Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب ٤٩/ح ٧٥٣٥
كتاب التوحيد
والشَّيبانيُّ الرَّاوي عن [ابن](١) العَيْزار: هو أبو إسحاق الكوفيّ، واسمه سليمان، وهو تابعيّ
صغير، وفي السَّنَد ثلاثة من التّابعينَ في نَسَق، ورجال سنده كلّهم كوفيّونَ.
وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية أحمد بن إبراهيم المَوصِلِيّ عن عبَّاد بن العوَّام، فقال
في روايته: عن أبي إسحاق يعني الشَّيبانيَّ، وقال فيه: سَأَلَ رجلٌ النبيَّ وَّةِ، أو قال: سألتُ
النبيّ ◌َّهِ عن / الأعمال أيّها أفضَل؟ فهذا ممَّا يُؤْيِّد الاحتمال الأوَّل، وأنَّ الرَّاوي لم يَضِط ٥١١/١٣
اللَّفظ، وشُعْبة أتقَن من الشَّيبانيِّ وأضبط لألفاظِ الحديث، فروايته هي المعتمَدة، والله
أعلم.
٤٩ - بابُ قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (٥) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾
٧٥٣٥- حذَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثْنَا جَرِيرُ بنُ حازم، عن الحسنِ، حدَّثْنا عَمْرو بنُ تَغْلِبَ،
قال: أَتَى النبيَّ ◌َِّ مالٌ، فأعطَى قوماً ومَنَعَ آخَرِينَ، فَلَغَه أنَّهم عَتَبوا، فقال: ((إنِّي أُعْطي الرجلَ
وأدَعُ الرجلَ، والذي أدَعُ أحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الذي أُعْطي، أُعْطي أقواماً لما في قلوبِهِم منَ الجَزَعِ والهَلَعِ،
وأكِلُ أقواماً إلى ما جَعَلَ الله في قلوبِهِم منَ الغَنَاءِ والخيرِ، منهم عَمْرو بنُ تَغْلِبَ)) فقال عَمْرُو: ما
أُحِبُّ أنَّلي بكلمةِ رسولِ الله ◌َِّ حُمْرَ النَّعَمِ.
قوله:((بابُ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (٥) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا ٢٥) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١])) سَقَطَ لأبي ذرٍّ لفظ: قول الله تعالى. وزاد (٢) في روايته: ﴿هَلُوعًا﴾:
ضَجوراً) وهو تفسير أبي عُبَيدة، قال: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾: أي: ضَجُوراً، والمهُلَاعِ(٣) مصدرُه، وهو
أشدّ الجَزَع.
(١) لفظة (ابن)) سقطت من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منها.
(٢) كذا نسب الزيادة لأبي ذرِّ وحده، مع أنها ثابتة في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري في
ثبوتها!
(٣) يقال بضم الهاء وكسرها كما قال شارح ((القاموس)).

٥٤٢
باب ٤٩/ح ٧٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن الحسن)) هو البصريّ، والسَّنَد كلُّه بَصريّونَ، وعمرو بن تَغْلِب، بالمثنّاةِ
المفتوحة والمعجَمة السّاكنة واللّام المكسورة بعدها موخَّدة: هو النَّمَريّ، بفتح النُّونِ والميم
والتَّخفيف، وقد تقدَّم شرح حديثه هذا في فرض الخُمُس (٣١٤٥)، والغرض منه قوله
فيه: ((لما في قلوبهم من الجَزَع والهَلَع)».
قال ابن بَطّال: مُراده في هذا الباب إثباتُ خلق الله للإنسان بأخلاقه من المَلَع والصَّبر
والمنع والإعطاء، وقد استثنى اللهُ المصلّينَ الذينَ هم على صلاتهم دائمونَ، لا يَضجَرونَ
بَتَكَرُّرِها عليهم، ولا يَمِنَعونَ حَقّ الله في أموالهم، لأَّهم يَحَتَسِبونَ بها الثَّوابَ، ويَكسِبونَ بها
التِّجارة الرَّابِحة في الآخرة، وهذا يُفهَم منه أنَّ مَن ادَّعَى لنفسِهِ قُدرة وحَولاً بالإمساكِ والشُّحّ
والضَّجَر من الفقر، وقِلّة الصَّبر لقَدَرِ الله ليس بعالم ولا عابِد، لأنَّ مَن اذَّعَى أنَّ له قُدرةً على
نَفْع نفسِه أو دَفْع الضُّ عنها فقد افتَرَى. انتهى مُلخَّصاً.
وأوَّله كافٍ في المراد، فإنَّ قَصْد البخاريّ أنَّ الصِّفات المذكورةَ بخلقِ الله تعالى في
الإنسان، لا أنَّ الإنسان يَخْلُقُها بفِعْلِهِ.
وفيه أنَّ الرِّزق في الدُّنيا ليس على قدر دَرَجة المرزوقِ في الآخرة.
وأمّا في الدُّنيا فإِنَّا تقع العَطيّة والمنع بحَسَب السّياسة الدُّنيَويّة، فكانَ وَ يُعطِي مَن يَخْشَى
عليه الجزعَ والَلَعَ لو مُنِعَ، ويَمنَعِ مَن يَبِقُ بصَبرِه واحتماله وقَنَاعَته بثوابِ الآخرة، وفيه أنَّ البشر
◌ُبِلوا على حُبّ العطاء، ويُغض المنع، والإسراع إلى إنكار ذلك قبل الفِكْرة في عاقبَتَه، إلّا مَن
شاءَ اللهُ. وفيه أنَّ المنع قد يكون خيراً للممنوع، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ومن ثَمَّ قال الصحابيّ: ما أُحِبّ أنَّلي بتلكَ الكلمة حُمْرَ النَّعَم.
والباء في قوله: ((بتلكَ)) للبَدَليّة، أي: ما أُحِبُّ أنَّ لي بَدَلَ كلمتِهِ النَّعَمَ الْحُمْرَ، لأنَّ الصّفة
المذكورة تَدُلّ على قوّة إيمانه المفضي به لدخولِ الجنَّة، وثوابُ الآخرة خيرٌ وأبقَى.
وفيه استئلاف مَن يُحْشَى جَزَعُه، أو يُرجَى بسببٍ إعطائه طاعةٌ مَن يَشَبِعه، والاعتذار
إلى مَن ظنَّ ظنّاً والأمر بخلافه.

٥٤٣
باب ٥٠/ ح ٧٥٣٦ - ٧٥٤٠
كتاب التوحيد
٥٠- بابُ ذِکْرِ النبيِّ څ﴾ وروایتِه عن ربِّه
٧٥٣٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، حدَّثنا أبو زيدٍ سعيدُ بنُ الرَّبِيعِ الهَرَويُّ، حدَّثنا
شُعْبَةُ، عن قَتَادةَ، عن / أنسٍ عَّه، عن النبيِّ وَّهِ يَروِيه عن رَبِّه عزَّ وجلّ قال: ((إذا تَقرَّبَ العبدُ ٥١٢/١٣
إِلَّ شِبْراً تَقْرَّبتُ إليه ذراعاً، وإذا تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعاً تَقرَّبْتُ منه باعاً، وإذا أتاني يَمْشِي أتيتُهُ
مَرْوَةً)).
٧٥٣٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن التَّيْميِّ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن أبي هُرَيرةَ، قال:
رُبَّما ذكر النبيَّ وَ ﴿، قال: ((إذا تَقرَّبَ العبدُ منّي شِبْراً تَقرَّبْتُ منه ذِراعاً، وإذا تَقرَّبَ منّي ذِراعاً،
تَقْرَّبْتُ منه باعاً - أو بُوعاً .)).
وقال مُعتَمِرٌّ: سمعتُ أَبي، سمعتُ أنساً، عن أبي هُريرةَ: عن رَبِّه عزَّ وجلَّ.
٧٥٣٨ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زيادٍ، قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَل
يَروِيه عن ربّكم، قال: ((لِكلِّ عملٍ كَفَّارَةٌ، والصومُ لي وأنا أَجْزي به، ولَخُلوفُ فمِ الصّائِ أَطِيَبُ
عندَ الله مِن رِيحِ المِسْكِ)).
٧٥٣٩ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ. وقال لي خَليفةُ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع،
عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّ فيما يَروي عن
رَبِّه، قال: ((لا يَنبَغي لعبدٍ أنْ يقولَ: أنا خيرٌ مِن يونُسَ بنِ مَنَّى)) ونَسَبَه إلى أبيه.
٧٥٤٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيج، أخبَرَنَا شَبَابٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن معاويةَ بنِ قُرّةَ، عن
عبدِ الله بنِ المغَفَّلِ المُزَنِّ، قال: رأيتُ رسولَ اللهَوَ﴿ يومَ الفَتْحِ على ناقةٍ له، يَقْرأُ سورةَ الفَتحِ
- أو مِن سورة الفتحِ - قال: فرَجَّعَ فيها.
قال: ثمَّ قرأ معاويةُ يَحْكي قراءةَ ابنِ مُغفَّلٍ، وقال: لولا أنْ يَتَمِعَ الناسُ عليكم لَرَجَّعْتُ كما
رَجَّعَ ابنُ مُغفَّلٍ، يَحْكي النبيَّ وَّهِ، فقلتُ لمعاويةَ: كيفَ كانَ تَرجِيعُهُ؟ قال: آآآ، ثلاثَ مَرَّاتٍ.
قوله: ((بابُ ذِكْرِ النّبِيّ ◌َّه وروايته عن رَبّه)) يحتمل أن تكون الجملةُ الأولى محذوفةَ المفعول،
والتَّقدير: ذِكرُ النبيِّ وَّ رِبَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يكون ضَمَّنَ الذِّكر معنى التَّحديث، فعَدَّاه

٥٤٤
باب ٥٠/ ح ٧٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
بَعَنْ فيكون قوله: ((عن رَبّه)) مُتعلِّق بالذِّكرِ والرِّواية معاً، وقد تَرجَمَ هذا في كتاب ((خلق
أفعال العباد)) بلفظ: ما كان النبيّ وَ ل﴿ يَذكُر ويروي عن رَبّه، وهو أوضَحُ.
وقد قال ابن بَطّال: معنى هذا الباب أنَّ النبيّ وَّ روى عن رَبّه السُّنّة كما روى عنه القرآن.
انتهى، والذي يَظهَر أنَّ مُراده تصحيح ما ذهب إليه، كما تقدَّم التَّنبيه عليه في تفسير المراد
بکلام الله سبحانه وتعالى.
وذكر فيه خمسة أحاديث:
الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا محمَّدُ بن عبد الرحيم)) هو أبو يحيى البغداديّ الملقَّبُ صاعِقةً،
وأبو زيد من شيوخ البخاريّ، قد حَدَّثَ عنه بلا واسطةٍ في ((باب إذا رَأى المحرِمونَ صَيدا)» في
أواخر كتاب الحجّ (١٨٢٢)، وكذا في غزوة الحديبية (٤١٤٩).
قوله: ((عن أنس، عن النبيّ وَّ) هذه رواية قَتَادة، وخالَفَه سليمان التَّيْمِيُّ كما في الحديث
الثّاني، فقال: عن أنس، عن أبي هريرة، فعَلَى هذا(١) فالأوَّل مُرسَل صحابيّ.
٥١٢/١٣ قوله: ((يَروِيه عن رَبّه عزَّ وجلَّ)) في رواية الإسماعيليّ من/ طريق محمَّد بن جعفر ومن
طريق حَجّاج بن محمَّد، كلاهما (٢) عن شُعْبة: سمعتُ قَتَادةَ يُحدِّث عن أنس أنَّ رسول الله وَيه
قال: ((قال رَبُّكم))، وفي رواية أبي داود الطَّالِسِيِّ (٢٠٧٩) عن شُعْبة، ومن طريقه أخرجه
أبو نُعَيم: ((يقول الله))، قال الإسماعيليّ: قوله: ((قال ربّكم)) وقوله: ((يَروِيه عن ربّكم))
سواءٌ، أي: في المعنى.
قوله: ((إذا تَقرَّبَ العبد إليَّ شِبْراً) في رواية الإسماعيليّ: ((مِنِّي))، وفي رواية الطَّيالِسيّ: ((إن
تَقَرَّبَ منِّي عبدي))، والأصل هنا الإتيان بمن، لكن يُفيد استعمالُ ((إلى)) معنى(٣) الانتهاء،
فهو أبلَغُ.
(١) عبارة ((فعلى هذا)) سقطت من (س).
(٢) وهو من الطريقين المذكورين عند أحمد (١٢٢٨٧) و(١٢٣١٩).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: بمعنى.

٥٤٥
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
كتاب التوحيد
قوله: ((تَقرَّبْت إليْهِ ذِراعاً، وإذا تَقَرَّبَ إليَّ) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((مِنّي))، وكذا للإسماعيليِّ
والطَّيالسيّ.
قوله: ((ذِراعاً تَقْرَّبْت منه باعاً، وإذا أتاني يَمْشي أتيتُهُ هَرْولةً)) لم يَقَع: ((وإذا أتاني ... )) إلى آخره في
رواية الطَّالِسِّ.
قال ابن بَطّال: وَصْفُهُ(١) نفسَه سبحانَه بأنَّه يَتَقَرَّب إلى عبده، ووَصْفُ العبدِ بالتَّقُّبِ إليه،
ووَصَفُه بالإتيان والهَرْوَلة، كلّ ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز، فحَمْلُها على الحقيقة يَقتَضي
قَطْعَ المسافات وتَدَاني الأجسام، وذلك في حَقِّه تعالى محالٌ، فلمَّا استَحالَتِ الحقيقة تَعيَّنَ المجازُ
لشُهرَتِه في كلام العرب، فيكون وصْفُ العبد بالتَّقُرُّبِ إليه شِبراً وذِراعاً، وإتيانُه ومَشْيُه،
معناه التَّقُّبُ إليه بطاعتِه، وأداء مُفتَرَضاته ونوافله، ويكون تَقُّبُه سبحانَه من عبده وإتيانُه
والمشيُ عِبارةً عن إثابَتِه على طاعته، وتَقُّبه من رحمته، ويكون قوله: ((أتيتُه هَرْولةً)) أي: أتاهُ
ثوابي مُسرِعاً.
ونَقَلَ عن الطََّرِيِّ: أنَّه إِنَّما مَثَّلَ القليلَ من الطّاعة بالشِّيرِ منه، والضِّعْفَ من الكَرَامة
والثَّواب بالذِّراع، فجَعَلَ ذلك دليلاً على مَبلَغْ كَرَامته لمن أدمَنَ على طاعته، أنَّ ثوابَ عمله له
على عمله الضِّعْفُ، وأنَّ إكرامَهُ (٢) ◌ُجاوزة حَدّه إلى ما يُئيبه الله تعالى.
وقال ابن التِّين: التقرُّب هنا نَظِيرُ ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾
[النجم: ٩]، فإنَّ المراد به قُرب الرُّتْبة، وتوفير الكرامة، والهَرْولة كِنايةٌ عن سُرعة الرَّحمة إليه،
ورِضا الله عن العبد وتَضعيفِ الأجر، قال: والهرولةُ ضَرب من المشي السَّريع، وهي دونَ
العَدْوِ.
وقال صاحب ((المشارق)): المراد بما جاءَ في هذا الحديث سُرْعةٌ قَبُول توبة الله للعبد، أو
تيسير طاعته وتَقوِيَته عليها، وتمام هِدَايته وتوفيقه، والله أعلم بمُرادِه.
(١) تحرَّف في (س) إلى: وصف. بإسقاط الضمير، ويأباهُ السياقُ.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الكرامة.

٥٤٦
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الرَّاغِب: قُرب العبد من الله التَّخصيص بكثيرٍ من الصِّفات التي يَصِحّ أن يُوصَف اللهُ
بها، وإن لم تكن على الحدّ الذي يُوصَف به اللهُ تعالى، نحو الحِكمة والعِلم والحِلم والرَّحمة
وغيرها، وذلك يَحصُل بإزالةِ القاذورات المعنويّة، من الجهل والطَّيش والغضب وغيرها،
بقَدرِ طاقة البشر، وهو قُرْبٌ رُوحانٌّ لا بَدَنيّ، وهو المراد بقوله: ((إذا تَقرَّبَ العبد منِّي
شِبراً، تَقرَّبتُ منه ذِراعاً)).
الحديث الثاني:
قوله: ((يحيى)) هو ابنُ سعيد القَطّان، والتَّيْميُّ: هو سليمان بن طَرْخانَ.
قوله: (رُبَّما ذكر النبيَّ وَّ، قال: إذا تَقَّبَ العبد منِّي)) كذا للجميع ليس فيه الرِّواية عن الله
تعالى، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن خلَّاد عن يحيى القَطّان، وأخرجه من
رواية محمّد بن أبي بكر المقدَّميّ عن يحيى، فقال فيه: عن أبي هريرة ذكر النبيَّ وَّ قال:
((قال الله عزَّ وجلَّ))، وقال مسلم (٢٦٨٦/ ٢٠): حدَّثنا محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا يحيى - هو ابن
سعيد - وابن أبي عَديٌّ، كلاهما عن سليمان، فذكره بلفظ: عن أبي هريرة عن النبيّ وَّه
قال: ((قال الله عزَّ وجلَّ)).
قوله: ((وإذا تَقرَّبَ منِّ ذِراعاً تَقرَّبتُ منه باعاً، أو بُوْعاً)) كذا فيه بالشكِّ، وكذا في رواية
مسلم والإسماعيليّ، وقد تقدَّم (٧٤٠٥) في ((باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾))
بغيرِ شَكٍّ من رواية أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال النبيّ وَّ: ((يقول الله عزَّ وجلّ: أنا
عند ظنِّ عبدي بي))، فذكر الحديث، وفيه: ((وإن تَقرَّبَ إليَّ شِبراً تَقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن
تَقرَّبَ إليَّ ذِراعاً تَقرَّبتُ إليه باعاً)).
ووَقَعَ ذِكرُ الهَرْولة في حديث أبي ذرِّ الذي أوَّله رَفَعَه: ((يقول الله تعالى: مَن عَمِلَ حسنة
فجَزاؤُه عشر أمثالها))، وفيه: ((ومَن تَقرَّبَ إليه شِبراً)) الحديث، وفي آخره: ((ومَن أتاني يمشي
٥١٤/١٣ أتيتُه هَرْولَةً، ومَن أتاني بقُرَابِ الأرض خطيئة لم يُشرِك بي شيئاً جَعَلتُها له مَغفِرةً» أخرجه/
مسلم (٢٦٨٧).

٥٤٧
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
كتاب التوحيد
قال الخطَّبيُّ: الباعُ معروفٌ، وهو قَدْر مَدِّ اليَدَين، وأمّا البَوْع بفتح الموحّدة، فهو مَصدَر باعَ
يَبُوعِ بَوعاً، قال: ويحتمل أن يكون بضمِّ الباء جمع باعٍ، مِثلُ: دارٍ ودُورٍ. وأغرَبَ النَّوويُّ
فقال: الباعُ البُوعُ والبَوْعِ بالضَّمِّ والفتح كلُّه بمعنَى، فإن أرادَ ما قال الخطَّبيُّ وإلّا لم يُصرِّح
أحد بأنَّ البُوعَ بالضَّمِّ والباعَ بمعنَى واحد، وقال الباجِيّ: الباع: طول ذِراعَي الإنسان
وعَضُدَيِه وعَرْض صَدْره، وذلك قَدرُ أربعة أذرُع، وهو من الدَّوابّ قَدرُ خَطْوها في المشي،
وهو ما بین قوائمها.
وزاد مسلم في روايته المذكورة: «وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)»، وفي رواية ابن أبي عديٌّ عن
سليمان التَّيْميِّ عند الإسماعيليّ: ((وإذا تَقَرَّبَ منِّي بُوعاً أتيتُه هَرْولة)».
قوله: ((وقال مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمِيُّ المذكور، وأرادَ بهذا التَّعليق بيان التَّصريح
بالرِّوايةِ فيه عن الله عزَّ وجلّ، وقد وَصَلَه مسلمٌ (٢٠/٢٦٨٦) وغيره من رواية المعتَمِر كما
سأُنبِّه عليه.
قوله: ((عن أبي هريرة، عن رَبِّه عزَّ وجلَّ)) كذا سَقَطَ من رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ
والكُشْمِيهَنِيّ لفظة: ((عن النبيّ(وَّ) وثَبَتَت للمُستَملي والباقينَ، وقال عِيَاض عن الأَصِيلِيّ: لم
يَكُن ((عن النبيّ ◌َّ) في كتاب الفِرَبْريّ، وقد أحَقَها عَبْدُوس.
قلت: وثَبَتَت عند مسلم عن محمَّد بن عبد الأعلَى عن المعتَمِر، ولم يَسُق لفظَه، لكنَّه أحالَ به
على رواية محمَّد بن بشَّار، وأخرجه الإسماعيليّ عن القاسم بن زكريّا عن محمّد بن عبد الأعلَى،
فقال في سياقه: عن أبيه حدَّثني أنس أنَّ أبا هريرة حَدَّثَه عن النبيّ وَّ أَنَّه حَدَّثَه عن رَبِّه تعالى،
ووَصَلَها الإسماعيليّ أيضاً من رواية عُبيد الله بن مُعاذ حدَّثنا المعتَمِر قال: حَدَّثَ أبي عن أنس أنَّ
أبا هريرة حَدَّثَه عن النبيّ وَّ أَنَّه حَدَّث عن رَبّه تبارك وتعالى.
ووَصَلَه أبو نُعَيم من طريق إسحاق بن إبراهيم الشهيديّ حدَّثنا المعتَمِر عن أبيه عن
أنس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴿﴿ فيما يروي عن رَبّه عزَّ وجلَّ، ووَقَعَ عند ابن
حِبّان في ((صحيحه)) (٣٧٦) من طريق الحسن بن سفيان حدَّثنا محمَّد بن المتوكّل العَسقلانيّ

٥٤٨
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثنا مُعتَمِر بن سليمان حدَّثني أبي أخبرني أنس بن مالك عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَ له: ((قال الله عزَّ وجلَّ: إذا تَقَرَّبَ العبد منِّي شِبراً)) فذكره، وقال فيه: ((باعاً)) ولم
يَشُكَ، وفي آخره: ((أتيتُه هَرْولةً))، وزادَ: ((وإن هَرْولَ سَعَيتُ إليه، واللهُ أسرَعُ بالمغفرةِ».
قال البَرْقانيّ بعد أن أخرجه في ((مُستَخرَجه)) (٥) من طريق الحسن بن سفيان: لم أجِدْ هذه
الزّيادة في حديث غيره، يعني: محمَّد بن المتوكّل. انتهى، وهو صدوقٌ عارف بالحديث عنده
غرائبُ وأفراد، وهو من شيوخ أبي داود في ((السُّنَن)).
والقول في معناه كما تقدَّم، قال الخطّابُّ: مَثَّلَ مُضاعَفة الثَّواب فِعْلِ(١) مَن أقبَلَ نحو
آخر قَدْر شِبر فاستَقبَلَه بقَدرِ ذِراع، قال: ويحتمل أن يكون معناه التَّوفيق له بالعملِ الذي
يُقرِّبه منه.
وقال الكِرمانيُّ: لمَّا قامتِ البراهينُ على استحالة هذه الأشياء في حَقّ الله تعالى، وَجَبَ
أن يكون المعنى: مَن تَقرَّبَ إليَّ بطاعةٍ قليلة جازَيتُه بثوابٍ كثير، وكلّما زاد في الطّاعة أزِيدُ
في الثَّواب، وإن كانت كيفيّة إتيانه بالطّاعةِ بطريق التَّنّي، يكون كيفيّة إتياني بالثَّوابِ
بطريق الإسراع، والحاصل أنَّ الثَّواب راجحٌ على العمل بطريق الكيف والكَمّ، ولفظ القُرْب
والهَرْولة مَجَازٌ على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو إرادة لوازمها.
الحديث الثالث: حديث محمَّد بن زياد وهو الجُمَحيُّ: سمعت أبا هريرة عن النبيّ وَل
يَروِيه عن ربِّكم قال: ((لكلِّ عملٍ كفَّارةٌ، والصومُ لي وأنا أَجزي به))، في رواية محمَّد بن
جعفر - وهو غُندَر - عن شُعْبة: يَروِيِه عن رَبِّه عزَّ وجلّ: ((كلُّ العملِ (٢) كفَّارة إلّ الصوم،
فإنَّه لي وأنا أَجزي به))، أخرجه أحمد (٩٨٨٨) عنه. وأورَدَه الإسماعيليّ من طريق غُندَر،
وأورَدَه من طريق عليّ بن الجَعْد(٣)، ومن طريق عبد الرَّحمن بن مَهْديّ عن شُعْبة بلفظ: (لِكلِّ
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: يقبل.
(٢) في (س): لكل عملٍ، وهو خطأ في رواية محمد بن جعفر، والصواب المثبت من الأصلين، موافقاً لما في
«المسند)).
(٣) في (س): على بن أبي الجعد، بإقحام لفظة ((أبي)) خطأً.

٥٤٩
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
كتاب التوحيد
عمل كفَّارة))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الصيام (١٨٩٤).
الحديث الرابع: حديث أبي العالية وهو رُفَيع - بفاءٍ مُصغَّر - الرِّيَاحِيّ - بكسر الرَّاء
بعدها تحتانيّة ثمَّ حاء مُهمَلة - عن ابن عبَّاس عن النبيِّ وَّ فيما يَرْوي/ عن رَبّه. أو رَدَه من ٥١٥/١٣
طريق شُعْبة ومن طريق سعيد - وهو ابن أبي عَرُوبة - كلاهما عن قَتَادة عنه، وساقَه على
لفظ سعيد، وقد تقدَّم في ترجمة يونس عليه السلام (٣٤١٣) من أحاديث الأنبياء عليهم
الصلاة والسَّلام عن حفص بن عمر بالسَّنَدِ المذكور هنا، ولفظه: عن النبيّ ◌َّ قال: ((ما
يَنْبَغي لعبدٍ)) فذكره، وأخرجه في تفسير سورة الأنعام (٤٦٣٠) من طريق عبد الرَّحمن بن
مَهديّ عن شُعْبة كذلك، وصَرَّحَ فيه بالتَّحديثِ عن ابن عبّاس، ولفظه: عن أبي العالية
حدَّثني ابن عمّ نبيِّكم وََّ، يعني ابنَ عبَّاس، قال أبو داود بعد أن أخرجه (٤٦٦٩) عن
حفص بن عمر عن شُعْبة: لم يَسمَعْ قَتَادةُ من أبي العالية إلّا ثلاثة أحاديث(١)، وفي موضع
آخَر (٢٠٢): أربعة أحاديث، هذا أحدها.
قلت: قد أخرجه مسلم (٢٣٧٧) من طريق محمَّد بن جعفر غُندَر عن شُعْبة عن قَتَادة:
سمعت أبا العاليَة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن شُعْبة،
ولم أرَ في شيء من الطَّرق عن شُعْبة فيه: عن رَبّه، ولا: عن الله عزَّ وجلّ، وكذا تقدَّم في آخر
تفسير النِّساء من حديث ابن مسعود (٤٦٠٣) ومن حديث أبي هريرة (٤٦٠٤) رضي الله
عنهما، ليس فيه: عن رَبّه، وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ قال: أكثر الرِّوايات ليس فيها:
فيما يروي عن رَبّه، فإن كان هذا محفوظاً فهو ممَّن سوى النبيِّ وَِّ، وساقَ الكلامَ على ذلك
كما مضى في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام، وهو واردٌ سواءٌ كان في الرِّواية عن
رَبِّه، أو لم يَكُن، بخلاف ما يُوهِمُه كلامُه.
(١) لم تقع هذه العبارة في نسخة الحافظ التي بخطّه من ((سنن أبي داود))، وهي برواية أبي عليّ اللؤلؤي، وليست
أيضاً في الأصل الخطي الذي عندنا من ((السنن)) برواية ابن داسَةْ، وقد ذكرها المزي في ((التحفة)) (٥٤٢١)،
ومن قبله الزيلعي في ((نصب الراية)) ١ /٤٤-٤٥، فلعلها وقعت لهما في بعض روايات ((السنن)) الأخرى،
والله أعلم.

٥٥٠
باب ٥٠/ح ٧٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الخامس:
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيج)) وهو بمُهمَلٍ ثمَّ جيم، وهو أحمد بن عمر، فقيلَ: هو
اسم أبي سُرَيج، وقيل: أبو سُرَيج جَدُّ أحمد، وأحمد يُكنَى أبا جعفر.
قوله: ((عبد الله بن المغفَّل)) بالغَينِ المعجَمة وتشديد الفاء، وفي رواية حَجّاج بن مِنهال
عن شُعْبة: أخبرني أبو إياس - وهو معاوية بن قُرّة - سمعت عبد الله بن المغفَّل، تقدَّم في
فضائل القرآن (٥٠٣٤).
قوله: ((سورة الفَتْح - أو من سورة الفتح -)» في رواية حَجّاج: ((سورة الفَتح)) ولم يَشُكَّ.
قوله: ((فَرَجَّعَ فيها)) بتشديد الجيم، أي: رَدَّدَ الصَّوت في الحَلْق والجَهْر بالقولِ مُكرِّراً بعد
◌َفَائِه، ووَقَعَ في رواية آدم عن شُعْبة: وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءةً لَيِّنّةً
يُرجِّع فيها، أخرجه في فضائل القرآن أيضاً (٥٠٤٧).
قوله: ((ثمَّ قرأَ معاوية)) ابن قُرّة ((يَحْكي قراءة ابن مُغفَّل)) هو كلام شُعْبة، وظاهره أنَّ
معاوية قرأ ورَجَّعَ، ووَقَعَ في رواية مسلم بن إبراهيم في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٥) عن
شُعْبة: قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءَتَه لَفَعَلتُ، وفي غزوة الفتح (٤٢٨١) عن
أبي الوليد عن شُعْبة: لولا أن يَجَتَمِع الناسُ حَوْلِي لَرَجَّعتُ كما رَجَّعَ، وهذا ظاهره أنَّه لم
يُرجِّع، وهو المعتمد، ويُحمَل الأوَّل على أنَّه حكى القراءةَ دونَ التَّرجيع، بدليل قوله في
آخره: كيف كان ترجيعُه؟ وقد أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخَر عن شُعْبة فقال فيه: قال
معاوية: لولا أن أخشَى أن يَجتَمِع الناسُ عليكم لَكَيت لكم عن عبد الله بن مُغفَّل ما
حکی عن رسول الله لتر.
قوله: ((فقلت لمعاويةَ)) أي: ابن قُرّة، والقائل شُعْبةُ.
قوله: ((كيف كانَ تَرْجيعه؟ قال: آ آ آ، ثلاث مرَّات)) قال ابن بَطّل: في هذا الحديث
إجازة القراءة بالتَّرجيع والألحان المُلذَّةِ للقلوبِ بحُسنِ الصَّوت، وقول معاوية: لولا أن
يَجَتَمِع الناس، يشير إلى أنَّ القراءة بالتَّرجيع تَجمَع نفوسَ الناس إلى الإصغاء وتستميلها بذلك،

٥٥١
باب ٥١/ح ٧٥٤٢ -٧٥٤٣
كتاب التوحيد
حتَّى لا تكاد تَصبِرٍ عن استماع التَّرجيع المَشُوب بلَذّةِ الحِكْمة المفهمة، وفي قوله: ((آ)) بمَدِّ
الهمزة والسُّكوت، دلالة على أنَّه وَّه كان يُراعي في قراءَته المدَّ والوقف. انتهى، وقد تقدَّم
شرح هذا كلِّه في أواخر فضائل القرآن في ((باب التَّرجيع)) (٥٠٤٧).
وقال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون حكايةً صوته عند هَزّ الرَّاحلة، كما يعتري رافعَ صوتِه إذا
كان راكباً من انضغاط صوته، وتقطيعه لأجلِ هَزِّ المركوب، وبالله التَّوفيق.
قال ابن بَطّال: وجه دخول حديث عبد الله بن مُغفَّل في هذا الباب أنَّه ◌َآل﴾ كان أيضاً يروي
القرآن عن رَبّه، كذا قال، وقال الكِرمانيُّ: الرِّواية عن الرَّبّ أعمّ من أن تكون قرآناً أو غيره،
بدون الواسطة وبالواسطةِ، وإن كان المتبادِر هو ما كان بغيرِ واسِطةٍ، والله أعلم.
٥١٦/١٣
٥١ - بابُ ما يجوزُ مِن تفسير التَّوراة
و ◌ُتُبِ الله بالعربيّة وغيرِها
لقول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
٧٥٤١ - وقال ابنُ عبَّاسٍ: أخبرني أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ: أنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجَانَه، ثمَّ دَعَا
بكتاب النبيِّ وَّةِ، فقرأَه: ((بسم الله الرّحمنِ الرَّحيمِ، مِن محمَّدٍ عبدِ الله ورسوله، إلى هِرَقْلَ
و﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآيةَ [آل عمران: ٦٤])».
٧٥٤٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حَدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، أخبرنا عليٌّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ
أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: كانَ أهلُ الكتاب يَقرَؤونَ الثَّوراةَ بالعِبْرانيّةِ،
ويُفسِّرونَها بالعربيّةِ لأهلِ الإِسلام، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((لا تُصدِّقوا أهلَ الكتاب ولا تُكذِّبوهم،
وقولوا: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٦]).
٧٥٤٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَتِيَ برجلٍ وامرأةٍ منَ اليهودِ قد زَنَيا، فقال لليهودِ: ((ما تَصْنَعونَ
بهما؟» قالوا: نُسَخِّمُ وجوهَهما ونُخْزِيهما، قال: فَأَتُوا بالتوراةِ فاتْلُوها إنْ كنتُمْ صَادِقِين، فجاؤُوا
فقالوا لرجلٍ مَمَّن يَرْضَوْنَ أعوَرَ: اقرَأْ، فقرأَ حتَّى انتَهَى إلى موضعٍ منها، فوَضَعَ یدَه عليها،

٥٥٢
باب ٥١/ح ٧٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال: ارفَعْ يدَكَ، فَرَفَعَ يدَه، فإذا فيه آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فقال: يا محمَّدُ، إنَّ بينَهما الرَّجْمَ، ولكنّا
نَتَكَاتَمُهُ بِينَنا، فأمَرَ بهما فِرُجِما، فرأيتُه يُجانِئُ عليها الحجارةَ.
قوله: ((باب ما يجوز من تفسير التَّوراة وكُتُب الله)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيرِه: ((من تفسير
التَّوراة وغيرها من كتب الله))، وكلٌّ منهما من عَطْف العامّ على الخاصّ، لأنَّ التَّوراة من
کتب الله.
قوله: ((بالعربيّةِ وغيرها)) أي: من اللُّغات، في رواية الكُشمِيهَنيّ: بالعِبرانيّةِ وغيرها.
ولكلٍّ وجهٌ، والحاصل أنَّ الذي بالعربيّةِ مَثَلاً يجوز التَّعبير عنه بالعِبرانيّةِ وبالعكس، وهل
يَتَقَّد الجواز بمَن لا يَفقَه ذلك اللِّسان أو لا؟ الأوَّل قولُ الأكثر.
قوله: ((لقولِ الله تعالى: ﴿قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾)) وجه الدّلالة أنَّ
التَّوراة بالعِبرانيّة، وقد أمَرَ الله تعالى أن تُتَلَى على العربِ وهم لا يَعرِفونَ العِبرانيّةَ، فقَضِيّة ذلك
الإذنُ في التَّعبير عنها بالعربيّة.
ثمَّ ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
الحديث الأوَّل: قوله: ((وقال ابن عبّاس: أخبَرَني أبو سُفْيان بن حَرْب: أنَّ هِرَقْل دَعَا
تَرْجُمانه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: بَرُانه «ثمَّ دَعَا بكتابِ النبيّ ◌َّر فقرأَه: بسم الله الرَّحمن
الرحيم، من محمَّد عبدِ الله ورسوله إلى هِرَقل، و﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُ﴾)) هذا طَرَف من الحديث الطّويل الذي تقدَّم موصولاً في بَدْء الوحي (٧) وفي عِدّة
مواضع، وتقدَّم شرحه في أوَّل الكتاب، وفي تفسير سورة آل عمران (٤٥٥٣).
ووجه الدّلالة منه أنَّ النبيّ وََّ كَتَبَ إلى هِرَقل باللِّسان العربيّ، ولسان هِرَقل روميّ،
ففيه إشعار بأنَّه اعتَمَدَ في إبلاغه ما في الكتاب على مَن يُتَرجِم عنه بلسان المبعوث إليه
لِيَفْهَمه، والمترجِم المذكور هو التَّرجُمان، وكذا وَقَعَ، واستَدَلَّ البخاريّ في كتاب ((خلق
أفعال العباد)) بقصَّةِ هِرَقل (٤٩٦) لمطلوبِه أنَّ القراءة فِعلُ القارئ، فقال: قد كَتَبَ النبيُّ وَّ في
كتابه إلى قَصَر: بسمِ الله الرّحمن الرحيم، وقرأه تَرُمان قَصَر على قَصَر وأصحابه، ولا يُشُّ في

٥٥٣
باب ٥١/ح ٧٥٤٣
كتاب التوحيد
قراءة الكفّار أنَّها أعمالهم، وأمّا المقروءُ فهو كلام الله تعالى ليس/ بمخلوقٍ، ومَن حَلَفَ بأصوات ٥١٧/١٣
الكفَّار ونِداء المشركينَ لم يَكُن عليه يمين، بخلاف ما لو حَلَفَ بالقرآن.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: حدَّثنا محمّد بن بشَّار، ذكره بهذا الإسناد في تفسير
البقرة (٤٤٨٥)، وفي ((باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) من كتاب الاعتصام (٧٣٦٢)
وهُنا، وهو من نوادر ما وَقَعَ له، فإنَّه لا یکاد ◌ُجِرِج الحديث في مکانین فضلاً عن ثلاثة بسياقٍ
واحد، بل يَتَصرَّف في المتن بالاختصار والاقتصار وبالتَّمام، وفي السَّنَد بالوصلِ والتَّعليق من
جميع أوجُهه، وفي الرُّواة بسياقه عن راوٍ غير الآخَر، فِبِحَسَب ذلك لا يكون مُكرَّراً على
الإطلاق، ويَندُر له ما وَقَعَ هنا، وإنَّما يقع ذلك غالباً حيثُ يكون المتنُ قصيراً والسَّنَدُ فرداً،
وقد سَبَقَ الكلامُ على بعضه في تفسير سورة البقرة.
قال ابن بَطّال: اسْتَدَلَّ بهذا الحديث مَن قال: تجوز قراءة القرآن بالفارسيّة، وأيَّدَ ذلك
بأنَّ الله تعالى حكى قول الأنبياء عليهم السَّلام كنوح عليه السلام وغيره ممَّن ليس عربيّاً
بلسان القرآن، وهو عربيّ مُبين، وبقوله تعالى: ﴿لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام: ١٩]، والإنذار
إنَّما يكون بما يَفْهَمونَه من لسانهم، فقراءة أهل كلّ لُغة بلسانهم حتَّى يَقَع لهم الإنذارُ به،
قال: وأجابَ مَن مَنَعَ بأنَّ الأنبياء ما نَطَقوا إلّا بما حكى الله عنهم في القرآن، سَلَّمنا، ولكن
يجوز أن يَحكي الله قولهم بلسان العرب، ثمَّ يَتَعَبَّدنا بتِلاوتِه على ما أنزَلَه. ثمَّ نَقَلَ الاختلافَ
في إجزاء صلاةٍ مَن قرأَ فيها بالفارسيِّ، ومَن أجازَ ذلك عند العَجْزِ دونَ الإمكان ومَن(١)
عَمَّمَ، وأطالَ في ذلك.
والذي يَظهَرِ التَّفصيلُ، فإن كان القارئ قادراً على التِّلاوة باللِّسان العربيّ، فلا يجوز له
العُدولُ عنه، ولا تُجزِئُّ صلاتُه، وإن كان عاجِزاً، فإن (٢) كان خارجَ الصلاة، فلا يَمْتَنِع
عليه القراءةُ بلسانه، لأنَّه معذورٌ، وبه حاجةٌ إلى حِفْظ ما يجب عليه فِعلاً وتركاً، وإن كان
داخِلَ الصلاة فقد جَعَلَ الشّارع له بَدَلاً، وهو الذِّكر، وكلّ كلمة من الذِّكر لا يَعجِز عن النُّطق
(١) وقع في (س): وعمم، بسقوط ((مَن)) خطأً، وبسقوطها يفسد المعنى.
(٢) في (س): وإن، بالواو بدل الفاء، وهو خطأ، لأنه يريد التفصيلَ، فيناسب ذلك الفاء.

٥٥٤
باب ٥١/ح ٧٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
بها مَن ليس بعربيٍّ، فيقولها ويُكرِّرها، فتُجزِئ عن الذي يجب عليه قراءَتُه في الصلاة حتَّى
يَتَعلَّم، وعلى هذا فمَن دَخَلَ في الإسلام أو أرادَ الدُّخول فيه فقُرِئَ عليه القرآنُ فلم يَفْهَمْه،
فلا بأس أن يُعرَب(١) له لتَعريفِ أحكامه أو لتقومَ عليه الحُجّة، فيَدخُل فيه.
وأمّا الاستدلال لهذه المسألة بهذا الحديث، وهو قوله: ((إذا حَدَّثَكم أهل الكتاب)) فهو
وإن كان ظاهرُه أنَّ ذلك بلسانهم، فيحتمل أن يكون بلسان العرب، فلا يكون نَصّاً في
الدّلالة، ثمَّ المراد بإيرادِ هذا الحديث في هذا الباب ليس ما تَشاغَلَ به ابنُ بَطّال، وإنَّما المراد
منه كما قال البيهقيُّ: فيه دليل على أنَّ أهل الكتاب إن صَدَقوا فيما فَسَّروا من كتابهم
بالعربيّةِ، كان ذلك ممَّا أُنزِلَ إليهم على طريق التَّعبير عمَّا أُنزِلَ، وكلامُ الله واحدٌ لا يَخْتَلِفِ
باختلاف اللُّغات، فِأيِّ لسان قُرِئَ فهو كلامُ الله، ثمَّ أسنَدَ عن مجاهد في قوله تعالى:
﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ يعني: ومَن أسلَمَ من العَجَم وغيرهم، قال البيهقيُّ: وقد يكون لا
يَعرِف العربيّةَ، فإذا بَلَغَه معناه بلسانه فهو له نذيرٌ، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه الآية في أوَّل
الباب (٤٦) الذي قبل هذا بثلاثةِ أبواب.
الحديث الثالث: حديث ابن عمر في رَجم اليهوديَّينِ، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحدود
(٦٨١٩ و٦٨٤١).
وإسماعيل في السَّنَد: هو ابن إبراهيم بن مِقسَم المعروف بابنِ عُلَيّةَ، وأيوب: هو
السَّختيانيّ.
وقوله فيه: ((فقالوا لرجلٍ ممَّن يَرضَونَ أعورَ: اقرَأ)» كذا للكُشميھَنيّ، وهو مجرور بالفتحةِ
صِفَة رجل، وفي رواية غيره: ((يا أعورُ)) وهو بالرَّفع.
وقوله: ((فوضَعَ يده عليها)) أي: على آية الرَّجم، وعند الكُشمِيهَنيّ: عليه (٢). أي: على
الموضع.
(١) أي يُبيَّنُ بترجمته إلى لغته، وتحرَّفت في الأصلين إلى: يعرف.
(٢) كذا وقع هنا، وهو عكس ما في اليونينية وأوضحه القسطلّاني أنَّ هذه رواية غير الكُشْمِيهِني، يعني التي
بالتذكير، وأنَّ الثانية التي بالتأنيث له، والله أعلم.

٥٥٥
باب ٥٢/ح ٧٥٤٤ -٧٥٤٧
كتاب التوحيد
قوله: ((قال: ارفَعْ يَدك)) كذا أبهَمَ القائلَ، وتقدَّم أنَّه عبد الله بن سَلَام، والواضع: هو
عبد الله بن صُورِیًا.
وقوله: (نَتَكاتَمه)) أي: الرَّجم، وعند الكُشمِيهَنيّ: ((نَتَكانَها)) أي: الآية.
٥٢ - باب قول النبيِّ ◌َل:
٥١٨/١٣
((الماهرُ بالقرآنِ معَ سَفَرةِ الكِرام البَرَرةِ))، و((زَيِّنوا القرآنَ بأصواتكم)»
٧٥٤٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثني ابنُ أبي حازمٍ، عن يزيدَ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، أَنَّه سَمِعَ النبيَّ ◌َ﴿ يقولُ: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ، ما أذِنَ لنبيِّ حسنِ
الصَّوْتِ بالقرآنِ، يَجْهَرُ بهِ)).
٧٥٤٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوةُ
ابنُ الزُّبَيرِ وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقمةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله، عن حديثٍ عائشةً
حينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، وكلُّ حدَّثني طائفةً منَ الحديثِ، قالت: فاضْطَجَعْتُ على
فِراشي، وأنا حينئذٍ أعلَمُ أنّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ اللهَ يُبَرِّني، ولكن والله ما كنتُ أَظُنُّ أنَّ الله يُنْزِلُ في
شَأْنِي وَحْياً يُثْلَى، ولَشَأْني في نفسي كانَ أحقَرَ مِن أَنْ يتكلَّمَ الله فيَّ بأمْرٍ يُتْلَى، وأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العَشْرَ الآياتِ كلّها [النور: ١١-٢١].
٧٥٤٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، قال: سمعتُ البراءَ يقولُ:
سمعتُ النبيَّ وَِّ يَقْرَأُ في العِشاءِ: ﴿وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فما سمعتُ أحداً أحسَنَ صوتاً
أو قراءةً منه.
٧٥٤٧- حدَّثْنَا حَجَاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنَا هُشَيمٌّ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ ◌َلِّ مُتَوارياً بمَّةَ، وكانَ يرفعُ صوتَه، فإذا سَمِعَ
المُشْرِكونَ سَبُّوا القرآنَ ومَن جاءَ به، فقال الله عزَّ وجلَّ النبيَّه ◌َّهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَ
◌ُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].

٥٥٦
باب ٥٢/ح ٧٥٤٨ -٧٥٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
٧٥٤٨- حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الَّحمنِ بنِ
أبي صَعْصَعةَ، عن أبيه، أنَّه أخبره: أنَّ أبا سعيدِ الخُدْريَّ ﴾ قال له: إنّ أراكَ تُحِبُّ الغنمَ
والبادِيةَ، فإذا كنتَ في غَنَمِكَ أو بادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ للصلاةِ فارفَعْ صوتَكَ بالنِّداءِ، فإنَّه: ((لا يَسْمَعُ
مَدَى صوتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلّا شَهِدَ له يومَ القيامةِ)). قال أبو سعيدٍ: سمعتُه
مِن رسولِ الله ێ.
٧٥٤٩- حدَّثْنا قَبِيصةُ، حذَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أمِّه، عن عائشةَ، قالت: كانَ
النبيُّ ◌َ يَقْرَأُ القرآنَ وَرَأْسُه في حَجْري، وأنا حائضٌ.
قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: الماهر)) أي: الحاذِق، والمرادُ به هنا: جَودة التِّلاوة مع حُسنِ
الحفظ.
قوله: ((مع سَفَرة الكِرام البَرَرة)) كذا لأبي ذرِّ إلّا عن الكُشمِيهَنِيِّ، فقال: ((مع السَّفَرة))، وهو
كذلك للأكثر، والأوَّل من إضافة الموصوف إلى صِفَته، والمراد بالسَّفَرةِ: الكتبة، جمع سافر، مثل:
كاتب وزنه ومعناه، وهم هنا الذينَ يَنقُلونَ من اللَّوح المحفوظ، فوُصِفوا بالكِرام، أي: المكرَّمينَ
عند الله تعالى، والبَرَرة، أي: المُطيعينَ المطهّرينَ من الذُّنوب.
وأصل الحديث تقدَّم مُسنَداً في التَّفسير (٤٩٣٧) لكن بلفظ: ((مَثَل الذي يقرأ القرآن
٥١٩/١٣ وهو حافظ له مع السَّفَرة الكِرام البَرَرة))، وأخرجه/ مسلم (٧٩٨) بلفظِه من طريق زُرَارة
ابن أوفَى(١) عن سعد بن هشام عن عائشة مرفوعاً: ((الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكِرام
البَرَرة))، قال القُرطُبيّ: الماهر: الحاذِقِ، وأصله الحَذْق بالسِّباحة، قاله الهَرَويُّ، والمراد
بالمَهارةِ بالقرآن: جَوْدة الحِفظ وجَوْدة التِّلاوة من غير تَرَدُّد فيه، لكَونِه يَسَّرَه الله تعالی علیه
كما يَسَّرَه على الملائكة، فكانَ مِثْلَها في الحِفظ والدَّرَجة.
قوله: ((وزَيِّنوا القرآن بأصواتكُمْ)) هذا الحديث من الأحاديث التي عَلَّقَها البخاريّ ولم
يَصِلها في موضع آخرَ من کتابه، وقد أخرجه في کتاب «خلق أفعال العباد)) (٢٥٠) من رواية
(١) وقع في (س): زرارة بن أبي أوفى، بإقحام لفظة ((أبي)).

٥٥٧
باب ٥٢/ح ٧٥٤٩
كتاب التوحيد
عبد الرَّحمن بن عَوسَجة عن البراء بهذا، وأخرجه أحمد (١٨٤٩٤) وأبو داود (١٤٦٨)
والنَّسائيُّ (١٠١٥) وابن ماجه (١٣٤٢) والدَّارِمِيُّ (٣٥٠٠) وابن خُزَيمةَ (١٥٥١) وابن حِبّان
(٧٤٩) في ((صحيحَيهما)) من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه ابن حِبّان في
((صحيحه)) (٧٥٠)، وعن ابن عبّاس أخرجه الدّارَ قُطنيُّ في ((الأفراد))(١) بسندٍ حسن، وعن
عبد الرَّحمن بن عَوْف أخرجه البزَّار (١٠٣٥) بسندٍ ضعيف، وعن ابن مسعود، وَقَعَ لنا في
الأوَّل من ((فوائد عثمان بن السَّاك)) ولكنَّه موقوف(٢).
قال ابن بَطّال: المراد بقوله: ((زَيِّنوا القرآن بأصواتكم)): المدّ والتَّرتيل والمَهارة في
القرآن، جودة التِّلاوة بجودةِ الحِفظ فلا يَتَلَعَثَم ولا يَتَشَكَّك، وتكون قراءته سهلةً بتیسیر الله
تعالى كما يَسَّرَه على الكِرام البَرَرة. قال: ولعلَّ البخاريّ أشارَ بأحاديث هذا الباب إلى أنَّ
الماهر بالقرآن هو الحافظ له، مع حُسن الصَّوت به والجَهر به بصوتٍ مُطرِبٍ بحيثُ يَلَذّ
سامعه. انتھی.
والذي قَصَدَه البخاريّ إثباتُ كَون التِّلاوة فِعلَ العبد، فإنَّهَا يَدخُلها التزيين والتَّحسين
والتَّطريب، وقد يَقَع بأضدادِ ذلك، وكلّ ذلك دالّ على المراد، وقد أشار إلى ذلك ابن
المُنِّرِ فقال: ظنَّ الشّارعُ أنَّ غَرَض البخاريّ جوازُ قراءة القرآن بتَحسينِ الصَّوت ولیس
كذلك، وإِنَّمَا غَرَضه الإشارةُ إلى ما تقدَّم من وصف التِّلاوة بالتَّحسينِ والتَّرجيع والخفض
والرَّفع، ومُقارَنة الأحوال البشريّة، كقولِ عائشة: يَقرأ القرآن في حِجْري وأنا حائض،
فكلّ ذلك يُحقِّق أنَّ التِّلاوة فِعلُ القارئ، وتَتَّصِف بما تَتَّصِف به الأفعالُ، وتَتَعلَّقِ بالظُّرُوفِ
الزَّمانية والمكانية، انتھی.
ويُؤيِّده ما قال في كتاب ((خلق أفعال العباد) بعد أن أخرج حديث: ((زَيِّنوا القرآن
بأصواتكم)) من حديث البراء، وعَلَّقَه (٢٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما، وذكر
(١) وأخرجه الطبراني (١١١١٣) و(١٢٦٤٣).
(٢) وأخرجه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٢٦٠) وابن سعد في ((الطبقات)) ٨٦/٦، وأبو نعيم في ((الحلية))
٩٩/٢.

٥٥٨
باب ٥٢/ح ٧٥٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
(٢٤٤) حديث أبي موسى رضي الله عنه أنَّ النبيّ ◌َّ قال له: ((يا أبا موسى لقد أوتيتَ من
مزامير آل داود))، وأخرجه من حديث البراء (٢٤٥) بلفظ: سَمِعَ أبا موسى يقرأ فقال: ((كأنَّ
هذا من أصوات آل داود)». ثمّ قال: ولا رَيبَ في تخليق مزامير آل داود ونِدائهم، لقولِه تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ﴾[الأنعام: ١٠١].
ثُمَّ ذكر (٢٩٥) حديث عائشة: ((الماهر بالقرآن مع السَّفَرة)) الحديث، وحديث أنس
(٢٩٦): أنَّه سُئلَ عن قراءة النبيّ وَّ فقال: كان يَمُدّ مَدّاً، وحديث قُطبة بن مالك (٢٩٩)
أنَّ النبيّ وَّه قرأ في صلاة الفَجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] يَمُدّ بها
صوته. ثمَّ قال: فبيَّن النبيُّ ◌َ ل ◌ِ أنَّ أصوات الخلق وقراءَتهم مُخْتَلِفة، بعضُها أحسَن من
بعض، وأزيَن وأحلَى وأرتَل وأمْهَرُ وأمَدّ، وغير ذلك.
ثمّ ذکر فیه سِتّة أحاديث:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة.
قوله: ((ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز بن سَلَمة بن دينار، ويزيد شيخه: هو ابن الهاد،
ومحمَّد بن إبراهيم: هو التَّيْمِيُّ، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في باب: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ
بِهِ﴾ من كتاب التَّوحيد(١).
الحديث الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها في قصَّة الإفك، ذكر منه طَرَفاً من رواية
يحيى بن بُكَير عن اللَّث عن يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شِهاب عن مَشاِه، وفيه:
ولكن والله - وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ولكنّي والله - ما كنت أظُنّ أنَّ الله يُنزِل في شَأني وَحياً
يُتْلَى، فَأَنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ العشرَ الآياتِ كلَّها. هكذا اقْتَصَرَ على
هذا القَدر منه، وتقدَّم بطولِه في تفسير سورة النّور (٤٧٥٠) مع شرحه، وقد أورَدَ هذا
٥٢٠/١٣ القَدر من هذا الحديث في باب قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ / اَللَّهِ﴾ (٧٥٠٠) من وجه
آخَر عن يونس، وذكره في ((خلق أفعال العباد)) (٢٦٥) من طرق أُخرى عن ابن شِهاب،
(١) عند شرح الحديث (٧٥٢٧).

٥٥٩
باب ٥٢/ح ٧٥٤٩
كتاب التوحيد
ثمَّ قال: فبيّنتْ رضي الله عنها أنَّ الإنذار من الله وأنَّ الناس يَتلونَه، ثمَّ ذکر عِدّة آیات فيها
ذِكر التِّلاوة، ثمَّ قال: فبيَّن سبحانه وتعالى أنَّ التِّلاوة من النبيّ وَِّ وأصحابه رضي الله
عنهم، وأنَّ الوحي من الله سبحانه وتعالى.
الحديث الثالث: حديث البراء.
قوله: ((يَقْرأ في العِشاء ﴿وَالِثِّينِ﴾)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: بالتّينِ ((فما سمعت أحداً أحسَن
صوتاً أو قراءةً منه)) وقد تقدَّم شرحه في كتاب الصلاة (٧٦٧ و٧٦٩). ومُراده منه هنا بيانٌ
اختلاف الأصوات بالقراءةِ من جهة النَّغَم.
الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾، وقد
تقدَّم في تفسير سبحان (٤٧٢٢)، وتقدَّم قريباً (٧٥٢٥) في باب قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ
أَجْهَرُواْ بِهِ﴾. ومراده منه هنا بيانُ اختلاف الأصوات بالجَهرِ والإسرار.
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد: ((لا يَسمَع مَدَى صوت المُؤَذِّن جِنٌّ ولا إنسَّ ولا
شيءٌ إلّا شَهِدَ له)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في ((كتاب الأذان)) (٦٠٩). ومُراده منه هنا
بيانُ اختلاف الأصوات بالرَّفع والخفض، وقال الكِرمانيُّ: وجه مُناسَبته أنَّ رفع الأصوات
بالقرآن أحَقُّ بالشَّهادةِ له وأولَی.
٠
الحديث السادس: حديث عائشة.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، ومنصور: هو ابن عبد الرَّحمن الشَّيْبيّ(١)، وأَمُّه: هي صَفّة بنت
شَيْبة من صِغار الصحابة.
قوله: ((يَقْرأ القرآن ورَأْسُه في حِجْري، وأنا حائض)) تقدَّم شرحه في كتاب الحيض
(٢٩٧)، وتقدَّم بيان المراد به من كلام ابن المنيِّرِ، ومنه يَظهَر وجهُ مُناسَبة ذِكره في هذا
الباب.
(١) كذا نسبه الحافظُ شيبيّاً، مع أنَّ شيبةَ جدُّه لأمّه، وهو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، ومنصور هو ابن
عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ونسبه لأمّه لأنه عُرف بها.

٥٦٠
باب ٥٣-٥٤/ح ٧٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
٥٣ - بابُ قول الله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُ وا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]
٧٥٥٠- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثَني عُرْوةُ: أَنَّ
المِسْوَرَ بنَ تَخَرَمةَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عبدِ القاريَّ حَدَّثاه، أنَّهمَا سَمِعا عمرَ بنَ الخطَّب يقولُ: سمعتُ
هشامَ بنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقان في حياةِ رسولِ الله ◌ِِّ، فاستَمَعْتُ لقراءَتِه، فإذا هو يَقْرأُ على
حُروفٍ كثيرةٍ لم يُقْرِثْنِها رسولُ اللهِوَّةِ، فَكِدْتُ أُساوِرُه في الصلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حتَّى سَلَّمَ، فَلَيَّتُهُ
برِدائه، فقلتُ: مَن أقْرَأَكَ هذه السّورةَ التي سمعتُكَ تَقْرَأُ؟ قال: أَقْرَأَنِيها رسولُ الله ◌ِ، فقلتُ:
كَذَبْتَ، أقْرَأَنِيها على غيرِ ما قرأْتَ، فانطَلَقتُ به أقودُه إلى رسولِ الله وَّةِ، فقلتُ: إنّ سمعتُ هذا
يَقْرأ سورةَ الفُرْقان على حُروفٍ لم تُقْرِتْنِها، فقال: ((أرسِلْه، اقرأْ يا هشامٌ)) فقرأ القراءةَ التي سمعتُه،
فقال رسولُ الله ◌َّ: ((كذلك أُنزِلَت))، ثمّ قال رسولُ الله ◌َ: ((اقرَأْ يا عمرُ)) فقرأْتُ التي أقْرَأَني،
فقال: ((كذلك أُنزِلَتْ، إنَّ هذا القرآنَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرُفٍ، فاقْرَؤوا ما تَيسَّرَ منه)).
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُواْ مَا تَبَسَرَ مِنْهُ﴾)) كذا للكُشميهَنيّ، وللباقينَ: ﴿مِنَ
اُلْقُرْءَانِ﴾ وكلٌّ من اللَّفظَينِ في السّورة، والمراد بالقراءةِ: الصلاة، لأنَّ القراءةَ بعضُ أركانها،
ذكر فيه حديث عمر في قِصَّته مع هشام بن حكيم في قراءة سورة الفُرقان، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوقَى في فضائل القرآن (٤٩٩٢).
وقوله في آخره: ((إنَّ هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرُفٍ، فاقْرَؤُوا ما تَيسَّرَ منه)) الضَّمير للقرآنِ،
والمراد بالمتيسِّرِ منه في الحديث غيرُ المرادِ به في الآية، لأنَّ المراد بالمتيسّر في الآية بالنّسبةِ للقِلّةِ
٥٢١/١٣ والكَثرة، والمراد به في الحديث بالنِّسبةِ إلى ما يَستَحضِره القارئ من القرآن، فالأوَّل من / الكَمّيّة،
والثّاني من الكيفيّة. ومُناسَبة هذه التَّرجمة وحديثها للأبوابِ التي قبلها من جهة التَّفاوت في
الكيفيّة، ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ.
٥٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]
وقال النبيُّ ◌َّةِ: ((كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ)).
يقالُ: مُيَسَّرٌ: مُهَيٌَّ.