته: فإن قلت: ما أنكَرتَ أن تكون ((ما)) مَصدَريّة، والمعنى: خَلَقَكم وخَلَقَ عملكم كما تقول المُجِرة، يعني: أهل السُّنّة، قلت(١): أقرَبُ ما يُبْطَل (١) القائل هو الزمخشري. ٥٧٨ باب ٥٦ فتح الباري بشرح البخاري به أنَّ معنى الآية يَأباه إباءً جَليّاً، لأنَّ الله احتَجَّ عليهم بأنَّ العابد والمعبود جميعاً خلقُ الله، فكيف يُعبَد المخلوق مع أنَّ العابد هو الذي عَمِلَ صورة المعبود، ولولاه لمَا قَدَرَ أن ٥٣٠/١٣ يُشكِّل نفسه، فلو كان التَّقدير: خَلَقَكم وخَلَقَ عملكم،/ لم يكُن فیه حُجّة علیهم، ثمّ قال: فإن قلتَ: هي موصولة، لكنَّ الَّقدير: واللهُ خَلَقَكم وما تَعمَلونَه من أعمالكم، قلتُ: ولو كان كذلك لم يَكُن فيها حُجّة على المشركينَ. وتَعَقَّبَه ابن خليل السَّكُونيّ فقال: في كلامه صَرفٌ للآية عن دلالتها الحقيقيّة إلى ضَرْبٍ من التَّأويل لغيرِ ضَرُورة، بل لنُصْرةِ مذهبه أنَّ العباد يَخْلُقُونَ أكسابهم، فإذا حَمَلَها على الأصنام لم تَتناول الحَرَكات، وأمّا أهل السُّنّة فيقولون: القرآن نَزَلَ بلسان العرب، وأئمّة العربيّة على أنَّ الفِعْلِ الوارد بعد ((ما)» يُتَأوَّل بالمصدر، نحو: أعجبني ما صَنَعتَ، أي: صُنْعك، وعلى هذا فمعنى الآية: خَلَقَكم وخَلَقَ أعمالكم، والأعمال ليست هي جواهر الأصنام اتِّفاقاً، فمعنى الآية عندهم: إذا كان الله خالقَ أعمالكم التي تَتَوهَّم القَدَريّة أنَّهم خالقونَ لها، فأولى أن يكون خالقاً لما لم يَدَّع فيه أحدٌ الخَلْقّة، وهي الأصنام. قال: ومَدَار هذه المسألة على أنَّ الحقيقة مُقدَّمة على المجاز، ولا أثَرَ للمرجوحِ مع الرَّاجح، وذلك أنَّ الخشب التي منها الأصنام والصّور التي للأصنام ليست بعَمَلٍ لنا، وإِنَّا عملُنا ما أقدَرَنا اللهُ عليه من المعاني المكتسَبَة التي عليها ثوابُ العباد وعِقابُهم، فإذا قلتَ: عَمِلَ النَّجّارُ السَّريرَ، فالمعنى: عَمِلَ حَرَكات في محلِّ أظهَرَ الله عندها التَّشْكُّلَ فِي السَّرير، فلمَّا قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَجَبَ حَملُه على الحقيقة وهي معمولُكم، وأمّا ما يُطالِب به المعتَزِليّ من الردّ على المشركينَ من الآية فهو من أبيَن شيء، لأنَّه تعالى إذا أخبَرَ أنَّه خَلَقَنا وخَلَقَ أعمالنا التي يَظهَر بها التَّأثيرُ بين أشكال الأصنام وغيرها، فأولى أن يكون خالقاً للمُتأثِّرِ الذي لم يَدَّع فيه أحدٌ لا سُنّيٍّ ولا مُعتَزِليّ، ودلالة الموافقة أقوى في لسان العرب وأبلغ من غيرها. وقد وافَقَ الَّتَشَرِيُّ على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنَّه أدَلُّ ٥٧٩ باب ٥٦ كتاب التوحيد على نَفي الضَّرْب من أن لو قال: ولا تَضِرِبْهما، وقال: إنَّها من نُكَت عِلم البيان، ثمَّ غَفَلَ عنها اتِّباعاً لهَواه، وأمّا ادِّعاؤُه فكَّ النَّظم فلا يَلزَم منه بُطلانُ الحُجّة، لأنَّ فَّه لما هو أبلَغُ سائغٌ، بل أكمَل لمُرَاعاةِ البلاغة، ثمَّ قال: ولِمَ لا تكون الآية مُخُبِرةً عن أنَّ كلّ عمل للعبدِ فهو خَلْق للرَّبِّ، فيَندَرِج فيه الردُّ على المشركينَ مع مراعاة النَّظم، ومَن قَيَّدَ الآية بعَمَلٍ للعبدِ دونَ عملٍ فعليه الدَّليل، والأصل عَدمُه، وبالله التَّوفيق. وأجابَ البَيضاويّ بأنَّ دعوى أنَّها مَصدَريّة أبلغ، لأنَّ فِعلَهم إذا كان بخلقِ الله تعالى فالمتَوقِّف على فِعلهم أولى بذلك، ويَتَرجَّح أيضاً بأنَّ غيره لا يَخُلُو من حذف أو مجاز، وهو سالم من ذلك والأصل عَدمُه، وقال الطِّييُّ: وتَكمِلة ذلك أن يقال: تَقرَّرَ عند عُلَماء البيان أنَّ الكناية أَولى من التَّصريح، فإذا نُفيَ الحُكم العامّ ليَتَفيَ الخاصُّ، كان أقوى في الحُجّة، وقد سَلَكَ صاحب ((الكشّاف)) هذا بعَينِهِ في تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]. وقال ابن المنيِرِ: يَتَعيَّنُ حملُ ((ما)) على المصدَريّة، لأنَّهم لم يَعْبُدُوا الأصنام من حيثُ هي حجارة أو خَشَب عاريةً عن الصّورة، بل عَبَدوها لأشكالها وهي أثرُ عملهم، ولو عَمِلوا نفسَ الجواهر لمَا طابَقَ توبيخَهم بأنَّ المعبود من صَنْعة العابد، قال: والمخالِفُونَ موافقونَ أنَّ جواهر الأصنام ليست عملاً لهم، فلو كان كما ادَّعَوه لاحتاجَ إلى حذف، أي: واللهُ خَلَقَكم وما تَعمَلونَ شكلَه وصورته، والأصل عَدَم التَّقدير، وقد جاءَ التَّصريح في الحديث الصَّحيح بمعنى الذي تقدَّمَتِ الإشارة إليه في ((باب قوله: ﴿كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾))(١) عن حُذَيفة رَفَعَه: ((إنَّ الله خَلَقَ كلّ صانعٍ وصَنعَته)). وقال غيره: قول مَن اذَّعَى أَنَّ المراد بقوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: نفسُ العِيدان والمعادن التي تُعمَل منها الأوثان، باطلٌ، لأنَّ أهل اللُّغة لا يقولون: إنَّ الإنسان يَعمَل العود أو الحجر، بل يُقيِّدُونَ ذلك بالصَّنعةِ، فيقولون: عَمِلَ العودَ صَنَماً والحجرَ وَثَناً، فمعنى الآية: إنَّ الله (١) باب رقم (٤٢) من هذا الكتاب. ٥٨٠ باب ٥٦ فتح الباري بشرح البخاري خَلَقَ الإنسانَ وخَلَقَ شكل الصَّنَم، وأمّا الذي نَحَتَ أو صاغَ فِنَّما هو عَمِلَ النَّحتَ والصّياغة، وقد صَرَّحَتِ الآية بذلك، والذي عَمِلَه هو الذي وَقَعَ التَّصريحُ بأنَّ الله تعالى هو الذي خَلَقَه. ٥٣١/١٣ وقال التُّونِسيّ في ((مُختصَر تفسير الفَخْرِ الرَّازيّ)): احتَجَّ الأصحاب/ بهذه الآية على أنَّ عمل العبد مخلوقٌ لله على إعراب ((ما)) مَصدَريّة، وأجابَ المعتَزِلة بأنَّ إضافة العبادة والنَّحت إليهم إضافةُ الفِعل للفاعل، ولأنَّه وَبَّخَهم، ولو لم تكن الأفعال لخلقِهم لمَا وَبَّخَهم، قالوا: ولا نُسلِّم أنَّها مَصدَريّة، لأنَّ الأخفَش يَمنَع: أعجبني ما قُمتَ، أي: قيامك، وقال: إنَّه خاصٌّ بالمتعدّي، سَلَّمْنا جوازه، لكن لا يَمنَع ذلك من تقدير ((ما)) مفعولاً للنَّحَاتِينَ، ولموافَقةِ ما يَنحِتونَ، ولأنَّ العرب تُسمّي مَلَّ العمل عملاً، فتقول في الباب: هو عملُ فلان، ولأنَّ القَصْد هو تزييف عبادتهم، لا بيان أنَّهم لا يُوجِدونَ أعمال أنفُسهم، قال: وهذه شُبْهة قويّة، فالأَولى أن لا يُستَدَلّ بهذه الآية لهذا المراد. كذا قال، وجَرَى على عادته في إيراد شُبَه المخالِفِينَ، وتَرْكِ بَذْل الوُسْع في أجوِبَتها، وقد أجابَ الشمس الأصبهانيّ في ((تفسيره)) وهو مُلخَّص من ((تفسير الفخر))، فقال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عَمَلَكم، وفيها دليل على أنَّ أفعالَ العباد مخلوقة لله، وعلى أنَّهَا مُكتَسَبة للعبادِ، حيثُ أثبَتَ لهم عملاً، فأبطَلَت مذهبَ القَدَريّة والجَبريّة معاً، وقد رَجَّحَ بعض العلماء كَونَهَا مَصدَريّة، لأنَّهم لم يَعبُدُوا الأصنام إلّا لعَمَلِهِم، لا لِجِرْم الصَّنَم، وإلّا لكانوا يَعْبُدُونَها قبل العمل، فكأنَّهم عَبَدوا العمل، فأنكَرَ عليهم عبادة المنحوت الذي لم يَنفَكَّ عن العمل المخلوق. وقال الشَّيخ تَقيّ الدّين ابن تَيميّةَ في ((الردّ على الرَّافضيّ)): إنّا(١) نُسلِّم أنَّها موصولة ولكن لا حُجّةَ فيها للمُعتَزِلة، لأنَّ قوله تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ يَدخُل فيه ذاتهم وصفاتهم، وعلى هذا إذا كان التَّقدير: واللهُ خَلَقَكم وخَلَقَ الذي تَعمَلونَه، إن كان المراد خلقَه لها قبل (١) تحرَّف في (س) إلى: لا.