Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
باب ٢٧/ ح ٧٣٦٧ - ٧٣٦٨
كتاب الاعتصام
وقوله: ((فحَلَلْنا وسَمِعْنا وأَطَعْنا)) في رواية الإسماعيليّ: فأحلَلنا.
الحديث الثالث: قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد، وحُسَين: هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم / ٣٣٩/١٣
ووَقَعَ منسوباً في رواية الإسماعيليّ، وابن بُرَيدةَ: هو عبد الله، وعبد الله المُزَنيُّ: هو ابن
مُغفَّل، بالمعجَمةِ والفاء الثَّقيلة، ووَقَعَ بيانه في كتاب الصلاة (١١٨٣)، وبيَّن الإسماعيليّ
سبب الاقتصار على قوله: عن عبد الله، دون ذِكْر أبيه، فأخرجه من طريق محمَّد بن عُبَيد
ابن حسَّان عن عبد الوارث فقال فيه: عن عبد الله المُزَنيِّ كالذي هنا، وقال: كَتَبتُه فنَسيتُه،
لا أدري ابن مُغفَّل أو ابن مَعقِل؛ أي: بالمعجَمةِ والفاء أو المهمَلة والقاف.
وقد تقدَّم شرح الحديث في ((باب كَم بين الأذان والإقامة)) من كتاب الصلاة (٦٢٤)،
وموضع التَّرجمة منه قوله في آخره: ((لمن شاءَ))، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الأمر حقيقة في
الوجوب، فلذلك أردَفَه بما يَدُلّ على التَّخيير بين الفعل والتَّرك، فكان ذلك صارفاً للحَمْلِ
على الوجوب.
قوله: ((خَشْيَةَ أنْ يَتَّخِذَها الناس سُنَّة)) أي: طريقةً لازِمَة لا يجوز تركها، أو سُنَّة راتبة يُكرَه
تركها، وليس المراد ما يُقابِل الوجوبَ لما تقدَّمَ.
تنبيه: وَقَعَ في بعض النُّسَخ في هذه الأبواب الثَّلاثة الأخيرة تقديم وتأخير، والخَطبُ
فيها سهلٌ.
خاتمةٌ: اشتَمَلَ كتابُ الاعتصام من الأحاديث المرفوعة وما في حُكمها على مئة وسَبعة
وعِشرينَ حديثاً، المعلَّق منها وما في معناه من المتابَعَة ستَّة وعشرونَ حديثاً وسائرها
موصول، المكرَّر منها فيه وفيما مضى مئة حديث وعَشَرة أحاديث، والباقي خالِصٌ، وافَقَه
مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرةَ: ((كلّ أمَّتي يَدخُلُونَ الجنَّة إلّا مَن أَبَى))،
وحديث عمر: نُهينا عن التكلَّف، وحديث أبي هريرةَ في مَأخَذ القُرون، وحديث عائشة في
الرِّفق، وحديثها: لا أُزْكَّى به، وحديث عثمان في الخُطبة، وحديث أبي سَلَمةَ المرسَل في
الاجتهاد، وحديث المشاورة في الخروج إلى أُحُد.

٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه من الآثار عن الصَّحابة ومَن بعدهم ستّة عشر أثَراً، والله سبحانه وتعالى الهادي
إلى الصّواب.

٢٠٣
كتاب التوحيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب التَّوحيد
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التوحيد)) كذا للنَّسَفيِّ وحَمَّاد بن شاکِرِ، وعليه
اقتَصَرَ الأكثر عن الفِرَبريّ، وزاد المُستَملي: ((الردّ على الجَهميَّةِ وغيرهم)) وسَقَطَت البَسمَلة
لغيرِ أبي ذَرّ، ووَقَعَ لابنِ بَطّال وابنِ التّين: ((كتاب رَدّ الجَهميَّةِ وغيرِهم التَّوحيدَ)) وضَبَطوا
التَّوحيد بالنَّصبِ على المفعوليَّة، وظاهرُه مُعتَرَض، لأنَّ الْجَهميَّةَ وغيرهم من المُبْتَدِعَة لم
يَرُدّوا التَّوحيد وإنَّما اختَلَفوا في تفسيره، وحُجَج الباب ظاهرة في ذلك.
والمراد بقوله في رواية المُستَملي: ((وغيرهم): القَدَريَّة، وأمّا الخوارج فتقدَّم ما يَتعلَّق بهم في
كتاب الفتن(١) وكذا الرَّافضَة تقدَّم ما يَتَعلَّق بهم في كتاب الأحكام، وهؤُلاءِ الفِرَق الأربع هم
رُؤوس البِدعَة، وقد سَمَّى المعتَزِلة أنفُسَهم: أهل العَدل والتَّوحيد، وعَنَوا بالتَّوحيدِ: ما اعْتَقَدوه
من نَفي الصِّفات الإلَهِيَّة، لاعتقادهم أنَّ إثباتها يَستَلزِم التَّشبيه ومَن شَبَّهَ الله بخَلِقِه أشرَكَ، وهم
في النَّفي موافقونَ للجَهميَّة.
وأمّا أهل السُّنَّة ففَسَّروا التَّوحيد بنَفي التَّشبيه والتَّعطيل، ومن ثَمَّ قال الجُنَید فیما حكاه أبو
القاسم القُشَيريُّ: التَّوحيد إفراد القديم من المحدث، وقال أبو القاسم التَّميميّ في كتاب
(الحُجَّة)): التَّوحيد مصدر وحَّدَ يوَخِّد، ومعنى وحَّدتُ الله: اعتَقَدته مُنفَرِداً بذاته وصفاته لا
نَظِير له ولا شبيه، وقيل:/ معنى وحَّدته: عَلِمته واحداً، وقيل: سَلَبت عنه الكيفيّة والگمِيَّة فهو ٣٤٥/١٣
واحدٌ في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وفي إلَهَّته ومُلكه وتدبيره، لا شريك له ولا
رَبَّ سِواه ولا خالقَ غيره.
(١) تقدَّم شيء من ذلك في كتاب الفتن، باب إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه، بين يدي الحديث
(٧١١٢)، وفي كتاب المرتدين، في باب (٦): قتل الخوارج والملحدين، وفي باب (٧): من ترك قتال
الخوارج للتألف.

٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن بَطّال: تَضَمَّنَت ترجمة الباب أنَّ الله ليس بجسم، لأنَّ الجسم مُرَكَّب من
أشياء مُؤَلَّفَةٍ، وذلك يَرُدّ على الجَهميَّةِ في زَعمِهم أنَّه جسم. كذا وَجَدتُ فيه، ولعلَّه أرادَ
أن يقول: المشبِّهة، وأمّا الْجَهميَّةُ فلم يَخْتَلِف أحد مَمَّن صَنَّفَ في المقالات أنَّهم يَنفونَ الصِّفات
حتَّى نُسِبوا إلى التَّعطيل، وثَبَتَ عن أبي حنيفة أنَّه قال: بالَغَ جَهمٌ في نَفي التَّشبيه حتَّى قال:
إنَّ الله ليس بشيءٍ.
وقال الكِرْمانيُّ: الجَهميَّةُ فِرقة من المُبْتَدِعَة يَتَسِبونَ إلى جَهم بن صفوان مُقدَّم الطّائفة
القائلة: أن لا قُدرةَ للعبدِ أصلاً، وهم الجَبْريَّة بفتح الجيم وسكون الموخَّدة، وماتَ مقتولاً
في زمن هشام بن عبد الملك، انتهى. وليس الذي أنكروه على الجَهميَّةِ مَذهَب الجَبر خاصَّة،
وإنَّما الذي أطبَقَ السَّلَف على ذَمِّهم بسبِه إنكارُ الصِّفات، حتَّى قالوا: إنَّ القرآن ليس كلامَ الله
وأنَّه مخلوق.
وقد ذكر الأُستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التَّميميّ البغداديّ في كتابه («الفَرق
بين الفِرَق)): أنَّ رُؤوس المُبتَدِعَة أربعة، إلى أن قال: والجَهميَّة أتباع جَهم بن صفوان
الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فعلَ لأحدٍ غيرِ الله تعالى، وإنَّما
يُنسَب الفعل إلى العبد مجازاً من غير أن يكون فاعلاً أو مُستَطيعاً لشيءٍ، وزَعَمَ أنَّ عِلم الله
حادث، وامتَنَعَ من وصف الله تعالى بأنَّه شيء أو حَيّ أو عالم أو مُريد، حتَّى قال: لا أصِفُه
بوصفٍ يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصِفُه بأنَّه خالقٌ ومحيي وتُميتٌ وموحَّد - بفتح
المهمَلة الثَّقيلة- لأنَّ هذه الأوصاف خاصَّة به، وزَعَمَ أنَّ كلام الله حادث، ولم يُسمِّ الله
مُتَكلِّماً به. قال: وكان جَهمٌ يَحمِل السِّلاح ويقاتل، وخَرَجَ مع الحارث بن سُرَيج - وهو
بِمُهمَلةٍ وجيم مُصغَر - لمَّا قامَ على نَصِرِ بن سَيّار عاملٍ بني أُمَيَّة بخُراسان، فَآلَ أمرُه إلى
أن قتله سَلْم بن أحْوَز - وهو بفتح السّين المهمَلة وسكون اللّام، وأبوه بمُهمَلةٍ وآخره زاي
وزن أعوَر - وكان صاحبَ شُرطَة نَصٍ.
وقال البخاريّ في كتاب ((خلق أفعالِ العباد)) (٣ و٤): بَلَغَني أنَّ جَهماً كان يَأْخُذ عن

٢٠٥
كتاب التوحيد
الجَعْد بن دِرِهَم، وكان خالد القَسْريّ - وهو أمير العراق - خَطَبَ فقال: إنّي مُضَحِّ بالجَعِدِ
ابن دِرِهَم، لأنَّ زَعَمَ أنَّ الله لم يَتَّخِذ إبراهيم خليلاً، ولم يُكلِّم موسى تكليماً. قلت: وكان
ذلك في خِلَافة هشام بن عبد الملك، فكأنَّ الكِرْمانيَّ انتَقَلَ ذِهنه من الجَعْد إلى الجَهم؛
فإنَّ قَتْلَ جَهم كان بعد ذلك بمُدَّةٍ. ونَقَلَ البخاريّ عن محمَّد بن مُقاتل قال: قال عبد الله
ابن المبارك:
ولا أقولُ بقولِ الْجَهم إِنَّ له قولاً يُضارِعُ قولَ الشِّركِ أحياناً
وعن ابنِ المبارَك: إنّا لَنَحكي كلام اليهود والنَّصارى، ونَستَعَظِمُ أن نَحكي قول جَهم.
وعن عبد الله بن شَوذَب قال: تَرَكَ جَهمٌ الصلاة أربعينَ يوماً على وجه الشكّ.
وأخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الجَهميَّةِ))(١) من طريق خَلَف بن سليمان
البَلْخِيّ قال: كان جَهمٌ من أهل الكوفة وكان فصيحاً، ولم يكن له نَفاذٌ في العلم، فلَفيَه قوم
من الَّنادِقة، فقالوا له: صِف لنا رَبَّك الذي تَعبُده، فدَخَلَ البيت لا يَخْرُج مُدَّة، ثمَّ خَرَجَ
فقال: هو هذا الهواء مع كلِّ شيء.
وأخرج ابنٍ خُزَيمةَ في ((التَّوحيد))(٢)، ومن طريقه البَيْهَقيُّ في ((الأسماء)) (٩٠٤) قال:
سمعت أبا قُدَامة يقول: سمعت أبا معاذ البَلْخيّ يقول: كان جَهم على مَعبَرَ تِرِمِذْ، وكان
كوفيّ الأصل فصيحاً ولم يكن له عِلم ولا مجالَسَة أهل العلم، فقيلَ له: صِف لنا رَبِّك
فدَخَلَ البيت لا يَخْرُج كذا [وكذا](٣)، ثمَّ خَرَجَ بعد أيامٍ فقال: هو هذا الهواء مع كلّ شيء،
وفي كلّ شيء، ولا تخلو منه شيء.
وأخرج البخاريّ(٤) من طريق عبد العزيز بن أبي سَلَمةَ قال: كلام جَهمِ صِفَةٌ بلا
معنَى، وبناءٌ بلا أساسٍ، ولم يُعَدّ قَطُّ في أهل العلم. وقد سُئلَ عن رجل طَلَّقَ قبل الدُّخول
(١) أورده من طريق ابن أبي حاتم اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (٦٣٤) و (٦٣٥).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((كتاب التوحيد)).
(٣) ما بين معقوفين لم يرد في الأصلين و (س)، وأثبتناها من ((الأسماء والصفات)).
(٤) في ((خلق أفعال العباد)) (٢٠) و(٢١).

٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٤٦/١٣ فقال: تَعتَدّ امرأته. وأورَدَ/ آثاراً كثيرةٍ عن السَّلَف في تكفير جَهْم.
وذكر الطَّبَرِيُّ في ((تاريخه)) في حوادث سنة سبع وعشرينَ: أنَّ الحارث بن سُرَيج خَرَجَ
على نَصِرِ بن سَيّار عاملٍ خُراسان لبني أُمَيَّة وحارَبَه، والحارث حينَئِذٍ يَدعو إلى العمل
بالكتابِ والسُّنَّة، وكان جَهم حينَئِذٍ كاتبه، ثمَّ تَراسَلا في الصُّلح وتَراضَيا بحُكمٍ مُقاتل بن
حَيّان والجَهم، فاتَّفَقا على أنَّ الأمر يكونُ شورَى حتَّى يَتَرَاضَى أهل خُراسان على أميرٍ
يَحِكُمُ بينهم بالعدل، فلم يَقبَل نَصرٌ ذلك، واستَمرَّ على مُحَارَبة الحارث إلى أن قَتَلَ الحارثَ
في سنة ثمانٍ وعِشرينَ في خِلَافة مروان الحمار (١)، فيُقال: إنَّ الجَهم قُتِلَ في المعرَكَة، ويُقال:
بل أُسِرَ، فأمَرَ نَصرُ بن سَيّار سَلْمَ بن أخَوز بقَتلِهِ فَادَّعَى جَهمُ الأمان، فقال له سَلْم: لو
كنتَ في بَطنِي لَشَقَقتُهُ حتَّى أَقتُلك، فقَتَلَه.
وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق محمَّد بن صالحٍ مَولى بني هاشم قال: قال سَلْم حين
أَخَذَه: يا جَهْم إنّي لَستُ أقتلك، لأنَّك قاتَلَني، أنتَ عندي أحقَرُ من ذلك، ولكنّي
سمعتُك تَتَكلَّم بكلام أعطَيتُ الله عَهداً أن لا أملِكك إلّا قَتَلتُك، فقَتَلَه، ومن طريق
مُعتَمِر بن سليمان عن خلَّاد الطُّفاويّ: بَلَغَ سَلْم بنَ أحَوز وكان على شُرطَة خُراسان أنَّ
جَهم بن صفوان يُنكِرِ أنَّ الله كَلَّمَ موسى تكليماً، فقَتَلَه، ومن طريق بُكَير بن معروف قال:
رأيت سَلم بن أحَوز حين ضَرَبَ عُنُقُ جَهم فاسوَدَّ وجه جَهم.
وأسنَدَ أبو القاسم اللَّلَكائيّ في كتاب ((السُّنَّة)) له أنَّ قتل جَهم كان في سنة اثنتين وثلاثينَ
ومئة، والمعتمد ما ذكره الطَّبَرِيُّ أنَّه كان في سنة ثمانٍ وعِشرين. وذكر ابنُ أبي حاتم من
طريق سعيد بن رحمة صاحبٍ أبي إسحاق الفَزاريِّ: أنَّ قصَّة جَهم كانت سنة ثلاثينَ ومئة،
وهذا يُمكِن حَمله على جَبر الكسر، أو على أنَّ قتل جَهم تَراخَى عن قتل الحارث بن سُرَیج،
وأمّا قول الكِرْمانيّ: إنَّ قتل جَهم كان في خِلَافة هشام بن عبد الملِك فوَهْم، لأنَّ خروج
(١) هو مروان بن محمد بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، يعرف بمروان الحمار، وبمروان الجعدي، أما
الجعدي فنسبه إلى مؤدبه جعد بن درهم، وأما الحمار فلصبره وثباته في الحرب، يقال: أصبر في الحرب من حمار،
وقيل غير ذلك، قُتل سنة (١٣٢ هـ). انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٦/ ٧٤.

٢٠٧
كتاب التوحيد
الحارث بن سُرَيج الذي كان جَهم كاتبَه كان بعد ذلك، ولعلَّ مُستَنَد الكِرْمانيِّ ما أخرجه
ابنِ أبي حاتم من طريق صالحٍ بن أحمد بن حَنبَلٍ قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك: إلى
نَصِرٍ بن سَيّار عاملٍ خُراسان: أمّا بعد، فقد نَجَمَ قِبَلك رجلٌ يُقال له: جَهم من الذَّهريَّة، فإن
ظَفِرت به فاقتُله. ولكن لا يَلزَم من ذلك أن يكون قتلُه وَقَعَ في زمن هشام، وإن كان ظُهورُ
مَقالتِهِ وَقَعَ قبل ذلك حتَّى كاتَبَ فيه هشام، والله أعلم.
وقال ابنُ حَزم في كتاب ((الِلَل والنِّحَل)): فِرَقُ المُقِرّينَ بِمِنَّةِ الإسلام خمسٌ: أهل السُّنَّة،
ثمَّ المعتَزِلة ومنهم القَدَريَّة، ثمَّ المرجِئَة ومنهم الجَهميَّةُ والكَرّاميَّة، ثمَّ الرَّافضَة ومنهم
الشّيعة، ثمَّ الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضيَّة، ثمَّ افتَرَقوا فِرَقاً كثيرة. فأكثرُ افتراق أهل
السُّنَّة في الفُروع، وأمّا في الاعتقاد ففي نُبَذٍ يسيرة، وأمّا الباقونَ ففي مقالاتهم ما يُخالِف أهل
السُّنَّةَ الِخِلَافَ البعيد والقريب، فأقرَبُ فِرَق المرجِئَة مَن قال: الإيمان: التَّصديق، بالقلبِ
واللِّسان فقط، وليست العبادة من الإيمان. وأبعَدُهم الجَهميَّةُ القائلونَ بأنَّ الإيمان عَقدٌ
بالقلبٍ فقط، وإن أظهَرَ الكفر والنَّثليث بلسانه وعَبَدَ الوَثَن من غير تَقيَّة، والكَرّاميَّةُ
القائلونَ بأنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان فقط وإن اعتَقَدَ الكفر بقلبِه.
وساقَ الكلام على بَقِيَّة الفِرَق، ثمّ قال: فأمّا المرجِئَة فعُمدَتُهم الكلام في الإيمان والكفر،
فمَن قال: إنَّ العبادة من الإيمان، وأَنَّه يزيد ويَنْقُص، ولا يُكفِّر مُؤمِناً بذَنبِ، ولا يقول: إنَّه
يُخْلَّد في النار فليس مُرجِئاً، ولو وافَقَهم في بَقيَّة مَقالاتهم. وأمّا المعتَزِلة فعُمدَتُهم الكلام في
الوعد والوعيد والقَدَر، فمَن قال: القرآن ليس بمخلوقٍ، وأثبَتَ القَدَر ورؤية الله تعالى في
القيامة، وأثبَتَ صفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وأنَّ صاحب الكبيرة لا يَخْرُج بذلك عن
الإيمان فليس بمُعتَزِلِيٍّ، وإن وافَقَهم في سائر مقالاتهم.
وساقَ بَقيَّة ذلك، إلى أن قال: وأمّا الكلام فيما يُوصَف الله به فمُشتَرَك بين الفِرَق
الخمسة، مِن مُثبِتٍ لها ونافٍ، فرأس النُّفاة المعتزلة والجَهميَّة فقد بالَغوا في ذلك حتَّى
كادوا يُعَطِّلونَ، ورأس المُثبِتَة مُقاتل بنُ سليمان ومَن تَبِعَه من الرَّافضَة والكَرّاميَّة،/ فإنَهم ٣٤٧/١٣

٢٠٨
باب ١/ح ٧٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
بالَغوا في ذلك حتَّى شَبَّهوا الله تعالى بخَلْقِه، تعالى الله سبحانه عن أقوالهم عُلوّاً كبيراً،
ونَظِير هذا التَّايُن قولُ الجَهميّة: إنَّ العبد لا قُدرةَ له أصلاً، وقولُ القَدَريَّة: إنَّه يَخْلُق فعل
نفسه.
قلت: وقد أفرَدَ البخاريُّ خلقَ أفعالِ العباد في تَصنيفٍ، وذكر منه هنا أشياء بعد فراغِه ممّاً
يَتعلَّق بالجَهميّة.
١ - بابٌ في دعاءِ النبيِّ وَّهِ أَمَّتَه إلى
توحيد الله تعالی
٣٤٨/١٣
قوله: ((بابٌ (١) في دعاء النبيّ وَّ أُمَّته إلى توحيدِ الله تعالى)) المراد بتوحيد الله تعالى: الشَّهادة
بأنَّه إله واحد، وهذا الذي يُسَمّيه بعض غُلاة الصّوفيَّة توحيدَ العامَّة، وقد ادَّعَى طائفتان في
تفسير التَّوحيد أمرَينِ اختَرَ عوهما، أحدهما: تفسير المعتَزِلة كما تقدَّمَ، ثانيهما: غُلاة الصُّوفيَّة،
فإنَّ أكابرهم لمَّا تَكلَّموا في مسألة المحو والفَناء، وكان مُرادهم بذلك المبالَغة في الرِّضا
والتَّسليم وتَفويض الأمر، بالَغَ بعضهم حتَّى ضاهَى المرجِئَة في نَفي نسبة الفعل إلى العبد،
وجَرَّ ذلك بعضَهم إلى مَعذِرة العُصاة، ثمَّ غَلا بعضُهم فعَذَرَ الكفَّار، ثمَّ غَلا بعضُهم فَزَعَمَ
أنَّ المراد بالتَّوحيدِ اعتقاد وحدة الوجود، وعَظُمَ الخَطْب حتَّى ساءَ ظنُّ كثيرٍ من أهل العلم
بمتقدِّميهم، وحاشاهم من ذلك، وقد قَدَّمت كلام شيخ الطّائفة الجُنَيد، وهو في غاية الحُسن
والإيجاز، وقد رَدَّ عليه بعض مَن قال بالوَحدَةِ المطلَقة، فقال: وهَل من غَيْرٍ. ولهم في ذلك
كلامٌ طويل يَنبو عنه سَمعُ كلِّ مَن كان على فِطرة الإسلام، والله المستعان.
وذکر في الباب أربعة أحاديث:
٧٣٧١ - حذَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا زكريًّا بنُ إسحاقَ، عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ صَفِيٍّ،
عن أبي مَعْبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبِيَّ وَّ بَعَثَ مُمعاذاً إلى اليَمَنِ.
(١) كذا في الأصلين، والعبارة في (س): باب ما جاء في دعاء النبي ... ، وكذا في اليونينية وشرح القسطلاني
بلا خلاف.

٢٠٩
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
٧٣٧٢ - وحذَّثني عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا الفَضْلُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
أُمَّةَ، عن يحيى بنِ عبدِ الله بن محمد بنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّه سَمِعَ أبا مَعْبَدِ مولى ابنِ عبَّاسٍ يقولُ:
سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ: لمَّا بَعَثَ النبيُّ بَ ◌َّ مُعاذَ بنَ جبلٍ إلى نحوِ أهلِ اليَمَنِ قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ
على قومٍ مِن أهلِ الكتاب، فلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعوهم إلى أنْ يوَخِّدوا الله، فإذا عَرَفوا ذلك
فأخبِرْهم أنَّ الله فَرَضَ عليهم خمسَ صَلَواتٍ في يومِهِم وَيَتِهِمْ، فإذا صَلَّوْا فأخبِرْهم أنَّ الله
افْتَرَضَ عليهم زكاةً في أموالهم، تُؤْخَذُ مِن غَنِيِّهم فتُرَدُ على فِقِيرِهم، فإذا أَقَرُّوا بذلك فخُذْ
مِنْهُم، وتَوقَّ كَرَائمَ أمْوال الناسِ)).
الحديث الأول: حديث معاذ بن جبل في بَعثِهِ إلى اليمن، أورَدَه من طريقَينِ: الأُولى أعلى
من الثّانية، وقد أورَدَ الطَّريق العالية في كتاب الزَّكاة (١٣٩٥) وساقَها هناك على لفظ أبي
عاصم راويها، وذكره هناك (١٤٥٨) من وجهٍ آخَر بنزولٍ.
وعبد الله بن أبي الأسوَد شيخه في هذا الباب: هو ابن محمَّد بن أبي الأسوَدُ، يُنسَب إلى
جدِّه، واسمه حُميدُ بنُ الأسوَد، والفضْل بن العلاء: يُكْنَى أبا العلاء، ويقال: أبو العبّاس،
وهو كوفيٌّ نَزَلَ البصرة، وَثَّقَه عليٌّ بن المَدِيني، وقال أبو حاتم الرَّازيّ: شيخٌ يُكتَب
حديثه، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وقال الدّارَقُطنيُّ: كثير الوَهم. قلت: وما له في البخاريّ
سوى هذا الموضع، وقد قَرَنَه بغيرِه ولكنَّه ساقَ المتن هنا على لفظه.
قوله: ((عن أبي مَعْبَد) كذا للجميع بفتح الميم وسكون المهمَلة ثمَّ موخَّدة، وفي بعض النُّسَخ:
عن أبي سعيد، وهو تصحيف، وكأنَّ الميم انفَتَحَت فصارَت تُشبِه السّین.
قوله: ((سمعت ابن عبّاس: لمَّا بَعَثَ)) كذا فيه بحذف: قال أو يقول، وقد جَرَت العادة
بحذفِهِ خَطّاً، ويُقال: يُشتَرَطِ النُّطق به.
قوله: ((لمَّا بَعَثَ النبيُّ ◌ِ ◌ّ مُمعاذ بن جبل إلى نحو أهل اليَمَن)) أي: إلى جِهَة أهل اليمن،
وهذه الرِّواية تُقَيِّدُ الرِّواية المطلَقة بلفظ: حين بَعَثَه إلى اليمن، فبَّنْت هذه الرِّواية أنَّ لفظ
((اليمن)) من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مَقامَه، أو من إطلاق العامّ وإرادة الخاصّ،

٢١٠
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
أو لكَونِ اسم الجِنس يُطلَق على بعضه كما يُطلَق على كلِّه، والرَّاجح أنَّه من حَمَل المطلَق على
المقيَّد كما صَرَّحَت به هذه الرِّواية، وقد تقدَّم في ((باب بَعث أبي موسى ومعاذٍ إلى اليمن)) في
أواخر المغازي (٤٣٤١) من رواية أبي بُرْدة بن أبي موسى: وبَعَثَ كلَّ واحد منهما على
مِخْلاف، قال: واليمن مِخِلافان، وتقدَّم ضبْطُ المِخْلاف وشرحه هناك. ثمَّ قوله: ((إلى أهل
اليمن)) من إطلاق الكلّ وإرادة البعض، لأنَّ إنَّما بَعَثَه إلى بعضهم لا إلى جَميعِهم، ويحتَمل
أن يكون الخبر على عُمُومه في الدَّعوَى إلى الأُمور المذكورة، وإن كانت إمرة معاذ إنَّما كانت
على جِهَةٍ من اليمن مخصوصَة.
قوله: ((إِنَّك تَقْدَمُ على قومٍ من أهل الكتاب)) هم اليهود، وكان ابتداءُ دخول اليهوديّة
اليمن في زمن أسعَد ذي كَرِب، وهو تُبَّعُ الأصغر كما ذكره ابن إسحاق مُطوَّلاً في
(السّيرة))، فقامَ الإسلام وبعض أهل اليمن على اليهوديّة، ودَخَلَ دين النَّصرانيَّة إلى اليمن
٣٤٩/١٢ بعد ذلك لمَّا غَلَبَت الحبشة على / اليمن، وكان منهم أبرَهَة صاحبُ الفيل الذي غَزَا مَكَّة
وأرادَ هَدْم الكعبة، حتَّى أجلاهم عنها سَيف بنُ ذي يَزَن، كما ذكره ابن إسحاق مَبسوطاً
أيضاً، ولم يَبَقَ بعد ذلك باليمنِ أحد من النَّصارى أصلاً إلّا بنَجْران، وهي بين مكَّة
واليمن، وبَقِيَ ببعضٍ بلادها قليلٌ من اليهود.
قوله: ((فلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعوهم إلى أنْ يوَخِّدوا الله، فإذا عَرَفوا ذلك)) مضى في وسَط الزَّكاة
(١٤٥٨) من طريق إسماعيل بن أُميَّة عن يحيى بن عبد الله بلفظ: ((فليَكُن أوَّلَ ما تَدعوهم
إليه عبادةُ الله، فإذا عَرَفوا الله))، وكذا أخرجه مسلم (٣١/١٩) عن الشَّيخ الذي أخرجه
عنه البخاريّ.
وقد تَسَّكَ به مَن قال: أوَّل واجبِ المعرِفَة، كَإمام الحرمَينِ، واستَدَلَّ بأنَّه لا يَتَأْثَّى
الإتيانُ بشيءٍ من المأمورات على قَصْد الامتثال، ولا الانكِفافُ عن شيءٍ من المنهيّات
على قَصْد الانزِجار إلّا بعد معرفة الآمِر والناهي. واعتُرِضَ عليه بأنَّ المعرِفَة لا تَتَأَتَّى
إلّا بِالنَّظَرِ والاستدلال، وهو مُقدِّمة الواجب، فيجب، فيكون أوَّلَ واجب النَّظَر، وذهب إلى

٢١١
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
هذا طائفةٌ كابنٍ فورَك، وتُعقّبَ بأنَّ النَّظَر ذو أجزاء يَتَرتَب بعضها على بعض، فيكون
أوَّلَ واجب جُزءٍ من النَّظَر، وهو تَحَكِيُّ عن القاضي أبي بكر بن الطَّيِّب. وعن الأُستاذ
أبي إسحاق الإسفرايينيّ: أوَّلُ واجبِ القَصدُ إلى النَّظَر. وجَمَعَ بعضهم بين هذه
الأقوال بأنَّ مَن قال: أوَّل واجب المعرِفَة أرادَ طَلَباً وتكليفاً، ومَن قال: النَّظَر أو
القَصد أرادَ امتثالاً، لأنَّه يُسَلَّم أنَّه وسيلة إلى تَحصيل المعرِفَة، فيَدُلّ ذلك على سَبْق
وجوب المعرِفَة.
وقد ذَكَرت في كتاب الإيمان(١) مَن اعتَرضَ على(٢) هذا من أصله، وتَسَّكَ بقوله تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا ﴾ [الروم: ٣٠]، وحديثِ: ((كلّ
93
مولود يولد على الفِطرة)) فإنَّ ظاهر الآية والحديث أنَّ المعرِفَة حاصلة بأصلِ الفِطرة، وأنَّ
الخروج عن ذلك يَطْرَأ على الشَّخص، لقولِه عليه الصلاة والسَّلام: ((فَأَبَواه يُهَوِّدانه
ويُنَصِّرانِهِ))، وقد وافَقَ أبو جعفر السِّمنانيُّ - وهو من رُؤوس الأشاعرة - على هذا وقال:
إِنَّ هذه المسألة بَقِيَت في مَقالة الأشعَريّ من مسائل المعتَزِلة، وتَفرَّعَ عليها أنَّ الواجب على
كلِّ أحدٍ معرفةُ الله بالأدلَّةِ الدّالَّة عليه، وأنَّه لا يَكفي الَّقلید في ذلك، انتهى.
وقرأت في جُزءٍ من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدّين العَلائيّ ما مُلخَّصه: أنَّ
هذه المسألة ممّا تَناقَضَت فيها المذاهب وتَباينَت بين مُفرِّط ومُفْرِط ومُتَوَسِّط:
فالطَّرَف الأوَّل قول مَن قال: يَكفي التَّقليد المحضُ في إثبات وجود الله تعالى ونَفي
الشَّريك عنه، ومَمَّن نُسِبَ إليه إطلاق ذلك عُبَيدُ الله بن الحسن العَنبَريّ وجماعة من الحنابلة
والظّاهريَّة، ومنهم مَن بالَغَ فحَرَّمَ النَّظَر في الأدلّة، واستَنَدَ إلى ما ثَبَتَ عن الأئمّة الكِبار
من ذَمّ الكلام، کما سيأتي بيانه.
والطَّرَف الثّاني: قول مَن وَقَّفَ صِحَّة إيمان كلِّ أحدٍ على معرفة الأدلّة من عِلم الكلام،
(١) عند شرح الحديث (٢٠).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: أعرض عن.

٢١٢
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
ونُسِبَ ذلك لأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وقال الغَزاليّ: أسرَفَت طائفةٌ فَكَفَّروا عَوامّ المسلمين،
وزَعَموا أنَّ مَن لم يَعرِف العقائد الشَّرعيَّة بالأدلَّةِ التي حَرَّروها فهو كافر، فضَيَّقوا رحمة الله
الواسِعَة، وجَعَلوا الجنَّة مُخْتَصَّة بشِرِذِمَةٍ يسيرة من المتكلِّمين. وذكر نحوه أبو المظفَّر بن
السَّمعانيّ وأطالَ في الردّ على قائله، ونَقَلَ عن أكثر أئمَّة الفَتَوَى أنَّهم قالوا: لا يجوز أن يُكلَّف
العَوامُ اعتقاد الأُصول بدلائلِها، لأنَّ في ذلك من المشَقَّة أشَدّ من المشَقَّة في تَعلُّم الفُروع
الفقهيّة.
وأمّا المذهَب المُتوسِّط فذَكَره وسأذكرُه مُلخَّصاً بعد هذا.
وقال القُرطُبيّ في ((المُفهِم)) في شرح حديث: ((أبغَض الرِّجال إلى الله الألَدُّ الْخَصِمُ))
الذي تقدَّم شرحه في أثناء كتاب الأحكام (٧١٨٨) وهو في أوائل كتاب العلم من
((صحيح مسلم)) (٢٦٦٨): هذا الشَّخص الذي يُبغِضه الله هو الذي يَقصِد بخصومَتِهِ
مُدافَعَة الحقّ، وَرَدَّه بالأوجُه الفاسِدَة والشُّبَه الموهِمَة، وأشَدّ ذلك الخصومة في أُصول
الدّين، كما يَقَع لأكثر المتكلِّمينَ المُعرِضينَ عن الطُّرق التي أرشَدَ إليها كتاب الله وسُنَّة
٣٥٠/١٢ رسوله وَ﴿ وسَلَفُ أمَّته، إلى طرقٍ مُبْتَدَعَة واصطلاحات مُخْتَرَعَة، وقوانين جَدَلِيَّة، / وأُمورِ
صِناعيَّة، مَدار أكثرها على آراء سُوفُسطائيَّة، أو مُناقضات لفظيَّة يَنشَأ بسببها على الآخِذ
فيها شُبَهُ رُبَّما يَعجِز عنها، وشُكوكٌ يَذْهَب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدَهُم
لا أعلَمُهم، فكم من عالم بفسادِ الشَّبهة لا يَقوَى على حَلّها، وكَم من مُنفَصِل عنها لا يُدرِك
حقيقة عِلمِها.
ثُمَّ إِنَّ هؤُلاءِ قد ارتَكَبوا أنواعاً من المحال لا يَرتَضيها البُلْه ولا الأطفال، لمَّا بَحَثُوا
عن تَحَيُّ الجواهر والألوان والأحوال، فأخَذوا فيما أمسَكَ عنه السَّلَف الصالح من كيفيّات
تَعلُّقات صفات الله تعالى وتَعديدِها واتّحادها في نفسها، وهَل هي الذّات أو غيرها؟ وفي
الكلام: هل هو مُتَّحِد أو مُنقَسِم؟ وعلى الثّاني: هل يَنقَسِم بالنَّوع أو الوصف؟ وكيف
تَعلَّقَ في الأزَل بالمأمورِ مع كَونِه حادثاً؟ ثمَّ إذا انعَدَمَ المأمور هل يَبقَى التَّعَلَّق؟ وهل الأمر

٢١٣
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
لزيدٍ بالصلاةِ مَثَلاً هو نفس الأمر لعَمرِو بالزّكاةِ؟ إلى غير ذلك ممَّ ابتَدَعوه ممّا لم يَأْمُر به
الشّارع، وسَكَتَ عنه الصَّحابة ومَن سَلَكَ سبيلَهم، بل نَهَوا عن الخوض فيها؛ لِعِلمِهم
بأنَّه بحثٌ عن كيفيَّة ما لا تُعلَم كيفيَّتَه بالعقل، لكَونِ العقول لها حَدٌّ تَقِف عنده، ولا فرق
بين البحث عن كيفيَّة الذّات وكيفيَّة الصِّفات.
ومَن تَوقَّفَ في هذا فليَعلَم أنَّه إذا كان حُجِبَ عن كيفيَّة نفسه مع وجودها، وعن
كيفيَّة إدراك ما يُدرَك به، فهو عن إدراك غيره أعجَز، وغاية عِلم العالم أن يَقطَع بوجودٍ
فاعلِ لهذه المصنوعات مُنَّهِ عن الشَّبيه، مُقدَّسٍ عن النَّظير، مُتَّصِفٍ بصفات الكمال، ثمَّ
متى ثَبَتَ النَّقل عنه بشيءٍ من أوصافه وأسمائه قَبِناه واعتَقَدناه وسَكَتنا عمّا عَداه، كما هو
طريق السَّلَف، وما عَداه لا يَأْمَن صاحبه من النَّلَل.
ويكفي في الرَّدع عن الخوض في طرق المتكلِّمينَ ما ثَبَتَ عن الأئمّة المتقدِّمينَ كَعُمر بن
عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعيّ، وقد قَطَعَ بعض الأئمّة بأنَّ الصَّحابة لم يخوضوا في
الجَوهَر والعَرَض وما يَتعلَّق بذلك من مباحث المتكلِّمين، فمَن رَغِبَ عن طريقهم فكّفاه
ضلالاً، قال: وأفضَى الكلام بكثيرٍ من أهله إلى الشكّ، وببعضِهم إلى الإلحاد، ويبعضِهم
إلى التَّهاوُن بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضُهم عن نُصوص الشّارعِ، وتَطَلُّبُهم
حَقائقَ الأُمور من غيره، وليس في قوَّة العقل ما يُدرِك ما في نُصوص الشّارع من الحِكَم
التي استَأَثَرَ بها، وقد رَجَعَ كثيرٌ من أئمَّتهم عن طريقهم، حتَّى جاءَ عن إمام الحرمَينِ أنَّه
قال: رَكِيتُ البحر الأعظم، وغُصتُ في كلِّ شيءٍ نَهَى عنه أهل العلم في طَلَب الحقّ فِراراً
من التَّقليد، والآن فقد رَجَعتُ واعتَقَدت مَذْهَب السَّلَف. هذا كلامه أو معناه، وعنه أنَّه
قال عند موته: يا أصحابَنا لا تَشتَغِلوا بالكلام، فلو عَرَفتُ أنَّه يَبلُغ بي ما بَلَغتُ ما
تَشاغَلتُ به. إلى أن قال القُرطُبيّ: ولو لم يكن في الكلام إلّا مسألتان هما من مَبادِئه لكانَ
حقيقاً بالذَّمَ: إحداهما: قول بعضهم: إنَّ أوَّل واجبٍ الشكّ، إذ هو اللّازِم عن وجوب
النَّظَر أو القَصد إلى النَّظَرِ، وإليه أشارَ الإمام بقوله: رَكِبت البحر. ثانيَتهما: قول جماعة منهم: إنَّ

٢١٤
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
مَن لم يَعرِف الله بالطّرقِ التي رَتَّبوها والأبحاث التي حَرَّروها لم يَصِحّ إيمانه، حتَّى لقد
أورَدَ على بعضهم أنَّ هذا يَلزَم منه تكفيرُ أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع عليّ
بكَثْرةِ أهل النار، قال: وقد رَدَّ بعض مَن لم يَقُل بهما على مَن قال بهما بطريقٍ من الردّ
النَّظَريّ، وهو خَطَأ منه، فإنَّ القائل بالمسألتَين كافرٌ شَرعاً؛ لجَعلِه الشكَّ في الله واجباً،
ومُعظَمَ المسلمينَ كفَّاراً، حتَّى يَدخُل في عُمُوم كلامه السَّلَفُ الصالح من الصَّحابة
والتّابعين، وهذا معلوم الفساد من الدّين بالضّرورة، وإلّا فلا يُوجَد في الشَّرعيّات
ضَروريّ. وخَتَمَ القُرطُبيّ كلامه بالاعتذار عن إطالة النَّفَس في هذا الموضع، لما شاعَ بين
الناس من هذه البِدعَة حتَّى اغتَرَّ بها كثيرٌ من الأغمار، فوَجَبَ بَذل النَّصيحة، والله يَهَدي
مَن یشاء، انتھی.
وقال الآمِديُّ في ((أبكار الأفكار)): ذهب أبو هاشم من المعتَزِلة إلى أنَّ مَن لا يَعرِف الله
٣٥١/١٣ بالدَّليلِ فهو كافر، لأنَّ ضِدَّ المعرِفَة النَّكِرة،/ والنَّكِرةُ كُفر، قال: وأصحابنا مُجُمِعونَ على
خِلافه، وإنَّما اختَلَفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقاً لكن عن غير دليل، فمنهم من قال: إنَّ
صاحبه مُؤمِن عاصٍ بتركِ النَّظَر الواجب، ومنهم مَن اكتَفَى بمُجرَّدِ الاعتقاد الموافق وإن
لم يكن عن دليل، وسَّه عِلماً، وعلى هذا فلا يَلزَم من حصول المعرِفَة بهذا الطَّريق وجوبُ
النَّظَرِ.
وقال غيره: مَن مَنَعَ التَّقليد وأوجَبَ الاستدلال لم يُرِد التعمُّق في طريق المتكلِّمين، بل
اكتَفَى بما لا يخلو عنه مَن نَشَأ بين المسلمينَ من الاستدلال بالمصنوع على الصّانع، وغايته
أنَّه يَحَصُل في الذِّهن مُقدِّماتٌ ضَروريَّة تَتَألَّف تَألّفاً صحيحاً وتُنتِجِ العلم، لكنَّه لو سُئلَ
كيف حَصَلَ له ذلك ما اهتَدَى للتَّعبيرِ به.
وقيل: الأصل في هذا كلّه المنع من التَّقليد في أُصول الدّين.
وقد انفَصَلَ بعض الأئمّة عن ذلك بأنَّ المراد بالتَّقليدِ: أخذُ قول الغير بغيرِ حُجَّة، ومَن
قامت عليه حُجَّة بُثُبُوتِ النبوّة حتَّى حَصَلَ له القَطع بها، فمهما سَمِعَه من النبيّ ◌َّ كان

٢١٥
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
مقطوعاً عنده بصِدقِهِ، فإذا اعتَقَدَه لم يكن مُقَدِّداً، لأنَّه لم يَأْخُذ بقولِ غيره بغيرِ حُجَّة، وهذا
مُستَنَدِ السَّلَف قاطِبةً في الأخذ بما ثَبَتَ عندهم من آيات القرآن وأحاديث النبيّ وَّ فيما
يَتْعلَّق بهذا الباب، فَآمَنوا بالمحكَمِ من ذلك وفَوَّضوا أمر المُتَشابِه منه إلى ربّهم، وإنَّما قال
مَن قال: إنَّ مَذْهَب الخَلَف أحكَم بالنِّسبةِ إلى الردِّ على مَن لم يُثِت النبوّة، فيحتاج مَن يريد
رُجوعَه إلى الحقّ أن يُقيم عليه الأدلَّة إلى أن يُذعِن فيَسْلَم، أو يُعاند فيَهلِك، بخِلَاف المؤمن
فإنَّه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأوَّل إلّا جَعل الأصل عَدَم الإيمان،
فَلَزِمَ إيجاب النَّظَر المؤَدّي إلى المعرِفَة، وإلّا فطريق السَّلَف أسهَل من هذا، كما تقدَّم إيضاحه
من الرُّجوع إلى ما دَلَّت عليه النُّصوص حتَّى يحتاج إلى ما ذُكر من إقامة الحُجَّة على مَن ليس
بِمُؤمِنٍ، فاختَلَطَ الأمر على مَن اشتَرَطَ ذلك، والله المستعان.
واحتَجَّ بعض مَن أوجَبَ الاستدلال باتِّفاقهم على ذَمّ التَّقليد، وذَكَروا الآيات والأحاديث
الواردة في ذَمّ التَّقليد، وبأنَّ كلّ أحدٍ قَبْل الاستدلال لا يَدري أيَّ الأمرَينِ هو الهُدى، وبأنَّ
كلّ ما لا يَصِحّ إلّا بالدَّليلِ فهو دَعوَى لا يُعمَل بها، وبأنَّ العلم: اعتقادُ الشيء على ما هو
عليه عن (١) ضَرورةٍ أو استدلال، وكلّ ما لم يكن عِلماً فهو جَهل، ومَن لم يكن عالماً فهو
ضالٌّ.
والجواب عن الأوَّل أنَّ المذموم من التَّقليد أخذُ قول الغير بغيرِ حُجَّة، وهذا ليس منه
حُكُمُ رسول الله وَّةِ، فإنَّ الله أو جَبَ اتِّباعه في كلّ ما يقول، وليس العملُ فيما أمَرَ به أو
نَهَى عنه داخلاً تحت التَّقليد المذموم اتِّفاقاً، وأمّا مَن دونه فمَن اتَّبَعَه في قولٍ قاله واعتَقَدَ
أنَّه لو لم يَقُله لم يَقُل هو به، فهو المقلِّد المذموم، بخِلَاف ما لو اعتَقَدَ ذلك في خَرِ الله ورسوله فإنَّه
يكونُ ممدوحاً.
وأمّا احتجاجهم بأنَّ أحداً لا يَدري قبل الاستدلال أيَّ الأمرَينِ هو الهُدَى فليس
بِمُسَلَّمٍ، بل من الناس مَن تَطمَئِنّ نفسه ويَنشَرِحِ صَدرهُ للإسلام من أوَّلِ وهلة، ومنهم مَن
(١) تحرَّفت في (س) إلى: من.

٢١٦
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
يَتَوقَّف على الاستدلال، فالذي ذَكَروه هم أهل الشِّقّ الثّاني، فيجب عليه النَّظَر ليَقيَ نفسه
النار؛ لقولِه تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كلّ مَن استَرشَدَه
أن يُرشِده ويُبَرِهِن له الحقّ، وعلى هذا مضى السَّلَف الصالح مِن عَهْد النبيّ وَِّ وبعده.
وأمّا مَن استَقَرَّت نفسه إلى تصديق الرَّسول، ولم تُنازِعه نفسه إلى طَلَب دليلٍ؛ توفيقاً من الله
وتيسيراً، فهم الذينَ قال الله في حَقِّهِم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾
الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]،
وليس هؤُلاءِ مُقَلِّدِينَ لآبائهم ولا لِرُؤَسائهم، لأنَّهم لو كَفَرَ آبَاؤُهم أو رُؤَساؤُهم لم يُتابعوهُم،
بل يَجِدونَ النُّهُرة عن كلِّ مَن سَمِعوا عنه ما يُخَالِفِ الشَّريعة.
وأمّا الآيات والأحاديث فإنَّا وَرَدَت في حَقِّ الكفَّارِ الذينَ اتَّبَعوا مَن نُّهوا عن اتِّباعه،
وتَرَكوا اتِّباع مَن أُمِروا باتِّبَاعِه، وإنَّما كَلَّفَهم الله الإتيانَ بُبُرهانٍ على دَعْواهم بخِلَاف
٣٥٢/١٣ المؤمنينَ، فلم يَرِدِ قَطُّ أنَّه أسقَطَ اتِّباعهم حتَّى يأتوا/ بالبُرهان، وكلّ مَن خالَفَ الله ورسوله
فلا بُرهان له أصلاً، وإنَّما كلِّفَ الإتيان بالبُرهان تَبكيتاً وتَعجيزاً، وأمّا مَن اتَّبَعَ الرَّسول
فيما جاءَ به فقد اتَّبَعَ الحقّ الذي أُمِرَ به وقامت البراهين على صِحَّته، سواء عَلِم هو بتوجيه
ذلك البُرهان أم لا. وقول مَن قال منهم: إنَّ الله ذَكَرَ الاستدلال وأمَرَ به، مُسَلَّمٌ، لكن هو
فعلٌ حسنٌ مندوبٌ لكلِّ مَن أطاقَه، وواجبٌ على كلّ مَن لم تَسكُن نفسه إلى التَّصديق، كما
تقدَّم تقريره، وبالله التَّوفيق.
وقال غيره: قول مَن قال: طريقةُ السَّلَف أسلَمُ وطريقة الخَلَف أحكم، ليس
بِمُستَقيمٍ، لأنَّه ظنَّ أنَّ طريقة السَّلَف ◌ُجرَّد الإيمان بألفاظِ القرآن والحديث من غیر فِقهٍ في
ذلك، وأنَّ طريقة الخَلَف هي استخراج معاني النُّصوص المصروفة عن حَقائِقِها بأنواع
المجازات، فجَمَعَ هذا القائل بين الجهل بطريقةِ السَّلَف والدَّعوَى في طريقة الخَلَف،
وليس الأمر كما ظنَّ، بل السَّلَف في غاية المعرِفَة بما يَلِيق بالله تعالى، وفي غاية التَّعظيم له
والُضوع لأمرِهِ والتَّسليم لمُرادِه، وليس مَن سَلَكَ طريق الخَلَف واثِقاً بأنَّ الذي يَتَأوَّله

٢١٧
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
هو المراد، ولا يُمكِنه القَطع بصِحَّةِ تأويله.
وأمّا قولهم في العلم فزادوا في التَّعريف: ((عن ضَرورةٍ أو استدلال))، وتعريفُ العلم
انتهى عند قوله: ((عليه))، فإن أبَوا إلّا الزّيادة فليُزَدْ: ((أو(١) عن تيسير الله له ذلك وخَلْقِه
ذلك المعتقَد في قلبه))، وإلّا فالذي زادوه هو محلّ النِّراع فلا دلالة فيه، وبالله التَّوفيق.
وقال أبو المظفَّر بن السَّمعانيّ: تَعقَّب بعضُ أهل الكلام قولَ مَن قال: إنَّ السَّلَف من
الصَّحابة والتّابعينَ لم يَعتَنوا بإيرادِ دلائل العقل في التَّوحيد، فإنَّهم لم يَشْتَغِلوا بالتفريعات(٣) في
أحكام الحوادث، وقد قَبِلَ الفُقَهاء ذلك واستَحسَنوه فدَوَّنوه في كُتُبهم، فكذلك عِلم الكلام،
ويَمتازُ عِلمُ الكلام بأنَّه يَتَضَمَّنُ الردّ على المُلحِدينَ وأهل الأهواء، وبه تَزول الشُّبهة عن
أهل الَّيغ ويثبت اليقين لأهلِ الحقّ، وقد علم الكلَّ أنَّ الكتاب لم تُعلَم حقيّته، والنبيّ لم يَتْبُت
صِدقه إلّا بأدلَّةِ العقل.
وأجابَ: أمّا أوَّلاً فإنَّ الشّارع والسَّلَف الصالح نَهَوا عن الابتداع وأمروا بالاتِّباع،
وصَحَّ عن السَّلَف أنَّهم نَهَوا عن عِلمْ الكلام وعَدّوه ذَريعة للشَّكِّ والارتياب. وأمّا الفُروع
فلم يَتْبُت عن أحدٍ منهم النَّهيُ عنها، إلّا مَن تَرَكَ النَّصّ الصَّحِيحِ وقَدَّمَ عليه القياس، وأمّا
مَنِ اتَّبَعَ النَّصّ وقاسَ عليه فلا يُحْفَظ عن أحدٍ من أئمّة السَّلَف إنكارُ ذلك، لأنَّ الحوادث في
المعاملات لا تَنقَضي، وبالناسِ حاجة إلى معرفة الحُكم، فمن ثَمَّ تَوارَدوا على استحباب
الاشتغال بذلك، بخِلَاف عِلم الكلام.
وأمّا ثانياً: فإنَّ الدِّين كَمُلَ؛ لقولِه تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا
كان أكمَلَه وأتَمَّه، وتَلَقّاه الصَّحابة عن النبيّ وََّ، واعتَقَدَه مَن تَلَقَّى عنهم واطمَأَنَّت به
نفوسُهم، فأيُّ حاجةٍ بهم إلى تحكيم العقول والرُّجوع إلى قضاياها وجَعْلِها أصلاً؟ والنُّصوصُ
الصَّحيحة الصَّريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعمَل بمضمونها وتارة تُحرَّف عن مواضِعها لتوافق
(١) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: فليزداوا، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا من (أ) وهو الأليق بسياق الكلام.
(٢) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: بالتعريفات.

٢١٨
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
العقول، وإذا كان الدِّين قد كَمُلَ فلا تكونُ الزّيادة فيه إلّا نُقصاناً في المعنى، مِثل زيادةٍ أُصبُع في
اليد، فإنّها تُنقِص قيمة العبد الذي يَقَع به ذلك.
وقد تَوسَّطَ بعض المتكلِّمينَ فقال: لا يَكفي التَّقَليد، بل لا بدَّ من دليلٍ يَشَرِح به
الصَّدر، وتَحصُل به الطُّمَأْنِينَة العلميَّة، ولا يُشتَرَط أن يكون بطريق الصِّناعة الكلاميَّة، بل
يَكفي في حَقِّ كلِّ أحدٍ بِحَسَب ما يَقتَضيه فهمُّه. انتهى، والذي تقدَّم ذِكره من تقليد النُّصوص
کان في هذا القَدْر.
وقال بعضهم: المطلوب من كلِّ أحدِ التَّصديقُ الجَزميّ الذي لا رَيب معه بوجودِ الله
تعالى والإيمان بُرُسُلِه وبما جاؤوا به، كيفما حَصَلَ وبأيٍّ طريق إليه يُوصِل، ولو كان عن
تَقليدِ مَضٍ إذا سَلِمَ من التَّزلزُل. قال القُرطُبيّ: هذا الذي عليه أئمّة الفَتَوَى ومَن قبلهم من أثمَّة
السَّلَف. واحتَجَّ بعضهم بما تقدَّم من القول في أصلِ الفِطرة، وبما تَواتَرَ عن النبيِّوَّهِ ثُمَّ
الصَّحابة أنَّهِم حَكَموا بإسلام مَن أسلَمَ من جُفاة العرب ممَّن كان يَعبُد الأوثان، فقَبِلوا
٣٥٣/١٣ منهم الإقرار بالشَّهادتين، والتزام أحكام الإسلام/ من غير إلزام بتَعلُّم الأدلَّة، وإن كان
كثيرٌ منهم إنَّما أسلَمَ لوجودٍ دليلٍ ما، فأسلَمَ بسببٍ وُضوحِه له، فالكثير منهم قد أسلموا
طَوعاً من غير تَقَدُّم استدلال، بل بمُجرَّدٍ ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب بأنَّ نبيّاً
سيُبعَثُ ويَنْتَصِرِ على مَن خالَفَه، فلمَّا ظَهَرَت لهم العلامات في محمَّدٍ بَّهِ بادَروا إلى
الإسلام، وصَدَّقوه في كلِّ شيءٍ قاله ودَعاهم إليه من الصلاة والزَّكاة وغيرهما، وكثيرٌ منهم
كان يُؤْذَن له في الرُّجوع إلى مَعاشِه من رِعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوّة وبَرَكاتها
تَشْمَلهم، فلا يزالونَ يَزِدادونَ إيماناً ويقيناً.
وقال أبو المظفَّر بنُ السَّمعانيّ أيضاً ما مُلخَّصه: إنَّ العقل لا يوجِب شيئاً ولا يُحرِّم
شيئاً، ولا حَظَّ له في شيءٍ من ذلك، ولو لم يَرِدِ الشَّرع بحُكمِ ما وَجَبَ على أحدٍ شيءٌ،
لقولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِثَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وغير ذلك من الآياتُ، فمَن زَعَمَ أنَّ دعوة رُسُل الله

٢١٩
باب ١/ح ٧٣٧٢
كتاب التوحيد
عليهم الصلاة والسَّلام إنَّما كانت لبيان الفُروع، لَزِمَه أن يجعل العقل هو الدّاعي إلى الله
دونِ الرَّسول، ويَلَزَمه أن وجود الرَّسول وعَدمَه بالنّسبةِ إلى الدُّعاء إلى الله سواء، وكَفَى
بهذا ضلالاً، ونحنُ لا نُنكِرِ أنَّ العقل يُرشِد إلى التَّوحيد، وإنَّما نُنكِرِ أنَّه يَستَقِلَّ بإيجاب
ذلك حتَّى لا يَصِحَّ إسلامٌ إلّا بطريقِه، مع قَطْعِ النَّظَر عن السَّمْعيّات، لكونِ ذلك خِلاف
ما دَلَّت عليه آيات الكتاب والأحاديث الصَّحيحة التي تَواتَرَت ولو بالطَّريق المعنَويّ،
ولو كان كما يقول أولئكَ لَبَطَلَتِ السَّمعيّات التي لا مَجَالَ للعقلِ فيها أو أكثرُها، بل يجب
الإيمان بما ثَبَتَ من السَّمعيّات، فإن عَقَلناه فبتوفيق الله وإلّ اكتَفَينا باعتقاد حقِّيَّتِه على وَفْق
مُراد الله سبحانه وتعالى، انتهى.
ويُؤيِّد كلامَه ما أخرجه أبو داود (٤٨٧) عن ابنِ عبّاس: أنَّ رجلاً قال لرسولِ الله
وَّهِ: أَنشُدُكِ اللهَ، آلله أرسَلَك أن نَشهَد أن لا إله إلّا الله وأن نَدَع اللّاتَ والعُزَّى؟ قال:
(نَعَمْ)) فأسلَمَ، وأصله في ((الصحيحين)) في قصَّة ضِمام بن ثَعلَبة(١)، وفي حديث عمرو بن
عَبِسَة عند مسلم (٨٣٢): أنَّ أتَى النبيّ ◌َّ، فقلت: ما أنتَ؟ قال: ((نبيّ الله)). قلت: آلله
أرسَلَك؟ قال: (نَعَم)). قلت: بأيِّ شيء؟ قال: ((أُوَحِّد الله لا أُشِرِك به شيئاً ... )) الحديث،
وفي حديث أُسامة بن زيد في قصَّة قتله الذي قال: لا إله إلّا الله فأنكَرَ عليه النبيّ :
وَشُـ
وحديث المقداد في معناه، وقد تقدَّما في كتاب الدّيات (٦٨٧٢ و٦٨٦٥)، وفي كتب النبيّ
وَلَهُ إلى هِرَقل وكِسرَى وغيرهما من الملوك يَدعُوهم إلى التَّوحيد(٢)، إلى غير ذلك من
الأخبار المتواترة التَّواتُّر المعنَويّ الدَّالّة على أنَّهِ وَ له لم يَزِد في دعائه المشركينَ على أن يُؤمِنوا
بالله وحده ويُصدِّقوه فيما جاءَ به عنه، فمَن فعل ذلك قَبِلَ منه، سواء كان إذعانه عن تَقَدُّم
نَظَر أم لا، ومَن تَوقَّفَ منهم نَبَّهَه حينَئذٍ على النَّظَر، أو أقامَ عليه الحُجَّة إلى أن يُذعِن أو
يَستَمِّرّ على عِناده.
(١) البخاري (٦٣)، ومسلم (١٢) من حديث أنس بن مالك. وفي الباب عن غير واحد من الصحابة في
(«الصحیحین) وغيرهما.
(٢) انظر (٧) و(٦٤).

٢٢٠
باب ١/ح ٧٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال البَيْهَقيُّ في كتاب ((الاعتقاد)): سَلَكَ بعض أئمَّتنا في إثبات الصّانع وحُدوثٍ
العالَمَ طريقَ الاستدلال بمُعجِزات الرِّسالة، فإنَّها أصلٌ في وجوب قَبُول ما دَعَا إليه النبيُّ وَّل،
وعلى هذا الوجه وَقَعَ إِيمان الذينَ استَجابوا للرُّسُل، ثمَّ ذكر (١) قصَّة النَّجاشِيّ وقولَ جعفر
ابن أبي طالبٍ له: بَعَثَ الله إلينا رسولاً نَعرِف صِدقه فدَعانا إلى الله وتلا علينا تنزيلاً
من الله لا يُشبِهِه شيءٌ، فصَدَّقناه وعَرَفنا أنَّ الذي جاءَ به الحقّ ... الحديث بطولِه، وقد
أخرجه ابنٍ خُزيمةً في كتاب الَّكاة من («صحيحه)) (٢٢٦٠) من رواية ابنِ إسحاق، وحالُه
معروفة، وحديثُهُ في درجة الحسن، قال البَيهَقيُّ: فاستَدَلّوا بإعجازِ القرآن على صِدق
النبيّ، فآمنوا بما جاءَ به من إثبات الصّانع ووَحدانيَّته وحُدوثِ العالَمَ، وغير ذلك ممّا جاءَ به
الَّسولِ وَّه في القرآن وغيره، واكتِفاءُ غالبٍ مَن أسلَمَ بمِثلِ ذلك مشهورٌ في الأخبار،
فَوَجَبَ تصديقه في كلِّ شيءٍ ثَبَتَ عنه بطريق السَّمع، ولا يكونُ ذلك تقليداً، بل هو اتِّباع،
والله أعلم.
٣٥٤
وقد استَدَلَّ مَن اشتَرَطَ النَّظَر بالآيات والأحاديث الواردة/ في ذلك، ولا حُجَّة فيها،
لأنَّ مَن لم يَشتَرِطِ النَّظَر لم يُنكِرِ أصلَ النَّظَرِ، وإنَّما أنكَرَ تَوقُّف الإيمان على وجود النَّظَر
بالطُّرقِ الكلاميَّة، إذ لا يَلزَم من التَّرغيب في النَّظَرَ جَعله شرطاً.
واستَدَلَّ بعضهم بأنَّ التَّقليد لا يُفيد العلم، إذ لو أفادَه لكانَ العِلمُ حاصلاً لمن قَلَّدَ في
قِدَم العالم، ولمن قَلَّدَ في حُدوثه، وهو مُحالٌّ؛ لإفضائه إلى الجمع بين النَّقْيضَين، وهذا إنَّما
يَتَأَتَّى في تقليد غير النبيّ وَ ◌َّ، وأمّا تَقليدُهُ بِّهِ فيما أخبَرَ به عن رَبِّه فلا يتناقض أصلاً،
واعتَذَرَ بعضُهم عن اكتِفاء النبيِّ وَّهِ والصَّحابة بإسلام مَن أسلَمَ من الأعراب من غير
نَظَر، بأنَّ ذلك كان لضَرورةِ المبادِئ، وأمّا بعد تَقُرُّر الإسلام وشُهرَته فيجب العمل
بالأدلَّةِ، ولا يَخْفَى ضَعف هذا الاعتذار، والعَجَب أنَّ مَن اشتَرَطَ ذلك من أهل الكلام
يُنكِرِونَ التَّقليدَ وهم أوَّل داعٍ إليه، حتَّى استَقَرَّ في الأذهان أنَّ مَن أنكَرَ قاعِدةً من القواعد
(١) صفحة ٤٦.