Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
كتاب الأحكام
وفي معنى حديث الباب حديثُ عائشة مرفوعاً: ((مَن وليَ منكم عملاً فأرادَ الله به خيراً
جَعَلَ له وزيراً صالحاً، إن نَسِيَ ذَكَّرَه، وإن ذكر أعانَه))(١).
قال ابن التِّين: يحتمل أن يكون المراد بالبِطانَتَينِ: الوزيرَين، ويحتمل أن يُرِيدَ الملَك
والشَّيطان.
وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أن يكون المراد بالبِطانَتَينِ: النَّفْسَ الأمّارَة بالسّوءِ والنَّفْسَ
اللَّوَّامَة المحرِّضَة على الخير، أو (٢) لكلٍّ منهما قوَّة مَلَكَيَّة وقوَّة حيوانيَّة. انتهى، والحمل على
الجميع أولى، إلّا أنَّه جائزٌ أن لا يكون لبعضِهِم إلّا البعض.
وقال المحِبّ الطَّبَرِيُّ: البِطانَةِ: الأولياء والأصفياء، وهو مَصدَرٌ وُضِعَ موضعَ الاسم
يَصدُق على الواحد والاثنين والجمع، مُذكَّراً ومُؤَنَّئاً.
قوله: ((وقال سليمان)) هو ابن بلال ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاريّ «أخبرني ابنُ
شِهابٍ، بهذا)) وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي بكر بن أبي
أوَيس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: أخبرني ابن شهاب قال .. فذكر مثله.
قوله: ((وعن ابن أبي عَتيق وموسى، عن ابن شِهابٍ، مِثْله)) هو مَعطوف على يحيى بن
سعيد، وابنُ أبي عَتيق: هو محمَّد بنُ عبد الله بن أبي عَتيق محمَّدٍ بن عبد الرَّحمن بن أبي بکرِ
الصِّدّيق، وموسى: هو ابن عُقبةَ.
قال الكِرمانيُّ: رَوَى سليمان عن الثَّلاثة، لكنَّ الفَرقَ بينهما أنَّ المَرويّ في الطَّريق
الأوَّل هو المذكور بعينِه، وفي الثّاني هو مِثله. قلت: ولا يَظهَر بينَ هذَينٍ فرق، والذي يَظهَر
أنَّ ◌ِرَّ الإفراد أنَّ سليمان ساقَ لفظ يحيى، ثمَّ عَطَفَ عليه رواية الآخَرَينِ، وأحالَ بلفظِهما
عليه، فأورَدَه البخاريّ على وَفْقه، وقد وَصَلَه البَيْهَقيُّ (١١١/١٠) من طريق أبي بكر بن أبي
أويس عن سليمان بن بلال عن محمّد بن أبي عَتيق وموسى بن عُقبةَ به، وأخرجه الإسماعيليُّ
(١) أخرجه النسائي (٤٢٠٤).
(٢) تحرفت في (س) إلى: إذ.

٣٨٢
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق محمَّد بن الحسن المخزوميّ عن سليمان بن بلال عنهما به، ومحمَّد بن الحسن
المَخزوميّ ضعيف جدّاً، كذَّبَه مالك، وهو أحد المواضع التي يُستَدَلُّ بها على أنَّ((المستَخرَج))
لا يَطَّرِد كَون رجاله من رجال «الصَّحیح)).
قوله: (وقال شُعَيب)) هو ابن أبي حمزة ((عن الزّهْريّ ... )) إلى آخره.
وقوله: ((قولَه)) يعني: أنَّه لم يرفعه، بل جعله من كلام أبي سعيد، وهو بالنَّصب على نَزِع
الخافض، أي: من قوله. ورواية شُعَيب هذه الموقوفَة وَصَلَها الذُّهلِيُّ في جمعه حديثَ
الزُّهْريّ، وقال الإسماعيليّ: لم تقع بيدي. قلت: وقد رُوِّيناها في ((فوائد عليّ بن محمَّد
الحِكْانيّ)) - بكسر الجيم وتشديد الكاف ثمَّ نون - عن أبي اليَمَان مرفوعة.
قوله: ((وقال الأوْزاعيُّ ومُمعاوية بن سَلّامٍ: حَدَّثَنَي الزُّهْريّ، حَدَّثَني أبو سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ)»
يريد أنَّهما خالَفا مَن تقدَّم، فجَعَلاه عن أبي هريرةَ بَدَل أبي سعيد، وخالَفا شُعَيباً أيضاً في
وقفه فرَفَعاه.
فأمّا رواية الأوزاعيِّ فَوَصَلَها أحمد (٧٢٣٩) وابن حِبّان (٦١٩١) والحاكم(١) والإسماعيليّ
من رواية الولید بن مسلم عنه، وأخرجه الإسماعيلي أيضاً من رواية عبد الحميد بن حبیب عن
الأوزاعيّ، فقال: عن الزُّهْريّ ويحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ. قلت: فعلى هذا
فلعلَّ الوليد حَمَلَ رواية الزُّهْريّ على رواية يحيى، فكأنَّه عند يحيى عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ،
وعند الزُّهْريّ عن يحيى عن أبي سعيد، فلعلَّ الأوزاعيّ حَدَّثَ به مجموعاً فظنَّ الرَّاوي عنه أنَّه
عندَه عن كلّ منهما بالطَّريقَين، فلمَّا أفرَدَ أحد الطَّريقَينِ انقَلَبَت عليه، لكنَّ رواية معاوية(٢)
التي بعدَها قد تَدفَع هذا الاحتمال، ويَقرُّبُ أنَّه عندَ الزُّهْريّ عن أبي سَلَمَةَ عنهما جميعاً.
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ١٣١/٤ من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة، وليس من طريق
الزهري، أما رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فقد أخرجها أيضاً غير من ذكرهم الحافظ: الخطيبُ
في «تاریخ بغداد)» ٤٢٢/٧.
(٢) وقع بدل معاوية في (أ) و(س): معمر، وفي (ع): محمد، فإذا ثبت لفظ ((معمر)) في نسخة الحافظ نفسه
فلعله سبق قلم منه رحمه الله، لأن الرواية التي بعدها إنما هي رواية معاوية بن سلام وليس من رواية
معمر، أما محمد كما في (ع) فهو تحريف بلا شك، والله أعلم.

٣٨٣
باب ٤٢ / ح ٧١٩٨
كتاب الأحكام
وقد قيل: عن الأوزاعيِّ عن الزّهْريّ عن حُميدٍ بن عبد الرّحمن بَدَل أبي سَلَمَةَ، أخرجه
إسحاق في ((مُسنَده)) من طريق المفضَّل(١) بن يونس / عن الأوزاعيّ، والمفضَّل(١) صَدُوق، ١٩٢/١٣
وقال ابن حِبّان لمَّا ذكره في ((الثِّقات)): ربّما أخطأ فكان هذا من ذاكَ.
وأمّا رواية معاوية بن سَلّام - وهو بتشديد اللّام - فَوَصَلَها النَّسائيُّ (٤٢٠١) والإسماعيليّ
من رواية مُعمَّر - بالتَّشديد أيضاً - بن يَعمَرَ بفتح أوَّله وسكون المهمَلة، حدَّثنا معاوية بن
سَلَامِ حدَّثنا الزُّهْريّ حَدَّثَني أبو سَلَمَةَ أنَّ أبا هريرةَ، قال .. فذكره.
قوله: ((وقال ابنُ أبي حُسَين وسعيدُ بن زيادٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي سعيدٍ، قولَه)) أي:
وَقَفاه أيضاً، وابنُ أبي حسين: هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين النَّوفَلِيُّ المكِّيّ،
وسعيدُ بن زياد: هو الأنصاريُّ المَدَنيّ من صِغار التّابعين، رَوَى عن جابر، وحديثُه عنه
عند أبي داود والنَّسائيّ، وما لَه راوٍ إلّا سعيد بنُ أبي هلال، وقد قال فيه أبو حاتم الرَّازيُّ:
مجهول، وما لَه في البخاريّ ذِكرٌ إلّا في هذا الموضع.
قوله: ((وقال عُبيد الله بن أبي جعفر: حَدَّثَني صَفْوان، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي أيوب)) أمّا
عُبَيد الله فهو المِصريّ، واسم أبي جعفر: يَسار بتحتائيَّةٍ ومُهمَلة خفيفة، وعُبَيْدُ الله تابعيٌّ
صغير، وقد وَصَلَ هذه الطَّريق النَّسائيُّ (٤٢٠٣) والإسماعيليّ من طريق اللَّيث عن عُبَيد الله
ابن أبي جعفر، حدَّثنا صفوان بن سُلَيم، هو المَدَنيّ، عن أبي سَلَمَةَ عن أبي أيوب الأنصاريّ،
فذكره.
قال الكِرمانيُّ: مُحْصَّل ما ذكره البخاريّ أنَّ الحديث مرفوعٌ من رواية ثلاثة أنفُس من
الصَّحابة. انتهى، وهذا الذي ذكره إنَّما هو بحَسَبٍ صورة الواقعَة، وأمّا على طريقة المحَدِّثينَ
فهو حديثٌ واحد، واختُلِفَ على التّابعيّ في صحابيِّه، فأمّا صَفوان فجَزَمَ بأنَّه عن أبي أيوب،
وأمّا الزُّهْريّ فاختُلِفَ عليه: هل هو أبو سعيدٍ أو أبو هريرةَ، وأمّا الاختلاف في وقفه ورَفعه
فلا تأثيرَ له، لأنَّ مِثله لا يُقال من قِبَل الاجتهاد، فالرِّواية الموقوفَةُ لفظاً مرفوعةٌ حُكماً،
(١) في الأصلين و(س): الفضل، في الموضعين، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا، انظر ((الثقات)) لابن حبان
٩/ ١٨٤، و(تهذيب الكمال)) ٤٢٦/٢٨، و ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٤٠٦/٧.

٣٨٤
باب ٤٣ / ح ٧١٩٩ -٧٢٠١
فتح الباري بشرح البخاري
ويُرجَّحِ كَونَه عن أبي سعيد موافقةُ ابن أبي حسين وسعيدٍ بن زياد لمن قال: عن الزّهْريّ
عن أبي سَلَمَةَ عن أبي سعيد، وإذا لم يَبقَ إلّ الزُّهْرِيّ وصَفوان فالزُّهْرِيُّ أحفَظ من صَفوان
بِدَرَجاتٍ، فمِن ثَمَّ تَظهَر قوَّةُ نَظَر البخاريّ في إشارته إلى تَرجِيح طريق أبي سعيد، فلذلك
ساقَها موصولة، وأورَدَ البَقِيَّة بصيغ التَّعليق إشارةً إلى أنَّ الْخِلَافِ المذكور لا يَقدَح في
صِحَّة الحديث، إمّا على الطَّريقة التي بيَّنتُها من التَّرجيح، وإمّا على تجويز أن يكون الحديث
عند أبي سَلَمَةَ على الأوجُه الثَّلاثة، ومع ذلك فطريق أبي سعيدٍ أرجَح، والله أعلم، ووَجَدتُ
في ((الأدب المفرَد)) (٢٥٦) للبُخاريِّ ما يَتَرَجَّح به رواية أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ، فإنَّه
أخرجه من طريق عبد الملك بن عُمَير عن أبي سَلَمةَ كذلك في آخر حديث طويل(١).
٤٣ - بابٌ كيفَ يُبايعُ الإمامُ الناسَ
٧١٩٩- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني عُبادةُ بنُ
الوليدِ، أخبرني أبي، عن عُبادةَ بنِ الصّامِتِ، قال: بايعْنا رسولَ الله وَّهِ على السَّمْعِ والطّاعةِ، في
المَنشَطِ والمَكرَه.
٧٢٠٠ - وأنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهله، وأن نَقومَ - أو نقولَ - بالحقِّ حَيْثُما كُنّا، لا نَخافُ في الله
لَوْمَةَ لائمٍ.
٧٢٠١ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ ﴾: خَرَجَ
النبيُّوَلَهُ فِي غَداةٍ باردةٍ، والمهاجِرونَ والأنصارُ يَحِفِرونَ الخندَقَ، فقال:
(«اللهُمَّ إِنَّ الخَيرَ نخَيرُ الآخِرَه فاغفِرْ لِلانصارِ والمهاجِرَه))
١٩٣/١٣ فأجابوا:
نحنُ الَّذِينَ بايَعوا محمَّدا على الجهادِ ما بَقِينا أَبَدا
(١) وأخرجه أيضاً من طريق عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد الترمذي في ((الجامع)) (٢٣٦٩)، وفي (الشمائل))
(١٣٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٥٨٣)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٧٢) و(٤٢٩٤)،
والحاكم ١٣١/٤ كما أسلفنا قبل قليل.

٣٨٥
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٢ -٧٢٠٥
كتاب الأحكام
قوله: ((بابٌ كيف يُبايعُ الإمامُ الناسَ)) المراد بالكيفيَّة: الصِّيَغ القوليّة لا الفعليّة، بدلیلِ
ما ذكره فيه من الأحاديث السِّتَّة، وهيَ البيعة على السَّمع والطّاعة، وعلى الهِجْرة، وعلى
الجهاد، وعلى الصَّبر، وعلى عَدَم الفِرار ولو وَقَعَ الموت، وعلى بَيْعة النِّساء، وعلى الإسلام،
وكلُّ ذلك وَقَعَ عندَ البيعةِ بينَهم فيه بالقول.
الحديث الأول: حديث عُبادةَ بن الصّامت: بايعْنا رسولَ الله ◌ِِّ على السَّمْع والطّاعة،
الحديثَ، وقد تقدَّم شرحه في أوائل كتاب الفتن مُستَوفَّى (٧٠٥٥ و٧٠٥٦).
الحديث الثاني: حديث أنس، والمراد منه قوله: نحنُ الذينَ بايعوا محمَّداً على الجهاد ما بَقِينا
أبداً. وقد تقدَّم بأتمَّ ممَّا هنا مشروحاً في غَزْوة الخندق من كتاب المغازي (٤٠٩٩ و٤١٠٠).
٧٢٠٢- حدَّثْنَا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: كَّا إذا بايعْنا رسولَ الله ◌ِوَِّ على السَّمْع والطّاعةِ يقولُ لنا: ((فيما استَطعتُم)».
٧٢٠٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، قال: شَهِدْتُ
ابنَ عمرَ حَيْثُ اجتَمَعَ الناسُ على عبدِ الملِكِ، قال: كَتَبَ: إِنِّي أُقُّ بالسَّمْع والطّاعةِ لعبدِ الله
عبدِ الملِكِ أميرِ المُؤْمنينَ، على سُنّةِ الله وسُنّةِ رسولِه ما استطعتُ، وإنَّ بَنِيَّ قد أقَرُوا بمِثْلِ
ذلك.
[طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢]
٧٢٠٤ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا سَيّارٌ، عن الشّعْبيِّ، عن جَرِیر
ابنِ عبدِ الله، قال: بايعْتُ النبيَّ ◌ََّ على السَّمْعِ والطّاعةِ، فَلَقَّتَي: ((فيما استَطعتُ والنُّصْحِ لكلِّ
مُسلِم)).
٧٢٠٥- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ دِینارٍ،
قال: لمَّا بايعَ الناسُ عبدَ الملِك، كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ عمرَ: إلى عبدِ الله عبدِ الملِكِ أميرِ المُؤْمنينَ،
إِّي أُقِرُّ بِالسَّمْع والطّاعةِ لعبدِ الله عبدِ الملِكِ أميرِ المُؤْمنينَ، على سُنّةِ الله وسُنّةِ رسولِه فيما
استَطعتُ، وإنَّ بَنِيَّ قد أقَرُّوا بذلك.

٣٨٦
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٢ -٧٢٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث: حديث ابن عمر في البيعة على السَّمع والطّاعة، وفيه: يقول لنا: ((فيما
استَطَعْتُم))، ووَقَعَ في رواية المُستَملي والسَّرَخسيّ: ((فيما استَطَعتَ)) بالإفراد، والأوَّل هو
الذي في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٨٢)، وهو يُقَيِّد ما أُطلِقَ في الحديثَينِ قبلَه.
وكذلك حديث جَرير وهو الرَّابع، وسَيّار في السَّند - بفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة -:
هو ابن وَرْدانَ.
وأمّا حديث ابن عمر فذَكَر له طريقاً قبلَ حديث جَرير وآخَرَ بعده، وفيهما معاً: أُقِرُّ
بالسَّمع والطّاعة على سُنَّة الله وسُنَّة رسوله ما استَطَعت، وهو مُنتَزَع من حديثه الأوَّل،
فالثَّلاثة في حُكم حدیثٍ واحد.
وقوله في رواية مُسدّد: عن يحيى - هو القَطّان - أنَّ ابن عمر قال: إنّ أُقِرُّ .. إلى آخره، بيَّن
في رواية عَمرو بن عليٍّ أنَّه كَتَبَ بذلك إلى عبد الملك، ومن ثَمَّ قال في آخره: وإنَّ بنيَّ قد
أَقَرُّوا بذلك، فهو إخبارٌ من ابن عمر عن بنيه بأنَّه سَبَقَ منهم الإقرار المذكور بحَضرَتِهِ،
کتب به ابن عمر إلی عبد الملك.
وقوله: ((قد أقّرّوا بمِثلِ ذلك)) زاد الإسماعيليُّ من طريق بُنْدارٍ عن يحيى بن سعيد
وعبدِ الرَّحمن بن مَهديّ، كلاهما عن سفيان في آخره: ((والسَّلام)).
وقوله في الرِّواية الثّانية: «كَتَبَ إليه عبد الله بن عمر: إلى عبدِ الله عبدِ الملِك أميرِ المُؤْمِنِينَ،
إنِّي أُقِرّ بالسَّمْع والطّاعة ... )) إلى آخره، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر عن سفيان
بلفظ: رأيتُ ابن عمر يَكتُب، وكان إذا كَتَبَ يَكتُب: بسم الله الرَّحمن الرحيم، أمّا بعدُ، فإنّي
أُقِرّ بالسَّمع والطّاعة لعبدِ الله عبد الملك، وقال في آخره أيضاً: والسَّلام.
قال الكِرمانيُّ: قال أوَّلاً: ((إليه))، وثانياً: ((إلى عبد الملِك)) ثمَّ بالعَكسِ وليس تَكراراً،
والثّاني هو المكتوب لا المكتوب إليه، أي: كَتَبَ هذا، وهو إلى عبد الملك، وتقديره: من ابن
عمر إلى عبد الملك.
وقوله: ((حيثُ اجتَمَعَ الناسُ على عبد الملِك)) يريد ابنَ مروان بن الحَكَم، والمراد
بالاجتماع اجتماعُ الكَلِمة، وكانت قبلَ ذلك مُفرَّقة، وكان في الأرض قبلَ ذلك اثنان كلَّ

٣٨٧
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٢ -٧٢٠٥
كتاب الأحكام
منهما يُدْعَى له بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزُّبَير، فأمّا ابن الزُّبَير
فكان أقامَ بمكَّةَ وعاذَ بالبيتِ بعدَ مَوتِ معاوية، وامتَنَعَ من المبايعة ليزيدِ بن معاوية، فجَهَّزَ
إليه يزيد الجيوش مرَّةً بعدَ أُخرى، فماتَ يزيد وجيوشُه مُحاصِرونَ ابن الزُّبَير، ولم يَكُن ابن
الزُّبَيرِ اذَّعَى الخِلافة حتَّى / ماتَ يزيد في رَبيع الأوَّل سنة أربع وستين، فبايعَه الناس بالخلافة ١٩٥/١٣
بالحِجاز، وبايعَ أهلُ الآفاق لمعاويةَ بن يزيد بن معاوية، فلم يَعِش إلّا نحو أربعينَ يوماً
وماتَ، فبايعَ مُعظَمُ الآفاق لعبدِ الله بن الزُّبَيرِ وانتَظَمَ له مُلكُ الحِجازِ واليمنِ ومِصر
والعراقِ والمشرق كلِّه وجميع بلاد الشّام حتَّى دِمَشق، ولم يَتَخلَّف عن بَيْعَته إلّا جميع بني
أُميَّة ومَن يَهَوَى هَواهم، وكانوا يفلسطين، فاجتَمَعوا على مروان بن الحَكَم فبايعوه بالخِلافة.
وخَرَجَ بمَن أطاعَه إلى جِهَة دِمَشق والضَّحّاكُ بنُ قيس قد بايعَ فيها لابنِ الزُّبَيرِ، فاقتَتَلوا
بِمَرِجِ راهط، فقُتِلَ الضَّحّاك وذلك في ذي الحِجَّة منها، وغَلَبَ مروان على الشّام، ثمَّ لمَّا
انتَظَمَ له مُلك الشّام كلِّه تَوجَّهَ إلى مِصر فحاصَرَ بها عبد الرّحمن بن جَحدَر عامل ابن
الزُّبَير حتَّى غَلَبَ عليها في ربيع الآخر سنة خمسٍ وستّين، ثمَّ ماتَ في سَنَتَه، فكانت مُدَّة
مُلكه ستَّة أشهر، وعَهِدَ إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقامَ مَقامَه، وكَمُلَ له مُلكُ الشّام
ومِصر والمغرب، ولابنِ الزُّبَير مُلكُ الحِجاز والعراق والمشرق، إلّا أنَّ المختار بن أبي عُبَيد
غَلَبَ على الكوفة، وكان يَدعو إلى المهديّ من أهل البيت، فأقامَ على ذلك نحو السَّنَتَين، ثمّ
سارَ إليه مُصعَب بن الزُّبَير أمير البصرة لأخيه، فحاصَرَه حتَّى قُتِلَ فِي شَهر رمضان سنة
سبعٍ وستّين، وانتَظَمَ أمر العراق كلِّه لابنِ الزُّبَير، فدامَ ذلك إلى سنة إحدى وسبعين، فسارَ
عبد الملك إلى مُصعَبٍ فقاتَلَه حتَّى قتله في ◌ُادَى الآخرَة منها، ومَلَكَ العراق كلَّه، ولم يَبقَ
مع ابن الزُّبَير إلّ الِحِجاز واليمن فقط، فجَهَّزَ إليه عبد الملك الحجّاجَ فحاصَرَه في سنة
اثنتَيْنِ وسبعينَ إلى أن قُتِلَ عبدُ الله بن الزُّبَير في جُمادَى الأولى سنة ثلاث وسبعينَ.
وكان عبدُ الله بن عمر في تلك المدَّة امتَنَعَ أن يُبايع لابنِ الزُّبَير أو لعبدِ الملِك، كما كان
امتَنَعَ أن يُبابِعِ لعليٍّ أو معاوية، ثمَّ بايعَ لمعاويةَ لمَّا اصطَلَحَ مع الحسن بن عليٍّ واجتَمَعَ عليه
الناس، وبايعَ لابنه يزيد بعدَ مَوت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثمَّ امتَنَعَ من المبايعة لأحدٍ

٣٨٨
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
حالَ الاختلاف إلى أن قُتِلَ ابنُ الزُّبَيرِ وانتَظَمَ الملك كلُّه لعبدِ الملِك، فبايعَ له حينئذٍ، فهذا
معنى قوله: لمَّ اجتَمَعَ الناس على عبد الملِك.
وأخرج يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) من طريق سعيد بن حَربِ العبديِّ قال: بَعَثوا
إلى ابن عمر لمَّ بويِعَ ابن الزُّبَير، فمَذَّ يدَه وهي تَرعُدُ فقال: والله ما كنت لأُعطيَ بَيْعَتي في
فُرْقة، ولا أمنَعها من جماعة، ثمَّ لم يَلْبَث ابن عمر أن تُوُنِّ في تلك السَّنَة بمكَّةَ، وكان
عبد الملك وصَّى الحجّاج أن يَقتَديَ به في مَناسِك الحجّ، كما تقدَّم في كتاب الحجّ (١٦٦٣)،
فدَسَّ الحجّاج عليه الحربة المسمومة، كما تقدَّم بيان ذلك في كتاب العيدَينِ (٩٦٦)، فكان
ذلك سبب موتِه رضي الله عنه.
٧٢٠٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا حاتمٌّ، عن يزيدَ، قال: قلتُ لِسَلَمَةَ: على أيِّ
شيءٍ بايعْتُمُ النبيَّ نَّهِ يومَ الحُدَيِية؟ قال: على الموت.
٧٢٠٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ بنِ أسماءَ، حدَّثنا جوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزُّهْرِيِّ: أنَّ
حُميدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ أخبَرَه، أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخبَرَه: أنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ ولّهم عمرُ
اجْتَمَعوا فَتَشاوروا، فقال لهم عبدُ الرَّحمنِ: لستُ بالذي أُنافِسُكم عن هذا الأمرِ، ولكنَّكم إنْ
شئُمُ اختَرْتُ لكم منكم، فجَعَلوا ذلك إلى عبدِ الرَّحمنِ، فلمَّا ولَّوْا عبدَ الرَّحمنِ أمْرَهم، فمالَ الناسُ
على عبدِ الرَّحمنِ، حتَّى ما أرَى أحداً منَ الناسِ يَتَبَعُ أولئكَ الرَّهْطَ ولا يَطَأُ عَقِبَه، ومالَ الناسُ على
عبدِ الرَّحمنِ يُشاوِرونَه تلكَ اللَّيالي، حتَّى إذا كانت اللَّيلةُ التي أصبَحْنا منها، فبايعْنا عُثمانَ.
قال المِسْوَرُ: طَرَقَني عبدُ الرّحمنِ بعدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فضَرَبَ البابَ حتَّى اسْتَقَظْتُ،
فقال: أراكَ نائماً؟ فوالله ما اكتَحَلْتُ هذه الثّلاثَ بكَثِير نومِ، انطَلِقْ فادعُ ليَ الزُّبَيرَ وسَعْداً،
فَدَعَوْتُهما له، فشاوَرَهما ثمَّ دَعاني، فقال: ادعُ لي عليّاً، فَدَعَوْتُه فناجاه حتَّى ابهارَّ اللَّيْلُ، ثمَّ قامَ
عليٌّ مِن عِنْدِه وهو على طَمَعٍ، وقد كان عبدُ الرَّحمنِ يَخْشَى مِن عليٍّ شيئاً، ثمَّ قال: ادعُ لي عُثمانَ،
١٩٤/١٣ فدَعَوْتُه، فناجاه حتَّى فَرَّقَ بينهما/ المُؤَذِّنُ بالصُّبحِ، فلمَّا صَلَّى للنّاسِ الصُّبْحَ، واجتَمَعَ أولئكَ
الرَّهْطُ عندَ الِيرِ، فأرسَلَ إلى مَن كان حاضراً منَ المهاجِرِينَ والأنصار، وأرسَلَ إلى أُمراءٍ

٣٨٩
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
كتاب الأحكام
الأجنادٍ، وكانوا وافَوْا تلكَ الحجّةَ مع عمرَ، فلمَّا اجتَمَعوا تَشَهَّدَ عبدُ الرَّحمنِ، ثمَّ قال: أمّا
بَعْدُ، يا عليٌّ إنّي قد نَظَرْتُ في أمرِ الناسِ، فلم أرَهُم يَعْدِلونَ بِعُثمانَ، فلا تَجَعَلَنَّ على نفسِكَ
سَبيلاً، فقال عبدُ الرحمن: أُبَايِعُكَ على سُنّةِ الله وسُنّةِ رسولِه، والخَلِيفَتَينِ مِن بعدِه، فبايعَه
عبدُ الرَّحمنِ، وبايعَه الناسُ: المهاجِرونَ والأنصارُ وأُمراءُ الأجنادِ والمسلمونَ.
الحديث الخامس: حديث سَلَمةَ في المبايعة على الموت، ذكره مُختصَراً، وقد تقدَّم بتمامه
في كتاب الجهاد في ((باب البيعة على الحربِ أن لا يَفِرّوا)) (٢٩٦٠).
الحديث السادس: قوله: ((حَدَّثَنَا جوَيْرية)) بالجيم مُصغَّر جارية: هو ابن أسماء الضُّبَعيُّ،
وهو عَمُّ عبد الله بن محمّد بن أسماء الرَّاوي عنه.
قوله: ((أنَّ الرَّهْطِ الذينَ ولّاهم عمر)) أي: عَيِّنَهم فَجَعَلَ الخِلافة شورَى بينَهم، أي:
ولّاهم التَّشاور فيمَن يُعقَدُ له الخِلافة منهم، وقد تقدَّم بيان ذلك مُفصَّلاً في (مناقب
عثمان)) في الحديث الطَّويل الذي أورَدَه من طريق عمرو بن ميمون الأوديِّ أحدٍ كِبار
التّابعينَ في ذِكر قَتل عمر (٣٧٠٠)، وقولهم لعمرَ - لمَّا طَعَنَه أبو لُؤْلُؤَة -: استَخلِف. فقال:
ما أحدٌ أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاءِ الرَّهط، فسَمَّى: عليّاً وعثمان والزُّبَير وطَلحَة وسعداً
وعبد الرَّحمن، وفيه: فلمَّا فُرِغَ من دَفنه اجتَمَعَ هؤلاءِ الرَّهط.
وأورَدَه الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق سعيد بن عامر عن جويرية مُطوَّلاً،
وأوَّله عنده: لمَّا طُعِنَ عمر قيل له: استَخلِف. قال: وقد رأيتُ من حِرصِهم ما رأيت، إلى أن
قال: هذا الأمر بينَ ستَّة رَهطِ من قُرَيش، فذكرهم وبَدَأ بعثمانَ، ثمَّ قال: وعليّ وعبد الرَّحمن
ابن عَوف والزّبَير وسعد بن أبي وقّاص، وانتَظِروا أخاكم/ ◌َلَحَة ثلاثاً، فإن قَدِمَ فيهنَّ فهو ١٩٦/١٣
شَرِيكُهم في الأمر. وقال: إنَّ الناس لن يَعدُوكم أيّها الثَّلاثة، فإن كنتَ يا عثمانُ في شيءٍ من أمر
الناس فَاتَّقِ الله، ولا تَحمِلَنَّ بني أُمَّة وبني أبي مُعَيطٍ على رِقاب الناس، وإن كنتَ يا عليٌّ فاتَّقِ
الله ولا تَحمِلَنَّ بني هاشم على رِقاب الناس، وإن كنت يا عبدَ الرّحمن فاتَّقِ الله ولا تَحمِلَنَّ
أقاربك على رقاب الناس، قال: ويَتَّبَع الأقلّ الأكثرِ، ومَن تَأْمَّرَ من غير أن يُؤَمَّر فاقتلوه.

٣٩٠
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال الدّارَ قُطنيُّ: أغرَبَ سعيد بن عامر عن جويرية بهذه الألفاظ، وقد رواه عبد الله
ابن محمّد بن أسماء عن عمّه، فلم يَذكُرها - يشير إلى رواية البخاريّ - قال: وتابَعَ عبدَ الله
ابنَ محمَّدٍ إبراهيمُ بن ◌َهمانَ وسعيدٌ الزُّبيري(١) وحبيب(٢) ثلاثتهم عن مالك. قلت: وساقَ
الثَّلاثة، لكنَّ رواية حبيب مُختصَرة، والآخَرينَ موافقَتان لروايةِ عبد الله بن محمَّد بن أسماء.
وقد أخرج ابن سعد (٣/ ٣٤٤) بسَنَدٍ صحيح من طريق الزّهْريّ عن سالم عن ابن عمر
قال: دَخَلَ الرَّهط على عمر قبلَ أن يَنزِل به، فسَمَّى السِّنَّة. فذكر قصَّة، إلى أن قال: فإنَّما
الأمر إلى ستَّة: إلى عبد الرَّحمن وعثمان وعليٍّ والزُّبَير وطَلحَة وسعد، وكان طَلحَة غائباً في
أمواله بالسَّراة. وهو بفتح المهمَلة وراء خفيفة: بلاد مَعروفَة بينَ الحِجاز والشّام، فبَدَأ في
هذا بعبدِ الرَّحمن قبل الجميع، وبعثمانَ قبلَ عليّ، فدَلَّ على أنَّه في السّياق الأوَّل لم يَقصِد
التَّرتیب.
قوله: ((فقال لهم عبد الرّحمن ... )) إلى آخره، تقدَّم بيانُ ذلك في ((مناقب عثمان)) بأتمَّ من
سياقه، وفيه ما يَدُلّ على حضور طَلحَة، وأنَّ سعداً جعَلَ أمره إلى عبد الرَّحمن، والُّبَير إلى
عليّ، وطَلحَة إلى عثمان، وفيه قول عبد الرّحمن: أيّكم يَبرَأ من هذا الأمر ويكون له الاختيار
فیمَن بَقِيَ؟ فاتَّفَقوا عليه، فتَرؤَّ ى بعد ذلك في عثمان أو عليّ.
وقوله: ((أُنافِسُكم)) بالنّونِ والفاء والمهمَلة، أي: أُنازِعكم فيه، إذ ليس لي في الاستقلال
في الخِلافة رَغْبة.
وقوله: ((عن هذا الأمر)) أي: من جِهَته ولأجلِه، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: على، بَدَل عن،
وهي أو جه.
قوله: ((فلمَّا وَلَّوْا عبدَ الرَّحمن أمْرَهم)) يعني: أمرَ الاختيار منهم.
(١) وهو سعيد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن الزبير بن العوام الزبيري، وثقه الدارقطني. انظر ((سؤالات
السلمي للدار قطني)) (١٧٥)، وانظر ترجمته في ((تاريخ دمشق)) ١/ ١٩١.
(٢) وهو حبيب بن أبي حبيب الحنفي كاتب مالك بن أنس، من رجال ((التقريب))، قال الحافظ: متروك،
کذبه أبو داود وجماعة.

٣٩١
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
كتاب الأحكام
قوله: «فمالَ الناس)) في رواية سعيد بن عامر: فانثالَ الناس، وهي بنونٍ ومُثلَّثة، أي: قَصَدوه
كلَّهم شيئاً بعدَ شيء، وأصل النَّثل الصَّبّ، يُقال: نَثَلَ كِنانَته، أي: صَبَّ ما فيها من السِّهام.
قوله: ((ولا يَطَأْ عَقِبَه)) بفتح العين وكسر القاف بعدَها موخَّدة، أي: يَمشي خَلفَه، وهي
كِناية عن الإعراض.
قوله: ((ومالَ الناس على عبد الرَّحمن)» أعادَها لبيان سبب المَيل وهو قوله: يُشاوِرونَه
تلك اللَّيالي، زاد الزُّبَيديّ في روايته عن الزُّهْريّ: يُشاوِرونَه ويُناجونَه تلك اللَّيالي، لا تخلو
به رجلٌ ذو رأي فيَعدِلُ بعثمانَ أحداً.
قوله: ((بعدَ هَجْع)) بفتح الهاء وسكون الجيم بعدَها عَين مُهمَلة، أي: بعد طائفةٍ من
اللَّيل، يُقال: لَقيتُه بعد هَجْع من اللَّيل، كما تقول: بعد هَجْعَة، والهَجْع والهَجعَة والهَجيع
والهُجوع بمعنّى، وقد أخرجه البخاريّ في ((التّاريخ الصَّغير))(١) من طريق يونس عن الزُّهْريّ
بلفظ: بعدَ هَجِیع، بوَزنٍ عظيمٍ.
قوله: ((فوالله ما اكتَحَلْتُ هذه الثَّلاث)) كذا للأكثَرِ، وللمُستَملي: اللَّيلة، ويُؤيِّد الأوَّل
قولُه في رواية سعيد بن عامر: والله ما حَمَلتُ فيهما غُمْضاً منذُ ثلاث، وفي رواية إبراهيم بن
طَهمانَ عند الإسماعيليّ: في هذه اللَّيالي.
وقوله: ((بكثيرِ نوم)) بالمثلَّثةِ وبالموحّدةِ أيضاً، وهو مُشعِر بأنَّه لم يَستَوعِب اللَّيل سَهَراً،
بل نامَ لكن يسيراً مِنه، والاكتِحال كِناية عن دخول الثَّوم جَفنَ العين كما يَدخُلها الكُحل،
ووَقَعَ في رواية يونس: ما ذاقَت عَيناي كثير نَوم.
قوله: ((فادعُ لي الزُّبَيرِ وسَعْداً، فَدَعَوْتهما له، فشاوَرَهما)» في رواية المستَمليّ: فسارَّهما، بمُهمَلةٍ
وتشديد الرَّاء، ولم أرَ في هذه الرّواية لطَلحَةَ ذِكراً، فلعلَّه كان شاوَرَه قبلَهما.
قوله: ((حتَّى إبهارَّ اللَّيل)) بالموخَّدةِ ساكنة وتشديد الَّاء، ومعناه: انتَصَفَ، وبَهْرة كلٌّ
شيء: وسَطُه، وقيل: مُعظَمه، وقد تقدَّم القول فيه في كتاب الصلاة (٥٦٧)، زاد سعيد بن
(١) وهو في ((التاريخ الأوسط)) أيضاً برقم (١٥٦).

٣٩٢
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٩٧/١٣ عامر في روايتِهِ: فجَعَلَ يُناجيه تَرتَفِع أصواتُهما أحياناً فلا يَخْفَى عليّ/ شيءٌ مَّا يقولان،
ويُحُفيان أحياناً.
قوله: ((ثُمَّ قامَ عليٌّ من عِنْده وهو على طَمَع)) أي: أن يوَلّيَه.
وقوله: ((وقد كان عبد الرَّحمن يَخْشَى من عليٍّ شيئاً) قال ابن هُبِيرةَ: أظُنّه أشارَ إلى الدُّعابة(١)
التي كانت في عليٍّ أو نحوها، ولا يجوز أن يُحِمَل على أنَّ عبد الرَّحمن خافَ من عليٍّ على نفسه.
قلت: والذي يَظهَر لي أنَّه خافَ إن بايعَ لغيرِه أن لا يُطاوِعه، وإلى ذلك الإشارة بقولِه فيما
بعدُ: فلا تَجعَل على نفسك سبيلاً، ووَقَعَ في رواية سعيد بن عامر: فأصبحنا وما أُراه يُبابَع
إلّا لعليٍّ، يعني: مَّا ظَهَرَ له من قَرائنِ تقديمه.
قوله: ((ثمَّ قال: ادعُ لي عُثمان)) ظاهرٌ في أنَّه تَكلَّمَ مع عليٍّ في تلك الليلة قبلَ عثمان،
ووَفَعَ في رواية سعيد بن عامر عَكس ذلك، وأنَّه قال له أوَّلاً: اذهب فادعُ عثمان، وفيه:
فخَلا به، وفيه: لا أفهم من قولهما شيئاً، فإمّا أن تكون إحدى الرِّوايتَينِ وهماً، وإمّا أن
يكون ذلك تَكَرَّرَ منه في تلك اللَّيلة، فمرَّة بَدَأ بهذا ومرَّة بَدَأ بهذا.
قوله: ((وأرسَلَ إلى أُمراء الأجناد وكانوا وافَوْا تلكَ الحجَّةَ مع عمر)) أي: قَدِموا إلى مكَّة فحَجّوا
مع عمر ورافَقوه إلى المدينة، وهم معاويةُ أمير الشّام، وعُمَير بنُ سعد أمير حمص، والمغيرة
ابن شُعْبة أمير الكوفَة، وأبو موسى الأشعريّ أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مِصرَ.
قوله: ((فلمَّا اجْتَمَعوا تَشَهَّدَ عبد الرَّحمن» وفي رواية إبراهيم بن طَهمانَ: جَلَسَ عبد الرَّحمن
على المِنْبَرَ، وفي رواية سعيد بن عامر: فلما صَلَّى صُهَيبٌ بالناسِ صلاة الصُّبح، جاءَ عبد الرَّحمن
يَتَخَطَّى حتَّى صَعِدَ المِنْبَر، فجاءَه رسول سعدٍ يقول لعبدِ الرَّحمن: ارفَع رَأْسَك، وانظُر
لأُمَّةِ محمَّدٍ وبايع لنفسِك.
قوله: ((أمّا بَعْدُ)) زاد سعيد بن عامر: فأعلَنَ عبد الرَّحمن، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال:
أمّا بعدُ ((يا عليّ إنّ نَظَرتُ في أمر الناس فلم أرَهم يَعدِلونَ بعثمانَ)) أي: لا يجعلونَ له مُساوياً،
بل يُرَجِّحونَه.
(١) تصحفت في (س) إلى: الدعاية.

٣٩٣
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
كتاب الأحكام
قوله: ((فلا تَجَعَلَنَّ على نفسك سبيلاً)) أي: من الملامَة إذا لم توافق الجماعة، وهذا ظاهر في أنَّ
عبد الرّحمن لم يَتَردَّد عندَ البيعة في عثمانَ، لكن قد تقدَّم في رواية عمرو بن ميمون التَّصريح
بأنَّه بَدَأ بعليٍّ فأخَذَ بَيَدِه فقال: لك قَرابةٌ من رسول الله وَّةَ، والقَدَمُ في الإسلام ما قد
عَلِمت، والله عليك لَئِن أمَّرتُّك لَتَعْدِلَنَّ، ولَئِن أمَّرتُ عثمان لَتَسمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثمَّ خَلا
بالآخرِ فقال له مثل ذلك، فلمَّا أخذَ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبایعَه وبايعَ له عليّ.
وطريق الجمع بينهما أنَّ عَمرو بن مَيمون حَفِظَ ما لم يَحَفَظه الآخَر، ويحتمل أن يكون
الآخَر حَفِظَه لكن طَوَى بعضُ الزُّواة ذِكرَه، ويحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ في اللَّيل لمَّا تَكلَّمَ
معهما واحداً بعدَ واحد، فأخَذَ على كلٍّ منهما العَهد والميثاق، فلمَّا أصبَحَ عَرَضَ على عليٍّ فلم
يوافقه على بعض الشُّروط، وعَرَضَ على عثمان فقَبِلَ، ويُؤيِّده رواية عاصم بن بَهَدَلة عن أبي
وائل قال: قلت لعبدِ الرَّحمن بن عَوف: كيف بايعتُم عثمان وتَرَكتُم عليّاً؟ فقال: ما ذَنْبي؟
بَدَأْتُ بعليٌّ فقلت له: أُبابِعك على كتاب الله وسُنَّة رسوله وسيرة أبي بكرٍ وعمر، فقال: فيما
استَطَعت، وعَرَضتُها على عثمان فقَبِلَ. أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسند)) (٥٥٧)
عن سفيان بن وكيع [عن قبيصة](١) عن أبي بكر بن عيَّاش عنه، وسفيانُ بن وكيع ضعيف.
وقد أخرج أحمد (٤٩٠ و٥٥٦) من طريق زائدة عن عاصمٍ عن أبي وائلٍ قال: قال الوليد
ابن عُقبةَ لعبدِ الرَّحمن بن عَوف: ما لك جَفَوتَ أمير المؤمنين؟ يعني: عثمان، فذكر قصَّةً،
وفيها قولُ عثمان: وأمّا قوله: سيرة عمر، فإنّي لا أُطيقها ولا هو. وفي هذا إشارة إلى أنَّه بايعَه
على أن يسيرَ سيرةَ عمر، فعاتَبَه على تركها، ويُمكِن أن يؤخذ من هذا ضَعفُ رواية سفيان
ابن وكيع إذ لو كان استَخلَفَ بشَرطِ أن يسير بسيرةٍ عمر، لم يَكُن ما أجابَ به عُذراً في التَّرك.
قال ابن التِّين: وإنَّما قال لعليِّ ذلك دونَ مَن سِواه، لأنَّ غيره لم يَكُن يَطمَع في الخِلافة
مع وجوده ووجود عثمان، وسكوتُ مَن حَضَرَ من أهل الشّورَى والمهاجِرِينَ والأنصار
وأُمراء الأجناد دليلٌ على تصديقهم عبدَ الرَّحمن فيما قال، وعلى الرِّضا بعثمانَ.
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من ((مسند أحمد)).

٣٩٤
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٩٨/١٣ قلت: وقد أخرج ابن أبي / شَيْبة (٥٨٨/١٤) من طريق حارثة بن مُضرِّب قال: حَجَجتُ
في خِلَافة عمر فلم أرَهم يَشُكّونَ أَنَّ الخليفة بعدَه عثمان(١).
وأخرج يعقوب بن شَبَّة في ((مُسنَده)) من طريقٍ صحيح إلى حُذَيفة قال: قال لي عمر:
مَن تَرَى قومك يُؤَمِّرُونَ بعدي؟ قال: قلت: قد نَظَرَ الناس إلى عثمان وشَهَروه لها.
وأخرج البَغَويُّ في ((مُعجَمه)) وخَيْثَمة في ((فضائل الصَّحابة)) بسَنَدٍ صحيح عن حارثَة
ابن مُضَرِّب: حَجَجتُ مع عمر، فكان الحادي يَحدو أنَّ الأمير بعدَه عثمان بن عَفّانَ(٢).
قوله: ((فقال عبد الرَّحمن)) أي: مُخَاطِياً لعثمانَ: ((أُبَايِعك على سُنَّةَ الله وسُنَّةَ رسوله والخليفَتَينِ
من بعدِه، فبايعَه عبد الَّحمن)» في الكلام حذف تقديره: فقال: نَعَم، فبایعَه عبد الرَّحمن.
وأخرج الذُّهلِيُّ في ((الزُّهْريّات)) وابن عساكر(٣) في ترجمة عثمان (٣٩/ ١٩٤) من طريقه ثمَّ
من رواية عمران بن عبد العزيز عن محمّد بن عبد العزيز بن عمر الزُّهْريّ عن الزُّهْريّ عن
عبد الرّحمن بن المِسوَر بن ◌َخَرَمَةَ عن أبيه قال: كنت أعلمَ الناس بأمرِ الشّورَى؛ لأنّي كنت
رسولَ عبد الرَّحمن بن عَوف، فذكر القصَّة، وفي آخره: فقال: هل أنتَ يا عليّ مُبابِعي إن
وَيُك هذا الأمر على سُنَّة الله وسُنَّة رسوله وسُنَّة الماضِيَينِ قبلُ؟ قال: لا، ولكن على طاقتي،
فأعادَها ثلاثاً. فقال عثمان: أنا يا أبا محمَّد أُبَايِعُك على ذلك، قالها ثلاثاً، فقامَ عبد الرّحمن
واعتَمَّ وَلَبِسَ السَّيف، فدَخَلَ المسجد ثمَّ رَقِيَ المِنبَرَ فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ أشارَ إلى عثمان
فبايعَه، فعَرَفتُ أنَّ خالي أشكَلَ عليه أمرُهما، فأعطاه أحدُهما وثيقةً ومَنَعَه الآخَر إيّاها.
واستُدِلَّ بهذه القصَّة الأخيرة على جواز تقليد المجتَهِد، وأنَّ عثمان وعبد الرَّحمن كانا
يَرَيان ذلك، بخِلَاف عليٍّ، وأجابَ مَن مَنَعَه وهم الجُمهور: بأنَّ المراد بالسّيرةِ ما يَتَعلَّق
(١) وأخرجه أيضاً أبو نعيم الأصبهاني في ((الإمامة والرد على الرافضة)) (١٠٨)، وفي ((تثبيت الإمامة وترتيب
الخلافة)) (١٠٥).
(٢) وأخرجه أيضاً أحمد بن حنبل في ((فضائل الصحابة)) (٨٠٢)، وابن شبّة في ((تاريخ المدينة)) ص٩٣٢ -٩٣٣،
وعبد الله بن أحمد في «فضائل عثمان)) (٩٣)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (٢٥٥٤).
(٣) وأخرجه أيضاً اللالكائي (٢٥٤٩).

٣٩٥
باب ٤٣ / ح ٧٢٠٦ -٧٢٠٧
كتاب الأحكام
بالعَدلِ ونحوه لا التَّقليد في الأحكام الشَّرعيَّة. وإذا فرَّعنا على جواز تَجَزُّؤِ الاجتهاد احتَمَلَ
أن يُراد بالاقتداءِ بهما فيما لم يَظهَر للّابع فيه الاجتهاد، فيَعمَل بقولهِما للضَّرورَة.
قال الطَّبَرَيُّ: لم يَكُن في أهل الإسلام أحدٌ له من المَنزِلة في الدّين والهِجْرة والسّابقة
والعَقل والعِلم والمعرِفَة بالسّياسَةِ ما للسِّتَّة الذينَ جَعَلَ عمرُ الأمرَ شورَى بينَهم، فإن
قيل: كان بعض هؤلاءِ السَِّّة أفضلَ من بعض، وكان رَأيُ عمر أنَّ الأحقّ بالخِلافة أرضاهم
دِيناً، وأنَّه لا تَصِحّ ولاية المَفضول مع وجود الفاضل، فالجواب أنَّه لو صَرَّحَ بالأفضلِ منهم
لكان قد نَصَّ على استِخلافه، وهو قَصَدَ أن لا يَتَقَلَّد العُهدَة في ذلك، فجعلها في ستَّة مُتَقَاربينَ
في الفَضل، لأنَّه يَتَحقَّق أنَّهم لا يَجَتَمِعونَ على تَولية المَفضول، ولا يَألونَ المسلمين نُصحاً
فِي النَّظَر والشّورَى، وأنَّ المَفضول منهم لا يَتقدَّم على الفاضل، ولا يتكلّم في مَنِزِلةٍ وغيرُه
أحقُّ بها منه، وعلمَ رِضا الأُمَّة بمَن رَضِيَ به السَِّّة.
ويُؤخَذ منه بُطلان قول الرَّافضَة وغيرهم: أنَّ النَّبِيّ وََّ نَصَّ على أنَّ الإمامة في أشخاص
بأعيانهم، إذ لو كان كذلك لمَا أطاعوا عمرَ في جَعْلها شورَى، ولَقال قائلٌ منهم: ما وجه
التَّشاور في أمر كُفيناه ببيان الله لنا على لسان رسولِه؟ ففي رِضا الجميع بما أمَرَهم به دليلٌ
على أنَّ الذي كان عندَهم من العَهد في الإمامة أو صافٌ، مَن وُجِدَت فيه استَحقَّها، وإدراكُها
يقع بالاجتهاد.
وفيه أنَّ الجماعة المَوثوق بديانَتِهِم إذا عَقَدوا عَقد الخلافة لشخصٍ بعد التَّشاور والاجتهاد
لم يَكُن لغيرِهِم أن يَحِلّ ذلك العَقد، إذ لو كان العَقد لا يَصِحُّ إلّا باجتماع الجميع، لَقال
قائل: لا معنى لتَخصيصِ هؤلاءِ السَِّّة، فلمَّا لم يَعتَرِض منهم مُعتَرِض بل رَضوا وبايعوا،
دَلَّ ذلك على صِحَّة ما قُلناه، انتهى ملخَّصاً من كتاب ابن بَطّال.
ويَتَحَصَّل منه جوابُ مَن ظنَّ أنَّه يَلزَم منه أنَّ عمر كان يَرَى جواز ولاية المَفضول
مع وجود الفاضل، والذي يَظهَر من سيرة عمر في أُمرائه الذينَ كان يُؤَمِّرهم في البلاد أنَّه
كان لا يُراعي الأفضل في الدِّين فقط، بل يَضُمُّ إليه مزيدَ المعرِفَة بالسّياسَةِ مع اجتناب ما

٣٩٦
باب ٤٤ / ح ٧٢٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
يُخَالِف الشَّرع منها، فلأجلِ هذا استَخلَفَ معاوية والمغيرة بن شُعْبة وعمرو بن العاص،
١٩٩/١٣ مع وجود مَن هو أفضل من كلُّ منهم في أمر الدِّين والعِلم،/ كأبي الدَّرداء في الشّام وابن
مسعود في الكوفة.
وفيه أنَّ الشُّرَكاء في الشيء إذا وَقَعَ بينَهم التَّنَازُع في أمرٍ من الأُمور يُسنِدونَ أمرهم إلى
واحدٍ ليَختارَ لهم بعدَ أن يُخْرِج نفسه من ذلك الأمر. وفيه أنَّ مَن أُسنِدَ إليه ذلك يَذُل
وُسْعه في الاختيار، ويهجُر أهله ولیله اهتماماً بما هو فيه حتَّى يُكمِله.
وقال ابن المنيِر: في الحديث دليلٌ على أنَّ الوكيل المفَوَّض له أن يوَكِّل وإن لم يُنَصّ له
على ذلك، لأنَّ الخمسة أسنَدوا الأمر لعبدِ الرَّحمن وأفرَدوه به فاستَقَّلَّ، مع أنَّ عمر لم يَنُصّ
لهم على الانفِراد، قال: وفيه تقويةٌ لقولِ الشافعيّ: في المسألة الفلانيَّة قولان - أي: انخَصَرَ
الحقّ عندي فيهما - وأنا في مُهلة النَّظَر في التَّعيين. وفيه أنَّ إحداث قولٍ زائدٍ على ما أُجمعَ
عليه لا يجوز، وهو كإحداثِ سابع في أهل الشّورَى، قال: وفي تَأخير عبد الرّحمن مُؤامَرَةً
عثمانَ عن مُؤامَرَة عليٍّ سياسَةٌ حسنَة، مُنتَزَعَة من تَأخير يوسف تفتيش رَحْل أخيه في قصَّة
الصّاعِ، إبعاداً للتُّهمَة وتغطيةً للحَدْس، لأنَّه رأى أن لا يَنكَشِف اختيارُه لعثمانَ قبلَ وقوع
البيعة.
٤٤- باب مَن بابعَ مرَّتَيْنِ
٧٢٠٨ - حدّثنا أبو عاصم، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ، قال: بايَعْنا النبيَّ ◌َلِّ تحتَ
الشَّجَرةِ، فقال لي: ((يا سَلَمةُ، ألا تُبَايِعُ؟)) قلتُ: يا رسولَ الله، قد بايَعْتُ في الأوَّلِ، قال: ((وفي
الثّاني)).
قوله: ((باب مَن بايعَ مرَّتَينٍ)) أي: في حالةٍ واحدة.
قوله: ((عن سَلَمةَ)) تقدَّم في ((باب البيعة في الحرب)) من كتاب الجهاد (٢٩٦٠) من رواية
المكِّيّ بن إبراهيم، حدَّثنا يزيد بن أبي عُبَيد عن سَلَمةَ، بأتمَّ من هذا السّياق، وفيه: بايعتُ
النَّبِيّ ◌َهِثُمَّ عَدَلتُ إلى ظِلّ شَجَرَة، فلمَّا خَفَّ الناس قال: ((يا ابن الأكوَع ألا تُبايع؟)).

٣٩٧
باب ٤٥ / ح ٧٢٠٩
كتاب الأحكام
قوله: ((قد بايعتُ في الأوَّل، قال: وفي الثّاني)) والمراد بذلك الوَقت، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ:
في الأولى، بالتَّأنيثِ قال: ((وفي الثّانية)) والمراد: السّاعة أو الطّائفة، ووَقَعَ في رواية مَكّ:
فقلت: قد بايعتُ يا رسول الله، قال: ((وأيضاً) فبايعتُه الثّانية، وزاد: فقلت له: يا أبا مسلم
على أيّ شيءٍ كنتُم تُبَايِعونَ يومَئذٍ؟ قال: على الموت. وقد تقدَّم البحث في ذلك هناك، وقال
المهلَّب فيما ذكره ابن بَطّال: أرادَ أن يُؤَكِّد بَيْعة سَلَمَةَ لِعِلمِه بشَجاعَتِه وغَنَائِه(١) في الإسلام
وشُهِرَته بالثَّبات، فلذلك أمَرَه بتكريرِ المبايعة ليكونَ له في ذلك فضيلة.
قلت: ويحتَمل أن يكون سَلَمةُ لمَّا بادَرَ إلى المبايعة ثمَّ قَعَدَ قريباً، واستَمَرَّ الناس
يُبَايِعونَ إلى أن خَفّوا، أرادَ وَ ◌ّهِ منه أن يُبَايِعِ لتَتَوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تَخْلُّل، لأنَّ
العادة في مَبدَأ كلِّ أمرٍ أن يَكثُر مَن يُباشِره فيَتَوالى، فإذا تَناهَى قد يقع بينَ مَن يَجيء آخِراً
تَخُلُّل، ولا يَلزَم من ذلك اختصاصُ سَلَمَةَ بما ذُكِرَ، والواقع أنَّ الذي أشارَ إليه ابن بَطّال
من حال سَلَمَةَ في الشَّجاعة وغيرها لم يَكُن ظَهَرَ بعدُ، لأنَّه إنَّما وَقَعَ منه بعد ذلك في غَزْوة
ذي فَرَد، حيثُ استَعادَ السَّرح الذي كان المشركون أغاروا علیه فاستلَبَ ثيابهم، وكان آخر
أمره أن أسهَمَ له النَّبِيُّ وَّهِسَهم الفارس والرَّاجل، فالأولى أن يُقال: تَفرَّسَ فيه النَّبيَُّ
صَلىالله
وَسام
ذلك فبايعَه مرَّتَين، وأشارَ بذلك إلى أنَّه سيقومُ في الحرب مَقام رجلَین، فكان كذلك.
وقال ابن المنيِر: يُستَفاد من هذا الحديث أنَّ إعادة لفظ العقد في النِّكاح وغيره ليس
فسخاً للعَقدِ الأوَّل، خِلَافاً لمن زَعَمَ ذلك من الشافعيَّة. قلت: الصَّحيح عندهم أنَّه لا
یکونُ فسخاً، كما قال الجمهور.
٢٠٠/١٣
٤٥ - باب بَيْعة الأعراب
٧٢٠٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن محمَّدِ بنِ المُنكَرِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
رضي الله عنهما: أنَّ أعرابيّاً بايعَ رسولَ الله ◌ِّهِ على الإسلامِ، فأصابَه وعْكٌ، فقال: أَقِلْني
بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثمَّ جاءَه، فقال: أقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأبَى فخَرَجَ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((المدينةُ كالكِيرِ
تَنْفِي خَبَثَها، وتَنْصَعُ طَيِّبَها)).
(١) تصحفت في (س) إلى: وعنائه.

٣٩٨
باب ٤٥ / ح ٧٢٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابُ بَيْعة الأعراب)) أي: مُبايعَتهم على الإسلام والجهاد.
قوله: ((أنَّ أعرابيّا) تقدَّم التَّنبيه على اسمه في فضل المدينة، أواخرَ الحجّ (١٨٨٣).
قوله: ((على الإسلام)) ظاهرٌ في أنَّ طَلَبه الإقالة كان فيما يَتَعلَّق بنفسِ الإسلام، ويحتمل
أن يكون في شيءٍ من عَوارضِه كالهِجْرة، وكانت في ذلك الوَقت واجبة، ووَقَعَ الوَعيد على
مَن رَجَعَ أعرابيّاً بعدَ هِجرَته، كما تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً.
و((الوَعْك)) بفتح الواو وسكون المهمَلة وقد تُفْتَح، بعدَها كاف: الحُمَّى، وقيل: ألَمُها،
وقيل: إرعادُها. وقال الأصمعيّ: أصله شِدَّة الحرّ، فأُطلِقَ على حَرّ الحُمَّى وشِدَّتها.
قوله: ((أُقِلْنِي بَيْعَتِي، فأبَى)) تقدَّم في فضل المدينة من رواية الثَّوريّ عن ابن المنكَدِر أنَّه
أعاد ذلك ثلاثاً، و کذا سيأتي بعدَ باب.
قوله: ((فخَرَجَ)) أي: من المدينة راجعاً إلى البدو.
قوله: ((المدينة كالكيرِ ... )) إلى آخره، ذكر عبدُ الغنيّ بنُ سعيد في كتاب ((الأسباب)) له
عند ذكر حديث: ((المدينة تَنَفي الخَبَث كما تَنفي النارُ خَبَث الحديد)) أنَّ النَّبِيّ ◌َلِ﴿ قاله في
هذه القصَّة، وفيه نَظَر، والأشبَه أنَّه قالَه في قصَّة الذينَ رجعوا عن القتال معه يومَ أُحُد، كما
تقدَّم بيان ذلك في غَزْوة أُحُد من كتاب المغازي (٤٠٥٠).
قوله: ((تَنْفِي)) بفتح أوَّلِهِ ((خَبَتها)» بمُعجَمةٍ وموخَّدة مفتوحَتَين.
قوله: ((وتَنْصَع)» تقدَّم ضبطه في فضل المدينة وبيان الاختلاف فيه.
قال ابن التِّين: إنَّما امتَنَعَ النَّبيُّ ◌َ له من إقالته لأنَّه لا يُعين على معصية، لأنَّ البيعة في
أوَّل الأمر كانت على أن لا يَخْرُج من المدينة إلّا بإذنٍ، فخروجه عِصيان. قال: وكانت
الهِجْرة إلى المدينة فرضاً قبلَ فتح مكَّة على كلِّ مَن أسلَمَ، ومَن لم يُهاجِر لم يَكُن بينَه وبينَ
المؤمنينَ موالاة، لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حََّى
يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلمَّا فُتِحَت مكَّة قال ◌َِّ: ((لا هِجَرَةَ بعدَ الفَتح)»(١)، ففي هذا إشعار
بأنَّ مُبايعة الأعرابيّ المذكور كانت قبلَ الفَتح.
(١) تقدم عند البخاري برقم (٢٧٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٣٩٩
باب ٤٦ / ح ٧٢١٠
كتاب الأحكام
وقال ابن المنيِر: ظاهر الحديث ذَمّ مَن خَرَجَ من المدينة، وهو مُشكِل، فقد خَرَجَ منها
جمعٌ كثير من الصَّحابة وسَكَنوا غيرَها من البلاد، وكذا مَن بعدَهم من الفُضلاء. والجواب
أنَّ المذموم مَن خَرَجَ عنها كَرَاهَةً فيها ورَغبةً عنها، كما فعل الأعرابيّ المذكور، وأمّا المشار
إليهم فإنَّما خَرَجوا لمَقاصدَ صحيحَة؛ كَنَشِرِ العِلم وفتح بلاد الشِّرك، والمرابَطَة في الثُّغور،
وجِهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقادِ فضلِ المدينة وفَضل سكناها، وسيأتي شيءٌ من
هذا في كتاب الاعتصام (٧٣٢٢) إن شاءَ الله تعالى.
٤٦- باب بَيْعةِ الصَّغیر
٧٢١٠ - حدَّثْنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا سعيدٌ، هو ابنُ أبي أيوبَ،
قال: حدَّثني أبو عَقِيلِ زُهْرةُ بنُ مَعبَدٍ، عن جَدِّه عبدِ الله بنِ هشامٍ، وكان قد أدرَكَ النبيَّ ◌َِّ،
وَذهَبَتْ به أمُّه زينبُ ابنة مُميدٍ إلى رسولِ اللهِوَلِّ، فقالت: يا رسولَ الله، بابِعْه، فقال النبيُّ ◌َلِّ:
((هو صَغِيرٌ)) فمَسَحَ رأسه ودعاله.
وكان يُضَحّي بالشّاةِ الواحدةِ عن جميعِ أهلِهِ.
قوله: ((باب بَيْعَة الصَّغير)) أي: هل تُشرَع أو لا؟ قال ابن المنيِر: التَّرجمة مُوهِمَة، والحديث ٢٠١/١٣
يُزيلُ إيهامها، فهو دالٌّ على عَدَم انعقاد بَيْعة الصَّغیر.
ذكر فيه حديث عبد الله بن هشام التَّيميّ، وهو طَرَف من حديثٍ تقدَّم بکمالِه في كتاب
الشَّرِكَة (٢٥٠١) من رواية عبد الله بن وَهْب عن سعيد بن أبي أيوب، وفيه: فقالت:
يا رسول الله بایِعْه، فقال: «هو صغير)) فمَسَحَ رَأسه ودعا له.
قوله: ((وكان يُضَحّي بالشّاةِ الواحدة عن جميع أهله)) هو عبد الله بن هشام المذكور،
وهذا الأثَر الموقوف صحيحٌ بالسَّندِ المذكور إلى عبد الله، وقد تقدَّم الحكم المذكور في ((باب
الأَضحيَّة عن المسافر والنِّساء)) (٥٥٤٨)، والنَّقُلُ عمَّن قال: لا يُجْزِئ أُضحيَّة الرجلِ عن
نفسِه وعن أهل بيته، وإنَّما ذكره البخاريّ مع أنَّ من عادته أنَّه يَحِذِف الموقوفات غالباً، لأنَّ
المتن قصير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عبد الله بن هشام عاشَ بعد النَّبِيّ ◌َِّزماناً ببَرَكَةِ دعائه له،
وقد تقدَّم ما يَتَعلَّق به من ذلك في كتاب الدَّعَوات (٦٣٥٢).

٤٠٠
باب ٤٧-٤٨ / ح ٧٢١١ - ٧٢١٢
فتح الباري بشرح البخاري
٤٧ - باب مَن بايعَ ثمَّ استَقال البيعةَ
٧٢١١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن محمَّدٍ بنِ المُنكَدِرِ، عن جابرِ بنِ
عبدِ الله: أنَّ أعرابيّاً بايعَ رسولَ اللهِ وَلَ على الإسلامِ، فأصاب الأعرابيَّ وعْثٌ بالمدينةِ، فأتى
الأعرابُّ إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَقِلْنِي بَيْعَتي، فأَبَى رسولُ اللهِ وَ لَّ، ثُمَّ جاءَه
فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَّى ثمَّ جاءَه، فقال: أقِلْني بَيْعَتِي، فأَبَّى فخَرَجَ الأعرابيُّ، فقال رسولُ الله
وَّ: (إِنَّمَا المدينةُ كالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَها وتَنْصَعُ طَيِّبَها)).
قوله: ((باب مَن بايعَ ثمَّ استقال البيعة)) ذكر فيه حديث جابر في قصَّة الأعرابيّ، وقد
تقدَّم شرحه قبل باب.
٤٨ - باب مَن بايعَ رجلاً لا يُبَايِعُه إلّا للُّنيا
٧٢١٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، قال:
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يومَ القيامةِ ولا يُزَكِّيهِم، ولَم عذابٌ ألِيمٌ: رجلٌ
على فضْلٍ ماءٍ بالطَّرِيقِ يَمنَعُ منه ابنَ السَّبِيلِ، ورجلٌ بايعَ إماماً لا يُبَايِعُه إلا لدُنْياه، إنْ أعطاه ما
يُرِيدُ وفَى له وإلا لم يَفِ له، ورجلٌ بايَعَ رجلاً بسِلْعةٍ بعدَ العصرِ، فحَلَفَ بالله لقد اُعْطِي بها
كذا وكذا، فصَدَّقَه وأخَذَها، ولم يُعْطَ بها».
قوله: ((بابُ مَن بايعَ رجلاً لا يُبابِعُه إلّا اللُّنيا)) أي: ولا يَقصِدُ طاعة الله في مُبايعة مَن
يَستَحِقّ الإمامة.
قوله: ((عن أبي حمزة)) بالمهمَلةِ والزّاي: هو محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ.
قوله: ((عن أبي صالح)) في رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمَش: سمعتُ أبا صالح
يقول: سمعت أبا هريرةَ، كما تقدَّم في كتاب الشِّرب (٢٣٥٨).
قوله: (ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يومَ القيامة)) زاد جَرير عن الأعمَش: ((ولا يَنظُر إليهم))،
وسَقَطَ من روايته: ((يوم القيامة))، وقد مرَّ في الشَّهادات (٢٦٧٢)، وفي رواية عبد الواحد:
((لا يَنظُرُ الله إليهم يومَ القيامة))، وسَقَطَ من روايته: ((ولا يُكلِّمهم))، وثَبَتَ الجميع لأبي