Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٢/ح ٧٢٨١ كتاب الاعتصام الحديث السابع: ٧٢٨١- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عَبَادةَ، أخبرنا يزيدُ، حدَّثنا سَليم بنُ حَيّانَ - وأثنَی علیه - حدّثنا سعيدُ بنُ مِيناء، حدَّثنا - أو سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: جاءَتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ وَّه وهو نائمٌ، فقال بعضُهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العينَ نائمةٌ والقَلْبَ يَقْظانُ، فقالوا: إنَّ لصاحبِكم هذا مَثَلاً، قال: فاضْرِبوا له مَثَلاً، فقال بعضُهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العينَ نائمةٌ والقَلْبَ يَقْظانُ، فقالوا: مَثَلُه كمَثَلِ رجلٍ بَنَى داراً وجَعَلَ فيها مَأْدُبةً، وبَعَثَ داعياً، فمَنْ أجابَ الدّاعِيَ دَخَلَ الدّارَ، وأكَلَ منَ المَأْدُبةِ، ومَن لم يُحِبِ الدّاعيَ لم يَدخُلِ الدّارَ، ولم يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبةِ، فقالوا: أوَّلوها له يَفْقَهْها، فقال بعضُهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهم: إنَّ العينَ نائمةٌ والقَلْبَ يَقْطانُ، فقالوا: فالدّارُ الجِنَّةُ، والدّاعِي مُحمَّدٌ بِّهِ، فمَنْ أطاعَ محمَّداً ◌َِّ فقد أطاعَ الله، ومَن عَصَى محمَّدَاً وَلِلّهِ فقد عَصَى الله، ومحمَّدٌ بَِّ فَرَّقَ بينَ الناسِ. تابَعَه قُتَبةُ، عن ليثٍ، عن خالدٍ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن جابٍ: خَرَجَ علينا النبيُّ وَله. قوله: ((محمَّد بن عَبَادةَ)) بفتح المهمَلة وتخفيف الموحَّدة، واسم جَدّه البَخْتَريّ، بفتح الموحّدة وسكون المعجمة وفتح المثنَّة من فوق، ثقة واسطيّ يُكنَى أبا جعفر، ما له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخَرُ تقدَّم في كتاب الأدب (٦١٠٦)، وهو من الطَّقة الرَّابعة من شيوخ البخاريّ، ويزيدُ شیخُه: هو ابن هارون. قوله: ((حدَّثنا سَلِيم بن حَيّان، وأثنَى عليه)) أمّا سَلِيم فبفتح المهمَلة وزن عَظِيم، وأبوه بِمُهمَلةٍ ثُمَّ تحتانيَّة ثقيلة، والقائل: ((وأثنَى عليه)) هو محمَّد، وفاعل أثنَى: هو یزید. قوله: ((قال: حدَّثنا، أو سمعتُ)) القائل ذلك: سعيدُ بن مِيناء، والشّاّ: هو سَلِيم بن حَيّان، شَكَّ في أيّ الصّيغتَينِ قالها شيخه سعيد، ويجوز في جابر أن يُقْرَأ بالنَّصبِ وبالرَّفع، والنَّصب أَوْلِى. قوله: ((جاءَتْ ملائكة)) لم أقِفْ على أسمائهم ولا أسماء بعضهم، ولكن في رواية سعيد بن أبي هلال المعلَّقة عَقِبَ هذا عند التِّرمِذيّ (٢٨٦٠): أنَّ الذي حَضَرَ في هذه ٢٢ باب ٢/ح ٧٢٨١ فتح الباري بشرح البخاري القصَّة جِبريلُ ومِيكائيل، ولفظه: خَرَجَ علينا رسول الله وَ له يوماً فقال: ((إنّ رأيتُ في المنام كأنَّ جِبريل عند رأسي وميكائيل عند رِجْليَّ))، فيحتمل أنَّه كان معَ كلٍّ منهما غيره، واقتَصَرَ في هذه الرِّواية على مَن باشَرَ الكلامَ منهم ابتداءً وجواباً، ووَقَعَ في حديث ابن مسعود عند التِّرمِذيّ (٢٨٦١) وحَسَّنَه وصَخَّحَه ابن خُزيمةَ: أَنَّ النبيّ ◌َّهِ تَوسَّدَ فَخِذَه فرَقَدَ، وكان إذا نامَ نَفَخَ، قال: فبَيْنا أنا قاعد إذا أنا برجالٍ عليهم ثيابٌ بيض، الله أعلمُ بما بهم من الجَمال، فجَلَسَت طائفة منهم عند رأس رسول الله وَّ، وطائفة منهم عند ڕِجلیه(١). قوله: ((إنَّ لصاحبِكم هذا مَثَلاً، قال: فاضْرِبوا له مَثَلاً)) كذا للأكثر، وسَقَطَ لفظ ((قال)) من رواية أبي ذَرّ. قوله: «فقال بعضھم: إنَّه نائم، إلى قوله: يَقْظان)) قال الرّامھُرمُزيّ: هذا تمثیل یُراد به حياةُ القلب وصِحَّة خواطره، يقال: رجلٌ يَقِظُّ: إذا كان ذكيَّ القلب، وفي حديث ابن مسعود: فقالوا بينهم: ما رَأَينا عبداً قَطُّ أُوتِيَ مِثلَ ما أُوتِيَ هذا النبيُّ، إنَّ عينَهِ تنامان وقلبه يَفْظانُ، اضربوا له مَثَلاً، وفي رواية سعيد بن أبي هلال: ((فقال أحدهما لصاحبِه: اضِرِبْ له مَثَلاً، فقال: اسمَعْ سَمْعَ أُذُنْك واعِقِلْ عَقْلَ قلبِك، إنَّما مَثَلك))، ونحوه في حديث رَبيعة الجُرَشِيّ عند الطَّبَرانيّ (٤٥٩٧)، زاد أحمد في حديث ابن مسعود (٣٧٨٨): فقالوا: اضربوا له مَثَلاً ونُؤَوِّل، أو نَضرِب وأوِّلوا، وفيه(٢): لِيَعْقِلَ قلبُك. قوله: ((فقالوا: مَثَلُه كمَثَلِ رجل بَنَى داراً، وجَعَلَ فيها مَأْدُبة)) في حديث ابن مسعود(٣): مَثَلَ سَيِّد بَنَى قَصراً - وفي رواية أحمد (٣٧٨٨): بُنياناً حَصيناً - ثمَّ جَعَلَ مَأْدُبة فدَعَا الناس إلى طعامه وشرابه، فمَن أجابَه أكَلَ من طعامه وشَرِبَ من شرابه ومَن لم يُحِبِه عاقَبَه - أو قال: عَذَّبَه - وفي رواية أحمد: عُذِّبَ عذاباً شديداً. (١) وفي إسناده مقال، انظر التعليق عليه في ((مسند أحمد)) (٣٧٨٨). (٢) أي: في حديث ربيعة الجرشي. (٣) أي: عند الترمذي (٢٨٦١). ٢٣ باب ٢/ح ٧٢٨١ كتاب الاعتصام والمأدُبة بسكونِ الهمزة وضمّ الدّال بعدها موحّدة، وحُكيَ الفتح، وقال ابن التِّين عن أبي عبد الملك: الضَُّّ والفتح لُغَتان فصيحتان، وقال الرَّامَهُرمُزيّ نحوه في حديث: ((القرآن مَأْدُبة الله))(١) قال: وقال لي أبو موسى الحامض: مَن قاله بالضَّمِّ أرادَ الوليمة، ومَن قاله بالفتح أرادَ أدبَ الله الذي أدَّبَ به عباده. قلت: فعلى هذا يَتعَّن الضَّمُّ. قوله: ((وبَعَثَ داعياً)) في رواية سعيد: «ثُمَّ بَعَثَ رسولاً يَدعُو الناس إلى طعامه، فمنهم مَن أجابَ الرَّسول ومنهم مَن تَرَكَه)). قوله: ((فقال بعضهم: أوِّلوها له يَفْقَهْها)) قيل: يُؤْخَذ منه حُجَّة لأهلِ التَّعبير أنَّ التَّعبير إذا وَقَعَ في المنام اعتُمِدَ عليه، قال ابن بَطّال: قوله: ((أوّلوها له)) يَدُلّ على أنَّ الرُّؤيا على ما عُبِّرَت في النَّومِ. انتهى، وفيه نَظَرِّ لاحتمالِ الاختصاص بهذه القصَّة، لكونِ الرَّائي النبيَّ ◌َّ والمرئيِّ الملائكةَ، فلا يَطَّرِدُ ذلك في حَقّ غيرهم. قوله: ((فقال بعضهم: إنَّه نائمٌ)) هكذا وَقَعَ ثالث مرَّة. قوله: ((فقالوا: الدّارُ الجنَّة)) أي: الممثَّل بها، زاد في رواية سعيد بن أبي هلال(٢): ((فالله، هو الملِك، والدّار الإسلام، والبيت الجنَّة، وأنتَ يا محمَّدُ رسول الله)). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد (٣٧٨٨): أمّا السَّيِّد فهو ربّ العالمين، وأمّا البُنيان فهو الإِسلام، والطَّعام الجنَّة، ومحمَّدٌ الدّاعي، فمَن / اتَّبَعَه كان في الجنَّة. ٢٥٦/١٣ قوله: ((فمَن أطاعَ محمَّداً فقد أطاعَ الله)) أي: لأَنَّه رسول صاحب المأدُبة، فمَن أجابَه ودَخَلَ في (١) أخرجه ابن شيبة ٤٨٢/١٠، والحاكم ٥٥٥/١، والبيهقي في ((الشعب)) (١٩٣٣)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١٤٥) من طريق إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعاً ضمن حديث طويل. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَلّ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود، قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء. وقلنا: وقد ثبت عن ابن مسعود موقوفاً من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٨٤، وعبد الرزاق (٥٩٩٨)، والدارمي (٣٣٠٧) و(٣٣٢٢)، وابن المبارك في «الزهد)) (٧٨٧) وغيرهم من طرق أخری عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. (٢) عند الترمذي (٢٨٦٠). ٢٤ باب ٢/ح ٧٢٨١ فتح الباري بشرح البخاري دعوته أكَلَ من المأدُبة، وهو كِناية عن دخول الجنَّة، ووَقَعَ بيانُ ذلك في رواية سعيد، ولفظه: ((وأنتَ يا محمَّد رسول الله، فمَن أجابَك دَخَلَ الإسلام، ومَن دَخَلَ الإسلام دَخَلَ الجنَّة، ومَن دَخَلَ الجنَّة أكَلَ ما فيها)). قوله: ((ومحمَّدٌ فَرَّقَ بين الناس)) كذا لأبي ذرٍّ بتشديد الرَّاء فعلاً ماضياً، ولغيره بسكون الرَّاء والتَّنوين، وكلاهما مُتَّجِه، قال الكِرْمانيُّ: ليس المقصود من هذا التَّمثيل تشبيهَ المفرَد بالمفرَد، بل تشبيهُ المركَّب بالمركَّب، مع قَطْع النَّظَر عن مُطابَقة المفرَدات من الطَّرَّفَين، انتھی. وقد وَقَعَ في غير هذه الطَّريق ما يَدُلّ على المطابقة المذكورة، زاد في حديث ابن مسعود: فلمَّا استَقَظَ قال: ((سمعتَ ما قال هؤلاء؟ هل تدري مَن هم؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((هم الملائكة، والمثَل الذي ضَرَبوا الرَّحمنُ بَنَى الجنَّة ودَعَا إليها عبادَه» الحدیث. تنبيه: تقدَّم في كتاب الأدب(١) من وجه آخَر عن سَلِيم بن حَيّان بهذا الإسناد: قال النبيّ وَّةَ: ((مَثَلي ومَثَل الأنبياء كرجلٍ بَنَى داراً فأكمَلَها وأحسَنها إلّا موضعَ لَبِنَة)) الحديث، وهو حديث آخر وتمثيل آخر، فالحديث الذي في الأدب يَتَعلَّق بالنبوَّةِ وكَونِهِ وَّل خاتَمَ النبيّين، وهذا يَتعلَّق بالدُّعاءِ إلى الإسلام وبأحوالِ مَن أجابَ أو امتَنَعَ، وقد وهِمَ مَن خَلَطَهما كأبي نُعَيم في ((المستخرَج))، فإنَّه لمَّا ضاقَ عليه مَخَرَجُ حديث الباب ولم يَجِدِه مَرويّاً عنده، أورَدَ حديث اللَّبِنَة، ظنّاً منه أنَّهما حديث واحد، وليس كذلك لما بَيَّنْتُه، وسَلِمَ الإسماعيليُّ من ذلك، فإنَّه لمَّا لم يَجِدِه في مَرويّاته أورَدَه من روايته عن الفِرَبريّ بالإجازةِ عن البخاريّ بسندِه، وقد رَوَى يزيد بن هارون بهذا السَّند حديث اللَّبِنة، أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((الأمثال)) (٢٥٤) من طريق أحمد بن سِنان الواسطيِّ عنه، وساقَ بهذا السَّند حديث (٢٥٦): ((مَثَلي ومَثَلكم كمَثَلِ رجل أو قَدَ ناراً)) الحديث، (١) بل في المناقب برقم (٣٥٣٤). ٢٥ باب ٢/ح ٧٢٨١ كتاب الاعتصام لكنَّه عن أبي هريرةَ لا عن جابر. وقد ذكر الرَّامَهُرُمُزيّ حديث الباب في كتاب ((الأمثال)) (٥) مُعلَّقاً، فقال: ورَوَى يزيدُ ابن هارون ... فساقَ السَّند ولم يُوصِلْ سندَه بيزيد، وأورَدَ معناه من مُرسَل الضَّحّاك بن مُزاحم. قوله: ((تابَعَه قُتَيبة، عن ليث)) يعني: ابن سعد ((عن خالد)) يعني: ابن يزيد، وهو أبو عبد الرحيم المِصريّ أحد النِّقات. قوله: ((عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر، قال: خَرَجَ علينا النبيُّونَ)) هكذا اقتَصَرَ على هذا القَدْر من الحديث، وظاهره أنَّ بَقيَّة الحديث مِثْلُه، وقد بيَّنتُ ما بينهما من الاختلاف، وقد وَصَلَه الثِّرمِذيّ (٢٨٦٠) عن قُتَيبة بهذا السَّند، ووَصَلَه أيضاً الإسماعيليّ عن الحسن ابن سفيان، وأبو نُعَيم من طريق أبي العبّاس السَّاج، كلاهما عن قُتَّيِبة، ونَسَب السَّاجُ في روايته اللَّيثَ وشيخه كما ذَكَرتُه. قال التِّرمِذيّ بعد تخريجه: هذا حديث مُرسَل، سعيد بن أبي هلال لم يُدرِكْ جابر بن عبد الله. قلت: وفائدة إيراد البخاريّ له رفعُ التَّوَهُّم عمَّن يَظُنّ أنَّ طريق سعيد بن ميناء موقوفة، لأنَّه لم يُصرِّح بَرَفْع ذلك إلى النبيّ ◌َِّ، فأتى بهذه الطَّريق لتصريحها، ثمَّ قال التِّرمِذيّ: وجاءَ من غير وجه عن النبيِّ ◌َّ بإسنادٍ أَصَحَّ من هذا، قال: وفي الباب عن ابن مسعود؛ ثمَّ ساقَه بسنِه إلى ابن مسعود وصحَّحه، وقد بيّنت ما فیه أيضاً بحمد الله تعالی. ووَصْفُ التِّرمِذيّ له بأنَّه مُرسَل، يريد أنَّه مُنقَطِع بين سعيد وجابر، وقد اعتَضَدَ هذا المنقَطِع بحديثٍ رَبيعة الجُرَشِّ عند الطَّبَرانيّ، فإنَّه بنحو سیاقه وسنده جِّد، وسعید بن أبي هلال غير سعيد بن ميناء الذي في السَّند الأوَّل، وكلَّ منهما مَدَنيّ، لكنَّ ابن ميناء تابعيّ بخلاف ابن أبي هلال. والجمع بينهما إمّا بتَعَدُّدِ المرئيّ، وهو واضح، أو بأنَّه منامٌ واحد، حَفِظَ فيه بعضُ الرُّواة ما لم يَحَفَظ غيرُه، وتقدَّم طريق الجمع بين اقتصاره على جِبْريل ومِيكائيلَ في حديثٍ، وذِكره ٢٦ باب ٢/ح ٧٢٨١ فتح الباري بشرح البخاري ٢٥٧/١٣ الملائكةَ بصيغة الجمع في الجانبينِ الدّالِّ على الكَثْرة في آخَر، وظاهر رواية سعيد بن/ أبي هلال أنَّ الرُّؤيا كانت في بيت النبيّ وَّ لقولِه: خَرَجَ علينا فقال: «إنّ رأيتُ في المنام)». وفي حديث ابن مسعود أنَّ ذلك كان بعد أن خَرَجَ إلى الجِنّ فقرأ عليهم، ثمَّ أغفَى عند الصُّبح فجاؤوا إليه حينئذٍ، ويُجمَع بأنَّ الرُّؤيا كانت على ما وَصَفَ ابن مسعود، فلمَّا رَجَعَ إلى مَنزِله خَرَجَ على أصحابه فقَصَّها، وما عَدَا ذلك فليس بينهما مُنافاة إذ وصفُ الملائكة برجالٍ حِسان، يشير إلى أنَّهم تَشَكَّلوا بصورة الرِّجال. وقد أخرج أحمد (٢٤٠٢) والبزَّار(١) والطَّبَرانيُّ (١٢٩٤٠) من طريق عليّ بن زيد عن یوسف بن مهرانَ عن ابن عبّاس نحو أوَّل حديث سعيد بن أبي هلال، لكن لم يُسمِّ الملَكّين، وساقَ المثَل على غير سياق مَن تقدَّم، قال: ((إنَّ مَثَل هذا ومَثَل أمَّته، كمَثَلِ قومٍ سَفْرِ انتَهَوا إلى رأس مَفَازة، فلم يكن معهم من الزّاد ما يَقطَعونَ به المفازة ولا ما يَرجِعونَ به، فبَينَما هم كذلك إذ أتاهم رجل فقال: أرأيتُم إن وَرَدتُ بكم رِياضاً مُعشِبة وحِياضاً رِواءً، أتْتَّعوني؟ قالوا: نَعَم، فانطَلَقَ بهم فأورَدَهم، فأكَلوا وشَرِبوا وسَمِنوا، فقال لهم: إنَّ بين أيديكم رِياضاً هي أعشَبُ من هذه، وحياضاً أروَى من هذه، فاتَّبِعوني، فقالت طائفة: صَدَقَ والله لَِّعَنَّه، وقالت طائفة: قد رَضِينا بهذا نُقيم عليه))، وهذا إن كان محفوظاً قويَ الحملُ على التعدُّد إمّا للمنام وإمّا لضَربِ الَثَل، ولكنَّ عليّ بن زيد ضعيف من قِبَل حِفْظه. قال ابن العربيّ في حديث ابن مسعود: إنَّ المقصود المأدُبة، وهو ما يُؤكَل ويُشرَب، ففيه رَدٌّ على الصّوفيَّة الذينَ يقولون: لا مطلوب في الجنَّة إلّ الوِصال، والحقّ أن لا وِصالَ لنا إلّا بانقِضاءِ الشَّهَوات الجُثمانيَّة والنَّفسانيَّة والمحسوسَة والمعقولة، وجِماعُ ذلك كلّه في الجنَّة، انتهى. وليس ما ادَّعاه من الردّ بواضح، قال: وفيه: مَن أجابَ الدَّعوة أُكرِمَ، ومَن لم يُحِيها أُهين، وهو خِلاف قولهم: مَن دَعَوناه فلم يُحِبنا فله الفضلُ علينا، فإن أجابنا فلنا الفضل (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٤٠٧). ٢٧ باب ٢/ح ٧٢٨٢ كتاب الاعتصام عليه، فإنَّه مقبول في النَّظَرِ، وأمّا حُكْم العبد معَ المولى فهو كما تَضَمَّنَه هذا الحديث. الحديث الثامن: ٧٢٨٢- حذَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن همَّامٍ، عن خُذَيفةَ، قال: يا مَعشَرَ القُرَّاءِ، استَقِيموا فقد سَبَقْتُم سَبْقاً بعيداً، فإنْ أخَذتُم بَمِيناً وشمالاً لقد ضَلَلْتُمْ ضلالاً بعيداً. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، وإبراهيم: هو النَّخَعيُّ، وهمَّامٍ: هو ابن الحارث، ورجال السَّند كلّهم كوفيّونَ. قوله: ((يا مَعشَر القُرّاء)) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء مهموز: جمع قارئ، والمراد بهم: العلماء بالقرآن والسُّنَّةِ العُبّاد، وسيأتي إيضاحه في الحديث الحاديَ عَشَر. قوله: ((استقيموا)) أي: اسلُكوا طريق الاستقامة، وهي كِنايةٌ عن التَّمَسُّك بأمرِ الله تعالى فعلاً وتَركاً. وقوله فيه: ((سَبَقْتُمْ)) هو بفتح أوَّله كما جَزَمَ به ابن التِّين، وحكى غيره ضَمَّه، والأوَّل المعتمَد، زاد محمَّد بن يحيى الذَّهْلِيُّ عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ فيه: «فإن استَقَمتُم فقد سَبَقَتُمْ))، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)). وقوله: ((سَبْقاً بعيداً)) أي: ظاهراً، ووصفُه بالبُعدِ لأنَّه غاية شَأْو المتسابقينَ، والمراد أنَّه خاطَبَ بذلك مَن أدرَكَ أوائل الإسلام، فإذا تَسَّكَ بالكتابِ والسُّنَّ سَبَقَ إلى كلّ خير، لأَنَّ مَن جاءَ بعده إن عَمِلَ بعَمَلِه لم يَصِل إلى ما وَصَلَ إليه من سَبْقِه إلى الإسلام، وإلّا فهو أبعَدُ منه حِسّاً وحُكماً. قوله: ((فإنْ أخَذتُم يميناً وشمالاً)) أي: خالَفْتُم الأمر المذكور، وكلام حُذَيفة مُنْتَزَع من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والذي له حكمُ الرَّفع من حديث حُذَيفة هذا، الإشارةُ إلى فضل السّابقينَ الأوَّلين من المهاجِرِينَ والأنصار الذينَ مَضَوا على الاستقامة، فاستُشهِدوا بين يدي النبيّ ◌َێ، ٢٨ باب ٢/ح ٧٢٨٣ -٧٢٨٦ فتح الباري بشرح البخاري أو عاشوا بعده على طريقته فاستُشهِدوا أو ماتوا على فُرُشهم. ٧٢٨٣- حدَّثنا أبو كُرَيبِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((إنَّا مَثَلي ومَثَلُ ما بَعَثَني اللهُ به، كمَثَلِ رجلٍ أتى قوماً، فقال: يا قومٍ إِنّي رأيتُ الجيشَ بعَينَيَّ، وإنّ أنا الَّذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجَاءَ، فأطاعَه طائفةٌ مِن قومِهِ، فأدْلَجوا فانطَلَقوا على مَهَلِهِم فَنَجَوْا، وكَذَّبَتْ طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانَهم، فصَبَّحَهُم الجيشُ فأهلَكَهم واجتاحَهم، فذلك مَثَّلُ مَن أطاعَني فاتَّبَعَ ما جِئتُ به، ومَثَلُ مَن عَصَاني و كَذَّبَ بما جِئتُ به منَ الحقِّ)). ٧٢٨، ٧٢٨٥- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ليثٌ، عن عُقَيل، عن الزُّهْرِيِّ، أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: لمَّا تُوِّ رسولُ الله ◌ِِّ واستُخلِفَ أبو بكرٍ بعدَه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ منَ العربِ، قال عمرُ لأبي بكرٍ: كيفَ تقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله وَالَ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا الله، فمَنْ قال: لا إلهَ إلا الله، عَصَمَ منّي مالَه ونفسَه إلّا بحَقِّه، وحِسابُه على الله))؟ فقال: والله لأُقاتلَنَّ مَن فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المال، والله لو مَنَعُوني كذا كانوا يُؤَدُّونَه إلى رسولِ الله وَلاَ لَقَاتَلُهم على مَنْعِه، فقال عمرُ: فوالله ما هو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قد شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ للقتال، فعَرَفتُ أنَّه الحقُّ. قال ابنُ بُكَير وعبدُ الله، عن اللَّيثِ: عَناقاً، وَهو أصَُّ. ٧٢٨٦- حذَّثني إسماعيلُ، حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ عُيَينةُ بنُ حِصْنِ ابنِ حُذَيفةَ بنِ بَدْرٍ، فَزَلَ على ابنِ أخيه الخُرِّ بنِ قيسٍ بنِ حِصْنٍ، وكان منَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدنِهم عمرُ، وكان القُرّاءُ أصحابَ مجلسٍ عمرَ ومُشاوَرَتِهِ كُهولاً كانوا أو شُبّاناً، فقال عُبَينَةُ لابنِ أخيه: يا ابنَ أخي، هل لكَ وجهٌ عندَ هذا الأميرِ فَتَسْتَأْذِنَ لي عليه؟ قال: سأستأذِنُ لكَ عليه، قال ابنُ عبَّاسٍ: فاسْتَأْذَنَ لعُبَيْنَةَ، فلمَّا دَخَلَ قال: يا ابنَ الخطَّب، والله ما تُعْطِينا الجَزْلَ، ولا تَحِكُمُ بينَنَا بالعَدْلِ، فغَضِبَ عمرُ حتَّى هَمَّ بأنْ يَقَعَ به، فقال الحُرُّ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ الله تعالى قال ٢٩ باب ٢/ح ٧٢٨٦ كتاب الاعتصام لنبِّهِ وَّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإنَّ هذا منَ الجاهلينَ؛ فوالله ما جاوَزَها عمرُ حينَ تَلَاها عليه، وكان وَقّافاً عندَ كتابِ الله. الحديث التاسع: حديث أبي موسى في النَّذير العُريان، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((باب الانتهاء عن المعاصي)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٨٢). وبُرَيد بموخَّدةٍ وراء مُصغَّر: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة، وأبو بُرْدة شيخه: هو جَدُّه، وهو ابن أبي موسى الأشعريّ. الحديث العاشر: حديث أبي هريرةَ في قصَّة أبي بكر في قتال أهل الرِّدَّة، وقد تقدَّمَت الإشارةُ إليه قريباً. قوله في آخره: ((قال ابن بُكَيْر)) يعني: يحيى بن عبد الله بن بُكَير / المِصريّ ((وعبدُ الله)) يعني: ٢٥٨/١٣ ابن صالح كاتب اللَّيث، وهو أبو صالح ... إلى آخره، ومُراده أنَّ قُتَيبة حَدَّثَه به عن اللَّيث بالسَّندِ المذكور فيه بلفظ: لو مَنَعوني كذا، ووَقَعَ هنا في رواية الُشمِیھَنيّ: كذا وكذا، وحَدَّثَه به یحی وعبد الله عن اللَّيث بالسَّندِ المذكور بلفظ: عَناقاً. وقوله: ((وهو أصَحّ)) أي: من رواية من رَوَى: عِقالاً، كما تقدَّمَت الإشارة إليه في كتاب الزَّكاة (١٤٠٠)، أو أبهَمَه كالذي وَقَعَ هنا. الحديث الحادي عشر: قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس كما جَزَمَ به المِزّيُّ، واسم أبي أُوَيس عبدُ الله المدنيّ الأصبَحيّ، وابن وَهْب: هو عبد الله المِصريّ، ويونس: هو ابن يزيد لأَيلُّ. قوله: (قَدِمَ عُيَينةُ)) بتحتانيَّة ونون مُصغَّراً ((بن حِصْن)) بكسر الحاء وسكون الصّاد المهمَلتَينِ ثمَّ نون ((بن خُذَيفة بن بَدْر)) يعني: الفَزَاريَّ، معدود في الصَّحابة، وكان في الجاهليَّة موصوفاً بالشَّجاعةِ والجهل والجفاء، وله ذِكرٌ في المغازي، ثمَّ أسلَمَ في الفتح وشَهِدَ معَ النبيّ وَّهَ حُنَيناً، فأعطاه معَ المؤلّفَةِ، وإيّاه عَنَى العبَّاسُ بن مِرداس السُّلَميّ ٣٠ باب ٢/ ح ٧٢٨٦ فتح الباري بشرح البخاري بقوله: أَّجَعَلُ نَهبي ونَهبَ العُب سيدِ بين عُيَينة والأقرَعِ(١) وله ذِكر معَ الأقرع بن حابِس سيأتي قريباً في ((باب ما يُكرَه من التعمُّق)) (٧٣٠٢)(٢)، وله قصَّة معَ أبي بكر وعمر حين سألَ أبا بكر أن يُعطيَه أرضاً يُقطِعه إيّاها فمَنَعَه عمر، وقد ذكره البخاريّ في ((التّاريخ الصَّغير))، وسَّاه النبيّ وََّ ((الأحمق المطاع))(٣)، وكان عُيَينة ممَّن وافَقَ طُليحة الأسَديَّ لمَّ اذَّعَى النبوّة، فلمَّا غَلَبَهم المسلمونَ في قتال أهل الرِّدَّة فَرَّ طُلَيحة وأُسِرَ عُبَينة، فأُتيَ به أبو بكر فاستَتَابَه فتابَ، وكان قُدومه إلى المدينة على عمر بعد أن استَقامَ أمرُه وشَهِدَ الفُتوح، وفيه من جَفاء الأعراب شيءٌ. قوله: ((على ابن أخيهِ الحُرّ)) بلفظ ضِدّ العبد، وقيس والد الحُرّ لم أرَ له ذِكراً في الصَّحابة، وكأنَّه ماتَ في الجاهليَّة، والحُرّ ذكره في الصَّحابة أبو عليّ بن السَّكَن وابن شاهين، وفي ((العُنْبيَّة)) عن مالك: قَدِمَ عُيَينة بنُ حِصن المدينة، فَنَزَلَ على ابن أخ له أعمى فباتَ يُصَلّي، فلمَّا أصبَحَ غَدَا إلى المسجد، فقال عُيَينة: كان ابن أخي عندي أربعينَ سَنةً لا يُطيعني، فما أسرَعَ ما أطاعَ قُرَيشاً؛ وفي هذا إشعار بأنَّ أباه ماتَ في الجاهليَّة. قوله: ((وكان من النَّفَر الذينَ يُذْنيهم عمر)) بيَّن بعد ذلك السَّبَبَ بقوله: ((وكان القُرّاء) أي: العلماء العُبّاد ((أصحابَ مجلس عمر)) فدَلَّ على أنَّ الحُرّ كان مُتَّصِفاً بذلك، وتقدَّم في آخر سورة الأعراف (٤٦٤٢) ضبط قوله: ((أو شُبّاناً)) وأنَّه بالوجهَين. وقوله: ((ومُشاوَرَته)) بالشّينِ المعجَمة وبفتح الواو ويجوز كسرها. قوله: ((هَلْ لك وجه عند هذا الأمير؟)) هذا من جُملة جَفاء عُيَينة، إذ كان من حَقّه أن يَنْعَتِه بأميرِ المؤمنين، ولكنَّه لا يَعرِف منازِلَ الأكابر. (١) أخرجه مسلم (١٠٦٠). (٢) لكن لم يقع فيه ذكرُ عيينة بن حصن صراحةً، وقد وقع ذكرُه فيما سلف برقم (٣١٥٠) و(٣٣٤٤). (٣) في «الإصابة)) ٤/ ٧٦٧: رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي مرسلاً، ورجاله ثقات. قلنا: وعلّته الإرسال. ٣١ باب ٢/ح ٧٢٨٦ كتاب الاعتصام قوله: ((فَتَسْتَأْذِن لي عليه)) أي: في خَلْوَة، وإلّا فعمر كان لا يَتَجِب إلّ وقت خَلْوته وراحته، ومن ثَمَّ قال له: سأستأذِنُ لك علیه، أي: حتَّى تجتمع به وحدك. قوله: ((قال ابن عبّاس: فاستَأْذَنَ لعُيَينةَ)) أي: الحُرّ، وهو موصولٌ بالإسنادِ المذكور. قوله: ((فلمَّا دَخَلَ قال: يا ابن الخطّاب)) في رواية شُعَيب عن الزُّهريِّ الماضية في آخر تفسير الأعراف: فقال: هِيْ؛ بكسرٍ ثمَّ سكون، وفي بعضها: هِيهِ، بكسر الهاءَينِ بينهما تحتانيَّة ساكنة، قال النَّوَويّ بعد أن ضَبَطَها هكذا: هِي، كَلِمَةٌ تُقال في الاستزادة، ويُقال بالهمزةِ بَدَل الهاء الأولى؛ وسَبَقَ إلى ذلك قاسم بن ثابت في (الدَّلائل)) كما نَقَلَه صاحب ((المشارق)» فقال في قول ابن الزُّبَيرِ ((إيهاً والإله (١)): ((إيه) بهمزة مكسورةٍ معَ التَّوين: كَلِمة استزادة من حديث لا يُعرَف، وتقول: ((إِيهاً عَنّ)) بالنَّصب، أي: كُفَّ. قال: وقال يعقوب - يعني ابن السِّكّيت -: تقول لمن استَزَدتَه من عمل أو حديث: إِيهِ، فإن وَصَلتَ نَوَّنتَ فقلت: إيهٍ حَدِّثنا، وحكاه كذا في ((النِّهاية))، وزاد: فإذا قلت: ((إِيهاً)) بالنَّصبِ / فهو أمرٌ بالسُّكوت. وقال اللَّيث: قد تكون كَلِمة استزادة وقد تكون كَلِمة زَجْر، ٢٥٩/١٣ كما يقال: إِيهِ عَنّا، أي: كُفَّ. وقال الكِرْمانيُّ: هِيه هنا بكسر الهاء الأولى، وفي بعض النُّسَخ بهمزةٍ بَدَلها، وهو من أسماء الأفعال، تُقال لمن تَستَزيده، كذا قال، ولم يَضِط الهاء الثّانية، ثمَّ قال: وفي بعض النُّسَخِ: هِي، بحذفِ الهاء الثّانية والمعنى واحد، أو هو ضمير لمحذوف، أي: هي داهية، أو القصَّة هذه. انتهى، واقتَصَرَ شيخنا ابن الملقِّن في ((شرحه)) على قوله: هِي يا ابن الخطّاب، بمعنى التَّهدید له. ووَقَعَ في ((تنقيح الَّركَشِيّ)): فقال: هِيءَ يا ابن الخطّاب، بكسر الهاء وآخره همزة مفتوحة، تقول للرجلِ إذا استَزَدتَه: هِيه وإيه. انتهى، وقوله: وآخره همزة مفتوحة، لا وجه له، ولعلَّه من الناسخ أو سَقَطَ من كلامه شيء، والذي يَقتَضيه السِّياق أنَّه أرادَ (١) لم يرد لفظ ((والإله)) في (س)، ووقع بدلاً منه لفظ ((قوله)). ٣٢ باب ٢/ ح ٧٢٨٦ فتح الباري بشرح البخاري بهذه الكَلِمة الزَّجرَ وطَلَبَ الكَفّ لا الازدياد، وقد تقدَّم شيء من الكلام على هذه الكَلِمة في مناقب عمر (٣٦٨٣). وقوله: ((يا ابن الخطّاب)) هذا أيضاً من جَفائه حيثُ خاطَبَه بهذه المخاطَبة. وقوله: ((والله ما تُعطِينا الجَزْل)) بفتح الجيم وسكون الزّاي بعدها لام، أي: الكثير، وأصل الجَزْل: ما عَظُمَ من الخَطَب. قوله: ((ولا تَحكم)) في رواية غير الكُشمِيهَنِيّ: ((وما)) بالميم بَدَل اللّام. قوله: ((حتَّى هَمَّ بأنْ يَقَعَ به)) أي: يَضرِبِه، وفي رواية شُعَيب عن الزُّهريِّ في التَّفسير (٤٦٤٢): حَتَّى هَمَّ به، وفي رواية فيه (١): حتَّى هَمَّ أن يُوقِع به (٤٦٤٢). قوله: ((فقال الحُرّ: يا أمير المؤمنينَ)) في رواية شُعَيب المذكورة: فقال له الحُرّ، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق بِشْر بن شُعَيب عن أبيه عن الزّهريّ: فقال الحُرّ بن قيس: قلت: يا أمير المؤمنين، وهذا يقتضي أن يكون من رواية ابن عبّاس عن الحُرّ، وأنَّه ما حَضَرَ القصَّةَ بل حَمَلَها عن صاحبها وهو الحُرّ، وعلى هذا فينبغي أن يُترجَم للحُرِّ في رجال البخاريّ، ولم أرَ مَن فَعَلَه. قوله: ((إنَّ الله قال لنبيِّهِ)) فذكر الآية، ثمَّ قال: وإنَّ هذا من الجاهلين؛ أي: فأعرِضْ عنه. قوله: ((فوالله ما جاوَزَها)) هو كلام ابن عبّاس فيما أظنّ، وجَزَمَ شيخنا ابن الملقِّن بأنَّه كلام الحُرّ، وهو مُتَمل، ويُؤْيِّده رواية الإسماعيليّ المشار إليها، ومعنى ((ما جاوَزَها)): ما عَمِلَ بغيرِ ما دَلَّت عليه بل عَمِلَ بمُقتَضاها، ولذلك قال: وكان وقّافاً عند كتاب الله، أي: يَعمَل بما فيه ولا يَتَجَاوَزه، وفي هذا تَقِيَة لما ذهب إليه الأكثر أنَّ هذه الآية مُحكَمَة. قال الطَّبَرُّ بعد أن أورَدَ أقوال السَّلَف في ذلك، وأنَّ منهم مَن ذهب إلى أنَّها منسوخة بآية القتال: والأَّولى بالصَّوابِ أنَّها غير منسوخة، لأنَّ الله أتبَعَ ذلك تعليمه نبيَّه مُحاجَّة (١) أي: في التفسير، وهذه الرواية هناك لأبي الوقت كما في النسخة اليونينية و((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ١٣١/٧. ٣٣ باب ٢/ح ٧٢٨٦ كتاب الاعتصام المشركينَ ولا دلالة على النَّسخ، فكأنَّهَا نَزَلَت لتعريفِ النبيِّ وَّهِ عِشْرةَ مَن لم يُؤمَر بقتالِه من المشركين، أو أُريدَ به تعليم المسلمين وأَمْرهم بأخذِ العَفْو من أخلاقهم، فيكون تعليماً من الله لخلقِه صِفَةَ عِشرة بعضهم بعضاً فيما ليس بواجبٍ، فأمّا الواجب فلا بُدَّ من عمله فعلاً أو تركاً، انتهى ملخَّصاً. وقال الرَّاغِب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ معناه: خُذِ ما سَهُلَ تَناوُلُه، وقيل: تَعاطَ العفوَ معَ الناس، والمعنى: خُذ ما عُفيَ لك من أفعال الناس وأخلاقهم وسَهُلَ من غير كُلفَة، ولا تَطلُب منهم الجَهْد وما يَشُقّ عليهم حتَّى يَنفِروا، وهو كحديث: ((يَسِّروا ولا تُعَسِّروا))(١)، ومنه قول الشاعر: خُذي العَفو مِنِّي تَستَديمي مَوَدَّتي ولا تَنطِقِي فِي سَوْرتي(٣) حين أغضَبُ وأخرج ابن مَرْدويه من حديث جابر، وأحمد (١٧٣٣٤) من حديث عُقْبة بن عامر: لمَّا نَزَلَت هذه الآية سأل النبيُّ نَّهِ جِبرِيلَ، فقال: يا محمَّدُ، إنَّ رَبّك يَأْمُرك أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطيَ مَن حَرَمك، وتَعفوَ عمَّن ظَلَمَك، فقال النبيّ وَلّ: ((ألا أدُلّكم على أشَرَف أخلاق الدُّنيا والآخرة؟» قالوا: وما ذاكَ، فذكره(٣). قال الطِّييُّ ما ملخَّصه: أمَرَ الله نبيَّه في هذه الآية بمَكارم الأخلاق، فأمَرَ أمَّته بنحو ما أمَرَه الله به، ومحصَّلهما الأمر بحُسنِ المعاشَرة معَ الناس، وبَذْل الجهد/ في الإحسان إليهم، ٢٦٠/١٣ والمداراة معهم والإغضاء عنهم، وبالله التَّوفيق. وقد تقدَّم الكلام على معنى العُرْف المأمور (١) سلف عند البخاري برقم (٦٩) من حديث أنس بن مالك. (٢) تحرَّف في (س) إلى: سوأتي. والسَّوْرة: هو الغضب، أو حدّة الغضب. وقد نُسِب هذا البيت في كتب الأدب واللغة إلى غير واحد، فقيل: هو لأبي الأسود الدؤلي، وقيل: لأسماء بن خارجة الفزاري، وقيل: لابنه مالك، وقیل لغیرهم. (٣) رواية أحمد ضمن حديث مطول ليس فيها: لما نزلت هذه الآية، وسؤال النبي لجبريل، وليس فيها ((ألا أدلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة))، ولفظه عنده: قال عقبة: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: « یا عقبة، صِلْ من قَطَعك، وأعطِ من حَرَمَك، وأعرِض عَمَّن ظلمك)). ٣٤ باب ٢/ح ٧٢٨٧ -٧٢٨٨ فتح الباري بشرح البخاري به في الآية مُستَوفّى في التَّفسير (٤٦٤٢). ٧٢٨٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةً، عن فاطمةً بنتٍ المنذِرِ، عن أسماءَ ابنةٍ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، أنَّها قالت: أتيتُ عائشةَ حينَ خَسَفَتِ الشمسُ، والناسُ قِيامٌ وهي قائمةٌ تُصَلّي، فقلتُ: ما للنّاسِ؟ فأشارتْ بَيَدِها نحوَ السماءِ، فقالت: سُبْحانَ الله! فقلتُ: آيةٌ؟ قالت برأسِها: أنْ نَعَم، فلمَّ انصَرَفَ رسولُ اللهِ وَِّ حَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((ما مِن شيءٍ لم أرَه إلّا وقد رأيتُه في مَقامي، حتَّى الجنَّةَ والنارَ، وأُوحِيَ إليَّ أنكم تُفْتَنُونَ في القُبُورِ قريباً مِن فِتْنِ الدَّجّال، فأمّا المؤمنُ - أو المسلمُ، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقولُ: محمَّدٌ جاءَنا بالبيّات، فأجَبْناه، فيُقالُ: نَمْ صالحاً عَلِمْنا أَنَّكَ مُوقِنٌّ، وأمّا المنافقُ - أو المُرْتَابُ، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقولُ: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئاً، فقلتُه)). ٧٢٨٨- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةً، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((دَعُوني ما تَرَكتُكم، إنَّما أهلَكَ مَن كانَ قبلَكم سؤالهُم، واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نَتُكم عن شيءٍ فاجتَنِيوه، وإذا أمَرتُكم بأمرٍ فاتْتُوا منه ما استطعتُم)». الحديث الثاني عشر: قوله: ((حين خَسَفَت الشمس)) في رواية المُستَملي: كَسَفَت. وقوله: ((فأجَبْناه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: فأجَبنا وآمَنّا، أي: فأجَبنا محمَّداً وآمَنًا بما جاءً به، وقد تقدَّم شرح حديث أسماء بنت أبي بكر هذا مُستَوّ في صلاة الكسوف (١٠٥٣). الحديث الثالث عشر: قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس كما جَزَمَ به الحافظ أبو إسماعيل الهَرَويُّ، وذكر في كتابه (ذَمّ الكلام)) أنَّه تفرَّد به عن مالك، وتابَعَه على روايته عن مالك عبدُ الله بن وَهْب، كذا قال، وقد ذكر الدّارَقُطنيُّ معهما إسحاق بن محمَّد الفَرُويّ وعبد العزيز الأوَيسيّ، وهما من شيوخ البخاريّ، وأخرجه في ((غرائب مالك)) التي ليست في ((الموطَّأ)) من طرق هؤلاءِ الأربعة، ومن طريق أبي قُرَّة موسى بن طارق، ومن طريق الوليد بن مسلم، ومن طريق محمَّد بن الحسن الشَّيبانيِّ صاحب أبي حنيفة، ثلاثتهم ٣٥ باب ٢/ح٧٢٨٨ كتاب الاعتصام عن مالك أيضاً فكَمَلوا سبعةً. ولم يُخْرُج البخاريّ هذا الحديث إلّا في هذا الموضع من رواية مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرةَ، وأخرجه مسلم (١٣١/٢٣٥٧) من رواية المغيرة بن عبد الرّحمن وسفيان، وأبو عَوَانة من رواية وَرْقاء، ثلاثتهم عن أبي الزناد، ومسلم من رواية الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن، ومن رواية هَّام بن مُنبِّه، ومن رواية أبي صالح، ومن رواية محمَّد بن زياد، وأخرجه الِّرمِذيّ (٢٦٧٩) من رواية أبي صالح، كلّهم عن أبي هريرةً، وسأذكرُ ما في روايتهم من فائدة (١). قوله: ((دَعُوني)) في رواية مسلم: ((ذَرُونِي))، وهيَ بمعنى: دَعوني، وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمَّد بن زياد (١٣٣٧) فقال: عن أبي هريرةً: خَطَبَنا رسول الله وَيّ فقال: ((يا أيُّها الناس، قد فَرَضَ الله عليكم الحجَّ فحُجّوا)) فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسَكَتَ حتَّى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله: ((لو قلتُ: نَعَم، لَوَجَبَت، ولمَا استطعتُم)» ثمَّ قال: ((ذَرُوني ما تَرَكتُكم)) الحديث، وأخرجه الدّارَ قُطْنِيُّ مُختصَراً، وزاد فيه: فَنَزَلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وله شاهدٌ عن ابن عبَّاس عند الطََّرَيِّ في ((التَّفْسير)) (٨٢/٧)، وفيه: «لو قلتُ: نَعَم، لَوَجَبَت، وَلو وَجَبَت لما استطعتُم، فاترُكوني ما تَرَكتُكم)) الحديث، وفيه: فأنزلَ الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ﴾ الآية، وسيأتي بَسطُ القول فيما يتعلَّق بالسُّؤالِ في الباب الذي یلیه إن شاء الله تعالی. قوله: ((ما تَرَكتُكم)) أي: مُّدَّةَ تركي إيّاكم بغيرِ أمرٍ بشيءٍ ولا نَهي عن شيء، وإنَّما غايرَ بين اللَّفْظَينِ لأَّهم أماتُوا الفعلَ الماضي واسمَ الفاعل منهما واسم مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع وهو ((يَذَرُ)) وفعلَ الأمر وهو (ذَرْ))، ومثله: دَعْ ويَدْعُ، ولكن سُمِعَ ((وَدَعَ)) كما قُرِئَ به في الشّاذّ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] قرأ بذلك إبراهيم بنُ أبي (١) في (س) وحدها: فائدة زائدة. ٣٦ باب ٢/ح٧٢٨٨ فتح الباري بشرح البخاري عَبْلة وطائفة، وقال الشّاعر: ونحنُ وَدَعْنا آل عَمرو بن عامر فرائِسَ أطرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنُّن في العِبارة، وإلّا لَقال: اترُكوني. والمراد بهذا الأمر تركُ السُّؤال عن شيء لم يَقَع خَشْية أن يَنْزِل به وجوبُه أو تحريمه، وعن كَثْرة السُّؤال لما فيه غالباً من التَّعَنُّت، وخَشية أن تقع الإجابة بأمرٍ يُستَقَل، فقد يُؤَدّي لتركِ الامتثال فَتَقَع المخالَفة. قال ابن فَرَح: معنى قوله: ((ذَرُوني ما تَرَكتُكم)): لا تُكثِروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظاهرٍ ولو كانت صالحة لغيره، كما أنَّ قوله: ((حُجّوا)) وإن كان صالحاً للتَّكرار، فينبغي أن يُكتَفَى بما يَصدُق عليه اللَّفظ وهو المرّة، فإنَّ الأصل عَدَم الزّيادة، ولا تُكثِروا التَّنقيب عن ذلك لأنَّه قد يُفضي إلى مِثل ما وَقَعَ لبني إسرائيل، إذ ٢٦١/١٣ أُمِروا أن يَذْبَحوا البقرة، فلو ذَبَحوا أيَّ بقرة كانت لامتَثَلوا/ ولكنَّهم شَدَّدوا فشُدِّدَ عليهم، وبهذا تَظْهَر مُناسَبة قوله: ((فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم ... )) إلى آخره بقوله: ((ذَرُوني ما تَرَکتُکم)». وقد أخرج البزَّار (٩٥٩٩) وابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١ / ١٤١) من طريق أبي رافع عن أبي هريرةَ مرفوعاً: ((لو اعتَرَضَ بنو إسرائيل أدنى بقرة فذَبَحوها لكَفَتهم، ولكن شَدَّدوا فشَدَّدَ الله عليهم)) وفي السَّند عبَّاد بنُ منصور، وحديثه من قَبيل الحسن(١)، وأورَدَه الطَّبَرَيُّ (٣٤٦/١ و٣٤٧) عن ابن عبّاس موقوفاً، وعن أبي العالية مقطوعاً، واستُدِلَّ به على أن لا حُكمَ قبل وُرودِ الشَّرع، وأنَّ الأصل في الأشياء عَدَم الوجوب. قوله: ((فإنَّمَا أهلَكَ)) بفَتَحاتٍ، وقال بعد ذلك: ((سؤالهُم)) بالرَّفع على أنَّه فاعل: (١) وقال الحافظ نفسه في ((تخريج أحاديث الكشاف)) ص٨: في سنده عباد بن منصور وفيه ضعف. وقال ابن كثير في تفسيره)) ١/ ١٥٩ بعد أن أورده عن ابن مردويه بالإسناد نفسه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. ٣٧ باب ٢/ ٧٢٨٨ كتاب الاعتصام لنا ... ) أهلَكَ، وفي رواية غيرِ الكُشمِيهَنيّ: ((أُهلِكَ)) بضمِّ أوَّله وكسر اللّام، وقال بعد ذلك: (بسؤالهِم)) أي: بسبب سؤالهم ... وقوله: ((واختلافُهم) بالرَّفع وبالجرِّ على الوجهَين، ووَقَعَ في رواية هَمَّام عند أحمد (٨١٤٤) بلفظ: ((فإِنَّمَا هَلَكَ))، وفيه: ((بسؤالهِم))(١) ويَتعيَّن الجرّ في: ((واختلافهم))، وفي رواية الزّهريّ: ((فإِنَّمَا هَلَكَ))، وفيه: ((سؤالهم))(٢)، ويَتعيَّن الرَّفع في ((واختلافهم))، وأمّا قول النَّوَويّ في ((أربعينِه)): واختلافُهم برفع الفاء لا بكسرها، فإِنَّه باعتبار الرّواية التي ذكرها وهي التي من طريق الزُّهْرِيّ . . قوله: ((فإذا نَهَيتُكم عن شيء فاجتَنِيوه)» في رواية محمَّد بن زياد: ((فانتَهُوا عنه))(٣) هكذا رتَّب(٤) هذا الأمر على تلك المقدِّمة والمناسَبة فيه ظاهرة، ووَقَعَ في أَوَّل رواية الزُّهريِّ المشار إليها: ((ما نَهَيتُكم عنه فاجتَنِبوه)) فاقتَصَرَ عليها النَّوَويّ في ((الأربعينَ))، وعَزَا الحديث البُخاريِّ ومسلم، فَتَشاغَلَ بعضُ شُرّاح ((الأربعينَ)) بمُناسَبةِ تقديم النَّهي على ما عَدَاه ولم يَعلَم أنَّ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة، وأنَّ اللَّفظ الذي أورَدَه البخاريّ هنا أرجّحُ من حيثُ الصِّناعةِ الحديثِيَّة، لأَّهما اتَّفَقا على إخراج طريق أبي الزِّناد دون طريق الزُّهريّ، وإن كان سندُ الزّهريِّ ممّا عُدَّ في أَصَحّ الأسانيد، فإنَّ سَنَد أبي الزناد أيضاً ممّا عُدَّ فيها فاستَوَيا، وزادَت على التربج ولة روايةُ أبي الزِّناد اتِّفاقَ الشَّيخَين. وظنَّ القاضي تاج الدّين في ((شرح المختصَر)) أنَّ الشَّيخَينِ اتَّفَقا على هذا اللَّفظ، فقال بعد قول ابن الحاجب: النَّدب، أي: احتَجَّ مَن قال: إنَّ الأمر للنَّدبِ بقوله: ((إذا أمَرتُكم متسلسلة (١) وهي رواية الأعرج عن أبي هريرة في هذا الموضع من البخاري لكن عن غير أبي ذر الهروي كما في أصل اليونينية. (٢) رواية الزهري عند مسلم (٢٣٥٧) (١٣٠) كما سلف، وهي فيه بلفظ: («أهلك)» و «کثرة مسائلهم». (٣) بل هو لفظ رواية أبي صالح عند ابن ماجه (١)، ورواية محمد بن زياد - وهي عند مسلم (١٣٣٧). بلفظ: «فدعوه)). (٤) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: رأيت، والتصويب من (أ) . * منالبا طنطا به (١) ٣٨ باب ٧٢٨٨٣/٢ فتح الباري بشرح البخاري بأمرٍ فائْتُوا منه ما استطعتُم)) فقال الشّارح: رواه البخاريّ ومسلم ولفظهما: ((وما أمَرتُكم به فافعلوا منه ما استطعتُم)»، وهذا إنَّما هو لفظ مسلم وحده، ولكنَّه اغتَرَّ بما ساقَه النَّوَويّ في ((الأربعينَ))، ثمّ إنَّ هذا النَّهي عامٌّ في جميع المناهي، ويُستَئنَى من ذلك ما يُكرَه المكلّف على فعله کشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور. وخالَفَ قومٌ فَتَمسَّكوا بالعُموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها، والصَّحيح عَدَم المؤاخَذَة إذا وُجِدَت صورة الإكراه المعتبرة، واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزّنى، فقال: لا يُتَصَوَّر الإكراه عليه، وكأنّه أرادَ التَّمادي فيه، وإلّا فلا مانع أن يُنْعِظَ الرجل بغيرِ سبب فيُكرَه على الإيلاج حينئذٍ، فيُولِج في الأجنبيَّة، فإنَّ مِثل ذلك ليس بمُحالٍ، ولو فَعَلَه مُختاراً لكانَ زانياً، فتُصُوّر الإكراه على الزُّنى. واستَدَلَّ به من قال: لا يجوز التَّداوي بشيءٍ مُحرَّم كالخمر، ولا تَفْع العَطَش به، ولا إساغةُ لُقْمَة مَن غَصَّ به، والصَّحيح عند الشافعيَّة: جوازُ الثّالث حِفظاً للنَّفْس، فصارَ كأكلِ المَيْتَة لمن اضطُرَّ، بخِلَاف الَّداوي، فإِنَّ ثَبَتَ النَّهي عنه نصّاً، ففي مسلم (١٩٨٤) عن وائل رَفَعَه: ((إنَّه ليس بدواءٍ ولكنَّه داء))، ولأبي داود (٣٨٧٤) عن أبي الدَّرداءِ رَفَعَه: ((ولا تَداوَوا بحرامِ))، وله(١) عن أمّ سَلَمَةَ مرفوعاً: ((إنَّ الله لم يجعل شِفاءَ أمَّتي فيها حَرَّمَ عليها))، وأمّا العَطَش فإنَّه لا يَنقَطِع بشُرْبها، ولأنّه في معنى التَّداوي، والله أعلم. والتَّحقيق أنَّ الأمر باجتنابِ المنهيُّ على عُمومه، ما لم يعارضه إذنٌّ في ارتكاب مَنهيّ كأكلِ المَيْة للمُضطَرِّ، وقال الفاكِهانيّ: لا يُتَصَوَّر امتثال اجتناب المنهيّ حتَّى يُترَك جمیعه، فلو اجتَنَبَ بعضَه لم يُعَدَّ مُمتَثِلاً، بخِلَاف الأمر - يعني المطلَق - فإنَّ مَن أَتَى بأقلُ ما يَصدُق ٢٦٢/١٣ عليه الاسم كان مُمْتَثِلاً. انتهى ملخَّصاً، وقد أجابَ هنا / ابن فَرَح بأنَّ النَّهيَ يقتضي الأمر، فلا يكون مُمَثِلاً لمقتَضى النَّهي حتَّى لا يَفعَل واحداً من آحاد ما يتناوَله النَّهِيُّ، بخِلَاف الأمر فإنَّه على عكسه، ومن ثَمَّ نَشَأ الخِلافُ: هل الأمر بالشيءٍ تَهيٌ عن ضِدِّه؟ وبأنَّ النَّهيَ عن (١) بل هو عند ابن حبان في ((صحيحه)) (١٣٩١)، وسنده من قبيل الحسن. ٣٩ كتاب الاعتصام الشيءِ أمرٌ بضِدِه. قوله: ((وإذا أُمَرَّتُكم بشيءٍ» في رواية مسلم: ((بأمرٍ))(١)، ((فاتْتُوا منه ما استَطَعتُم)) أي: افعلوا قدرَ استطاعتكم، ووَقَعَ في رواية الزُّهريّ: ((وما أمرتكم به))، وفي رواية هَّام المشار إليها: ((وإذا أمَرتُّكم بالأمرِ فائتَمِروا ما استطعتُم))، وفي رواية محمَّد بن زياد: ((فافعلوا))(٢). قال النَّوَويّ: هذا من جوامع الكَلِم وقواعد الإسلام، ويَدخُل فيه كثير من الأحكام، كالصلاةِ لمن عَجَزَ عن رُكْن منها أو شرط فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وسَترْ العورة، وحِفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفِطْر لمن لم يَقدِرُ على الكلّ، والإمساك في رمضان لمن أفطَرَ بالعُذرِ ثمَّ قَدَرَ في أثناء النَّهار، إلى غير ذلك من المسائل التي يَطُول شرحها. وقال غيره: فيه أنَّ مَن عَجَزَ عن بعض الأُمور لا يَسقُط عنه المقدور، وعَبَّرَ عنه بعض الفُقَهاء بأنَّ الميسور لا يَسقُط بالمعسور، كما لا يَسقُط ما قُدِرَ عليه من أركان الصلاة بالعَجزِ عن غيره، وتَصِحّ توبة الأعمى عن النَّظَر المحرَّم، والمجبوب عن الزِّنى، لأنَّ الأعمى والمجبوب قادران على النَّدَم، فلا يَسقُط عنهما بعَجزِهما عن العَزْم على عَدَم العَوْد، إذ لا يُتَصَوَّر منهما العَودُ عادة، فلا معنى للعَزمِ على عَدمِه. (١) قوله: ((بشيء)) هي اللفظة التي شرح عليها الحافظ، وهي في اليونينية: ((بأمر)) ولم يؤشَّر عليها أي اختلاف بين رواة ((الصحيح))، ثم إن رواية مسلم (١٣٣٧) من طريق محمد بن زياد: ((بشيء)) وهي التي عناها الحافظ؛ لأنه سينبّه على رواية الزهري بعد قليل، وهما الروايتان اللتان ساق لفظَهما مسلم. وبناءً عليه نقول: لعله حصل سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله فأبدل اللفظين في الإحالة، فنسب رواية البخاري المسلم ورواية مسلم للبخاري، علماً بأنَّ رواية محمد بن زياد أيضاً عند أحمد (٩٧٨٠) والدارقطني (٢٧٠٥)، ورواية الأعرج عند ابن حبان (١٩) متفقتان على لفظة: ((بأمر))، وفي غيرها من المواضع والمصادر بينهما اختلاف، حتى إن في رواية محمد بن زياد عند أحمد نفسه لكن في موضع آخر برقم (١٠٦٠٧): ((بشيء)»، وکل هذا من الاختلاف الذي لا يضر. (٢) بل في رواية الزهري، وهي عند مسلم (٢٣٥٧) (١٣٠)، أما رواية محمد بن زياد عنده (١٣٣٧) فهي بلفظ: «فأتوا». ٤٠ باب ٢/ح٧٢٨٨ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ به على أنَّ مَن أُمِرَ بشيءٍ فَعَجَزَ عن بعضه ففَعَلَ المقدور أنَّه يَسقُط عنه مَا عَجَزَ عنه، وبذلك استَدَلَّ المُزَنيُّ على أنَّ ما وَجَبَ أداؤُه لا يجب قضاؤه، ومن ثَمَّ كان الصَّحيح أنَّ القضاء بأمرٍ جدید. واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ اعتناء الشَّرع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنَّه أطلَقَ الاجتناب في المنهيّات ولو معَ المشَقَّة في التَّرك، وقَيَّدَ في المأمورات بِقَدرِ الطّاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد، فإن قيل: إنَّ الاستطاعة مُعتبَرة في النَّهي أيضاً إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فجوابه: أنَّ الاستطاعة تُطلَق باعتبارَين، كذا قيل، والذي يَظهَر أنَّ التَّقييد في الأمر بالاستطاعةِ لا يَدُلّ على المدَّعَى من الاعتناء به، بل هو من جِهَة الكَفّ، إذ كلُّ أحد قادر على الكَفّ لولا داعيةُ الشَّهوَة مَثَلاً، فلا يُتَصَوَّر عَدَم الاستطاعة عن الكَفّ، بل كلّ مُكلَّف قادر على التَّرك، بخلاف الفعل فإنَّ العَجْز عن تعاطيه محسوس، فمن ثَمَّ قَيََّ في الأمر بحَسَب الاستطاعة دون النَّهي. وعَبَّرَ الطُّوفيّ في هذا الموضع بأنَّ ترك المنهيّ عنه عبارةٌ عن استصحاب حال عَدمِه، أو الاستمرار على عَدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العَدَم إلى الوجود، وقد نُوزِعَ بأنَّ القُدْرة على استصحاب عَدَم المنهيّ عنه قد تَتَخلَّف، واستُدِلَّ له بجوازِ أكل المضطَرّ الميتةَ، وأُجيبَ بأنَّ النَّهي في هذا عارَضَه الإذنُ بِالتَّنَاوُلِ في تلك الحالة. وقال ابن فَرَح في ((شرح الأربعينَ)): قوله: ((فاجتَنِبوه)) هو على إطلاقه حتَّى يُوجَد ما يُبيحه، كأكلِ الميتة عند الضَّرورة وشُرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفُّظ بكَلِمة الكفر إذا كان القلبُ مُطمَئِنّاً بالإيمان كما نَطَقَ به القرآن. انتهى، والتَّحقيقُ أنَّ المكلّف في ذلك كلّه ليس مَنهيّاً في تلك الحال. وأجابَ الماوَرْديّ بأنَّ الكَفّ عن المعاصي تركٌ وهو سهل، وعَمَلُ الطّاعة فعل وهو يَشُقّ، فلذلك لم يُيح ارتكاب المعصية ولو معَ العُذر لأنَّه تركٌ، والتَركُ لا يَعجِزُ المعذورُ عنه، وأباحَ ترك العمل بالعُذرِ لأنَّ العمل قد يَعجِزُ المعذورُ عنه، واذَّعَى بعضهم أنَّ قوله