Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ باب ١٨/ح ٧٣٤٧ كتاب الاعتصام وقد تقدَّم شرح حديث عليٍّ في الدَّعَوات(١)، ويُؤخَذ منه أنَّ عليّاً تَرَكَ فِعلَ الأَولى، وإن كان ما احتَجَّ به مُتَّجِهاً، ومن ثَمَّ تلا النبيُّ ◌َّهِ الآية ولم يُلزِمِه معَ ذلك بالقيام إلى الصلاة، ولو كان امتَثَلَ وقامَ لكانَ أَولى. ويُؤْخَذ منه الإشارةُ إلى مراتب الجِدال، فإذا كان فيما لا بدَّ له منه تَعيَّنَ نَصرُ الحقُّ بالحقّ، فإن جاوَزَ الذي يُنكِرِ عليه المأمور نُسِبَ إلى النَّقصير، وإن كان في مُباحٍ اكتَفَى فيه بُمُجرَّدِ الأمرِ والإشارةِ إلى ترك الأولى. وفيه أنَّ الإنسان طُبِعَ على الدِّفاع عن نفسه بالقولِ والفعل، وأنَّه ينبغي له أن يُجاهِد نفسه أن يَقبَل النَّصيحة ولو كانت في غير واجب، وأن لا يَدِفَع إلّا بطريقٍ مُعتَدِلة من غير إفراطٍ ولا تفريط. ونَقَلَ ابن بَطّال عن المهلَّب ما مُلخَّصه: أنَّ عليّاً لم يكن له أن يَدِفَع ما دَعاه النبيُّ ◌َل إليه من الصلاة بقوله ذلك، بل كان عليه الاعتصامُ بقوله، فلا حُجَّة لأحدٍ في ترك المأمور. انتهى، ومن أينَ له أنَّ عليّاً لم يَمْتَثِلِ ما دَعاه إليه، فليس في القصَّة تصريحٌ بذلك، وإنَّما أجابَ عليٌّ بما ذكر اعتذاراً عن تركه القيام بغَلَبةِ النَّوم، ولا يَمتَنِعِ أنَّه صَلَّى عَقِب هذه المُراجَعَة إذ ليس في الخبر ما يَنفيه. وقال الكِرْمانيُّ: حَرَّضَهم النبيُّ وَّهِ باعتبار الكَسْب والقُدْرة الكاسِبة، وأجابَ عليّ باعتبار القضاء والقَدَر، قال: وضَرَبَ النبيُّ نَّهِ فخِذه تَعَجُّباً من سُرعَة جواب عليّ، ويحتمل أن یکون تسليماً لما قال. وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَرَة: في هذا الحديث من الفوائد: مشروعيَّةُ التَّذكير للغافلِ خُصوصاً القريب والصّاحب، لأنَّ الغَفلة مِن طَبع البشر فينبغي للمَرْءِ أن يَتَفَقَّد نفسه ومَن ◌ُحِبُّه بتذکیرِ الخير والعَوْن عليه. (١) بل في ((التهجّد» (١١٢٧). ١٤٢ باب ١٨/ح ٧٣٤٧ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أنَّ الاعتراض بأثَرِ الحِكْمة لا يُناسِبه الجواب بأثَرِ القُدْرة، وأنَّ العالِمِ(١) إذا تَكلَّمَ بمُقتَضى الحِكْمة في أمرٍ غيرِ واجبٍ، أن يَكتَفي من الذي كَلَّمَه في احتجاجه بالقُدْرة، يُؤخَذ الأوَّل من ضَربِهِوََّ على فخِذه، والثّاني من عَدَم إنكاره بالقولِ صريحاً. قال: وإنَّما ٣١٥/١٣ لم يُشافِهِه بقوله: ﴿وَكَانَ آلْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ لعِلمِه أنَّ عليّاً لا يَجَهَل أنَّ الجواب بالقُدرةِ ليس من الحِكْمة، بل يُحتَمل أن لهما عُذراً يَمنَعهما من الصلاة فاستَحيا عليٌّ من ذِكره، فأرادَ دَفعَ الخَجَل عن نفسه وعن أهله فاحتَجَّ بالقُدْرة، ويُؤْيِّده رُجوعهُ وَّل عنهم مُسرِعاً، قال: ويُحْتَمل أن يكون عليٌّ أرادَ بما قال استدعاءَ جوابٍ يَزداد به فائدة. وفيه جوازُ مُحادثة الشّخص نفسَه فيما يَتعلَّق بغيرِهِ، وجوازُ ضَربِه بعض أعضائه عند التَّعَجُّب وكذا الأسَف. ويُستَفاد مِن القصّة أنَّ مِن شَأن العُبودِيَّة أن لا يُطلَب لها معَ مُقْتَضى الشَّرع مَعِذِرةٌ إلّ الاعترافُ بالتَّقصيرِ والأخذُ في الاستغفار. وفيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لعليٍّ من جِهَة عِظَم تَواضُعه لكَونِهِ رَوَى هذا الحديث معَ ما يُشعِرِ(٣) به عند مَن لا يَعِرِف مِقدارَه أنَّه يوجِب غاية العِتاب، فلم يَلتَفِت لذلك بل حَدَّثَ به لما فيه من الفوائد الدِّينَيَّة، انتهى مُلخَّصاً. وقوله في السَّنَد الثّاني: ((حدَّثَنَا محمَّد)) وَقَعَ عند النَّسَفيِّ غيرَ منسوب، ووَفَعَ عند أبي ذُرِّ وغيره منسوباً: محمّد بن سَلَامِ، وعَتّاب، بالمهمَلةِ وتشديد المثنَّاة وآخره موحّدة، وأبوه بشير بموحّدةٍ ومُعجَمة وزن عظيم، وإسحاق عند النَّسَفيِّ وأبي ذرِّ غيرُ منسوب، ونُسِبَ عند الباقينَ: ابن راشد، وساقَ المتن على لفظه، ومضى في التَّهَجُّد (١١٢٧) على لفظ شُعَيب بن أبي حمزة، ويأتي في التَّوحيد (٧٤٦٥) من طريق شُعَيب وابن أبي عَتِيق مجموعاً، وساقَه على لفظ ابن أبي عَتِيق. قوله: ((طَرَقَه وفاطمةَ)) زاد شُعَيب: ليلةً. (١) في (س): للعالم، والمثبت من الأصلين. (٢) في (أ): شَعَر. ١٤٣ باب ١٨/ح ٧٣٤٨ كتاب الاعتصام قوله: ((ألا تُصَلُّونَ؟)) في رواية شُعَيب: ((ألا تُصَلِّيان؟)) بالتَّثنية، والأوَّل محمولٌ على ضَمِّ مَن يَتْبَعهما إليهما، أو للتَّعظيمِ، أو لأنَّ أقلَّ الجمع اثنان. وقوله: ((حين قال له ذلك)) فيه التِفات، ومضى في رواية شُعَيب بلفظِ: حين قلت له، وكذا قوله: (سَمِعَه» في رواية شُعَیب: سمعتُه. وقوله: ((وهو مُدِرٌ)) بضمٍّ أوَّله وكسر الموحَّدة، أي: موَلِّ بتشديد اللّام كما في رواية شُعَيب، ووَقَعَ هنا عند الكُشمِیھَنيِّ: وهو مُنصَرِف. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف ((يُقال: ما أتاك لَيْلاً فهو طارق)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لِلنَّسَفيِّ، وثَبَتَ للباقينَ لكن بدون ((يُقال))، وقد تقدَّم الكلام عليه في سورة الطّارق(١). الحديث الثاني: ٧٣٤٨- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ، حدّثنا اللَّيْثُ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَیرةَ قال: بَيْنا نحنُ في المسجدِ خَرَجَ رسولُ الله ◌َ، فقال: «انطَلِقوا إلى يهودَ)) فخَرَجْنا معه حتَّى جِئْنا بيتَ الِدْراسِ، فقامَ النبيُّ ◌َّ فناداهم فقال: ((يا مَعشَرَ يهودَ، أسلِمُوا تَسْلَموا)) فقالوا: بَلَّغْتَ يا أبا القاسمِ، قال: فقال لهم رسولُ الله وَّ: «ذلك أُرِيدُ، أسلِمُوا تَسْلَموا)) فقالوا: قد بَلَّغْتَ يا أبا القاسمِ، فقال لهم رسولُ الله وَّ: ((ذلك أُرِيدُ)) ثمَّ قالها الثّالثةَ، فقال: ((اعلَموا أنَّما الأرضُ لله ورسوله، وأنّ أُرِيدُ أنْ أُجْلِيَكم مِن هذه الأرضِ، فمَنْ وجَدَ منكم بماله شيئاً فلْيَبِعْه، وإلا فاعلَموا أنّما الأرضُ لله ورسوله)). قوله: ((عن سعید)) هو ابن أبي سعيد المقبريُّ. قوله: «بَيْتَ الِدْراس)» تقدَّم الكلام عليه في كتاب الإكراه (٦٩٤٤) قریباً. وقوله في آخره: ((ذلك أُريدُ)) بضمٌّ أوَّله بصيغةِ المضارَعَة، من الإرادة: أي: أُريدُ أن تُقِرُوا بأتّي بَلَّغت، لأنَّ التَّبليغ هو الذي أُمِرَ به، ووَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيّ فيما ذكره (١) كتاب التفسير، سورة الطارق، قبيل الحديث (٤٩٤١). ١٤٤ باب ١٨/ح ٧٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري القابسيّ: بفتح أوَّله وبزايٍ مُعجَمة، وأطبقوا على أنَّه تصحيف، لكن وجَّهَه بعضهم بأنَّ معناه: أُكرِّرُ مَقالتي مُبالَغةً في التَّبليغ. قال المهلَّب، بعد أن قَرَّرَ أنَّه يَتعلَّق بالرُّكنِ الثّاني من الَّرجمة: وجهُ ذلك أنَّه بَلَّغَ اليهود ودَعاهم إلى الإسلام والاعتصام به، فقالوا: بَلَّغت، ولم يُذعِنوا لطاعتِه، فبالَغَ في تبليغِهم وكَرَّرَه، وهذه مُجَادَلةٌ بالتي هي أحسَن، وهو في ذلك موافقٌ لقولٍ مجاهد: إنَّهَا نَزَلَت فيمَن لم يُؤمِن منهم وله عَهد، أخرجه الطَّبَريُّ. وعن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ قال: المراد بمن ظَلَمَ منهم: مَن استَمرَّ على أمره. وعن قَتَادةَ: هي منسوخة بآيةِ السَّيف، انتهى. والذي أخرجه الطَّبَريُّ (١/٢١) بسندٍ صحيح عن مجاهد: إن قالوا شَرّاً فقولوا خيراً إلّا الذِينَ ظَلَموا منهم فانتَصِروا منهم، وبسندٍ فيه ضَعف (١/٢١): قال: إلّا مَن ظَلَمَ: مَن قاتَلَ ولم يُعطِ الجِزية. وأخرج (٢/٢١) بسندٍ حسن عن سعيد بن جُبَير قال: هم أهل الحرب مَن لا عهدَ له جادِلْه بالسَّيف. ومن طريق عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ: المراد: مَن آمَنَ من أهل الكتاب، نَهَى عن مُجَادَلَتهم فيما يُحدِّثونَ به من الكتاب، لعلَّه يكون حَقّاً لا تعلمُه أنتَ، ولا ينبغي أن تُجادِل إلّا المُقيمَ منهم على دِينه. وبسندٍ صحيح (٢/٢١) عن فَتَادَةَ: هي منسوخةٌ بآيَةِ براءَة، أن يقاتلوا حتَّى يَشهَدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله أو يُؤَدُّوا الجِزية. ٣١٦/١٣ ورَجَّحَ الطَّبَيُّ قول مَن قال: المراد: مَن امتَنَعَ من أداء الجِزية، قال: ومَن / أدّاها وإن كان ظالماً لنفسِه باستِمراره على كُفْره، لكنِ المرادُ في هذه الآية: مَن ظَلَمَ أهلَ الإسلام فحارَبَهم وامتَنَعَ من الإسلام، أو بَذَلَ الجِزية. ورَدَّ على مَن ادَّعَى النَّسخ، لكَونِهِ لا يَثْبُت إلّا بدليلٍ، والله أعلم. وحاصلُ ما رَجَّحَه أنَّه أمَرَ بمُجادَلةِ أهل الكتاب بالبيان والحُجَّة بطريق الإنصاف ثَمَّن عانَدَ منهم، فمفهوم الآية جوازُ مُجَادَلَته بغيرِ التي هي أحسَنُ، وهي المجادَلة بالسَّيف، والله أعلم. ١٤٥ باب ١٩/ح ٧٣٤٩ كتاب الاعتصام ١٩ - بابٌ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وما أمَرَ النبيُّ ◌َّ بِلُزومِ الجماعةِ، وهم أهلُ العِلْمِ ٧٣٤٩- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال الأعمَشُ: حدّثنا أبو صالح، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((يُجاءُ بنوح يومَ القيامةِ فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ؟ فيقولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فتُسْألُ أمَّتُه: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: ما جاءَنا مِن نَذِيرٍ، فيقولُ: مَن شُهودُكَ؟ فيقولُ: محمَّدٌ وَأُمَّتُه، فيُجاءُ بكم فَتَشْهَدونَ))، ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ وََّ: (﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾)) قال: ((عَدْلاَ ﴿لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)). وعن جعفرِ بنِ عَوْنٍ، حدَّثْنا الأعمَشُ، عن أبي صالح، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، عن النبيِّ ◌َّ .. بهذا. قوله: «بابٌ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وما أمَرَ النبيُّ ◌َلِّ بُلُّزوم الجماعة، وهم أهل العِلْم)) أمّا الآية فلم يَقَعِ التَّصريح بما وَقَعَ الَّشبيه به، والرَّاجح أنَّه الهُدَى المدلول عليه بقوله: ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] أي: مِثل الجَعل القريب الذي اختَصَصناكم فيه بالهدايةِ، كما يَقْتَضيه سياق الآية، ووَقَعَ التَّصريح به في حديث البراء الماضي في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٦)، والوَسَط: العَدْل، كما تقدَّم في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٧). وحاصل ما في الآية الامتنان بالهدايةِ والعَدالة. وأمّا قوله: ((وما أمَرَ ... )) إلى آخره، فمُطابَقَته لحديثِ الباب خَفيَّة، وكأنَّه من جِهَة الصِّفة المذكورة - وهي العَدالة - لمَّا كانت تَعُمّ الجميع لظاهرِ الخِطاب، أشارَ إلى أنَّها من العامِّ الذي أُريدَ به الخاصّ، أو من العامِّ المخصوص، لأنَّ أهل الجهل لَيسُوا عُدولاً وكذلك أهلُ البِدَع، فعُرِفَ أنَّ المراد بالوصفِ المذكور أهلُ السُّنَّة والجماعة، وهم أهل العلم الشَّرعيِّ ومَن سِواهم، ولو نُسِبَ إلى العلم فهي نِسبة صوريَّة لا حقيقيّة، ووَرَدَ الأمر بلُزومِ الجماعة في عِدَّة أحاديث: منها ما أخرجه الثِّمِذيُّ (٢٨٦٣) مُصَحِّحاً من ١٤٦ باب ١٩/ح ٧٣٤٩ فتح الباري بشرح البخاري حديث الحارث بن الحارث الأشعَريِّ، فذكر حديثاً طويلاً، وفيه: ((وأنا آمُركُم بخمسٍ أمَرَني الله بهنَّ: السَّمع والطّاعة والجهاد والهِجرة والجماعة، فإنَّ مَن فارَقَ الجماعة قِيدَ شِيرٍ فقد خَلَعَ رِبْقة الإسلام من عُنُقُه))، وفي خُطبة عمر المشهورة التي خَطَبَها بالجابيةِ: عليكم بالجماعةِ، وإِيّاكم والفُرْقة فإنَّ الشَّيطان معَ الواحد، وهو من الاثنينِ أبعَد، وفيه: ومَن أرادَ بُحبُوحة الجنَّة فليَلزَم الجماعة (١). وقال ابن بَطّال: مُرادُ الباب الحَضُّ على الاعتصام بالجماعة، لقوله: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وشرْطُ قَبُول الشَّهادة: العَدالة، وقد ثَبَتَت لهم هذه الصِّفة بقوله: ﴿وَسَطًا﴾ والوَسَط: العَدل، والمراد بالجماعةِ: أهلُ الحَلِّ والعَقد من كلّ عَصر. وقال الكِرْمانيُّ: مُقتَضى الأمر بلُزوم الجماعة أنَّه يَلزَم المكلَّف مُتَابَعَةُ ما أجمع عليه ٣١٧/١٣ المجتهدونَ وهم المراد بقوله: ((وهم أهل العلم)) والآية التي ترجَمَ بها احتَجَّ/ بها أهلُ الأُصول لكَونِ الإجماعِ حُجَّة؛ لأنَّهم عُدِّلوا بقوله تعالى: ﴿جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عُدولاً، ومُقتَضى ذلك أنَّهم عُصِموا من الخَطَأ فيما أجمَعوا عليه قولاً وفِعلاً. قوله: ((حدَّثنا أبو أسامة، قال الأعمَش)) هو بحذفِ ((قال)) الثّانية. وقوله في آخره: ((وعن جعفر بن عَوْن)) هو معطوفٌ على قوله: ((أبو أُسامة)) والقائل هو إسحاق بن منصور، فَرَوَى هذا الحديثَ عن أبي أُسامة بصيغةِ التَّحديث، وعن جعفر بن عَون بالعَنعَنَة، وهذا مُقتَضى صَنِيع صاحب ((الأطراف))، وأمّا أبو نُعَيم فجَزَمَ بأنَّ رواية جعفر بن عَون مُعلَّقة، فقال بعد أن أخرجَه من طريق أبي مسعود الرَّازي(٣) عن أبي أُسامة وحده، ومن طريق بُندارٍ عن جعفر بن عَوْن وحده: أخرجه البخاريُّ عن إسحاق بن منصور عن أبي أُسامة، وذكره عن جعفر بنُ عَون بلا رواية(٣)، انتھی. (١) أخرجه أحمد (١١٤) من حديث ابن عمر عن أبيه، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: الراوي. (٣) في (ع) و(س): بلا واسطة، والمثبت من (أ) وهو الصواب. ١٤٧ باب ٢٠/ح ٧٣٥٠ -٧٣٥١ كتاب الاعتصام وأخرجه الإسماعيليُّ من رواية بُندارٍ وقال: إنَّه مُختصَر، وأخرجه من رواية أبي معاوية عن الأعمَش مُطوَّلاً، وقد تقدَّمَت رواية أبي أُسامة مَقرونَةً بروايةٍ جَرير بن عبد الحميد في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٧)، وساقه هناك على لفظ جرير، وتقدّم شرحُه هناك، وفيه بيان أنَّ الشَّهادة لا تَخُصُّ قومَ نوح، بل تَعُمّ الأُمَم. ٢٠ - بابٌ إذا اجتَهَدَ العامِلُ أو الحاكمُ فأخْطَأْ خِلَافَ الَّسولِ مِن غیرِ عِلْمِ فُكمُه مَردُود لقول النبيِّ ◌َِّ: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليسَ عليه أمرنا فهو رَدّ». ٧٣٥٠ و٧٣٥١ - حدَّثنا إسماعيلُ، عن أخيه، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن عبدِ المَجيدِ بنِ سُهَيلٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أَنَّه سَمِعَ سعيدَ بنَ المسيّبِ يُحدِّثُ، أَنَّ أبا سعيدِ الخُذْريَّ وأبا هُرَيرةَ حَدَّثاه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ أخا بني عَدِيِّ الأنصاريَّ، واستَعمَلَه على خَيْبر،َ فقَدِمَ بَتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال له رسولُ الله وَّةِ: «أكلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هكذا؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، إنّا لَنَشتَري الصّاعَ بالصّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا تَفْعَلوا، ولكنْ مِثْلاً مِثْلٍ، أو بِيعُوا هذا واشتَروا بثَمَنِهِ مِن هذا، و كذلك الميزان)). قوله: ((بابٌ إذا اجْتَهَدَ العامِل أو الحاكم)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: العالم، بَدَل العامل، و((أو)) للتَّنويع، وقد تقدَّم في كتاب الأحكام ترجمة ((إذا قَضَى الحاكم بجَورٍ أو خِلَافَ أهل العلم فهو مَردود))(١)، وهي مَعقودٌ لمخالَفةِ الإجماع، وهذه مَعقودةٌ لمخالَفةِ الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام. قوله: ((فأخْطَأْ خِلَافَ الرَّسولِ من غير عِلْم)) أي: لم يَتَعَمَّد المخالَفة وإنَّما خالَفَ خَطَّأَ. قوله: ((فحُكْمِه مردودٌ، لقولِ النبيِّ وَّةِ: مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ» أي: مَردُود، وقد تقدَّم هذا الحديث موصولاً في كتاب الصُلح (٢٦٩٧) عن عائشة بلفظٍ آخَر، وأنَّه بهذا : (١) باب رقم (٣٥). ١٤٨ باب ٢٠/ح ٧٣٥١ فتح الباري بشرح البخاري اللَّفظ موصولٌ في ((صحيح مسلم)) (١٨/١٧١٨) وتقدَّم شرحه هناك. قال ابن بَطّل: مُرادُه أنَّ مَن حَكَمَ بغيرِ السُّنَّة جَهلاً أو غَلَطاً يجب عليه الرُّجوع إلى حُكم السُّنَّة، وترك ما خالَفَها امتثالاً لأمر الله تعالى بإيجابٍ طاعة رسوله، وهذا هو نفسُ الاعتصام بالسُّنَّة. وقال الكِرْمانيُّ: المراد بالعامل: عامل الزّكاة، وبالحاكم: القاضي. وقوله: فأخطأ، أي: في أخذٍ واجبِ الزَّكاة أو في قضائه. قلت: وعلى تقدير ثُبُوت رواية الكُشمِيهَنيِّ فالمراد بالعالم: المفتي، أي: أخطأ في فتواه. قال: والمراد بقوله: ((فأخطَأْ خِلَافَ الرَّسول)) أي: ٣١٨/١٣ يكون مُخالِفاً للسُّنَّة، قال: وفي التَّرجمة نوع تَعَجرُف. / قلت: ليس فيها قَلَقٌ إلّ في اللَّفظ الذي بعد قوله: فأخطأ، فصارَ ظاهرُ التَّركيب يُنافي المقصود، لأنَّ مَن أخطَأْ خِلَافَ الرَّسول لا يُذَمّ، بخِلَاف مَن أخطأً وفاقَه، وليس ذلك المراد وإنَّما تَمَّ(١) الكلامُ عند قوله: فأخطأ، وهو مُتعلِّق بقوله: اجتَهَد. وقوله: ((خِلَاف الرَّسول)) أي: فقال خِلَافَ الرَّسول، وحذْفُ ((قال)) يَقَع في الكلام كثيراً، فأيُّ عَجَرَفَة في هذا؟! والشّارح من شأنه أن يوَجِّه كلام الأصل مهما أمكنَ، ويَغْتِفَرَ القَدْر اليسير من الخَلَل تارةً وتَحمِلَه على الناسخ تارة، وكلَّ ذلك في مُقابلة الإحسان الكثير الباهر ولا سيَّما مثل هذا الكتاب. وَقَعَ في ((حاشية نُسخَة الدِّمياطِيّ) بخَطِّهِ: الصَّواب في التَّرجمة: فأخطأ بخِلَاف الرّسول. انتهى، وليس دَعوَى حذف الباء برافع للإشكالِ، بل إنْ سَلَكَ طريق التَّغيير فلعلَّ اللّام مُتَأْخِّرة، ويكون في الأصل: خالَفَ، بَدَل خِلَاف. قوله: ((حدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس كما جَزَمَ به المِزِيُّ. قوله: ((عن أخيه)) هو أبو بكر، واسمه عبد الحميد، ولإسماعيلَ في هذا الحديث شيخٌ آخَر، كما تقدَّم في آخَر غَزْوة خَيبَر (٤٢٤٤) عن إسماعيل عن مالك، ونَزَلَ إسماعيل في هذا (١) تصحفت في (س) إلى: ثم. ١٤٩ باب ٢١/ح ٧٣٥٢ كتاب الاعتصام السَّنَد درجة. وسليمان: هو ابن بلال، وعبد المجيد بتقديم الميم على الجيم، وذكر أبو عليٍّ الجَيَّنيُّ أنَّ سليمان سَقَطَ من أصل الفِرَبريّ فيما ذكر أبو زيدٍ المروزيُّ، قال: والصَّواب إثباته فإنَّه لا يَتَّصِلِ السَّنَدَ إلّ به، وقد ثَبَتَ كذلك في رواية إبراهيم بن مَعقِل النَّسَفيّ، قال: وكذا لم يكن في كتاب ابن السَّكَن، ولا عند أبي أحمد الجُرْجانيّ. قلت: وهو ثابتٌ عندنا في النُّسخَة المعتمَدَة من رواية أبي ذرِّ عن شيوخه الثَّلاثة عن الفِرَبريّ، وكذا في سائر النُّسَخ التي اتَّصَلَت لنا عن الفِرَبريّ، فكأنَّهَا سَقَطَت من نُسخَة أبي زيدٍ فظنَّ سُقوطَها من أصل شيخه، وقد جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) بأنَّ البخاريَّ أخرجه عن إسماعيل عن أخيه عن سليمان، وهو يرويه عن أبي أحمد الجُرْجانيّ عن الفِرَبريّ. وأمّا رواية ابن السَّكَن فلم أقِف عليها. قوله: (بَعَثَ أخا بني عَديٍّ) أي: ابن النَّجّار بَطنِ من الأوْس، واسمُ هذا المبعوثُ: سوادٌ - بفتح المهمَلة وتخفيف الواو - ابن غَزِيَّةَ بفتح المعجَمة كسر الزّاي مُشَدَّداً، وتقدَّم ذلك في أواخر البيوع (٢٢٠١)، وتقدَّم شرح المتن في المغازي (٤٢٤٤ و٤٢٤٦)، وفي هذا السِّياق هنا زيادةُ قولِه: ((ولكن مِثلاً بمثل، أو بيعوا هذا ... )) إلى آخره، والمذكور هناك قوله: ((ولكن n بع ... )) إلى آخره. ومُطابقة الحديث للتَّرجمةِ من جِهَة أنَّ الصَّحابيَّ اجتَهَدَ فيما فعلَ، فَرَدَّه النبيُّ وَّهِ وَهَاه عَّا فعل وعَذَرَه لا جتهادِه. ووَقَعَ في رواية عُقْبة بن عبد الغافِر عن أبي سعيدٍ في غير هذه القصَّة، لكن في نَظِيرِ الحُكم، فقال ◌َّ: ((أوَّه، عينُ الرِّبا لا تَفْعَل))(١). ٢١ - باب أجْرِ الحاكمِ إذا اجتَهَدَ فأصابَ أو أخْطَأ ٧٣٥٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يَزِيدَ، حدَّثنا حَيْوةُ، حدَّثني يَزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمَّدِ بنِ (١) تقدم برقم (٢٣١٢). ١٥٠ باب ٢١/ح ٧٣٥٢ فتح الباري بشرح البخاري إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن أبي قيسٍ مولى عَمْرِو بنِ العاص، عن عَمْرِو بنِ العاص، أَنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ لَ يقولُ: «إذا حَكَمَ الحاكمُ فاجتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فلَه أجْران، وإذا حَكَمَ فاجتَهَدَ ثمَّ أَخْطَاً فَلَه أجْرٌ)». ٧٣٥٢م- قال: فحَدَّثتُ بهذا الحديثِ أبا بَكْرِ بنَ عَمْرِو بنِ حَزْمِ، فقال: هكذا حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُرَيرةَ. وقال عبدُ العزيزِ بنُ المُطَّلِبِ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن النبيِّ ◌َّ ... مِثْلَه. قوله: ((بابُ أجْرِ الحاكم إذا اجتَهَدَ فأصابَ أو أخْطَا)) يشير إلى أنَّه لا يَلزَم من رَدِّ حُكمِه أو ٣١٩/١٣ فتواه إذا اجتَهَدَ/ فأخطأ أن يَأْثَم بذلك، بل إذا بَذَلَ وُسْعه أُجِرَ، فإن أصابَ ضُوعِفَ أجره، لكن لو أقدَم فحَكَمَ أو أفتَى بغيرِ عِلمٍ لَحِقَه الإثم كما تقدَّمَت الإشارة إليه. قال ابن المنذر: وإنَّما يُؤْجَر الحاكم إذا أخطَأ إذا كان عالماً بالاجتهادِ فاجتَهَدَ، وأمّا إذا لم يكن عالماً فلا. واستَدَلَّ بحديثٍ: ((القُضاة ثلاثةٌ - وفيه - وقاضٍ قَضَى بغيرِ حَقٌّ فهو في النار، وقاضٍ قَضَى وهو لا يَعلَم فهو في النار)) وهو حديثٌ أخرجه أصحاب السُّنَن(١) عن بُرَيدةَ بألفاظٍ مُخْتَلِفَة، وقد جَمَعتُ طرقه في جُزْءٍ مُفرَد. ويُؤْيِّد حديثَ الباب ما وَقَعَ في قصَّة سليمان في حُكْم داودَ عليه السلام في أصحاب الحَرْث، وقد تقدَّمَت الإشارةُ إليها فيما مضى قريباً(٢). وقال الخطّابِيُّ في ((مَعالم السُّنَن)): إنَّما يُؤْجَر المجتهدُ إذا كان جامعاً لآلةِ الاجتهاد، فهو الذي نَعَذِرُه بالخَطَأْ، بخِلَاف المتكلِّف فيُخافُ عليه، ثمّ إنَّما يُؤْجَر العالم لأنَّ اجتهاده في طَلَب الحقِّ عبادة، هذا إذا أصابَ، وأمّا إذا أخطأ فلا يُؤجَر على الخَطَأ، بل يوضَعُ عنه الإثم فقط. كذا قال، وكأَنَّه يَرَى أَنَّ قوله: ((وَلَه أجرٌ واحد)» مَجَازٌ عن وضع الإثم. (١) أبو داود (٣٥٧٣)، وابن ماجه (٢٣١٥)، والترمذي (١٣٢٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٩١). (٢) في ((باب متى يستوجب الرجل القضاء)) من كتاب الأحكام، بإثر الحديث رقم (٧١٦٢). ١٥١ باب ٢١/ح ٧٣٥٢ كتاب الاعتصام قوله: ((عن محمَّد بنِ إبراهيمَ بنِ الحارث)) هو التَّيْمِيُّ، تابعيٌّ مَدَنيٌّ ثقةٌ مشهور، ولأبيه صُحْبة، وبُسْر بضمِّ الموحَّدة وسكون المهمَلة، وأبو قيس مولى عمرو بن العاص لا يُعرَف اسمه، كذا قاله البخاريُّ وتَبِعَه الحاكم أبو أحمد، وجَزَمَ ابن يونس في ((تاريخ مِصر» بأنَّه عبد الرّحمن بن ثابت، وهو أُعرَف بالمِصرِيِّينَ من غيره، ونَقَلَ عن محمَّد بن سَحنون أنَّه سَمَّى أباه الحَكَم، وخَطَّه في ذلك. وحكى الدِّمياطيُّ أنَّ اسمه سعْد، وعزاه لمسلمٍ في ((الكُنَى))، وقد راجَعتُ نُسَخاً من الكُنَى لمسلمٍ فلم أرَ ذلك فيها، منها نُسخَةٌ بِخَطِّ الدّارَ قُطنيِّ الحافظ، وقرأتُ بخَطِّ المنذِريِّ: وَقَعَ عند البُسْتي يعني: ابن حِبّان في ((صحيحه)): عن أبي قابوس، بَدَل أبي قيس، كذا جَزَمَ به، وقد راجَعتُ عِدَّة نُسَخِ من ((صحيح ابن حِبّان)) فَوَجَدتُ فيها: عن أبي قيس، إحداها صَخَّحَها ابنُ عساكر. وفي السَّنَد أربعةٌ من التّابعينَ في نَسَقٍ، أوَّلهم يزيدُ بن عبد الله، وهو المعروف بابنِ الهادِ، وما لأبي قيسٍ في البخاريِّ إلّا هذا الحديث. قوله: ((إذا حَكَمَ الحاكم فاجتَهَدَ ثمَّ أصابَ)) في رواية أحمد (١٧٧٧٤): ((فأصابَ)) قال القُرطُبيّ: هكذا وَقَعَ في الحديث؛ بَدَأ بالْحُكمِ قبل الاجتهاد، والأمر بالعكسِ، فإنَّ الاجتهاد يَتقدَّم الحُكم إذ لا يجوز الحُكم قبل الاجتهاد اتِّفاقاً، لكنَّ النَّقدير في قوله: ((إذا حَكَمَ)) إذا أرادَ أن يَحِكُم فعند ذلك يَجْتَهِد، قال: ويُؤيِّده أنَّ أهل الأُصول قالوا: يجب على المجتهد أن يُجدِّد النَّظَر عند وقوع النازِلة، ولا يَعتَمِدَ على ما تقدَّم له، لإمكان أن يَظهَر له خِلَافُ غيره. انتهى، ويحتمل أن تكون الفاء تفسيريَّة لا تَعقيبيَّة. وقوله: ((فأصابَ)) أي: صادَفَ ما في نفس الأمر من ◌ُكْم الله تعالى. قوله: (ثُمَّ أَخْطَا)) أي: ظنَّ أنَّ الحقَّ في جِهَةٍ فصادَفَ أنَّ الذي في نفس الأمر بخِلَاف ذلك. فالأوَّل له أجرانٍ: أجرُ الاجتهاد وأجرُ الإصابة، والآخَر له أجرُ الاجتهاد فقط، وقد تقدَّمَت الإشارةُ إلى وقوع الخَطَأ في الاجتهاد في حديث أمّ سَلَمةَ (٢٦٨٠): ((إنَّكم تَخْتَصِمونَ ١٥٢ باب ٢١/ح ٧٣٥٢ فتح الباري بشرح البخاري إلَيَّ ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألْحَن بحُجَّتِه من بعض)». وأخرج(١) لحديثِ الباب سبباً من وجهٍ آخَر عن عمرو بن العاص من طريق ولده عبد الله بن عَمرو عنه، قال: جاءَ رجلانٍ إلى رسول الله وَّ يَخْتَصِمان، فقال لعمرو: «اقضِ بينهما يا عَمرو)) قال: أنتَ أولى بذلك منِّي يا رسول الله، قال: ((وإن كانَ)) قال: فإذا قَضَيتُ بينهما فما لي؟ فذكر نحوه لكن قال في الإصابة: «فلَك عشرُ حسنات))، وأخرج من حديث عُقْبة بن عامر نحوه بغيرِ قصَّةٍ بلفظ: ((فَلَك عَشَرَةُ أُجور))، وفي سَنَد كلٍّ منهما ضَعف، ولم أقِف على اسم من أُبهم في هذَينِ الحديثَين. قوله: ((قال: فحَدَّثْتُ بهذا الحديث أبا بَكْرِ بنَ عَمْرو بنِ حَزْم)» القائل فحَدَّثت: هو یزید ابن عبد الله، أحد رواته، وأبو بكر بن عَمرو نُسِبَ في هذه الرِّواية لجَدِّه، وهو أبو بكر بنُ محمَّد ٣٢٠/١٣ ابن عمرو بن حَزم، وثَبَتَ ذِكره في رواية مسلم (١٧١٦) من رواية الدَّراوَرْدي(٢)/ عن يزيد، ونَسَبَه فقال: يزيدُ بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد. قوله: ((عن أبي هريرة» یریدُ بمثلٍ حديث عمرو بن العاص. قوله: ((وقال عبدُ العزيز بن المُطَّلِب)) أي: ابن عبد الله بن حَنطَب المخزوميّ قاضي المدينة، و گُنيته أبو طالب، وهو من أقران مالك وماتَ قبله، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع الواحد المعلَّق، وعبدُ الله بن أبي بكر: هو وَلَدُ(٣) الرَّاوي المذكور في السَّنَد الذي قبله أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حَزم، وكان قاضي المدينة أيضاً. قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ، عن النبيِّ ◌َ) يريد أنَّ عبد الله بنَ أبي بكرٍ خالَفَ أباه في روايته عن أبي سَلَمَةَ وأرسَلَ الحديث الذي وصَلَه، وقد وَجَدتُ ليزيدَ بن الهادِ فيه مُتابِعاً، أخرجه عبد الرَّزّاق وأبو عَوَانة من طريقه عن مَعمَر عن يحيى بن سعيد هو الأنصاريّ عن أبي بكر (١) كذا، ولم يذكر الحافظ من الذي أخرج، وهذا الحديث أخرجه أحمد في («المسند» (١٧٨٢٤)، وكذا حديث عقبة بن عامر المذكور بعده هو عند أحمد أيضاً (١٧٨٢٥). (٢) تحرَّفت في (س) و(ع) إلى: الداودي. (٣) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: والد. ١٥٣ باب ٢١/ح ٧٣٥٢ كتاب الاعتصام ابن محمَّد عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ، فذكر الحديث مِثله بغيرِ قصَّة، وفيه: «فله أجران اثنان))(١). قال أبو بكر بن العربيّ: تَعلَّقَ بهذا الحديث مَن قال: إنَّ الحقَّ في جِهَةٍ واحدة؛ للتَّصريح بَتَخْطِئَةِ واحدٍ لا بعينِهِ، قال: وهي نازِلةٌ في الخِلاف عظيمة. وقال المازَرِيّ: تَسَّكَ به كلٌّ من الطّائفتَينِ: مَن قال: إنَّ الحقَّ في طَرَفَين، ومَن قال: إنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصيب، أمّا الأُولى: فلأنَّه لو كان كلٌّ مُصيباً لم يُطلِق على أحدهما الخَطّ؛ لاستحالةِ النَّقيضَينِ في حالةٍ واحدة، وأمّا المُصوِّبة: فاحتَجُوا بأنَّه ◌ِ لّهِ جَعَلَ له أجراً فلو كان لم يُصِب لم يُؤْجَر. وأجابوا عن إطلاق الخَطَأ في الخبر على مَن ذَهَلَ عن النَّصّ أو اجْتَهَدَ فيما لا يَسُوغ الاجتهاد فيه من القَطعيّات فيما خالَفَ الإجماع، فإنَّ مِثل هذا إن اتَّفَقَ له الخَطَأَ فيه فُسِخ(٣) حُكمُه وفَتواه ولو اجتَهَدَ بالإجماع، وهو الذي يَصِحُّ عليه إطلاق الخَطَأْ، وأمّا مَن اجتَهَدَ في قضيَّةٍ ليس فيها نَصِّ ولا إجماع فلا يُطلَق عليه الخَطَّ. وأطالَ المازَرِيُّ في تقرير ذلك والانتصارِ له، وخَتَمَ كلامه بأن قال: إنَّ مَن قال: إنَّ الحقَّ في طَرَفَينِ هو قولُ أكثر أهل الثَّحقيق من الفُقَهاء والمتكلِّمين، وهو مَرويٌّ عن الأئمّة الأربعة، وإن حُكي عن كلٌّ منهم اختلافٌ فيه. قلت: والمعروف عن الشافعيِّ الأوَّل. قال القُرطُبيُّ في ((المفهِم): الحُكْم المذكور ينبغي أن يَخْتَصَّ بالحاكم بين الخَصمَين، لأنَّ هناك حَقّاً مُعيَّناً في نفس الأمر يتنازعه الخَصْمان، فإذا قَضَى به لأحدِهما بَطَلَ حَقُّ الآخر قطعاً، وأحدُهما فيه مُبطِلٌ لا محالة، والحاكم لا يَطَّلِعِ على ذلك، فهذه الصُّورة لا يُخْتَلَف فيها أنَّ (١) لم نقف عليه في ((مصنفه))، وهو عند ابن الجارود في ((المنتقى)) (٩٩٦)، وأبي عوانة (٦٣٩٧)، وابن بطة في ((الإبانة)) (٦٩٥)، ثلاثتهم رووه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به، بزيادة الثوري في إسناده. وأخرجه من طريق عبد الرزاق أيضاً بزيادة الثوري في الإسناد: الترمذي (١٣٢٦)، والنسائي (٥٣٨١)، وأبو يعلى (٥٩٠٣)، والدار قطني (٤٤٦٤)، والبيهقي ١١٩/١٠، وعندهم جميعاً: ((فله أجران)) دون لفظ ((اثنان)». (٢) في (ع) و(س): نسخ، والمثبت من (أ). ١٥٤ باب ٢٢/ ح ٧٣٥٣ - ٧٣٥٤ فتح الباري بشرح البخاري المصيب واحد؛ لكَونِ الحقِّ في طرفٍ واحد، وينبغي أن يَخْتَصَّ الْخِلَاف بأنَّ المصيب واحد، إذ كلّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ بالمسائلِ التي يُستَخرَج الحقُّ منها بطريق الدّلالة. وقال ابن العربيّ: عندي في هذا الحديث فائدةٌ زائدة حاموا عليها فلم يَسْقُوا، وهي: أنَّ الأجرَ على العمل القاصرِ على العاملِ واحدٌ، والأجرَ على العمل المتعدِّي يُضاعَف، فإنَّه يُؤجَر في نفسه ويَنجَرُّ له كلّ ما يَتعلَّق بغيرِه من جِنسِه، فإذا قَضَى بالحقِّ وأعطاه لمُستَحِقٌّه ثَبَتَ له أجرُ اجتهاده، وجَرَى له مِثلُ أجر مُستَحِقٌّ الحقّ، فلو كان أحدُ الخَصمَينِ الحَن بحُجَّتِه من الآخَر فَقَضَى له - والحقُّ في نفس الأمر لغيرِه - كان له أجرُ الاجتهاد فقط. قلت: وتمامُه أن يقال: ولا يُؤاخَذ بإعطاءِ الحقِّ لغيرِ مُستَحِقُّه، لأنَّه لم يَتَعَمَّد ذلك، بل وِزرُ المحكوم له قاصرٌ عليه، ولا يَخْفَى أنَّ محلّ ذلك أن يَبذُل وُسْعَه في الاجتهاد وهو من أهله، وإلّا فقد يَلحَق به الوزرُ إن أخَلَّ بذلك، والله أعلم. ٢٢ - باب الحُجّةِ على مَن قال: إنَّ أحكامَ النبيِّ ◌َل كانت ظاهرةً، وما كان يَغِيبُ بعضُهم عن مَشاهِدِ النبيِّ وَّ وَ أَمورِ الإسلامِ ٧٣٥٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيجٍ، حدَّثني عطاءٌ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرِ، ٣٢١/١٣ قال: اسْتَأْذَنَ أبو/ موسى على عمرَ، فكأنَّه وَجَدَه مَشْغولاً، فَرَجَعَ فقال عمرُ: ألم أسمَعْ صوتَ عبدِ الله بنِ قيسٍ؟ اتْذَنوا له، فدُعِيَ له، فقال: ما ◌َمَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟ فقال: إنّ كنَّا نُؤْمَرُ بهذا، قال: فاتْتِنِي على هذا بيِّئَةٍ، أو لأفعَلَنَّ بكَ، فانطَلَقَ إلى ◌َجلِسٍ منَ الأنصار، فقالوا: لا يَشهَدُ إلا أصاغِرُنا، فقامَ أبو سعيدِ الخُذْريُّ فقال: قد كنَّا نُؤْمَرُ بهذا، فقال عمرُ: خَفِيَ عليَّ هذا مِن أمرٍ النّبِّ وَّةِ، أَنهاني الصَّفْقُ بالأسواق. ٧٣٥٤- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثني الزُّهْرِيُّ، أَنَّه سَمِعَه منَ الأعرَجِ يقولُ: أخبرني أبو هُرَيرةَ قال: إنَّكم تَزْعُمونَ أنَّ أبا هُرَيرَ يُكْثِرُ الحديثَ على رسولِ اللهِوَّةِ، وَاللهُ المَوْعِدُ، إِّي كنتُ امْرَأَ مِسْكيناً الْزَمُ رسولَ اللهَِّهِ على مِلْءٍ بَطْني، وكان المهاجِرونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسواقِ، وكانتِ الأنصارُ يَشْغَلُهُم القيامُ على أموالهم، فشَهِدتُ مِن رسولِ الله ◌ِوَ لِّ ذاتَ ١٥٥ باب ٢٢/ح ٧٣٥٣ - ٧٣٥٤ كتاب الاعتصام يومٍ، وقال: ((مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَه حتَّى أقْضِيَ مَقَالتي، ثمَّ يَقْبِضْه، فلنْ يَنْسَى شيئاً سَمِعَه منّي؟» فَبَسَطتُ بُرْدَةً كانت عليَّ، فوالذي بَعَثَه بالحقِّ ما نَسِيتُ شيئاً سمعتُه منه. قوله: ((باب الحُجَّة على مَن قال: إنَّ أحْكام النبيّ وَّل كانت ظاهرة)) أي: للنّاسِ لا تَخْفَى إلّا على النادر. وقوله: ((وما كانَ يَغِيبُ بعضُهم عن مَشاهدِ النبيّ ◌َ لِّ وأَمور الإسلام)) كذا للأكثرِ، وفي رواية النَّسَفيِّ وعليها شَرَحَ ابن بَطّال: مَشاهِدِه، ولبعضِهم: مَشهَد، بالإفراد، ووَقَعَ في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم): وما كان يُفيد بعضهم بعضاً، بالفاءِ والدّال من الإفادة، ولم أرَه لغيرِهِ، و((ما)) في قوله: ((ما كانَ)) موصولة، وجَوَّزَ بعضهم أن تكون نافية، وأنَّها من بَقِيَّة القول المذكور، وظاهر السِّياق يَأْباه. وهذه التَّرجمة معقودة لبيان أنَّ كثيراً من الأكابر من الصّحابة کان یغیبُ عن بعض ما يقوله النبيّ وَّ أَو يَفعَله من الأعمال التَّكليفيَّة، فَيَستَمِرّ على ما كان اطَّلَعَ عليه هو، إمّا على المنسوخ لعَدَمِ اطلاعه على ناسخه، وإمّا على البراءَة الأصليَّة، وإذا تَقرَّرَ ذلك قامت الحُجَّة على مَن قَدَّمَ عمل الصَّحابيّ الكبير، ولا سيّما إذا كان قد وليَ الحُكمَ على رواية غيره، مُتَمسِّكاً بأنَّ ذلك الكبير لولا أنَّ عنده ما هو أقوى من تلك الرِّواية لمَا خالَفَها، ويَرُدُّه أنَّ في اعتماد ذلك تركُ المحَقَّق للمظنونِ. وقال ابن بَطّال: أرادَ الردّ على الرَّافضَة والخوارج الذينَ يَزِعُمونَ أنَّ أحكام النبيّ وَه وسُنَّتَهَ (١) منقولة عنه نَقلَ تَواتُرٍ، وأنَّه لا يجوز العمل بما لم يُنقَل مُتَواتراً، قال: وقولهم مردود بما صَحَّ أنَّ الصَّحابة كان يَأْخُذ بعضهم عن بعض، ورَجَعَ بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعَقَدَ الإجماعُ على القول بالعملِ بأخبار الآحاد. قلت: وقد عَقَدَ البَيْهَقيُّ في ((المدخَل)): باب الدَّليل على أنَّه قد كان يَعزُب على المتقدِّم الصُّحبةِ الواسِعِ العلم الذي يَعلَمه غيرُه، ثمَّ ذكر حديثَ أبي بكر في الجدَّة، وهو في (١) في (س): وسننه. ١٥٦ باب ٢٢/ ح ٧٣٥٣ - ٧٣٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ((الموطَّأ)) (٢/ ٥١٣)، وحديث عمر في الاستئذان، وهو المذكور في هذا الباب، وحديث ابن مسعود في الرجل الذي عَقَدَ على امرأة ثمَّ طَلَّقَها، فأرادَ أن يَتزوَّج أمَّها، فقال: لا بأس، وإجازته بَيعَ الفِضَّة المكسَّرة بالصَّحيحةِ مُتَفاضلاً، ثمَّ رُجوعَه عن الأمرَينِ معاً لمّا سَمِعَ من غيره من الصَّحابة النَّهيَ عنهما(١)، وأشياء غير ذلك. وذكر فيه حديثَ البراء: ليس كلَّنا كان يَسمَع الحديث من النبيّ ◌َِّ، كانت لنا صَنْعة وأشغال، ولكن كان الناس لا يَكذِبونَ، فيُحدِّث الشّاهدُ الغائبَ، وسنده ضعيف، وكذا ٩ حديث أنس: ما كلَّ ما نُحَدِّثكم عن رسول الله وَ ل﴿ سَمِعناه، ولكن لم يَكذِبْ بعضُنا بعضاً(٣). ٣٢٢/١٣ ثُمَّ سَرَدَ ما رواه / صحابيٌّ عن صحابيّ مَمَّا وَقَعَ في ((الصحيحين))، وقال: في هذا دلالة على إتقانهم في الرِّواية، وفيه أبيَنُ الحُجَّة وأوضَحُ الدّلالة على تثبيت خبر الواحد، وأنَّ بعض السُّنَن كان يَخْفَى عن بعضهم، وأنَّ الشّاهد منهم كان يُبلِّغ الغائب ما شَهِدَ، وأنَّ الغائب کان یَقبله ممَّن حَدَّثَه ويَعتَمِده ويعمل به. قلت: خبرُ الواحد في الاصطلاح خِلَافُ المتواتر، سواء كان من رواية شخص واحد أو أكثر، وهو المراد بها وَقَعَ فيه الاختلاف، ويَدخُل فيه خبر الشَّخص الواحد دخولاً أوَّلِيّاً، ولا يَرِدُ على مَن عَمِلَ به ما وَقَعَ في حديث الباب من طَلَب عمر من أبي موسى البَيِّنَّةَ على حديث الاستئذان، فإنَّه لم يَخْرُج معَ شهادة أبي سعيد له وغيرِه عن كَونِه خبرَ واحد، وإِنَّا طَلَبَ عمر من أبي موسى البيّنة للاحتياطِ كما تقدَّم شرحه واضحاً في كتاب الاستئذان (٦٢٤٥)، وإلّا فقد قَبِلَ عمر حديث عبد الرّحمن بن عوف في أخذ الجِزية من المجوس، وحديثه في الطّاعون، وحديث عمرو بن حَزْم في التَّسوية بين الأصابع في الدّية، وحديث الضَّحّاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، وحديث سعد بن أبي وقّاص (١) أخرج قصة المرأة: البيهقي في ((سننه)) ٥/ ٢٨٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٠٨١١)، وسعيد بن منصور (٩٣٦)، والطبراني (٨٥٧٩). (٢) أخرجه الطبراني (٦٩٩)، والحاكم ٥٧٥/٣. ١٥٧ باب ٢٢/ح ٧٣٥٣ -٧٣٥٤ كتاب الاعتصام في المسح على الحُّقَّيْنِ، إلى غير ذلك(١). وتقدَّم في العلم (٨٩) من حديث عمر: أنَّه كان يتناوَب النبيَّ ◌َّ هو ورجل من الأنصار فيَنزِل هذا يوماً وهذا يوماً، ويُخْبِرِ كلٌّ منهما الآخرَ بما غابَ عنه، وكان غَرَضُه بذلك تحصيل ما يقوم بحالِهِ وحال عياله ليَغنَى عن الاحتياج لغيرِهِ، ولَيَتَقَوَّى على ما هو بصَدَدِهِ من الجهاد، وفيه أنَّه لا يُشتَرَط على مَن أمكَنَتَه المشافَهَةُ أن يَعتَمِدها، ولا يَكتَفي بالواسطةٍ، لُبوتِ ذلك من فعل الصَّحابة في عهد النبيّ ◌َّ بغيرِ نَكِير. وأمّا حديث أبي هريرةَ ثاني حديثَي الباب، فإنَّ فيه بيان السَّبَب في خَفاءِ بعض السُّنَن على بعض كِبار الصَّحابة، وهو قوله: وكان المهاجِرونَ يَشغَلُهم الصَّفْق بالأسواق، وهو موافقٌ لقولِ عمر في الذي قبله: أنهاني الصَّفُ بالأسواق، يشير إلى أنَهم كانوا أصحاب تجارة، وقد تقدَّم ذلك في أوائل البيوع (٢٠٦٢)، وتوجيهُ قول عمر: أهاني. واختُلِفَ على الزُّهْريِّ في الواسطة بينه وبين أبي هريرةَ فيه كما بيَّنْتُه في العلم، وتقدَّم عنه (١١٨) من رواية مالك مِثلُه، لكن عند مالك زيادة ليست في رواية سفيان هذه، وهي قوله: ((ولولا آيتان من كتاب الله))، وفي رواية سفيان ممّاً ليس في رواية مالك قوله: ((والله الموعِدُ))، وكذلك ما في آخره كما سأُبيِّنُه، وأمّا إبراهيم بن سعد فذكر الحديث بتمامِه فهو أتُّ الجميع سِياقاً، وثَبَتَ ذلك في رواية شُعَيب في البُوع (٢٠٤٧) بزيادةٍ سأَبِيِّنُها، لكن لم يَقَعْ عنده ذِكر الآيتين، وقد تقدَّم هذا الحديث في العلم (١١٨) من طريق مالك، وفي المزارَعَة (٢٣٥٠) من طريق إبراهيم بن سعد، كلاهما عن الزّهْريِّ عن الأعرج، وتقدَّم في أوَّل البيوع (٢٠٤٧) من رواية شُعَيب، وأخرجه مسلم (٢٤٩٢) من رواية يونس، كلاهما عن الزُّهْريِّ عن سعيد وأبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة. قوله: ((إنَّكم تَزْعُمونَ أنَّ أبا هريرةَ يُكْثِر الحديث)) في رواية مالك: إنَّ الناس يقولون: (١) سلف تخريج ذلك كله في ج٤٥٩/٢٣ - ٤٦٠ عدا حديثه في الطاعون، وقد سلف في البخاري برقم (٥٧٢٩). ١٥٨ باب ٢٢/ح ٧٣٥٣ -٧٣٥٤ فتح الباري بشرح البخاري أكثرَ أبو هريرةَ على رسول الله وَِّ، كان ابن شِهاب يَذكُر قبل هذا حديثَه عن عُرْوة أنَّه حَدَّثَه عن عائشة قالت: ألا يُعجِبُك أبو هريرةَ، جاءَ فجَلَسَ إلى جانب حُجرَتي يُحدِّث، يُسمِعُني ذلك، ولو أدرَكتُه لَرَدَدتُ عليه أنَّ رسول الله وَّو لم يكن يَسْرُد الحديث كسَرْدِكم، فذكر الحديث، ثمَّ يقول: قال سعيد بن المسيّب: قال: يقولون: إنَّ أبا هريرةَ قد أكثرَ، هكذا أخرجه مسلم (٢٤٩٣) من طريق ابن وَهْب عن يونس عن ابن شِهاب، وحديث عائشة تقدَّم في التَّرجمة النبويَّة (٣٥٦٨) من طريق اللَّيث عن يونس بن يزيد مُعلَّقاً، وتقدَّم شرحه هناك، وتقدَّم أيضاً في الجنائز (١٣٢٣ و١٣٢٤) من طريق جَرير بن حازم عن نافع قال: حَدَّثَ ابنُ عمر أنَّ أبا هريرةَ يقول، فذكر الحديثَ في فضل اتِّباع الجنائز، فقال ابن عمر: أكثرَ علينا أبو هريرة، فصَدَّقَت عائشةُ أبا هريرةَ؛ أي: في الحديث المذكور، وقوله: ((على)) يَتعلَّق بقوله: (يُكثِرُ)) ولو تَعلَّقَ بقوله: ((الحديث)) لَقال: عن. قوله: ((واللهُ المَوعِدُ)) تقدَّم/ شرحها في كتاب المزارَعَة، زاد شُعَيب بن أبي حمزة في روايته: ويقولون: ما للمُهاجِرِينَ والأنصارِ لا يُحدِّثونَ عن رسول الله وَِّ مِثْلَ حديث أبي هريرةَ، في رواية يونس عند مسلم: مِثل أحاديثه، وزادَ: سأُخبِرُكم عن ذلك، وتقدَّم في المزارَعَة نحو هذا، ونبَّهتُ على ذلك في كتاب العلم. ٣٢٣/١٣ قوله: ((إنّي كنت امرَأَ مِسْكينا)) في رواية مسلم: رجلاً. قوله: ((أَلْزَمُ رسولَ اللهِ ﴾) في رواية مسلم: أخدُمُ. قوله: ((على مِلْء بَطْني)) بكسر الميم وبهمزةٍ آخره، أي: بسببٍ شِبَعي، أي: أنَّ السَّبَب الأصليّ الذي اقتَضَى له كَثْرةُ الحديث عن رسول الله ◌َ ◌ِّ، مُلازَمتُه له ليَجِدَ ما يَأْكُله، لأنَّه لم يكن له شيء يَتَّجِر فيه، ولا أرض يَزِرَعُها ولا يَعمَل فيها، فكان لا يَنقَطِع عنه خَشْيَةً أن يَفوتَه القُوتُ، فَيَحصُّل في هذه المُلازَمة من سماع الأقوال ورواية الأفعال ما لا يَحَصُل لغيرِهِ ثَمَّن لم يُلازِمه مُلازَمتَه، وأعانَه على استمرار حِفْظه لذلك ما أشارَ إليه من الدَّعوة النبويَّة له بذلك. ١٥٩ باب ٢٢/ح ٧٣٥٣ -٧٣٥٤ كتاب الاعتصام قوله: ((وكان المهاجِرونَ يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق)) في رواية يونس: وإنَّ إخواني من المهاچِرِينَ. قوله: ((وكانت الأنصار يَشْغَلُهم القيامُ على أموالهم)) في رواية يونس: وإنَّ إخواني من الأنصار كان يَشْغَلهم عملُ أرضهم، وفي رواية ◌ُعَيب: عَمَلُ أموالهم، وقد تقدَّم بیان ذلك قريباً، وزاد في رواية يونس: فَيَشْهَد إذا غابوا ويَحَفَظ إذا نَسُوا، وفي رواية شُعَيب: وكنت امرأً مِسكيناً من مساكين الصُّفَّة، أَعِي حيثُ يَنْسَونَ. قوله: ((فشَهِدْتُ من رسول الله وَ ◌ّ ذات يوم)) في رواية شُعَيب: وقد قال رسول الله وَله في حدیث ◌ُحدِّثُه. قوله: ((مَن يَبْسُطْ رِداءَه)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((مَن بَسَطَ)) بلفظِ الفعل الماضي. قوله: ((فلَمْ يَنْسَ)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((فلن يَنسَى)) ونَقَلَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ في رواية: ((فلن يَنْسَ)) بالنّونِ وبالجزم، وذكر أنَّ القَزّاز نَقَلَ عن بعض البصريّينَ: أنَّ من العرب مَن يَجِزِمُ بَلَنْ، قال: وما وَجَدتُ له شاهداً؛ وأقَرَّه ابن التِّين ومَن تَبِعَه، وقد ذكر غيرهُ لذلك شاهداً، وهو قول الشّاعر(١): لن يَخِبِ اليوم مِن رَجائكَ مَن حَرَّكَ من دون بابِكَ الْحَلَقْ وفيه نَظَر؛ لأنَّه يَصِحّ أن يكون في الأصل (لم)) الجازمة فتَغيَّرَت بلَنْ، لكن إن كان محفوظاً فلعلَّ الشّاعر قَصَدَ (لن)) لكَونِها أبلَغَ هنا في المدح من ((لم))، والله أعلم. وتقدَّم في ((باب الأمن)) من كتاب التَّعبير (٧٠٢٨) توجيهُ ابن مالك لنَظِيرِ هذا في قوله: (لَنْ تُرَعْ)) وحكايته عن الكِسائيّ أنَّ الجزم بلَنْ لُغة لبعض العرب. قوله: ((فبَسَطْتُ بُرْدةً)) في رواية شُعَيب: نَمِرَة، وتقدَّم تفسيرها في أوَّل البيوع (٢٠٤٧)، وذكر في العلم (١١٩) بيان الاختلاف في المراد بقوله: ما نسيتُ شيئاً سمعته منه. (١) استشهد به ابن هشام في ((مغني اللبيب)) ١/ ٢٨٥ ولم ينسبه. ١٦٠ باب ٢٣/ح ٧٣٥٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣ - باب مَن رَأى تركَ النَّكيرِ منَ النبيِّ وَ حُجّةً، لا مِن غيرِ الرَّسُولِ ٧٣٥٥ - حدَّثنا حَمَّادُ بنُ مُميدٍ، حدَّثْنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ، حدَّثْنا أبي، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ ابنِ إبراهيمَ، عن محمَّدِ بنِ المنكَدِرِ، قال: رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله تَحِلِفُ بالله أنَّ ابنَ الصَّاد الدَّجّالُ، قلتُ: تَحَلِفُ بالله؟ قال: إنّ سمعتُ عمرَ تَحِلِفُ على ذلك عندَ النبيِّ وَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرْه النبيُّ آلّ. قوله: ((باب مَن رَأى تركَ النَّكير من النبيّ ◌َِِّ حُجَّةً)) النَّكير بفتح النُّون وزن عَظِيم: المبالَغة في الإنكار. وقد اتَّفَقوا على أنَّ تقرير النبيّ نَّ لما يُفْعَل بحَضرَتِهِ، أو يُقال ويَطَّلِعِ ٣٢٤/١٣ عليه بغيرِ إنكار، دالٌّ على الجواز، لأنَّ العِصمة / تنفي عنه ما يُتَمل في حَقّ غيره ممّا يَتَرتَّب على الإنكار، فلا يُقِرُّ على باطل، فمن ثَمَّ قال: ((لا من غير الرَّسول)) فإنَّ سكوته لا يَدُلّ على الجواز، ووَقَعَ في (تنقيح الزَّركَشِيّ)) في التَرجمة بَدَل قوله: لا من غير الرَّسول: ((لا من (١) يَحِضُره الرَّسول)) ولم أرَه لغيرِهِ. وأشارَ ابن التِّين إلى أنَّ التَّرجمة تتعلَّق بالإجماع السُّكوتيّ، وأنَّ الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا يُنسَب لساكِتٍ قول، لأنَّه في مُهْلة النَّظَر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولاً وانتَشَرَ لم يُخالِفِه غيره بعد الاطّلاع عليه، فهو حُجَّة، وقيل: لا يكون حُجَّة حتَّى يَتعدَّد القِيلُ به، ومحلُّ هذا الخِلاف أن لا يُخالِفِ ذلك القولَ نَصُّ كتاب أو سُنَّة، فإن خالَفَه فالجمهور على تقديم النَّصّ، واحتَجَّ مَن مَنَعَ مُطلَقاً أنَّ الصَّحابة اختَلَفوا في كثير من المسائل الاجتهاديَّة، فمنهم مَن كان يُنكِرِ على غيره إذا كان القول عنده ضعيفاً، وكان عنده ما هو أقوى منه من نَصِّ كتاب أو سُنَّة، ومنهم مَن کان یَسكُت فلا يكون سكوته دليلاً على الجواز، لتَجويزِ أن يكون لم يَتَّضِحْ له الحكم، فسَكَتَ لتجويزِ أن يكون ذلك القول صواباً، وإن لم يَظهَر له هو وجهُه. قوله: ((حدَّثنا حَمّد بن مُميدٍ)) هو خُراسانيّ فيما ذكر أبو عبد الله بن مَندَهْ في ((رجال (١) تحرَّفت في (س) إلى: لأمرٍ.