Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ باب ٤٤/ح ٧٥٢٧ كتاب التوحيد اللَّفظ، فأشارَ بالتَّرجمةِ إلى أنَّ تِلاوات(١) الخَلْقِ تَتَّصِف بالسِّرِّ والجهر، ويَستَلِزِم أن تكون مخلوقة. وسياق(٢) الكلام يأبى ذلك(٣)، وقد قال البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) بعد أن ذكر عِدّة أحاديث دالّة على ذلك: فبيَّن النبيّ وَّ أنَّ أصوات الخلق وقراءَتهم ودِراسَتهم وتعليمهم وألسِتَتَهم مُخْتَلِفٌ، بعضها أحسَن وأزْيَن وأحلى، وأصْوَتُ وأرتَل وألحَن، وأعلَى وأخفَض وأغَضّ، وأخشَع وأجهَر وأخفَى، وأمْهَرُ (٤) وأمَدّ وأليَن من بعض. قوله: (﴿يَتَخَفَتُونَ﴾: يَتَسارُّونَ)) بتشديدِ الرَّاء والسّين مُهمَلة، وفي بعضها بشینٍ مُعجَمة وزيادة واو بغيرِ تَثقيل، أي: يَتَراجَعونَ فيما بينهم سِرّاً. ثمَّ ذكر حديث ابن عبّاس في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتِْهَا ﴾ وفي آخره: فقال الله لنبيِّه وَله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: بقراءَتِك. وحديث عائشة: أنَّهَا نَزَلَت في الدُّعاء، وقد تقدَّم شرحُهما في تفسير سُبْحان (٤٧٢٢ و ٤٧٢٣). وحديث أبي هريرة: ((ليس مِنّا مَن لم يَتَغْنَّ بالقرآن))، وزاد غيره: ((يَجِهَر به))، أورَدَه من طريق ابن جُرَيج حدَّثنا ابن شِهاب، وقد مضى في فضائل القرآن (٥٠٢٣)، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٧٤٨٢) من طريق عُقيل عن ابن شِهاب بلفظ: ((ما أَذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ يَتَغْنَّى بالقرآن))، وقال/ صاحب له: يَجهَر ٥٠٢/١٣ به. وسيأتي قريباً من طريق محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيِّ عن أبي سَلَمة بلفظ: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ حسن الصَّوت بالقرآن يَجِهَر به)) فيُستَفاد منه أنَّ الغير المبهم في حديث الباب، وهو (١) في (س): تلاوة، وهو كذلك في ((المتواري)) لابن المنير ص٤٢٨. يعني جنس التلاوة. (٢) من هنا ابتدأ كلام الحافظ رادّاً على ابن المنيّر. (٣) تحرَّفت العبارة في (س) إلى: وساق الكلام على ذلك. (٤) تحرَّفت في (س) إلى: وأقصر. ٥٢٢ باب ٤٥/ح ٧٥٢٨-٧٥٢٩ فتح الباري بشرح البخاري الصّاحب المبهم في رواية عُقيلَ: هو محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيّ، والحديث واحد، إلّا أنَّ بعضهم رواه بلفظ: ((ما أذِنَ الله))، وبعضهم رواه بلفظ: ((ليس مِنّ)». وإسحاق شيخه فيه: هو ابن منصور، وقال الحاكم: ابن نَصر(١)، ورَجَّحَ الأوَّلَ أبو عليّ الجَيَّانيّ، وأبو عاصم: هو النبيل، وهو من شيوخ البخاريّ قد أكثرَ عنه بلا واسطة، وأقرَب ذلك في أوَّل حديث من كتاب التَّوحيد (٧٣٧١). ٤٥ - بابُ قول النبيِّ وَلّ: ((ورجُلٌ آتاه الله القرآنَ، فهو يقومُ به آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهار)) ورجلٌ يقولُ: (لو أُوتِيتُ مِثلَ ما أُوتَ هذا، فعلتُ كما يَفْعَلُ)) فبيَّن أنَّ قیامَه بالكتاب هو فِعلُه وقال: ﴿ وَمِنْ ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلَّوَيِّكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]. وقال: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ٧٥٢٨ - حدَّثْنَا قُتَبِيَةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اله ◌َّ: ((لا تَحَاسُدَ إلّا في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه الله القرآنَ، فهو يَتْلُوه مِن آناءِ اللَّيلِ وآنَاءٍ النَّهار، فهو يقولُ: لو أُوتِيتُ مِثلَ ما أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَلُ، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو يُنفِقُه فِي حَقِِّ، فيقولُ: لو أُوتِيتُ مِثلَ ما أُويَ عَمِلْتُ فيه مِثلَ ما يَعمَلُ». ٧٥٢٩- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال الزُّهْريُّ: عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((لا حَسَدَ إلّ في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه الله القرآنَ، فهو يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو يُنفِقُه آنَاءَ اللَّيلِ وآنَاءَ النَّهارِ)). سمعتُ من سفيانَ مِراراً، لم أسْمَعْه يَذكُرُ الخبرَ، وهو مِن صحیحٍ حديثِه. (١) يعني إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاري. ٥٢٣ باب ٤٥/ح ٧٥٢٩ كتاب التوحيد قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: ورجُلٌ (١) آتاهُ الله القرآن، فهو يقوم به آنَاء اللَّيل وآنَاء النَّهار)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((والنَّهار)) بحذفِ ((وآناء)) الثّانية(٢). قوله: ((ورجل(٣) يقول: لو أوتيت مِثْل ما أوتيَ هذا فعلت كما يَفْعَل)) قال الكِرمانيُّ: كذا أورَدَ التَّرجمة مَرومة، إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسِد فقط، ولكن لا لَبْس في ذلك، لأنَّه اقتَصَرَ على ذِكر حامل القرآن(٤) حاسِداً ومحسوداً، وتَرَكَ حال ذي المال. قوله: ((فبيَّن أنَّ قيامه بالكتابِ هو فِعْلُه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: أنَّ قراءته الكتاب هو فعله. قوله: (﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكَكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ وقال: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾)) أمّا الآية الأولى فالمراد منها اختلاف ألسنتكم، لأنَّها تَشمَل الكلام كلّه فتَدخُل القراءة، وأمّا الآية الثّانية فعُموم فِعل الخير يَتناول قراءة القرآن والذِّكر والدُّعاء وغير ذلك، فدَلَّ على أنَّ القراءة فِعلُ القارئ. ثمَّ ذكر حديث أبي هريرة: ((لا تَحاسُد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يَتَلُوه)). وحديث سالم عن أبيه - وهو عبد الله بن عمر -: ((لا حَسَد إلّا في اثنتَينِ: رجل آتاه الله القرآن فهو يقومُ به))، وقد مضى شرح المتن في فضائل القرآن (٥٠٢٥و ٥٠٢٦). (١) كذا في الأصلين بالواو، وهو كذلك في رواية عبد الرزاق في («تفسيره)) ٢/ ٧١ وعن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، ومن طريقه أخرجه أحمد (٥٦١٨) حيث ابتدأ بذكر صاحب المال، ثم عطف عليه ذكر صاحب القرآن. (٢) هذا عكس ما جاء في اليونينية وبيَّنه القَسْطّاني أنَّ هذه رواية غير الكُشْمِيهَنيّ، وأنَّ الثانية التي بزيادة ((وآناء)) الثانية له. (٣) هذا تصرُّف من البخاري رحمه الله، لأنَّ أحداً لم يرو الحديث بلفظ: ((يقوم به)) مع زيادة قول الحاسد: ((لو أوتيتُ مثل ما أوتي ... ))، فكأنه رحمه الله أدمج بين بعض حديث أبي هريرة مع بعض حديث ابن عمر، كالمفسِّر لعبارة («يتلوه)) التي في حديث أبي هريرة بعبارة ((يقوم به)) التي في حديث ابن عمر، والله أعلم. (٤) وقع في (س): ذكر حالي حامل القرآن، بإقحام لفظة ((حالي))، والمعنى بذكرها فاسدٌ عند التدقيق، لأنَّ قوله: ((حاسداً)) حالُ من يحسُّد حامل القرآن. ٥٢٤ باب ٤٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((سمعت من سفيان مِراراً)) هو كلام عليّ بن عبد الله، وهو ابن المديني، شيخ البخاريّ. وقوله: ((لم أسمَعه يَذْكُر الخبر)) أي: ما سَمِعَه منه إلّا بالعَنعَنة. ٥٠٣/١٣ قوله: ((وهو / من صحيح حديثهِ)) قلت: قد أخرجه الإسماعيليّ عن أبي يَعلَى(١) عن أبي خَيْثَمَةَ قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عُبَينَةَ قال: حدَّثنا الزُّهريّ عن سالم، به. قال ابن المنيِّر: دَلَّت أحاديث الباب الذي قبله على أنَّ القراءة فِعلُ القارئ، وأنَّها تُسمَّى تَغَنّياً، وهذا هو الحقّ اعتقاداً لا إطلاقاً، حَذَراً من الإيهام وفِراراً من الابتداع بمُخالَفةِ السَّلَف في الإطلاق، وقد ثَبَتَ عن البخاريّ أنَّه قال: مَن نَقَلَ عنِّي أنّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كَذَبَ، وإنَّما قلتُ: إنَّ أفعال العباد مخلوقة، قال: وقد قارَبَ الإفصاحَ في هذه التَّرجمة بما رَمَزَ إليه في التي قبلها. ٤٦- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالاتِهِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال الزُّهْريُّ: منَ الله الرّسالةُ، وعلى رسولِ الله وَّةِ البلاغُ، وعلينا التَّسليمُ، وقال اللهُ تعالى: ﴿ لَيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾[الجن: ٢٨]، وقال: ﴿أَبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِّ﴾ [الأعراف: ٦٢]. وقال كَعْبُ بنُ مالكٍ حينَ تَخْلَّفَ عن النبيِّ وَّةِ: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقالت عائشةُ: إذا أعجَبَكَ حُسْنُ عملِ امْرِئٍ فقُلِ: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ. وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ أحدٌ. وقال مَعمَرٌ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾: هذا القرآنُ، ﴿هُدَّى لِلَّْقِينَ﴾: بيانٌ ودِلالٌ، كقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠]: هذا حُكْمُ الله ﴿لَاَرَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]: لا شَكَّ. (١) وهو في ((مسند أبي يعلى)) (٥٤١٧)، وكذلك وقع تصريحه بالسماع عند الحميدي (٦١٧). ٥٢٥ باب ٤٦/ح ٧٥٣٠ -٧٥٣٢ كتاب التوحيد تِلْكَ ءَايَدتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢] يعني: هذه أعلامُ القرآنِ، ومثلُه ﴿حَتََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي اُلْقُلْكِ وَجَرَیْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] یعني: بكم. وقال أنسُُّ: بَعَثَ النبيُّ نَّهِ خالَه حَراماً إلى قوم، وقال: أتُؤْمِنوني حتَّى أُبلِّغَ رسالةً رسولِ الله وَلَّ؟ فَجَعَلَ يُحدِّثُهم. ٧٥٣٠- حدّثنا الفَضْلُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ الرَّقِّيُّ، حدَّثنا المعتَمِرُ بنُ سليمانَ، حدّثنا سعيدُ بنُ عُبَيد الله الثَّقَفِيُّ، حدَّثْنَا بَكْرُ بنُ عبدِ الله المُزَنُّ وزيادُ بنُ مُجُبَيرِ بنِ حَيَّةَ، عن جُبَيِرِ بنِ حَيّةَ، قال المغيرةُ: أخبرنا نبيّنا وَِّ عن رسالةِ رَبِّنا: «أَنَّه مَن قُتِلَ مِنّا صارَ إلى الجنَّةِ)). ٧٥٣١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن الشَّعْبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: مَن حَدَّثَكَ أنَّ محمَّداً ◌َِّ كَتَمَ شيئاً. وقال محمّدٌ: حدَّثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن حَدَّثَكَ أنَّ النبيَّ ◌ََّ كَتَمَ شيئاً منَ الوَحْيِ فلا تُصدِّقْه) إِنَّاللّه تعالى يقولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٧٥٣٢ - حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَخْبِيلَ، قال: قال عبدُ الله: قال رجلٌ: يا رسولَ الله، أيُّ الذَّنْبِ أكبرُ عندَ الله؟ قال: ((أنْ تَدْعوَ لله نِدّاً وهو خَلَقَكَ)) قال: ثمَّ أيّ؟ قال: ((ثمَّ أنْ تَقتُّلَ ولدَكَ مخافةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَك)) قال: ثمّ أيّ؟ قال: ((ثُمَّ أَنْ تُزانيَ حَلِيلةَ جاركَ)) فَأَنزَلَ الله تصديقَها: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ الآيةَ [الفرقان: ٦٨]. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا ٥٠٤/١٣ ٥٢٦ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري بَلَّغْتَ رِسَالاتِهِ(١)))) كذا للجميع، وظاهره اتّحاد الشَّرط والجزاء، لأنَّ معنى ((إن لم تَفعَل)): لم تُبلِّغ، لكنَّ المراد من الجزاء لازِمُه، فهو كحديثِ: ((ومَن كانت هِجرَتُه إلى دُنيا يُصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))(٢). واختُلِفَ في المراد بهذا الأمر، فقيلَ: المراد بلِّغ كما أُنزِلَ، وهو على ما فَهِمَت عائشةُ وغيرُها، وقيل: المراد بَلِّغه ظاهراً ولا تَخْشَ من أحدٍ، فإنَّ الله يَعصِمُك من الناس، والثّاني أخَصّ من الأوَّل، وعلى هذا لا يَتَّحِد الشَّرط والجزاء، لكنَّ الأَولى (٣) قولُ الأكثر لظُهورِ العُموم في قوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾، والأمر للوجوبِ، فيجب عليه تبليغ كلّ ما أُنزِلَ إليه، والله أعلم. ورَجَّحَ الأخيرَ ابنُ التِّين، ونَسَبَه لأكثرِ أهل اللُّغة. وقد احتَجَّ أحمد بن حَنبَل بهذه الآية على أنَّ القرآن غيرُ مخلوقٍ، لأنَّه لم يَرِدْ في شيء من القرآن ولا من الأحاديث أنَّه مخلوقٌ، ولا ما يَدُلّ على أنَّه مخلوقٌ. ثمَّ ذكر عن الحسن البصريّ أنَّه قال: لو كان ما يقول الجَعْد حَقّاً لَبلَّغَه النبيُّ ◌َله. قوله: ((وقال الزُّهْريُّ: من الله الرِّسالةُ، وعلى رسول الله ◌ِِّ البَلَاغُ، وعلينا التَّسليمُ)) هذا وَقَعَ في قصَّة أخرجها الحُميديّ في ((النَّوادر)) ومن طريقه الخطيب، قال الحميديّ: حدَّثنا سفيان قال: قال رجل للزُّهريِّ: يا أبا بكر، قول النبيّ ◌َّ: ((ليس مِنّا مَن شَقَّ الجيوب)) ما معناه؟ فقال الزُّهريُّ: من الله العِلمُ، وعلى رسوله البلاغُ، وعلينا التَّسليمُ. وهذا الرجل هو الأوزاعيُّ، أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((الأدب وذِكْر الدنيا))(٤). عن دُخَيم عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعيِّ قال: قلت للزُّهريِّ، فذكره. (١) هذه قراءة أبي جعفر ونافع ويعقوب وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقرأ الباقون: ﴿رِسَالَتَهُ﴾ على الإفراد. انظر ((النشر)) لابن الجزري ٢/ ٢٥٥. (٢) هو أول حديث في ((صحيح البخاري)). (٣) تحرف في الأصلين إلى: الأول، والمثبت من (س) وهو الصواب الذي يدلُّ عليه سياقُ كلام الحافظ رحمه الله. (٤) كذا سمى الحافظُ كتاب ابن أبي عاصم: ((الأدب وذكر الدنيا))، وسماه في ((تغليق التعليق) ٣٦٦/٥: ((ذكر الدنيا))، وذكره في «معجمه المفهرس)) (٢٨٥): ((حفظ اللسان وذكر الدنيا)). وتحرفت العبارة في (ع) و(س) إلى: ابن أبي عاصم في كتاب ((الأدب) وذكر ابن أبي الدنيا عن دحيم ... ٥٢٧ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ كتاب التوحيد قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿لِيَعْلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ وقال: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ﴾)) قال البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)» بعد أن ساقَ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ﴾ الآية، قال: فذكر تبليغ ما أُنزِلَ إليه، ثمَّ وَصَفَ فِعلَ تبليغ الرِّسالة، فقال: ﴿فَابَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، قال: فسَمَّى تبليغَه الرِّسالةَ وتركَه فِعلاً، ولا يُمكِن أحَدٌ أن يقول: إنَّ الرَّسول لم يَفعَل ما أُمِرَ به من تبليغ الرِّسالة، يعني: فإذا بَلَّغَ فقد فعل ما أُمِرَ به، وتِلاوته ما أُنْزِلَ إليه هو التَبليغ وهو فِعلُه. وذكر حديث أبي الأحوص عَوْف بن مالك الجُشَميّ عن أبيه (٣١٦) قال: أتيتُ النبيَّ ◌َِّ، فذكر القصَّة، وفيها قال: ((أتتني رسالة من رَبّي فضِقتُ بها ذَرْعاً، ورأيت أنَّ الناس سيُكذِّبونَني، فقيل لي: لَتَفْعَلَنَّ أو لَيُفْعَلَنَّ بك))، وأصله في ((السُّنَن))(١) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤١٦) والحاكم (٢٤/١ -٢٥)، وحديث سَمُرة بن جُندُب في قصَّةِ الكُسوف (٤١٠)، وفيه: فقال النبيّ وَّه في خُطبَته: ((إنَّما أنا بَشَرٌ رسولٌ، فأُذكِّركم بالله إن كنتم تعلمونَ أنّي قَضَّرتُ عن تبليغ شيءٍ من رسالات رَبِّ)) يعني: فقولوا، فقالوا: نَشهَد أَنَّك بَلَّغت رسالات رَبِّك وقَضَيت الذي عليك، وأصله في ((السُّنَن))(٢)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٣٩٧) وابن حِبّان (٢٨٥٦) والحاكم (٣٢٩/١-٣٣١). وقال في الكتاب المذكور أيضاً: قوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ هو عمَّ أُمِرَ به، وكذلك: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والصلاة بجُملَتِها طاعة الله، وقراءة القرآن من جُملة الصلاة، فالصلاة طاعة والأمر بها قرآن، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصُّدور، مقروء على الألسِنة، فالقراءة والحفظ والكتابة مخلوقة، والمقروء والمحفوظ والمكتوب ليس بمخلوقٍ، ومن الدَّليل عليه أنَّك تَكتُب ((الله))، وتَحَفَظه وتَدعُوه، فدعاؤك وحِفِظُك وكتابتُك وفِعِلُك مخلوقٌ، والله هو الخالق. (١) أخرجه أبو داود (٤٠٦٣)، وابن ماجه (٢١٠٩)، والترمذي (٢٠٠٦)، والنسائي (٣٧٨٨) و(٥٢٢٤)، وانظر ((المسند)) (١٥٨٨٨). (٢) أخرجه أبو داود (١١٨٤)، والنسائي (١٤٨٤). ٥٢٨ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال كعب بن مالك حين تَخْلَّفَ عن النبيّ وَّهِ: ﴿فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(١)) قد تقدَّم هذا مُسنَداً في تفسير براءة في حديثه الطّويل (٤٦٧٧)، وفي آخره: قال الله تعالى: ﴿يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ الآية [التوبة: ٩٤]. قال الكرمانيُّ: ومُناسَبته للتَّرجمةِ من جهة التفويض والانقياد والتَّسليم، ولا يَنْبَغي لأحدٍ أن يُزكّيَ عملَه، بل يُفوّض إلى الله سبحانه وتعالى. قلت: ومُراد البخاريّ تسمية ذلك عملاً كما تقدَّم من كلامه في الذي قبله. ٥٠٥/١٣ قوله: ((وقالت عائشة: إذا أعجَبَك حُسْن عمل امرِئ فقُلِ: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَىَ اَللَّهُ عَمَلَكُو وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ولا يَسْتَخِفَنَّك أحدٌ)) قلت: زَعَمَ مُغَلْطاي أنَّ عبد الله بن المبارَك أخرج هذا الأثَر في كتاب ((البِرّ والصِّلة)) عن سفيان عن معاوية بن إسحاق عن عُروة عن عائشة، وقد وَهِمَ في ذلك، وإنَّما وَقَعَ هذا في قصَّة ذكرها البخاريّ في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (١٨٦) من رواية عُقيل عن ابن شِهاب عن عُروة عن عائشة قالت - وذكرت الذي كان من شَأْن عثمان -: وَدِدتُ أنّي كنت نَسْياً مَنسيّاً، فوالله ما أحببتُ أن يُنتَهَك من عثمان أمرٌ قَطُّ إلّ انْتُهِكَ مِنِّي مِثْلُه، حتَّى والله لو أحببتُ قتلَه لِقُتِلتُ، يا عُبَيد الله بن عَديٍّ، لا يَغُرَّنَّك أحدٌ بعد الذي تعلم، فوالله ما احتَقَرتُ أعمال أصحاب رسول الله ◌َِّ حَتَّى نَجَمَ النَّفْرُ الذينَ طَعَنوا في عثمان، فقالوا قولاً لا يَحِسُنُ مِثْلُه، وقرؤوا قراءة لا يَحسُن مِثْلُها، وصَلَّوا صلاةً لا يُصَلَّى مِثلُها، فلمَّا تَدَبَّرَتُ الصَّنيعَ إذا هُم والله ما يُقارِبونَ أصحاب رسول الله وَلِّ، فإذا أعجَبَك حسنُ قول امِرِئٍ فقلِ: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَ اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَآلْمُؤْمِنُونَ﴾، ولا يَستَخِفََّّك أحدٌ. (١) كذا وقع ذكر هذه الآية في بعض روايات البخاري، وهي الآية رقم (١٠٥) من سورة براءة، وفي بعضها الآخر ذكر آية براءة الثانية رقم (٩٤) التي سيشير إليها الحافظ، وهي التي ثبتت في متن اليونينية، وهي التي ثبت ذكرها أيضاً في حديث كعب بن مالك الطويل الذي أشار إليه الحافظ دون خلاف بين رواة البخاري. ٥٢٩ باب ٤٦/ ح ٧٥٣٢ كتاب التوحيد وأخرجه ابن أبي حاتم (١٨٧٧/٦) من رواية يونس بن يزيد عن الزُّهريِّ أخبرني عُروة، أنَّ عائشة كانت تقول: احتَفَرتُ أعمالَ أصحاب رسول الله وََّ حين نَجَمَ القُرّاء الذينَ طَعَنوا على عثمان، فذكر نحوه، وفيه: فوالله ما يُقارِبونَ عملَ أصحاب رسول الله وَّه فإذا أعجَبَك حسنُ عمل امرِئٍ منهم فقل: ﴿أَعْمَلُواْ﴾ إلى آخره. والمراد بالقُرّاءِ المذكورينَ: الذينَ قاموا على عثمان وأنكَروا عليه أشياء اعتَذَرَ عن فعلها، ثمَّ كانوا مع عليّ ثمَّ خَرَجوا بعد ذلك على عليّ، وقد تقدَّمَت أخبارهم مُفصَّلةً في كتاب الفتن(١)، ودَلَّ سياق القصّة على أنَّ المراد بالعمل ما أشارت إليه من القراءة والصلاة وغيرهما، فسَمَّت كلَّ ذلك عملاً. وقولها في آخره: ((ولا يَستَخِفَّنَّك أحدٌ)) بالخاءِ المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنُّون الثَّقيلة للتَّأكيد، قال ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: معناه: لا تَغتَرَّ بمَدح أحدٍ وحاسِبْ نفسَك. والصَّواب ما قاله غيره: أنَّ المعنى: لا يَغُرَّنَّك أحد بعَمَلِهِ فَتَظُنَّ به الخيرَ، إلّا إن رأيتَه واقفاً عند حدود الشّريعة. قوله: ((قال مَعمَر: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾: هذا القرآن ﴿هُدَى لِلْنَّقِينَ﴾: بيان ودلالة، كقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ الَهِ﴾: هذا حُكم الله، ﴿لَا رَيْبٌ فِيهِ﴾: لاشَكَّ، ﴿ِلْكَ ءَايَتُ اللّهِ﴾ يعني: هذه أعلامُ القرآن، ومثلُه: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾، يعني: بكم)) مَعمَر هذا: هو ابن المثتَّى اللُّغَويّ أبو عُبَيدة، وهذا المنقول عنه ذكره في كتاب ((مَجَاز القرآن))، ووَهِمَ مَن قال: إنَّه مَعمَر بن راشد شيخ عبد الرَّزّاق، وقد اغتَرَّ مُغَلْطاي بذلك فَزَعَمَ أنَّ عبد الرَّزّاق أخرج ذلك في ((تفسيره) عن مَعمَر، وليس ذلك في شيء من نُسَخ ((تفسير عبد الرَّزّاق))، ولفظ أبي عُبَيدة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ معناه: هذا القرآن، قال: وقد تُخَاطِب العربُ الشّاهدَ بِمُخاطَبَةٍ الغائب، وقد أنكَرَ ثَعلَبُ هذه المقالةَ، وقال: استعمالُ أحد اللَّفْظَينِ موضعَ الآخَر يَقلِب المعنى، وإنَّما المراد: هذا القرآن هو ذلك الذي كانوا يَستَفْتِحونَ به علیکم. (١) بل في استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين، وهي ترجمة الأحاديث (٦٩٣٠ - ٦٩٣٢). ٥٣٠ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال الكِسائيّ: لمَّا كان القول والرِّسالة من السماء، والكتاب والرَّسول في الأرض، قيل: ذلك يا محمَّد، وقال الفَرّاء: هو كقولِك للرجلِ وهو يُحدِّثك: وذلك والله الحقُّ، فهو في اللَّفظ بمَنْزِلةِ الغائب وليس بغائبٍ، وإنَّما المعنى: ذلك الذي سمعتُ به. واستَشهَدَ أبو عُبَيدة بقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجٍ طَيِّبَةٍ﴾، فلمَّا جازَ أن يُخْبَرَ بضَمِيرَينِ مُخْتَلِفَينِ: ضمير المخاطَب للحاضرِ، وضمير الغَيْبة عن الغائب في قصَّة واحدة، فكذلك يجوز أن يُخْبَر عن ضمير القريب بضميرِ البعيد، وهو صنيعٌ مشهورٌ في كلام العرب يُسمِّيه أصحابُ المعاني الالتفاتَ. وقيل: الحِكمة في هذا هنا أنَّ كلّ مَن خُوطِبَ يجوز أن يَركَب الفُلك، لكن لمَّا كان في العادة أن لا يَركَبها إلّ الأقلّ وَقَعَ الخِطاب أوَّلاً للجميع، ثمَّ عَدَلَ إلى الإخبار عن البَعض الذينَ من شأنهم الرُّكوب. ٥٠٦/١٣ وقال أيضاً: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شَكَّ فيه، ﴿هُدَى لِلْنَّقِينَ﴾ أي: بيان للمُتَّقِينَ، ومُناسَبة/ هذه الآية لما تقدَّم من جهة أنَّ الهداية نوعٌ من التَّبليغ، وقال في تفسير سورة أُخرى: ﴿ِّكَ ءَايَاتُ﴾: هذه آيات، وقال في تفسير سورة أُخرى: الآيات: الأعلامُ، وهذا قد تقدَّم في تفسير سورة يونس(١) التَّنبيه عليه. وأمّا قوله: ((ومِثْلُهُ ﴿حَتَّىَ إِذَا كُمْ﴾)) فمُراده أنَّه نَظِير استعمال ﴿ ذَلِكَ﴾ موضع ((هذا)، فلمَّا ساغَ استعمالُ ما هو للبعيدِ للقريبِ، جازَ استعمالُ ما هو للغائبِ للحاضر، ولفظ: ((مِثله)) بكسر الميم وسكون المثلَّثة، وضَبَطَه بعضهم بضمِّ الميم والمثلَّثة واللّام، وهو بعيد، والأوَّل هو الموجود في كتاب أبي عُبَيدة، قاله في مُقدّمة كتابه المذكور، فإنَّه قال: ومِن مجاز ما جاءَت ◌ُخاطَبَتَه مُخاطَبة الشّاهد، ثمَّ حُوِّلَ إلى مُخاطَبة الغائب، قوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا كُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَیْنَ بِهِم ﴾ أي: بكم. ثمّ ذکر فیه أربعة أحاديث: (١) سورة رقم (١٠) في الباب الأول منها. ٥٣١ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ كتاب التوحيد الحديث الأوَّل: قوله: ((وقال أنس: بَعَثَ النبيّ ◌َّهِ خالَه حَرَاماً إلى قوم، وقال: أَتُؤْمِنُوني حتَّى أُبلِّغَ رسالةَ رسول الله وَّةِ؟ فَجَعَلَ يُحدِّثهم) هذا طَرَفٌّ من حديث وَصَلَه المؤلّف في الجهاد (٢٨٠١) من طريق همَّام عن إسحاق بن عبد الله(١) بن أبي طَلْحة عن أنس قال: بَعَثَ النبيُّ ◌َّ أقواماً من بني سُلَيم إلى بني عامر في سبعينَ راكباً، فلمَّا قَدِموا قال لهم خالي: أتقدَّمُكم فإن أمَّنوني حتَّى أُبلِّغَهم عن رسول الله وَّل وإلّا كنتم قريباً منِّي، فتقدَّم فأمَّنوه، فبينما هو يُحدِّثهم عن النبيّ وَّهِ، فذكر القصَّة، ولفظه في المغازي (٤٠٩١) عن أنس: فانطَلَقَ حَرام أخو أمّ سُلَيمٍ، فذكره، وفيه: وإن قَتَلوني أتيتُم أصحابَكم، فقال: أتؤْمِنوني أُبلِّغْ رسالةً رسول الله وََّ؟ فَجَعَلَ يُحدِّثهم، وأومَؤُوا إلى رجل منهم، فأتاه فطَعَنَه من خَلْفه، الحديث، وسياقه في المغازي أقرَبُ إلى اللَّفظ المعلَّق هنا، وفي السِّياق حذفٌ تقديره بعد قوله: ((أتيتُم أصحابكم)): فأتَى المشركينَ فقال: آتُؤمِنوني. الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا سعيد بن عُبَيد الله الثَّقْفيّ)) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية القابِيّ عن أبي زيد: سعيد بن عبد الله، بفتح العين وسكون الموحَّدة، قال أبو عليٍّ الجَيَّانيّ: وكذا كان في نسخة أبي محمَّد الأَصِيلِيّ، إلّا أنَّه أصلَحَه: عُبَيد الله، بالتَّصغير، وقال: هو سعيد بن عُبَيد الله بن ◌ُبیر بن حَيّة. قوله: ((عن جُبَير بن حَيّة)) بمُهمَلةٍ وتحتانيّة ثقيلة، وجُبَير: هو والدُزياد بن جُبَيرِ الرَّاوي عنه. قوله: ((قال المغيرة)) هو ابن شُعْبة. قوله: ((أخبَرَ نا نِبًُّا وَّه عن رسالة رَبّنا: أَنَّه مَن قُتِلَ مِنّا صارَ إلى الجنَّةُ)) هذا القَدْر هو المرفوع من الحديث، وقد مضى بطوله وشواهده في كتاب الجِزية (٣١٥٩)، وبيان الاختلاف في ضَبْط المعتَمِر بن سليمان المذكور في سنده بما أغنَى عن إعادته. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن يوسف، حدَّثنا سُفْيان، عن إسماعيل، عن الشَّعْبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: مَن حَدَّثَك أَنَّ محمَّداً وَئِ كَتَمَ شيئاً. وقال محمَّد: حدّثنا أبو عامر (١) تحرَّف في (س) إلى: عبيد الله، بالتصغير. ٥٣٢ باب ٤٦/ح ٧٥٣٢ فتح الباري بشرح البخاري العَقَديّ، حدَّثْنا شُعْبة عن إسماعيل بن أبي خالد)) أمّا محمَّد بن يوسف: فهو الفِريابيّ كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستَخرَج))، وأمّا سفيان: فهو الثَّوريّ، وأمّا إسماعيل: فهو ابن أبي خالد المذكور في الرّواية الثّانية، وأمّا محمَّدٌ المذكور أوَّلَ الرّواية الثّانية فيحتمل أن يكون هو محمَّد ابن يوسف الفريابيّ المذكور في الرِّواية الأولى، فيكون موصولاً، ويحتمل أن يكون غيرَه فيكون مُعلَّقاً، وهو مُقْتَضَى صنيع المزيّ. وأمّا أبو نُعَيم فقال في ((المستَخرَجِ)): رواه عن محمَّد عن أبي عامر، ومُقتَضاهُ أن يكون وَقَعَ عنده: حدَّثنا محمَّد أو قال لي محمَّد، لأنَّ عادته إذا وَقَعَ بصيغة ((قال)) مُجرَّدة أن يقول: أخرجه بلا رواية، يعني: صيغة صريحة. وأبو عامر العَقَديّ: هو عبد الملك بن عَمْرو، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق أحمد ابن ثابت عن أبي عامر العَقَديّ مِثلَ ما ساقَه البخاريُّ، وزادَ: مَن حَدَّثَك أنَّ الله رَآه أحدٌ مِن خلْقِه فلا تُصدِّقْه، إنَّ الله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾، وقد تقدَّم هذا القَدْرِ مُفرَداً (٧٣٨٠) في ((باب قول الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا﴾)) في كتاب ٥٠٧/١٣ التَّوحيد هذا، عن محمَّد بن يوسف بهذا السَّنَد، وزادَ: مَن حَدَّثَك/ أنَّه يَعلَم الغيبَ، الحديث، وأخرجه أحمد عن غُندَر عن شُعْبة كذلك(١)، وقد تقدَّم الكلام على قصَّة الرُّؤية والغيب هناك، وكلّ ما أُنزِلَ على الرَّسول وَِّ فله بالنّسبة إليه طَرَفان: طَرَف الأخذ من جبريل عليه السلام، وقد مضى في الباب السّابق، وطَرَف الأداء للأُمّة، وهو المسمَّى بالتَبليغِ، وهو المقصود هنا. الحديث الرابع: حديث عبد الله - هو ابن مسعود -: أيّ الذَّنب أكبر؟ تقدَّم قريباً (٧٥٢٠) في ((باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾))، وزاد في آخره هنا: فَأَنزَلَ الله تصديقها: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى آخر الآية [الفرقان: ٦٨]، ومُناسَبته للتَّرجمة أنَّ التَّبليغ على نوعين: (١) لم نقف عليه في ((المسند)) من الطريق المذكورة، وقد أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) (٤٤٣) من طريق أبي علي محمد بن أحمد ابن الصوَّاف عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، به. ٥٣٣ باب ٤٦/ ح ٧٥٣٢ كتاب التوحيد أحدهما: وهو الأصل أن يُبلِّغه بعَينِهِ، وهو خاصٌّ بما يُتعبَّدُ بتلاوتِه، وهو القرآن. وثانيهما: أن يُبلِّغ ما يَستَنِط من أُصول ما تقدَّم إنزالُه، فيَنزِل عليه موافَقَته فيما استَنْبَطَه، إمّا بنَصِّه، وإمّا بما يَدُلّ على مُوافَقَته بطريق الأَولى كهذه الآية، فإنَّهَا اشتَمَلَت على الوعيد الشَّديد في حَقّ مَن أشرَكَ، وهي مُطابِقة للنَّصّ، وفي حَقّ مَن قَتَلَ النَّفْس بغيرِ حَقّ، وهي مُطابِقة للحديث بطريق الأَولى، لأنَّ القتل بغيرِ حَقّ وإن كان عظيماً، لكنَّ قتل الولد أشَدُّ قُبحاً من قتل مَن ليس بولدٍ، وكذا القول في الزُّناة، فإنَّ الزِّنى بحَلِيلةِ الجار أعظَم قُبحاً من مُطلَق الزِّنى. ويحتمل أن يكون إنزال هذه الآية سابقاً على إخباره ◌َله بما أخبَرَ به، لكن لم يَسمَعها الصحابيّ إلّا بعد ذلك، ويحتمل أن يكون كلٌّ من الأُمور الثَّلاثة نَزَلَ تعظيم الإثم فيه سابقاً، ولكنِ اختَصَّت هذه الآية بمجموع الثَّلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها، فيكون المراد بالتَّصديق الموافقة في الاقتصار عليها، فعلى هذا فمُطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة جدّاً، والله أعلم. واستَدَلَّ أبو المظفَّر بن السَّمعانيّ بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلِّمينَ في تَقسيم الأشياء إلى جسم وجَوهَر وعَرَض، قالوا: فالجسم: ما اجتَمَعَ من الافتراق، والجَوهَر: ما حَمَلَ العَرَض، والعَرَض: ما لا يقوم بنفسِه، وجَعَلوا الرُّوح من الأعراض، ورَدُّوا الأخبار في خلْق الرّوح قبل الجسد، والعقلِ قبل الخَلْق، واعتَمَدوا على حَدْسهم وما يُؤَدّي إليه نَظَرِهم، ثمَّ يَعرِضونَ عليه النُّصوصَ فما وافَقَه قَبِلُوه، وما خالَفَه رَدُّوه، ثمَّ ساقَ هذه الآيات ونظائرَها من الأمر بالتَّبليغ. قال: وكانَ ثمّ أُمِرَ بتبليغِه التَّوحيدَ بل هو أصلُ ما أُمِرَ به، فلم يَتْرُك شيئاً من أُمور الدّين أُصوله وقَواعِده وشَرائعه إلّا بَلَّغَه، ثمَّ لم يَدَعْ إلّا الاستدلالَ بما تَمَسَّكوا به من الجَوهَر والعَرَض، ولا يُوجَد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حَرفٌ واحدٌ فما فوقه، فعُرِفَ بذلك أنَهم ذهبوا خِلافَ مذهبهم، وسَلَكوا غيرَ سبيلِهم بطريقٍ مُحدَثٍ مُخْتَرَع، لم يَكُن عليه ٥٣٤ باب ٤٧ فتح الباري بشرح البخاري رسولُ اللهِ وَّه ولا أصحابُه رضي الله عنهم، ويَلزَم من سُلوكه العَوْد على السَّلَف بالطَّعن والقَدْح، ونسبتهم إلى قِلّة المعرفة واشتباه الطّرق، فالحَذَر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بِمَقَالاتهم، فإنّها سريعةُ التَّهافُت كثيرةُ التَّنَاقُض، وما من كلامِ تَسمَعه لِفِرقةٍ منهم إلّا وَجِدُ لخصومِهم عليه كلاماً يُوازيه (١)، أو يُقارِبه، فكلٌّ بكلِّ مُقابلٌ، وبعضُ ببعضٍ مُعارَضٌ. وحَسبُك من قبيح ما يَلزَم من طريقتهم أنّا إذا جَرَيْنا على ما قالوه، وألزَمْنا الناسَ بما ذَكَروه، لَزِمَ من ذلك تكفير العَوامّ جميعاً، لأنَّهم لا يَعرِفونَ إلّا الاتِّبَاعَ المجرَّد، ولو عُرِضَ عليهم هذا الطَّريق ما فَهِمَه أكثرُهم، فضلاً عن أن يصير منهم صاحبُ نَظَر، وإنَّما غاية توحيدهم التِزامُ ما وَجَدوا عليه أئمَّتَهم في عقائد الدِّين، والعَضُّر عليها بالنَّواجِذِ، والمواظَبة على وظائف العبادات، ومُلازمة الأذكار بقلوبٍ سليمة طاهرة عن الشُّبَه والشُّكوك، فتراهم لا تَحِيدُونَ عَّ اعتَقَدوه ولو قُطِّعوا إرباً إرباً، فهَنيئاً لهم هذا اليقينُ، وطُوبَى لهم هذه السَّلامَةُ، فإذا كُفِّرَ هؤلاءِ وهم السَّوادُ الأعظَمُ وُجُمهورُ الأُمّة، فما هذا إلّا طَيُّ بساط الإسلام، وهَدْمُ مَنار الدّين، والله المستعان. ٤٧ - باب: ﴿قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] ٥٠٨/١٣ وقولِ النبيِّي ◌َّ: «أُعْطِيَ أهلُ النَّوراةِ النَّوراةَ فعَمِلُوا بها، وأُعْطِيَ أهلُ الإنجيلِ الإنجيلَ فعَمِلوا به، وأُعطِيتُمُ القرآنَ فعَمِلتُم به)). وقال أبو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: يعملونَ به حَقَّ عَمَلِهِ. يقالُ: ﴿يُتْلَى﴾ [النساء: ١٢٧، العنكبوت: ٥١]: يُقرَأُ. حَسَنُ التِّلاوةِ: حسنُ القراءةِ للقرآنِ. ﴿ لَّا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩]: لا يَجِدُ طَعْمَه ونَفْعَه إلّا مَن آمَنَ بالقرآنِ، ولا تَحمِلُهُ بِحَقِّه إلّا المُوقِنُ، لقولِه تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَنَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة:٥]. (١) تصحّفت في (س) إلی: یوازنه. ٥٣٥ باب ٤٧/ ح ٧٥٣٣ كتاب التوحيد وسَمَّى النبيُّ وَّهِ الإسلامَ والإيمانَ والصلاةَ عملاً. وقال أبو هُرَيرةَ: قال النبيُّ وَّه لبلالٍ: ((أُخبِرْني بأرجَى عملٍ عَمِلْتَه في الإسلام؟)) قال: ما عَمِلْتُ عملاً أرجَى عِنْدي أنّي لم أتطَهَّرْ إلّا صَلَّيْتُ. وسُئلَ: أيُّ العملِ أفضَلُ؟ قال: ((إِيمانٌ بالله ورسولِهِ، ثمَّ الجهادُ، ثمَّ حَجِّ مَبْرورٌ)). ٧٥٣٣- حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سالمٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌ٍَّ قال: ((إنَّما بَقاؤكم فيمَنْ سَلَفَ منَ الأُمَمِ كما بينَ صلاةِ العصرِ إلى غُروبِ الشمس، أُوتِيَ أهلُ النَّوراةِ النَّوراةَ، فعَمِلوا بها حتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثمَّ عَجَزوا فَأُعْطُوا قِيراطاً قيراطاً، ثمَّ أُوتيَ أهلُ الإنجيلِ الإنجيلَ، فعَمِلوا به حتَّى صُلِّْتِ العصرُ، ثمَّ عَجَزوا فَأُعْطُوا قيراطاً قِيراطاً، ثمَّ أُوتِيتُمُ القرآنَ، فعَمِلتُم به حتَّى غَرَبَتِ الشمسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرالطَيْنِ قِيراطَيْنٍ، فقال أهلُ الكتاب: هؤلاءِ أقلُّ مِنّا عملاً وأكثرُ أجراً! قال الله: هل ظَلَمْتُكم مِن حَقِّكم مِن شيءٍ؟ قالوا: لا، قال: فهو فَضْلي أُوتِيهِ مَن أشاءُ)). قوله: ((باب: ﴿قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثةِ فَتْلُوهَا﴾)) مُراده بهذه التَّرجمة أن يُبيِّ أنَّ المراد بالتِّلاوةِ القراءة، وقد فُسِّرَتِ التِّلاوة بالعملِ، والعمَلُ من فِعْل العامِل، وقال في كتاب ((خلق أفعال العباد)»: ذكر وَل﴿ أَنَّ بعضهم يزيد على بعض في القراءة وبعضهم يَنقُص، فهم يَتَفَاضَلونَ في التِّلاوة بالكثرةِ والقِلّة، وأمّا المتلُوُّ وهو القرآن فإنَّه ليس فيه زيادة ولا نُقصان، ويقال: فلان حسن القراءة ورَدِيء القراءة، ولا يقال: حسَن القرآن ولا رَديءُ القرآن، وإنَّما يُسنَد إلى العباد القراءةُ لا القرآنُ، لأنَّ القرآن كلام الرَّبّ سبحانه وتعالى، والقراءة فِعلُ العبد، ولا يَخْفَى هذا إلّا على مَن لم يُوقَّق. ثمَّ قال: تقول: قرأت بقراءةِ عاصم، وقراءَتك على قراءة عاصم، ولو أنَّ عاصماً حَلَفَ أن لا يقرأ اليوم، ثمَّ قرأت أنتَ على قراءته لم يَحَنَثْ هو، قال: وقال أحمد: لا تُعجِبني قراءة حمزة، قال البخاريّ: ولا يقال: لا يُعجِبني القرآنُ، فظَهَرَ افِتِراقُهما. قوله: ((وقول النبيِّ وَلَ: أَعْطِيَ أهلُ التَّوراة النَّوراةَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه في آخر هذا الباب ٥٣٦ باب ٤٧/ح ٧٥٣٣ فتح الباري بشرح البخاري بلفظ ((أُوتيَ)) في الموضعين، و((أُوتيتُم))، وقد مضى في اللَّفظ المعلَّق: ((أُعطيَ)) و ((أُعطيتُم)) في (باب المشيئة والإرادة)) (٧٤٦٧) في أوَّل كتاب التَّوحيد. قوله: ((وقال أبو رَزینٍ)) براءٍ ثمَّ زاي بوزنِ عَظِيم: هو مسعود بن مالك الأسديُّ الکوفيّ، من كِبار التّابعينَ. قوله: (﴿يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِةِ﴾: يعملونَ به حَقَّ عمَلِه)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيرِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ﴾: يَتَبِعونَه ويعملونَ به حَقَّ عمَلِه، وهذا وَصَلَه سفيان الثَّوريّ في ((تفسيره)) من رواية أبي حُذَيفة موسى بن مسعود عنه(١) عن منصور بن المعتَمِر عن أبي رَزين في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتٍِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال: يَتَبِعونَه حَقَّ اتِّباعه ويعملونَ به حَقَّ عمله(٢). قال ٥٠٩/١٣ ابن التِّين: وافَقَ أبا رَزِين عِكرمةُ، واستَشهَدَ بقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ / إِذَا نَلَهَا﴾ [الشمس: ٢] أي: تَبِعَها، وقال الشّاعر: قد جَعَلَتْ دَلْوي ◌َستَتْلِيني وقال قَتَادةُ: هم أصحاب محمَّد ◌َّ﴿ آمنوا بكتابِ الله، وعَمِلوا بما فيه. قوله: ((يقال: ﴿يُتْلَى﴾: يُقرَأ)» هو كلام أبي عُبَيدة في كتاب ((المجاز)) في قوله تعالى: ﴿أَنّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]: يُقرأ عليهم، وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨]: ما كنت تَقرَأُ كتاباً قبلَ القرآن. قوله: ((حسَنُ التِّلاوة: حسَنُ القراءة للقرآنِ)) قال الرَّاغِب: التِّلاوة: الاتِّباع، وهي تقع بالجسمِ تارةً، وتارةً بالاقتداءِ في الحُكم، وتارةً بالقراءةِ وتَدَبُّر المعنى، والتِّلاوة في عُرْف الشَّرع تَخْتَصّ باتِّباع كتب الله تعالى المنزلة، تارةً بالقراءةِ، وتارةً بامتثالِ ما فيه من أمرٍ ونَهىٍ، (١) ص٤٨. (٢) لم يزد في ((تفسير الثوري)) المطبوع على قوله: يتبعونه حقَّ اتباعه، وهو الذي اقتصر عليه الطبري أيضاً في ((تفسيره)) ١/ ٥٢٠ من طرق عن سفيان الثوري، لكن أخرجه عن الثوري بتمامه الخطيب في («اقتضاء العلم العمل)) (١١٧)، والظاهر أنه جاء في نسخة الحافظ من ((تفسير الثوري)) تامّاً، فقد أورده بإسناده إليه في ((تغليق التعليق)) ٣٦٩/٥ بتمامه، والله أعلم. ٥٣٧ باب ٤٧/ح ٧٥٣٣ كتاب التوحيد وهي أعمُّ من القراءة، فكلّ قراءةٍ تلاوةٌ من غير عكسٍ. قوله: ((﴿لَّا يَمَشُّهُ﴾: لا يَجِدُ طَعْمَه ونَفْعَه إلّا مَن آمَنَ بالقرآنِ، ولا يَحِمِلُهُ بحَقٌّه إلّا المُوقِنُ)) وفي رواية المُستَملي: المؤمِن ((لقولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾)) وحاصل هذا التَّفسير أنَّ معنى ((لا يَمَسّ القرآن)»: لا يَجِد طعمَه ونَفعَه إلّا مَن آمَنَ به، وأيقَنَ بأنَّه من عند الله، فهو المطهّر من الكفر، ولا تَحِمِله بحَقُّه إلّ المطهّرُ من الجهلِ والشكِّ، لا الغافلُ عنه الذي لا يَعمَلُ، فيكونُ كالحمار الذي يَحِمِل ما لا يدرِیه. قوله: ((وسَمَّى النبيُّ نَِّ الإسلامَ والإيمانَ والصلاةَ عملاً) أمّا تسميتُه ◌َِّ الإسلامَ عملاً فاستنْبَطَه المصنِّف من حديث سؤالٍ جِبريلَ عن الإيمان والإسلام، فقال: قال النبيّ وَّـ لجبريل حين سَأَلَه عن الإيمان: ((تُؤْمِن بالله وملائكته وكُتُبُه ورُسُله)) ثمَّ قال: ما الإسلام؟ قال: ((تَشهَد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله)»، ثمَّ ساقَه(١) من حديث ابن عمر عن عمر بلفظِ فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: ((أن تُسلمَ وجهَك لله، وتُقيمَ الصلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وَحَجَّ البيتَ)) الحديث، وساقَه (١٩١) من حديث أنس بنحوه، قال (١٨٨): فسَمَّى الإيمان والإسلام والإحسان والصلاة بقراءَتِها وما فيها من حَرَكات الرُّكوع والسُّجود فِعلاً. انتهى، والحديث الأوَّل أسندَه في كتاب الإيمان (٥٠) عن أبي هريرة، والثّاني أخرجه مسلم (٨). وأمّا تَسميتُهُ الإيمانَ عمَلاً فهو في الحديث المعلَّق في الباب: أيّ العمل أفضَلُ؟ قال: ((إيمان بالله)) الحديث، وقد أعادَه في (باب: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾))(٢). وأمّا تسميةُ الصلاة عملاً فهو في الباب الذي یلیه كما سيأتي بيانه. قوله: ((وقال أبو هريرة: قال النبيّ وَّه لبلالٍ ... )) إلى آخره، تقدَّم موصولاً مشروحاً في مناقب (١) في ((خلق أفعال العباد)) (١٩٠). (٢) باب رقم (٥٦). ٥٣٨ باب ٤٧/ ٧٥٣٣ فتح الباري بشرح البخاري بلال(١) من مناقب الصحابة رضي الله عنهم، ودخوله فيه ظاهر من حيثُ إنَّ الصلاة لا بدَّ فيها من القراءة. قوله: ((وسُئلَ: أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، ثمَّ الجهادُ، ثمَّ حَجّ مَبْرُورٌ)» وهو حديثٌ وَصَلَه في كتاب الإيمان (٢٦) وفي الحجّ (١٥١٩) من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وأورَدَه في كتاب ((خلق أفعال العباد)) (١٤٥ و١٤٩) من وجهَينِ آخَرَينِ عن الزُّهريِّ، ومن وجهَينِ آخَرَينٍ عن إبراهيم بن سعد، وأورَدَه فيه (١٥١ - ١٥٣) من طريق أبي جعفر عن أبي هريرة: سَمِعتُ النبيَّ وَل يقول: ((أفضَلُ الأعمال عند الله إيمانٌ لا شَكَّ فيه)) الحديث، وهو أصرَُ في مُرادِه، لكن ليس سندُه على شَرْطه في ((الصَّحيح))، وقد أخرجه أحمد (٧٥١١) والدَّارِمِيُّ (٢٧٣٩) وصَخَّحَه ابن چِبان (٤٥٩٧). وأخرج البخاريّ فيه(٢) أيضاً من حديث عبد الله بن حُبْشِيٍّ - بضمِّ المهمَلة وسكون الموحّدة بعدها مُعجَمة وياء كياءِ النَّسَب - مِثل حديث أبي جعفر عن أبي هريرة، وهو عند أحمد (١٥٤٠١) والدَّارِمِيّ (١٤٢٤)، وأورَدَ فيه (١٥٦) حديث أبي ذَرٍّ: أنَّه سَألَ النبيّ ◌َّ. أيّ الأعمال خير؟ قال: ((إيمانٌ بالله وجهادٌ في سبيله))، وقد تقدَّم في العِتق (٢٥١٨)، وحديث عائشة (١٥٨ و١٥٩) نحو حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وهو عند أحمد بمعناه (٣)، وحديث عُبادة بن الصّامت (١٦١): أنَّ النبيّ وَّرَ سُئلَ: أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: ((إيمانٌ بالله، وتصديقٌ بكتابه))، قال: فجَعَلَ النبيُّ وَّهِ الإِيمانَ والتَّصديقَ والجهادَ والحجّ عملاً. (١) بل في التهجد برقم (١١٤٩). (٢) تعليقاً برقم (١٦٢). (٣) الذي في ((مسند أحمد)) (٢٤٣٨٣) و(٢٤٤٩٧) من طريقين عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين في استئذان النساء في الجهاد، وقوله وَ ل﴿ لهنّ: ((جهادكُنَّ الحج))، وليس فيه أنه من العمل الذي هو مراد البخاري. ٥٣٩ باب ٤٧/ ح ٧٥٣٣ كتاب التوحيد ثُمَّ أورَدَ (٢٨١) حديث معاذ: قلت: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أحَبُّ إلى الله؟ قال: ((أن تموت ولسانُك رَطْبٌ مِن ذِكْر الله)). قال: فبيَّن أنَّ ذِكر الله تعالى هو العمل. ثمَّ ذكر(١) حديث: ((إنَّما بَقاؤُكم فيمَن سَلَفَ من الأُمَم)) أي: زمن بقائكم بالنّسبةِ إلى ٥١٠/١٣ زمن الأُمَم السّالِفة، وقد تقدَّم في مواقيت الصلاة (٥٥٧) مشروحاً. وأحدُ طَرَفَي التَّشبيه محذوفٌ، والمراد باقي النَّهار. وعَبْدانُ شيخه: هو عبد الله بن عثمان، وعبد الله: هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن یزید، وسالم: هو ابن عبد الله بن عمر. وقوله فيه: ((حتَّى غَرَبَتِ الشمس)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((حتَّى غُروب الشمس)). وقوله: ((هل ظَلَمتُكم من حَقّكم من شيء؟)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((شيئاً». قال ابن بَطّال: معنى هذا الباب كالذي قبله، أنَّ كلّ ما يُنشِئه الإنسان ممّا يُؤمَر به من صلاةٍ أو حَجِّ أو جهادٍ وسائرِ الشَّرائع، عملٌ يُجازَى على فِعله، ويُعاقَب على تركه إن أُنْفِذَ الوعيدُ. انتهى، وليس غَرَض البخاريّ هنا بيان ما يَتَعلَّق بالوعيدِ، بل ما أشرتُ إليه قبلُ. وتَشاغَلَ ابن التِّين ببعضِ ما يَتَعلَّقِ بلفظِ حديث ابن عمر، فنَقَلَ عن الدَّاوُوديّ أنَّه أنكَرَ قوله في الحديث: أنَّهم أُعطوا قيراطاً، وتَسَّكَ بما في حديث أبي موسى(٢) أنَّهم قالوا: لا حاجة لنا في أجرك، ثمَّ قال: لعلَّ هذا في طائفةٍ أُخرى، وهم مَن آمَنَ بنبيِّه قبل بَعْثة محمَّدٍ وََّ، وهذا الأخير هو المعتمد، وقد أوضَحتُه بشواهدِه في كتاب المواقيت، وفي تَشاغُل مَن شَرَحَ هذا الكتاب بمِثلِ هذا هنا إعراض عن مقصود المصنّف هنا، وحَقُّ الشّارح بيانُ مَقاصد المصنِّف تقريراً وإنكاراً، وبالله المستعان. (١) رجع الكلامُ هنا إلى حديث ابن عمر في هذا الباب. (٢) تقدم برقم (٥٥٨). ٥٤٠ باب ٤٨/ح ٧٥٣٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٨- بابٌ وسَمَّى النبيُّ وَّل الصلاةَ عملاً، وقال: ((لا صلاة لمن لم يَقرَأْ بفاتحة الكتاب)» ٧٥٣٤- حدَّثنا سليمانُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الوليدِ. وحذَّثني عبّادُ بنُ يعقوبَ الأَسَدِيُّ، أخبرنا عبَّادُ بنُ العوَّامِ، عن الشَّيْبانيِّ، عن الوليدِ بنِ العَيْزار، عن أبي عَمرِو الشَّيْبانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ : أنَّ رجلاً سَأَلَ النبيّ ◌َّهَ أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال: ((الصلاةُ لِوَقْتِها، وبِرُّ الوالدَيْنِ، ثمَّ الجهادُ في سبيلِ الله)). قوله: ((بابٌ)) كذا لهم بغيرِ ترجمة، وهو كالفَصْلِ من الباب الذي قبله، وهو ظاهرٌ. قوله: ((وسَمَّى النبيّ ◌َلِّ الصلاةَ عملاً، وقال: لا صلاة لمن لم يَقْرأ بفاتحة الكتاب)) أمّا التَّعليق الأوَّل فمذكور في حديث ابن مسعود في الباب، وأمّا الثّاني فمضى في كتاب الصلاة (٧٥٦) من حديث عبادة بن الصّامت. قوله: ((حدّثنا سلیمان)) هو ابنُ حَرْب. قوله: ((عن الوليد. وحدَّثني عبَّاد)) أمّا الوليد: فهو ابن العَيْزار المذكور في السَّنَد الثّاني، والقائل: وحدَّثني عبَّاد: هو البخاريّ، وعبّادٌ شيخُه هذا مذكورٌ بالرَّفضِ، ولكنَّه موصوفٌ بالصِّدق، وليس له عند البخاريّ إلّا هذا الحديثُ الواحدُ، وساقَه على لفظه، وقد تقدَّم لفظ شُعْبة في باب فضل الصلاة لوقتها في أبواب المواقيت من ((كتاب الصلاة)) (٥٢٧)، وفيه: ثمَّ أيّ؟ ثمَّ أيّ؟ في الموضعين، وأوَّله: سَألت النبيّ وَّ: أيّ العمل أحَبّ إلى الله؟ وعُرِفَ منه تسميةُ المبهَم في هذه الرّواية، حيثُ قال فيها: إنَّ رجلاً سَألَ النبيّ ◌ََّ: أَيُّ الأعمال أفضل؟ فيحتمل أن يكون الرَّاوي حَدَّثَ به بالمعنى، فأبهَمَ السّائلَ ذُهولاً عن أنَّه الرَّاوي، كما حَذَفَ من صورة السُّؤال التَّرتيبَ في قوله: قلت: ثمَّ أيّ؟ ويحتمل أن يكون ابن مسعود حَدَّثَ به على الوجهَينِ، والأوَّلُ أقرَبُ. وأبو عَمرو الشَّيبانيُّ شيخ الوليد بن العَيْزار: هو سعد بن إياس أحد كِبار التّابعينَ،